الأحد 17 كانون1/ديسمبر 2017
TEXT_SIZE

"المحافظون الجدد" يحرضون على ضرب سوريا

 

"المحافظون الجدد" يحرضون مجددا على ضرب سوريا والإدارة ترفض

وسط التراجع الميداني الملحوظ في الأسابيع الأخيرة في سوريا الذي ألم بقوى المعارضة السورية المسلحة مثل "جبهة النصرة" (التي غيرت اسمها مؤخراً لفتح الشام) وتنظيم "داعش"، والعشرات من الفصائل الأخرى مثل "أحرار الشام" و"جيش الإسلام" وآخرون من ذوي الأيديولوجيات المتشابهة، يجدد مناصرو التدخل الأميركي المباشر في الحرب السورية مطالباتهم بعدم السماح للجيش السوري المدعوم من روسيا ببسط السيطرة على منطقة حلب الشرقية التي تقع حاليا تحت قبضة تلك المليشيات.

فقد نشرت صحيفة واشنطن بوست تقريراً مطولاً بعنوان "نخبة السياسة الخارجية الأميركية تنشق عن أوباما بسبب النزيف السوري"، تدعي فيه أن هؤلاء (النخبة) من ديمقراطيين وجمهوريين وشخصيات مراكز الأبحاث والفكر المتعددة في العاصمة الأميركية واشنطن "ينتظرون بتلهف رحيل الرئيس أوباما من البيت الأبيض، وإمكانية انتخاب رئيس أكثر حزماً وتمسكاً بالتقاليد والأعراف السياسية، مثل هيلاري كلينتون التي طالما وتحدثت عن ضرورة فرض منطقة حظر جوي فوق الشمال السوري، والإسراع بالإطاحة بنظام الرئيس السوري بشار الأسد عن طريق التدخل العسكري المباشر".

وتُعتبر واشنطن بوست من أكبر دعاة "قصف سوريا وضرب مواقع الجيش السوري" في افتتاحياتها المتتالية بذريعة "أن ذلك سيخفف معانات السوريين وينهي هجمات النظام الوحشية"، حسب قولها.

يشار إلى أن الرئيس الأميركي باراك أوباما وهيئة الأركان المشتركة برئاسة الجنرال جوزيف دنفورد ووزارتي الخارجية والدفاع الأميركيتين يرفضون حتى الآن التدخل العسكري المباشر في الحرب السورية خاصة فرض مناطق حظر جوي وما يسمى بـ"مناطق آمنة" بسبب صعوبة تفعيلها أميركيا، خاصة في ضوء وجود الطيران الحربي الروسي بكثافة وصواريخ أرض-جو إس 300 و إس 400 الروسية الفتاكة.

وقد رد الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية جون كيربي بشكل منتظم على أسئلة "القدس" دوت كوم بشأن فرض مناطق حظر جوي في الشمال السوري موضحا أن "ذلك ليس خياراً مطروحاً للأخذ به حاليا"، مؤكداً أن "ضبط وتفعيل مناطق حظر جوي معقدة ومكلفة وتحتاج إلى إمكانات هائلة".

ويعتقد الخبراء في واشنطن أن ما تطلق عليهم لقب نخبة السياسة الخارجية الفعالة في واشنطن "هم في حقيقتهم نفس الشخصيات والمراكز والمنابر التي دفعت باتجاه غزو العراق (عام 2003)، ودعت لسياسة أميركية أكثر عدائية في سوريا منذ بداية الحرب الأهلية هناك"، بحسب قول جاشوا لانديز، رئيس مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة أوكلاهوما.

وبحسب تقرير واشنطن بوست "يضع الجمهوريون والديمقراطيون الذين يشكلون نخبة مؤسسة السياسة الخارجية الأميركية الأساس لسياسة أكثر حزماً، عبر سلسلة من التقارير التي يصيغها مسؤولون يحتمل أن يشغلوا مناصب بارزة في إدارة كلينتون".

وفي حين أنه ليس من الغريب أن تصدر واشنطن دراسات كبرى خلال الأشهر الأخيرة لإدارة ما في سبيل تصحيح الأخطاء المتصورة للرئيس أو التأثير في خلفه، إلا أن التعاون الحزبي الذي أنتج هذه التوصيات الأخيرة، والتي جاءت في خضم حالة من الاستقطاب غير المسبوق، يعكس توافقاً غير عادي في آراء نخبة السياسة الخارجية بخصوص سوريا ومواجهة "الممارسات العدوانية لروسيا ورئيسها فلادمير بوتين".

وتدعي الصحيفة "أن هذا التوافق (في أوساط هذه النخبة) يأتي نتيجة الاستياء الشديد من الرئيس (باراك أوباما) الذي أكد مراراً على مخاطر المبالغة في ممارسة القوة والحاجة إلى التزام ضبط النفس، واتخاذ الحذر وخاصة في منطقة الشرق الأوسط".

وتنسب الصحيفة إلى فيليب غوردون، الذي كان مستشاراً بارزاً للسياسة الخارجية لأوباما حتى عام 2015، القول إن "هناك اعتقادا سائدا بأن عدم الانخراط عالميا بما فيه الكفاية أو الاعتراف بحدود القوة الأميركية يأتي بتكاليف باهظة، ولذا فإن البديل الطبيعي هو زيادة التدخل الأميركي".

وتدعو هذه الدراسات والتقارير إلى تحركات أميركية أكثر صرامة "لاحتواء إيران ومعالجة فوضى الشرق الأوسط وكبح جماح روسيا في القارة الأوروبية" وأن "الأزمة السورية هي أبرز القضايا التي تتعارض فيها هذه الدراسات، التي تعكس وجهات نظر كلينتون المعلنة، مع موقف الرئيس أوباما"، بحسب تقرير الصحيفة.

وقد أصدر "مركز التقدم الأميركي" المؤيد لهيلاري كلينتون تقريراً الأربعاء، 19 تشرين الأول 2016، يحث على "اتخاذ تحرك عسكري تصعيدي لردع نظام بشار الأسد والقوات الروسية في سوريا".

وتشمل التدابير العسكرية التي يقترحها تقرير المركز دعوات ل"إنشاء مناطق آمنة لحماية الثوار المعتدلين من بطش القوات السورية والروسية" دون الدعوة إلى فرض مناطق حظر جوي فيما تقترح معظم الدراسات الأخرى "توجيه ضربات جوية أميركية محدودة بصواريخ كروز لمعاقبة الأسد إذا استمر في مهاجمة المدنيين بسلاح البراميل المتفجرة، كما يحدث في مدينة حلب المحاصرة".

وتقول وزيرة الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت، التي تقود فريقاً من الخبراء الأميركيين والدوليين للنظر في الإستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط في مركز "المجلس الأطلسي" في واشنطن إن "أول ما ينبغي فعله هو التحرك لتخفيف المعاناة التي يعيشها السكان".

وتضيف، "نعتقد أن هناك حاجة إلى مزيد من التحركات الأميركية - ربما ليس من خلال إرسال قوات برية، ولكن عن طريق توفير بعض المساعدة الإضافية على الصعيد العسكري".

ويرى ستيفن هادلي، مستشار الأمن القومي السابق لجورج دبليو بوش، وأحد مخططي غزو العراق، وشريك أولبرايت في تقرير "المجلس الأطلسي"، أنه "إذا واصل الأسد قصف المدنيين، يجب على الولايات المتحدة أن تنظر بقوة في استخدام أسلحة المواجهة، مثل صواريخ كروز، لتقويض قواته الجوية ومنع طائراته من التحليق".

وقوبلت مثل هذه التدابير برفض متكرر من جانب أوباما وكبار مستشاريه، الذين يحذرون من أنها ستورط الجيش الأميركي بشكل أعمق في صراع فوضوي جديد بالشرق الأوسط.

-------------------------------------------------------------

*مدير مكتب صحيفة "القدس" في العاصمة الأمريكية واشنطن