الجمعة 23 حزيران/يونيو 2017
TEXT_SIZE

خرائط جديدة يرسمها عرب

 

أقابل من الأجانب مسؤولين وإعلاميين كثيرين، معظمهم لا يتركني قبل أن يسأل عن الخريطة التي أفضلها على غيرها من الخرائط المطروحة حالياً لشرق أوسط جديد. يفترضون أنني كعربي لا بد من أن لدي خريطتي المفضلة، أو على الأقل اطلعت عليها ولا أتوقف مع غيري من المحللين السياسيين عن مناقشتها وجذب انتباه الرأي العام إليها. يعرفون أننا نعيش في الإقليم على خرائط لم نرسمها، وأن الموضوع بأسره خارج حيز اهتمامات المسؤولين والإعلاميين في بلادنا.

كنا نبالغ في الحديث عن اهتمام الغرب بقضية رسم تقسيم جديد للشرق الأوسط. الآن لا نبالغ إذا قلنا إنهم على رغم التردي في كفاءة أجهزة صنع السياسة هناك فقد بدأوا ولأسباب غير قليلة العدد يناقشون مستقبل الشرق الأوسط. قيل لي، بين كثير مما قيل، إن أحد أهم الأسباب هو الاقتناع بأن العرب أنفسهم لا يبدون الاهتمام الكافي بالموضوع على رغم إلحاحه وخطورته على أمنهم الإقليمي وعلى نسيج مجتمعاتهم ومصير الطبقات الحاكمة. هذه اللامبالاة العربية تنذر بأخطار رهيبة، لأنها تعني أن العرب يعتزمون عند الأزمة التخلص من المسؤولية بإلقاء القضية بأسرها في حجر المجتمع الدولي.

يدركون في عواصم الغرب أن رسم خريطة جديدة ناجعة للشرق الأوسط تقف دونه عقبات عدة، أهمها إلى جانب عدم قدرة أجهزة الغرب على رسم خريطة تحظى برضاء غالبية الدول الكبرى كافة، أو أكثرها على الأقل. هناك هيمنة مسألة الإرهاب العابر للحدود الذي تتعدد مصادره من البشر والسلاح والمال لفترة قد تطول. هناك أيضاً عجز الرؤى العربية عن استيعاب خطورة القضية أو التكاسل الفظيع في التعامل معها، حتى بدا العرب وكأنهم يدعون العالم الخارجي إلى فرض تقسيم جديد يفاجأون به ذات صباح فيقبلون به متذرعين بفكرة المؤامرة الدولية التي تتربص بالأمة العربية. من ناحية ثالثة، يعرفون في الغرب وفي موسكو وطهران وأنقرة، أن وضع الإقليم لا يسمح بمجازفات أو تجارب بينما أقطاره تموج بحركة سكان لم يشهد الإقليم مثيلاً لها في العصر الحديث، أضف إلى كثافة عدد المهاجرين واللاجئين المتنقلين عبر الحدود مسببين حالاً من الفوضى وسوء الإدارة وانتشار الفساد والجريمة.

أتصور على ضوء هذه الاعتبارات أن الدول الكبرى ستستمر في التهرب من وضع خريطة بعينها موضع التنفيذ إلا إذا تيقنت من أن الأنظمة الحاكمة العربية غير مستعدة للتعامل بجدية وحكمة مع هذه القضية التي إن تركت من دون تدخل ستنتهي إلى تقسيم تفرضه الشعوب بنفسها وترسم حدوده بأقدامها.

أسأل نفسي وغيري من المهتمين بالخروج من الورطة المقيمة الآن في الإقليم. أسأل إن كان حالنا تختلف عن حال جدودنا الذين عاصروا التقسيم الأول في سياق توزيع التركة العثمانية. من ناحية الشكل يبدو أن العرب مستسلمون للتقسيم القادم استسلامهم للتقسيم السابق. لا أرى اختلافاً يذكر. أرى عرب هذه الأيام، وهم بحكم التعريف والواقع أهل الاختصاص بالدرجة الأولى في هذه القضية، لا يلعبون دوراً أو يلوحون بآخر. أراهم لا يبدون ولو رغبة أو استمساكاً بعقيدة تحرم عليهم تغيير الخريطة الراهنة حتى بعد أن بهتت ألوانها وتمزقت أطرافها وتعددت الثقوب في قلبها. أراهم من دون القوة المادية والعسكرية اللازمة لحماية خريطتهم البالية أو تمكينهم من رسم خريطة جديدة. أكاد أجد العذر لعرب مطلع القرن العشرين الذين لم يهتموا بعرقلة أو تشجيع مفاوضات التقسيم الذي حظي بشهرة صائغيه سايكس وبيكو، إذ لم تكن لديهم قبل حلول سايكس وبيكو خريطة تحمل توقيعهم أو إقليم يشرف برفع راياتهم ويلقب بألقابهم ويسمى في الخرائط العالمية باسمهم. أعذرهم إذ لم تكن لديهم جامعة عربية هدفها تنظيم صفوفهم وتنسيق تجارتهم وخطط تنميتهم والتقدم بمبادرات من النوع الذي نناقشه هنا.

لا أحد في الجامعة العربية التي تجمع عرب القرن الحادي والعشرين، لا أحد، وأقصد تحديداً مجلس الجامعة على مستوى القمة يستطيع إنكار حقيقة أن الخريطة التي يجتمع باسمها تطل عليهم، كما أطلت عليهم في القمة السابعة والعشرين، وقد اهترأت بفعل الزمن جوانب منها وتآكلت بفعل سوس الفساد والإرهاب والطائفية جوانب أخرى. لعل القادة العرب تنبهوا لحال أمتهم وخريطتها السياسية وهم يقيمون أعمال قمتهم الأخيرة. أظن أنهم لا بد وقد تأكدوا من أن الخريطة بوضعها الراهن أصبحت تسيء إلى مكانتهم بين قادة الأمم الأخرى.

تأكدوا ولا شك من مصادرهم في أنقرة وطهران وعواصم الغرب وموسكو وربما بكين أن مراكز عصف فكري ودراسات متقدمة منكفئة الآن على رسم خرائط تتناسب وواقع الحال في الشرق الأوسط، خرائط تراعي مطالب وطموحات أقليات لم تكن مسيسة وتسيست، خرائط تأخذ في اعتبارها نوايا لم تكن يوماً بين أولويات العقيدة السياسية ومنها النية في إعادة الاعتبار إلى الطائفة والقبيلة والعرق والعنصر والثروة.

هناك أيضاً من يحاول رسم خرائط تخدم أحلاماً وطموحات بعينها، منها خريطة الدولة الإسلامية الواحدة. منها كذلك خرائط تستلهم الاستشراق في رسمها وتنفيذها، وهناك فيما أتصور خرائط لإقليم كانت له سمات معينة قبل أن يتعرض كغيره من أقاليم العالم لتحولات عظمى بتأثير تطورين مهمين، أولهما العولمة التي صنعت عالماً مختلفاً وفجرت ثورة في الهويات والانتماءات وفوضى في الولاءات. وثانيهما ثورة الربيع التي هزت الشرق الأوسط إلى الأعماق، وبخاصة حين أطلقت العنان لردود فعل انتقامية وعنيفة، كانت في حد ذاتها عنصراً من عناصر التغيير «الثوري» الذي حل بدول عربية وغير عربية عدة خلال السنوات الخمس الماضية وأسهم في الحاجة إلى رسم خرائط اجتماعية وسياسية جديدة.

أعتقد أنه لا توجد قضية راهنة في الشرق الأوسط تستحق عقد قمة عربية استثنائية أكثر من الحاجة الماسة لخريطة جديدة للمنطقة يرسمها قادة وسياسيون ومفكرون عرب ومراكز بحث عربية، لتحل محل الخريطة المنتهية صلاحيتها والمسماة خريطة سايكس بيكو. أمامنا فرصة تاريخية لنرسم بأنفسنا ولأنفسنا - وللمرة الأولى - خريطة المستقبل.

-------------------------------------------------------------------------

 * كاتب مصري

أين مصلحة الناخب العربي في الانتخابات الأميركية؟

 

أشهرٌ قليلة تفصل الولايات المتحدة عن موعد الاستحقاق الانتخابي في نوفمبر القادم، حيث ينتخب الأميركيون رئيساً ونائباً له (كل أربع سنوات)، كما ينتخبون كلّ أعضاء مجلس النواب (كل سنتين)، وثلث أعضاء مجلس الشيوخ (كل ست سنوات)، وعدداً من حكّام الولايات الخمسين، إضافةً لانتخاباتٍ عديدة في داخل كل ولاية. وبانتهاء مؤتمريْ الحزبين الجمهوري والديمقراطي في الشهر الماضي، تدخل حملات معركة الرئاسة الأميركية في أسابيعها الحاسمة حيث أصبح واضحاً الآن للأميركيين الخيارات المتاحة أمامهم.

وستكون من مفارقات هذه الحملات الانتخابية التنافس عملياً بين احتمالين: وصول أوّل امرأة في الولايات المتحدة إلى موقع الرئاسة (هيلاري كلينتون)، أو الاحتمال الآخر وصول أوّل رجل أعمال من خارج المؤسسات السياسية التقليدية (دونالد ترامب) لحاكمية "البيت الأبيض". وفي أيٍّ من الاحتمالين، تستمرّ مظاهر التغيير في الحياة السياسية الأميركية والتي ظهرت ساطعة بفوز باراك أوباما في العام 2008 ثمّ في العام 2012، وهو الأميركي من أصول أفريقية ولأب مسلم مهاجر حديثاً لأميركا.

إنّ المعركة الانتخابية الرئاسية الأميركية هي الآن بوضوح معركة بين نهجين مختلفين في قضايا كثيرة داخلياً وخارجياً. وستبرز في هذه الحملات الجارية عناوين القضايا المختلَف عليها فعلاً داخل المجتمع الأميركي، والتي هي تعكس الصراعات الدائرة منذ وصول أوباما إلى سدّة الرئاسة، بين قوى التأثير والضغط التي تقف عادةً مع هذا الحزب أو ذاك تبعاً لمدى تمثيل مصالحها في برنامج كل مرشّح. لكن أيضاً ستظهر في انتخابات نوفمبر القادمة جدّية الانقسامات الأيديولوجية والاجتماعية لدى الأميركيين، وأولويّة مفاهيم ثقافية ودينية واجتماعية في معايير الكثير منهم لدعم أي مرشّح.

فما رمز اليه انتخاب أوباما من معانٍ هامة في مجتمع أميركي كان قائماً على أصولية "أوروبية – بيضاء- بروتستانتية"، وعلى عنصرية ضدّ الأميركيين الأفارقة واستعبادٍ لهم لقرون طويلة، سيلعب دوراً هاماً الآن في نوفمبر القادم، وفي ظلّ اشتداد الحملات ضدّ المهاجرين الجدد لأميركا وضدّ الإسلام والمسلمين. وإضافةً للعامل الاقتصادي، فإنّ ثلاثة عوامل ستؤثّر الآن في الحملات الانتخابية، وقد لعبت دوراً حاسماً في فوز "الجمهوريين" بأغلبية مجلسيْ النواب والشيوخ، خلال فترة حكم أوباما:

1 – عامل العنصرية الثقافية والعرقية والدينية الذي ينمو ويكبر منذ فوز أوباما بالرئاسة، والذي يستهدف كل أنواع الهجرة لأميركا.

2 – عنصر المال وخاصة الدعم الكبير لمرشّحي الحزب الجمهوري والتيّار المحافظ فيه من قِبَل مجموعات عديدة من الشركات والمصارف وقوى الضغط، التي تضرّرت من قوانين الرعاية الصحية والرقابة على المصارف ومن الضرائب، وهي أجندة الحزب الديمقراطي. وقد ساهم في تعزيز دور المال بالعملية الانتخابية قرار المحكمة الدستورية العليا بعدم تحديد سقف مالي للتبرعات للمرشحين، وبحقّ عدم نشر أسماء المتبرّعين.

3- عامل الإرهاب الذي يحدث في أمكنة مختلفة بالعالم، ومن ضمنها أميركا، والذي ترك انعكاساتٍ سلبية كبيرة على المسلمين في الغرب وساهم في تعزيز قوة اليمين المتطرّف في دول أوروبا وبالولايات المتحدة.

أمّا بالنسبة لثقل الناخبين العرب في أميركا، فإنّ عددهم لا يتجاوز الواحد في المائة نسبةً إلى عدد السكّان الأميركيين. هناك  أكثر من 300  مليون أميركي منهم حوالي 3 ملايين عربي يحقّ لهم التصويت، فنسبة واحد بالمائة من السكان لا تغيّر كثيراً من واقع الحال. وهناك تجمّعات عربية منظّمة أحياناً، لكن تأثيرها موضعي ومرتبط بزمان ومكان محدّدين، أو كحالة دعم عددٍ من المرشّحين المحليين في الانتخابات الأميركية، عِلماً أيضاً أنّ ترشيح أسماء من أصول عربية في الانتخابات الأميركية لا  يعني بالضرورة  أنّها ستكون من مؤيّدي القضايا العربية.

من ناحية أخرى، فإنّ للعرب الأمريكيين مشكلة تحديد الهويّة وضعف التجربة السياسية، فلقد جاء العرب إلى أميركا من أوطان متعدّدة ومن بلادٍ ما زالت الديمقراطية فيها تجربة محدودة، إضافةً إلى آثار الصراعات المحلّية في بلدان عربية، وتأثير ذلك على مسألة الهويّة العربية المشتركة.

أيضاً، من المهمّ التمييز بين حالاتٍ ثلاث مختلفة‏:‏ فهناك "أمريكيون عرب"، وهم أبناء الجيل المهاجر الأول،‏ ومعظم هؤلاء لم يعد لهم أي تواصل أو ارتباط ثقافي مع البلاد العربية وقضاياها، ثمّ هناك "عرب أمريكيون" وهم الأجيال المهاجرة حديثاً إلى المجتمع الأميركي، لكنها مندمجة فيه بقوّة وتشارك في العمليات الانتخابية، وتقود هي عملياً الأنشطة السياسية والثقافية للجالية العربية،‏ وهناك "عرب في الولايات المتحدة" وهم هؤلاء الذين لم يصبحوا مواطنين أميركيين بعد، وأولوياتهم تختلف تماماً عن الحالتين السابقتين.‏ وبينما نجد أغلب "الأمريكيين العرب" غير متواصلين مع البلاد العربية الأم، نرى أنّ‏ الفئة الثالثة، أي العرب المهاجرين حديثاً، غير متواصلة بعمق مع المجتمع الأمريكي نفسه،‏ ولكلٍّ من هذه الفئات نظرة مختلفة للحياة الأمريكية وللدور المنشود في المجتمع‏.

أضف على ذلك أيضاً، تعدّد الانتماءات الطائفية والمذهبية والإثنية في الجالية العربية‏.‏ فالبعض مثلاً يتفاعل فقط مع منظّمات دينية إسلامية وهو ما يستبعد نصف الجالية العربية. فأكثرية الجالية العربية هي من جذور دينية مسيحية، بينما نجد أنّ أكثرية الجالية الإسلامية هي من أصول غير عربية. لذلك، كلما كان هناك نشر لفكر عربي سليم فيما يتعلّق بمسألة الهوية، كلّما أصبح بمقدور الجالية العربية أن تتوحّد وأن تنجح عملياً وتتجاوز الكثير من الثغرات‏.‏

لكن بغضِّ النّظر عن واقع وظروف الجالية العربية، نجد الآن غالبية ساحقة من الناخبين العرب والمسلمين تقف ضدّ المرشّح الجمهوري دونالد ترامب، لكنّها لا تجد في هيلاري كلينتون البديل المرغوب به، بل ربّما دعمت أعدادٌ كبيرة من هؤلاء الناخبين ترشيح بيرني ساندرز خلال الانتخابات التمهيدية، ولا يستحسنون وضع أصواتهم لصالح كلينتون في نوفمبر القادم. فبعضهم سيصوّت لصالح مرشّحة "حزب الخضر" الدكتورة جيل ستاين التي يتقارب برنامجها والسياسة الخارجية التي تدعو لها مع ما كان يطرحه ساندرز في حملاته الانتخابية. وربما البعض الآخر سيمتنع عن التصويت، لكن أعتقد أنّ الغالبية ستصوّت تحت مقولة: ليس حبّاً بكلينتون لكن كرهاً بترامب.

هذا بشأن انتخابات الرئاسة، أما الانتخابات الأخرى المستحقّة في نوفمبر أيضاً فهي لا تقلّ أهمّيةً عن انتخاب الرئيس الجديد، وهي تشمل كل أعضاء مجلس النواب وثلث أعضاء مجلس الشيوخ، وهذان المجلسان المعروفان باسم "الكونغرس الأميركي" هما من يُنجّح أو يُعيق أجندة أي رئيس أميركي. فالرئيس أوباما عانى الكثير من وجود غالبية جمهورية في مجلسي الكونغرس، خاصّةً على صعيد أجندته الداخلية، وما تحدّثت عنه هيلاري كلينتون من برامج اقتصادية واجتماعية، في كلمتها بنهاية مؤتمر الحزب الديمقراطي، سيعتمد تنفيذها على مدى فوز الديمقراطيين بغالبية الكونغرس.

هواجس معظم الناخبين العرب في أميركا ليست مرتبطة بالبرنامج الداخلي للمرشّحة كلينتون، بل بما يمكن أن تفعله على صعيد السياسة الخارجية، وبالعلاقة القوية التي تربطها بجماعات اللوبي الإسرائيلي، والتي جعلت حملتها تحذف من برنامج مؤتمر الحزب الديمقراطي الإشارة إلى كلمة "الاحتلال" الإسرائيلي أو إدانة المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهي مسائل طالب بها مؤيدو ساندرز خلال وضع برنامج الحزب الديمقراطي، كما هي قضايا موضع تأييد أيضاً من مرشّحة "حزب الخضر".

لذلك، ربما يكون من المفيد أن ينشط الناخبون العرب في أميركا لدعم المرشّحين الديمقراطيين لعضوية الكونغرس وبعض حكّام الولايات وفي المجالس المحلية، بينما يُعبّرون عن اعتراضهم على السياسة الخارجية لهيلاري كلينتون من خلال التصويت لمرشّحة "حزب الخضر"، وأن يحرص الناخبون العرب على التفاعل العميق مع تيّار ساندرز الذي سيواصل أنشطته وحركته خلال الحملات الانتخابية القادمة، وبل ربّما بعد الانتخابات، ليكون هذا التيّار قوة ضغطٍ على "البيت الأبيض" وعلى الكونغرس، بغضِّ النّظر عن الحزب الحاكم في أيٍّ منهما.

-----------------------------------------------------------

*مدير "مركز الحوار" في واشنطن

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

لقراءة مقالات صبحي غندور ، الرجاء الدخول الى الموقع التالي:

http://www.alhewar.net/Sobhi%20Ghandour/OtherArabicArticles.htm

هل يتغيّر إردوغان إقليمياً

 

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان التقى نظيره الروسي فلاديمير بوتين في الكرملن ليقول له بأنه جاد في بدء صفحة جديدة من العلاقات بين البلدين، وان المرحلة القادمة ستكون أفضل من الماضي، بعد ما مرت به العلاقات بين البلدين من توتر. أرضية الخلاف هي الملف السوري الذي تقف فيه روسيا في صف النظام، فيما تقف تركيا في صف المعارضة والمجموعات المسلحة. في الكرملين توافقا على ان المشترك بينهما هو العمل لمعالجة الوضع السوري بطرق ديمقراطية. اللقاء يأتي بعد تصفية أردوغان لآثار الانقلاب الفاشل الذي قاده جزء من الجيش ضده، لكنه أي اللقاء لا يشكل أحد متغيرات السياسة التركية بسبب هذا الانقلاب، إنما التقارب مع موسكو والاعتذار التركي عن اسقاط الطائرة الروسية كان قد جرى قبل الانقلاب.

كثير من التحليلات تذهب الى أن الانقلاب على حكومة حزب العدالة والتنمية إنما جاء بسبب ظهور بوادر تغيير كبير في سياسات أردوغان الاقليمية، ليس التقارب مع روسيا مؤشره الوحيد، انما الاهم هو التصريحات التي صدرت من رئيس الحكومة التركية «بن علي يلدريم» التي تحدث فيها عن امكانية عودة علاقات طبيعية مع نظام الرئيس السوري بشار الاسد. أردوغان كان يوشك على اجراء تغيير كبير في سياساته الاقليمية التي رأى انها انتقلت بتركيا من هدف «تصفير المشكلات» الى واقع «تصفير العلاقات». ربما هذا الامر لا يروق لدول لا تريد ان يسجل الملف السوري انفراجا بوجود الاسد. أصحاب هذا التحليل، وبينهم أتراك، يوجهون أصابع الاتهام الى واشنطن وعواصم أوروبية اتخذت موقف المراقب عند حدوث الانقلاب، في وقت وقفت فيه عواصم اقليمية، بينها طهران، موقف المساند لحكومة أردوغان.

كعراقيين يهمنا أن نرى هذا التغيير في سياسات أنقرة الاقليمية. نحن دولة مجاورة لتركيا، وهناك قوات تركية تتمركز في عمق أراضينا دون موافقة الحكومة العراقية. من مصلحتنا التطور الايجابي في علاقات انقرة وطهران، لأن جانباً كبيرا من «الحرب الباردة» بينهما، يدورعلى الارض العراقية. رئيس المخابرات التركية «هاكان فيدان» زار العراق قبل الانقلاب وقال لمسؤول عراقي رفيع: «ما دامت ايران موجودة في العراق فان قواتنا ستبقى في الموصل». هكذا فان أي تغيير ايجابي تركي باتجاه العراق سيخفف من تأثرنا بتجاذباتهما.

السياسة التركية حيال العراق لم تكن محل رضا كثير من العراقيين منذ العام 2010. علاقات الاتراك المباشرة مع اقليم كردستان وتشجيعهم تصدير النفط والغاز دون موافقة الحكومة العراقية، كان من أهم عوامل توتير العلاقة بين الدولتين الجارتين. عندما امتنعت الحكومة عن ارسال السفير العراقي الجديد في أنقرة تعبيرا عن عدم الرضا العراقي عن مواقف انقرة، تحركت أوساط تركية قريبة من دائرة أردوغان وعرضت رغبة انقرة في معالجة نقاط الخلاف مع العراق. ذهب السفير وباشر اتصالاته هناك، ثم جاء الانقلاب الفاشل.

ربما يحتاج الامر الى تحرك دبلوماسي لالتقاط الاشارات الايجابية والتحرك في المقابل باتجاه اعادة تصحيح العلاقة مع انقرة. الجو الآن مؤاتٍ، والرئيس التركي قال بعد الانقلاب إنه سيبدأ عهدا جديداً من علاقاته مع الدول المجاورة، وبالتأكيد فان العراق يريد علاقات ايجابية مع كل الدول خصوصا المجاورة.

-------------------------------------------

*نشر المقال في جريدة الصباح البغدادية

الطّائِفِيّونَ حَطَبُ نْارِ الارْهْابِ

 

أَوَّلاً؛ لا أَدري ما الذي يُؤخّر (قادة الموصل الحقيقيّون!) للاسراع في تحرير مدينتهِم وانقاذ ما بقِي من شرفهِم وعِرضهم وحضارتهِم ومدنيّتهِم من يد الارهابيّين؟! لنمنع مقاتلي الحشد الشّعبي الباسل والبطل من المشاركة في عمليّة التّحرير المرتقبة كما يُريدون؟!.

لماذا يتوزّع هؤلاء الأبطال الوهمييّن في عواصم الغرب ودوَل الجوار، ويُشغلِون أنفُسهُم بالتَّنظيرات التّافهة وصياغة البيانات الفارغة، اذا كانوا حريصين الى هذه الدّرجة لمنع الحشد الشّعبي من المشاركة في تحرير مدينتهِم؟!.

لماذا لا يخلعوا ربطات أَعناقهم الأنيقة ويستبدلونَ بدلاتهم الثّمينة بالخاكي ويلتحِقوا بجبهات الحرب على الارهاب الممتدّة على طول حدود محافظة نينوى ومدينة الموصل تحديداً كما يفعل الشُّرفاء عادةً عندما تُغتصَب الارض والعِرض؟!.

لماذا لا يكونوا كالرّجال الرّجال ويتركوا مكاتبهم الضّخمة وحماياتهم الكثيرة ويتجمّعوا هناك قرب الموصل ليسرِّعوا في تحريرِها وعندها لن نكون بحاجة الى قوّات الحشد وغيرهِ في عمليّات تحريرِها؟!.

لماذا يتركون قوّات البيشمرگة الباسلة يُقاتلونَ لوحدهِم لطرد الارهابيّين من الموصل على طول جبهةِ حربٍ حقيقيَّةٍ طولها (٨٠٠) كم تقريباً؟!.

الى متى يتعاملونَ مع قوّات وطنيّة هي جزءٌ لا يتجزّء من المؤسسة الامنيّة والعسكريّة الرّسميّة، أَثبتت بسالتها وقُدُراتها الخارقة وشجاعتها النّادرة في كلّ عمليّات التّحرير التي اشتركت فيها جنباً الى جنب القوّات المسلّحة العراقيّة، بهذا النَّفَس الطّائفي الأسوَد والبغيض والحاقد؟!.

هل يتصوّرون انّ الموصل إرثاً من آبائهِم وأجدادهِم وانّها ملكٌ صِرفٌ لهم فقط ليمنحوا أَنفسهم الحقّ في تحديد من يشترك ومن لم يشترك في تحريرها من يد الارهابيّين؟!.

اذا كانوا يتصوّرون ذلك فلماذا تَرَكُوا إرثَهُم ينهبهُ الارهابيّون ويُعيثوا فساداً بشرفهِم وعِرضهم وناموسهِم، ويدمّروا الحضارة والتّاريخ والمدنيّة؟!.

لو أَنّهم كانوا قد تعاملوا مع الارهابيّين، وجلُّهُم غرباء عن الموصل، بمعشارِ الحساسيّة التي يتعاملون بها مع الحشد الشّعبي لما تمكّن الارهابيّون من إِغتصاب الارض والعِرض، الا انَّ طائفيَّتهم أَعمتهُم عن التّفكير بشكلٍ سليمٍ وصحيحٍ!.

ولذلك لم تهتز لهم شعرةً من شواربهِم وهم يُتابعون تصريحات محافظ نينوى التي أَدلى بها مؤخَّراً بشأن مشكلة (الأبناء) الذين يولَدون من (زواج النّكاح) الذي شرَّعهُ الارهابيّون وبسببهِ اغتصبوا العذارى والأَبكار! ولكنَّهُم أقاموا الدُّنيا ولم يُقعِدوها بسبب (ثلّاجة) إِدَّعَوا انَّ أَحد مقاتلي الحشد الشّعبي كان قد (إِغتصبها) من بيتٍ في تكريت!.

غريبٌ أَمر هؤلاء، فكلّ شَيْءٍ أَصبح بالنّسبة لهم أغلى من الارض والعِرض والشّرف!.

حتّى ثمن الثلّاجة عندهم أغلى من نسائهِم وبناتهم! ومن الارض التي وُلدوا فيها ونشأوا وترعرعوا فيها! ومن التّاريخ والحضارة والمدنيّة والتُّراث الذي دمَّرهُ الارهابيّون!. 

ثانياً؛ لا تغُرَّنَّكم إِتّهامات المرشّح الجمهوري للرئاسة الاميركيّة للمرشّحة الدّيمقراطيّة، بشأن الادّعاء بأَنَّ حزبها هو الذي صنع التنظيمات الارهابيّة! وأنّها شخصيّاً على علاقةٍ بهذه التّنظيمات!.

فكلُّ هذا الحديث والاتّهامات ليست أَكثر من دعاية إِنتخابيّة يسعى بها المرشّح لتبرئةِ حزبهِ من دورهِ في صناعة الارهابيّين، من جهةٍ، ولكسبِ تعاطف النّاخب الأميركي الذي لازالت صُوَر الذبّاح الارهابي وهو يحزُّ رقبة الضّحيّة الأميركي [جيم] عالقةً في ذهنهِ، من جهةٍ أُخرى!.

انّ الارهاب صناعةً أميركيّة ساعدت سياسات واشنطن الخاطِئة في العراق تحديداً، في عهد الجمهوريّين حزب المرشّح المهووس، وفي غيرها من المناطق السّاخنة في تنشئتِها وتنميتِها!.

ولعلَّ من أَعظم الأخطاء التي ارتكبها الجمهوريّون تحديداً والتي ساعدت على انتشار الارهاب في المنطقة والعالم، هو غضّ النّظر عن دور نظام القبيلة الفاسد الحاكم في الجزيرة العربية في هذا الارهاب، وتحديداً في هجمات أيلول الارهابيّة عام ٢٠٠١، مقابل تحقيق مصالح حزبيّة ضيّقة وصفتها أُسَر الضّحايا الأميركييّن بالانانيّة، عندما صرَّحت بأَنَّ الإدارات الاميركيّة المتتابِعة باعت دماء الضّحايا لسوادِ عيون نظام (آل سَعود) الارهابي!.

-----------------------------------------------------------------  

*كاتب عراقي. لِلتّواصُل مع الكاتب:

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

Face Book: Nazar Haidar

WhatsApp & Viber& Telegram:

00 1 8048373920

يوميات مهاجر: الموصل ... "الرأس" المقطوع..!!

 

التاريخ لا يصنع وطن... والأفكار لاتحدد الجغرافية.. والأحلام محض خيال.

إنما الوطن بأبنائه الشرفاء والأصلاء، يصنعون تاريخا ويرسمون خارطة البلاد التي يحبون، ويجعلون من الأحلام حقيقة واقعة يعيشونها هم وأبناءهم وأحفادهم بعز وكرامة وكبرياء.

بينما يستعد أبناء العراق من القوات المسلحة ومتطوعي العشائر وبمساعدة دولية لتحرير مدينة الموصل من براثن الإرهاب الأسود.  ينبري بعض من أبناء المدينة إلى تحديد مصيرها بطريقة أقل ما توصف بأنها محاولة للشروع بقطع "الرأس" عن الجسد "العراق" ، مثلما يفعل الإرهابيون اليوم بأبناء الموصل ومدن أخرى محتلة من قبل تنظيم داعش.  فقد اجتمعت شخصيات" أساتذة وشيوخ ورجال أعمال ونخب مثقفة عديدة في العراق وفي بلاد المهجر، وخصوصا في الأردن وبريطانيا وألمانيا وفرنسا وتركيا وكندا والولايات المتحدة الأميركية وأستراليا والإمارات وقطر ومصر وغيرها"، لصياغة "مشروع" تقسيمي مؤطر ببنود دستور كان أهل الموصل امتنعوا عن التصويت عليه عام 2005.

كيف يمكن تقرير مصير الموصل وأهلها بوثيقة كانوا قد اعترضوا على ما جاء في بنودها وخصوصا "الفدرالية" وإنشاء أقاليم..؟! واعتبروا "الفدرالية" مشروع تقسيم العراق، جاء به "المحتل" الأمريكي ورضي به " أعوانه" الذين تسلموا مقاليد حكم العراق بعد 2003..!!

تعرضت مدينة الموصل؛ "رأس العراق" بوصف أحد المؤرخين من أبنائها، إلى احتلال همجي من قبل أعتى المجرمين والإرهابيين المحليين والإقليمين والأجانب. ويواجه أهلها الطيبون لاسيما البسطاء منهم أقسى تجربة حياتية، يدفعون فيها ثمنا غاليا لا لشيء إلا لأنهم رفضوا مغادرة أرض الأباء والأجداد رغم المعاناة الكبيرة والظروف المريرة التي يعيشونها تحت أيدي مجرمي العصر.

سنتان من التدمير والخراب للإرث العمراني والحضاري خلال فترة خضوع مدينة الموصل إلى سيطرة مجرمي "داعش"، حيث صارت ثاني أكبر مدينة في دولتهم المزعومة..!

يحق للمراقب المنصف أن يتساءل .. هل فعلا أن "مشروع" إنشاء إقليم الموصل / نينوى يهدف إلى " الحفاظ على مصير الموصل/ نينوى من الضياع والتفكك، والحفاظ على عراقيّتها، خوفاً من التدخلات الخارجية وخصوصاً بعد تحريرها من عناصر داعش الإرهابية"..؟؟ بحسب ما جاء في مقال للدكتور سيار الجميل؛ وهو أحد أبرز أبناء الموصل، بوصفه مؤرخا وأكاديميا، وواحد من الذين يطرحون مشروع إقليم الموصل / نينوى كأنه الحل لإنقاذ المدينة من احتلال محتمل..!

هل ثمة احتلال أقسى وأشد خسة من احتلال تنظيم داعش لمدينة الموصل، الذي هدّم الجوامع والكنائس والأديرة ومقامات الأنبياء والعلماء، وحطّم شواخص المدينة العمرانية والحضارية أمام مرأى ومسمع من العالم أجمع..؟!

هل ثمة احتلال أكثر دمارا وانتهاكا للحرمات مما فعله مجرمي داعش بالمسحيين من أهل الموصل من تهجير ومصادرة أموال وممتلكات..؟؟

هل ثمة احتلال أسوء وأخزى مما فعله داعش بأهالي سنجار الأيزيديين من قتل وسبي واغتصاب للنساء دون وازع ديني أو أخلاقي أو إنساني.؟

من بين هذه المآسي والتراجيديا اليومية، يظهر من يدعو إلى "قطع" الرأس عن الجسد "العراق" وكأن إنشاء إقليم الموصل/ نينوى يحقق تطلعات شعب نينوى بأطيافه الدينية والقومية.

يبدو أن الداعين إلى "المشروع" استندوا على تصورات وتحليلات لمخططات مشبوهة بشأن تقسيم بعض دول المنطقة بينها العراق. وبذلك يساهمون، أصحاب مشروع إقليم الموصل / نينوى، في تنفيذ تلك المخططات الرامية إلى إنشاء كانتونات على أساس عرقي وديني.

يشير الدكتور الجميل في الحديث عن نينوى إلى "تخوّف كل أبنائها من المستقبل، كيلا تندلع أية حرب أهلية، أو طائفية، خصوصاً بعد حرب الدعايات وحجم التهديدات لأخذ الثارات، ومن أجل إبعادها عن شبح كل الأطماع الإقليمية والثارات الطائفية والصراعات القومية في المنطقة الساخنة"...!  وهذه الفقرة تطرح أمام المراقب الحصيف عدّة تساؤلات.. لماذا لم يبين الدكتور الجميل بوضوح من الجهات أو الدول التي تروج لـ"حرب الدعايات"؟ ومصدر "التهديدات" والذين يريدون "الثأر"؟ وممن يثأرون؟ ولماذا؟ . لم يوضح المقال الدول التي لديها "أطماع" ، هل هي تركيا أم أيران أم دولة أخرى ؟ ماهي الموانع التي تحول دون الإجابة عن هذه التساؤلات وغيرها الكثير لكي يطلع أهل نينوى والعراقيون جميعا على المخاطر التي تهددهم فعليا بعد تحرير الموصل من براثن داعش؟

لا يخفى على مراقب موضوعي ودقيق، أن الموصل محتلة من قبل تنظيم ارهابي همجي وحشي يقتل البشر ويحرق الزرع ويشرق الثروات ويختصب الأرض والعرض. لكنها أيضا تخضع أجزاء من الموصل إلى احتلال من نوع آخر "مشرعن"، من قبل القوات التركية وقوات عسكرية أخرى بعضها رسمي والبعض الآخر ميليشيات تابعة لأحزاب وقوى لها نشاط  مسلح في مناطق نينوى وإقليم كردستان.!؟

يبدو أن الداعين إلى مشروع إقليم الموصل / نينوى، لديهم من القناعة ما يمنعهم من الإشارة لكل هذه الاحتلالات، ويخشون من احتلال مفترض وحرب أخرى ستنشب في الموصل فقط إذا لم يصار إلى إعادة ترتيب ادارة الحكم في العراق بطريقة مرضية لأطراف تحمل السلاح وبعنوانين وصور متعددة وبدعم من دول إقليمية منذ 2003...!؟؟  

يقول الدكتور الجميل : "في ستة شهور من جهود كبرى لاجتماعات موسّعةٍ واتصالاتٍ مكثفة، حيث تم التوصل إلى "إعلانٍ"، يحدّد صيغة مشروع وخطة طريق من أجل ولادة إقليم الموصل/ نينوى في إطار السيادة العراقية، بغية الحفاظ على هوية هذا الإقليم وخصوصياته الثقافية والحضارية، ومن أجل أن يكون مستقراً وآمناً ومتطوراً، على أيدي أبنائه، وعودة الملايين من سكانه اللاجئين والمهاجرين والنازحين إليه، من داخل العراق ومن شتات العالم، ليساهموا جميعاً في إحيائه وتقدّمه وتطوره".

مرة أخرى، نتساءل وقد يبدو سؤالنا غير مشروع في نظر أصحاب "المشروع".. ماهي الدلائل أو المعطيات التي توافرت لإقناع شعب نينوى بهذه الرؤية "الحالمة"..؟ لاسيما وأن تجربة إقليم كردستان التي يستشهد بها المقال لم تأت أوكلها للشعب الكردي فعليا..! إذ لا يزال المواطن في كردستان، وأقصد هنا المواطن البسيط، يعاني من حياة قاسية وظروف معيشية صعبة، وأوضح دليل على الواقع الاجتماعي في كردستان تزايد حالات الانتحار وخصوصا بين الفتيات، وارتفاع نسبة البطالة والهجرة بين الشباب بمعدلات غير مسبوقة بحسب منظمات معنية بشؤون الإقليم. بينما المواطن المتحزب أو الموالي أو المستفيد بطريقة أو بأخرى من مكاسب معينة لا يعنيه شيئا ويصفق في كل حين..!

أما الوضع السياسي في كردستان ليس بحاجة إلى تفصيل واسع، بكلمة واحدة نزعة ديكتاتورية واضحة للسيطرة على مقاليد الحكم في الإقليم بعد غلق البرلمان وطرد وزراء من الحكومة، والبقاء على كرسي الرئاسة من غير غطاء قانوني أو دستوري.

أخيرا، من الواضح أن نزعات أيديولوجية قومية ودينية، وطموحات شخصية عشائرية وسياسية، تقف وراء "مشروع" إنشاء إقليم الموصل/ نينوى دون معرفة رأي المواطن الموصلي البسيط أو دون توعية المواطن البسيط بطبيعة هذا "المشروع" المعد في أروقة إقليمية ودولية..!

ولسان حال المواطن يرتل في كل صلاة: (يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال) الرعد- 17

----------------------------------------

للإطلاع على مقال الدكتور سيار الجميل "مشروع إقليم الموصل/ نينوى حلاً لقضية مصيرية"، تابع الرابط التالي:

https://www.alaraby.co.uk/opinion/2016/8/9/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9-%D8%A5%D9%82%D9%84%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%B5%D9%84-%D9%86%D9%8A%D9%86%D9%88%D9%89-%D8%AD%D9%84%D8%A7-%D9%84%D9%82%D8%B6%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D8%B5%D9%8A%D8%B1%D9%8A%D8%A9

 

الكارثة ستأتي من الرياض.. منذ 100 سنة والسعودية تقوم بخيانة الفلسطينيين

الكارثة ستأتي من الرياض.. منذ 100 سنة والسعودية تقوم بخيانة الفلسطينيين.. في السابق كان ذلك بشكل سري أما الآن فقد أصبح مفضوحا وعلنيا

رئيس الموساد السابق، شبتاي شبيط، يطالب في دعاية حركة ضباط من اجل أمن اسرائيلباستغلال نافذة الفرص وتأييد المبادرة العربية. ومن اجل عدم وجود سوء فهم فقد ذكر الصرخة التي صرخها الرئيس المصري حسني مبارك على ياسر عرفات من اجل التوقيع على اتفاق القاهرة في عام 1994. وقع يا كلب. ويبدو أن شبيط يستمتع من هذه الشتيمة المهينة تلك، وهو يمنح السعودية الآن نفس الدور بالضبط. أي اخضاع رئيس السلطة الفلسطينية، أبو مازن. ويعتبر شبيط أن الكلب هو مصير الفلسطينيين.

اذا قمتم بالسؤال كيف أن بنيامين نتنياهو صامد في الحكم رغم كل شيء، فالجواب بسيط: هذا الشخص لا توجد له أي خطط. وفي المقابل يقوم بوضع محتوى جديد لم يحلم به من وضعوا الخطط في كوابيسهم. لقد اقترحت المبادرة العربية تطبيع العلاقات بين العالم العربي واسرائيل بعد انسحابها من الاراضي المحتلة. وفهم نتنياهو الجزء الاول من المبادرة وشطب الجزء الثاني. والآن ايضا الضباط، نتنياهو وهرتسوغ ايضا يريدان الاستثمار في الدول العربية من اجل اخضاع الفلسطينيين. المشكلة هي أنه اذا تم اخضاع الفلسطينيين مرة اخرى فانهم سيستوون مع الارض. الآن يمكننا فهم لماذا تلونت كل البلاد بألوان السعودية. ولماذا تتفاخر المصادر الرسمية بالعلاقة الآخذة في التبلور مع دول الخليج وكيف أن آخرين، بما في ذلك اشخاص في المعارضة، يطالبون باقامة تحالف مع الدول السنية. ولكن الفلسطينيين الذين يعانون من اخوانهمالعرب يعرفون جيدا ما هو نظام العصور الوسطى السعودي.

المؤرخ عبد المجيد حمدان طرح في أحد كتبه صورة لبرقية للزعيم السعودي في بداية القرن الماضي، إبن سعود، والتي جاء فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، أنا السلطان عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل آل سعود، أُقر وأعترف ألف مرة أمام السيد بيرسي كوكس، ممثل بريطانيا العظمى، بأنني لا أمانع من اعطاء فلسطين لليهود المساكين أو لغيرهم، كما تراه بريطانيا مناسبا، والتي سأخلص لها الى الأبد. ولكن حينما طلب الوفد الفلسطيني في 1947 تأييد ابن سعود اشار الى عينه الزجاجية وقال فلسطين هي بؤبؤ عيني، هذا هو التلون بأقصى صوره.

بعد ذلك، في 1948، كانت السعودية هي العمود الفقري لرفض قرار التقسيم. وبهذا خدمت دافيد بن غوريون الذي كان يبحث عن مبرر للسيطرة على اراضي الدول العربية.

وفيما بعد تبين طابع التهديدالعربي لقيام دولة اسرائيل في 1948. وثائق تلك الايام تكشف عن الدور الذي لعبه الزعماء العرب. فمن جهة اعلان الحرب الكلامية ومن جهة اخرى التعاون مع بريطانيا والحاضرة اليهودية في فلسطين. وهم يحاولون الآن اعادة عجلة التاريخ، لكن في هذه المرة سيتم استخدام العصا السعودية بشكل علني. وهذا افضل! يجب عدم تقسيم الناس حسب اصولهم، بل حسب اعمالهم.

في الوقت الحالي، نكران الجميل يحتفل في اسرائيل. في ذلك الحين توسلنا لأبو مازن كي يقاوم العمليات الارهابية. وعندها وعد الاسرائيليون والامريكيون ايضا بالجبال والتلال: تحقيق خريطة الطريق وتنفيذ اجزاء اخرى من اتفاق اوسلو واقامة دولة فلسطينية وتسهيلات اقتصادية وما أشبه. اصوات الانفجارات هدأت ومعها اختفت جميع الوعود.

الشخص الذي قام بوقف العمليات تقول عنه وزارة الخارجية الاسرائيلية إنه ارهابي دبلوماسي، المطالبة بمقاطعة اسرائيل تعتبر ارهاب، وكل يوم تتم اهانة أبو مازن مجددا. والآن يأتي الى زنزانته الاخوان من السعودية لالزامه بالتوقيع على الانتحار الجماعي للشعب الفلسطيني لأنه لا يوجد لأحد غير ذلك ليقترحه.

---------------------------------------------------------------------

* المقال نشر في صحيفة (رأي اليوم) الالكترونية، يمكن التصفح على الرابط التالي:

http://www.raialyoum.com/?p=494965&fb_ref=Default

الإعلام والأجندات السياسية

هناك مزيج يفعل فعله الآن، ليس فقط في صناعة الرأي العام، بل أيضاً في صناعة الأحداث نفسها. وهذا المزيج يقوم على الدور الخطير الذي تلعبه الشبكة المعلوماتية وملحقات الهواتف النقالة في تحويل وسائل "الإعلام" إلى وسائل "تحريض" أو "تغيير" أو ربما أحياناً وسائل "فتنة"، فالأمر يتوقف على الأجندة السياسية لمن يملكون وسائل الإعلام وأيضاً على ما يتوفر لها من معلومات ومن "تسريبات معلوماتية".

فتركيا شهدت مؤخراً محاولة إنقلابية عسكرية جرى احباطها نتيجة تمكن الرئيس اردوغان من استخدام هاتفه النقال لإجراء مقابلة تلفزيونية دعا فيها مناصريه إلى الخروج للشوارع لتأييده ضد الإنقلابيين، ونجح في ذلك. أيضاً، شهدت الولايات المتحدة مؤخراً تظاهرات شعبية في عدة مدن أميركية ضد ممارسات بعض عناصر الشرطة بحق الأميركيين الأفارقة، وهذه الممارسات ما كانت لتعرف لولا استخدام الهواتف النقالة وشبكات التواصل الإجتماعي لتصويرها ومن ثمّ نشرها عبر وسائل الإعلام الكبرى في الولايات المتحدة.

أيضاً، فإن استطلاعات الرأي العام الأميركي أظهرت تفوق دونالد ترامب على هيلاري كلينتون بعد إنتهاء مؤتمر الحزب الجمهوري ثمّ حدثت حالة معاكسة بعد إنتهاء مؤتمر الحزب الديمقراطي حيث تُظهر الاستطلاعات تفوق كلينتون على ترامب الآن. وطبعاً حدث ذلك كلّه بسبب التغطية الإعلامية لكل من المؤتمرين على مدار أربعة أيام متتالية. فالإعلام الذي يصنع الرأي العام يصنع المرشحين أيضاً ويساهم إلى حد كبير في "انتخاب" الرئيس الأميركي. 

إنّ الإعلام، في أيّ مكانٍ أو زمان، هو وسيلة لخدمة سياسة أو ثقافة أو مصالح معيّنة. وهذا ما انطبق أيضاً على مرحلة نشوء الإعلام العربي في مطلع القرن الماضي حيث كان الإعلام "العربي" انعكاساً لصراعات السياسات والمصالح والمفاهيم التي سادت في ذاك الزمن. ولذلك وجدنا أنّ الدول الغربية الفاعلة آنذاك – خاصّةً بريطانيا وفرنسا- حرصت على موازاة تأسيس الكيانات العربية الراهنة، واحتلال بعضها، بتكوين مؤسسات إعلامية، تخدم الطروحات الثقافية الغربية وتعزّز أعمدة التقسيم الجغرافي الجديد للمنطقة. ومن أجل ذلك كانت الحاجة الغربية لمنابر إعلامية، ولأدباء وكتّاب لا ينتمون فكرياً وثقافياً إلى المدافعين عن "الهويّة العربية". فالغرب أدرك أنّ تجزئة المنطقة العربية، عقب الحرب العالمية الأولى، تتطلّب محاربة أي اتّجاه وحدوي تحرّري عربي مهما كان لونه، تماماً كما أدرك الغرب في مرحلةٍ سابقة أنّ إسقاط الدولة العثمانية ووراثة أراضيها يستدعي إثارة النعرات القومية بين الأتراك وغيرهم من المسلمين في العالم. لهذا تميّزت الطروحات الثقافية لمطلع القرن العشرين بألوان قومية أولاً (في تركيا وفي البلاد العربية) مدعومةً من الغرب، ثمّ جرى الفرز الغربي فيما بعد بين تعزيزٍ للطرح القومي التركي، وبين محاربةٍ للطرح القومي العربي بعد أن استتبّ الأمر لبريطانيا وفرنسا في المنطقة، وأُقيمت الحدود والحواجز بين أبناء الأرض العربية الواحدة.

وفي المرحلتين، استهدِفت أيضاً الهُويّة الحضارية والثقافية للأمّة العربية لأنّها تعارضت مع المشروع الغربي الاستعماري بوجهيه (هدم الدولة العثمانية أولاً، ثمّ بناء الكيانات العربية الإقليمية والسيطرة عليها بشكلٍ لا يسمح بوحدتها في المستقبل).

لكن من الضروري الإشارة إلى مسألتين تجنّباً للتعميم فيما سبق ذكره.

- المسألة الأولى: أنّ الإعلام العربي في مطلع القرن العشرين (وهو هنا إعلام الصحافة) لم يكن كلّه تغريبياً، بل ظهرت مطبوعات عربية كان لها الأثر البالغ في إحياء حركة الإصلاح الديني والدعوة للنهضة الحضارية العربية ("العروة الوثقى"، و"المنار").

- المسألة الثانية: أنّ الكثير من الأدباء والكتّاب المسيحيين العرب قد لعبوا دوراً هامّاً في الحفاظ على اللغة العربية وتنقيتها وتخليصها من الشوائب التي لحقت بها في عصور الانحطاط، وكذلك في إعداد مجموعات كبيرة من كتب قواعد اللغة العربية (البستاني، اليازجي)، وكان لهم الفضل أيضاً في استيراد المطابع وتسهيل عمليات النشر والطباعة وتكوين النواة التقنية لمؤسسات إعلامية عربية كبيرة.

***

في النصف الثاني من القرن العشرين، وبعد استقلال الدول العربية عن الانتداب الأجنبي، تميّز الإعلام العربي عموماً بإخضاعه للرقابة الحكومية. وكان لبنان، في تلك الفترة، استثناءً إلى حدٍّ ما على صعيد الحريات الإعلامية خاصّةً في مجال الصحافة. ويمكن القول أنّ حصيلة التجربتين الإعلاميتين في المنطقة العربية (أي الانفتاح الكامل في لبنان والانغلاق الكامل في غيره بشكل عام) لم تساعد في صيانة وحدة المجتمعات العربية أو تذويب الانقسامات داخل البلد الواحد.

إنّ الاستثناء اللبناني في مجال الحريات الإعلامية العربية، خلال عقود ما بعد مرحلة الاستقلال، لم يمنع مثلاً من تفجّر الأزمات السياسية والأمنية داخل هذا البلد، بل على العكس، فالصحافة في لبنان تحوّلت في تلك الفترة إلى سلع تُباع وتُشرى من أطراف عربية ودولية لتكون منابر إعلامية تخدم هذه الجهات في صراعاتها ومشاريعها بالمنطقة العربية.

فللأسف تظهر في مراحل مختلفة أصواتٌ وأقلامٌ عربية تكون هي أيضاً عنصراً مساهماً في إشاعة مناخ الانقسام الطائفي والمذهبي بين أبناء الأمّة العربية، حيث تكرّر تصنيفاتٍ وتسميات كانت في الماضي من الأدبيات الإسرائيلية فقط، فإذا بها الآن تتقدّم التحليلات السياسية لبعض الأقلام العربية، وأصحابها يتنافسون على الفضائيات وعلى صفحات الجرائد فيما يؤدّي إلى مزيدٍ من عوامل الانقسام والانحطاط في أحوال الأوطان والمواطنين!.

ولقد تحوّل الإعلام العالمي في السنوات الأخيرة إلى صناعةٍ قائمة بذاتها، بل إلى مؤسسات تجارية كبرى مثلها مثل باقي الشركات والمؤسسات المالية التي تتحكّم في كثيرٍ من اقتصاديات العالم.

ويكفي الإشارة إلى أمثلة محدّدة حتّى ندرك خطورة ما يحدث على صعيد الإعلام وانعكاسه على بلادنا العربية وقضاياها المتعدّدة. فروبرت موردوخ، مثلاً، وهو من أصل أوسترالي ومعروفٌ بتأييده الكبير لإسرائيل، يملك امبراطوريةً إعلامية كبيرة تشمل الولايات المتحدة وبريطانيا وأوستراليا وأكثر من خمسين بلداً في العالم. وتضمّ إمبراطوريته، عدّة صحف ومجلات ودور نشر وشبكات تلفزيونية وشركات سينمائية معروفة عالمياً، كشركة فوكس (Fox) للقرن العشرين، وخدمات على الكمبيوتر للمعلومات.

مثالٌ آخر، شركة جنرال إلكتريك في أميركا، وهي نفسها مالكة لشبكة NBCولعددٍ آخر من وسائل الإعلام الإذاعية، أمّا شركة "والت ديزني" فقد حازت منذ أكثر من عقدٍ من الزمن تقريباً على ملكية شبكة ABCالإخبارية المشهورة في أميركا..

طبعاً هذه الشركات لها مصالح وسياسات خاصّة داخل أميركا وخارجها، وهي تلعب دوراً كبيراً في صنع السياسة الأميركية وفي ترشيح العديد من الأشخاص للمناصب الحسّاسة في الولايات المتحدة. لذلك من المهمّ التساؤل عمّا يخدمه الإعلام وليس فقط عن من يملكه.

هو الآن، في عموم العالم، عصر التضليل السياسي والإعلامي. فالتقدّم التقني، في وسائل الاتصالات والشبكات العنكبوتية وإعلام الفضائيات، اخترق كلّ الحواجز بين دول العالم وشعوبها. وأصبح ممكناً إطلاقُ صورةٍ كاذبة أو خبرٍ مختلَق، ونشره عبر هذه الوسائل، لكي يُصبح عند ملايين من الناس حقيقة. هو أيضاً، كما كان في القرن العشرين، عصر "المال والإعلام"، ومن يملكهما يملك قدرة التأثير على صنع القرارات السياسية. هكذا فعل "اللوبي الإسرائيلي" في الغرب عموماً، وفي أميركا خصوصاً، من حيث تركيزه على المؤسسات المالية والإعلامية في الغرب.

لذلك، من المهمّ أن يُعنى الآن المفكّرون والمثقّفون والإعلاميون العرب بحجم مسؤولياتهم في صنع الرأي العام العربي وبالتفكير في كيفيّة الوصول إلى مستقبل عربي أفضل، لا الاكتفاء بالتحليل السياسي للواقع الراهن فقط .. فالملاحظ هذه الأيام في وسائل الإعلام العربية هيمنة التحليل السياسي لحاضر الأمَّة، وأيضاً كثرة عدد "السلفيين" القابعين في ماضي هذه الأمّة، لكن عدد العرب، المُعدّين والساعين لمستقبلٍ أفضل لأوطانهم ولأمّتهم، يتضاءل يوماً بعد يوم ..

-----------------------------------------------------------

 *مدير "مركز الحوار" في واشنطن

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

خريطة الصوت اليهودي في الانتخابات الأميركية

حظي السباق الرئاسي لهذا العام بسلسلة اهتمامات، بعضها من خارج السياق المعتاد، تستدعي متابعتها بدقة للتوقف امام "التنبؤات" بتصويت القسم الاعظم من شرائح معينة، سواء لمرشح معين ام للانخراط في عملية التصويت برمتها. في هذا الصدد سنسعى لتسليط الضوء على اليهود الاميركيين، بمختلف توجهاتهم السياسية، وبتركيز ادق حول مدى تجاوبهم، سلبا ام ايجابا، مع الحملات المكثفة من قبل الحزب الجمهوري لاستقطابهم.

درجت العادة على تمحور معظم اصوات اليهود في اميركا قياسا مع مدى تطابق مواقف المرشحين من مسألة "الدعم المطلق وغير المشروط لاسرائيل،" وميل الاغلبية الكبرى منهم لدعم الحزب الديموقراطي. بيد ان الملاحظ في هذه الدورة تراجع تلك "الاولوية" بعض الشيء، بما فيها التردد عن تأييد اكبر للحزب الجمهوري.

رصدت اسبوعية ذي اميركان كونسيرفاتيف، المحافظة، بوصلة توجه يهود اميركا منذ بداية حملة الانتخابات التمهيدية، واوضحت في عددها الصادر يوم 5 كانون الاول / ديسمبر 2015، ان "انخراط اليهود في مجمل العملية الانتخابية هو في تراجع .. بل ان (الموقف من) اسرائيل اضحى اقل أهمية لمعظم اليهود الاميركيين" مقارنة مع توجهات كبار الممولين والاثرياء اليهود وعلى رأسهم "صاحب امبراطورية الكازينو شيلدون اديلسون" وآخرين.

واضافت ان استطلاعاتها لتوجهات اليهود في اميركا تدل على ميل الاغلبية لتأييد سياسة ادارة الرئيس اوباما الشرق اوسطية "ومن ضمنها تأييد الاتفاق النووي مع ايران." معظم استطلاعات الرأي، منذئذ، تشير الى تنامي قلق اليهود في اميركا من "تهديد تنظيم الدولة الاسلامية (باستهدافه) مراكز وتجمعات لليهود في اوروبا."

للدلالة على ذلك، نشير الى نتائج استطلاع اجراه معهد بيو للابحاث اوضح فيه ان نحو 40% من اليهود تعتبر الموقف من "اسرائيل" يحظى باولوية اهتماماتها.

جملة من الاسئلة الهامة تلاحق مسألة التعرف عن قرب لتوجهات اليهود في اميركا، في الدورة الانتخابية الراهنة: الحجم الاجمالي؛ نسبة التأييد لكلا الحزبين؛ مدى التجاوب مع سعي الحزب الجمهوري الحثيث لاستقطاب نسبة معتبرة لجانبه وتماهي اساليبه الاستقطابية مع منافسه الحزب الديموقراطي؛ توقعات التوجهات الانتخابية المقبلة ..الخ.

احدث الاحصائيات المعتمدة تشير الى ان نسبة اليهود في المجتمع الاميركي لا تتعدى 2% من مجموع السكان؛ تبلغ نسبة المسجلين في الدوائر الانتخابية والمشاركين 90% منهم "مقابل اقدام نسبة 74% لعموم الاميركيين." التوزيع الديموغرافي لليهود يشير الى نسبة 70% منهم تقطن في ولايات معدودة "نيويورك، كاليفورنياـ فلوريدا، نيو جيرسي، الينوي وبنسلفانيا." الولايات المذكورة تلعب دورا حيويا في تقرير نتائج الانتخابات العامة اذ تحظى بــ 167 مندوب من مجموع 270 في المجلس الانتخابي – الكلية الانتخابية، وهي نسبة تتجاوز النصف التي يحتاجها المرشح لاعلان النتائج النهائية للفوز.

التوزع الانتخابي لليهود يشير الى شبه  ثبات النسب المؤيدة للحزبين: 61% لصالح الحزب الديموقراطي، مقابل 29% لصالح الحزب الجمهوري وفق احدث البيانات الصادرة عن معهد غالوب لعام 2015. واستدرك المعهد بالقول ان "اغلبية المتدينين اليهود من الذكور .. الذين يشكلون نحو 19% من المجموع العام، تميل للتصويت لصالح الحزب الجمهوري." وعليه، باستطاعتنا استبعاد عامل القربى في حسم التوجهات الانتخابية، خاصة لاعتقاد البعض ان قرينة ترامب اعتنقت الديانة اليهودية وتزوجت من يهودي، واستمرار دعم الاغلبية منهم للمرشحة هيلاري كلينتون.

ينبغي الاشارة الى توزيع تصويت اليهود في اميركا في الدورة الانتخابية عام 2008، التي تتوفر بياناتها، وفق معهد بيو. اذ تدل الاحصائيات الى تصويت نحو 87% من اليهود لصالح الحزب الديموقراطي؛ وتراجعت النسبة في انتخابات عام 2014 النصفية اذ بلغت 66% لصالح الديموقراطيين.

 أهمية تصويت اليهود

عوّل الحزب الجمهوري طويلا على استقطاب شريحة معتبرة من اليهود الاميركيين لصالحه، واعتقد قادته ان حملة 2016 الانتخابية تشكل فرصة سانحة لكسب المزيد الى صفوفه. وسرعان ما تبددت تلك الطموحات بسبب القلق المتنامي من توجهات وعدم ثبات المرشح دونالد ترامب عند موقف محدد.

اوضحت يومية بوليتيكو، في عددها الصادر يوم 16 أيار/مايو 2016، ان "بعض اليهود يعتبرون ترامب لعنة عليهم، بمن فيهم شريحة المحافظين اليهود" عينهم. واضافت اسبوعية ذي اميركان كونسيرفاتيف، سالفة الذكر، انه يتعين على قادة الحزب الجمهوري الاقلاع عن توقعات تشير الى تحقيق اختراق كبير في نسبة دعم اليهود لحزبهم.

تحذير النشرة المذكورة ينطوي على ادراك مسبق رمت لترسيخه لناحية ميل اصوات اليهود في الولايات "الحاسمة" لترجيح كفة دون اخرى. الأمر الذي وجد ارضية صاغية في اوساط قادة الحزب وعدد من نخبه الفكرية والاعلامية الذين سارعوا لاعلان دعمهم للمرشح الخصم، هيلاري كلينتون، وتسجيل امتعاضهم من تصريحات مرشح الحزب دونالد ترامب، عل ذلك يخدمها في الدورات الانتخابية المقبلة.

تعديل الاولويات في توجهات يهود اميركا ذهبت الى تصدر الاوضاع الاقتصادية على ما عداها من اهتمامات تقليدية، مستقبل "اسرائيل،" حسبما افادت اللجنة الاميركية لليهود في نتائج استطلاعاتها لتوجهات اليهود. واضافت ان "القلق من حالة الاقتصاد تقدم بنسبة 5 اضعاف على اسرائيل،" في المرتبة الاولى؛ مقابل 15% اعربوا عن اعتقادهم بأولوية "اسرائيل" لديهم.

في هذا الصدد، تجدر الاشارة الى تركيز الحملات الدعائية لشريحة الحزب الجمهوري المؤيد "لاسرائيل" تبتعد عن مراضاة واستقطاب العنصر اليهودي والتركيز على كسب اصوات المتدينيين المسيحيين، الشريحة الثابتة في دعم الحزب؛ مع استناد قادة الحزب الى نتائج دراسات حديثة حول توجهات اليهود التي اشارت الى انتظام نسبة ضئيلة لا تتعدى 17% من اليهود، من الفئة العمرية 18-29، في تأييد الحزب الجمهوري.

 نفوذ اليهود

من البديهي ان اي محاولة لسبر اغوار اليهود في اميركا لا تستقيم او تحدث توازنا ان تخلت عن التعرض لنفوذ اليهود في صنع القرار السياسي الاميركي، ومن ورائه لعب دور مميز في المصالح الاميركية الكونية – الامبريالية. بيد ان الأمر بحاجة الى فصل خاص وموسع نظرا لتشابك المسألة مع مصالح اقتصادية عالمية، مما لا يتسع لها الحيز ادناه. لكننا نستطيع الاشارة الى جملة من العناوين التي تقرّب الصورة من المشهد الحقيقي.

من الفرضيات المسلم بها تمايز النفوذ الحقيقي عن الحجم الفعلي والديموغرافي لليهود., للدلالة، اوضح المدير السابق للشؤون القومية في اللجنة اليهودية الاميركية، ستيفن ستاينلايت، المسألة مطلع العام 2001: يتمتع اليهود "بقوة سياسية لا تتناسب مع عددهم .. وهي اعظم من (نفوذ) اي مجموعة عرقية او ثقافية في اميركا." تلاه اقرار عدد من الكتاب اليهود الاميركيين تباعا، وآخرين ايضا.

في المشهد الانتخابي الاميركي، صرح احد الاعضاء البارزين في مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الاميركية، عام 1996، ان اسهام اليهود في حملة انتخاب الرئيس بيل كلينتون بلغت نحو 50% من مجموع اموال الحملة الانتخابية لولايته الرئاسية الثانية. والأمر لا يشذ عن تلك القاعدة في السباق الانتخابي لهذا العام خاصة فيما يتعلق بالمرشحة هيلاري كلينتون.

الكاتب الاميركي اليهودي، الفريد ليلينثال، وضع دراسة مفصلة في الأمر قيد البحث بعنوان الرابطة الصهيونية – ما هو ثمن السلام، عام 1978، للتعرف على مساعي الحركة الصهيونية التأثير في القرار الاميركي "وتنتشر تلك الصلة اليهودية الصهيونية في مناطق المدن الكبرى  .. والسيطرة الاعلامية (لليهود) هي اكثر مكونات الصلة اليهودية فاعلية" وتأثيرا.

الاميرال ورئيس هيئة الاركان المشتركة الاسبق، توماس مورَرْ، اعرب عن معارضته الواضحة للنفوذ اليهودي في القرار الاميركي، في مقابلة اجراها في 24 آب/اغسطس 1983، قائلا "لم ار ابدا رئيسا اميركيا .. ايا كان .. يقف في وجههم" اللوبي "الاسرائيلي." ومضى "ان ذلك يحير العقل، فهم يحصلون دائما على ما يريدون .. وصلت يوما الى درجة الامتناع عن تدوين اي شيء." واخطر ما جاء في تصريحاته انه "لو علم الاميركيون مدى سيطرة هؤلاء الناس على (قرارات) حكومتنا لحملوا السلاح وثاروا" ضدها.

 العامل الديموغرافي لليهود

يجهد بعض الباحثين الى تصنيف توجهات اليهود في اميركا بأنها تميل الى التيار الاصلاحي والاقلية تميل لتيار المحافظين. ووفق تفسير المؤرخ العربي نصير عاروري فإن "الاغلبية الساحقة في الجالية اليهودية في اميركا" تدعم كلا التيارين بنسب متفاوتة نكاية بتيار الارثوذوكس الاقرب لتوجهات المستعمرين في مصادرة الاراضي الفلسطينية، بيد ان "الشعور بالاغتراب لا يزال أمرا مزعجا لقادة الجالية اليهودية في اميركا .." ويضيف ان هوية "اسرائيل" بالنسبة لعدد كبير من يهود اميركا تراجعت اذ اعتبرها "بعض علماء اللاهوت بأنها تمثل نهاية التاريخ اليهودي."

في بعد التحولات التي طرأت على توجهات يهود اميركا، اشارت يومية نيويورك تايمز الى دراسة اجريت قبل نحو اربع سنوات توضح فيها تقلص اعداد اليهود "الليبراليين والاثرياء المترفين .. لصالح مجموعات الارثوذوكس مثل المجموعة الحسيدية" التي تتخذ من احياء بروكلين في نيويورك مقرا لها.

واضافت ان نحو 40% من يهود مقر المصارف العالمية يميلون لتأييد الارثوذوكس، بينما ترتفع نسبة التأييد بين جيل الاطفال اليهود الى 74%. من المعروف ان تلك الشريحة من اليهود تخشى من الاندماج في المجتمع وتتقوقع على نفسها، وبلغت نسبة تأييدها لمرشح الحزب الجمهوري، ميت رومني، 51% مقابل 43% للرئيس اوباما.

العلاقة بين تياري اليهود الاميركيين طردية: تراجع حجم التوجهات الليبرالية يقابله تنامي حجم التيارات المتشددة المعروفة بالارثوذوكس. كما ان كلا مجموعتي التيار الليبرالي، الاصلاحيين والمحافظين، وفق التصنيفات المعتمدة، خسرت نحو 40،000 عضو لكل منها بين اعوام 2002 - 2011.

كما تجدر الاشارة الى ابتعاد يهود اميركا عن التأييد "الاعمى لاسرائيل،" وفق دراسة الصحيفة، وتراجع حجم اليهود الزائرين لفلسطين المحتلة الى نسبة 20%. اما اليهود الاميركيين الزائرين والمقيمين في فلسطين المحتلة، وتقدر اعدادهم بنحو 150،000، فيميلون للتصويت لصالح الحزب الجمهوري؛ وهي الشريحة التي تشعر بالاحباط الشديد من سياسات الرئيس اوباما ويرجح تصويتها للمرشح دونالد ترامب، الذي قوبل بموجة تصفيق عالية عند اعتلائه منصة الخطابة امام مؤتمر ايباك الاخير.

 تأييد النخب اليهودية بمعظمها يتجه نحو هيلاري كلينتون، بيد ان مجمل تأييد اليهود للحزب الديموقراطي في تراجع، نظرا لكثافة الانجاب بين صفوف الارثوذوكس مقابل التيارات الليبرالية التقليدية.

للدلالة، تشير البيانات الانتخابية الى تأييد نحو 87% من اليهود لمرشحي الحزب الديموقراطي في جولة الانتخابات النصفية عام 2006؛ اما في دورة عام 2014 للانتخابات النصفية فقد تراجعت نسبة تأييد الحزب الديموقراطي الى 66% بين اليهود. ومن المرجح اتساع الفجوة مرة اخرى في الجولة الحالية "قد" تذهب لصالح المرشح ترامب في الولايات فائقة الأهمية.

يقطن ولاية فلوريدا "الهامة" نحو نصف مليون من الناخبين اليهود، وتحظى الولاية بـ 29 صوت من المندوبين للهيئة الانتخابية، بما يشكل ما ينوف عن 10% من اصوات المندوبين الضرورية لفوز المرشح ترامب.

الرئيس السابق لحملة نيوت غينغريتش في فلوريدا، ستيف ابرامز، اوضح ان نسبة التعديل المطلوب لصالح المرشح الجمهوري "لا تستدعي تحول الاغلبية .. فاصوات اليهود يمكنها تعديل بوصلتها بنسبة تتراوح بين 2-3% كي تؤثر في المحصلة النهائية لاصوات الولاية."

--------------------------------------------------------

المصدر: www.thinktankmonitor.org

البريدي الالكتروني للكاتب:  عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عصفوران بحجر واحد

لحظة "تاريخية" بامتياز، لطالما انتظرها السيد أردوغان

هل يعقل أن يكون لجماعة "الخدمة" بزعامة فتح الله غولن، كل هذا النفوذ في المؤسستين العسكرية – الأمنية والقضائية التركية؟ ... وكيف أمكن لجماعة دينية، هي أقرب لمنطق "الإخوان المسلمين" ومناهج عملهم وتفكيرهم، وهي الشقيقة التوأم للعدالة والتنمية، أن تُسقط قلاع العلمانية – الأتاتوركية الشرسة من داخلها على النحو الذي تصوره الرئاسة والحكومة التركيتين؟

وهل يعقل أن يكون عشرات ألوف الموظفين المدنيين والمدرسين والأكاديميين والسفراء والإعلاميين، متورطون بالمحاولة الانقلابية الفاشلة؟ ... كيف أمكن للسلطات التركية، أن تربط كل هؤلاء، دفعة واحدة، وبجرة قلم، بالمؤامرة الانقلابية الفاشلة؟ ... ما الأدوار التي قاموا بها، وكيف أمكن كشفها، وكيف تصدر الأحكام وتنفذ العقوبات بحقهم، حتى من دون أن يتقدم أي منهم إلى المحاكمة، وقبل أن تتشكل لجنة التحقيق بملابسات المشروع الانقلابي؟

الوقائع التركية التي أعقبت الخامس عشر من تموز/ يوليو، تشير إلى أن السيد رجب طيب أردوغان، ومعه قبضة من أركان "حكومة الظل" في تركيا، المكونة من أقرب وأخلص المستشارين والمريدين والأتباع، أرادوا ضرب عصفورين بحجر واحد: الأول، ضرب منافسه الأشرس، وحليفه الأسبق، فتح الله غولن، في إطار الصراع بين أجنحة الحركة الإسلامية التركية المعاصرة، وهذا ما يفسر إغلاق مدارسه وجامعاته ومؤسساته الإعلامية والاجتماعية، وكل "الكوادر" التي عملت معه، والذين يعرفهم حزب العدالة والتنمية جيداً، فهم "إخوة الخندق الواحد" حتى الأمس القريب.

والثاني، ضرب قلاع العلمانية – الأتارتوركية واقتلاعها من جذورها، وذلك في إطار الصراع "الهوياتي" الذي لم تنج منه تركيا، ولم تنجح في اجتيازه منذ انهيار "السلطنة" وسقوط "الخلافة"، وتأسيس الجمهورية الكمالية .... وهذا ما يفسر الانقضاض على الجيش، وإخراج أكثر من ثلث جنرالاته من الخدمة وحملة المناقلات والتنقلات، وإعادة هيكلة المؤسسات الأمنية والعسكرية، وإنشاء كيانات عسكرية وأمنية موازية على أساس الولاء للحزب والزعيم، وضرب القضاء والمحكمة الدستورية التي ظلت بدورها أحد أهم حصون العلمانية التركية.

ومن يقرأ لائحة المستهدفين بالإجراءات الأخيرة، يجد أنها متناقضة للغاية، ولا يجمع أفرادها بعضهم إلى بعض، أي جامع من أي نوع، سوى "التهمة الجاهزة": الضلوع في مؤامرة الكيان الموازي .... جنرالات أتاتوركيون، قضاة كماليون، رجال دين ومدرسين وإعلاميين إسلاميين، نشطاء "الخدمة" وكوادرها، رجال أعمال لطالما مولوا حملات أردوغان الانتخابية إبّان "شهر العسل" الذي جمعه بفتح الله غولن ... خليط غريب عجيب من "المتآمرين"، لا يلتقون على شيء إلا على كونهم "معارضين" لتوجهات "الزعيم".

هي لحظة "تاريخية" بامتياز، لطالما انتظرها السيد أردوغان بفارغ الصبر، وقد جاءته على "طبق الانقلاب الفضي"، والمؤكد أنه سيغتنمها حتى آخر قطرة، لتكريس زعامته، وتصفية خصومه، و"فك وتركيب" الدولة التركية الحديثة، والقضاء على المنافسين، وتجفيف البنى التحتية لهم، سواء أكانوا إسلاميين من طرازه وشاكلته، أو علمانيين، لطالما ناصبهم وناصبوه أشد فصول العداوة والصراع ... وسيمارس الرئيس كل "صلاحيات الطوارئ" التي منحها لنفسها، لاستكمال هذه الأجندة، ولن تكون تركيا بعد الطوارئ وحملة "الفك والتركيب"، كما كانت عليه قبلها.

مستفيداً من حالة الاستنفار الشعبي المعادية للانقلاب، ومن التفاف المعارضة حول الحزب الحاكم دفاعاً عن تركيا وتجربتها الديمقراطية، سيعمل أردوغان على "تقويض" القاعدة المؤسسية والشعبية لحزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، آخر القلاع الحزبية والاجتماعية للأتاتوركية، تحت طائلة الاتهام بـ "دعم الإرهاب أو التعاطف معه"... مثلما عمل على تقويض حزب الشعوب الديمقراطي برفع الحصانة عن معظم نوابه، توطئة لتقديمهم للمحاكم، بحجة دعم الإرهاب الكردي هذه المرة، ومثلما فعل بخصومه داخل "التيار الإسلامي التركي"، ودائماً بذريعة "الإرهاب ذاتها ... كل من يعارض أردوغان، هو إرهابي بدرجة ما، ومن نوع ما.

ولأن الرجل يعرف ماذا فعل بتركيا وما الذي سيفعله في قادمات الأيام، ويدرك تمام الإدراك، أن مشروعه بإعادة صياغة تركيا على صورته ومقاسه، سيصطدم باعتراضات وانتقادات دولية قادمة لا محالة، فقد أخذ يمهد منذ الآن، لإعادة "تموضع" تركيا على الخريطة الإقليمية والدولية ... فتح النار على الغرب من دون استثناء، وكال له الاتهامات بالجملة والمفرق، ولوّح بالانسحاب من مفاوضات "عضوية الاتحاد الأوروبي" وجمّد بعض الاتفاقات المبرمة مع بروكسيل، وهدد الولايات المتحدة بإغلاق صفحة "التحالف الاستراتيجي" ... والمؤكد أن سيسعى في توثيق علاقاته مع روسيا، التي لا تكترث لمقولات حقوق الانسان والديمقراطية في علاقاتها الدولية، وسيوثق علاقاته أكثر من إسرائيل التي تفضل التعامل مع الدكتاتوريات على الديمقراطيات في منطقتنا، وسيتقارب أكثر مع إيران وربما على نحو غير مسبوق، وليس مستبعداً أن يُحدث استدارة في سياسته وتحالفاته السورية، وقد يكون اجتماع الحادي عشر من آب/ أغسطس الجاري مع سيد الكرملين، نقطة تحوّل في وجهة السياسة الخارجية التركية.

عشرُ سنوات سمان، عاشتها تركيا تحت قيادة "العدالة والتنمية" ورجب طيب أردوغان، ستتبعها عشرٌ عجاف، قضت تركيا خمساً منها حتى الآن في فوضى الأزمة السورية والحرب الأهلية في جنوب شرق الأناضول و"العشق الحرام" مع "داعش" و"صفر أصدقاء"، ولا ندري ما الذي ينتظر البلاد في السنوات الخمس القادمة، وكيف سيكون حالها وصورتها عندما تحتفل في العام 2023 بالمئوية الأولى للجمهورية.

------------------------------------------------------

*مدير مركز القدس للدراسات الاستراتيجية، نشر المقال في جريدة (الدستور) الأردنية.

http://www.alqudscenter.org/oraib/arabic/article/9816#.V6S31OTrtZS