الجمعة 20 تشرين1/أكتوير 2017
TEXT_SIZE

حول انهيار السعودية، مرة أخرى

 

بعد نشر مقالي الأخير (هل حقاً السعودية على وشك الانهيار؟)(1)، وصلتني تعليقات كثيرة، أغلبها مؤيدة وقليل منها معارضة، وخاصة من السعوديين على صفحات التواصل الاجتماعي. ونظراً لأهمية العديد منها وإجاباتي على بعضها، رأيت من المفيد مواصلة الكتابة في هذا الموضوع لتعميم الفائدة.

علق قارئ سعودي على صفحته في الفيسبوك بعد سيل من الشتائم، أن دافع الذين يكتبون ضد السعودية هو الحقد و الحسد، لأن الله منَّ على الشعب السعودي الرزق الوفير. وأن الله مع هذا الشعب بقيادة حكومته الرشيدة المؤمنة، وموتوا بغيضكم أيها الحاقدون الحاسدون!!!

وهذا بالضبط ما نقله لنا الكاتب والصحفي الإنكليزي المعروف، روبرت فيسك (Robert Fisk)، في صحيفة الاندبندنت اللندنية، في مقال له حول عجز السعودية عن دفع رواتب العمال الأجانب، وأن القنصلية الهندية تقدم الطعام لجالياتها من العمال الهنود. استشهد فيسك بمقتطف من مقال لصحفي سعودي جاء فيه: "كثير من العمالة الوافدة يكرهوننا وغاضبون علينا لأننا بلد غني. بعضهم يذهب إلى حد القول بأننا، السعوديون، لا نستحق هذه النعمة والمال. وهذا هو السبب الذي يجعل بعضاً منهم يتصرفون بعنف عندما لا يتقاضون رواتبهم في الوقت المحدد)(2).

كثيراً ما يتردد هذا الكلام نفسه مع بعض التغيير في المفردات من قبل المعلقين السعوديين في دفاعهم عن حكومتهم "الرشيدة"، وينصحوننا بعدم التدخل في الشأن السعودي، بل نهتم بمآسينا في العراق "التي جلبها عليهم نوري المالكي!!"، وينكرون دور السعودية في هذه المآسي، ليس  في العراق فحسب، بل وفي دول المنطقة والعالم.

فهل حقاً انتقادنا للسعودية هو بدافع الحقد والحسد لأن بلدهم غني؟ لا شك أن السعودية بلد غني جداً، فدخلهم من النفط لا يقل عن مليار دولار يومياً. ولكن هناك دراسات تؤكد أن ثلث الشعب السعودي هو تحت خط الفقر. نرجو مشاهدة فيلم جديد وهو تقرير مصور (فيديو 51 دقيقة) عن السعودية "جعلته شبكة نيتفلكس متاحا للمشاهدين. يبدأ الفيلم بعمليات قطع رؤوس بالسيف وقيام سياف سعودي بجر سيدة على الارض وقطع رأسها قبل ان يتدخل المذيع ويقول للمشاهدين: "هذه ليست دولة داعش، هذه حليفتنا المملكة العربية السعودية"..(رابط الفيلم في الهامش- رقم 3).

وإذا كان انتقادنا لهم بدافع الحسد، فلماذا لا ننتقد حكومات لا تقل ثراءً عن السعودية كالدول الغربية، وخاصة كندا والدول الإسكندنافية، وهي دول غنية جداً ومسالمة جداً، كسبت احترام العالم أجمع؟

أما قضية التدخل في الشأن السعودي، فهي كما يقول المثل: (رمتني بدائها وانسلت). إذ إننا أبعد من ذلك، ولكن السعودية هي التي تتدخل في شؤون العالم، وخاصة في دول المنطقة. فسبب العجز في موازنتها، وعدم تمكنها من دفع رواتب نحو 31 ألف من عمالها، ناتج عن هذا التدخل الوقح في شؤون العراق، وسوريا واليمن وليبيا وغيرها، لتغيير حكومات هذه الدول وفق مقاساتها، ولعرقلة الاستقرار والنمو الاقتصادي فييها، لذلك صرفت مئات المليارات الدولارات من ثروات شعبها على نشر التطرف الديني الوهابي التكفيري، ودعم الإرهاب في العالم، وشن الحروب المباشرة وغير المباشرة على دول المنطقة.

أما عن دعم السعودية للإرهاب، فقد صرّح السفير الأميركي الأسبق في العراق وأفغانستان، زلماي خليل زاده، بأن أحد المسؤولين السعوديين الكبار أسرّ له بأن بلاده تدعم التطرّف حول العالم، لافتاً في الوقت ذاته إلى نظرة سعودية أكثر إيجابية اتجاه إسرائيل.(4، 5)

ورغم ما لقى مقال خليل زادة من ترحيب من قبل الكتاب العرب التقدميين المناصرين للحق، إذ اعتبروه شهادة من أهلها ضد السعودية، ودورها القذر في دعم الإرهاب وإسرائيل، كما يبدو للبعض للوهلة الأولى، إلا إننا لو تأملنا جيداً نرى أن المقال ليس موجهاً ضد السعودية ومكانتها في الغرب، فهو ذو وجهين، كلاهما في صالح خليل زادة والسعودية معاً. فالرجل لا يريد أن يقطع رزقه من آل سعود، أو غيره، فقد أصبح نجماً لامعاً لإدارة اللوبيات لكل من يدفع. فقد عينه حتى مسعود بارزاني، رئيس الإقليم الكردستاني، وموظف آخر كان يعمل في السفارة الأمريكية في بغداد وهو (علي الخضيري)، وغيرهما، مستشارين له بعد تقاعدهم من السفارة. لتجميل وجه بارزاني، وتقبيح وجوه خصومه وخاصة خصمه اللدود نور المالكي. وقد أبلى هؤلاء المرتزقة بلاءً حسناً في هذا المجال.

فخليل زادة كان من الشخصيات المتنفذة في واشنطون، تم تجنيدها للوبي السعودي لتحسين صورة المملكة في أمريكا والعالم. ومقاله هذا ليس ضد السعودية بل لدعمها. فقد برر خليل زادة دعم السعودية للإرهاب والتطرف بأن "القيادة السعودية أوضحت أيضاً أن دعمها للتطرف كان أسلوباً لمقاومة الاتحاد السوفياتي ــ غالباً بالتعاون مع الولايات المتحدة ــ في أماكن مثل أفغانستان عام 1980". وأضاف أن هذا الأسلوب ثبت نجاحه، لذا "استُخدم لاحقاً ضد الحركات الشيعية المدعومة من إيران، في إطار التنافس الجيوبوليتيكي بين البلدين".

لا شك أن هذا الكلام له وقع إيجابي في أمريكا. أما قوله عن إيجابية موقف السعودية من إسرائل، فهذا قد يبدو ضد السعودية لدا القارئ العربي المتعاطف مع الشعب الفلسطيني في محنته الطويلة، ولكنه يعتبر موسيقى محببة لدا اللوبي الإسرائيلي والإدارة الأمريكية والغرب عموماً، مما يدعم مكانة السعودية في الغرب ويبرر جرائمها.

ولكن ما يهم القارئ العربي في البلاد العربية والشرق الأوسط عموماً، أن السعودية التي تدعي محاربتها للتطرف والإرهاب فهي مازالت تدعمهما، ورغم أنها تدعي قيادتها للعالم الإسلامي، ودعمها للقضية الفلسطينية، إلا إنها حليفة لإسرائيل، وهي التي شقت صفوف المسلمين بإثارة الصراع الطائفي (السني - الشيعي). وهذا أهم ما جاء في شهادة خليل زادة بالنسبة لمكانة السعودية في البلاد العربية والإسلامية وليس في الغرب. ولكن من الجهة الأخرى، يبدو أن السعودية غير مهتمة بتردي سمعتها إلى الحضيض في العالمين، العربي والإسلامي، طالما بإمكانها شراء كل شيء بالمال، ولسان حالها يقول: طز بالعرب والمسلمين، وطز بالقضية الفلسطينية، وطز بالشرف وجميع القيم الإنسانية والحضارية، المهم أن تكسب أمريكا إلى جانبها وكفى، لتضمن استمرار العائلة الحاكمة في السلطة.

إلا إن هذا الموقف السعودي الانتحاري ناتج عن الجهل بتعقيدات السياسة وقوانين حركة التاريخ. إذ كما يفيد القول المشهور الذي أصبح من البديهيات، أن "ليس في السياسة صداقات دائمة ولا عداوات دائمة، بل مصالح دائمة". فمصلحة أمريكا من السعودية على وشك الانتهاء، لذلك ما لم تتخلى السعودية عن سياساتها العدوانية ضد البشرية، فإن مصيرها السقوط في مزبلة التاريخ، والتاريخ حافل بالأمثلة، فما أكثر العبر وأقل الاعتبار.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

http://www.abdulkhaliqhussein.nl/

----------------------------------------------------------------

روابط ذات صلة

1- د.عبدالخالق حسين: هل حقاً السعودية على وشك الانهيار؟

http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=859

2- مقال روبرت فيسك

Robert Fisk : Saudi Arabia cannot pay its workers or bills – yet continues to fund a war in Yemen

In Saudi Arabia itself, the government seems unable to cope with the crisis. The 'Arab News' says that 31,000 Saudi and other foreign workers have lodged complaints with the government’s labour ministry over unpaid wages. On one occasion, the Indian consulate and expatriates brought food to the workers so that their people should not starve

http://www.independent.co.uk/voices/saudi-arabia-cannot-pay-its-workers-or-bills-yet-continues-to-fund-a-war-in-yemen-a7232466.html

3- مذيع امريكي حول فيلم: هذه ليست دولة داعش، هذه حليفتنا السعودية (فيديو(

http://www.akhbaar.org/home/2016/9/217337.html

Saudi Arabia Uncovered (2016 documentary)

https://m.youtube.com/watch?v=X5AYoznJxu8

4- مسؤول سعودي لخليل زاده: دعمنا التطرّف!

http://www.al-akhbar.com/node/264807

5- النسخة الانكليزية لمقال زلماي خليل زادة

‘We Misled You’: How the Saudis Are Coming Clean on Funding Terrorism.  By Zalmay Khalilzad

http://www.politico.com/magazine/story/2016/09/saudi-arabia-terrorism-funding-214241