الإثنين 23 تشرين1/أكتوير 2017
TEXT_SIZE

مشاحنات ترامب تعيد النظر بأهليته لتبوأ الرئاسة

 
صراع داخل القصر
 
لا يبدو ان زوبعة ترامب المفتعلة حول عدم مصادقته على الإتفاق الدولي النووي مع ايران ستغطي "إدمانه" على الإثارة حيث اضحت من ثوابت توجهاته وسلوكياته، سواء في البعد الداخلي او الخارجي، بهدف صرف الأنظار عن المواجهات والقضايا الحقيقية، وكذلك لتركيبته النفسية التي تجنح للتبسيط المفرط للقضايا الخلافية وشخصنتها.
 
الأزمة المتجددة اتخذت منحىً خطيراً في الأيام القليلة الماضية على خلفية "ملاسنة" بينه وبين أبرز زعيم في حزبه الجمهوري، السيناتور بوب كوركر، عززت شكوك وتكهنات المراقبين لحقيقة ما يجري "خلف الكواليس" من مناوشات بين البيت الابيض ومجلسي الكونغرس، لا سيما مع اقطاب الحزب الجمهوري عينه، وكذلك بين البيت الابيض ووزارة الخارجية.
 
شكك السيناتور بكفاءة وأهلية القائد الأعلى للقوات المسلحة لممارسة مهامه "بعد أن طفح الكيل" من الفوضى ومزاجية تصرفات الرئيس ترامب؛ مستخدماً مصطلحات قاسية اعتبرت "غير مسبوقة" في العرف السياسي الأميركي، معرباً عن قلقه من "تحول البيت الأبيض لمركز حضانة للبالغين."
 
أهمية السيناتور بوب كوركر لا تتمثل في موقعه السياسي البارز كرئيس للجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ فحسب، بل كان من أبرز المرشحين لدى الرئيس المنتخب ترامب لتعيينه إما لمنصب نائب الرئيس أو لوزارة الخارجية.
 
كوركر صرّح حديثاً بأن تصرفات الرئيس خلال الأزمات العالمية المستجدة "يشكل خطراً واضحاً وفورياً على السلام العالمي .. (إنه) يوجه تهديدات طائشة لدول أخرى يمكن أن تضع بلادنا على سكة حرب عالمية ثالثة." (مقابلة أجرتها معه يومية نيويورك تايمز، 8 أكتوبر الجاري). وأضاف أن الرئيس ترامب يتعامل مع مهام منصبه بخفة وعدم مسؤولية "وكأنه يدير برنامج تلفزيوني.."
 
كوركر، بعد أن تحرر من تبعات واستحقاقات الجولة الانتخابية المقبلة بإعلانه عزوفه عن الترشح مجدداً لعضوية مجلس الشيوخ في نهاية الدورة الحالية، أكّد في تصريح لاحق أن "عددًا كبيراً من أعضاء مجلس الشيوخ من الحزب الجمهوري يشاطرونه ذات الاعتقاد، لكنهم ليسوا أحراراً في التعبير الصريح عن ارائهم."
 
"الملاسنة" المتبادلة لم تقف عند هذا الحد، بل ذكّر السيناتور مشاهدي التلفزيون، 8 اكتوبر، باتهامات المستشار الاستراتيجي السابق للرئيس، ستيف بانون، حين قال الأخير أن "المؤسسة الرسمية في الحزب الجمهوري ترمي الى إبطال نتائج انتخابات عام 2016" الرئاسية.
 
توقيت "الانفجار" لم يخدم ساكن البيت الأبيض سيما وأنه كان على عتبة إعلانه قراره النهائي في مصير الإتفاق النووي، 13 أكتوبر قبل يومين من موعد المصادقة الدورية، وإنضمام عدد لا بأس به من قادة الحزب الجمهوري لجهود مناشدة الرئيس بعدم الانسحاب من الاتفاق الدولي؛ فضلاً عن التوترات المتصاعدة مع كوريا الشمالية.
 
احد المنابر الإعلامية المؤيدة للرئيس ترامب بشكل خاص، يومية واشنطن تايمز، 12 أكتوبر الجاري، لم يسعها الا الإقرار بأن "البيت الأبيض في عهد الرئيس ترامب أضحى نموذجا في الفوضى في الشهور الستة (6) الأولى" من الولاية الرئاسية.
 
في المحصلة، وجد ترامب نفسه "محاصراً" بل مقيداً من قبل الفريق الثلاثي النافذ، وزير الدفاع ومستشار الأمن القومي ورئيس مكتب موظفيه، لضبط ايقاعات تصريحاته بما يليق "بهيبة أميركا." وانبرى الجنرال المتقاعد جون كيلي، مدير مكتب موظفي البيت الأبيض، لوضع بعض اللمسات "الحضارية" على السلوكيات المثيرة للقلق عشية الإعلان عن موقف واشنطن من الاتفاق النووي. وكذلك فعل مستشار الرئيس للأمن القومي هيربرت ماكماستر.
 
خسارة الرئيس ترامب لتأييد "شخصيات محورية" من حزبه الجمهوري أسفرت عن ارتدادات عالمية لحالة "التخبط والارتباك" في قمة القرار السياسي الأميركي، وحفزت وزير الخارجية الالماني، زيغمار غابرييل، على تحذير الرئيس ترامب من تداعيات قراره بالانسحاب من الاتفاق النووي كونه "سيدق إسفيناً بين اوروبا والولايات المتحدة .. علينا القول للأميركيين أن سلوكهم بما يخص إيران سيدفعنا نحن الأوروبيين (نحو) الصين وروسيا وتبني موقفاً موحداً ضد الولايات المتحدة."
 
تجدر الإشارة الى مراعاة البعد الإقتصادي في الموقف الألماني إذ شهد التبادل التجاري بين ألمانيا وإيران ارتفاعاً في الأشهر الستة من العام الجاري بلغ 23% ليصل إلى 1.8 مليار يورو، وفق بيانات غرفة التجارة والصناعة الألمانية.
 
تخبط وعدم إتزان
 
الرئيس ترامب "بدأ ينكشف كشخصية غير مستقرة فاقدة الاتزان،" ويعتبر نفسه "العليم الأوحد" بكافة القضايا المطروحة، هي توصيفات بعض أقرب المقربين للرئيس في حديث نشرته شهرية فانيتي فير، بتاريخ 11 أكتوبر الجاري.
 
سلطت المجلة الشهرية الاضواء على الحال المزري الذي يعاني منه البيت الأبيض من "أزمة في اتخاذ القرار .. برزت على السطح" بعد الملاسنة المتبادلة مع السيناتور بوب كوركر، استندت فيها الى شهادات عدد من موظفين "رفيعي المستوى" هناك ومن مؤيدي الرئيس أيضاً.
 
 وأيدت المجلة في استقصائها معتقدات سابقة حول تواضع كفاءة الرئيس ترامب بالقول "يسود اعتراف متزايد بأن (الرئيس) ترامب لا يفهم متطلبات المنصب وهو عاجز عن مواكبة ذلك."
 
الأمر الذي أعاد للأذهان تصريحات المرشح ترامب، تموز 2016، ليومية واشنطن بوست، بأنه يتوصل لاتخاذ قراراته "بمعرفة قليلة جدا خارج النطاق المعرفي المتوفر، إضافة لترجيح الحس العام، وأتمتع بقدر كبير من الذوق السليم."
 
من بين الاجراءات التي "اضطر" الرئيس ترامب على تطبيقها بعد نصائح مستشاريه، لا سيما الثلاثي العسكري المذكور، الإقلاع عن إجراء مقابلات متلفزة "شائكة" تعود لتحاصره سريعاً على خلفية عدم انضباطه وسرعته في إطلاق الأحكام، بالإشارة الى "إلغائه" مقابلة مع شبكة سي بي أس لبرنامجا الأسبوعي الشهير 60 دقيقة.
 
في حفل استقبال الرئيس ترامب لرئيس الوزراء الكندي، جاستن ترودو في البيت الأبيض، 11 أكتوبر الجاري، لوحظ مدى عدم إتزانه بل وارتباك إجاباته في معرض رده على تساؤل الصحافيين علن مائدة غداء جمعته في اليوم السابق مع وزير الخارجية تيلرسون. أجاب ترامب "ممتاز. أنت تقصد في الاسبوع الماضي .. لأنني لم ألتق به اليوم على مأدبة غداء."؟ يشار الى أن اللقاء كان مدرجاً على الجدول اليومي الرسمي للبيت الأبيض.
 
مستقبل ترامب
 
حدة الخلافات مع شخص الرئيس ترامب أنعشت مطالب الراغبين بإقصائه عبر تطبيق ضوابط وأليات دستورية، والمناداة باستحضار مادة التعديل الخامسة والعشرين (25) من الدستور، التي تنص على التئام وزراء الإدارة لعقد إجتماع ينجم عنه قرار بالاغلبية يقدم كتوصية للكونغرس تطالب بإزاحته. على الرغم من توفر تلك "الآلية،" شكلياً على الأقل، إلا انها تستدعي الحصول على انضمام "وموافقة نائب الرئيس" لرفع التوصية، والذي لا يزال على رأس مهامه بتوجيهات رئيسه.
 
المشاحنات داخل الحزب الجمهوري ليست أسوأ الظواهر التي يواجهها. بل توعّد المستشار الاستراتيجي السابق للرئيس، ستيف بانون، بمواجهة وتحدي "كل عضو مجلس شيوخ عن الحزب الجمهوري،" أخفق في تأييد الرئيس، في جولة الانتخابات النصفية المقبلة، 2018، وتحريض القواعد الانتخابية على اسقاطه.
 
بانون المعروف بصراحته وفظاظته أوضح لشبكة فوكس نيوز أنه قد أعلنها حرباً "ضد المؤسسة الرسمية" للحزب والمكونة من "زمرة تدين بالولاء للعولمة."
 
رئيس مجلس النواب الأسبق، نيوت غينغريتش، لا زال يصطف الى جانب الرئيس ترامب، خاصة وأن زوجته عُينت سفيرة لدى الفاتيكان، انتقد توجهات بانون وأعوانه بالقول "إشعال حرب أهلية داخل الحزب الجمهوري قد ينعش الحالة النفسية للمرء، لكن تبنيها كإستراتيجية أمر ينم عن غباءٍ مذهل."
 
حالية الغليان التي تعصف بمراكز القرار السياسي الأميركي تتجه على الأرجح نحو مزيد من التأزم، وربما نشهد تجسيداً لوعود ترامب بأن "العاصفة" آتية لا محالة: لغته الرمزية لترحيل مسؤولية الاخفاقات السياسية وعدم وقوف اعضاء الكونغرس بقوة الى جانب الرئيس.
 
يرمي ترامب، من بين ما يرمي إليه، تحميل الكونغرس مسؤولية التصعيد مع إيران، كرد فعل وإرباك لحزبه الجمهوري على اخفاقاته في تأييد أجندة البيت الأبيض؛ وعند ميل الكونغرس لإتخاذ مسار آخر أقرب للديبلوماسية منه للمواجهة العسكرية يصبح ترامب في حِلٍ من المسؤولية ولن يتوانى عن التشهير بالاعضاء المناوئين في الحملات الانتخابية المقبلة.
 
الحالة النفسية المضطربة لترامب خرجت من حيز التكهن عند فريق مؤيديه وأوثق مساعديه، ودفعت بعضهم للتحدث علنا لوسائل الأعلام شريطة "التحفظ عن تحديد الهوية،" نتيجة قلق متنامي للانقسامات داخل الحزب الجمهوري والتي لن يتم احتوائها في المدى المنظور.
 
من المستبعد لدى تلك الدائرة الضيقة نجاح مساعي المناوئين "بتعطيل" صلاحيات الرئيس كقائد أعلى للقوات المسلحة، كما يتردد في الأوساط السياسية، مما يعزز من مخاوفهم بأنه لا يزال يملك الصلاحية القانونية لشن حرب قد تكون نووية هذه المرة.
 
=====================================
* Washington Bureau Chief of Almayadeen channel TV
 
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.">عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
 
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته."> عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
 

المشترَك الآن بين الشرق والغرب!

 
 
يشهد المجتمع الأميركي الآن صراعاً مهمّاً حول كيفيّة رؤية مستقبل أميركا وحول الاتّجاه الذي سيسير نحوه هذا المجتمع، وهو الذي قام تاريخه أيضاً على استخدام العنف، وما زال عددٌ كبير من ولاياته يرفض التخلّي عن اقتناء الأسلحة الفردية وفكرة الميليشيات المسلّحة!.
 
فأميركا تزداد حالياً فيها حالات العنف المسلح ومشاعر التمييز العنصري والتفرقة على أساس اللون أو الدين أو الثقافة، بعدما تجاوزت الولايات المتحدة هذه الحالة منذ معارك الحقوق المدنيّة في عقد الستّينات من القرن الماضي، وهذه الظواهر السلبية  تهدّد أمن ووحدة أي مجتمع وتعطّل أي ممارسة ديمقراطية سليمة فيه.
 
وهاهو العالم كلّه، وليست فقط الولايات "المنقسمة" الأميركية، يعاني اليوم من تصاعد ظاهرتيْ التطرّف والعنف، ومن أولويّة الأمن في المجتمعات، بينما تُهمّش فيها مسألة "العدالة الاجتماعية" والحاجة للعدل بين النّاس، بغضّ النظر عن لونهم وعرقهم ودينهم. فلم تعد قضية حقّ كلّ إنسان في الحرية وفي تأمين لقمة العيش وفي توفير العمل والسكن والضمانات الصحّية والاجتماعية هي الشغل الشاغل لهموم المعارك الانتخابية، بل أصبحت أولويات الحكومات في معظم دول العالم تتمحور حول قضايا الأمن والإرهاب ومشاكل المهاجرين، وهم هنا "الآخر" ثقافياً أو دينياً أو عرقياً!!.
 
أيضاً، تنشغل بعض الدول الآن بصراعات أمنية وسياسية حول قضايا "الدين والقومية والعلاقة مع الأقليات الإثنية"، في ظلّ مشكلة انعدام المفاهيم الصحيحة لهذه القضايا الكبرى، المعنيّ بها كلّ البشر. فالرسالات السماوية كلّها حضّت على العدل بين الناس، وعلى كرامة الإنسان، وعلى رفض الظلم والطغيان والجشع والفساد واستعباد البشر، وعلى إقرار حقّ السائل والمحروم، بينما نجد الآن بعض "رجال الدين والسياسة"، في الشرق وفي الغرب، يحضّون أتباعهم على التعصّب والتزمّت وعلى تقسيم المجتمعات بين "نحن" و"هم"، لكن ليس على معايير سياسية واجتماعية، فالغني الفاسد الجشع من الطائفة نفسها هو خيرٌ من الفقير المظلوم من الطائفة الأخرى!!.
 
الرسالات السماوية وضعت الكثير من الضوابط للسلوك الإنساني على الأرض، تجاه الآخر والطبيعة عموماً، لكن البشر، الذين أكرمهم الله أيضاً بمشيئة الاختيار بين الخير والشر، بين الصالح والطالح، لا يحسنون دوماً الاختيار، فتتغلّب لديهم الغرائز على القيَم، والمصالح على المبادئ، والأطماع على الأخلاق. فتكون النظرة إلى "الآخر" قائمة على تحقيره أو تسخيره، وليس على المشترَك معه من مفاهيم وقيم دينية أو إنسانية. وكم من حروبٍ وصراعاتٍ دموية حصلت وتحصل لمجرّد وجود الإنسان "الآخر" في موقع طائفي أو مذهبي أو عرقي أو مناطقي مختلف، دون حتّى أي معرفة مباشرة بهذا الإنسان "الآخر"!!
 
وما هو سلبيٌّ مشترَك أيضاً الآن بين "الشرق" و"الغرب"، هو حجم المسافة الشاسعة بين ازدياد عدد الممارسين للشعائر الدينية، وبين قلّة عدد من يطّبقون ما تدعو اليه الرسالات السماوية من قيم وأعمال صالحة، ومن واجب نشر روح المحبة وتحقيق السلام بين البشر.
 
ولعلّ المأساة تظهر الآن جليّةً من خلال حروب وفتن وأعمال قتل وإجرام حدثت أو قد تحدث تحت "شعارات دينية" في أكثر من مكان شرقاً وغرباً. وللأسف، فإنّ كل مُشعِلٍ الآن لفِتنة على الأرض يختبئ وراء مقولات تستند إلى ادّعاءات الوصل بالأديان، والأديان منها براء.
 
وليست هي المرّة الأولى الّتي تُعاصر فيها بلدان العالم هذه الأزمات الأمنية الناتجة عن مزيج من مشاعر العنصرية والكراهية. فالتّاريخ الإنساني حافلٌ بهذه المشاعر السلبيّة بين الجماعات والشعوب. لكن ذلك كان محدوداً في أماكنه، ومحصّلة لتخلّف اجتماعي وثقافي ذاتي أكثر ممّا هو نتيجة لتأثيراتٍ خارجية. 
 
أمّا عالم اليوم فقد "تعولمت" فيه مشاعر العنصرية وصيحات الكراهية. إذ ربّما ساهم التطوّر العلمي في وسائل الإعلام وفي التقنيّة المعلوماتيّة بتحمّل مسؤوليّة هذه "العولمة السلبيّة". ويبدو العالم، الذي وإن اقترب من بعضه البعض إعلاميّاً وخبريّاً، فهو يتباعد ثقافيّاً واجتماعيّاً.
 
وقد سادت في مطلع هذا القرن الجديد ظواهر تطرّف وأعمال إرهاب شملت جهات الأرض الأربع، ولم تزل فاعلةً في كلٍّ منها، حيث انتعش بعدها التطرّف السياسي والعقائدي في كلّ بلدٍ من بلدان العالم، وأصبح "المتطرّفون العالميّون" يخدمون بعضهم البعض وإن كانوا يتقاتلون في ساحاتٍ مختلفة!.
 
عربياً، فإنّ الصراعات الدائرة الآن تخضع إلى توصيفين يكمّل كلٌّ منهما الآخر:
 
التوصيف الأول الذي يراها كصراعٍ بين قوى إقليمية ودولية فقط. أمّا التوصيف الثاني، فيصوّرها فقط صراعاً داخلياً على الحكم. فإذا كانت هذه التوصيفات تعتمد المواقف السياسية كمعيار، فإنّ ذلك يُسقط عنها السِّمة الطائفية أو المذهبية أو الإثنية، حيث نجد حلفاء هذا الطرف أو ذاك ينتمون لطوائف وجنسيات مختلفة إقليمياً ودولياً.
 
لكن يبقى السؤال في المنطقة العربيّة عن مدى جاهزيّة الأطر البديلة فكريّاً وعمليّاً لنهج التطرّف وجماعات العنف!. وكيف يمكن بناء مستقبل أفضل للشعوب وللأوطان وللأمّة ككل إذا كان العرب مستهلكين إعلامياً وفكرياً وسياسياً بأمورٍ تفرّق ولا تجمع!.
 
فلقد أدّى الواقع الانقسامي العربي، وما يزال، إلى بعثرة الطاقات العربية (المادية والبشرية) وإلى صعوبة تأمين قوّة فاعلة واحدة لمواجهة التحدّيات الخارجية أو للقيام بدورٍ إقليمي مؤثّر تجاه الأزمات المحلية، بل أدّى أيضاً لوجود عجزٍ أمني ذاتي لا يستطيع التعامل مع ما يطرأ من أزماتٍ وصراعات داخل المنطقة، ويبرّر الاستعانة بقوًى أمنية خارجية قادرة على حلّ هذه الصراعات.
 
إنّ التصحيح العربي المنشود لهذا الواقع لا يكون بالتخلّي عن هدف التعاون العربي المشترك، بل بالسعي للتكامل الاتحادي الذي يحافظ على الخصوصيات الوطنية لكلّ بلدٍ عربي (كما في التجربة الأوروبية)، وذلك يتطلّب طبعاً البدء بإصلاح الإعطاب في الجسم الدستوري السياسي العربي، وفي مؤسّسات الإدارة، وفي هيئات التخطيط والتشريع والرقابة، وبضرورة الإصرار على هدف التكامل العربي مهما كانت الصعاب والعوائق.
 
فالأمّة العربية الآن هي أمام الخيار بين تكامل الوطنيات العربية القائمة أو الانحدار أكثر في تفتيت البلاد العربية إلى دويلات طائفية ومذهبية وإثنية، متصارعة فيما بينها ومتفّق كلّ منها مع قوى أجنبية ومع مشاريع إسرائيلية وإقليمية لمستقبل المنطقة!!
 
إنّ بلدان المنطقة العربية تعاني الآن من حالٍ خطير من هبوط مستوى العلم والتعليم والمعرفة. والأمر لم يعد يرتبط فقط بمستوى الأمّية الذي يزداد ارتفاعاً في عدّة بلدان عربية، بل أيضاً بانحدار مستوى التعليم نفسه، وبهيمنة فتاوى ومفاهيم دينية تُعبّر عن "جاهلية" جديدة  تُخالف حقيقة الدين ومقاصده.
 
فمشكلة البلاد العربية، والعالم الإسلامي عموماً، ليست في مواجهة الجهل بمعناه العلمي فقط، بل أيضاً في حال "الجاهلية" التي عادت للعرب والمسلمين بأشكال مختلفة، وعلى مدى قرون من الزمن توقّف فيها الاجتهاد وسادت فيها قيود فكرية وتقاليد وعادات ومفاهيم هي من رواسب عصر "الجاهلية".
 
هنا تصبح مسؤولية الحكومات ومؤسسات المجتمع المدني، لا في تحسين مستويات التعليم ومراكز البحث العلمي فقط، بل بالمساهمة أيضاً في وضع لبنات لنهضة عربية جديدة، ترفع الأمّة من حال الانحطاط والانقسام والتخلّف إلى عصر ينتهج المنهج العلمي في أموره الحياتية ويعتمد العقل والمعرفة السليمة في فهم الماضي والحاضر، وفي بناء مستقبلٍ متحرّرٍ من فتاوى أدعياء العلم بالدين.
 
=========================================
*مدير "مركز الحوار العربي" في واشنطن:    
 
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.">عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
 
لقراءة مقالات صبحي غندور عن مواضيع مختلفة، على الرابط التالي:
 

مقدًّمات التفتيت وما بعدها

 
الاستفتاء في الشمال العراقي موضوع لا يحتمل المجاملة والغمغمات السياسية المترددة الحذرة، كما لا يستدعي المماحكات الصبيانية بشأن الأصول والتاريخ والجغرافيا وأخطاء هذه الجهة أو تلك.
 
 فما يثير المخاوف والتعجب والرفض ليست نتائج الاستفتاء الذي تمُ في الشمال العراقي، بمباركة ساطعة متحدًية من قبل استخبارات الموساد والقوى الصهيونية العالمية.
 
فنتائج ذلك الصخب الهستيري المنظُم برعاية صهيو – استعمارية، وتحت رايات النجمة السداسية، ممزوجة بشهوة السلطة والنًهب عند هذا السياسي المحلي أو ذاك، كانت منتظرة ومعروفة مسبقاً.
 
ما يحيًر هو ردُ الفعل القصير النظر العاجز اللامبالي للغالبية الساحقة من أنظمة الحكم ومؤسسات المجتمع المدنية العربية نحو ذلك الحدث المفجع الخطير في الحياة العربية.
 
كنا ننتظر موقفاً عربياً واحدأ وصوتاً رافضاً مجلجلاً عربياً واحداً، يصدر بإجماع الدول العربية، من خلال كل المؤسسات المشتركة الإقليمية والقومية، وذلك لمساندة الدولة العراقية العضو في كل تلك المؤسسات، في رفضها الدستوري والقانوني والأمني والسياسي والاقتصادي لنتائج استفتاء مشبوه مسرحي يهيئ لتقسيم العراق ونهب ثرواته البترولية والغازية وإضعافه كدولة عربية مركزية.
 
فما حدث في العراق ليس حدثاً محلياً، وليس حدثاً عابراً محصوراً في الشمال العراقي، وليس تصحيحاً لممارسات خاطئة من قبل هذا الزعيم العراقي أو ذاك. إنه مقدًمة لمؤامــرة صهيو-استعمارية كبرى لتمزيق كل قطر عربي بدون استثناء، بدأت بتصريحات من قبل أمثال كيسنجر وعرُاب الفكر الصهيوني برتراند لفي، ووصلت إلى قمُتها بتدريب وتمويل وتسليح ورعاية الميليشيات الإرهابية الجهادية الرافعة لرايات الإسلام زوراً وبهتاناً، ثمُ توزيعها على سائر أجزاء وطن العرب لتعيث فيه فساداً وتدميراً عمرانياً وبشرياً وحضارياً.
 
ولذلك فبعض ردود الفعل العربية الخافتة البائسة، التي ترفض أن ترى الصورة الكاملة للوضع العربي المتردًي، تدل على أن الفاعلين في أرض العرب لايقرأون الأدبيات السياسية الصهيونية واليمينية الأميركية، ولا يفهمون الإشارات التي ظلًت ولازالت تشير إلى حلم جعل العرب هنوداً حمراً آخرين يعيشون في المعسكرات ككائنات للتفرُج والشًفقة والتسلية.
 
لا يحتاج الإنسان لمعرفة عظم وفداحة تلك المؤامرة إلاُ أن يقرأ أو يسمع ما يقال في كل بلدان المغرب العربي ووادي النيل العربي والمشرق العربي والخليج العربي حتى يعرف أن ما حدث في العراق ليس إلاُ لجَس النبض ومعرفة حجم ردود الفعل من قبل سلطات الحكم ومؤسسات المجتمع العربي وشبكات التواصل العربية.
 
فاذا كان ردٌ الفعل ضعيفاً وباهتاً وجزئياً وصرخات في فلاة قاحلة فان الوحش الكاسر سينتقل للهجوم على الضحية التالية، ولن تردعه مناقشات أو تحفظات باهته من هنا أو هناك. وكمثال لمقدار العبثية في قصر النظر إلى هذا الأمر دعنا نشير الى ما كان يجب أن يكون عليه الموقف العربي الخليجي. فالعراق كان ولايزال محسوباً على أنه بالغ الأهمية في التركيبة الاستراتيجية القومية العروبية للخليج العربي.
 
إن ضععه هو ضعف للتوازنات في الخليج، وقوته هي تعديل للتوازنات السياسية والأمنية والاقتصادية في الخليج. ولذلك فقد كان منتظراً أن يقف مجلس التعاون بصوت واحد، لا بأصوات متفاوتة، ضدً الاستفتاء ونتائجه، ومع وحدة دولة العراق الشقيق المنهكة بمحاربة الإرهاب الجهادي من جهة والخروج من تحت عباءة التدخلات الإقليمية والصهيونية والأميركية من جهة أخرى.
 
لقد كانت فرصة لأن نشعر شعب العراق بأن أخوته في الخليج لن يخذلوه في مواجهة محنته الجديدة، كما خذله الكثيرون إبًان الاجتياح الأميركي الذي بني على الكذب والتلفيق والحقارات الاستخبارية، والذي أدت تدخلاته الاستعمارية الطامعة الفاسدة في أمور ذلك البلد العربي إلى الدمار العمراني والبشري الهائل وإلى فتح الأبواب أمام معاناته من قبل بربرية داعش وأمها وأخواتها والمتعاطفين المخدوعين معها.
 
لكن ذلك الموقف القومي الأخوي لم نلمسه. ثم يستغرب المسؤولون الخليجيون لماذا يتصاعد النفوذ الإقليمي غير العربي، بينما يبهت ويتلاشى النفوذ العربي الخليجي وغير الخليجي، القائم على الأخوة والعروبة والمصير المشترك.
 
وفي المستقبل، عندما يصل الدور لدول الخليج العربي لتفتيتها وإرجاعها إلى عصر الدويلات القبلية الهامشية السقيمة الفقيرة، هل ينتظر من العراق آنذاك، بعد أن يتعافى، وسيتعافى، أن يلعب دوره القومي المعتاد ضدُ من يسعى إلى تمزيقها وتقسيمها فيما بين القبائل والمذاهب؟
 
لنؤكد من جديد بأننا مع الحقوق الإنسانية الكاملة والمواطنة المتساوية والنًصيب العادل في الثروات المادية والمعنوية للأخوة الأكراد. لكننا نؤمن بأن أربيل هي ملك شعب العراق كله، مثلما أن البصرة أو بغداد أو كربلاء هي الأخرى ملك لكل شعب العراق، بما فيه الأخوة الأكراد. وبالتالي فلا الأخلاق ولا المنطق ولا إيماننا بوحدة هذه الأمة العربية وهذا الوطن العربي يسمحون لنا بقبول تقسيم أو تجزأة أي قطر عربي.
 
في كل صباح، عندما أنهض من فراش نومي، يلحُ عليُ سؤال لا أستطيع مقاومة إلحاحه وسيطرته على عقلي ووجداني. اسأل نفسي: هل لازال في مجتمعات العرب عقل يدقًق ويريد، أو إحساس بالكرامة المسلوبة، أو قلق على المستقبل المليئ بالإخطار -او شعور بالخوف الغريزي عند تكالب الأعداء وإحن الأزمنة؟
 
فما جرى في فلسطين المحتلة وجنوب السودان وشمال العراق واليمن وسوريا وليبيا والصومال، وما سيجري في كل أرض العرب، لا يمكن إلاً أن يشير إلى أجوبة مرعبة لتلك الأسئلة اليائسة.
 
بكل ألم أقول بأنه ما عاد هناك أمل إلاً في أطفال وشباب وشابات ونساء العرب، بعد أن مزق تخبًط رجال العرب السياسي، جيلاً بعد جيل، عبر القرون الطويلة، أحلام وآمال وتطلعات ونضالات وتضحيات أمة بكاملها.
 
==============================================
*طبيب وأديب وسياسي ومفكر بحريني، تولى سابقاً منصب وزير التربية و التعليم في البحرين. عضو في مجلس أمناء المنظمة العربية لمكافحة الفساد وعضو مؤسس في المؤتمر القومي العربي.
 
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.">عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
 

بغداد واستفتاء كردستان

أصاب العبادي في مواقفه بإصراره على شرعية الدستور ومنطق الدولة وحصل بذلك دعم المجتمع الإقليمي والدولي لكن لن تقدر حكومة العبادي على تجاهل تبعات الإستفتاء وعليها المبادرة بمشاركة تركيا وايران المسؤولية في صناعة الموقف وتحمل تبعاته لن يكفي الدعم الدولي والاقليمي في صناعة السلام وعلينا تعبئة نخب عراقية في مسارات متكاملة من أجل حفظ الأمن ودفع الفتنة والتفاوض مع الاقليم نجح البارزاني في لعبة الاستفتاء وعزز قيادته التاريخية للكرد وتجاوز رزمة خلافات داخلية وإستحقاقات مالية ومطالب سياسية ولكن لن يقدر البارزاني على تجاهل ايران وتركيا وسيتعامل معهم بواقعية ويقبل مطالبهم ويطمئنهم على مسار ومستقبل الاقليم لن يتنازل البارزاني عن نفط كركوك مهما كان الثمن ويحزنني ان أرى هذه المدينة المختلطة المتنوعة تسير نحو التمزيق الدموي أكبر أزمة في طريقنا هي كركوك وستكون أصعب أزماتنا بسبب النفط الذي سيتقاتل عليه الجميع ولأن كركوك رمز تنوع العراق أتذكر اقتتال 96م بين الطالباني والبارزاني وسببه حينها نزاعهما على عائدات تهريب سكائر ومشروبات (ريع 50 ألف دولار يوميا) حاول المرحوم الجلبي آنذاك وقف نزاعهما وهما ركنا المؤتمر الوطني العراقي الموحد وذهب ضحية ذلك النزاع أكثر من 5 آلاف مقاتل من البيشمركة الزعماء اليوم هم هم والأحزاب هي هي ولكن عائدات النفط أكبر من عائدات السكائر بألف مرة ومعاركها ستكون أكثر شراسة إن حصلت لا قدر الله أعرف جيدا الشخصيات الكردية والأجنبية التي اجتمعت في أربيل لتدير ملف الاستفتاء (ومنهم السفير زلماي والسفير غالبريث) أتذكر جيدا ما قاله لي غالبريث في 2005 حينما اقام لمدة ثلاثة أسابيع في بيت البارزاني في المنطقة الخضراء وقال لي انه كتب بنفسه مسودة الدستور وقال انه وضع فيه ما يزيد على طموح الكرد و ان ما كتبه في الدستور هو قمة ما يمكن ان يحصل عليه أي إقليم فيدرالي في العالم ما عدا الانفصال (حصل غالبريث بسبب خدماته على امتياز وثروة نفط) وألف بعدها كتاب (نهاية الدولة العراقية) أعرف الكثير عن شخصية زلماي من خلال عملي في بغداد عام 2005 وعرفته لسنوات في عملي السابق في المؤسسة الوطنية للديمقراطية وهو واحد من عشرات الخبراء الذين يدفع لهم سياسيو الكرد في حملات اللوبي والترويج في واشنطن بغض النظر عن مسار وتوتقيت الانفصال فان العراق دخل مرحلة جديدة تتطلب رؤية وخطابا جديدين لم تكن ابدا مشكلة العراق في تنوع شعبه ولكن في عجز الإيديولوجيات السياسية فيه عن صناعة الحلول وفشل الأحزاب في مساءلة الزعماء ستكشف أزمة كركوك المقبلة عن عجز الدعوات العنصرية المتلبسة الثوب القومي وعن قبح الدعوات الطائفية المتلبسة الثوب الديني وأن هذه الدعوات صارت من مشاكل العراق ولن تصنع حلوله لن يقدر أحد على فصل العراقيين عن بعضهم البعض بالقوة كما تفعل بورما مع الروهينغا وكما فعل صدام في أنفاله وكما فعل ميلوسوفج في البوسنة سيبقى العراق غنيا بتنوع أهله ولن يكون شعبه اقطاعا (متنازعا عليه) ولن يكون أهله غنائم زعماء وأحزاب ولابد أن يعود أقوى وأفضل ستبقى كل مدن العراق مختلطة ثقافيا وعرقيا ودينيا وهي ثروة العراق وجمال نسيجه مر التاريخ الاسابيع القادمة ستكون صعبة مملؤة بالفتن ولا بد من ضبط الكلمة ودقة حساب الموقف لنتفهم مجددا وبقلوب مفتوحة تصويت الكرد للإنفصال ونؤكد لهم مجددا حبنا وحرصنا على مستقبلهم ولنمتنع كاملا عن ترويج كلمات الشر لندعم تلاحم العراق عبر حسن استخدام الاعلام المجتمعي بنشر الكلمة الطيبة والإمتناع عن نشر كلمة السوء وفضح سموم الجيوش الالكترونية لنتواصل مع كل اعلامي حر ونطلب منه إعلاء الكلمة الطيبة والدعوة الى حماية كل أهل العراق وعدم المشاركة في الفتن القادمة لنتواصل مع كل قريب له نفوذ سياسي او حكومي ونسأله أن يعمل بمسؤولية على مراعاة كل المواطنين وإن خالفوه الرأي والموقف السياسي (قل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان للإنسان عدو مبين).
 

الخطأ في تقديرات القيادة الكردية

لو قدر لبسمارك  القائد القومي الذي وحد ألمانيا في القرن الثامن عشر ان يكون بيننا الآن هل سيتصرف مثلما تصرف  السيد مسعو البرزاني؟.
ماذا سيفعل بسمارك  لو كان حيّا وهو يرى المستشارة انجيلا ميركل تحتضن اللاجئين الى ألمانيا من كل الأعراق والملل؟.
ان التفكير ببناء دول قومية تجاوزه الزمن بفعل  تطور المجتمعات ثقافيا وتقنيا من قيام ثورات  تكنولوجية شملت الاتصالات والتواصل وقيام اتحادات اقتصادية وسياسية عابرة للقارات.
هذه الأسباب وغيرها قزمت الطموحات القومية والدينية والنزعات الانفصالية.
فشلت ثورة الشريف حسين التي قامت في عام ١٩١٦ ببناء وطن قومي عربي واحد، مثلما فشلت وحدة عبد الناصر مع سوريا وفشل مشروعه القومي الوحدوي، وفشلت كل الاحزاب القومية العربية في تحقيق اي من أهدافها الوحدوية.  
التعاطف الشعبي والتفاخر بالانتماء القومي ليس كافيا لقيام دولة .ابسط المستلزمات المطلوبة لقيام الدولة: ان يكون لديها قاعدة صناعية وزراعية وموقع جغرافي بإطلالة على منفذ بحري او تواصل مع دولة جارة لربطها على منفذ بحري، وبنية تحتية تؤمن حياة مواطنيها، وعدم تعارضها مع إرادة محيطها الإقليمي والدولي . وإلا تصبح بنظر القانون دولة مارقة.
هل لدى كردستان اي من هذه الشروط؟.
في لقاء تلفزيوني للسيد حسن العلوي مع  الاعلامي غزوان جاسم  قبل الاستفتاء على قناة دجلة الفضائية  قال: (اللي يريد يسوي استفتاء لازم عنده قاعدة صناعية ،أنتم عدكم مول وموبايل .. ما عدكم سايلو تحفظون بيه الحبوب لمدة شهر ما عدكم مخزن مي الان مي بأربيل ماكو).
الاعتماد على تأيد ومباركة اسرائيل العلنية ومباركة السعودية والإمارات المبطنة ليس كافيا ومشجعا لقيام دولة.
اسرائيل محاطة بالأعداء من كل جانب، ولم تتمكن من حماية نفسها وتوفير الأمن لمواطنيها على الرغم من الدعم الكامل والمساعدات العسكرية الكبيرة التي تحصل عليها من امريكا والغرب منذ تأسيسها الى اليوم ، وعجزت عن تحقيق مشروعها في سوريا المجاورة لها بقيام كيان يفصل بينها وبين الدولة السورية.
ما مقدار الدعم الذي ستقدمه اسرائيل لضمان قيام دولة كردية في شمال العراق؟.
علما ان اسرائيل غير مستعدة لخسارة جندي واحد من اجل دولة اخرى لان قانونها لا يسمح بذلك.
بالمختصر اسرائيل لا تحارب من اجل الغير، ولها تجارب عديدة في التخلي عمن خدموها، جيش أنطوان لحد في جنوب لبنان مثالا حيّا على ذلك.
دعمت اسرائيل أنفصال جنوب السودان، وقامت دولة جنوب السودان التي تمزقها الحرب الأهلية الآن،  ونفضت اسرائيل يدها عن جنوب السودان بعد الانفصال.
 يريد السيد مسعود برزاني تأسيس دولة ليس لها منفذ بحري ولا تحظى بقبول  دول الجوار، لا بل وصل  الامر الى حد العداء والتهديد بالتدخل عسكريا من جميع الدول المحيطة بها.
اعتقد ان القيادة الكردية في حالة ذهول، لأنهم لم يتوقعوا ردود الأفعال ان تصل الى هذه الدرجة. خطاب  السيد مسعود البرزاني بعد الاستفتاء يثبت صدقية اعتقادي، لانه حسب حساب ردات فعل عسكرية عراقية طائشة، لانه اعتقد: (انهم مهما فعلوا فلن يصلوا الى ما فعله صدام في الانفال). هذا هو سوء التقدير والخطأ بعينه.
عشرون عاما  مضت وحكومة  كردستان مسؤولة عن معيشة خمسة ملايين مواطن ولا يمكن المقارنة بزمن صدام وحروبة وعدم مسؤولية الاحزاب الكردية عن معيشة المواطن الكردي آنذك . العقوبات المفروضة والمقترحة ممكن جدا ان تؤثر على حياة سكان الإقليم وتؤثر على رفاهية العيش وتعدم  السياحة والاستثمار بعد ان تصبح كردستان منطقة قلاقل وغير آمنة.
الخطاء القاتل في حسابات القيادة الكردية توقعها المعلن ان ردود الأفعال ان حصلت ستكون انية وسيقبل الجميع بالأمر الواقع. 
هل من المعقول ان يكون التفكير سطحيا الى هذه الدرجة؟.
هل ستترك دول كبرى وعظمى مثل تركيا وايران وروسيا وحتى الصين  قيام دولة كردية توالي اسرائيل  وأمريكا بمناطق نفوذها؟. 
بعد ان تبين موقف المرجعية الرافض لتقسيم العراق وتاكيدها على حل المشكلة بالحوار بموجب الدستور وان تكون المحكمة الاتحادية هي الفيصل، أعقب ذلك موقف امريكي واضح من وزير الخارجية برفضهم للاستفتاء ونتائجه، وموقف المجتمع الدولي والعراق شعبا وبرلمانا وحكومة  ودوّل الجوار والدول الإقليمية  وصرامة موقف الجميع من الاستفتاء ونتائجه . من الخطأ الاستمرار بالمكابرة والعناد وتعريض شعبنا الكردي لمحن إضافية.
الشجاعة تتجلى بتقديم مصلحة الاكراد على مصالح الساسة والتراجع عما سيؤدي الى ايذاء  شعبنا الكردي. 
 التراجع عن السياسات غير محسوبة النتائج ليس عيبا، العيب كل العيب هو الإصرار على سلوك دروب وعرة لا تصل بشعبنا الكردي الى الاستقرار وبر الأمان.
"يجب ان لا نلوم الآخرين على ما بنا من عيوب " اريك هوفر
============================================
المصدر:

إلى أين من هنا يا عرب

أعترف، وأنا أحد الذين قضوا سنوات غير قليلة يهتمون بالشأن العربي في عمومياته كما في تفاصيله، بأنني أجد صعوبة في تحديد خطوط استرشاديه تقودني للإجابة على السؤال، إلى أين من هنا ذاهبون نحن العرب. لا يخالجني شك في أن بعض العرب لا يذهبون بإرادتهم إلى مكان في المستقبل. نادرا ما فعلوا. عاشوا ويعيشون في انتظار من ينقلهم إلى المستقبل، هم دائما في انتظار من يرسم لهم خرائطهم بعد أن يقرر لنفسه موقعا فيها. أعرف أن أحد أسباب الصعوبة التي تواجهني، وكثيرين غيري، هو أن واقعا جديدا في الإقليم يتطور متسارعا وفي اتجاهات عديدة ولكن بخطوات ثابتة، وبنشأته المترددة وبالخطوات التي خطاها يطرح معضلات عويصة.
***
انتهت إسرائيل قبل أسبوع من مناورات عسكرية أجرتها على مقربة من لبنان قيل عنها إنها الأطول والأهم في تاريخ التدريبات الإسرائيلية. انعقاد هذه المناورات وبهذا الحجم والأعداد يعني بالنسبة لشخص مهتم بخطوط وتفاصيل واقع جديد في الإقليم أن إسرائيل سوف تركز على جانب تراه حيويا لها ولمستقبلها من بين جوانب عديدة لواقع إقليمي جديد. لا أظن أن أحدا من المراقبين المخضرمين سوف يختلف مع رؤية إسرائيل لهذا الجانب من الواقع الناشئ في الإقليم. تقول مؤشرات غير قليلة العدد والأهمية إن قوات حزب الله “ما بعد الحرب السورية” تختلف اختلافا مهما عن حال القوات التي تقرر ذهابها إلى سوريا قبل ست سنوات. تعود قوات حزب الله من سوريا حاملة رصيدا معتبرا من الأسلحة، وأكثرها متقدم تقنيا، وحائزة على تجربة فريدة في حرب طويلة في أراضي متباينة التضاريس وبين سكان مختلفي المذاهب والطوائف. تدربت قتاليا واستراتيجيا خلال هذه السنوات بكثافة لم تتح لها خلال معظم سنوات المقاومة بما فيها مرحلة التصدي للعدوان الإسرائيلي في 2006. تدربت وتدرب الحزب أيضا سياسيا على صعيدين: صعيد التعاون أو النزاع الداخلي في لبنان في شؤون إدارة الدولة في وقت أزمة وحرب دائرة على الحدود وأحيانا مخترقة لها، وصعيد التفاوض المباشر مع قوى دولية كبيرة وعقد المعاهدات والاتفاقات وتبادل النصائح والصفقات.
هكذا حزب مزودا بهذه القوة العسكرية يستطيع الآن أن يركز جل اهتمامه وجهوده على الساحة اللبنانية الداخلية. يستطيع أيضا وفي الوقت نفسه إيلاء الجبهة اللبنانية مع إسرائيل أولوية نشاطه. يستطيع ثالثا التأثير وبفاعلية في معادلات توازن القوى في الإقليم، سواء ما تعلق بالتوازنات بين دول الجوار أو ما تعلق بتوازناتها مع القوة العربية مجتمعة أو منفردة أو ما تعلق بتوازنات القوة بين الدول العربية، علما بأنني أعتقد أنه ساهم فعلا في الانتهاء من حسم بعض هذه التوازنات لصالحه وصالح حلفائه في الإقليم وخارجه. بمعنى آخر أتصور أن الحزب لا بد وقد ترك وراءه في ساحات معاركه وقاعات التفاوض بصمات تثبت أنه أحد أهم القوى العربية التي ساهمت في وضع بعض أسس ما يمكن أن يقوم عليه واقع إقليمي جديد. أعتقد أخيرا أن إسرائيل لن يهدأ لها بال قبل أن تتمكن من العثور على معادلة جديدة للقوة تحفظ لها هيمنتها في الإقليم، وتضمن لها الفوز في السباق على النصيب الأكبرمن أنصبة القوة والنفوذ في الشرق الأوسط.
***
منذ أن سمعت السنيور دي ميستورا، ممثل الأمم المتحدة في الأزمة السورية، يخاطب مستمعيه متهما إياهم بالفشل قائلا إنه على المعارضة السورية قبول أنها لم تنتصر في الحرب الدائرة بينها وبين النظام. وأنا أسأل كل من أعرفه مهموما بالأزمة وملحقاتها، من كان يقصد السيد دي ميستورا بالتحديد، هل كان يقصد كل الحاضرين أم قطاعا كبيرا منهم؟ هل كان يقصد أطرافا غائبة جندت بعض الحاضرين ودعمتهم ومولت أنشطتهم أو خططت لهم وقادتهم فانتهت بهم إلى هذا الفشل؟ هل حصل السيد ممثل الأمين العام والأمم المتحدة على تفويض من رئيسه المباشر، وأقصد السيد جوتيريس الأمين العام أو السيد فيلتمان مدير الدائرة السياسية في المنظمة الدولية، ليصدر جهرا حكما نهائيا بفشل جسيم حققه هؤلاء الناس الجالسين في حضرته ومنتظرين ما يعلنه من خطوات لإنقاذ ماء وفير يقطر خجلا من وجوه عربية كثيرة داخل القاعة وخارجها؟ أسأل وأسأل ولكن لا يفوتني أن أسال السيد الممثل الدولي لماذا يعتبر نفسه غير مسؤول عن استمرار حرب عبثية. لماذا فشل في وقفها في وقت مبكر، هذه الحرب التي توقفت في النهاية أو هي الآن في طريقها لتتوقف، ولكن بإرادة وتدخل من خارج العملية الأممية والمهمة التي كلف بإنجازها الممثل الدولي.
***
تباينت البيانات عن قواعد عسكرية روسية تقام في سوريا بالاتفاق مع حكومة دمشق، وأن قاعدة على الأقل باقية على الأراضي السورية لخمسين عام. أتصور أنه في الظروف الراهنة لن نعرف عن هذه القواعد الروسية أو الأمريكية الشيء الكثير قبل أن يستعيد النظام في دمشق بعض الصدقية في أهليته الفعلية وليست القانونية. إلا أننا لا نستطيع تجاهل حالة الوفاق الاستراتيجي “الإقليمي الطابع” حتى الآن بين المؤسستين العسكريتين الأمريكية والروسية. نتج هذا الوفاق فيما يبدو عن حال الاسترخاء السياسي والعسكري الذي مارسته إدارة أوباما في الشرق الأوسط وحال الرغبة البوتينية الشرهة للتوسع وزيادة نفوذ روسيا في الإقليم. نتج أيضا عن انسجام أهداف الدولتين في حربهما المحدودة ضد الإرهاب في سوريا والعراق، وعن عجز الولايات المتحدة عن تحقيق تقدم في الأزمة السورية بسبب خلافات إدارة الرئيس أوباما مع دول الخليج العربية المشتركة في الحرب ضد الرئيس الأسد والممولة لبعض الميليشيات التي أعتقد الروس أنها متطرفة أو إرهابية.
قواعد أمريكية وقواعد روسية وربما تسهيلات أخرى وقواعد لفرنسا وإيران وتركيا تهيمن بعضها على ممرات تجارة وهجرة وتهريب أسلحة تربط بين دول في وسط أسيا وشرقها ودول جوار وبين شواطئ المتوسط. لكل دولة حلم تتمنى تحقيقه قبل أن تستقر التسويات وتقنن في نيويورك أو غيرها. الصين تريد الاطمئنان على أمن محطات حزامها وطريقها للحرير. كذلك سيكون لإيران ممر أو ممرات ولتركيا قواعد انطلاق وهيمنة وملاحقة ولأمريكا وروسيا وفرنسا قواعد ارتكاز لحماية مسارح النفط ومسارات الغاز والدفاع عن النظام الحاكم في دمشق. هنا في سوريا سوف يصدر الإعلان في أقرب فرصة عن هوية المشرق.
أسأل وألح في طلب إجابة عاجلة من مجلس جامعة الدول العربية، باعتبارأنه المسؤول بقرارات اتخذها عن الكثير من المآسي التي لحقت بالأمة العربية في السنوات الأخيرة، وإجابة من كبار المسؤولين عن العمل العربي المشترك باعتبار أنهم تعهدوا إصلاح الجامعة وتحديث أساليب أدائها وتحرير أجهزتها من هيمنة المندوبين العرب. أسألهم ماذا هم فاعلون بالمشرق العربي إذا فرض الآخرون عليه تغيير هويته. ما بدائلهم؟
مطلوب أيضا من الجامعة العربية في هذه الآونة المهمة من تاريخ الإقليم الاعتذار لكافة الشعوب العربية عما تسببت فيه من كوارث إنسانية نتيجة قرارات صدرت تحت الضغط. مطلوب منها إن لم يكن لديها مشروع لنظام إقليمي جديد يحفظ للمشرق هويته ويستعيد للأمة مكانتها أن تترك السياسة وتتفرغ لأداء خدمات أخرى تنفع شعوب الإقليم.
============================================
:المصدر 

خيانة في وضح النهار!

 

قمة الرياض، ثلاثية الأبعاد، هي الذروة في مسيرة الهزيمة العربية.

إنها أقسى من الهزيمة في حرب حزيران 1967،وأعظم وقعاً على النفس من اغتيال النصر في حرب 1973.

انها تكاد تعادل الاستسلام الكامل للعدو.. بل انها تتضمن إنكار الهوية العربية واغتيال الدين والاعتذار عن نضال الاجيال من اجل تأكيد الحق بالأرض والاستقلال والوحدة والحرية.

أن يجتمع خمسون من القادة، ملوكاً ورؤساء وامراء، في الرياض لمبايعة رئيس اميركي يسخر منه شعبه ويتخوف العالم من جنونه، ويتناول مستقبليه الذين ينتظرونه بالمليارات، مئات المليارات، بالتحقير والاهانة، وهو في الطريق اليهم..

أن يتقدمهم مزهواً كالطاووس، بشعره المنفوش بألوانه الكثيرة، فيسيرون خلفه كرعايا طائعين، فخورين بشرف الانضمام إلى موكب سلطانه، هو المسفَّه والملعون والمشتوم والمهدد بالاستجواب والمساءلة في بلاده.

أن يفرض عليهم الجزية، وان يطالبهم بتعويض خسائر بلاده الغنية، وان يتسلح بثرواتهم الطائلة لإعادة التوازن إلى ميزانية الامبراطورية الاميركية، بينما يندفع الرعايا المندفعون خلفه بتهيب من تجوع شعوبهم وينام الملايين من ابنائها في اكواخ الصفيح والقش.

أن يمشي هؤلاء الرعاياخلفه فوق جثة فلسطين، مع ادراكهم بأنه ذاهب في غده إلى السفاح الاسرائيلي ليدعمه ببعض ما جناه من رحلته الاسطورية في قصور الف ليلة وليلة، وليضحك معه من هؤلاء البدو الاجلاف ورقصة العرضة والسيوف التي لم تعد تستخدم الا فيها..

أن يحظى حريمالسلطان الاميركي بهدايا اللؤلؤ والمرجان المذهب وهن يستعرضن اجسادهن الرقيقة، ويصافحن الايدي الملكية التي تمتنع، عادة، عن مصافحة النساء..

أن يتباهى الرؤساء وملوك آخر زمن وأولياء العهود بأنهم نالوا شرف مصافحة امبراطور الكون، وجلسوا اليه لثلاث دقائق او اربع تكفي بالكاد لالتقاط الصور التاريخية لابتساماتهم البلاستيكية..

أن يحدث هذا كله فلا تخرج تظاهرة غضب، الا في فلسطين التي نسيها اهلهامن العرب الذين كانوا اهلهافأنكروها قبل آذان الفجر في المسجد الأقصى.. وتركوها لنتنياهو وضيفه الكبير يقف حاجاً امام حائط المبكى، ليؤكد ايمانه بالحق الاسرائيلي فيها..

أن تحدث هذه الجريمة المشهودة فلا يتحرك الشعب العربياحتجاجاً واعتراضاً، ثم يندفع إلى ثورة عارمة ضد حكامه الذين يفرطون بأقدس قضاياه، فضلاً عن حقوقه في اوطانه.

أن يصدر الفرمان السلطاني باعتبار إيران هي العدو، بينما اسرائيل دولة صديقة، يعرب نتنياهو في استقباله ترامب، عن أمله بأن يستطيع أن يقوم بالطيران المباشر من تل ابيب إلى الرياض،

وأن يتكأكأ الملوك والرؤساء والامراء والوزراء العرب فيتدافعون للتوقيع على بيان ـ سابقة يُدين حزب الله” (المجاهد، المقاتل لتحرير لبنان من الاحتلال الاسرائيلي في العام 2000 والمنتصر على الحرب الاسرائيلية في صيف العام 2006).

أن يحدث هذا كله فلا تسمع الا اصوات اعتراض فردية: لا تظاهرات غاضبة تملأ الميادين، ولا احتجاجات رسمية عملية، ولا قطع علاقات مع العدو، بل توسل لعلاقات ودية في مرحلة ما بعد بيان الرياض.

أن يحدث هذا كله خلال يومين فقط فلا يستشعر العرب الإهانة ولا يحاولون محاسبة الذين ارتكبوا هذه الخيانة الجديدة.. ولو بالتظاهرات والاعتصامات والبيانات والخطابات.. وهذا اضعف الايمان، معنى ذلك أن الامة ليست بخير..

وفي غيابها يمكن للملوك والرؤساء والامراء، اشباه الرجال، أن يرتكبوا مثل هذه الخيانة.. في وضح النهار! 

 

تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي

 

تمخضت القمة العربية – الإسلامية – الأمريكية عن "إعلان نوايا" بتأسيس "تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي"، هدفه بالطبع، محاربة الإرهاب وحفظ الأمن والاستقرار والسلم في الإقليم والعالم، سيجري العمل على استكمال إجراءات تأسيسه طوال السنة الحالية والقادمة، وستتوفر له قوة من 34 ألف جندي، تقوم بمهامها في سوريا والعراق كما ورد في إعلان الرياض، ويسانده في أداء مهامه مركز لرصد ومحاربة ثقافة التطرف والغلو "اعتدال"، ومركز آخر لتجفيف منابع التمويل المالي للجماعات الإرهابية، والمركزان سيتخذان من الرياض مقراً لهما.

ثمة أسئلة وتساؤلات عديدة، لم تجب القمة ولا إعلانها الختامي عليها، منها على سبيل المثال لا الحصر:

أولاً: لماذا يتخذ التحالف من "الشرق الأوسط" نطاقاً جغرافياً له، في العادة يجري تسمية تحالفات من هذا النوع بالعربي أو الإسلامي ... مفهوم أن يجري توسيع النطاق الجغرافي للتحالف، ليشمل دولاً غير عربية، تركيا ودول آسيوية وأفريقية، وهذا أدعى لأن يكون التحالف تحالفاً إسلامياً استراتيجياً ، طالما أن جميع من شارك في القمة من الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي ... أما أن يقال "شرق أوسطياً" فأحسب أنه يفتح الباب لنظرية ترامب التي تحدث فيها عن "ناتو" عربي – إسلامي – أمريكي – بمشاركة إسرائيلية تتقرر وتحدد ملامحها لاحقاً، وليس من لحظة البدء بالضرورة... وجود الولايات المتحدة في هذا الحلف، لا يجعل منها حلفاً شرق أوسطياً، فالولايات المتحدة خارج هذا النطاق، وربما كان ممكناً "تفهم" تسميته بالحلف الاستراتيجي العالمي، باعتبار أن محاربة  الإرهاب قضية كونية أولاً، ولدرء الشبهة التحضير لضم إسرائيل للحلف، أو للقول بأنها صمم بهدف ضمها إليه ثانياً... على أية حال، تصريحات ترامب في إسرائيل عن "النطرة الإيجابية" التي يحتفظ بها قادة دول عربية عديدة لإسرائيل، تفسر التسمية أكثر من غيرها، وعلى نحو لا لبس فيه ولا غموض.

ثانياً: لماذا إرجاء تشكيل القوة العسكرية لهذا الحلف حتى العام 2018 وعدم تشكيلها الآن وفوراً ... وما الذي يحتاجه أمر كهذا، في ظل توفر الدول المرشحة لعضوية التحالف على ملايين الجنود، تحت السلاح ... ولماذا 34 ألف بالضبط، وليس 35 ألف مثلاً أو أربعين أو ثلاثين ألفاً... يوحي الرقم بأنه دقيق ومدروس للغاية، ويلبي احتياجات خاصة لعمليات ومهام مقرة سلفاً، مع أن الأمر ليس كذلك، وكان يمكن الحديث بأرقام تقريبية يترك أمر تحديدها لمشاورات لاحقة ... ومن يضمن أن يكون مصير هذه القوة مغايراً لمصائر القوة العربية المشتركة، التي تقرر إنشاؤها قبل بضع سنوات ولم تر النور حتى يومنا هذا ... أين سيكون مقر هذه القوة و من هي قيادتها وممن ستتشكل وأي تفويض ستحظى بها ... أسئلة مفتوحة.

ثالثاُ: قيل في إعلان الرياض، أن هذه القوة ستقاتل في سوريا والعراق إن تطلب الأمر ... حسناً، وهل الإرهاب وعدم الاستقرار حكراً على هاتين الدولتين، أليس اليمن وليبيا أولى بالرعاية في هذا المجال ... ثم، من قال إن  داعش سيبقى في العراق وسوريا حتى نهاية العام 2018، وبفرض بقائه من قال أن الدولتين ستقبلان بنشر قوة من هذا النوع، وما هي تداعيات انتشارها على مسارات الأزمتين المفتوحتين ... وهل تكفي قوة كهذه، لإلحاق الهزيمة بالإرهاب في البلدين، علماً بأن القوات العسكرية المشتبكة مع داعش هذه الأيام، تفوق بأضعاف مضاعفة هذا العدد المحدود من الجنود... هل يمكن للحكومة العراقية، التي يسيرها التحالف الوطني الشيعي، وميليشيات الحشد الشعبي التي تكاد تكون جيشاً موازياً، ولإيران وحلفائها أن تسلم بدخول قوات تحت الراية السعودية الأمريكية، إلى العراق؟ ... هل تقبل موسكو وطهران ودمشق، ومن دار في أفلاك هذه العواصم من قوات رديفة وحليفة، بدخول هذا الجيش إلى سوريا، أين وكيف ومتى ينتشر وما هي خريطة الأهداف ... أسئلة أخرى مفتوحة.

رابعاً: هل عرفت الدول المشاركة في القمة، أنها مرشحة لعضوية هذا التحالف، أم أنها فوجئت به كما فوجئ بعضها بالتحالف الإسلامي ضد الإرهاب؟ ... لبنان على الأقل، قال إنه تفاجأ بالأمر، ورئيس حكومته وليس وزير خارجيته فقط، قال إن حكومته ليست ملزمة به ... ماذا عن الدول الأخرى؟ ... هل تقبل تركيا بالانضواء إلى حلف كهذا، وهي التي اكتفت بتمثيل متدن نسبياً في القمة، وترى في نفسها قيادة للعالم الإسلام السني على الأقل؟ ... هل تقبل مصر بالانضواء في عضوية هذا التحالف، وقد غرّد رئيسها خارج سرب الكلمات التي ألقيت في مؤتمر الرياض، وقبلها في البحر الميت، فتجاهل "الخطر الإيراني" وركز في كلمته على ضرورة عزل ومعاقبة الدول الراعية لإرهاب جماعة الإخوان المسلمين، ويقصد من دون لف أو دوران، تركيا وقطر؟ ... عن أي حلف شرق أوسطي نتحدث فيما الحرائق تشتعل داخل الحلقة الأضيق لهذا الحلف، دول مجلس التعاون، بعد القنبلة التي انفجرت إثر تصريحات الأمير القطري الأخيرة، بصرف النظر عمّا إذا كانت حقيقية أم مفبركة ومنسوبة للرجل؟ ... هل توقف أحدُ أمام تجربة الحلفين السابقين، العربي في الحرب على اليمن والإسلامي في الحرب على الإرهاب؟ ... هل سيقال مرة أخرى، وعن تجربة الحلف الشرق أوسطي هذه المرة، تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى؟

خامساً: من قال إن المشاركين المحتملين في "تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي" يقرأون من الكتاب ذاته وهم يتحدثون عن التطرف والإرهاب، من قال إن لديهم فهم واحد أو مشترك لمعنى الاعتدال والوسطية في الإسلام، وهل في الإسلام متطرفين أصلاً، يعترفون بتطرفهم وغلوهم؟ ... ومن قال إن هذه الدول لديها ثقة متبادلة تمكنها من التعاون في كشف مصادر التمويل وشبكات التغذية... أوليست الأطراف الأكثر حماسة للتحالف العتيد، هي ذاتها الأطراف التي يشار دوماً إلى مسؤوليتها عن نشر أكثر القراءات تشدداً للإسلام، وأنها هي ذاتها، رسمياً وغالباً أهلياً، هي منابع المال الدافق لمختلف جماعات الإسلام السياسي؟ .... ومن قال إن جدران الثقة بين هذه الدول، ستمكنها من تفتيح قنوات تبادل المعلومات عن الشبكات الإرهابية وقد اكتشفنا خلال الأيام القليلة أن بعض قادتها يحتفظون بسيوفهم وخناجرهم تحت وسائدهم، قبل أن يخلدوا للنوم، بانتظار معاركهم القائمة والقادمة، بعضهم ضد بعض، وليس ضد الجماعات الإرهابية.

إلى أن يُجاب على الغيض من فيض التساؤلات، سنتريث في الحكم على تجربة التحالف الجديد، وسنظل ننظر إليه بوصفه مجرد "إعلان نوايا" لتحقيق أغراض أخرى: الابتعاد عن خط سير البلدوزر الأمريكي الجارف، الذي يتحرك على غير هدى وبلا بوصلة أو سائق، وأحسب أن الضيف الأمريكي الكبير، الذي أشغل دول المنطقة لعدة أيام، تنتظره في موطنه مشاغل ومتاعب، ستجعل من الصعب عليه تذكر أسماء من التقاهم في عواصمها.

=======================================

*نشر المقال في صحيفة الدستور الأردنية

عن الجالية العربية في أميركا.. وأين "اللوبي العربي"!

 

بداية أشير إلى خصوصية تتصف بها الجالية العربية في أميركا: فأفراد الجالية الذين هم أبناء ثقافة واحدة لكن ينتمون إلى دول وأوطان متعددة، يأتون إلى أميركا التي هي وطن وبلد واحد لكن يقوم على أصول ثقافية متعددة.

ولهذه الخصوصية انعكاسات مهمة جداً على واقع ودور العرب في أميركا. فهم بنظر المجتمع الأميركي – وحتى المنطقة العربية- "جالية واحدة" بينما واقع الأمر أنهم يتوزعون على "جاليات" عربية. وتنشط غالبية الجمعيات من خلال تسميات خاصة بالأوطان، بل بعضها يحصر انتماءه في أطر مناطقية من داخل البلدان العربية. وقد أدت هذه الخصوصية إلى كثير من المعضلات في دور العرب على الساحة الأميركية. فالتسمية النظرية: جالية عربية، بينما الواقع العملي في معظمه هو تعدد وانقسام على حسب الخصوصيات الوطنية أو المناطقية أو الطائفية أحياناً، إضافة طبعاً للصراعات السياسية التي تظهر بين الحين والآخر.

ورغم مضي أكثر من قرن على بدء الهجرة العربية لأميركا، فإن واقع العرب في أميركا أستمر كمرآة تعكس حال العرب في البلاد العربية. ولم يستفد العرب في أميركا بشكل عميق من طبيعة التجربة الأميركية التي قامت وتقوم على الجمع بين تعدد الأصول الثقافية والعرقية، وبين تكامل الأرض والولايات في إطار نسيج دستوري ديمقراطي حافظ على وحدة "الأمة" الأميركية - المصطنعة أصلاً- وبناء دولة هي الأقوى في عالم اليوم. ولعل "النموذج الأميركي" في كيفية فهم "الهوية الأميركية" واستيعاب هذه الهوية لتنوع ثقافي وإثني وديني هو ما تحتاجه البلاد العربية في تعاملها مع مسألة الهوية العربية.

وفي ظل هذه "البيئة العربية الإنقسامية" السائدة بين العرب في أميركا، بدأت وتستمر تجربة "مركز الحوار العربي" http://www.alhewar.comفي واشنطن (تأسس المركز عام 1994) من خلال أنشطة متعددة وحوارات دورية أسبوعية لتشجيع العرب على أسلوب الحوار فيما بينهم بغض النظر عن اختلافاتهم الفكرية والسياسية، وعن خصوصياتهم الوطنية والدينية والإثنية. فالعرب يشتركون في ثقافة عربية واحدة لا تقوم على أصل عنصري أو إثني، ولا يختصّ بها أبناء دين دون آخر.. ثقافة عربية هي الآن الرمز الوحيد الباقي فاعلاً للتعبير عن انتماء العرب إلى أمّةٍ واحدة.

أنّ بداية تجربة "مركز الحوار العربي" في واشنطن، لم تكن فقط يوم افتتاح مقرّه في 18 ديسمبر 1994.. بل كانت عملياً قبل ذلك بسنتين أي منذ عام 1992 في لقاءاتٍ جرت بشكلٍ دوري شهري كانت تدعو لها مجلة "الحوار" التي تأسست عام 1989، وبعد أن نشرت "الحوار" افتتاحية بشكل نداء للمفكرين العرب، كان عنوانها:

"الأمّة التي لا يفكّر لها أبناؤها تنقاد لما يفكّر لها الغرباء".

 وقد شارك في هذه اللقاءات الشهرية عدد من المفكرين والأكاديميين والدبلوماسيين والإعلاميين العرب، وهم كانوا من أوطانٍ عربيةٍ مختلفة ومن آراء فكرية وطوائف دينية متنوعة.

لقد حرصت تجربة "مركز الحوار العربي" منذ تأسيسها على الأهتمام بالشأن الفكري والقناعة بأنّ وجود تعددية فكرية في أي مجتمع تتطلب أيضاً تعددية سياسية في حياته العامة. فوحدة الانتماء الحضاري ووحدة الانتماء الثقافي لا يجب أن تعنيا إطلاقاً وحدة الانتماء الفكري أو الانتماء السياسي .. ولا يجوز أن يكون اختلاف الفكر والتوجه السياسي سبباً للخلاف بين الأشخاص أو لصراعات عنفية بين الجماعات في المجتمع الواحد.

وإذا كان سؤال المرحلة الآن: (أين الأزمة.. في الفكر أو المفكرين؟) فأنّ ذلك يؤكد أن الحل هو في الفكر، والحل هو أيضاً في دور المفكرين، والحل هو حتماً في الربط بين الفكر والأسلوب. وهكذا هو معنى وجود ودور تجربة "مركز الحوار العربي": تأكيد على أهمية الفكر وعلى أهمية اسلوب الحوار بين المفكرين العرب من أجل إصلاح أوضاع العرب أينما كان...

إن الساحة الأميركية مفتوحة لأبناء "السوء" لبثِّ سمومهم وأحقادهم على الإسلام والعرب، لكن أيضاً هي ساحة مفتوحة (ولو بظروفٍ صعبة) على "دعاة الخير" من العرب والمسلمين لكي يصحّحوا الصورة المشوَّهة عنهم وعن أصولهم الوطنية والحضارية. وكما هناك العديد من الحاقدين في الغرب وأميركا على العرب والمسلمين، هناك أيضاً الكثيرون من أبناء أميركا والغرب الذين يريدون معرفة الإسلام والقضايا العربية من مصادر إسلامية وعربية بعدما لمسوا حجم التضليل الذي كانوا يعيشونه لعقود. وكما تلقَّت الجمعيات والمؤسسات العربية والإسلامية في أميركا التهديدات ورسائل الشتم من بعض الأفراد الأميركيين، كذلك تلقَّت من مواطنين آخرين العديد من مظاهر الدعم والتأييد والتضامن والرسائل التي تسأل عن ماهيَّة الإسلام والمسلمين والعرب، وترفض أسلوب الحقد العنصري ضدَّهم وضدَّ دينهم وثقافتهم.

 وإذا كان الغرب تحكمه الآن حالة "الجهلوقراطية" عن الإسلام والعرب والقضايا العربية، فإنَّها فرصة مهمَّة (بل هي واجب) على العرب والمسلمين في الغرب أن يتعاملوا مع هذه الحالة (بأسلوب الحوار الهادئ والمقنع) لاستبدال "الجهلوقراطية" الغربية بالمعرفة الفكرية السليمة عن الإسلام والعرب.

 لكن "فاقد الشيء لا يعطيه"، لذلك هي أولوية موازية لأولوية التعامل المعرفي مع "الآخر"، بأن يعمل العرب والمسلمون في أميركا والغرب على تعميق معرفتهم بأصولهم الحضارية والثقافية وبالفرز بين ما هو "أصيل" وما هو "دخيل" على الإسلام والثقافة العربية. كذلك، فمن المهمّ التشجيع على أسلوب الحوار الدائم بين المؤسّسات والهيئات العربية والإسلامية في أميركا والغرب، وبين غيرها من المؤسّسات في هذه المجتمعات، إضافةً إلى الحوار المباشر عبر وسائل الإعلام والإنترنت وباللقاءات الخاصَّة.

 هي مهمَّة مزدوجة الآن أمام العرب والمسلمين في أميركا والغرب: تحسين وإصلاح "الجسم" (الواقع) بشكلٍ متزامنٍ مع تحسين وإصلاح "الصورة"، وبناء الذات السليمة مع بناء المعرفة السليمة لدى النفس ولدى الآخر.

 فالمرحلة الآن – وربّما لفترةٍ طويلة - هي مرحلة إقناع المواطن الأميركي والغربي عموماً، بمن نكون "نحن" أكثر ممّا هي "ما الذي نريده"، وهي مرحلة تضعنا أمام خيارين: إمَّا السقوط أيضاً مع الغربيين في فخِّ نظرية "صراع الحضارات" و"الخطر الإسلامي" القادم من الشرق، أو محاولة انتشال بعض هذا الغرب من هذا الكمين الذي تستفيد منه فقط إسرائيل وكلّ أعداء العرب والمسلمين.

العرب.. و"اللوبي الإسرائيلي" في أميركا

وعلى الرغم مما تحقق للجالية العربية الأمريكية من إنجازات في ربع القرن الأخير وظهور العديد من المنظمات النشطة التي جعلت للعرب الأمريكيين صوتاً سياسياً يُسمَع، ويُدعى لشهادات في الكونغرس أو للقاءات في البيت الأبيض ووزارة الخارجية الأمريكية، فإن العلاقة الخاصة التي تربط الولايات المتحدة بإسرائيل تجعل السياسة الأمريكية تسير في خط معاكس للمصالح الأميركية/العربية المشتركة وللحقوق العربية، وبذلك تزداد صعوبة عمل العرب الأمريكيين أمام الأذرع الأميركية الممدودة لاحتضان اللوبي الإسرائيلي.

أن اللوبي الإسرائيلي في أميركا يتعامل مع علاقة واحدة خاصة هي علاقة إسرائيل بأمريكا بينما تتعامل المؤسسات العربية الأمريكية مع علاقات عربية أميركية متشعبة ومختلفة لأكثر من عشرين دولة عربية.

أن العرب الأمريكيين يتعاملون مع واقع عربي مجزأ بينما يدافع اللوبي الإسرائيلي عن كيان واحد هو إسرائيل.

إن نجاح "اللوبي الإسرائيلي"  لا يعود سببه فقط إلى بداية اليهود لعملهم السياسي في أمريكا قبل مائة عام أو أنهم أكثر عطاءً بالتطوع والمال، فالعنصر المرجح لكفة اللوبي الإسرائيلي إنما سببه أن أمريكا نفسها ليست طرفاً محايداً يتنافس عليه العرب من جهة وبعض اليهود من جهة أخرى. فأمريكا أسهمت منذ البداية في الاعتراف بالكيان الإسرائيلي وزودته وما زالت تزوده بكل إمكانات التفوق النوعي على الدول العربية.

لكن ذلك لا يعني رفع "الراية البيضاء" من قبل العرب الأميركيين فدورهم مطلوب الآن وبشكلٍ أكثر فعالية من أي وقتٍ مضى، وإذا اجتمعت جهودهم مع جهود المسلمين الأمريكيين (وأكثريتهم من غير الأصول العربية) الآخذة في التنامي، فقد يشكلان معاً تحدياً قوياً أمام اللوبي الإسرائيلي.

***

لكن هناك مقارنة خاطئة تتكرر أحياناً في الإعلام العربي والفكر السياسي العربي وهي مقارنة حالة العرب في أميركا بحالة اليهود الأمريكيين‏.‏ فالواقع أن "العرب الأميركيين" هم حالة جديدة في أميركا مختلفة تماما عن الحالة اليهودية‏.‏ العرب جاءوا لأمريكا كمهاجرين حديثاً من أوطان متعددة إلى وطن جديد‏,‏ بينما اليهود في أمريكا هم مواطنون أمريكيون ساهم العديد منهم في إقامة (إسرائيل‏) في قلب المنطقة العربية،‏ أي عكس الحالة العربية والإسلامية الأميركية وما فيها من مشكلة ضعف الاندماج مع المجتمع الأميركي‏.‏

حالة العرب في أميركا مختلفة أيضا من حيث الأوضاع السياسية والاجتماعية،‏ فكثير منهم جاء مهاجراً لأسباب اضطهاد سياسي أو عوز مادي، وأحياناً بسبب حالات أمنية تعيشها المنطقة العربية،‏ مما يؤثر على نوع العلاقة بين العربي في أمريكا والبلدان العربية‏.‏ بينما حالة العلاقة بين اليهود الأميركيين وإسرائيل هي حالة من ساهم في بناء هذه الدولة وما زال يدعمها‏.‏

أيضاً، ليس هناك حالة من التنافس الموضوعي بين الطرفين على المجتمع الأمريكي‏.‏ أي ليس هناك مؤسسات رسمية أو إعلامية أميركية محايدة تتنافس عليها الجالية العربية مع الجالية اليهودية، فعدد كبير من المؤسسات الإعلامية الأميركية هو مملوك من أمريكيين على صداقة خاصة مع إسرائيل، وهذا بذاته يجعل المقارنة غير عادلة‏.‏

من ناحية أخرى، فأن لدى العرب الأمريكيين أزمة تحديد الهوية ومشكلة ضعف التجربة السياسية، وهي مشاكل لا يعانيها اليهود الأميركيون‏.‏ فلقد جاء العرب إلى أميركا من أوطان متعددة ومن بلاد ما زالت فيها الديمقراطية تجربة محدودة. إضافة إلى أثار الصراعات المحلية في بلدان عربية على مسألة الهوية العربية المشتركة.

أن الجمعيات العربية الأميركية التي تأسست على مستوى أقل من هوية وطنية أو عربية (كأبناء بلدة أو قرية)، هي  أقوى بكثير في مجال العضوية من الجمعيات الوطنية أو المنظمات ذات الصفة العربية‏.

إضافة لذلك، علينا أن نميز بين "الأمريكيين من أصول عربية"، وهم أبناء الجيل المهاجر الأول الذين اندمجوا كلياً في المجتمع الأميركي،‏ وبين "العرب الأميركيين" وهم أبناء الأجيال التالية التي لم تذب تماما ولكنها مندمجة بقوة في الحياة الأميركية،‏ وهناك أيضاً "عرب في الولايات المتحدة" وهؤلاء هم المهاجرون الجدد الذين لم يصبحوا بعد من المواطنين الأميركيين حيث ما زالت أولوياتهم تتمحور حول أوضاعهم المعيشية والقانونية، ويصرفون وقتهم في مسائل تثبيت الوجود وليس البحث عن دور فعال في المجتمع الجديد.‏

وبينما نجد أغلب الفئة الأولى أي "الأمريكيين من أصل عربي" بدون تواصل مع البلاد العربية الأم، نرى أن‏ الفئة الأخيرة (أي المهاجرون الجدد) غير متواصلة مع المجتمع الأمريكي،‏ ولكل من هذه الفئات طبيعة علاقة مختلفة مع المجتمع الأمريكي والمؤسسات العربية فيه‏.

أضف على ذلك أيضاً، تعدد الانتماءات الدينية والطائفية في الجالية العربية‏.‏ البعض مثلا يندفع نحو منظمات دينية وهو ما يستبعد النصف الآخر من الجالية العربية. وبعض الجالية يتقوقع مذهبياً وعائلياً سواء بسبب منطلقات خاصة به أو انعكاساً لما يحدث في المنطقة العربية‏.‏

فالجالية العربية والجالية الإسلامية تنتميان إلى أصول وطنية ودينية متنوعة، إذ أنَّ حوالي نصف تعداد الجالية العربية هم من أتباع الديانة المسيحية، وينتمون في أصولهم الوطنية إلى بلدان لبنان وسوريا والعراق وفلسطين ومصر والأردن، بينما أكثر من نصف عدد الجالية الإسلامية (حوالي 7 مليون) ينتمون في أصول أوطانهم إلى بلدان غير عربية (من بلدان آسيا وأفريقيا غير العربية) إضافةً إلى عددٍ من الأميركيين الذين اختاروا الإسلام ديناً لهم ومعظمهم من الأميركيين السود.

أن أكثر من نصف الجالية العربية هم من المسيحيين العرب، وأكثر من نصف الجالية الإسلامية هم من أصولٍ غير عربية. ولا يمكن وضعهم جميعاً (العرب والمسلمين في أميركا) في "سلَّةٍ واحدة" من الناحتين الدينية والوطنية.

إذن، كلما كان هناك تعاون وتنسيق بين أبناء الجاليتين العربية والإسلامية، وكلما كان هناك طرح لفكر عربي سليم فيما يتعلق بمسألة الهوية الثقافية ومضمونها الحضاري، بمقدار ما تستطيع الجالية العربية أن تنجح عملياً وتتجاوز الكثير من الثغرات والعقبات‏.‏

 ---------------------------------------------------------

*مدير "مركز الحوار العربي" في واشنطن

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 *لقراءة مقالات صبحي غندور عن مواضيع مختلفة، الرجاء الدخول الى هذا الموقع:

http://www.alhewar.net/Sobhi%20Ghandour/OtherArabicArticles.htm

الصفحة 1 من 62