الجمعة 20 تشرين1/أكتوير 2017
TEXT_SIZE

تحدّيات لا يمكن مواجهتها باليأس والإحباط

 

"لم يكن لقطعة الفأس أن تنال شيئا ًمن جذع الشجرة ِ لولا أن غصنا ً منها تبرّع أن يكون مقبضا ً للفأس" – القائل مجهول

هل ما يحدث الآن على الأرض العربية هو فقط متغيّرات سياسية محلية تتدخّل فيها، وتتجاوب مع تفاعلاتها، قوى إقليمية ودولية؟ أم أنّ هذه المتغيّرات هي قطعة فقط من صورة مرسومة مسبقاً لتغييرٍ جغرافي وديمغرافي منشود لدول عربية عديدة؟ ألم تكن الحرب على العراق في العام 2003، وما أفرزته من واقع حال تقسيمي للدولة والشعب والثروات، وما مثّلته هذه الحرب من تداخل بين الصراعات المحلية والإقليمية والدولية، كافية لتكون درساً مهمّاً للعرب من أجل تحسين نظم الحياة الداخلية في مجتمعاتهم وتحصينها ضدّ التدخّل الخارجي؟! ثمّ ألم يكن درس تقسيم السودان في مطلع العام 2011 مؤشّراً عن المصير المرغوب لأوطان عربية أخرى؟!.

فما يحدث الآن في داخل أوطان من مشرق الأمّة ومغربها، وفي عمقها الإفريقي، هو دلالة هامّة على نوع وحجم القضايا التي تعصف لعقودٍ طويلة بالأرض العربية، وهي كلّها تؤكّد الترابط الحاصل بين الأوضاع الداخلية وبين التدخّلات الخارجية، بين الهموم الاجتماعية والاقتصادية وبين فساد الحكومات السياسية، بين الضعف الداخلي الوطني وبين المصالح الأجنبية في هدم وحدة الأوطان.

نعم، صحيحٌ أنّه كانت هناك دائماً صراعاتٌ إقليمية ودولية على المنطقة العربية وثرواتها، لكن ما هو قائمٌ من خللٍ سياسي داخلي وبيئة طائفية انقسامية هو الذي يشجّع على التدخّل الخارجي من أطراف عديدة، أخطرها الطرف الإسرائيلي، والذي يجد في الحروب الأهلية العربية فرصةً ذهبية لتحقيق جملة أهداف؛ بينها تهديم الكيانات العربية الحالية، وإنشاء دول طائفية ومذهبية كنموذجٍ مطلوبٍ إسرائيلياً لكلّ بلدان المنطقة العربية.

إنّ الأمَّة العربية ليست ساحة صراع إقليمي- دولي فقط، هي أمّة مستهدَفة بذاتها وبثرواتها وبأرضها وبوحدة كياناتها. وما لم تنهض هذه الأمّة وتصحّح واقعها، فإنَّ التمزيق سيزداد، وستتحوّل الصراعات الإقليمية - الدولية إلى حروب أهلية عربية تفرز كياناتٍ متصارعة إلى أمدٍ طويل، ولن ينفع عندها تغيير الأشخاص أو السياسات في واشنطن أو في المنطقة العربية أو في غيرها من الدول الإقليمية والدولية.

هي مرحلةٌ مختلفة تماماً عمّا كان عليه واقع العرب قبل نصف قرن، حينما القضايا والساحات العربية موحّدة كلّها في مواجهة التحديات والصراعات، وحيث لم يعرف ذاك الزمن التمييز على أساس الانتماءات الوطنية أو الطائفية أو الإثنية. فالبلاد العربية كانت آنذاك إمّا تحرّرت حديثاً من حقبة استعمارية أوروبية أو تخوض ثورات التحرّر من أجل استقلال الأوطان عن مستعمرٍ أجنبي. لكن في الحالتين، كان هناك إدراكٌ عربيٌّ عام للرابط المهم بين الهمّ الوطني وبين القضية الفلسطينية، بين مواجهة المستعمر الأوروبي للأوطان وبين مواجهة المحتلّ الصهيوني لأرض فلسطين، الذي اغتصب هذه الأرض العربية الفلسطينية بفعل دعم المستعمر ذاته. فالقضية الوطنية كانت هي قضية قومية مشتركة، والعكس صحيح. وكانت القضية الفلسطينية هي القضية المركزية لكلّ العرب إلى حين منتصف السبعينات من القرن الماضي حيث بدأت حروبٌ أهلية عربية على أكثر من جبهة، متزامنةً مع عزل مصر عن أمّتها العربية بسبب "معاهدات كامب ديفيد" والصلح المنفرد مع إسرائيل.

ولقد انشغل العرب خلال السنوات الخمس الماضية في "جنس شياطين" حكّامهم بينما أبواب أوطانهم تُخلَع واحداً بعد آخر، بل إنّ أساسات بعض هذه الأوطان تتهدّم وتتفكّك ليُبنى عليها "مستوطنات" عربية جديدة بأسماء دينية أو إثنية!.

ولم تعد القضية الفلسطينية تعني الكثير لغير الفلسطينيين من العرب، بل للأسف أصبحت أيضاً قضية "التحرّر الوطني" عموماً مسألة فيها "وجهة نظر"!! إذ لم يجد البعض مشكلةً في طلب التدخّل العسكري الأجنبي لمساعدة "ثوار عرب" في قضايا وطنية داخلية!!. فهي الآن حالة معاكسة تماماً لما كان عليه العرب قبل نصف قرن: تهميش للقضية الفلسطينية وطلب تدخّل عسكري أجنبي ومعايير طائفية ومذهبية وإثنية، مقابل ما كان من مركزية للقضية الفلسطينية وأولويّة لمعارك التحرّر الوطني من المستعمر الأجنبي ومعايير وطنية وقومية لا طائفية ولا إثنية.

إنّ المشكلة ليست بتجارب النظم "الشمولية" فقط، وإنّما هي أيضاً بالأفكار والتجارب "الاجتزائية" التي تُجزِّئ الحلول المنشودة لأمَّةٍ جزّأها منذ قرنٍ من الزمن المستعمر الأوروبي، ويحاول ورثته الآن تجزئة المجزّأ!. إنّ قضايا التحرّر والهُويّة القومية والعدالة الاجتماعية ومقاومة الاحتلال ومحاربة الظلم أينما كان وكيفما كان، هي كلّها قضايا إنسانية عامّة لا ترتبط بمنهجٍ فكريٍّ محدّد. فلا الدين يتعارض مع هذه القضايا ولا الابتعاد عنه يعني تخلّياً عنها. وهناك أمثلة عديدة عن مجتمعات كافحت من أجل هذه القضايا لكن اختلفت دوافعها الفكرية ونظرتها لدور الدين في الحياة.

وجيّد أن يُدرِك الآن الكثيرون من العرب ما كنّا نحذّر منه منذ بداية الانتفاضات الشعبية من مخاطر غموض طبيعة الثورات وعدم وضوح برامجها ومن يقودها، ومن التبعات الخطيرة لأسلوب العنف المسلّح ولعسكرة الحراك الشعبي السلمي، وأيضاً من عبثية المراهنة على التدخّل العسكري الخارجي، ونتائجه-  في حال حصوله- على وحدة الشعوب والأوطان.

ونعم هناك ضرورةٌ قصوى للإصلاح والتغيير في عموم المنطقة العربية، ولوقف حال الاستبداد والفساد السائد فيها، لكن السؤال كان، وما يزال، هو كيف، وما ضمانات البديل الأفضل، وما هي مواصفاته وهويّته؟! فليس المطلوب هو هدم الحاضر دون معرفة بديله في المستقبل، أو كسب الآليات الديمقراطية في الحكم بينما تخسر الأوطان وحدتها أو تخضع من جديد للهيمنة الأجنبية، إذ لا يمكن الفصل في المنطقة العربية بين هدف الديمقراطية وبين مسائل الوحدة الوطنية والتحرّر الوطني والهويّة العربية.

فالصراعات والتحدّيات وحركة التغيير، هي قدَر الأرض العربية على مدار التاريخ، لكن ما يتوقّف على مشيئة شعوبها وإرادتهم هو كيفيّة التعامل مع هذه التحدّيات، وهو أيضاً نوعية التغيير الذي يحدث على كياناتها وفي مجتمعاتها.

إنّ صعوبة الظروف وقلّة الإمكانات وسوء المناخ السياسي والإعلامي المسيطر، تلك عناصر لا يجب أن تدفع من يرفضون واقع العرب اليوم، لليأس والإحباط، بل إلى مزيدٍ من المسؤولية والجهد والعمل. فالبديل عن ذلك هو ترك الساحة تماماً لصالح من يعبثون في وحدة بلدان هذه الأمّة ويشعلون نار الفتنة في رحابها.

إنّ بعض الناس (كأفرادٍ أو كجماعات) تكون إرادتهم مُسيّرة من قِبَل آخرين، بفعل ظروف الحاجة أو بسبب الضغوط وعناصر القوة التي تفرضها إرادة البعض المتمكّنين بالمال أو بالسلطة، وفق ما يُعرف بمصطلح "الترغيب والترهيب" أو "القدرة على المنح والمنع". وهنا يحصل الفارق، بين منْ إرادتهم الذاتية مشلولة ويعيشون حياتهم في خدمة إرادة آخرين، وبين من إرادتهم حرّة لكن يعانون من "الترهيب أو المنع". ويحصل هنا أيضاً الفارق بين من يرضون العيش في حالة الرضوخ لإرادة الآخرين، فتكون إرادتهم مُهمَّشة، حتّى لو تبوّأوا المناصب أو لمعت أسماؤهم في وسائل الإعلام، وبين من يرفضون هيمنة الآخرين على إرادتهم، ويصرّون على مواجهة الواقع المرفوض رغم كلّ العقبات، وعلى هؤلاء تقع مسؤولية إنقاذ الأمّة قبل فوات الآوان.

----------------------------------------------------------------------------------

*مدير "مركز الحوار" في واشنطن

 عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 *يمكن قراءة مقالات صبحي غندور عن مواضيع مختلفة، على الرابط التالي:

http://www.alhewar.net/Sobhi%20Ghandour/OtherArabicArticles.htm           

طَرِيقُ الْتَّغْييرِ آلْمَرْجُو!

 

ورد استفسارٌ بمثابةِ الأشكال على التغيير المُقترح على قانون الانتخابات لضمان تحقُّق قاعدة [صوتٌ واحِدٌ لمواطنٍ واحدٍ] بتقسيمِ الْعِراقِ الى عددٍ من الدّوائر الانتخابيّة يُساوي عدد مقاعد مجلس النوّاب كما حددها الدستور في المادّة (٤٩) أَوَّلاً بنسبةِ مقعدٍ واحدٍ لكلِّ (١٠٠) الف نسمَةٍ من نّفوس العراق يمثِّلونَ الشّعب العراقي بأَكمَلهِ.

الأشكال هو؛ انّ مثل هذا التّغيير ستخسَر بسببهِ المكوّنات الاساسيّة الثّلاثة [الشّيعة والسُّنّة والكُرد] وتحديداً المكوّن الاوّل عددٍ من مقاعدِها في البرلمان الجديد! اذ سيخسر كلٌّ من المكوِّنات الثّلاثة مقاعدَ مُعيّنة في المحافظات المُختلطة مثل البصرة بالنِّسبةِ الى السُّنَّة وبغداد بالنِّسبةِ الى الكُرد ونينوى وكركوك بالنِّسبةِ الى الشّيعة، فكيف يُمكن توضيح وتجاوز هذا الأشكال او الاستفسارِ؟!.

١/ هذا دليلٌ واضحٌ على انّ القانون الحالي يُكرّس الطّائفيّة والعنصريّة بشكلٍ كبيرٍ! فإلى متى نريدُ ان نسترسل معهُ ونظلّ نتبنّاهُ؟! لماذا لا نُجرّب تغييرهُ على الأقلّ للتّقليل من هيمنة هذه الأمراض على البلاد بدءً من قانون الانتخابات الذي يُشرعنها ثمّ يُكرّس المحاصصة في أسوأ اشكالِها تحت قبّة البرلمان! وهو أَهمّ وأخطر مؤسسة في العراق الجديد؟!.

كما انّ ذلك يعني انّنا سوف لن نرى نُوّاباً وطنييّن تحت قبّة البرلمان مازالنا نعتمد هذا القانون الانتخابي! فهل هو قدرٌ أم عقوبةٌ أم ماذا؟!.

لا أحدَ يستفيدُ من قانون الانتخابات الحالي إلا الطّائفيّين والعنصرييّن الذين يبذلون كلّ جهودهم فترة الانتخابات لإثارة النّعَرات الطّائفية والعنصريّة لتجييش النّاخبين! ولا أعتقد أنّ العراقييّن نَسوا شعاراتهم بهذا الصّدد في الانتخابات الأخيرة والتي قبلها وما قبلها!.

٢/ ليس بالضّرورة جدلاً أنّ المكوّن الذي يخسر عدداً من مقاعدهِ النيابيّة يضعف أداءهُ تحت قبّة البرلمان! كما أنّهُ ليس بالضّرورة أنّ المكوّن الذي تزيد مقاعدهُ النيابيّة سيقوى أو يتحسّن أداءهُ البرلماني! فلقد خَسِر الكُرد بعض مقاعدهم في الانتخابات النيابيّة الأخيرة عندما أجرى البرلمان بعض التّعديلات عليهِ فهل تغيّرَ من أَدائهم شيئاً؟! ضعُفَ مثلاً؟! كما أن المكوّن الشّيعي زادت مقاعدهُ قليلاً عن الدّورة البرلمانيّة السّابقة، فما الذي تغيّر من أَدائهم المتواضع؟!.

إنّ العدد في الحال الحاضر لا ينفعُ شيئاً أَبداً، فأَمامَ المُحاصصةِ تنهارُ الأرقامِ! لأنّها نوعٌ من أنواعِ الفيتو الذي يُسقِطُ الأعداد عادةً بالضّربةِ القاضيةِ! كما هو الحال في مجلس الأمن الدّولي مثلاً الذي يُمثّلُ مصالح الكبار حصراً إلى جانب الصّغار الذين يحتمون في كنفهِم وتحتَ أجنحتهم، طبعاً حتّى حين!.

ولتغيير المعادلة برمّتها ينبغي أولاً تغيير قانون الانتخابات لضمان صعود نوّاب أقوياء برصيدِهم الشّخصي من خلال الفوز بصوتِ النّاخب وليس بالأصوات الإضافيّة التي يتصدّق بها الزّعيم على عناصر قائمتهِ، وبالتّالي يمكن الحديث وقتها عن التّعديل الدّستوري الذي يجري فيه الحديث كثيراً من دون رؤية أو طريقٍ وأسلوب!. 

٣/ إنّ لكلِّ قانونٍ من قوانين الانتخابات في العالم إِيجابيّات وسلبيّات، فليس في هذا العالم قانونٌ متكاملٌ أبداً، والعاقل هو الذي يختار القانون الذي إيجابياتهُ أَكثر من سلبيّاتهِ، وبرأيي فإن قانون الانتخابات الحالي ومن خلال تجربة استمرّت (١٣) عاماً ثبُت لنا جميعاً أنّ سلبيّاتَهُ أَكثر من إيجابيّاتهِ بفارقٍ كبيرٍ، وهو فارقٌ لمسناهُ لمسَ اليدِ كما يقولون، فاكتوينا بنيرانِ واقعهِ المرير! أمّا التّغيير المرجو فلا أَدعي إنّهُ خالٍ من السلبيّات وإنّما أكيدٌ فإنَّ إيجابيّاتهِ أَكثر من سلبيّاتهِ بفارقٍ كبيرٍ جداً، ولعلّ أَكبرُ دليلٍ على ذلك هو اختيار أعرق النُّظُم الديمقراطيّة لهُ دون سواهُ، كالولايات المتّحدة الأميركيّة وبريطانيا وفرنسا، فضلاً عن تَبنِّيه من قِبَلِ عددٍ من النُّظُم الديمقراطيّة حديثة العهد كدولة الكويت والجمهورية الإسلاميّة في إيران وغيرها.

فضلاً عن أنّ سلبيّاتهِ المتوقّعة هي نظريّة وليست ملموسة كما هو حالها في القانون الحالي!.

   *يتبع

العروبة في ذمة التاريخ

«يا خير جيش/ يا خير عسكر/ أنت الغضنفر/ في البحر فاظفر/ في اليد درع/ في اليد خنجر/ نحو الأعادي/ يا خير عسكر/ لو كل شيء/ في البحر يُنصر/ نحن ننادي/ الله أكبر الله أكبر الله أكبر/ جيشنا فليكن دوماً مظفر».

على وقع هذا النشيد العثماني الذي استعاده أردوغان، بعد عشرات السنين من إلغائه في عهد الجمهورية، غزا الجيش التركي شمال سورية لتحريره من «داعش» ومن الأكراد، وليحول دون انتقال الحرب الأهلية إلى أنقرة وإسطنبول. استعاد الرئيس السلطان أمجاد الرجل المريض عندما كان في عافيته. اقتحمت قواته «ولاية» تمردت عليه لتأديب سكانها وحاكمها، مستعيناً بعثمانيين من أبنائها. تماماً مثلما كان يفعل أسلافه.

لم يعد المشهد السوري من أنقرة عصياً على الفهم. الغزو التركي أوضح ما يريده «حلفاء» النظام وحلفاء «المعارضة»، بإرهابييها ومعتدليها، بأكرادها وعربها. أردوغان حقق ما أراده منذ اليوم الأول للمقتلة المستمرة من خمس سنوات، وبفضل هذه المقتلة. لم يعد يهمه بقاء الأسد أو رحيله. أصبح لديه من يدافع عن مصالحه. مهمته الآن دعم «جيوشه» السورية المتعددة الأسماء: نور الدين زنكي، السلطان مراد الرابع، أحرار الشام، الجيش الحر، صقور الجبل، إلى آخره من أسماء «الجيوش» الموالية له.

ليست لأردوغان أطماع في الأراضي السورية. كل همه وحدتها، على ما قال. الدليل أنه وضع حداً لـ»روج آفا» (كردستان الشرقية)، والدليل الآخر أن احتلاله جرابلس جرى بالتنسيق مع الولايات المتحدة. وتزامن مع وجود جو بايدن الذي عمل على "توحيد العراق" في السابق. والأهم من ذلك أنه طرد «داعش» من دون طلقة رصاص واحدة.

هل تذكرون شارون عندما غزا لبنان وأعلن أن لا أطماع له في شبر من الأرض، وأن هدفه طرد «المخربين الفلسطينيين»، وإعادة السيادة إلى لبنان؟ هل تذكرون «جيش لبنان الجنوبي» بقيادة سعد حداد، ثم أنطوان لحد؟ كان هذا «الجيش» لبنانياً «تبرعت» بتشكيله إسرائيل لحماية الشريط الحدودي (المنطقة الآمنة بلغة أردوغان) وإدارته بإشراف «الأصدقاء»؟ هل تذكرون كيف احتل «جيش الدفاع» بيروت بالتعاون مع الميليشيات المنادية بالاستقلال؟ يومها كان الغزو الإسرائيلي بغطاء أميركي كامل. أرسلت واشنطن قواتها لحماية الإنجازات العسكرية الإسرائيلية وترجمتها سياسياً. واستمرت الحرب الأهلية اللبنانية أكثر من 15 سنة. واليوم غزت تركيا سورية بغطاء عسكري وسياسي أميركي. وبالتفاهم مع طهران وموسكو وتل أبيب التي لديها أيضاً مشروعها في إقامة منطقة عازلة أو آمنة، سمّها ما شئت، على الحدود الجنوبية. وقد مهدت لذلك منذ بداية الحروب السورية. ولديها، مثل تركيا، من يتعاون معها من الميليشيات.

سوريون يحاصرون بلادهم من الداخل، والقبائل الإسرائيلية تحاصرها من الجنوب والعثمانيون الجدد من الشمال، أما من الشرق فعراق مقسم تحكمه الطوائف بإشراف الجيش الأميركي. أما شعارات العروبة والوحدة والحرية والاشتراكية والأمة ذات الرسالة الخالدة فأصبحت في ذمة التاريخ. ولا تسأل عن الروح الوطنية والقومية فقد أصبحتا من الماضي.

--------------------------------------------------------

المصدر: صحيفة "الحياة"

أي سوريا بعد الحرب؟

 

في مركز دمشق للأبحاث والدراسات، باحثة خمسينية العمر فقدت ابنها الوحيد في الحرب. تقول: «أنا سامحت إذا كان في المسامحة ما يوقف نزف الدم». قُتل وحيدها على مقاعد إحدى جامعات دمشق في آخر العام الأول للحرب. قرب المركز مقاهٍ ومطاعم مزدحمة بالشبان والشابات. هم على الأرجح من عمر ابنها يتناقشون ويتسامرون ويضحكون للحياة وربّما عليها. لا أحد داخل المركز ولا في دمشق الضاجة هذه الأيام بالحياة وزحمة السير يعرف متى ستنتهي الحرب ولا كيف، لكن الأسئلة صارت تذهب أبعد من السؤال عن ويلات ما حصل. هي تذهب الى معرفة مصير المجتمع والوطن والدولة لإعادة الناس الى بعضها البعض بعد أن تصمت المدافع ولغة الدمار والإرهاب.

في المجال التربوي مثلاً، هناك جيل من السوريين ينشأ على مناهج تعليمية مختلفة ومتنافرة ومتصادمة. فما الذي سيجمع الطالب اللاجئ في تركيا والذي يتربّى على تاريخ السلطنة العثمانية، مع ذلك الذي يتعلم في الرقة مناهج «داعش» و «النصرة» التي تعود الى بداية التاريخ الحديث او ما قبل التاريخ؟ ما الذي سيجمع التلميذ السوري الذي لجأ إلى مدارس لبنان أو الأردن، مع الفتى الذي لا يزال ينهل من معين التربية البعثية؟ الواقع أن جيلاً كاملاً من السوريين يتفتت على مذبح المناهج التربوية المتباغضة بعد أن فتتتها الحرب والفتن والمؤامرات.

يحاول عدد من الباحثين الموضوعيين والمحترمين في مركز دمشق للأبحاث والدراسات، التفكير بمشاريع كثيرة مبنية على إحصائيات دقيقة وعلى دراسات اجتماعية موثوقة، بغية إيجاد صيغة للوطن المقبل الذي عاجلاً أم آجلاً يجب ان يتسع لكل السوريين بعيداً عن الأحقاد التي تخلّفها الحروب.

وإذا كانت الفتن والمدافع والقصف والدمار، أمور تصمّ الآذان عن سماع أي شيء يتعلق بإعادة اللحمة الوطنية والقفز فوق الأحقاد، فإن ثمة ما يشجّع على التفكير بمشروع يزرع بعض الأمل عند الشبان الذين رمتهم الحرب في أتون القتال او الاقتتال او في مجاهل القلق او على سفن وطائرات الهجرة والرحيل.

ماذا في الأرقام؟

÷ آخر إحصائية يمكن الاستناد اليها في سوريا هي السجلات المدنية العائدة الى 1-1-2011. تؤكد الإحصائية أن عدد السوريين كان قد بلغ حتى تلك السنة، 23 مليوناً و100 ألف سوري مسجلين على اللوائح الرسمية. يضاف اليهم 3 ملايين و100 الف مواطن سوري كانوا أصلاً ولا يزالون يعيشون في الخارج كمهاجرين دائمين او موسميين. (في لبنان مثلاً، كانت العمالة السورية وغيرها تتراوح عادة ما بين 500 و600 الف وفق الإحصائيات السورية، طبعاً غير النازحين الى الخارج منذ بداية الحرب).

÷ الإحصائيات التقريبية حالياً تشير الى ان النزوح الداخلي الى المناطق التي تسيطر عليها الدولة السورية يتراوح ما بين 5 و6 ملايين نسمة، ما يعني أن مجمل السكان الذين يعيشون في كنف الدولة بعيداً عن مناطق المسلحين يصل إلى 16 مليون نسمة.

÷ لم تتغيّر كثيراً وجهة الهجرات الداخلية، فأهل حلب وأدلب معتادون منذ ما قبل الحرب على الذهاب الى الساحل وتحديداً اللاذقية، حيث للعديد منهم أملاك ومصالح. هم جاؤوا إليها بعد الحرب وبدأوا ببناء مصانع فيها وشراء بيوت ما شجّع الحركة الصناعية وحسّن ظروفها ورفع مستوى الإنتاج بالنسبة لأهل الساحل الذين لم يكن في عاداتهم أن يتّجهوا صوب الصناعات والحرف وإنما صوب الجيش والتعليم. أما أهل حمص وحماه فهم معتادون على الذهاب صوب طرطوس.

÷ وفق الإحصائيات التقريبية اليوم فإن عدد النازحين الى طرطوس فاق عدد السكان المحليين، بحيث وصل عدد النازحين إلى مليون و66 الفاً، بينما عدد أهالي المدينة هو 968 الفاً.

÷ تفيد الأرقام غير الرسمية ايضاً أن أهل حلب وادلب اشتروا مثلاً في اللاذقية وحدها أكثر من 78 الف شقة سكنية، واشتروا في طرطوس نحو 14 الف شقة.

ماذا تعني هذه الأرقام؟

تُشجِّع هذه الأرقام مسؤولي الدولة السورية ولكن أيضاً عدداً من المفكرين والباحثين على وضع دراسات للمستقبل السوري تستند الى الديموغرافيا الجديدة. يجري التفكير مثلاً في كيفية الإفادة من أسباب الفتن والأحقاد لوضع خطط بناء عمراني واجتماعي يتمّ فيها دمج الجماعات السورية بعيداً عن الاصطفافات المذهبية والعرقية وغيرها. فالهجرات السنية مثلاً صوب الساحل لا تقطن فقط في المناطق السنية وإنما تنتشر في المناطق الأخرى كلها ويحصل اندماج كبير مبني على معرفة السوريين لبعضهم البعض عن قرب، وكذلك على المصالح الاقتصادية التجارية التي صارت تؤسس لعلاقات مصلحية أفضل.

يسوق أحد الباحثين مثالاً على ذلك، فيقول إنه قبل فترة أقامت وزارة التربية فعالية اجتماعية في «مشتى الحلو»، جاء أبناء النازحين دون أمهاتهم المنقبات في معظمهن وغير المؤيّدات للدولة. ثم بدأت النساء يأتين شيئاً فشيئاً. وحين طُلب من بعض التلامذة رسم العلم السوري، كانت المفاجأة أن عدداً منهم رسم «علم الثورة» المثلث النجمات. وحين كان أحد التلامذة يُسأل عن مكان والده، يجيب: «أنه يجاهد ضد النظام». لكن مع الوقت تغيّرت الصورة وعاد التلامذة يرسمون علم بلادهم وصارت الأمهات أكثر اندماجاً بالمجتمع بعدما اكتشفن أن كل ما كان يُقال لهن عن المذاهب الأخرى، وتكفيرها غير صحيح.

تروي باحثة أجتماعية أخرى أن ابنتها طبيبة في مركز لمعالجة الأورام السرطانية. بعض النساء كنّ يأتين إليها للعلاج المجاني، وحين تطلب من إحداهنّ مثلاً أن يأتي زوجها لأخذ الوصفات الطبية كي لا تتكبّد هي عناء المجيء مرة أخرى نظراً لوضعها الصحي، كانت المريضة لا تتردد في الإجابة بأنه في الرقة او الشمال يقاتل مع الثوار والمجاهدين. لم يمنع ذلك من استمرار المريضة في تلقي العلاج المجاني، برغم التكاليف الباهظة لهذا النوع من العلاجات السرطانية.

يبدو أن الدولة السورية اعتمدت سياسة الاحتواء لهؤلاء النازحين ونجحت الى حد بعيد في ذلك، بالرغم من عدد من المشاكل. فهي تستمر في دفع الرواتب في المناطق التي يسيطر عليها المسلحون شرط أن يتولى المحاسب المُكّلف من قبل الدولة التعهّد بتحمّل مسؤولية كل من يقبض منه للتأكيد على أنه موجود فعلاً في المنطقة. لا تزال الدولة أيضاً ترسل الأدوية حتى الى المناطق التي تسيطر عليها «داعش» و «النصرة» وغيرهما. ثم إن الوزارات المعنية مستمرة حتى اليوم في شراء الإنتاج الزراعي من مناطق المسلحين. هي تعتبر الكثير من الناس في مناطق «داعش» و «النصرة» وغيرها «رهائن» لا «بيئة حاضنة».

في الحسابات بعيدة المدى، فإن هذا المخزون من النازحين، يُبقي كفة التوازن الشعبي راجحة لصالح الدولة. هذا يجعل المسؤولين الرسميين السوريين أكثر يقيناً بأنه لو حصلت أي انتخابات رئاسية وفي ظل مراقبة دولية فإن النتيجة ستكون لصالح الرئيس بشار الأسد، كما أن نتيجة أي استفتاء سيجري ستصب في صالح الدولة الحالية. أما على المدى البعيد، فان عائلات المسلحين الموجودة مثلا في مناطق الساحل وغيرها ستكون عاملاً مساعداً في جذب المسلحين وإقناعهم ولو بعد حين بتسليم سلاحهم، كما ان هذا الفرز السكاني الحاصل بسبب الحرب يسمح لاحقاً بوضع تخطيط سكاني وعمراني يساهم في دمج المجتمع السوري على نحو يمنع أي فتن أو حروب مقبلة ويقرّب السكان من بعضهم بعضاً.

لو أضيف كل ذلك إلى عمليات المصالحات المستمرة برغم الصعوبات والعراقيل الكثيرة، نفهم أكثر لماذا لا تعلق الدولة السورية كبير الأهمية على التفاوض مع معارضة الخارج التي تعتبر أن دورها بات عديم الفعالية، وأنه من الأفضل نسج خيوط تفاوضية وتصالحية مع الداخل حتى ولو تعلّق الأمر بمسلحين يقاتلون الدولة منذ سنوات.

هل في الأمر بعض المغالاة وسط عنف المعارك وموازين القوى العسكرية المعقدة على الأرض؟ ربما. لكن الأكيد أن الكفة بات تميل أكثر نحو الدولة، ذلك ان منطق الحروب يقول إنه حين يشتد وطيسها وتتسع بحور الدماء والدمار فيها، يعود الناس إلى منطق الجيش على اعتبار انه الكفيل بحمايتهم او أنه في جميع الأحوال أقل خطراً من الإرهاب والتكفير وأمراء الحروب.

كل هذا يشجع على وضع مشروع سياسي واضح المعالم لفترة ما بعد الحرب، بحيث يعطي أملاً للناس بما سيكون عليه مصيرهم وشكل الدولة والوطن حين تنتهي وظيفة الحرب. ربما هذا صعب الآن، لكنه مطلوب أكثر من أي وقت مضى.

--------------------------------------------------

*إعلامي لبناني يحمل الجنسية الفرنسية، ويقدم حاليا برنامج " لعبة الأمم " في قناة الميادين الفضائية.

بعض التأمُّل في أُبُوّة "داعش"

 

لم يحظَ تصريح المرشح الأميركي-الصّرْعة (وليس المصروع) للانتخابات الرئاسية الأميركية دونالد ترامب عن أن المؤسسَيْن الحقيقيّيْن لـ"داعش" هما باراك أوباما وهيلاري كلينتون باهتمام كافٍ في الشرق الأوسط وحتى في أوروبا سوى بما لا يتخطّى كثيراً التغطية الإخبارية البارزة. بينما في الولايات المتحدة، ورغم تجاوزه في السجال الانتخابي، حظيَ ببعض التأملات الجادة في تعليقات صحافية، أعني من حيث التحليل لا مجرّد الخبر.

لم تلعب خفة ترامب هذه المرة أيضاً لصالح جدية المحتوى الجوهري لتصريحه هذا حول "داعش" و"مؤسِّسَيْها"! فهذا المرشّح الذي يتمنى معظم العالم، ولا سيما نحن المسلمين، عدم وصوله إلى سدة الرئاسة الأميركية، يضع يده على واحدة من أخطر القضايا التي واجهت العالم في حوالي الأربعين عاماً المنصرمة.

فبمعزل عن المبالغة الواضحة في تسمية أوباما وكلينتون كمؤسسَين لـ"داعش"، وهو ما عاد واعتبره ترامب نفسه مجرد سخرية، فإن ما يبقى، بل ما يَجُدُّ (من جدّية) من هذه التهمة هي المسؤولية التاريخية للسياسة الأميركية المعاصرة عن ولادة التيار الإسلامي الجهادي بصيغه السلفية والتكفيرية المختلفة والمتشابهة بل عن كل علاقة واشنطن بتيارات الإسلام السياسي الأيديولوجي السنية والشيعية المعاصرة التي أحدثت، خلافاً لما تّدّعي هذه التيارات، تغييراً في عقائد الدين الإسلامي.

الشائع المعروف هو أن الرئيس رونالد ريغان في تحويله الغزو السوفياتي لأفغانستان عام 1979 إلى فخ لموسكو، شجّع علناً بشكل كثيف وعبر حلفائه العرب والمسلمين الحركات الجهادية. ولا تُنسى صورة استقباله الشهير لقادتهم الأفغان في البيت الأبيض أوائل الثمانينات.

لكن، حسب النقاش الذي أثاره ترامب، فإن "المؤسس" لتيار الجهادية السلفية في الاستراتيجية الأميركية هي إدارة الرئيس جيمي كارتر كما ورد في مقابلة لمجلة "النوفيل أوبسرفاتور" الفرنسية مع مستشار جيمي كارتر للأمن القومي زبيغنيو بريجنسكي عام 1998، وفيها يعترف أن دعم كارتر للمجاهدين الأفغان بدأ قبل الغزو السوفياتي وأنه كان موجَّهاً ضد النظام الموالي لموسكو في كابول. ويقول بريجنسكي إنه كتب وقتها تقريراً للرئيس كارتر يتوقّع فيه أن يستجر هذا الدعم غزواً سوفياتياً لأفغانستان.

إلا أن اللحظة الأهم في المقابلة كانت عندما سألته المجلة هل أصبح في ما بعد نادماً على ذلك القرار بسبب ما أدى إليه من ظهور حركة "طالبان" الأكثر تطرفا ومعها القاعدة؟

أجاب بريجنسكي:"أندم على ماذا؟ ... ماذا سيكون الأهم في التاريخ؟ ولادة حركة طالبان أم سقوط الاتحاد السوفياتي؟!".

كانت عملية ممتازة. قال، مستخدما تعبير : لقد أوقَعْنا السوفيات في الفخ الأفغاني (حرفياً) وخلقنا لهم فييتنامَ(هم).

لكن نحن العرب لدينا أيضا سوابقنا في بث الروح في التيارات الإسلامية. فهناك المعطى الشهير في سبعينات القرن المنصرم في عهد الرئيس أنور السادات عندما بدأ سياسة تحالف أو تنشيط غير مباشر لحركة "الإخوان المسلمين" المصرية في وجه المعارضة الناصرية واليسارية لحكمه بعد دخوله في خط الحل السلمي مع إسرائيل. ولماذ لا يكون ذلك بتشجيع من الإدارة الأميركية في عهد هنري كيسنجر؟

إذاً هنا وقياساً بالموضوع الذي أثاره دونالد ترامب:

"أُبُوّةُ" أو تأسيس التيار التكفيري مسألة ليست صالحة لكي تُنسَب إلى رئيس أميركي واحد أو وزير خارجية أميركي واحد لأنها سمة تاريخية للاستراتيجية الأميركية في منطقة الشرق الأوسط بدأت منذ ورثت واشنطن عن بريطانيا البعد الإسلاموي في السياسة العربية وظهر خلال المواجهة الكبرى بين الملك الفيصل والرئيس عبد الناصر في الستينات. وبهذا المعنى فإن سياسة تشجيع ضمني لـ"داعش" لم تكن مستبعدة عن الأميركيين منذ بدأت الأحداث في سوريا وخصوصا خلال العام 2014. التهمة على تركيا ثابتة سابقاً رغم الأثمان الغالية التي بدأت ترتد لاحقاً واليوم على الشعب التركي من هذا التنظيم. بل على أمكنة كثيرة في العالم من ضمنها أميركا وأوروبا.

إذن ترامب لم يخطِئ في الأساس حول نقطة "داعش" وإنما في تشخيص الموضوع ضد خصميه باراك أوباما، أحد أفضل الرؤساء الأميركيين ذكاءً وتغييراً، وهيلاري كلينتون المرأة "المقاتلة" الاستثنائية في التاريخ السياسي الأميركي.

ما يمكن قوله هنا إن "داعش" الذي شارف على نهايته على الأرجح لم يكن ليستمر من دون أن يخدم أهدافاً عديدة آخذة الآن بالاستنفاد.

نحن هنا وبما يتخطّى دونالد ترامب وعنصريته وخفّته أمام مفارقة:

الإسلام السياسي المعتدل والسلفي كان دائماً حليفاً للغرب في العصور الحديثة ما بعد الحرب العالمية الأولى.

أما الإسلام التكفيري الذي يكمل تدمير بلادنا وشعوبنا فقد دخل مرحلة جديدة كسرطان أمني هي تهديد مجتمعات الغرب.

هذا يكفي لنتوقع قرب نهايته السياسية.

-------------------------------------------

*إقرأ هذا الخبر على موقع النّهار:

http://newspaper.annahar.com/article/452700

للاتصال بالكاتب:

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

العروبة الحوارية

 

صفات عديدة يعطيها العروبيون للعروبة، بعضهم يطلق عليها "العروبة الحضارية" لاتصالها بالموروث الحضاري العميق للأمّة، والبعض الآخر "العروبة النهضوية" لارتباطها بالمشروع النهضوي للأمّة، والبعض الثالث يصفها "بالعروبة المؤمنة" تأكيداً على البعد الروحي للهوية القومية، والبعض الرابع يطلق عليها "العروبة الجامعة" في مواجهة الهويات المتناحرة، بعضنا يصفها "بالعروبة الديمقراطية" او "العروبة التقدمية" لابراز المضمون الديمقراطي للعروبة بعد ان ساد انطباع بانها مرادفة للاستبداد،ّ او ربطها بروح العصر بعد أن ظن البعض إنها مجرد حنين لزمن غابر.

بدون شك ، كل هذه الأوصاف صحيحة ودقيقة لكنني اريد اضافة وصف جديد للعروبة نطل من خلاله على كل وصف اخر لها  وهو  "العروبة الحوارية".

ففي أمّة متنوعة الأديان والمذاهب والأعراق، ومتعددة التيارات والأفكار والجماعات، لا يمكن لأي هوية أن تكون جامعة إلاّ إذا قامت على الحوار بين مكونات الأمّة، ولا يمكن أن تكون حضارية إلاّ إذا ارتكزت إلى حوار يحقق التراكم بين المراحل  الحضارية التي مرّت بها الأمّة، والتي تعتزّ بأنها وريثتها جميعاً منذ أقدم العصور، ولا تكون "العروبة مؤمنة" إلاّ إذا كانت تفاعلا حواريا بين مشكلات الأرض وقيم السماء، لاسيّما في أرضنا العربية حيث نزلت  رسالات السماء، ولا تكون "العروبة نهضوية" إلاّ إذا كانت متصلة بأُس نهضة الأمم والشعوب وهو الحرية ورأس الحرية الحوار...ولا تكون "العروبة ديمقراطية" اذا لم تنطلق من فكرة الحوار، ولا تكون "عروبة تقدمية" اذا لم تتصل بلغة العصر أي الحوار.

وحين نؤكّد مع البعض على أن العروبة هي هوية ثقافية "لكي نحصنها من هوس العرق والدم، ونجنبها مزالق العنصرية ومهاوي الفاشية، فإنما لنؤكّد على تلازم عميق بين الثقافة والحوار، فالأولى تتألق بالحوار، فيما الحوار يزدهر بالثقافة...

وبهذا المعنى لا يمكن "للعروبة الحوارية" أن تستقيم مع الإقصاء أو الإلغاء أو الاجتثاث أو بالطبع مع الاستبداد والغلو والتطرف والتوحش ولا مع الاحتراب الأهلي والحروب البينية بين ابناء الامة الواحدة، والذي يأخذ حيناً شكل "التخوين" باسم الوطنية، وحيناً آخر شكل "التكفير" باسم الدين.

أن "العروبة الحوارية" هي النقيض لكل نزعة إلغاء أو إقصاء او نحر باسم الدين، أو المذهب، أو الإيديولوجيا، أو حتى القومية إذا أخذت منحى عنصرياً.

بل بهذا المعنى لا تكتمل عروبة العربي، كفكرة تكامل وحدوي، وكهوية تنطوي على مشروع نهوض، إذا لم يكن العروبي حوارياً، أي قابلاً بوجود رأي آخر أو معتقد آخر، أو رؤية أخرى وقادراً على الحوار والتفاعل والتكامل معها...

وليس عروبياً، حسب هذا الوصف للعروبة، من لا يرى في غيره إلا السلبيات، ويتعامى عما فيه من إيجابيات، بل ان كثيرا من المصائب حلّت بعروبيين وغير عروبيين، أحزاباً وجماعات وأنظمة، حين وقعوا في أسر نهج التفرد بديلاً عن التشاور، وفي عقلية إلغاء الآخر بدلاً من منطق التكامل معه، فاحتدمت الصراعات البينية، واشتعلت الجبهات الداخلية، وتمزقت المجتمعات الوطنية...

وإذا كان متوقعاً من غير العروبيين أن يسقط في فخ التفرد وإلغاء الآخر، فليس مسموحاً لحملة راية العروبة الجامعة أن يسقطوا من حسابهم  أي فئة أو جماعة مهما كانت بعيدة عن العروبة ورافضة للانتماء العربي بمعناه الواسع... فالعروبي مسوؤل عن كل أبناء الوطن العربي الكبير حتى ولو رفضوا العروبة كهوية لهم، فلا اكراه في الهوية كما لا اكراه في الدين. بل ان العروبة الحوارية هي عروبة الانسان والإنسانية منطلقها الانسان وغايتها المساهمة في الحضارة الانسانية.

الحوار هنا ليس وسيلة للتخاطب مع الاخر فحسب، بل هو بالنسبة لنا كعرب مسألة تصب في جوهر تماسكنا المجتمعي، بل في صميم هويتنا العربية الجامعة...

قد يبدو هذا الكلام مثالياً وطوباوياً، لكن كل بديل آخر عن الحوار قاد ويقود إلى حال من المأساوية والكارثية، بل الى الاحتراب الذي لا نهاية له...

الحوار، حتى ولو لم يؤدِ إلى نتيجة، هو أفضل من اللاحوار، لأنك في الحالة الأولى، اي الحوار، تحافظ على الواقع الراهن في أسوأ الاحوال، فيما تذهب في الحالة الثانية إلى ما يشبه الجحيم...

في ظلّ "العروبة الحوارية" تجد نفسك في حوار مع كل صاحب رأي آخر أو عقيدة أخرى أو مذهب آخر، بينما في غياب الحوار تجد نفسك في حروب مستمرة حتى مع أقرب الناس إليك...

الحوار سبيل المجتمعات إلى الوحدة، وهو طريقها إلى الحرية، وبه ترسم الأمم دروبها إلى المشاركة الحقيقية بين كل أبنائها ومكوناتها...

الحوار يمكّننا من أن نعمل سوياً حول كل ما نتفق عليه، كما يمكّننا من أن نعذر بعضنا بعضاً فيما نختلف عليه... الحوار هو الذي يجعلك تعتبر أن رأيك صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيرك خطأ يحتمل الصواب، كما قال يوماً الإمام الشافعي.

ألسنا أمّة "جادلهم بالتي هي أحسن"؟!.

----------------------------------------

*معن بشور: الرئيس المؤسس للمنتدى القومي العربي، ورئيس المركز العربي الدولي للتواصل والتضامن/بيروت

البريد الالكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.   عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.      

خرائط جديدة يرسمها عرب

 

أقابل من الأجانب مسؤولين وإعلاميين كثيرين، معظمهم لا يتركني قبل أن يسأل عن الخريطة التي أفضلها على غيرها من الخرائط المطروحة حالياً لشرق أوسط جديد. يفترضون أنني كعربي لا بد من أن لدي خريطتي المفضلة، أو على الأقل اطلعت عليها ولا أتوقف مع غيري من المحللين السياسيين عن مناقشتها وجذب انتباه الرأي العام إليها. يعرفون أننا نعيش في الإقليم على خرائط لم نرسمها، وأن الموضوع بأسره خارج حيز اهتمامات المسؤولين والإعلاميين في بلادنا.

كنا نبالغ في الحديث عن اهتمام الغرب بقضية رسم تقسيم جديد للشرق الأوسط. الآن لا نبالغ إذا قلنا إنهم على رغم التردي في كفاءة أجهزة صنع السياسة هناك فقد بدأوا ولأسباب غير قليلة العدد يناقشون مستقبل الشرق الأوسط. قيل لي، بين كثير مما قيل، إن أحد أهم الأسباب هو الاقتناع بأن العرب أنفسهم لا يبدون الاهتمام الكافي بالموضوع على رغم إلحاحه وخطورته على أمنهم الإقليمي وعلى نسيج مجتمعاتهم ومصير الطبقات الحاكمة. هذه اللامبالاة العربية تنذر بأخطار رهيبة، لأنها تعني أن العرب يعتزمون عند الأزمة التخلص من المسؤولية بإلقاء القضية بأسرها في حجر المجتمع الدولي.

يدركون في عواصم الغرب أن رسم خريطة جديدة ناجعة للشرق الأوسط تقف دونه عقبات عدة، أهمها إلى جانب عدم قدرة أجهزة الغرب على رسم خريطة تحظى برضاء غالبية الدول الكبرى كافة، أو أكثرها على الأقل. هناك هيمنة مسألة الإرهاب العابر للحدود الذي تتعدد مصادره من البشر والسلاح والمال لفترة قد تطول. هناك أيضاً عجز الرؤى العربية عن استيعاب خطورة القضية أو التكاسل الفظيع في التعامل معها، حتى بدا العرب وكأنهم يدعون العالم الخارجي إلى فرض تقسيم جديد يفاجأون به ذات صباح فيقبلون به متذرعين بفكرة المؤامرة الدولية التي تتربص بالأمة العربية. من ناحية ثالثة، يعرفون في الغرب وفي موسكو وطهران وأنقرة، أن وضع الإقليم لا يسمح بمجازفات أو تجارب بينما أقطاره تموج بحركة سكان لم يشهد الإقليم مثيلاً لها في العصر الحديث، أضف إلى كثافة عدد المهاجرين واللاجئين المتنقلين عبر الحدود مسببين حالاً من الفوضى وسوء الإدارة وانتشار الفساد والجريمة.

أتصور على ضوء هذه الاعتبارات أن الدول الكبرى ستستمر في التهرب من وضع خريطة بعينها موضع التنفيذ إلا إذا تيقنت من أن الأنظمة الحاكمة العربية غير مستعدة للتعامل بجدية وحكمة مع هذه القضية التي إن تركت من دون تدخل ستنتهي إلى تقسيم تفرضه الشعوب بنفسها وترسم حدوده بأقدامها.

أسأل نفسي وغيري من المهتمين بالخروج من الورطة المقيمة الآن في الإقليم. أسأل إن كان حالنا تختلف عن حال جدودنا الذين عاصروا التقسيم الأول في سياق توزيع التركة العثمانية. من ناحية الشكل يبدو أن العرب مستسلمون للتقسيم القادم استسلامهم للتقسيم السابق. لا أرى اختلافاً يذكر. أرى عرب هذه الأيام، وهم بحكم التعريف والواقع أهل الاختصاص بالدرجة الأولى في هذه القضية، لا يلعبون دوراً أو يلوحون بآخر. أراهم لا يبدون ولو رغبة أو استمساكاً بعقيدة تحرم عليهم تغيير الخريطة الراهنة حتى بعد أن بهتت ألوانها وتمزقت أطرافها وتعددت الثقوب في قلبها. أراهم من دون القوة المادية والعسكرية اللازمة لحماية خريطتهم البالية أو تمكينهم من رسم خريطة جديدة. أكاد أجد العذر لعرب مطلع القرن العشرين الذين لم يهتموا بعرقلة أو تشجيع مفاوضات التقسيم الذي حظي بشهرة صائغيه سايكس وبيكو، إذ لم تكن لديهم قبل حلول سايكس وبيكو خريطة تحمل توقيعهم أو إقليم يشرف برفع راياتهم ويلقب بألقابهم ويسمى في الخرائط العالمية باسمهم. أعذرهم إذ لم تكن لديهم جامعة عربية هدفها تنظيم صفوفهم وتنسيق تجارتهم وخطط تنميتهم والتقدم بمبادرات من النوع الذي نناقشه هنا.

لا أحد في الجامعة العربية التي تجمع عرب القرن الحادي والعشرين، لا أحد، وأقصد تحديداً مجلس الجامعة على مستوى القمة يستطيع إنكار حقيقة أن الخريطة التي يجتمع باسمها تطل عليهم، كما أطلت عليهم في القمة السابعة والعشرين، وقد اهترأت بفعل الزمن جوانب منها وتآكلت بفعل سوس الفساد والإرهاب والطائفية جوانب أخرى. لعل القادة العرب تنبهوا لحال أمتهم وخريطتها السياسية وهم يقيمون أعمال قمتهم الأخيرة. أظن أنهم لا بد وقد تأكدوا من أن الخريطة بوضعها الراهن أصبحت تسيء إلى مكانتهم بين قادة الأمم الأخرى.

تأكدوا ولا شك من مصادرهم في أنقرة وطهران وعواصم الغرب وموسكو وربما بكين أن مراكز عصف فكري ودراسات متقدمة منكفئة الآن على رسم خرائط تتناسب وواقع الحال في الشرق الأوسط، خرائط تراعي مطالب وطموحات أقليات لم تكن مسيسة وتسيست، خرائط تأخذ في اعتبارها نوايا لم تكن يوماً بين أولويات العقيدة السياسية ومنها النية في إعادة الاعتبار إلى الطائفة والقبيلة والعرق والعنصر والثروة.

هناك أيضاً من يحاول رسم خرائط تخدم أحلاماً وطموحات بعينها، منها خريطة الدولة الإسلامية الواحدة. منها كذلك خرائط تستلهم الاستشراق في رسمها وتنفيذها، وهناك فيما أتصور خرائط لإقليم كانت له سمات معينة قبل أن يتعرض كغيره من أقاليم العالم لتحولات عظمى بتأثير تطورين مهمين، أولهما العولمة التي صنعت عالماً مختلفاً وفجرت ثورة في الهويات والانتماءات وفوضى في الولاءات. وثانيهما ثورة الربيع التي هزت الشرق الأوسط إلى الأعماق، وبخاصة حين أطلقت العنان لردود فعل انتقامية وعنيفة، كانت في حد ذاتها عنصراً من عناصر التغيير «الثوري» الذي حل بدول عربية وغير عربية عدة خلال السنوات الخمس الماضية وأسهم في الحاجة إلى رسم خرائط اجتماعية وسياسية جديدة.

أعتقد أنه لا توجد قضية راهنة في الشرق الأوسط تستحق عقد قمة عربية استثنائية أكثر من الحاجة الماسة لخريطة جديدة للمنطقة يرسمها قادة وسياسيون ومفكرون عرب ومراكز بحث عربية، لتحل محل الخريطة المنتهية صلاحيتها والمسماة خريطة سايكس بيكو. أمامنا فرصة تاريخية لنرسم بأنفسنا ولأنفسنا - وللمرة الأولى - خريطة المستقبل.

-------------------------------------------------------------------------

 * كاتب مصري

أين مصلحة الناخب العربي في الانتخابات الأميركية؟

 

أشهرٌ قليلة تفصل الولايات المتحدة عن موعد الاستحقاق الانتخابي في نوفمبر القادم، حيث ينتخب الأميركيون رئيساً ونائباً له (كل أربع سنوات)، كما ينتخبون كلّ أعضاء مجلس النواب (كل سنتين)، وثلث أعضاء مجلس الشيوخ (كل ست سنوات)، وعدداً من حكّام الولايات الخمسين، إضافةً لانتخاباتٍ عديدة في داخل كل ولاية. وبانتهاء مؤتمريْ الحزبين الجمهوري والديمقراطي في الشهر الماضي، تدخل حملات معركة الرئاسة الأميركية في أسابيعها الحاسمة حيث أصبح واضحاً الآن للأميركيين الخيارات المتاحة أمامهم.

وستكون من مفارقات هذه الحملات الانتخابية التنافس عملياً بين احتمالين: وصول أوّل امرأة في الولايات المتحدة إلى موقع الرئاسة (هيلاري كلينتون)، أو الاحتمال الآخر وصول أوّل رجل أعمال من خارج المؤسسات السياسية التقليدية (دونالد ترامب) لحاكمية "البيت الأبيض". وفي أيٍّ من الاحتمالين، تستمرّ مظاهر التغيير في الحياة السياسية الأميركية والتي ظهرت ساطعة بفوز باراك أوباما في العام 2008 ثمّ في العام 2012، وهو الأميركي من أصول أفريقية ولأب مسلم مهاجر حديثاً لأميركا.

إنّ المعركة الانتخابية الرئاسية الأميركية هي الآن بوضوح معركة بين نهجين مختلفين في قضايا كثيرة داخلياً وخارجياً. وستبرز في هذه الحملات الجارية عناوين القضايا المختلَف عليها فعلاً داخل المجتمع الأميركي، والتي هي تعكس الصراعات الدائرة منذ وصول أوباما إلى سدّة الرئاسة، بين قوى التأثير والضغط التي تقف عادةً مع هذا الحزب أو ذاك تبعاً لمدى تمثيل مصالحها في برنامج كل مرشّح. لكن أيضاً ستظهر في انتخابات نوفمبر القادمة جدّية الانقسامات الأيديولوجية والاجتماعية لدى الأميركيين، وأولويّة مفاهيم ثقافية ودينية واجتماعية في معايير الكثير منهم لدعم أي مرشّح.

فما رمز اليه انتخاب أوباما من معانٍ هامة في مجتمع أميركي كان قائماً على أصولية "أوروبية – بيضاء- بروتستانتية"، وعلى عنصرية ضدّ الأميركيين الأفارقة واستعبادٍ لهم لقرون طويلة، سيلعب دوراً هاماً الآن في نوفمبر القادم، وفي ظلّ اشتداد الحملات ضدّ المهاجرين الجدد لأميركا وضدّ الإسلام والمسلمين. وإضافةً للعامل الاقتصادي، فإنّ ثلاثة عوامل ستؤثّر الآن في الحملات الانتخابية، وقد لعبت دوراً حاسماً في فوز "الجمهوريين" بأغلبية مجلسيْ النواب والشيوخ، خلال فترة حكم أوباما:

1 – عامل العنصرية الثقافية والعرقية والدينية الذي ينمو ويكبر منذ فوز أوباما بالرئاسة، والذي يستهدف كل أنواع الهجرة لأميركا.

2 – عنصر المال وخاصة الدعم الكبير لمرشّحي الحزب الجمهوري والتيّار المحافظ فيه من قِبَل مجموعات عديدة من الشركات والمصارف وقوى الضغط، التي تضرّرت من قوانين الرعاية الصحية والرقابة على المصارف ومن الضرائب، وهي أجندة الحزب الديمقراطي. وقد ساهم في تعزيز دور المال بالعملية الانتخابية قرار المحكمة الدستورية العليا بعدم تحديد سقف مالي للتبرعات للمرشحين، وبحقّ عدم نشر أسماء المتبرّعين.

3- عامل الإرهاب الذي يحدث في أمكنة مختلفة بالعالم، ومن ضمنها أميركا، والذي ترك انعكاساتٍ سلبية كبيرة على المسلمين في الغرب وساهم في تعزيز قوة اليمين المتطرّف في دول أوروبا وبالولايات المتحدة.

أمّا بالنسبة لثقل الناخبين العرب في أميركا، فإنّ عددهم لا يتجاوز الواحد في المائة نسبةً إلى عدد السكّان الأميركيين. هناك  أكثر من 300  مليون أميركي منهم حوالي 3 ملايين عربي يحقّ لهم التصويت، فنسبة واحد بالمائة من السكان لا تغيّر كثيراً من واقع الحال. وهناك تجمّعات عربية منظّمة أحياناً، لكن تأثيرها موضعي ومرتبط بزمان ومكان محدّدين، أو كحالة دعم عددٍ من المرشّحين المحليين في الانتخابات الأميركية، عِلماً أيضاً أنّ ترشيح أسماء من أصول عربية في الانتخابات الأميركية لا  يعني بالضرورة  أنّها ستكون من مؤيّدي القضايا العربية.

من ناحية أخرى، فإنّ للعرب الأمريكيين مشكلة تحديد الهويّة وضعف التجربة السياسية، فلقد جاء العرب إلى أميركا من أوطان متعدّدة ومن بلادٍ ما زالت الديمقراطية فيها تجربة محدودة، إضافةً إلى آثار الصراعات المحلّية في بلدان عربية، وتأثير ذلك على مسألة الهويّة العربية المشتركة.

أيضاً، من المهمّ التمييز بين حالاتٍ ثلاث مختلفة‏:‏ فهناك "أمريكيون عرب"، وهم أبناء الجيل المهاجر الأول،‏ ومعظم هؤلاء لم يعد لهم أي تواصل أو ارتباط ثقافي مع البلاد العربية وقضاياها، ثمّ هناك "عرب أمريكيون" وهم الأجيال المهاجرة حديثاً إلى المجتمع الأميركي، لكنها مندمجة فيه بقوّة وتشارك في العمليات الانتخابية، وتقود هي عملياً الأنشطة السياسية والثقافية للجالية العربية،‏ وهناك "عرب في الولايات المتحدة" وهم هؤلاء الذين لم يصبحوا مواطنين أميركيين بعد، وأولوياتهم تختلف تماماً عن الحالتين السابقتين.‏ وبينما نجد أغلب "الأمريكيين العرب" غير متواصلين مع البلاد العربية الأم، نرى أنّ‏ الفئة الثالثة، أي العرب المهاجرين حديثاً، غير متواصلة بعمق مع المجتمع الأمريكي نفسه،‏ ولكلٍّ من هذه الفئات نظرة مختلفة للحياة الأمريكية وللدور المنشود في المجتمع‏.

أضف على ذلك أيضاً، تعدّد الانتماءات الطائفية والمذهبية والإثنية في الجالية العربية‏.‏ فالبعض مثلاً يتفاعل فقط مع منظّمات دينية إسلامية وهو ما يستبعد نصف الجالية العربية. فأكثرية الجالية العربية هي من جذور دينية مسيحية، بينما نجد أنّ أكثرية الجالية الإسلامية هي من أصول غير عربية. لذلك، كلما كان هناك نشر لفكر عربي سليم فيما يتعلّق بمسألة الهوية، كلّما أصبح بمقدور الجالية العربية أن تتوحّد وأن تنجح عملياً وتتجاوز الكثير من الثغرات‏.‏

لكن بغضِّ النّظر عن واقع وظروف الجالية العربية، نجد الآن غالبية ساحقة من الناخبين العرب والمسلمين تقف ضدّ المرشّح الجمهوري دونالد ترامب، لكنّها لا تجد في هيلاري كلينتون البديل المرغوب به، بل ربّما دعمت أعدادٌ كبيرة من هؤلاء الناخبين ترشيح بيرني ساندرز خلال الانتخابات التمهيدية، ولا يستحسنون وضع أصواتهم لصالح كلينتون في نوفمبر القادم. فبعضهم سيصوّت لصالح مرشّحة "حزب الخضر" الدكتورة جيل ستاين التي يتقارب برنامجها والسياسة الخارجية التي تدعو لها مع ما كان يطرحه ساندرز في حملاته الانتخابية. وربما البعض الآخر سيمتنع عن التصويت، لكن أعتقد أنّ الغالبية ستصوّت تحت مقولة: ليس حبّاً بكلينتون لكن كرهاً بترامب.

هذا بشأن انتخابات الرئاسة، أما الانتخابات الأخرى المستحقّة في نوفمبر أيضاً فهي لا تقلّ أهمّيةً عن انتخاب الرئيس الجديد، وهي تشمل كل أعضاء مجلس النواب وثلث أعضاء مجلس الشيوخ، وهذان المجلسان المعروفان باسم "الكونغرس الأميركي" هما من يُنجّح أو يُعيق أجندة أي رئيس أميركي. فالرئيس أوباما عانى الكثير من وجود غالبية جمهورية في مجلسي الكونغرس، خاصّةً على صعيد أجندته الداخلية، وما تحدّثت عنه هيلاري كلينتون من برامج اقتصادية واجتماعية، في كلمتها بنهاية مؤتمر الحزب الديمقراطي، سيعتمد تنفيذها على مدى فوز الديمقراطيين بغالبية الكونغرس.

هواجس معظم الناخبين العرب في أميركا ليست مرتبطة بالبرنامج الداخلي للمرشّحة كلينتون، بل بما يمكن أن تفعله على صعيد السياسة الخارجية، وبالعلاقة القوية التي تربطها بجماعات اللوبي الإسرائيلي، والتي جعلت حملتها تحذف من برنامج مؤتمر الحزب الديمقراطي الإشارة إلى كلمة "الاحتلال" الإسرائيلي أو إدانة المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهي مسائل طالب بها مؤيدو ساندرز خلال وضع برنامج الحزب الديمقراطي، كما هي قضايا موضع تأييد أيضاً من مرشّحة "حزب الخضر".

لذلك، ربما يكون من المفيد أن ينشط الناخبون العرب في أميركا لدعم المرشّحين الديمقراطيين لعضوية الكونغرس وبعض حكّام الولايات وفي المجالس المحلية، بينما يُعبّرون عن اعتراضهم على السياسة الخارجية لهيلاري كلينتون من خلال التصويت لمرشّحة "حزب الخضر"، وأن يحرص الناخبون العرب على التفاعل العميق مع تيّار ساندرز الذي سيواصل أنشطته وحركته خلال الحملات الانتخابية القادمة، وبل ربّما بعد الانتخابات، ليكون هذا التيّار قوة ضغطٍ على "البيت الأبيض" وعلى الكونغرس، بغضِّ النّظر عن الحزب الحاكم في أيٍّ منهما.

-----------------------------------------------------------

*مدير "مركز الحوار" في واشنطن

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

لقراءة مقالات صبحي غندور ، الرجاء الدخول الى الموقع التالي:

http://www.alhewar.net/Sobhi%20Ghandour/OtherArabicArticles.htm

هل يتغيّر إردوغان إقليمياً

 

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان التقى نظيره الروسي فلاديمير بوتين في الكرملن ليقول له بأنه جاد في بدء صفحة جديدة من العلاقات بين البلدين، وان المرحلة القادمة ستكون أفضل من الماضي، بعد ما مرت به العلاقات بين البلدين من توتر. أرضية الخلاف هي الملف السوري الذي تقف فيه روسيا في صف النظام، فيما تقف تركيا في صف المعارضة والمجموعات المسلحة. في الكرملين توافقا على ان المشترك بينهما هو العمل لمعالجة الوضع السوري بطرق ديمقراطية. اللقاء يأتي بعد تصفية أردوغان لآثار الانقلاب الفاشل الذي قاده جزء من الجيش ضده، لكنه أي اللقاء لا يشكل أحد متغيرات السياسة التركية بسبب هذا الانقلاب، إنما التقارب مع موسكو والاعتذار التركي عن اسقاط الطائرة الروسية كان قد جرى قبل الانقلاب.

كثير من التحليلات تذهب الى أن الانقلاب على حكومة حزب العدالة والتنمية إنما جاء بسبب ظهور بوادر تغيير كبير في سياسات أردوغان الاقليمية، ليس التقارب مع روسيا مؤشره الوحيد، انما الاهم هو التصريحات التي صدرت من رئيس الحكومة التركية «بن علي يلدريم» التي تحدث فيها عن امكانية عودة علاقات طبيعية مع نظام الرئيس السوري بشار الاسد. أردوغان كان يوشك على اجراء تغيير كبير في سياساته الاقليمية التي رأى انها انتقلت بتركيا من هدف «تصفير المشكلات» الى واقع «تصفير العلاقات». ربما هذا الامر لا يروق لدول لا تريد ان يسجل الملف السوري انفراجا بوجود الاسد. أصحاب هذا التحليل، وبينهم أتراك، يوجهون أصابع الاتهام الى واشنطن وعواصم أوروبية اتخذت موقف المراقب عند حدوث الانقلاب، في وقت وقفت فيه عواصم اقليمية، بينها طهران، موقف المساند لحكومة أردوغان.

كعراقيين يهمنا أن نرى هذا التغيير في سياسات أنقرة الاقليمية. نحن دولة مجاورة لتركيا، وهناك قوات تركية تتمركز في عمق أراضينا دون موافقة الحكومة العراقية. من مصلحتنا التطور الايجابي في علاقات انقرة وطهران، لأن جانباً كبيرا من «الحرب الباردة» بينهما، يدورعلى الارض العراقية. رئيس المخابرات التركية «هاكان فيدان» زار العراق قبل الانقلاب وقال لمسؤول عراقي رفيع: «ما دامت ايران موجودة في العراق فان قواتنا ستبقى في الموصل». هكذا فان أي تغيير ايجابي تركي باتجاه العراق سيخفف من تأثرنا بتجاذباتهما.

السياسة التركية حيال العراق لم تكن محل رضا كثير من العراقيين منذ العام 2010. علاقات الاتراك المباشرة مع اقليم كردستان وتشجيعهم تصدير النفط والغاز دون موافقة الحكومة العراقية، كان من أهم عوامل توتير العلاقة بين الدولتين الجارتين. عندما امتنعت الحكومة عن ارسال السفير العراقي الجديد في أنقرة تعبيرا عن عدم الرضا العراقي عن مواقف انقرة، تحركت أوساط تركية قريبة من دائرة أردوغان وعرضت رغبة انقرة في معالجة نقاط الخلاف مع العراق. ذهب السفير وباشر اتصالاته هناك، ثم جاء الانقلاب الفاشل.

ربما يحتاج الامر الى تحرك دبلوماسي لالتقاط الاشارات الايجابية والتحرك في المقابل باتجاه اعادة تصحيح العلاقة مع انقرة. الجو الآن مؤاتٍ، والرئيس التركي قال بعد الانقلاب إنه سيبدأ عهدا جديداً من علاقاته مع الدول المجاورة، وبالتأكيد فان العراق يريد علاقات ايجابية مع كل الدول خصوصا المجاورة.

-------------------------------------------

*نشر المقال في جريدة الصباح البغدادية