الجمعة 23 حزيران/يونيو 2017
TEXT_SIZE

مصر… عن الجرائم الطائفية ومسؤولية الأغلبية المسلمة

كثيرا ما يحزن القلب بسبب متابعة السياسة وأحوالها في مصر، وينهك العقل بلا جدوى بحثا عن مخرج من الأفق المسدود. اليوم، ليس في الحزن والإنهاك في أعقاب الجرائم الطائفية المتكررة سوى استزادة بائسة من معين مجتمعي أسن مائه وفسد هوائه ونزعت الإنسانية عن المتصارعين عليه.
اليوم، نصطدم مجددا بإخفاقنا في بناء مجتمع المواطنين المتساوين وبجل ما يترتب على هذا الاخفاق من تحريض طائفي ضد الأقباط وترويج كارثي لخطابات التطرف الإقصائية وتقاعس الأغلبية المسلمة عن القيام بواجبها كضامنة لتماسك النسيج الوطني وسلبية السلطوية الحاكمة لجهة مواجهة التمييز ضد الأقباط.
اليوم، قد نستسلم للمقولات والممارسات التحايلية التي دأبنا على إعادة إنتاجها وتفعيلها كلما سالت دماء في جرائم طائفية وعنف طائفي. قد نركن إلى احتفاليات الوحدة الوطنية، وقبلات القساوسة والشيوخ، وأحضان البابا والإمام الأكبر. ربما سنصدق من يصخبون في الفضاء العام بحديث عن أخوة المسلمين والأقباط على الرغم من كون البيئة المجتمعية الراهنة جردت الأخوة هذه من معظم مضامينها واستبدلتها بواقع معاش الاعتيادي فيه أن لا يلتقي أحمد بجرجس إلا فيما ندر.
أما إذا ابتعدنا كمصريات ومصريين عن الارتكان إلى احتفاليات الوحدة الوطنية وعن الاستسلام إلى خطاب «أخوة أحمد وجرجس» التحايلي وعن التعامل الإنكاري مع التمييز، سنجد أنفسنا أمام بيئة مجتمعية وسياسية لا تكفل من جهة للأقباط حريات دينية مساوية لحريات المسلمين وتضيّق عليهم في ما خص بناء الكنائس وصيانتها. سنجد أنفسنا أمام أعمال عنف طائفي متزايدة ضد المواطنين الأقباط وضد دور عبادتهم وممتلكاتهم، وسنتثبت في ذات السياقات البائسة من تقاعس المؤسسات والأجهزة الرسمية المخولة مساءلة ومحاسبة ومعاقبة المتورطين في أعمال العنف عن التطبيق الناجز للقانون. والحصاد المر هو انطباع كارثي مؤداه في الحد الأدنى أن كلفة الاعتداء على الأقباط ودورعبادتهم ليست باهظة، وفي حده الأقصى تصوير إجرامي لهم «كفريسة مشروعة» للعنف والتحريض الطائفي. سنجد أنفسنا أمام سلطوية حاكمة عاجزة عن أو غير راغبة في دفع السلطة التشريعية التي تسيطر عليها إلى إصدار قانون موحد لدور العبادة، ووضع حد للقيود المفروضة على حريات الأقباط الدينية. كذلك تتعامل السلطوية مع التهميش السياسي للأقباط ومحدودية تمثيلهم في الأجهزة التنفيذية والإدارية والأمنية وكأنه واقع غير قابل للتغيير.
وكما تعجز السلطوية الحاكمة عن مواجهة التمييز ضد الأقباط وتستسيغ استمراره، يتقاعس المجتمع بفاعلياته المختلفة عن التعامل الجاد مع هذا التمييز ويسمح من ثم بتماديه وبلوغه حد تعريض إنسانية وتماسك النسيج الوطني إلى خطر عظيم. والأمر هنا أن المكون الأساسي في مسؤولية المجتمع يقع على عاتق الأغلبية المسلمة المنوط بها، ومنذ قيام الدولة الحديثة في مصر، الحفاظ على قيم التنوع والتسامح والعيش المشترك والانفتاح الإيجابي على الأقباط والأقليات الأخرى بحماية أمنهم وضمان تساويهم في الحقوق والحريات والواجبات وبرفض التمييز ضدهم أو اضطهادهم. غير أن الأغلبية المسلمة، وباستثناء بعض المبادرات الأهلية الإيجابية، تبدو أيضا عاجزة عن أو غير راغبة في الاضطلاع بدورها المجتمعي كحاضنة للأمة المصرية وضامنة لتماسكها.
قطاعات واسعة بين المصريات والمصريين، وفي ظل نزوع ديني غير مسبوق، تفترسها اليوم خطابات التطرف الإقصائية التي يروج لها في وسائل الإعلام التقليدية والحديثة من دون ضوابط. 
والقابلية للشحن الطائفي، من مدينة الإسكندرية ذات الماضي الكوزموبوليتي والتنوع الديني والعرقي إلى محافظة المنيا في صعيد البلاد التي شهدت الكثير من الجرائم الطائفية الأخيرة، في تصاعد مرعب. ثم يتعجب ويمتعض ويحاجج مروجو ومتلقو خطابات التطرف حين تنتشر بين الأقباط خطابات إقصائية بديلة تواجه التحريض والتمييز «في مصر بلدنا وأنتم ضيوف علينا» وتقارع التشكيك في المقدسات المسيحية بتشكيك مماثل في مقدسات المسلمين.
إذا ما أردنا خلاصاً حقيقياً لمصر من الجرائم الطائفية وخطر العنف الطائفي ورغبنا في استعادة إنسانية نسيجنا الوطني بتغيير الوضعية الراهنة للأقباط كمواطنين من الدرجة الثانية وتجديد تماسكه على نحو يعيد إلى «أخوة أحمد وجرجس» المحتوى والمضمون المجتمعي الذي جردت منه، لا بديل أمام السلطوية الحاكمة وعلى المدى الزمني القصير سوى إدخال التعديلات القانونية (قانون دور العبادة الموحد، إلغاء خانة الديانة من بطاقات الهوية، وغيرها) والسياسية والإجرائية اللازمة لضمان أمن الأقباط وكفالة حرياتهم الدينية وتحسين نسب تمثيلهم في الأجهزة التنفيذية والإدارية والأمنية. أما الأغلبية المسلمة فعليها استعادة ماضي تسامحها وانفتاحها على الأقباط والتزامها بالشعار الخالد للوطنية المصرية «الدين لله والوطن للجميع» وترجمتها في البيئة المجتمعية فعلا جمعيا صريحا ومنتظما يرفض التمييز ضد الأقباط ويضيق الخناق على دعاة الطائقية ومروجي خطابات التطرف الإقصائية.

--------------------------------------------------

٭ كاتب من مصر

المصدر:  http://www.alquds.co.uk/?p=575037

 

لماذا وافقت الحكومة السورية على العودة الى المفاوضات دون شروط فجأة؟

لماذا وافقت الحكومة السورية على العودة الى المفاوضات دون شروط فجأة؟ ولماذا تحدد موعد لها اواخر شهر آب؟ وهل حديث امريكا عن “خدعة” في حلب مسرحية؟ ولماذا خذل الحلفاء المعارضة السورية وتخلوا عنها؟
-----------------------------------------------------------
ابلغ السيد وليد المعلم وزير الخارجية السوري السيد رمزي عز الدين مساعد المبعوث الدولي الى سورية ستيفان دي ميستورا، اثناء لقائه به في دمشق، ان بلاده ستشارك في محادثات جنيف المرتقبة اواخر شهر آب (اغسطس) لايجاد حل سياسي، ودون اي شروط مسبقة.
لا جديد في هذا الموقف الرسمي السوري، ولكن الجديد هو تحديد موعد استئناف هذه المفاوضات اواخر شهر آب، الامر الذي قد يوحي بأن هناك تفاهما غير معلن، بإنهاء معركة حلب قبل هذا التاريخ، واحكام الحصار على ما تبقى من الفصائل المقاتلة، او تخييرها بين الاستسلام والتمتع بالعفو الرئاسي (للسوريين فقط) او القتل، خاصة بعد التقدم الكبير الذي حققته قوات الجيش السوري في ريف حلب الشرقي، وفتحها اربع ممرات آمنة لخروج المدنيين.
***
الادارة الامريكية قالت على لسان وزير خارجيتها جون كيري بأنها تعرضت لـ”خدعة” لفتحها الممرات الآمنة وطريق الكاستيلو الذي يربط مدينة حلب بالريف الشمالي، وهددت بان مثل هذه الخدعة، وان تمت، فانها “ستعرض للخطر التعاون بينها وبين روسيا”.
من الواضح ان الوزير كيري يمارس التضليل، ويحاول اللعب على الكلمات، وتبرير خذلان بلاده كليا للمعارضة السورية المسلحة والتخلي عنها، في اطار التفاهمات مع روسيا.
الخذلان الآخر للمعارضة السورية جاء من جانب الحليف التركي، الذي اكد مرارا ان حلب تعتبر خطا احمر، ولا يمكن ان يتم السماح بسقوطها، ويتعذر هذا الحليف بالانشغال في معالجة ذيول الانقلاب العسكري الفاشل، وتطهير هياكل الدولة التركية، وجيشها ومؤسستها الامنية، من المتورطين فيه من جماعة الداعية فتح الله غولن وانصاره.
وكان لافتا ان الدول الخليجية، وخاصة المملكة العربية السعودية ودولة قطر، اقتصر دعمها على الجوانب الاعلامية فقط، وحتى الاعلام تراجع زخمه في الايام الاخيرة.
حديث اشتون كارتر قبل ايام عن وجود استعدادات لفتح الجبهة الجنوبية، اي الحدود الاردنية مع سورية، ربما يشكل اعترافا مسبقا باحتمالية استعادة قوات الجيش السوري المدعومة بغطاء جوي روسي لمنطقة حلب، والانطلاق بعد ذلك نحو ادلب وجسر الشغور، ومنبج المحاصرة حاليا من قبل قوات سورية الديمقراطية ذات الاغلبية الكردية.
واذا صحت التقارير الاخباربة التي تقول بأن تركيا سحبت ضباط استخباراتها من غرفة “المُك” المكلفة بقيادة العمليات في الجبهة السورية بقيادة امريكية، ومشاركة ضباط استخبارات من السعودية والاردن ودولة الامارات، فان هذا يؤكد حدوث تغيير جذري في الموقف التركي في الملف السوري سياسيا وعسكريا.
***
الجولة الجديدة من المفاوضات السورية في جنيف في حال انعقادها اواخر شهر آب ستكون قطعا مختلفة عن سابقاتها، بعد ان تخلت امريكا عن معزوفتها الاكثر تأثيرا على قلبها، وهي حتمية رحيل الرئيس بشار الاسد، وابداء الاستعداد للموافقة على بقائه في السلطة اثناء المرحلة الانتقالية، وما بعدها، اي وضع دستور جديد واجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية.
المبعوث الدولي دي مستورا بدأ يتحدث عن حكومة وحدة وطنية سورية، تضم بعض الوجوه المعارضة، ربما تكون هذه الصيغة هي السقف الاعلى لهذه المفاوضات في جولتها الجديدة.
تنظيم “الدولة الاسلامية” قلب كل المعادلات على الارض، واثار الرعب في قلوب الغربيين بعد عملياته الارهابية الاخيرة في اوروبا وامريكا، وخفف الضغوط عن الرئيس بشار الاسد وحكومته، سواء اراد ذلك ام لم يرد، الامر الذي غير كل الاولويات، مثلما غير كل قواعد اللعبة في الملف السوري برمته.
------------------------------------------------------------
*نشر المقال على صفحة الكاتب الالكترونية (رأي اليوم).

مشكلة فهم معنى الحوار مع "الآخر"

تقوم وسائل الإنترنت والإعلام الفضائي بدورٍ كبير الآن في التواصل والحوار بين الأفراد والجماعات والشعوب، غير أنّ المنطقة العربية انتقلت من حالة تجاهل كلمة (الحوار) في عقودٍ ماضية إلى حالة استهلاكٍ عشوائيٍّ شديدٍ لها أفقدها معناها الحقيقي.

فالحديث يكثر الآن عن "حوار" مطلوب بين أطراف عديدة في المنطقة، وبين العرب ودول أخرى، دون إدراك أنّ المطلوب لحلّ الكثير من الأزمات القائمة حالياً هو التفاوض، وليس أسلوب الحوار.

فالحوار هو أسلوبٌ يحدث في التعامل بين الأفراد والجماعات من أجل التعرّف إلى الآخر وفهم هذا "الآخر" دون التوصّل معه بالضرورة إلى مرحلة التفاهم والتوافق.

الحوار هو تعبير عن الاعتراف بوجود "رأي آخر" وعن حقّ صاحبه بالمشاركة في الرأي، وإفساح المجال أمامه للتعبير عن فكره ومعتقده دون تشويه أو ضغط مانع لذلك.

فهل تحتاج الآن قضايا المنطقة المتنازَع عليها إلى هذا المفهوم عن أسلوب الحوار؟ وهل يجهل أصلاً كلّ طرفٍ معنيٍّ بهذه القضايا ماهيّة الرأي الآخر؟

إنّ الفرق كبير بين الحوار والتفاوض. فالحوار هو أسلوب مكاشفة ومصارحة وتعريف بما لدى طرفٍ ما، دون شرط التوصّل إلى اتفاق مع "الآخر"، وأيضاً دون مدًى زمني محدّد لهذا الحوار. أمّا التفاوض فهو ينطلق من معرفة مسبَقة بما يريده الآخر، لكن في إطار المحادثات التي تستهدف لاحقاً الحصول على مكاسب في جانب مقابل تنازلاتٍ في جانب آخر. أي أنّ كلّ طرفٍ مفاوض يكسب ويتنازل في الوقت نفسه، ثم يكون الفارق في مدى حسابات الربح والخسارة.

أمّا الحوار، فليس فيه مكاسب أو تنازلات، بل هو تفاعل معرفي فيه عرض لرأي الذات وطلب لاستيضاح الرأي الآخر دون شرط القبول به أو التوصّل إلى نتيجة مشتركة معه، بل ربّما يحدث تأثّر وتأثير متبادلان دون إقرار بذلك من الطرفين.

الحوار يقوم به أفراد ومؤسسات، وليست الحكومات والدول، التي هي معنيّة أصلاً بأسلوب المفاوضات القائم على موازين القوى والمصالح المادية، لا على بلاغة الأفكار والكلمات أو صدق المشاعر!.

إنّ أسلوب الحوار مهمّ جداً بين الشعوب عبر مؤسسات المجتمع المدني حيث لا يجوز هنا استخدام تعبير "التفاوض". فالشعوب "تتحاور" بينما الحكومات "تتفاوض". لكن كما "التفاوض" له أسس للنجاح، كذلك أسلوب "الحوار" يحتاج إلى إدراك عام مسبَق بالمواضيع، وإلى مراعاة لضوابط الحوار وقواعد نجاحه.

وهناك عوامل كثيرة تدفع بعض الناس إلى الانحباس في خنادق فكرية، فيعتقدون أنّهم بذلك يصونون أنفسهم من مخاطر جحافل "الفكر الآخر"، بينما هم في الواقع يسجنون ما لديهم من فكرٍ ورؤى، فلا "الآخر" يصل إليها أو يتفاعل معها، ولا هم يتطوّرون أو يكسبون فكراً جديداً، بل يبقون على ما هم عليه جامدين متحجّرين.

ومن دون شك، يرى صاحب كل فكر الصوابَ في فكره والخطأ في فكر غيره، لكنْ قليلٌ من المفكّرين من يرى احتمال الخطأ في فكره أو احتمال الإصابة في فكر الآخر. فهذا منطلقٌ مهمّ لإمكان نجاح أي حوار بين أفكار وآراء مختلفة، ومن دونه، سيسير أي حوار في طريقٍ مسدود.

قد يكون مهمّاً في هذا المجال أيضاً التمييز بين "الحوار" و"الجدل"، كما هو مهمٌّ التمييز بين "المفاوضات" و"المباحثات"، حيث تكون المفاوضات بين أطراف متساوية في الحقوق، وإن لم تشترك في المساواة على صعيد ميزان القوى، بينما "المباحثات" هي التي تُمهّد عادة الطريق للمفاوضات ولا تحكمها ضوابط الحقوق والواجبات.

أمّا "الجدل"، فهو تعبيرٌ مظلوم في الثقافة العربية المعاصرة، إذ هو منهجٌ مطلوب ومهم إذا أحسن الأفراد أو الجماعات معرفة متى وكيف يُستخدم.

"الجدل" هو التقاء نقيضين وتفاعلهما في محتوى (أو موضوع) واحد، وبظروف معيّنة وزمان محدّد، وتخرج حصيلة هذا التفاعل نتيجة جديدة بديلة عن النقيضين. فهو منهج علمي من جهة، وهو أسلوب تعامل بين البشر من جهة أخرى.

"الجدل" في أحد أوجهه، هو "حوار" حول موضوع محدّد لكن بشرط التوصّل إلى نتيجة مشتركة جديدة في زمان محدّد أيضاً، ولا يكون (الجدل) ذا جدوى ما لم تتوفّر لدى كلّ الأطراف المعنيّة فيه الموافقة عليه والقدرة على أدائه.

ونجد هذا الخلط العجيب بين (الحوار) و(الجدل)، في عددٍ لا بأس فيه من البرامج الحوارية الإذاعية والتلفزيونية، حيث المتوجّب في هذه البرامج هو الحوارات الجادّة التي لا تشترط من طرف الموافقة على رأي الطرف الآخر، وتُبقي الاختلاف في حدود الآراء بحيث لا تتحوّل إلى خلافٍ بين الأشخاص.

إنّ البلاد العربية هي بحاجةٍ قصوى الآن لكلّ هذه المفاهيم معاً. هي بحاجة للحوار كأسلوب داخل العائلة الواحدة، كما أنّ العائلة بحاجة للجدل أحياناً لحسم بعض الأمور على أسس سليمة . الأوطان العربية بحاجة إلى حوار داخل شعوبها بين مؤسساتها المدنية وبين دعاة الفكر والدين والثقافة، لكن البلاد العربية، وعلى الأخصّ تلك التي تشهد أزمات لها امتدادات إقليمية ودولية، تحتاج أيضاً إلى اتّباع أسلوب "المفاوضات" مع الأطراف المعنيّة بالنزاعات، لا إلى أسلوب الحوار فقط.

إنّ "الجدل" مطلوب الآن داخل الأمَّة العربية حول موضوع الهويّة الوطنية وضرورة حسم ذلك لصالح وحدة الهويّة المشتركة بين العرب، بغضّ النظر عن اختلافاتهم الفكرية والسياسية، وعن خصوصياتهم الوطنية والدينية والإثنية. فالعرب يشتركون في ثقافة عربية واحدة لا تقوم على أصل عنصري ولا يختصّ بها أبناء دينٍ دون آخر.

و"الحوار" مطلوب الآن داخل كل بلد عربي حول مفهوم المواطنة وصيغ العيش المشترك بين أبناء الشعب الواحد والحفاظ على التنوع الفكري والعَقَدي والسياسي في المجتمع الواحد ..

وحينما يتحقّق ذلك، تصبح البلاد العربية أكثر قدرةً على تحقيق المصالح الوطنية والعربية في مفاوضاتها مع القوى الإقليمية والدولية، فالمعيار في "ميزان القوى" حين "التفاوض" هو "كفَّة القويّ الموحَّد" لا "كفَّة الضعيف المنقسم".

إنّ التوافق على فهمٍ مشترَك لمعنى أي مصطلح فكري هو المدخل الأهم لأي حوار فكري متميّز. هذا الأمر ينطبق حتّى على ما يندرج تحت خصوصياتٍ قائمة داخل الأمَّة الواحدة. فالحلُّ لا يكون برفض المصطلح لمجرّد اختزان خلاصات عن تجارب محدّدة سلبية تحمل تسمية المصطلح نفسه، إذ المشكلة هنا أنّ المصطلحات كلّها تعرّضت إلى تجارب تطبيقية سلبية ومسيئة: في الفكر الإسلامي والفكر القومي والفكر العلماني، كما على صعيد شعارات الحرّية والديمقراطية والوطنية.

هنا أهمّية دور "الآخر" في المجتمعات العربية وبين العرب أينما وجدوا، وهذا "الآخر" قد يكون على أساسٍ مذهبي أو طائفي أو إثني أو حتّى عقائدي وسياسي. لكن المعيار ليس بإقرار حقّ وجود "الآخر" فقط، بل في القدرة على التعامل السليم معه وبحقّه في دوره كشريك طبيعي في المجتمع المحلي أو في المواطنة، وبضمان صيانة حقوقه الكاملة كإنسانٍ متساوٍ مع الإنسان "الآخر" في كلّ الحقوق والواجبات.

إنّ الأمّة العربية تقوم ثقافتها الدينية وحضارتها على الحوار مع الآخر بينما لا يفعل ذلك ناسُها. الأمّة العربية هي مهبط كل الرسل والرسالات، وفيها ظهرت قبل الإسلام حضاراتٌ كثيرة ورسالاتٌ سماوية. كذلك في الدين الإسلامي دعوةٌ صريحة للتّعارف بين الشعوب ولعدم التفريق بين الرسل والأنبياء. فهي أمَّة عربية مجبولة على التعدّدية والتنوع وعلى حقّ وجود الآخر، وتقوم روحياً على تعدّد الرسل والرسالات، وتقوم ديموغرافياً على تعدّد الأجناس والأعراق والألوان، وحضارياً على تجارب وآثار أهمّ الحضارات الإنسانية، بينما يسود واقع الأمَّة العربية الآن حال التخلّف والتفرقة والفئوية والتعصّب.

------------------------------------------------------------------------------------------------------------

*مدير "مركز الحوار" في واشنطن

 عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

لقراءة مقالات صبحي غندور عن مواضيع مختلفة، الرجاء الدخول الى هذا الموقع:

http://www.alhewar.net/Sobhi%20Ghandour/OtherArabicArticles.htm

الفساد النفطي يهدّد التعليم في العراق

أعلن المسؤول البارز في «حزب الدعوة» الإسلامي علي الأديب، رئيس كتلة دولة القانون النيابية ووزير التعليم العالي والبحث العلمي، في مداخلة له في المجلس النيابي العراقي، «أن الدولة لا يمكن أن تتحمل مجانية التعليم بعد الآن»، داعياً إلى» جعل التعليم الإلزامي إلى المرحلة المتوسطة فقط». وقال: «أظن أن الأزمة المالية ستستمر معنا إلى فترة طويلة. فمن غير الممكن الالتزام بالتعليم الإلزامي (...) يمكن الدستور أن يلتزم بالتعليم المجاني الإلزامي للمرحلة المتوسطة. أما بعد ذلك، فميزانية الدولة لا تتحمل. فكلفة تعليم الطالب الجامعي الواحد تفوق 13مليون دينار سنوياً» (نحو 10آلاف دولار سنوياً، أو أقل من المعاش والمخصصات لنائب عراقي في شهر واحد). وحذّر قائلاً: «من غير المعقول أن تستمر الموازنة على هذا الأمر».

تشكّل هذه المداخلة النيابية محاولة جديدة لهدم ما تبقى من العراق الحديث. فالتعليم المجاني بكل مراحله، من الروضة إلى الدراسات العليا المتخصصة من خلال نظام البعثات إلى الجامعات العالمية، شكل ركناً أساساً من أركان تقدُّم الدولة العراقية الحديثة. وتنص المادة 34من الدستور العراقي، التي يطالب الأديب تغييرها، على أن «التعليم المجاني حق لكل العراقيين، في مختلف مراحله».

الحرمان من التعليم المجاني ما بعد المرحلة المتوسطة، يعني حرمان شريحة اجتماعية عراقية واسعة من الطبقة المتوسطة، ناهيك عن الفقيرة التي تمثل نحو 23في المئة من السكان، من مراحل مهمة من التعليم المجاني المتوافر منذ تأسيس الدولة العراقية. ما يعني بدوره، حجب الفرص لأبناء هاتين الشريحتين من التعلم، وتسلّم مسؤوليات متخصصة لاحقاً.

للتعليم المجاني مساوئ عدة، فلم يستطع اللحاق بالمستويات العالمية، إذ تكاد تخلو الجامعات العراقية الرسمية من بحوث معترف بها دولياً. لكن المشكلة هنا ليست بالأموال المخصصة للمعاهد الرسمية، بل بمناهج التدريس التي تعتمد على الحفظ والأسس التعليمية القديمة. لكن على رغم هذه المشكلة، فقد استطاع الطلاب المتفوقون الحصول على بعثات علمية لأحسن الجامعات العالمية. وتم اختيار هؤلاء على أساس الدرجات التي حصلوا عليه في امتحاناتهم، ومن مختلف شرائح المجتمع العراقي، بغض النظر عن خلفياتهم الاجتماعية. وهكذا برزت المواهب الفنية والمعمارية، واستطاعت الدولة تأميم قطاع النفط وإدارته بكادر عراقي بحت. كما استطاع العراق تطوير برنامجه النووي بكادر وطني متخصص. وتمكن التعليم الرسمي، على رغم عيوبه، من فتح المجال لآلاف الطلاب المتفوقين لاستكمال دراساتهم العليا. وعلى سبيل المثل، استطاع الراحل عبدالجبار عبدالله، من مواليد قلعة صالح في محافظة العمارة، أن يدرس الثانوية في قريته، ثم أرسلته الحكومة للدراسة في لبنان ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في بوسطن حيث حصل على شهادة الدكتوراه في الفيزياء. وهو واحد من أربعة طلاب فقط في العالم تتلمذوا على يد العالم ألبرت أينشتاين. وشغل منصب رئيس هيئة الطاقة الذرية العراقية ثم رئيس جامعة بغداد. وحصل الراحل صبري عبدالرزاق كاظم على شهادة الثانوية من مدرسة الديوانية عام 1957، حيث كان الأول على الجنوب والعاشر على عموم العراق . ثم نال شهادة هندسة النفط من كلية كينغز كولدج - جامعة لندن باستحقاق في 1963ليلتحق بعدها بقطاع النفط،، وشكل مع زملائه الرعيل الأول من العراقيين الذين أسسوا شركة النفط الوطنية العراقية. وعمل بعدها في وزارة النفط . ثم انتدبته الحكومة إلى منظمة «أوبك» للأعوام 1975- 1980لمنصب رئيس الإدارة الاقتصادية. ثم عمل مستشاراً لوزير الطاقة القطري السابق عبدالله بن حمد العطية.

معروف أن التعليم المجاني باهظ الكلفة. لكن نود أن نذكّر الأديب، الذي درس في مدارس كربلاء الرسمية وجامعة المستنصرية، بأن الأموال المخصصة للتعليم مصدرها الريع النفطي الذي هو ملك الشعب العراقي برمته. وبما أن الحصة الأكبر في موازنة الدولة هي من الريع المالي، فمن الخطأ حرمان شرائح واسعة من الشعب من التعليم المجاني. ولا يستطيع أحد إنكار دور هذا النظام التعليمي المجاني في تخريج أجيال من العراقيين المهنيين.

وفي ما يخص المخاوف من بقاء الريع النفطي منخفضاً، فالمشكلة ليست في الريع المتوقع مستقبلاً، بل في تحديد الحكومة أولويات الموازنة السنوية. وأولى هذه الأولويات التدقيق في وجهة الريع خلال السنوات الأخيرة التي حكم فيها «حزب الدعوة». لا حاجة هنا الى تبيان أرقام الفساد الذي يعم البلاد، والمعاشات الباذخة للنواب وغيرهم من المسؤولين. من الممكن الاكتفاء بتقارير منظمة الشفافية الدولية للسنوات الأخيرة، التي صنفت العراق ضمن الدول العشر الأكثر فساداً في العالم، يليه جنوب السودان، أفغانستان، السودان، كوريا الشمالية والصومال. ومن واجب الحكومة ترشيد الإنفاق. ومن واجب الشعب أن يطالب بوضع حد للفساد المستشري في مؤسسات الدولة، قبل تقليص الإنفاق على التعليم المجاني الإلزامي.

لا شك في أن نفقات الموازنة التي كانت مبنية على أساس سعر 100دولار للبرميل تستوجب إعادة نظر. لكن يتوجب التذكير بأن التعليم المجاني الإلزامي كان بدأ منذ أوائل عشرينات القرن العشرين، واستمر من دون انقطاع. بمعنى أن التعليم كان مجانياً في الفترة التي كان فيها تصدير التمر يشكل الدخل المالي الرئيس للبلاد، وليس المعدلات القياسية الإنتاجية والتصديرية النفطية الحالية.

مركز العراق الإنتاجي حالياً هو الثاني في منظمة «أوبك». كما أن مستوى الإنتاج والصادرات الحالية قياسية بالنسبة الى المعدلات السابقة. إذ يبلغ الإنتاج أكثر من 4ملايين برميل يومياً، والصادرات نحو 3.2مليون برميل يومياً.

من الأجدى إذاً، مساءلة الفاسدين ومحاكمتهم عن فقدان معظم الريع النفطي للبلاد خلال السنوات الأخيرة، والطلب منهم إعادة مئات الملايين من الدولارات المفقودة، قبل حرمان فئات كبيرة من المجتمع من حقهم في التعليم المجاني.

-----------------------------------------------------------------------

 * كاتب عراقي متخصص بشؤون الطاقة

 

أسماء المدن العراقية.. التَّغييب

لم يكن خبر محاولة تبديل اسم بابل اجتهاداً شخصياً، أو نزوةَ أحد الجاهلين، بقدر ما أراها «جس نبض». فإذا مرَّت بلا ممانعة سيُنسخ اسم بابل إلى «الإمام الحسن»، مثلما سبق أن بُثت محاولة حذف اسم أبي نواس (ت195-198ه) مِن على شارع بغداد الشَّهير ليصبح «المهدي». مع علمنا أن انتهازيين، خلال الحرب الإيرانية- العراقية (1980-1988)، أشاروا لشطب اسم الشَّاعر وإزالة تمثاله، بعذر أنه فارسي مجوسي، مع أنه وقف مع الأمين (قُتل198)، وأمه كانت عربية، ضد جيش المأمون (ت218هـ) القادم مِن خراسان، وأن والده كان في الجيش المرواني، وأمه بصرية أهوازية، وكانت مُحسِنة على الأطفال، ولا صلة له بالفرس (طبقات الشُّعراء، تاريخ بغداد، تاريخ دمشق، وفيات الأعيان)، وعُرف مِن قِبل الأقدمين بشاعر العِراق.

سبق أن نجحوا بإطلاق اسم الصّدر على مدينة الثَّورة، وقبلها «صدام»، مع أن الاسمين لم يُطلقا بمبادرة رسمية، إنما بإعلان انتهازيين مِن المنطقة نفسها، فاعتمدا رسمياً، وربَّما الذي طلب قلب «الثَّورة» إلى «صدام» بادر نفسه في قلبها إلى «الصَّدر»، ومعلوم أن لا صدام ولا الصَّدر لهما فضل بتأسيسها والسَّهر على تشييدها، فالذي أسسها عبد الكريم قاسم (قُتل 1963) رافضاً مجاراة الانتهازيين عندما تقدموا لتسميتها باسمه، كذلك لم يسعَ عبد السَّلام عارف (قُتل 1966) بإطلاق اسمه عليها، ولما أراد محو فضل غريمه (عبد الكريم)، في نشأتها، جعلها باسم «حيّ الرَّافدين»، لكنَّ اسمها الأصلي غلب عليها، وظلت «الثَّورة».

تشير حكاية تبديل أسماء الأمكنة إلى تغييب التَّاريخ وتزويره، عبر الأسماء، وإلا كيف لعراقي يفكر، ولو مِن باب الهزل، بحذف اسمٍ مثل «بابل». صحيح أن النظام السابق، وفي بداياته، بدل اسم «الحلة» إلى بابل، لكن ليس معنى هذا أن كلَّ ما فعله السابقون كان خطأً ويحتاج إلى تعديل، على العكس أن إطلاق اسم «بابل» على أرض شهدت وجود الحضارة البابلية، كان مِن الحسنات. فليس أشهر مِن مفردة «بابل» (باب الله) بالدُّنيا، مثلما ليس أشهر مِن «بغداد». مع الإشارة، ليس مِن صلة للإمام الحسن (ت50هـ) ببابل، فالرَّجل عاش مع والده بالكوفة ثم نزل المدائن، وبعدها عاد إلى الحجاز.

مثلما لا علاقة لشارع «أبو نواس» باسم «المهدي»؟ إلا لفرض حالة التدين المنفلت العقال، حتى لا يكون اسم مدينة ولا شارع ولا قاعة دراسية في الجامعات إلا باسم إمام أو (مجاهد)، وكأن ليس هناك حياة ولا وجود إلا لهذه الأسماء. بطبيعة الحال، في الزَّمن السَّابق إذا سُميَّ شارع أو حيٍّ باسم أقطاب أيديولوجية، والسُّلطة سُلطتهم، فليس بمستطاع أحد الاعتراض، لكن في عهد الدِّيموقراطية يجري تكريسها عبر موجة التديُّن الأعمَّى، فإذا نجحوا مع شارع «أبو نواس»، و«بابل» سيأتي الدَّور على بغداد، ولا أستبعد أن إهمال شارع الرَّشيد له صلة باسم الشَّارع، وإلا هل مِن المعقول أن شريان بغداد التَّاريخي يتحول إلى مكب للنفايات؟!

للأسف، أن البلدانيين والإخباريين كرسوا معانٍ للمدن على خلاف حقيقتها العراقية، فبأي حق يكون اسم «بغداد» فارسي الأصل والمعنى (اسم صنم وصاحبه)، مع أنه اسم آرامي عراقي قديم، شأنه شأن «أربيل» (أربلو). هنا نقتبس مِن أبرز المختصين بلغات العراق يوسف متى قوزي، الذي يعود له الفضل بترجمة كتاب الصَّابئة المندائيين المقدس «كنزاربا» مِن الآرامية الشَّرقية إلى العربية (1998).

يقول في محاضرة له ببغداد (بعد 2003): إن كلمة بغداد «تتألف من مفردتين آراميتين «باغ» تعني بيت، و«داد» خيط أو غنم أو نسيج، فالاسم إما «بيت الخيط» أو«بيت الغنم»، ويعطي قوزي احتمال آخر، أن «باغ» بمعنى (جنينة، بحر، بَطيحة، سعد). بعدها يأتي بمعانٍ أُخر متقاربة المعاني لبغداد، ليس بينها مفردة فارسية. نقول هذا، كي نستبق مَن قد يقوده التَّمكن، مِن عقول النَّاس، فيُصبح أهل بغداد، في يوم مِن الأيام، وعاصمتهم تحمل اسم آخر!

لم يُقتصر الأمر على تزوير أسماء مدننا، بل اسم العِراق نفسه، اعتُبر لفظة فارسية، وهو الـ«مشتق من كلمة تعني المستوطن، ولفظها أوروك... وأن أول استعمال لكلمة عراق ورد في العهد الكيشي... وجاء فيها اسم إقليم على هيئة إيريقا» (الآلوسي عن آخرين، اسم العراق). الحذر الحذر مِن تصفية العراق، كبلاد وحضارة إنسانية، وأرى البداية بتزوير أسماء مدنه. أقول: عضوا على وجوده بالنَّواجذ، لمواجهة تغييب كامل باسم الدِّين والمذهب والقومية وقصباته، ولأحد أبنائه النَّجفي محمد باقر الشِّبيبي (ت1960): «أما العراق فإن في تاريخه/ شرفاً يضيء كما يضيء الفرقد». ليس كلُّ تاريخه عنفاً ودماء وهواناً، ولا أعدُّها عاطفة شاعر، إنما الحقُّ بعينه.

---------------------------------------------------------------------------------

*كاتب عراقي يقيم في المهجر ، ونشر المقال في صحيفة الاتحاد الإماراتية، تصفح على الرابط التالي:

http://www.alittihad.ae/wajhatdetails.php?id=90448

فى شأن اللغة العربية

فى شأن اللغة العربية: (ماكو) غلط فى اللهجات العربية؟

زارنى فى بيتى مشكوراً المحاضر بجامعة إفريقيا العالمية الأستاذ ياسر حماد عبد الرحيم وتسامرنا حول تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها. اشرت خلال الحديث إلى أقسام تدريس العربية فى جامعات الهند وبخاصة بكلية المهراجا فى مدينة كجى بولاية كيرلا حيث اللغة العربية هى اللغة الدينية لمسلمى تلك الولاية الذين يشكلون نحو ثمانية عشر من سكانها خلافاً لما عليه الحال فى مناطق المسلمين الأخرى فى الهند حيث اللغة الدينية هى الأردو , مشيرا إلى كتاب أعرته إياه كان قد أهدانيه الدكتور لياقة على رئيس قسم اللغة العربية بتلك الجامعة يتحدث عن تعليم العربية بالوسائل الحديثة وهو كتاب قيم استعرض مؤلفه بعض جوانبه خلال مؤتمر نظمه معهد الخرطوم الدولى قبل نحو ستة أعوام . وأهديت نسخة من دراسة لى حواها كتاب صغير لعله نفد من المكتابات بعنوان "اشتات فى العامية السودانية مجتمعات فى الفصحى" اشرك الأستاذ ياسر فى قرائته العالم النحرير البروفسور عمر شاع الدين الأستاذ بجامعة إفريقيا العالمية ايضاً وصاحب "الجذاذات" الذى قام بتقريظه فى مقالة نشرها فى الصحف السيارة.ثم أعارنى الأستاذ ياسر بعد ذلك كتاباً قيماً للدكتور المصرى أحمد علم الدين الجندى كان فى الأصل أطروحة الرجل لنيل الدكتوراة فى اللغة العربية بعنوان " اللهجات العربية فى التراث" سأشير بإيجاز إلى بعض ما جاء فيه سيما فيما اتفقنا عليه فى بعض الطريق من صلة العاميات العربية بالفصحى القديمة وفى تفاصيل أخرى مفيدة فى فهم لغة الضاد وليس ذلك كله إستعراضاً للكتاب فهو مجلدان ضخمان بلغت صفحاتهما ما يربو على الألف ونيف من الصفحات . وقد تخيرت هذا العنوان الطريف تتصدره كلمة (ماكو) العراقية وهى تعنى فى عاميتنا (ما فى) أو (مافيش) فى لهجات عربية أخرى أى لايوجد للتدليل على أن كثيراً مما نعده أدخل فى اللهجات كان من صميم لغات العرب. لكن (ماكو) هذه ليست عربية كما ورد فى قاموس اللهجات العراقية وانما هى سومرية أو أكدية استعصت على الإنقراض شأن العديد من الكلمات فى جميع لهجات العرب بحكم الجوار الجغرافى أو بقدرة طرف من اللغات القديمة على المقاومة والتمترس بالبقاء وأشير هنا إلى ما اشا ر إليه الكاتب من أن العرب ما كانوا يتسخدمون كلمة لهجة ولهجات ولكنهم كانوا يقولون فى وصف حديث المجموعات العربية الأخرى لغة ولغات. ودونكم ما مر علينا فى منهاج البلاغة من شأن الإعرابى الذى أنكر عليه عمر قوله "هل أضحى بضبى؟ فقال عمر هلا قلت بظبى فرد عليه بأن ضبى لغة بكسر الباء ولم يقل لهجة.

ربط الكاتب ربطاً محكماً بين لهجات العرب وبين روايات القرآن الكريم وما ورد من أن النبى (ص) استزاد جبريل حين أنزل عليه الكتاب ليشمل لهجات العرب جميعاً تيسيراً لهم وأنه لم ينزل بلغة قريش وحدها بل نزل بالهجات العربية جميعاً. ونص الحديث "اقرأنى جبريل على حرف فراجعته فلم أزل استزيده ويزيدنى حتى انتهى إلى سبعة أحرف." (ص 105فى الجزء الأول والإحالة إلى فتح البارىء شرح البخارى لابن حجر.) وبسبعة أحرف أى بسبع لغات من لغات العرب ولك أن تسميها لهجات إن شئت. وأورد فى ذلك نصاً لابن قتيبة يقول فيه لو أنه أنزل بلهجة واحدة من لهجات العرب لشق على البقية ذلك: "ولو اراد كل فريق من هؤلاء أن يزول عن لغته (أى ينصرف عنها إلى تعلم غيرها ليفهم القرآن) وما جرى عليه إعتياده طفلاً وناشياً وكهلاً- لاشتد ذلك عليه وعظمت المحنة فيه." ويدللون على كونه نزل بكافة الأحرف أن عمر رضى الله عنه اشكل عليه فهم قول الله " أو يأخذهم على تخوف" فقام إليه رجل من هذيل قائلاً تلك لغتنا والتخوف هو التنقص.

ولهذا السبب يقول الكاتب إن الكوفيين ومنهم الكسائي لم يتشددوا فى الأخذ بلغات القبائل جميعاً بينما تشدد البصريون بقيادة الأصمعى فأنكروا لغات القبائل العربية المجاورة للفرس والأحباش والهنود والنبط واعتمدوا على لغة القبائل المغلقة فى جوف الصحراء وجعلوها معياراً للفصاحة ونقاء اللغة. والكاتب بدا بحثه برفض نظرية المستشرقين الذين قسموا لغات العربية إلى قسمين : القبائل شرق الجزيرة وتلك التى فى غربها معللاً رفضه بالهجرات الواسعة للقبائل بسبب الكوارث كإنهيار سد مارب الذى دفع قبائل قحطان اليمنية إلى الهجرة قبل الاسلام إلى اقصى شمال الجزيرة العربية وإلى الهجرات بسبب الحروب أو بغرض البحث عن الماء والكلأ مما نتج عنه التاثر والتأثير والإختلاط وقد أورد شواهد قوية على وجود لهجات أو أساليب بالهمز أو التسهيل فى الشرق والغرب معا. فالإمالة أى نطق الهمزة يائاً مثلاً اشتهرت به قبائل شرق الجزيرة مثل تميم لكنك تجده فى لغة الحجاز بل ذهب بعضهم إلا أنها لغة قريش.( تجده فى قراءة أبى عمرو الدورى السائدة فى السودان كما تجدها فى قراءة ورش الغالبة على المغرب وغرب إفريقيا وكذلك قراءة قالون).

والشاهد فيما ذهب إليه أن اللهجات المنتشرة فى العالم العربى اليوم هى لغات عربية قديمة هاجرت من مواطنها بعد الفتوح الإسلامية فهى أقدم من الفصحى أى اللغة المثقفة الجامعة اليوم . فالفصحى هى لغة الأدب والشعر والدواوين ولم تكن فى يوم من الأيام لغة يومية يتحدث بها سائر الناس كما يتوهم البعض. صحيح أن اللهجات الحديثة قد أخذت كما أخذت القديمة من الأمم والحضارات المجاورة بفعل الحراك الإنسانى والإستعمار لكن أصولها قديمة قدم العربية. لذلك تجد فى عاميتنا ألفاظاً عرفت فى الجاهلية لا يستخدمها أحد سوانا مثل قولنا زول وزولة وقد تجد مثيل ذلك بالقطع فى لهجات عربية أخرى بلا ريب.

استوقفنى كذلك التقسيم الذى اختاره للهجات العربية إذ أشار إلى أن المحدثين قد قسموها إلى خمس مجموعات : هى الحجازية وتشمل لهجات الحجاز ونجد واليمن والسورية وتشمل لهجات الشام التأريخى مجتمعة والعراقية والمغربية والمصرية ووصف المصرية بانها تلك التى تشمل جميع اللهجات العربية فى مصر والسودان. والذى أعرفه أن اللهجة السودانية قريبة من لهجة الصعيد فى مصر لكنها تخالفها أحيانا لتقترب من لهجات العراق والحجاز والشام أحياناً مما جعل, إن لم تخنى الذاكرة, إدراجها من قبل بعض أقسام اللغة العربية فى الغرب ضمن لهجات الخليج والحجاز. وقد أحصيت عدداً من الكلمات التى نشارك تلك الأنحاء فى استخدامها ولا نكاد نجد لها اثراً فى اللهجة المصرية رغم أنها الأقرب جغرافياً ولا يتسع المجال لإيراد بعض الأمثلة كما أتحفظ شيئاً ما على إدراج لهجة نجد واليمن مع الحجازية.

وكنا نعتقد مثلاً أن كلمة (زوج) تطلق على المرأة وعلى الرجل سواء ولا تصح كلمة (زوجة) بينما هى صحيحة تستخدمها تميم. كذلك العنعنة فى سألته تقول تميم كما يقول أهلنا سعلته وسعلناه. ويقول الصبية (ضربونى الأولاد) وكنا نزجر من قبل أساتذتنا فيقال لنا تلك لغة (أكلونى البراغيث). ولغة أكلونى البراغيث صحيحة هى لغة طى. وقد جاءت فى القرآن الكريم وفى الحديث النبوى." وأسروا النجوى الذين ظلموا" وفى الحديث "يتعاقبون فيكم ملائكة باليل والنهار.." وفى شعر أبى تمام وهو من طئ:

لو كانت الأرزاق تجرى على الحجى هلكن إذن من جهلهن البهائم

صحيح أن السائد فى اللغة تجريد الفعل كما قال الخليل:

وجرد الفعل إذا ما أسند إلى اثنين أو جمع

يمعنى أن الفعل يظل كما هو فى حال أن يكون الفاعل مثنى أو جمعاً لكن خليل أشار إلى أنه قد لا يجرد ( وقد يقال سعدا وسعدون).

وتقول تميم (محيت) فى (محوت) ومثل هذا كثير لا يحصيه العد مثل قلب الحروف. وأشد ما استرعى إنتباهى ما ورد عن الإقلاب فلم أقف قبل على أن العرب أو قل بعض العرب كانت تقبل الحاء هاءاً فمثلا يمزح ومزح تنطق عند بعضهم مزه يمزه مزهاً .ويقول فى ذلك أن المقريزى قد اشار إلى أن قبائل سعد ولخم هاجرت إلى صعيد مصر ثم تسللت إلى السودان لذلك (كان من اليسير أن نفهم ما نقل إلينا من أن أهل كردفان فى غرب السودان تشيع فيهم هذه الظاهرة فيقولون "هسن "بدل "حسن") ص470

وهناك التبادل بين السين والصاد فقريش كانت تقلب السين صادا فتقرا : الصراط بدل السراط. ثم الشين والياء فتقول بعض العرب شيرة تريد شجرة وهناك تبادل بين السين والشين ففي بعض مناطق المغرب العربى وفى الجزائر تنطق شجرة بالسين سجرة. وعزوت بعض ذلك فى كتابي المشار إليه إلى هجرات العرب فتجد مثلاً كلمة (حبوبة) للجدة فى السودان وفى شمال العراق. وكلمة عجاج تجدها فى العراق والسودان ولا تجدها فى مصر المجاورة للسودان. وتجد أيضاً فى العراق كلمة (طفر) بمعنى قفز . ويقولون (سافر شهر ولا تطفر نهر) وهى ذات الكلمة موجودة فى الجزيرة أواسط السودان. وفى سوريا والسودان كلمة (أحرز) أى خمن والشئ حزرته. فلان (حردان) وهكذا. وهناك الكثير مما لا يتسع هذا الحيز لإحصائه.

والخلاصة هى أن كثيرا مما يجرى على الأسن العربية من اللغات العامية قديم يصعب وصمه بالخطأ ومع ذلك فالحفاظ على الفصحى قمن بأن ييسر التخاطب بين العرب جميعاً ومن فوائد الأقنية الفضائية أنها قد أسهمت فى مزيد من التواصل اللغوى بين الشعوب العربية ويظل القرآن الكريم هو الضمانة الكبرى الحافظة للغة الضاد وللتخاطب الأبدى بين شعوب هذه المنطقة الوسطى من العالم.

-----------------------------------------------

*أكاديمي من السودان، ودبلوماسي سابق 

الأردن: السير فوق جمر ملتهب

يتساءل الكثيرون عن الأسباب وراء قدرة الأردن الفقير والضعيف في موارده على الصمود أمام أمواج متلاحقة من القلاقل والحروب والقتل والدمار الذي يحيط به والذي طـَحَنَ دولاً أكبر وأهم وأغنى منه ، وعن الأسباب الحقيقية وراء قدرته على الحفاظ على أمنه وإستقراره مع أن تلك القدرة قد ابتدأت مؤخراً في التناقص ، في حين لا يوجد أدلة حتى الآن فيما إذا كانت الأعمال الإرهابية والعدائية التي أصابت الأردن مؤخراً هي جزء من مخطط عام أم هي عمليات فردية غير مترابطة ولا أثر إستراتيجي لها .

يحلو لمعظم المسؤولين الأردنيين أن يعزوا الأمن والإستقرار الذي يتمتع به الأردن إلى النظام الحاكم وإلى قدراته الفذةِ على إدارة شؤون الدولة بما يحفظ ويكرس ذلك الأمن والإستقرار وكأنه صناعة أردنية بحتة . وهذا الموقف يعكس قـَدَراً عالياً من المبالغة والتملق للحاكم ناهيك عن إبتعاده عن الحقيقة . فالمـوقع الجغرافي للأردن ودوره الوظيفي هما اللذان حَدﱠدا أصلاً وضعه السياسي ودوره الإقليمي وما زالا يحـددان قدرته على الإستمرار بأمن وإستقـرار . فـوضع الأردن هو في الحقيقة محصلة لدوره المرسوم له من قـِبَلْ قوى إقـليمية وخارجية ، ودور قواته الأمنية المحلية هو في الواقع منسجم مع تلك المخططات الخارجية ويهدف إلى تسهيل أمورها ولا يملك القدرة على إعتراضها ومنع حدوثها . والحديث عن المعجزات التي تقوم بها تلك القوات قد لا يكون في مصلحة أحد كونه يبعث عن الثقة المُفـْرِطـَة بشكل يفوق الواقع ويوقع الشعب في وَهْم إمتلاك القوة الرادعة والمانعة .

إن إفتقار الأردن إلى نظام ديموقراطي حقيقي فاعل حَوﱠلَ مسؤوليه وحكوماته إلى مجموعة من هواة السياسة اللذين يـُتـْقـِنون فن التزلف وإسترضاء المسؤول الأعلى مرتبة ، عوضاً عن العمل على صياغة برامج عمل سياسي وحزبي تشكل الأساس لإختيار المسؤول وتشكيل الحكومات ضمن عملية ديموقراطية سلمية . إن هذا الواقع السئ قد فاقم من حالة العجز السياسي والمؤسسي وجعل من الإعتماد على النظام أو الإختباء خلفه لتفادي المسؤولية في حال الفشل نهجاً للعمل السياسي . وهذا الإستسلام الكامل يعتبر أداة لإسترضاء الحاكم ووسيلة للوصول إلى المنصب المتـقدم أو إخافة الناس من عواقب التغـيير ومن المجهول . وفي كل الأحوال فإن هذا الوضع يهدف إلى تقديس النظام وجعله ركيزة الإنجاز حُكماً دون تحميله مسؤولية أي فشل بالرغم من أنه يحتكر جميع السلطات .

إن الأردن الذي تقلصت مؤسساته الدستورية الأساسية ونظام الفصل بين السلطات فيه إلى حدودها الدنيا بعد أن تم حشر كل السلطات في شخص الحاكم قد أصبح أقرب في واقعه من أي وقت مضى إلى الدولة الفاشلة حيث أن شعبه قد قايض كل شئ مقابل شعار الأمن والإستقرار بإعتباره إنجازاً داخلياً من صنع النظام ، في الوقت الذي تشير فيه حقائق السياسة والعلاقات الإقليمية والدولية إلى أن ذلك من صنع الآخرين وهو قادم بقرار من خارج الأردن وقد ينتهي بقرار مماثل . وهذا يعني أن الشعب الأردني قد قايض سيادته وضماناته الدستورية وإستقلال مؤسساته مقابل وهمٍ قد لا يعني شيئاً خصوصاً وأن القرار النهائي يأتي من خارج الأردن في كل الأحوال .

لم يسعى الحكم في الأردن إلى تسخير سلطاته المطلقة بشكل يؤدي إلى تحسين نوعية الحياة وحل المشاكل الحياتية للشعب عوضاً عن الإسفاف في فرض الضرائب وزيادة الأسعار وإستثمار سطوة الدولة في إستباحة قوت المواطن ودخله ومن ثم كرامته والإمتناع عن توجيه تلك السطوة لمحاربة الفساد وإسترجاع المال العام المنهوب بعد أن أصبحت حماية الفساد الكبير سياسة غير معلنة للحكم الأردني .

يسير الأردن الآن في إتجاه مأزق هو في الأساس من صنع يديه . فالأردن غير القادر منفرداً على تغيير مجرى الأحداث في الدول المحيطة به أصبح يعتمد إعتماداً كلياً عن الدعم الخارجي لتعزيز قدرته على التحكم في مجرى بعض الأحداث أو التأثير عليها أو حمايته من عواقب التدخل فيها .

الواقع أن معظم ما يتعرض له الأردن مؤخراً من أحداث إنما هو نتيجة لتداخله غير الضروري في الأزمة السورية والصراع في العراق وفي تحالفه مع مخططات خارجية ضد الإقليم العربي وخصوصاً دوره في التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب الذي سمح بقصف دول عربية وقتل مواطنيها. وهو بذلك يحصد نتيجة أفعاله وإستجابته للرغبات الأمريكية في الوقت الذي أعطت فيه أمريكا مؤشرات على أنها لن تزج نفسها في صراع مع قوى أخرى مثل روسيا دفاعاً عن أحد اللهم إلا إذا تعرضت مصالح أمريكا نفسها للخطر .

إن إبتزاز الأردن من خلال تسخيره للقيام بأدوار في غير مصلحته وخدمة للآخرين مقابل وعود بالمحافظة على أمنه وإستقراره هو أمر في غاية الخطورة نظراً لأن القوى الدولية لا تحترم في النهاية إلا مصالحها وعندما تتعارض تلك المصالح مع المصالح الأردنية  مثلاً فإن الأردن يصبح في مهب الريح .

اللعب المشترك مع الكبار لن يجعل الأردن كبيراً بل سوف يكرس في الواقع خضوعه ويجعل منه أداة في يد الآخرين يزيد من ضعفه من خلال زيادة إعتماده على القوى الكبرى للدفاع عنه وعن السياسات التي يتبناها بالإشتراك مع أو بالنيابة عن تلك القوى وهي سياسات لا تحظى في الغالب بأي تأييد في أوساط الشعب الأردني .

إن هذا المسار غير المبرر وغير الضروري في السياسة الخارجية الأردنية والذي يستند إلى ما يتشدق به بعض المسؤولين من أنه يهدف إلى حماية أمن الأردن وإستقراره قد أثبت العكس وأنه في الواقع المدخل المضمون لزج الأردن في أتون الصراعات الإقليمية وحروب الآخرين وتقديمه في النهاية ككبش فداء لأمن وإستقرار إسرائيل . وموافقة الأردن على لعب هذا الدور لن يفيد الشعب الأردني بشيء حتى وإن كان يعني في الظاهر أنه وسيلة الأردن الوحيدة للأمن والإستقرار .

التطورات الأخيرة والأعمال العدائية داخل الأردن تشير إلى إقترابه من حقل الألغام الداعشي أو من تبعات التورط في الأزمة السورية والحرب على الإرهاب والأزمات الداخلية التي أثارتها دول خارجية مثل الولايات المتحده وعكست سلباً على مصداقية بعض المؤسسات الأردنية الهامة ومنها الأمنية التي تم إتهامها بالمتاجرة بالأسلحة . هذا بالأضافة إلى ظهور مؤشرات على تغييرات سياسية إقليمية قادمة مثل التسارع الخفي تجاه إيجاد حلول للقضية الفلسطينية ، يتم العمل على إستنباطها وتوفير غطاء عربي لها من خلال التدخل الأردني والمصري إستناداً إلى علاقات السلام التي تربطهما مع إسرائيل ، وكذلك التقارب السعودي الإسرائيلي الذي قد يعصف بالتحالفات الإقليمية التقليدية لصالح تحالف إسرائيلي سعودي جديد أخذ ينتقل بسرعة من خانة السرية إلى العلنية ، وعودة تركيا إلى تحالفاتها التقليدية الإقليمية خصوصاً مع إسرائيل ، وتطور التفاهم الأمريكي الأوروبي مع إيران . كل هذا يعطي مؤشرات على إقتراب الأردن من حافة البركان في نفس الوقت التي يشهد فيها الإقليم تغييرات إستراتيجية وأنماط جديدة من التحالفات الإقليمية وربما إختفاء دول محورية وظهور دويلات تابعة تسير في فلك الآخرين . وهذا الوضع يعزز بل ويضاعف المخاطر التي قد يتعرض لها الأردن سواء من العمليات الإرهابية أو من المخاطر الناتجة عن التحالفات الجديدة والتي إما ستعزز من أمن الأردن أو تدفعه إلى العراء لمواجهة أخطار جديدة ناتجة عن التغيير في التحالفات الإقليمية .

وهكذا ، فبالنسبة للعرب إنتهت أيام البساطة والسعادة الزائفة ، وأيام العز والفخار الزائفة أيضاً . أما بالنسبة للأردنيين فإن السياسة المعتدلة التي إمتاز بها الأردن منذ تأسيسه والتي راعت كونه دولة صغيرة وفقيره ذات أثر محدود في أحداث المنطقة اللهم إلا ما إرتبط منها بالدور الفلسطيني قد إنتهت وتم إستبدالها بشعور زائف بالعظمة وبالتالي التصرف كدولة رئيسية في الإقليم . وعوضاً عن أن يـُمَثــِّل الحاكم واقع الدولة أصبحت الدولة تسعى جاهدة إلى تجسيد طموحات وأحلام الحاكم بغض النظر عن إمكاناتها وقدراتها .

الشعور بالعظمة مرض لا يصيب الأفراد فقط بل قد يصيب الشعوب والدول والتي قد تتحول في مسعاها  ذلك إلى مجتمعات ذات نزعه إقصائية أو فاشية . وهذا ما يجعل الدول التي يصيبها جنون العظمة أكثر استعداداً للتدخل في مشاكل الآخرين وفي المناطق المتفجره بغض النظر عن إمكاناتها . فالرغبة في أن يكون المرء شيئاً هاماً لا يعني توفر القدرة على ذلك أو على تحمل تبعات تلك السياسة لأن النوايا لا تكفي بل يجب أن يرافقها القدرة والإمكانات على ترجمة القول إلى فعل.

-----------------------------------------------

   * مفكر ومحلل سياسي

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

النزوح واللجوء في العالم ومعاناة السوريين والعراقيين المستمرة

وصلت أعداد اللاجئين والنازحين، حسب تقرير المفوضية العليا للاجئين، التابعة للأمم المتحدة لعام 2016 إلى رقم قياسي جديد، تجاوز 65 مليون إنسان، بعد أن كان 60 مليوناً في 2015، وهذا عدد مرشح للزيادة"

النُّزوحDecampment: اسم مصدر من الفعل نَزَحَ، ونُزُوحُ السّكّان: خروجُهم وبُعدهُم عن مقر سُكناهم وديارهم وأوطانهم. وكل تاريخ النّزوح لدى العرب المعاصرين قسريّ وبالقوة والبطش، أو أخيراً بالإرهاب وبشاعة الأوضاع، ويعني ضمناً: الهجرة التي يقوم بها الأهالي هرباً من سطوة محتلٍّ غاصب، أو بشاعة القصف والأعمال الحربيَّة، أو أخذ الثارات، أو فرض السيطرة واستخدام العنف والوسائل القسرية التي تطاول الأرواح والأعراض والممتلكات.. وهي عوامل لا إنسانية أبداً، تدفع الناس إلى الانتقال قسريًّا نحو أماكن مجهولة، حتى غدا النزوح حالة عامة وجماعية، فتعرف بالهجرة الجماعيّة، بسبب الحرب أو البطالة أو المجاعة أو الحصار أو القصف أو البطش.. واضطهاد الأقليات العرقية، كما هو حال الروهينغا في ميانمار بورما، وكما حال السوريين في هروبهم من جحيم القصف بالبراميل، وكما حال العراقيين الذين هربوا هروباً جماعياً من الموصل، من جرّاء اجتياح "داعش" المدينة وتوابعها قبل سنتين.

ولعل من أشهر الحالات التي وصلت أعداد النازحين بالآلاف المؤلفة عن أوطانهم، نتيجة ما عاناه كل من الموريسيكيين في الأندلس إبّان القرن السادس عشر، كما كان للنزوح تأثير عميق على العالم في القرون الثلاثة الأخيرة قبل القرن العشرين، عندما ترك ملايين من الأسر الفقيرة أوروبا، وتوجهوا إلى الولايات المتحدة وكندا والبرازيل والأرجنتين، وباقي دول أميركا اللاتينية، وأستراليا ونيوزيلندا. وهناك آلافٌ مؤلفةٌ من النازحين السوريين الذين هاجروا إلى أميركا الجنوبية ومصر إبّان القرن التاسع عشر. كما شهدت عقود القرن العشرين أكبر حركة استئصال بشري للفلسطينيين من وطنهم وتشريدهم، قبل تأسيس الكيان الصهيوني وبعده.. وشهد القرن المذكور نزوح الروس والأرمن والألمان الشرقيين والكوريين وغيرهم، كما هي مآس حدثت في أنغولا وإثيوبيا وموزامبيق والصومال وأفغانستان، وراوندا وبورما وكمبوتشيا الديمقراطية ولاوس وفيتنام الشمالية والعراق وجنوب اليمن وكوبا والصين.

النازحون واللاجئون العرب اليوم

ألف العرب هذا المصطلح منذ أكثر من نصف قرن، بسبب نزوح الفلسطينيين عن وطنهم، وتفرّقهم في الشتات بعد قيام دولة إسرائيل، وغدت كلمة "النازحين" مفردةً مألوفةً في الحياة العربية، وكأنها لم تكن بفعل قسري وظلم الإنسان بإخراجه من أرضه وبيته ومدينته أو قريته وحرمانه من وطنه وتشتيته على نحو ممنهج! كثرت أعداد اللاجئين والنازحين، بشكل غير مسبوق منذ الحرب العالمية الثانية، ووصلت، حسب تقرير المفوضية العليا للاجئين، التابعة للأمم المتحدة لعام 2016 إلى رقم قياسي جديد، تجاوز 65 مليون إنسان، بعد أن كان 60 مليوناً في 2015، وهذا عدد مرشح للزيادة، بفعل تفاقم الحروب والنزاعات والإرهاب والبطش العرقي والصراع الطائفي، وفشل العالم في محو الاضطهاد والقمع في جملةٍ من بيئات العالم الساخنة، ناهيكم عن زحف المشكلات الإرهابية الدموية إلى مجتمعاتٍ ودولٍ مستقرة، وتظهر الاحتمالات عن انفجار صراعاتٍ على نحو دموي في أكثر من منطقة.

ويعلمنا التقرير أن نصف هذا الرقم المذهل من الأطفال الأبرياء الذين لا يعرف مصيرهم في المستقبل. وقال الأمين العام للمجلس النرويجي من أجل اللاجئين، يان إيغيلاند، أحد موقّعي تقرير المرصد الذي يتخذ مقراً له في جنيف، مبدياً أسفه أن "هذا هو أعلى رقم يسجّل في التاريخ، ويمثل ضعف عدد اللاجئين في العالم. وهو يوازي تعداد سكان نيويورك ولندن وباريس والقاهرة معاً، وهم لا يأخذون معهم لدى فرارهم، وغالباً وسط الذعر، سوى الأغراض القليلة التي يمكنهم حملها، وينطلقون في رحلة محفوفة بالغموض. وبكلام آخر، اضطر 66 ألف شخص إلى مغادرة بيوتهم يومياً عام 2015".

أخذ خط بيانيٌّ يتصاعد بجنون منذ عام 2010، في أعداد النازحين بسبب اندلاع خمسة عشر نزاعاً دموياً مسلحاً في السنوات الست المنصرمة، شملت سورية وليبيا والعراق واليمن وجنوب السودان وجمهورية إفريقيا الوسطى والصومال ونيجيريا وميانمار.. إلخ، ناهيكم عن صراعاتٍ مزمنةٍ مثل الصراع العربي الصهيوني. تتفاقم المشكلة على الرغم من تحذيرات المفوضية العليا، إلا أن العلاجات لم تتجانس مع حجم الصراعات، علما أن نصف النازحين في العالم هم من العرب، وكان الرقم 51 مليون إنسان عام 2014، وكان الرقم 37.5 مليون لاجئ ونازح في 2013.. وكان الرقم 27.5 مليون في العام 2010، وهو أعلى رقم منذ حركة النزوح، إبّان التسعينيات السابقة. وعلى الرغم من ادعاءاتٍ تظهر هنا وهناك عن تراجع العنف وتحسّن الأوضاع في العراق وأمكنةٍ ساخنةٍ أخرى، إلا أن الأمور تزداد سوءاً.

ويقول أنطونيو غوتيريش، وهو المفوض السامي لشؤون اللاجئين إن مشكلة اللاجئين خارج أوطانهم تشابه مشكلة النازحين في داخل أوطانهم، فهؤلاء يفتقدون الحماية، ويتعرّضون للتعسف والاضطهاد والجوع من حكوماتهم التي يناصبونها العداء بسبب فسادها وظلمها وانحيازاتها، وربما تعرّضوا للقتل والتعذيب من قوىً مناوئة لأسباب ثأرية، قائلاً إن كل يوم يمر ومشكلات النازحين الصعبة تتفاقم بكل مخاطرها، والعالم كله صامتٌ إزاء هذه الظاهرة التي سيكبر خطرها يوماً بعد آخر.

"أخذ خط بيانيٌّ يتصاعد بجنون منذ عام 2010، في أعداد النازحين بسبب اندلاع خمسة عشر نزاعاً دموياً مسلحاً في السنوات الست المنصرمة، شملت سورية وليبيا والعراق واليمن وجنوب السودان وجمهورية إفريقيا الوسطى والصومال ونيجيريا وميانمار.. إلخ"

علاجات لا تناسب حجم الصراعات

سيعرّض انضمام أكثر من ستة ملايين إنسان إلى قوائم اللاجئين والنازحين العالم لمزيدٍ من المآسي وعمليات الإرهاب وتفاقم المشكلات الصعبة، جرّاء عوامل البؤس والفقر والجوع والافتقار إلى أبسط شروط الحياة الإنسانية، وخصوصاً في دواخل الأوطان المشتعلة سياسياً واجتماعياً، فالمجتمعات تتمزّق جراء استفحال المليشيات والعصابات الإرهابية، وجرّاء ما يجري من سحقٍ للأبنية وبيوت الناس وأسواقهم بتأثير قصف طائرات الحكومات المحلية أو القوى الدولية. وسوف لن تنتهي عواقب هذا الماراثون في كل من سورية والعراق ما لم تتوحد الجهود الدولية والعربية لإيجاد تسوياتٍ سياسية للحروب والأزمات، وعدم إيجاد بؤر توتر وصراع جديدة في العالم، وسحب تدخل الدول الإقليمية ومرتزقتها، وتبديل الحكومات الاستبدادية وتجميد عمل الأحزاب الدينية والطائفية، ووضع حد للقمع والعنف المنظم بحل المليشيات وإيقاف الاضطهاد المنظم في البلدين الغارقين في المشكلات. ومن دون ذلك، سيغرق العالم بموجات عنيفة من ملايين اللاجئين والنازحين، خصوصاً عندما نعلم أن أكثر من نصف عدد النازحين في العالم عام 2015 والذين بلغوا بحدود 50 مليون إنسان، وهو رقم قياسي في التاريخ، هم من سورية والعراق واليمن. والنصف الآخر من أفغانستان وإفريقيا الوسطى وكولومبيا والكونغو الديمقراطية ونيجيريا وجنوب السودان وأوكرانيا. وجاء ذلك، في تقرير نُشر الأربعاء 11 مايو/أيار 2016. كما يشير التقرير إلى نزوح 19,2 مليون شخص عام 2015، بسبب الكوارث الطبيعية، مع تسجيل أكبر أعداد في الهند والصين ونيبال. وتسببت النزاعات والكوارث الطبيعية معاً بـ27,8 مليون نازح جديد داخل بلادهم عام 2015 عدداً إجمالياً.

نكبة العراقيين والسوريين

وأكد التقرير السنوي أن نزوح السوريين قد تصاعد، منذ نهاية عام 2010، إثر انفجار الثورة السورية بوجه النظام الحاكم، خصوصا بعد استخدام هذا "النظام" أقسى الأسلحة ضد شعبه، ولم يقتصر "النظام" على استخدام البراميل من الجو في قصف المدن السورية، بل يستخدم الطيران الروسي الأسلحة المحرّمة ضد السوريين. أما حركة نزوح العراقيين فقد بدأت منذ العام 2005 بفعل الحرب الأهلية الطائفية، وتفاقم أمر النزوح، ووصل إلى ذروته في 2014 بفعل اجتياح تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) واحتلاله الموصل ومناطق عراقية أخرى انسحبت منها القوات العسكرية الحكومية، بمؤامرة متخاذلة وجريمة نكراء، ساهم فيها رئيس الوزراء العراقي السابق، نوري المالكي، الذي طالب العالم بمساءلته ومعاقبته.

وتذكر التقارير التي تضمنت معلومات مخيفة عن سوء الأوضاع في العالم هذه السنة أن ستة من البلدان العربية هي الأسوأ أحوالاً في العالم، إذ تصدرت سورية والعراق القائمة، وأظهرت التقارير نسباً مخيفة في عدد النازحين وبالملايين من السوريين والعراقيين، إذ أفرغت مدن كاملة من سكانها الآمنين، وكان هروبهم، باتجاهاتٍ مختلفة، متشردين مع معاناتهم وخذلانهم وإحباطهم وجوعهم وأمراضهم وخوفهم من المجهول، فمنهم من لم يزل في العراء، ومنهم من يعيش في مخيماتٍ بائسة، ومنهم من خسر حياته في البراري والبحار، ومنهم من هاجر ويعيش أسوأ الظروف في بلدان مجاورة أو بعيدة.

المشكلة أن بلداناً معينة أصابتها الحروب الأهلية والداخلية، مع انعدام كامل للأمن وعدم اكتراث السلطات في البلاد لأحوال المواطنين التعساء. ووقعت مناطق كاملة تحت سطوة عصابات إرهابية وبشاعتها، وجماعات متطرفة، أو شبيحة ومرتزقة، أو عصائب طائفية مغالية في كراهيتها، فكيف ستكون الأوضاع في ظل صراعاتٍ دائرة تقف وراءها حكومات وسلطات ودول مع تنفيذ أجندة معينة؟ ولم تكن هناك أية إدارات ولا أية خدمات لرعاية النازحين الذين فقدوا ممتلكاتهم وأموالهم وحاجاتهم. ناهيكم عما يتعرّضون له من إرهاب وتوحش وقسوة من مليشيات ومافيات ترتبط كلها بتنفيذ سياساتٍ معينة. تقع آلافٌ مؤلفة من السوريين والعراقيين بين فكي كماشة، فهم إزاء بطش عصابات الإرهاب المنظمة ونيرانها، وبين مليشيات النظام الحاكم وشبيحته ومرتزقته الغرباء.

المشكلة بنيوية معقدة

مشكلة النازحين في كل من سورية والعراق بنيوية ومعقدة جداً، إذ تتداخل فيها عوامل داخلية وخارجية، كما أنها مجتمعية وسياسية. وتتنازع في الأرض والجو قوى خارجية، من أبرزها الأميركان في العراق والروس في سورية. كما أنها "مشكلة" تتلاعب بها قوى إقليمية متنوعة مثل إيران وتركيا، فهي لا تنحصر في إطار عامل معين، يمكن القضاء عليه وحده، كما أن المشكلة ليست منحصرة في تحرير مدينة، أو استعادة منطقة، أو ملاحقة مجموعات إرهابية، بل ماذا أعدّ من وسائل ووسائط لمساعدة النازحين وتأمين حياتهم، وما الذي أعدّ لما بعد استتباب الأمن.

"مشكلة النازحين في كل من سورية والعراق بنيوية ومعقدة جداً، إذ تتداخل فيها عوامل داخلية وخارجية، كما أنها مجتمعية وسياسية. وتتنازع في الأرض والجو قوى خارجية، من أبرزها الأميركان في العراق والروس في سورية"

يتعرّض الإنسان، اليوم، في كل من العراق وسورية وليبيا والسودان واليمن (وقبلها الجزائر) إلى أبشع المآسي التي تسببت فيها السلطات والأحزاب والقوى الحاكمة عقوداً، إذ وصلت هذه البلدان إلى حالات متشابهة ومتوازية من البؤس والشقاء. والسؤال المهم والأساسي: لماذا تتعرّض اليوم هذه البلدان العربية إلى ما تتعرّض له اليوم، وخصوصا العراق وسورية وليبيا؟ من سمح للإرهاب أن يمتد فيها على هذا النحو البشع والمتوحش؟ من سمح للقوى الخارجية والإقليمية أن تعبث بشؤون هذه البلدان؟ ما طبيعة أنظمة الحكم القهرية التي بقيت تحكم هذه البلدان منذ خمسين عاماً؟ ما دور التدخلات الخارجية في كل من العراق وسورية وليبيا، بحيث انتهكت مجتمعات هذه البلدان، بوجود أنظمة حكم دكتاتورية عاثت في هذه المجتمعات فساداً، وتمزق نسيج مجتمعاتها بشكل يفوق التصور؟

بدت التمزقات التي حدثت في نسيج مجتمعات كل من سورية والعراق وليبيا (وقبلها الجزائر والسودان) مرعبةً ومخيفةً، ولا يمكن تخيلها أبداً، وكان الوعي بها قد انعدم تماماً من جرّاء السياسات القمعية التي مورست فيها، وخصوصا في عالمنا السياسي وواقعنا الثقافي. وهي حالاتٌ تبدو للمفكر فيه أنها مرسومة ومخطط لها بدقة، بدليل وجود أدلة دامغةٍ وشاهدةٍ على مجريات الأحداث التي مهما خفيت، فإنها تبقى بارزةً للعيان لكل من يبحث في سيرورتها، ويتأمل في تفاعلاتها أو يتجذر في فهم تداعياتها الخطرة.

ليست مجتمعاتنا العربية شريرة بالمطلق، حتى تجري عمليات إبادة واستئصال وتطهير، بمثل هذا الذي نشهده اليوم، ومن أقرب المقربين، ومن أعلى رؤوس المسؤولين، إذ تشترك السلطات الحاكمة في سحق المجتمعات بأساليب ضارية، وهي تغض الطرف عما يجري من شناعاتٍ بحق العباد، وكأن شيئاً لم يكن. وعلينا هنا أن نسأل: من سمح للتيارات الدينية والطائفية أن تنمو وتزدهر بمثل هذه التنظيمات البشعة التي نجحت في فرض هيمنتها وسيطرتها على مجتمعاتنا؟

لماذا يبغضنا الأعراب ؟

ولدت عربيا، ولم أقتنع بما قاله الشاعر الراحل محمد الماغوط حين قال: (ما من جريمة كاملة في هذا العصر سوى أن يولد الإنسان عربيا).

درست العربية وحفظت آيات من القرآن الكريم، وحفظت عن ظهر قلب تاريخ العرب والعروبة و(الشعر ديوان العرب). حفظت أبياتا كثيرة من المعلقات قبل أن أحفظ أسماء مدن وطني وأسماء أقاربي، رسمت وأنا معصوب العينيين خرائط البلدان العربية قبل أن أعرف أين تقع مدينة عفج مضرب الأمثال !.

حلمت بالوحدة العربية وبالوطن الكبير قبل أن أحلم بسقف يقينا حر الصيف وبرد الشتاء ويجنبنا زيارات المؤجر كل شهر. لعنت (سايكس بيكو) وأخواتها قبل أن ألعن (خرنكعية) الساسة في العراق على مر العصور. تفاخرت أمام الأغراب بانتمائي العربي -- في كل سفراتي الخارجية على الرغم من السمعة السيئة التي لحقت العرب في الخارج -- قبل أن أتفاخر بانتمائي لبلد تنساب الحضارة مع هوائه ومائه وقبل أن أتفاخر بنسبي لمملكة ميسان عاصمة الماء.

كانت تلك مقدمة من مقالي لماذا كفر العراقيون بالعروبة ؟ بإمكان القرّاء الرجوع لقراءة المقال على الرابط  التالي، ليعرفوا أسباب  نفور  أغلب العراقيين من الأعراب وبعضهم من العروبة.

http://www.akhbaar.org/home/2011/01/103604.html

كنت أظن خاطئا أن الأعراب وصلوا إلى أعلى درجات مقتهم للعراقيين، وأن سقف أحقادهم لايمكن أن يتجاوز تلك الحدود، لكن الأعوام التي تلت كتابة المقالة وبالخصوص معركة الفلوجة أثبتت أنّ لاحدود ولا سقوف لحقدهم وبغضهم ومقتهم  للعراقيين.

لماذا يُبغضنا الأعراب ؟ 

سأجيب على هذا التساؤل في نهاية المقال. 

لقد كانت خسارة العراقيين في احتلال الموصل وتكريت والأنبار، خسارة كبيرة وهزيمة نكراء، جعلت الأعراب ينتشون ويتشفون بِنَا، وكانت فرحتهم واضحة في وسائل إعلامهم. وأخطر ما فعله الأعراب وإعلامهم بعد خسارتنا لمدننا هو إشاعة روح الهزيمة والخوف واليأس بين العراقيين. كانوا يريدون الإطباق النهائي على العراق لإعلان وأده لينجح مشروعهم.

صحيح أن العراقيين مسحوا غبار الهزيمة عنهم بسرعة فائقة وتصدوا للدواعش، وكان للفصائل المقاتلة والحشد الشعبي دورا فعالا في ذلك، واسترجعنا مدنا من داعش بمعارك كبيرة وخاطفة منها معركة  جرف النصر وأمرلي وتحرير صلاح الدين وبيجي، لكننا كنا بحاجة إلى نصر حاسم وبالضربة القاضية يوازي وقع خسارة الموصل وتكريت والأنبار فكان انتصار العراقيين بمعركة الفلوجة بمثابة الضربة القاضية  التي انعكست نتائجها سعارا أصاب الدواعش، فنراهم يضربون في تركيا ولبنان وبنغلادش أفقر بلاد المسلمين، عساهم أن يغسلوا  شيئا من آثار هزيمتهم في الفلوجة. السعار ذاته أصاب الأعراب الرسميين وغير الرسميين وإعلامهم وأصاب سفير آل سعود في العراق ووزير خارجيتهم. إن تهجم الأعراب على الحشد الشعبي يعكس حالة الهزيمة والانهيار التي أصابتهم، لكنهم ودواعش الساسة العراقيين مازالوا مستمرين في محاولاتهم التي تهدف إلى تجريد العراق من أهم عامل من عوامل قوته وهو الحشد الشعبي.

مثلما نجحوا من قبل بإسقاط الزعيم الخالد عبد الكريم قاسم بعدما عزلوا أحزابا ورجال دين بارزين ورؤوساء عشائر عنه ليلاقوه وحيدا هو ومجموعة من الفقراء العزل وانتصروا عليهم.

كل خسائر الدواعش والأعراب لم تنه مشروعهم في العراق، وكانت الفلوجة محط رهانهم في تقسيم العراق والسيطرة عليه. إن خسارة الأعراب في الفلوجة خسارة كبيرة يمكن رصدها من خلال إعلامهم وحتى من خلال كتابات أكثرية الأعراب على مواقع التواصل الاجتماعي ومواقع الإنترنيت ومن خلال السعار والهيستيريا التي أصابتهم.

لا سبيل لنجاح مؤامرات الأعراب والدواعش بوجود الحشد الشعبي، وخوف الأعراب الأكبر من قيام عراق ديمقراطي تعددي محمي  بجيش قوي وحشد شعبي مؤهل للدفاع عن العراق الديمقراطي الذي يعتبرونه تهديدا لكيانات وأنظمة حكم عائلية متخلفة تضطهد شعوبها، لذلك ركز آل سعود على الحشد الشعبي لأنه عنوان بارز من عناوين قوة العراق. فعلى الوطنيين العراقيين حماية ودعم الحشد والقوات الأمنية لأنه مصدر قوتنا.

لماذا كل هذا الكره الذي يحمله الأعراب على العراق والعراقيين ؟

أعتقد أنه امتداد لصراع جرى بين البداوة والحضارة قبل الإسلام، واستمر ما بعد انتصار الإسلام بوفاة النبي الأكرم "ص" واستشهاد الإمام على "ع"، وفوز جناح الأعراب وهيمنتهم على القرارالإسلامي منذ ذلك التاريخ إلى الآن.

ما نعانيه هو امتداد لكره وبغضاء ومقت البداوة  للحضارة.

"وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على النفس      من وقع الحسام المهند"  - طرفة بن العبد

-----------------------------------------------------------------------------------

 عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.