الأحد 17 كانون1/ديسمبر 2017
TEXT_SIZE

الواقع العربي المأزوم والمراجعات الواجبة

في الثاني من كانون الثاني من العام الجاري، نشرت فضائية CNNتقريرا عن الوطن العربي استنادا لتقرير الإرهاب الدولي للعام 2016. تضمن الآتي:

يبلغ سكان الوطن العربي 5 % من سكان العالم، فيما نصيبه 17.5 % من الصراعات العالمية، وأن 45 % من الهجمات الارهابية، و47 % من الهجرات الداخلية. ويبلغ اللاجئون من مواطنيه 57,5 % من اللاجئين في العالم، وأنه شهد 68,5 % من المعارك المتسببة بالقتل على صعيد العالم.

ويذكر التقرير أن من بين 15 - 29 عاما يقاربون 30 % من القوى العربية العاملة، وأن هذا القطاع الشبابي هو اليوم الأكثر خسرانا وتعرضا للعنف على نحو غير مسبوق في العصر الحديث. واستنادا لتقرير البنك الدولي للعام 2015 ، يشير إلى أن 30 % من القوى العاملة العربية تعاني من البطالة، فيما نسبة البطالة عالميا  13.99 %.

ينبه التقرير لتأثير التوقعات الاقتصادية المتدنية في ظهور المواقف الرديكالية المتسببة بعدم الاستقرار السياسي. ويذهب الى أنه يتوجب على دول الشرق الأوسط توفير 60 مليون فرصة عمل في العام 2020. وينبه أيضا إلى وضوح المخاطر التي تواجه الشرق الأوسط إذا لم ينهض قادة الأقطار الأكثر سكانا لمواجهة التحديات بايجاد فرص العمل اللازمة لاحياء آمال الشباب، وإلا سيواجهون اضطرابات نظير ما شهدته بعض الاقطار عام 2011 بعد تفجر "الربيع العربي".

يذكر أن مؤشر تطور الشباب العرب خلال السنوات الخمس التالية للعام 2010 نصف ما كان عليه خلال العقد السابق، وهو دون المؤشر الدولي.

تجدر الإشار إلى أنه خلال الشهور القليلة الماضية انقلب قارب في البحر الأبيض المتوسط يعتقد أنه كان قادما من ليبيا، وأدى إلى غرق العشرات من العمال الشباب. وقد تبين أن غالبيتهم من مصر، كانوا يأملون بالحصول على فرص حياة أفضل في أوروبا لكي يستطيعوا دعم أسرهم.

أشار التقرير إلى أن تعداد مواطني مصر يقارب المائة مليون، فيما اقتصادها متدهور وأسعار السلع في تصاعد الأمر الذي دفع الشباب لتصعيد معارضتهم للنظام خلال سنوات 2011 – 2013. وخلص التقرير إلى أن الاقليم العربي هو الأكثر تخلفا في مجال توفير فرص العمل لشبابه قياسا بما هو متوفر في أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي وأوروبا ووسط آىسيا وشرق آسيا ومنطقة المحيط الهادىء وجنوب آسيا وافريقيا جنوبي الصحراء والعالم بشكل عام.

ما تضمنه التقرير، ونبّه له من مخاطر، غاية في الخطورة والأهمية. إلا أن واضعيه وناشريه إنما سلطوا الأضواء بكثافة على ظواهر الواقع العربي المأزوم دون تناول العوامل الداخلية والخارجية فيما يعانيه شبابه من بطالة وتهميش، وما تواجهه مجتمعاته من تهديد لأمنها واستقرارها. إن الوطن العربي الأكثر استهدافا عالميا من قبل القوى الدولية والاقليمية المتطلعة للسيطرة على موقعه الاستراتيجي وموارده وأسواقه، وتلك الأكثر تحسبا وعداء للعروبة والإسلام والمسيحية المشرقية بحيث لا تكون قراءة الواقع العربي موضوعية ما لم تتسم بالعمق والشمول.

السؤال الذي يفرض ذاته، هل كان نصيب الوطن العربي من الصراعات الدولية يجاوز ثلاثة أضعاف نسبة سكانه لولا المداخلات الدولية والإقليمية في أدق شؤون مواطنيه، وتأثيرها في صناعة قرار نخبه على مختلف الصعد؟ هل كان اللاجئون من مواطنيه يبلغون 57,5 % من اللاجئين في العالم لولا ما اقترفته اسرائيل ولما تزل من جرائم التطهير العرقي في فلسطين، واجتياحاتها المتوالية للجنوب اللبناني، فضلا عما تسبب به الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، وما هو ثابت من دور صناع القرار الأمريكي والاوروبي في عدوان الجماعات التكفيرية، القاعدة وداعش وغيرهما، على أمن وآمان المواطنين العرب مسلمين وغير مسلمين؟ أليست القوى الدولية والاقليمية والمحلية التابعة، صاحبة دور رئيسي بأن يشهد الوطن العربي 68,5 % من الحروب المتسببة بالقتل؟

إن التذكير بالتصاعد الطردي في عدد السكان ومطالبهم وحاجاتهم تتجاوز نمو الموارد في غالبية اقطار العالم دفعت للتكامل الاقليمي، كما حصل بالاتحاد الاوروبي كمثال، في حين أن التكامل العربي بات معطلا نتيجة قيام إسرائيل كفاصلة بين جناحي الوطن العربي الأسيوي والافريقي وعلى تخوم مصر لتحجيم دورها القومي التاريخي. أليست الاستثمارات العربية محكومة في غالبيتها للمؤثرات الخارجية. ما فيه الدلالة الواضحة على أن ما استعرضه تقرير CNN  لا يعود فقط لقصور الفعل والفكر العربي عن مواكبة العصر علميا ومعرفيا وتقدما تكنولوجيا، وتلبية احتياجات المواطنين المتزايدين عدداً وطموحا، والتحول الواضح خلال العقود الأربعة الأخيرة من إعطاء الأولوية لتنمية الانتاج الوطني والاستثمار في الإنسان، والتحول إلى مجتمعات استهلاكية، يعتمد غالبيتها على "المعونات" الخارجية.

إلا أن الواقع العربي المأزوم يشكل تحديا وطنيا وقوميا ويستدعي مراجعات جذرية للسياسات المعتمدة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، وإدراك أن أمن واستقرار كل قطر وعربي شديد التأثر والتأثير بما هو جار في بقية الأقطار العربية. وبقدر ما تسهم النخب العربية بالعمل الجاد لتطوير التعليم في كل المراحل، والتوسع في ايجاد معاهد ومراكز التأهيل المهني، والعمل على تعزيز وتعميق الشعور بالمسؤولية الفردية والجماعية تجاه ما تواجهه المجتمعات العربية من تحديات، واستنهاض ارادة التصدي والممانعة المتجذرة في الثقافة العربية الاسلامية، كل ذلك يستدعي مراجعة جذرية شاملة.