الخميس 23 شباط/فبراير 2017
TEXT_SIZE

أسماء المدن العراقية.. التَّغييب

لم يكن خبر محاولة تبديل اسم بابل اجتهاداً شخصياً، أو نزوةَ أحد الجاهلين، بقدر ما أراها «جس نبض». فإذا مرَّت بلا ممانعة سيُنسخ اسم بابل إلى «الإمام الحسن»، مثلما سبق أن بُثت محاولة حذف اسم أبي نواس (ت195-198ه) مِن على شارع بغداد الشَّهير ليصبح «المهدي». مع علمنا أن انتهازيين، خلال الحرب الإيرانية- العراقية (1980-1988)، أشاروا لشطب اسم الشَّاعر وإزالة تمثاله، بعذر أنه فارسي مجوسي، مع أنه وقف مع الأمين (قُتل198)، وأمه كانت عربية، ضد جيش المأمون (ت218هـ) القادم مِن خراسان، وأن والده كان في الجيش المرواني، وأمه بصرية أهوازية، وكانت مُحسِنة على الأطفال، ولا صلة له بالفرس (طبقات الشُّعراء، تاريخ بغداد، تاريخ دمشق، وفيات الأعيان)، وعُرف مِن قِبل الأقدمين بشاعر العِراق.

سبق أن نجحوا بإطلاق اسم الصّدر على مدينة الثَّورة، وقبلها «صدام»، مع أن الاسمين لم يُطلقا بمبادرة رسمية، إنما بإعلان انتهازيين مِن المنطقة نفسها، فاعتمدا رسمياً، وربَّما الذي طلب قلب «الثَّورة» إلى «صدام» بادر نفسه في قلبها إلى «الصَّدر»، ومعلوم أن لا صدام ولا الصَّدر لهما فضل بتأسيسها والسَّهر على تشييدها، فالذي أسسها عبد الكريم قاسم (قُتل 1963) رافضاً مجاراة الانتهازيين عندما تقدموا لتسميتها باسمه، كذلك لم يسعَ عبد السَّلام عارف (قُتل 1966) بإطلاق اسمه عليها، ولما أراد محو فضل غريمه (عبد الكريم)، في نشأتها، جعلها باسم «حيّ الرَّافدين»، لكنَّ اسمها الأصلي غلب عليها، وظلت «الثَّورة».

تشير حكاية تبديل أسماء الأمكنة إلى تغييب التَّاريخ وتزويره، عبر الأسماء، وإلا كيف لعراقي يفكر، ولو مِن باب الهزل، بحذف اسمٍ مثل «بابل». صحيح أن النظام السابق، وفي بداياته، بدل اسم «الحلة» إلى بابل، لكن ليس معنى هذا أن كلَّ ما فعله السابقون كان خطأً ويحتاج إلى تعديل، على العكس أن إطلاق اسم «بابل» على أرض شهدت وجود الحضارة البابلية، كان مِن الحسنات. فليس أشهر مِن مفردة «بابل» (باب الله) بالدُّنيا، مثلما ليس أشهر مِن «بغداد». مع الإشارة، ليس مِن صلة للإمام الحسن (ت50هـ) ببابل، فالرَّجل عاش مع والده بالكوفة ثم نزل المدائن، وبعدها عاد إلى الحجاز.

مثلما لا علاقة لشارع «أبو نواس» باسم «المهدي»؟ إلا لفرض حالة التدين المنفلت العقال، حتى لا يكون اسم مدينة ولا شارع ولا قاعة دراسية في الجامعات إلا باسم إمام أو (مجاهد)، وكأن ليس هناك حياة ولا وجود إلا لهذه الأسماء. بطبيعة الحال، في الزَّمن السَّابق إذا سُميَّ شارع أو حيٍّ باسم أقطاب أيديولوجية، والسُّلطة سُلطتهم، فليس بمستطاع أحد الاعتراض، لكن في عهد الدِّيموقراطية يجري تكريسها عبر موجة التديُّن الأعمَّى، فإذا نجحوا مع شارع «أبو نواس»، و«بابل» سيأتي الدَّور على بغداد، ولا أستبعد أن إهمال شارع الرَّشيد له صلة باسم الشَّارع، وإلا هل مِن المعقول أن شريان بغداد التَّاريخي يتحول إلى مكب للنفايات؟!

للأسف، أن البلدانيين والإخباريين كرسوا معانٍ للمدن على خلاف حقيقتها العراقية، فبأي حق يكون اسم «بغداد» فارسي الأصل والمعنى (اسم صنم وصاحبه)، مع أنه اسم آرامي عراقي قديم، شأنه شأن «أربيل» (أربلو). هنا نقتبس مِن أبرز المختصين بلغات العراق يوسف متى قوزي، الذي يعود له الفضل بترجمة كتاب الصَّابئة المندائيين المقدس «كنزاربا» مِن الآرامية الشَّرقية إلى العربية (1998).

يقول في محاضرة له ببغداد (بعد 2003): إن كلمة بغداد «تتألف من مفردتين آراميتين «باغ» تعني بيت، و«داد» خيط أو غنم أو نسيج، فالاسم إما «بيت الخيط» أو«بيت الغنم»، ويعطي قوزي احتمال آخر، أن «باغ» بمعنى (جنينة، بحر، بَطيحة، سعد). بعدها يأتي بمعانٍ أُخر متقاربة المعاني لبغداد، ليس بينها مفردة فارسية. نقول هذا، كي نستبق مَن قد يقوده التَّمكن، مِن عقول النَّاس، فيُصبح أهل بغداد، في يوم مِن الأيام، وعاصمتهم تحمل اسم آخر!

لم يُقتصر الأمر على تزوير أسماء مدننا، بل اسم العِراق نفسه، اعتُبر لفظة فارسية، وهو الـ«مشتق من كلمة تعني المستوطن، ولفظها أوروك... وأن أول استعمال لكلمة عراق ورد في العهد الكيشي... وجاء فيها اسم إقليم على هيئة إيريقا» (الآلوسي عن آخرين، اسم العراق). الحذر الحذر مِن تصفية العراق، كبلاد وحضارة إنسانية، وأرى البداية بتزوير أسماء مدنه. أقول: عضوا على وجوده بالنَّواجذ، لمواجهة تغييب كامل باسم الدِّين والمذهب والقومية وقصباته، ولأحد أبنائه النَّجفي محمد باقر الشِّبيبي (ت1960): «أما العراق فإن في تاريخه/ شرفاً يضيء كما يضيء الفرقد». ليس كلُّ تاريخه عنفاً ودماء وهواناً، ولا أعدُّها عاطفة شاعر، إنما الحقُّ بعينه.

---------------------------------------------------------------------------------

*كاتب عراقي يقيم في المهجر ، ونشر المقال في صحيفة الاتحاد الإماراتية، تصفح على الرابط التالي:

http://www.alittihad.ae/wajhatdetails.php?id=90448

فى شأن اللغة العربية

فى شأن اللغة العربية: (ماكو) غلط فى اللهجات العربية؟

زارنى فى بيتى مشكوراً المحاضر بجامعة إفريقيا العالمية الأستاذ ياسر حماد عبد الرحيم وتسامرنا حول تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها. اشرت خلال الحديث إلى أقسام تدريس العربية فى جامعات الهند وبخاصة بكلية المهراجا فى مدينة كجى بولاية كيرلا حيث اللغة العربية هى اللغة الدينية لمسلمى تلك الولاية الذين يشكلون نحو ثمانية عشر من سكانها خلافاً لما عليه الحال فى مناطق المسلمين الأخرى فى الهند حيث اللغة الدينية هى الأردو , مشيرا إلى كتاب أعرته إياه كان قد أهدانيه الدكتور لياقة على رئيس قسم اللغة العربية بتلك الجامعة يتحدث عن تعليم العربية بالوسائل الحديثة وهو كتاب قيم استعرض مؤلفه بعض جوانبه خلال مؤتمر نظمه معهد الخرطوم الدولى قبل نحو ستة أعوام . وأهديت نسخة من دراسة لى حواها كتاب صغير لعله نفد من المكتابات بعنوان "اشتات فى العامية السودانية مجتمعات فى الفصحى" اشرك الأستاذ ياسر فى قرائته العالم النحرير البروفسور عمر شاع الدين الأستاذ بجامعة إفريقيا العالمية ايضاً وصاحب "الجذاذات" الذى قام بتقريظه فى مقالة نشرها فى الصحف السيارة.ثم أعارنى الأستاذ ياسر بعد ذلك كتاباً قيماً للدكتور المصرى أحمد علم الدين الجندى كان فى الأصل أطروحة الرجل لنيل الدكتوراة فى اللغة العربية بعنوان " اللهجات العربية فى التراث" سأشير بإيجاز إلى بعض ما جاء فيه سيما فيما اتفقنا عليه فى بعض الطريق من صلة العاميات العربية بالفصحى القديمة وفى تفاصيل أخرى مفيدة فى فهم لغة الضاد وليس ذلك كله إستعراضاً للكتاب فهو مجلدان ضخمان بلغت صفحاتهما ما يربو على الألف ونيف من الصفحات . وقد تخيرت هذا العنوان الطريف تتصدره كلمة (ماكو) العراقية وهى تعنى فى عاميتنا (ما فى) أو (مافيش) فى لهجات عربية أخرى أى لايوجد للتدليل على أن كثيراً مما نعده أدخل فى اللهجات كان من صميم لغات العرب. لكن (ماكو) هذه ليست عربية كما ورد فى قاموس اللهجات العراقية وانما هى سومرية أو أكدية استعصت على الإنقراض شأن العديد من الكلمات فى جميع لهجات العرب بحكم الجوار الجغرافى أو بقدرة طرف من اللغات القديمة على المقاومة والتمترس بالبقاء وأشير هنا إلى ما اشا ر إليه الكاتب من أن العرب ما كانوا يتسخدمون كلمة لهجة ولهجات ولكنهم كانوا يقولون فى وصف حديث المجموعات العربية الأخرى لغة ولغات. ودونكم ما مر علينا فى منهاج البلاغة من شأن الإعرابى الذى أنكر عليه عمر قوله "هل أضحى بضبى؟ فقال عمر هلا قلت بظبى فرد عليه بأن ضبى لغة بكسر الباء ولم يقل لهجة.

ربط الكاتب ربطاً محكماً بين لهجات العرب وبين روايات القرآن الكريم وما ورد من أن النبى (ص) استزاد جبريل حين أنزل عليه الكتاب ليشمل لهجات العرب جميعاً تيسيراً لهم وأنه لم ينزل بلغة قريش وحدها بل نزل بالهجات العربية جميعاً. ونص الحديث "اقرأنى جبريل على حرف فراجعته فلم أزل استزيده ويزيدنى حتى انتهى إلى سبعة أحرف." (ص 105فى الجزء الأول والإحالة إلى فتح البارىء شرح البخارى لابن حجر.) وبسبعة أحرف أى بسبع لغات من لغات العرب ولك أن تسميها لهجات إن شئت. وأورد فى ذلك نصاً لابن قتيبة يقول فيه لو أنه أنزل بلهجة واحدة من لهجات العرب لشق على البقية ذلك: "ولو اراد كل فريق من هؤلاء أن يزول عن لغته (أى ينصرف عنها إلى تعلم غيرها ليفهم القرآن) وما جرى عليه إعتياده طفلاً وناشياً وكهلاً- لاشتد ذلك عليه وعظمت المحنة فيه." ويدللون على كونه نزل بكافة الأحرف أن عمر رضى الله عنه اشكل عليه فهم قول الله " أو يأخذهم على تخوف" فقام إليه رجل من هذيل قائلاً تلك لغتنا والتخوف هو التنقص.

ولهذا السبب يقول الكاتب إن الكوفيين ومنهم الكسائي لم يتشددوا فى الأخذ بلغات القبائل جميعاً بينما تشدد البصريون بقيادة الأصمعى فأنكروا لغات القبائل العربية المجاورة للفرس والأحباش والهنود والنبط واعتمدوا على لغة القبائل المغلقة فى جوف الصحراء وجعلوها معياراً للفصاحة ونقاء اللغة. والكاتب بدا بحثه برفض نظرية المستشرقين الذين قسموا لغات العربية إلى قسمين : القبائل شرق الجزيرة وتلك التى فى غربها معللاً رفضه بالهجرات الواسعة للقبائل بسبب الكوارث كإنهيار سد مارب الذى دفع قبائل قحطان اليمنية إلى الهجرة قبل الاسلام إلى اقصى شمال الجزيرة العربية وإلى الهجرات بسبب الحروب أو بغرض البحث عن الماء والكلأ مما نتج عنه التاثر والتأثير والإختلاط وقد أورد شواهد قوية على وجود لهجات أو أساليب بالهمز أو التسهيل فى الشرق والغرب معا. فالإمالة أى نطق الهمزة يائاً مثلاً اشتهرت به قبائل شرق الجزيرة مثل تميم لكنك تجده فى لغة الحجاز بل ذهب بعضهم إلا أنها لغة قريش.( تجده فى قراءة أبى عمرو الدورى السائدة فى السودان كما تجدها فى قراءة ورش الغالبة على المغرب وغرب إفريقيا وكذلك قراءة قالون).

والشاهد فيما ذهب إليه أن اللهجات المنتشرة فى العالم العربى اليوم هى لغات عربية قديمة هاجرت من مواطنها بعد الفتوح الإسلامية فهى أقدم من الفصحى أى اللغة المثقفة الجامعة اليوم . فالفصحى هى لغة الأدب والشعر والدواوين ولم تكن فى يوم من الأيام لغة يومية يتحدث بها سائر الناس كما يتوهم البعض. صحيح أن اللهجات الحديثة قد أخذت كما أخذت القديمة من الأمم والحضارات المجاورة بفعل الحراك الإنسانى والإستعمار لكن أصولها قديمة قدم العربية. لذلك تجد فى عاميتنا ألفاظاً عرفت فى الجاهلية لا يستخدمها أحد سوانا مثل قولنا زول وزولة وقد تجد مثيل ذلك بالقطع فى لهجات عربية أخرى بلا ريب.

استوقفنى كذلك التقسيم الذى اختاره للهجات العربية إذ أشار إلى أن المحدثين قد قسموها إلى خمس مجموعات : هى الحجازية وتشمل لهجات الحجاز ونجد واليمن والسورية وتشمل لهجات الشام التأريخى مجتمعة والعراقية والمغربية والمصرية ووصف المصرية بانها تلك التى تشمل جميع اللهجات العربية فى مصر والسودان. والذى أعرفه أن اللهجة السودانية قريبة من لهجة الصعيد فى مصر لكنها تخالفها أحيانا لتقترب من لهجات العراق والحجاز والشام أحياناً مما جعل, إن لم تخنى الذاكرة, إدراجها من قبل بعض أقسام اللغة العربية فى الغرب ضمن لهجات الخليج والحجاز. وقد أحصيت عدداً من الكلمات التى نشارك تلك الأنحاء فى استخدامها ولا نكاد نجد لها اثراً فى اللهجة المصرية رغم أنها الأقرب جغرافياً ولا يتسع المجال لإيراد بعض الأمثلة كما أتحفظ شيئاً ما على إدراج لهجة نجد واليمن مع الحجازية.

وكنا نعتقد مثلاً أن كلمة (زوج) تطلق على المرأة وعلى الرجل سواء ولا تصح كلمة (زوجة) بينما هى صحيحة تستخدمها تميم. كذلك العنعنة فى سألته تقول تميم كما يقول أهلنا سعلته وسعلناه. ويقول الصبية (ضربونى الأولاد) وكنا نزجر من قبل أساتذتنا فيقال لنا تلك لغة (أكلونى البراغيث). ولغة أكلونى البراغيث صحيحة هى لغة طى. وقد جاءت فى القرآن الكريم وفى الحديث النبوى." وأسروا النجوى الذين ظلموا" وفى الحديث "يتعاقبون فيكم ملائكة باليل والنهار.." وفى شعر أبى تمام وهو من طئ:

لو كانت الأرزاق تجرى على الحجى هلكن إذن من جهلهن البهائم

صحيح أن السائد فى اللغة تجريد الفعل كما قال الخليل:

وجرد الفعل إذا ما أسند إلى اثنين أو جمع

يمعنى أن الفعل يظل كما هو فى حال أن يكون الفاعل مثنى أو جمعاً لكن خليل أشار إلى أنه قد لا يجرد ( وقد يقال سعدا وسعدون).

وتقول تميم (محيت) فى (محوت) ومثل هذا كثير لا يحصيه العد مثل قلب الحروف. وأشد ما استرعى إنتباهى ما ورد عن الإقلاب فلم أقف قبل على أن العرب أو قل بعض العرب كانت تقبل الحاء هاءاً فمثلا يمزح ومزح تنطق عند بعضهم مزه يمزه مزهاً .ويقول فى ذلك أن المقريزى قد اشار إلى أن قبائل سعد ولخم هاجرت إلى صعيد مصر ثم تسللت إلى السودان لذلك (كان من اليسير أن نفهم ما نقل إلينا من أن أهل كردفان فى غرب السودان تشيع فيهم هذه الظاهرة فيقولون "هسن "بدل "حسن") ص470

وهناك التبادل بين السين والصاد فقريش كانت تقلب السين صادا فتقرا : الصراط بدل السراط. ثم الشين والياء فتقول بعض العرب شيرة تريد شجرة وهناك تبادل بين السين والشين ففي بعض مناطق المغرب العربى وفى الجزائر تنطق شجرة بالسين سجرة. وعزوت بعض ذلك فى كتابي المشار إليه إلى هجرات العرب فتجد مثلاً كلمة (حبوبة) للجدة فى السودان وفى شمال العراق. وكلمة عجاج تجدها فى العراق والسودان ولا تجدها فى مصر المجاورة للسودان. وتجد أيضاً فى العراق كلمة (طفر) بمعنى قفز . ويقولون (سافر شهر ولا تطفر نهر) وهى ذات الكلمة موجودة فى الجزيرة أواسط السودان. وفى سوريا والسودان كلمة (أحرز) أى خمن والشئ حزرته. فلان (حردان) وهكذا. وهناك الكثير مما لا يتسع هذا الحيز لإحصائه.

والخلاصة هى أن كثيرا مما يجرى على الأسن العربية من اللغات العامية قديم يصعب وصمه بالخطأ ومع ذلك فالحفاظ على الفصحى قمن بأن ييسر التخاطب بين العرب جميعاً ومن فوائد الأقنية الفضائية أنها قد أسهمت فى مزيد من التواصل اللغوى بين الشعوب العربية ويظل القرآن الكريم هو الضمانة الكبرى الحافظة للغة الضاد وللتخاطب الأبدى بين شعوب هذه المنطقة الوسطى من العالم.

-----------------------------------------------

*أكاديمي من السودان، ودبلوماسي سابق 

الأردن: السير فوق جمر ملتهب

يتساءل الكثيرون عن الأسباب وراء قدرة الأردن الفقير والضعيف في موارده على الصمود أمام أمواج متلاحقة من القلاقل والحروب والقتل والدمار الذي يحيط به والذي طـَحَنَ دولاً أكبر وأهم وأغنى منه ، وعن الأسباب الحقيقية وراء قدرته على الحفاظ على أمنه وإستقراره مع أن تلك القدرة قد ابتدأت مؤخراً في التناقص ، في حين لا يوجد أدلة حتى الآن فيما إذا كانت الأعمال الإرهابية والعدائية التي أصابت الأردن مؤخراً هي جزء من مخطط عام أم هي عمليات فردية غير مترابطة ولا أثر إستراتيجي لها .

يحلو لمعظم المسؤولين الأردنيين أن يعزوا الأمن والإستقرار الذي يتمتع به الأردن إلى النظام الحاكم وإلى قدراته الفذةِ على إدارة شؤون الدولة بما يحفظ ويكرس ذلك الأمن والإستقرار وكأنه صناعة أردنية بحتة . وهذا الموقف يعكس قـَدَراً عالياً من المبالغة والتملق للحاكم ناهيك عن إبتعاده عن الحقيقة . فالمـوقع الجغرافي للأردن ودوره الوظيفي هما اللذان حَدﱠدا أصلاً وضعه السياسي ودوره الإقليمي وما زالا يحـددان قدرته على الإستمرار بأمن وإستقـرار . فـوضع الأردن هو في الحقيقة محصلة لدوره المرسوم له من قـِبَلْ قوى إقـليمية وخارجية ، ودور قواته الأمنية المحلية هو في الواقع منسجم مع تلك المخططات الخارجية ويهدف إلى تسهيل أمورها ولا يملك القدرة على إعتراضها ومنع حدوثها . والحديث عن المعجزات التي تقوم بها تلك القوات قد لا يكون في مصلحة أحد كونه يبعث عن الثقة المُفـْرِطـَة بشكل يفوق الواقع ويوقع الشعب في وَهْم إمتلاك القوة الرادعة والمانعة .

إن إفتقار الأردن إلى نظام ديموقراطي حقيقي فاعل حَوﱠلَ مسؤوليه وحكوماته إلى مجموعة من هواة السياسة اللذين يـُتـْقـِنون فن التزلف وإسترضاء المسؤول الأعلى مرتبة ، عوضاً عن العمل على صياغة برامج عمل سياسي وحزبي تشكل الأساس لإختيار المسؤول وتشكيل الحكومات ضمن عملية ديموقراطية سلمية . إن هذا الواقع السئ قد فاقم من حالة العجز السياسي والمؤسسي وجعل من الإعتماد على النظام أو الإختباء خلفه لتفادي المسؤولية في حال الفشل نهجاً للعمل السياسي . وهذا الإستسلام الكامل يعتبر أداة لإسترضاء الحاكم ووسيلة للوصول إلى المنصب المتـقدم أو إخافة الناس من عواقب التغـيير ومن المجهول . وفي كل الأحوال فإن هذا الوضع يهدف إلى تقديس النظام وجعله ركيزة الإنجاز حُكماً دون تحميله مسؤولية أي فشل بالرغم من أنه يحتكر جميع السلطات .

إن الأردن الذي تقلصت مؤسساته الدستورية الأساسية ونظام الفصل بين السلطات فيه إلى حدودها الدنيا بعد أن تم حشر كل السلطات في شخص الحاكم قد أصبح أقرب في واقعه من أي وقت مضى إلى الدولة الفاشلة حيث أن شعبه قد قايض كل شئ مقابل شعار الأمن والإستقرار بإعتباره إنجازاً داخلياً من صنع النظام ، في الوقت الذي تشير فيه حقائق السياسة والعلاقات الإقليمية والدولية إلى أن ذلك من صنع الآخرين وهو قادم بقرار من خارج الأردن وقد ينتهي بقرار مماثل . وهذا يعني أن الشعب الأردني قد قايض سيادته وضماناته الدستورية وإستقلال مؤسساته مقابل وهمٍ قد لا يعني شيئاً خصوصاً وأن القرار النهائي يأتي من خارج الأردن في كل الأحوال .

لم يسعى الحكم في الأردن إلى تسخير سلطاته المطلقة بشكل يؤدي إلى تحسين نوعية الحياة وحل المشاكل الحياتية للشعب عوضاً عن الإسفاف في فرض الضرائب وزيادة الأسعار وإستثمار سطوة الدولة في إستباحة قوت المواطن ودخله ومن ثم كرامته والإمتناع عن توجيه تلك السطوة لمحاربة الفساد وإسترجاع المال العام المنهوب بعد أن أصبحت حماية الفساد الكبير سياسة غير معلنة للحكم الأردني .

يسير الأردن الآن في إتجاه مأزق هو في الأساس من صنع يديه . فالأردن غير القادر منفرداً على تغيير مجرى الأحداث في الدول المحيطة به أصبح يعتمد إعتماداً كلياً عن الدعم الخارجي لتعزيز قدرته على التحكم في مجرى بعض الأحداث أو التأثير عليها أو حمايته من عواقب التدخل فيها .

الواقع أن معظم ما يتعرض له الأردن مؤخراً من أحداث إنما هو نتيجة لتداخله غير الضروري في الأزمة السورية والصراع في العراق وفي تحالفه مع مخططات خارجية ضد الإقليم العربي وخصوصاً دوره في التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب الذي سمح بقصف دول عربية وقتل مواطنيها. وهو بذلك يحصد نتيجة أفعاله وإستجابته للرغبات الأمريكية في الوقت الذي أعطت فيه أمريكا مؤشرات على أنها لن تزج نفسها في صراع مع قوى أخرى مثل روسيا دفاعاً عن أحد اللهم إلا إذا تعرضت مصالح أمريكا نفسها للخطر .

إن إبتزاز الأردن من خلال تسخيره للقيام بأدوار في غير مصلحته وخدمة للآخرين مقابل وعود بالمحافظة على أمنه وإستقراره هو أمر في غاية الخطورة نظراً لأن القوى الدولية لا تحترم في النهاية إلا مصالحها وعندما تتعارض تلك المصالح مع المصالح الأردنية  مثلاً فإن الأردن يصبح في مهب الريح .

اللعب المشترك مع الكبار لن يجعل الأردن كبيراً بل سوف يكرس في الواقع خضوعه ويجعل منه أداة في يد الآخرين يزيد من ضعفه من خلال زيادة إعتماده على القوى الكبرى للدفاع عنه وعن السياسات التي يتبناها بالإشتراك مع أو بالنيابة عن تلك القوى وهي سياسات لا تحظى في الغالب بأي تأييد في أوساط الشعب الأردني .

إن هذا المسار غير المبرر وغير الضروري في السياسة الخارجية الأردنية والذي يستند إلى ما يتشدق به بعض المسؤولين من أنه يهدف إلى حماية أمن الأردن وإستقراره قد أثبت العكس وأنه في الواقع المدخل المضمون لزج الأردن في أتون الصراعات الإقليمية وحروب الآخرين وتقديمه في النهاية ككبش فداء لأمن وإستقرار إسرائيل . وموافقة الأردن على لعب هذا الدور لن يفيد الشعب الأردني بشيء حتى وإن كان يعني في الظاهر أنه وسيلة الأردن الوحيدة للأمن والإستقرار .

التطورات الأخيرة والأعمال العدائية داخل الأردن تشير إلى إقترابه من حقل الألغام الداعشي أو من تبعات التورط في الأزمة السورية والحرب على الإرهاب والأزمات الداخلية التي أثارتها دول خارجية مثل الولايات المتحده وعكست سلباً على مصداقية بعض المؤسسات الأردنية الهامة ومنها الأمنية التي تم إتهامها بالمتاجرة بالأسلحة . هذا بالأضافة إلى ظهور مؤشرات على تغييرات سياسية إقليمية قادمة مثل التسارع الخفي تجاه إيجاد حلول للقضية الفلسطينية ، يتم العمل على إستنباطها وتوفير غطاء عربي لها من خلال التدخل الأردني والمصري إستناداً إلى علاقات السلام التي تربطهما مع إسرائيل ، وكذلك التقارب السعودي الإسرائيلي الذي قد يعصف بالتحالفات الإقليمية التقليدية لصالح تحالف إسرائيلي سعودي جديد أخذ ينتقل بسرعة من خانة السرية إلى العلنية ، وعودة تركيا إلى تحالفاتها التقليدية الإقليمية خصوصاً مع إسرائيل ، وتطور التفاهم الأمريكي الأوروبي مع إيران . كل هذا يعطي مؤشرات على إقتراب الأردن من حافة البركان في نفس الوقت التي يشهد فيها الإقليم تغييرات إستراتيجية وأنماط جديدة من التحالفات الإقليمية وربما إختفاء دول محورية وظهور دويلات تابعة تسير في فلك الآخرين . وهذا الوضع يعزز بل ويضاعف المخاطر التي قد يتعرض لها الأردن سواء من العمليات الإرهابية أو من المخاطر الناتجة عن التحالفات الجديدة والتي إما ستعزز من أمن الأردن أو تدفعه إلى العراء لمواجهة أخطار جديدة ناتجة عن التغيير في التحالفات الإقليمية .

وهكذا ، فبالنسبة للعرب إنتهت أيام البساطة والسعادة الزائفة ، وأيام العز والفخار الزائفة أيضاً . أما بالنسبة للأردنيين فإن السياسة المعتدلة التي إمتاز بها الأردن منذ تأسيسه والتي راعت كونه دولة صغيرة وفقيره ذات أثر محدود في أحداث المنطقة اللهم إلا ما إرتبط منها بالدور الفلسطيني قد إنتهت وتم إستبدالها بشعور زائف بالعظمة وبالتالي التصرف كدولة رئيسية في الإقليم . وعوضاً عن أن يـُمَثــِّل الحاكم واقع الدولة أصبحت الدولة تسعى جاهدة إلى تجسيد طموحات وأحلام الحاكم بغض النظر عن إمكاناتها وقدراتها .

الشعور بالعظمة مرض لا يصيب الأفراد فقط بل قد يصيب الشعوب والدول والتي قد تتحول في مسعاها  ذلك إلى مجتمعات ذات نزعه إقصائية أو فاشية . وهذا ما يجعل الدول التي يصيبها جنون العظمة أكثر استعداداً للتدخل في مشاكل الآخرين وفي المناطق المتفجره بغض النظر عن إمكاناتها . فالرغبة في أن يكون المرء شيئاً هاماً لا يعني توفر القدرة على ذلك أو على تحمل تبعات تلك السياسة لأن النوايا لا تكفي بل يجب أن يرافقها القدرة والإمكانات على ترجمة القول إلى فعل.

-----------------------------------------------

   * مفكر ومحلل سياسي

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

النزوح واللجوء في العالم ومعاناة السوريين والعراقيين المستمرة

وصلت أعداد اللاجئين والنازحين، حسب تقرير المفوضية العليا للاجئين، التابعة للأمم المتحدة لعام 2016 إلى رقم قياسي جديد، تجاوز 65 مليون إنسان، بعد أن كان 60 مليوناً في 2015، وهذا عدد مرشح للزيادة"

النُّزوحDecampment: اسم مصدر من الفعل نَزَحَ، ونُزُوحُ السّكّان: خروجُهم وبُعدهُم عن مقر سُكناهم وديارهم وأوطانهم. وكل تاريخ النّزوح لدى العرب المعاصرين قسريّ وبالقوة والبطش، أو أخيراً بالإرهاب وبشاعة الأوضاع، ويعني ضمناً: الهجرة التي يقوم بها الأهالي هرباً من سطوة محتلٍّ غاصب، أو بشاعة القصف والأعمال الحربيَّة، أو أخذ الثارات، أو فرض السيطرة واستخدام العنف والوسائل القسرية التي تطاول الأرواح والأعراض والممتلكات.. وهي عوامل لا إنسانية أبداً، تدفع الناس إلى الانتقال قسريًّا نحو أماكن مجهولة، حتى غدا النزوح حالة عامة وجماعية، فتعرف بالهجرة الجماعيّة، بسبب الحرب أو البطالة أو المجاعة أو الحصار أو القصف أو البطش.. واضطهاد الأقليات العرقية، كما هو حال الروهينغا في ميانمار بورما، وكما حال السوريين في هروبهم من جحيم القصف بالبراميل، وكما حال العراقيين الذين هربوا هروباً جماعياً من الموصل، من جرّاء اجتياح "داعش" المدينة وتوابعها قبل سنتين.

ولعل من أشهر الحالات التي وصلت أعداد النازحين بالآلاف المؤلفة عن أوطانهم، نتيجة ما عاناه كل من الموريسيكيين في الأندلس إبّان القرن السادس عشر، كما كان للنزوح تأثير عميق على العالم في القرون الثلاثة الأخيرة قبل القرن العشرين، عندما ترك ملايين من الأسر الفقيرة أوروبا، وتوجهوا إلى الولايات المتحدة وكندا والبرازيل والأرجنتين، وباقي دول أميركا اللاتينية، وأستراليا ونيوزيلندا. وهناك آلافٌ مؤلفةٌ من النازحين السوريين الذين هاجروا إلى أميركا الجنوبية ومصر إبّان القرن التاسع عشر. كما شهدت عقود القرن العشرين أكبر حركة استئصال بشري للفلسطينيين من وطنهم وتشريدهم، قبل تأسيس الكيان الصهيوني وبعده.. وشهد القرن المذكور نزوح الروس والأرمن والألمان الشرقيين والكوريين وغيرهم، كما هي مآس حدثت في أنغولا وإثيوبيا وموزامبيق والصومال وأفغانستان، وراوندا وبورما وكمبوتشيا الديمقراطية ولاوس وفيتنام الشمالية والعراق وجنوب اليمن وكوبا والصين.

النازحون واللاجئون العرب اليوم

ألف العرب هذا المصطلح منذ أكثر من نصف قرن، بسبب نزوح الفلسطينيين عن وطنهم، وتفرّقهم في الشتات بعد قيام دولة إسرائيل، وغدت كلمة "النازحين" مفردةً مألوفةً في الحياة العربية، وكأنها لم تكن بفعل قسري وظلم الإنسان بإخراجه من أرضه وبيته ومدينته أو قريته وحرمانه من وطنه وتشتيته على نحو ممنهج! كثرت أعداد اللاجئين والنازحين، بشكل غير مسبوق منذ الحرب العالمية الثانية، ووصلت، حسب تقرير المفوضية العليا للاجئين، التابعة للأمم المتحدة لعام 2016 إلى رقم قياسي جديد، تجاوز 65 مليون إنسان، بعد أن كان 60 مليوناً في 2015، وهذا عدد مرشح للزيادة، بفعل تفاقم الحروب والنزاعات والإرهاب والبطش العرقي والصراع الطائفي، وفشل العالم في محو الاضطهاد والقمع في جملةٍ من بيئات العالم الساخنة، ناهيكم عن زحف المشكلات الإرهابية الدموية إلى مجتمعاتٍ ودولٍ مستقرة، وتظهر الاحتمالات عن انفجار صراعاتٍ على نحو دموي في أكثر من منطقة.

ويعلمنا التقرير أن نصف هذا الرقم المذهل من الأطفال الأبرياء الذين لا يعرف مصيرهم في المستقبل. وقال الأمين العام للمجلس النرويجي من أجل اللاجئين، يان إيغيلاند، أحد موقّعي تقرير المرصد الذي يتخذ مقراً له في جنيف، مبدياً أسفه أن "هذا هو أعلى رقم يسجّل في التاريخ، ويمثل ضعف عدد اللاجئين في العالم. وهو يوازي تعداد سكان نيويورك ولندن وباريس والقاهرة معاً، وهم لا يأخذون معهم لدى فرارهم، وغالباً وسط الذعر، سوى الأغراض القليلة التي يمكنهم حملها، وينطلقون في رحلة محفوفة بالغموض. وبكلام آخر، اضطر 66 ألف شخص إلى مغادرة بيوتهم يومياً عام 2015".

أخذ خط بيانيٌّ يتصاعد بجنون منذ عام 2010، في أعداد النازحين بسبب اندلاع خمسة عشر نزاعاً دموياً مسلحاً في السنوات الست المنصرمة، شملت سورية وليبيا والعراق واليمن وجنوب السودان وجمهورية إفريقيا الوسطى والصومال ونيجيريا وميانمار.. إلخ، ناهيكم عن صراعاتٍ مزمنةٍ مثل الصراع العربي الصهيوني. تتفاقم المشكلة على الرغم من تحذيرات المفوضية العليا، إلا أن العلاجات لم تتجانس مع حجم الصراعات، علما أن نصف النازحين في العالم هم من العرب، وكان الرقم 51 مليون إنسان عام 2014، وكان الرقم 37.5 مليون لاجئ ونازح في 2013.. وكان الرقم 27.5 مليون في العام 2010، وهو أعلى رقم منذ حركة النزوح، إبّان التسعينيات السابقة. وعلى الرغم من ادعاءاتٍ تظهر هنا وهناك عن تراجع العنف وتحسّن الأوضاع في العراق وأمكنةٍ ساخنةٍ أخرى، إلا أن الأمور تزداد سوءاً.

ويقول أنطونيو غوتيريش، وهو المفوض السامي لشؤون اللاجئين إن مشكلة اللاجئين خارج أوطانهم تشابه مشكلة النازحين في داخل أوطانهم، فهؤلاء يفتقدون الحماية، ويتعرّضون للتعسف والاضطهاد والجوع من حكوماتهم التي يناصبونها العداء بسبب فسادها وظلمها وانحيازاتها، وربما تعرّضوا للقتل والتعذيب من قوىً مناوئة لأسباب ثأرية، قائلاً إن كل يوم يمر ومشكلات النازحين الصعبة تتفاقم بكل مخاطرها، والعالم كله صامتٌ إزاء هذه الظاهرة التي سيكبر خطرها يوماً بعد آخر.

"أخذ خط بيانيٌّ يتصاعد بجنون منذ عام 2010، في أعداد النازحين بسبب اندلاع خمسة عشر نزاعاً دموياً مسلحاً في السنوات الست المنصرمة، شملت سورية وليبيا والعراق واليمن وجنوب السودان وجمهورية إفريقيا الوسطى والصومال ونيجيريا وميانمار.. إلخ"

علاجات لا تناسب حجم الصراعات

سيعرّض انضمام أكثر من ستة ملايين إنسان إلى قوائم اللاجئين والنازحين العالم لمزيدٍ من المآسي وعمليات الإرهاب وتفاقم المشكلات الصعبة، جرّاء عوامل البؤس والفقر والجوع والافتقار إلى أبسط شروط الحياة الإنسانية، وخصوصاً في دواخل الأوطان المشتعلة سياسياً واجتماعياً، فالمجتمعات تتمزّق جراء استفحال المليشيات والعصابات الإرهابية، وجرّاء ما يجري من سحقٍ للأبنية وبيوت الناس وأسواقهم بتأثير قصف طائرات الحكومات المحلية أو القوى الدولية. وسوف لن تنتهي عواقب هذا الماراثون في كل من سورية والعراق ما لم تتوحد الجهود الدولية والعربية لإيجاد تسوياتٍ سياسية للحروب والأزمات، وعدم إيجاد بؤر توتر وصراع جديدة في العالم، وسحب تدخل الدول الإقليمية ومرتزقتها، وتبديل الحكومات الاستبدادية وتجميد عمل الأحزاب الدينية والطائفية، ووضع حد للقمع والعنف المنظم بحل المليشيات وإيقاف الاضطهاد المنظم في البلدين الغارقين في المشكلات. ومن دون ذلك، سيغرق العالم بموجات عنيفة من ملايين اللاجئين والنازحين، خصوصاً عندما نعلم أن أكثر من نصف عدد النازحين في العالم عام 2015 والذين بلغوا بحدود 50 مليون إنسان، وهو رقم قياسي في التاريخ، هم من سورية والعراق واليمن. والنصف الآخر من أفغانستان وإفريقيا الوسطى وكولومبيا والكونغو الديمقراطية ونيجيريا وجنوب السودان وأوكرانيا. وجاء ذلك، في تقرير نُشر الأربعاء 11 مايو/أيار 2016. كما يشير التقرير إلى نزوح 19,2 مليون شخص عام 2015، بسبب الكوارث الطبيعية، مع تسجيل أكبر أعداد في الهند والصين ونيبال. وتسببت النزاعات والكوارث الطبيعية معاً بـ27,8 مليون نازح جديد داخل بلادهم عام 2015 عدداً إجمالياً.

نكبة العراقيين والسوريين

وأكد التقرير السنوي أن نزوح السوريين قد تصاعد، منذ نهاية عام 2010، إثر انفجار الثورة السورية بوجه النظام الحاكم، خصوصا بعد استخدام هذا "النظام" أقسى الأسلحة ضد شعبه، ولم يقتصر "النظام" على استخدام البراميل من الجو في قصف المدن السورية، بل يستخدم الطيران الروسي الأسلحة المحرّمة ضد السوريين. أما حركة نزوح العراقيين فقد بدأت منذ العام 2005 بفعل الحرب الأهلية الطائفية، وتفاقم أمر النزوح، ووصل إلى ذروته في 2014 بفعل اجتياح تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) واحتلاله الموصل ومناطق عراقية أخرى انسحبت منها القوات العسكرية الحكومية، بمؤامرة متخاذلة وجريمة نكراء، ساهم فيها رئيس الوزراء العراقي السابق، نوري المالكي، الذي طالب العالم بمساءلته ومعاقبته.

وتذكر التقارير التي تضمنت معلومات مخيفة عن سوء الأوضاع في العالم هذه السنة أن ستة من البلدان العربية هي الأسوأ أحوالاً في العالم، إذ تصدرت سورية والعراق القائمة، وأظهرت التقارير نسباً مخيفة في عدد النازحين وبالملايين من السوريين والعراقيين، إذ أفرغت مدن كاملة من سكانها الآمنين، وكان هروبهم، باتجاهاتٍ مختلفة، متشردين مع معاناتهم وخذلانهم وإحباطهم وجوعهم وأمراضهم وخوفهم من المجهول، فمنهم من لم يزل في العراء، ومنهم من يعيش في مخيماتٍ بائسة، ومنهم من خسر حياته في البراري والبحار، ومنهم من هاجر ويعيش أسوأ الظروف في بلدان مجاورة أو بعيدة.

المشكلة أن بلداناً معينة أصابتها الحروب الأهلية والداخلية، مع انعدام كامل للأمن وعدم اكتراث السلطات في البلاد لأحوال المواطنين التعساء. ووقعت مناطق كاملة تحت سطوة عصابات إرهابية وبشاعتها، وجماعات متطرفة، أو شبيحة ومرتزقة، أو عصائب طائفية مغالية في كراهيتها، فكيف ستكون الأوضاع في ظل صراعاتٍ دائرة تقف وراءها حكومات وسلطات ودول مع تنفيذ أجندة معينة؟ ولم تكن هناك أية إدارات ولا أية خدمات لرعاية النازحين الذين فقدوا ممتلكاتهم وأموالهم وحاجاتهم. ناهيكم عما يتعرّضون له من إرهاب وتوحش وقسوة من مليشيات ومافيات ترتبط كلها بتنفيذ سياساتٍ معينة. تقع آلافٌ مؤلفة من السوريين والعراقيين بين فكي كماشة، فهم إزاء بطش عصابات الإرهاب المنظمة ونيرانها، وبين مليشيات النظام الحاكم وشبيحته ومرتزقته الغرباء.

المشكلة بنيوية معقدة

مشكلة النازحين في كل من سورية والعراق بنيوية ومعقدة جداً، إذ تتداخل فيها عوامل داخلية وخارجية، كما أنها مجتمعية وسياسية. وتتنازع في الأرض والجو قوى خارجية، من أبرزها الأميركان في العراق والروس في سورية. كما أنها "مشكلة" تتلاعب بها قوى إقليمية متنوعة مثل إيران وتركيا، فهي لا تنحصر في إطار عامل معين، يمكن القضاء عليه وحده، كما أن المشكلة ليست منحصرة في تحرير مدينة، أو استعادة منطقة، أو ملاحقة مجموعات إرهابية، بل ماذا أعدّ من وسائل ووسائط لمساعدة النازحين وتأمين حياتهم، وما الذي أعدّ لما بعد استتباب الأمن.

"مشكلة النازحين في كل من سورية والعراق بنيوية ومعقدة جداً، إذ تتداخل فيها عوامل داخلية وخارجية، كما أنها مجتمعية وسياسية. وتتنازع في الأرض والجو قوى خارجية، من أبرزها الأميركان في العراق والروس في سورية"

يتعرّض الإنسان، اليوم، في كل من العراق وسورية وليبيا والسودان واليمن (وقبلها الجزائر) إلى أبشع المآسي التي تسببت فيها السلطات والأحزاب والقوى الحاكمة عقوداً، إذ وصلت هذه البلدان إلى حالات متشابهة ومتوازية من البؤس والشقاء. والسؤال المهم والأساسي: لماذا تتعرّض اليوم هذه البلدان العربية إلى ما تتعرّض له اليوم، وخصوصا العراق وسورية وليبيا؟ من سمح للإرهاب أن يمتد فيها على هذا النحو البشع والمتوحش؟ من سمح للقوى الخارجية والإقليمية أن تعبث بشؤون هذه البلدان؟ ما طبيعة أنظمة الحكم القهرية التي بقيت تحكم هذه البلدان منذ خمسين عاماً؟ ما دور التدخلات الخارجية في كل من العراق وسورية وليبيا، بحيث انتهكت مجتمعات هذه البلدان، بوجود أنظمة حكم دكتاتورية عاثت في هذه المجتمعات فساداً، وتمزق نسيج مجتمعاتها بشكل يفوق التصور؟

بدت التمزقات التي حدثت في نسيج مجتمعات كل من سورية والعراق وليبيا (وقبلها الجزائر والسودان) مرعبةً ومخيفةً، ولا يمكن تخيلها أبداً، وكان الوعي بها قد انعدم تماماً من جرّاء السياسات القمعية التي مورست فيها، وخصوصا في عالمنا السياسي وواقعنا الثقافي. وهي حالاتٌ تبدو للمفكر فيه أنها مرسومة ومخطط لها بدقة، بدليل وجود أدلة دامغةٍ وشاهدةٍ على مجريات الأحداث التي مهما خفيت، فإنها تبقى بارزةً للعيان لكل من يبحث في سيرورتها، ويتأمل في تفاعلاتها أو يتجذر في فهم تداعياتها الخطرة.

ليست مجتمعاتنا العربية شريرة بالمطلق، حتى تجري عمليات إبادة واستئصال وتطهير، بمثل هذا الذي نشهده اليوم، ومن أقرب المقربين، ومن أعلى رؤوس المسؤولين، إذ تشترك السلطات الحاكمة في سحق المجتمعات بأساليب ضارية، وهي تغض الطرف عما يجري من شناعاتٍ بحق العباد، وكأن شيئاً لم يكن. وعلينا هنا أن نسأل: من سمح للتيارات الدينية والطائفية أن تنمو وتزدهر بمثل هذه التنظيمات البشعة التي نجحت في فرض هيمنتها وسيطرتها على مجتمعاتنا؟

لماذا يبغضنا الأعراب ؟

ولدت عربيا، ولم أقتنع بما قاله الشاعر الراحل محمد الماغوط حين قال: (ما من جريمة كاملة في هذا العصر سوى أن يولد الإنسان عربيا).

درست العربية وحفظت آيات من القرآن الكريم، وحفظت عن ظهر قلب تاريخ العرب والعروبة و(الشعر ديوان العرب). حفظت أبياتا كثيرة من المعلقات قبل أن أحفظ أسماء مدن وطني وأسماء أقاربي، رسمت وأنا معصوب العينيين خرائط البلدان العربية قبل أن أعرف أين تقع مدينة عفج مضرب الأمثال !.

حلمت بالوحدة العربية وبالوطن الكبير قبل أن أحلم بسقف يقينا حر الصيف وبرد الشتاء ويجنبنا زيارات المؤجر كل شهر. لعنت (سايكس بيكو) وأخواتها قبل أن ألعن (خرنكعية) الساسة في العراق على مر العصور. تفاخرت أمام الأغراب بانتمائي العربي -- في كل سفراتي الخارجية على الرغم من السمعة السيئة التي لحقت العرب في الخارج -- قبل أن أتفاخر بانتمائي لبلد تنساب الحضارة مع هوائه ومائه وقبل أن أتفاخر بنسبي لمملكة ميسان عاصمة الماء.

كانت تلك مقدمة من مقالي لماذا كفر العراقيون بالعروبة ؟ بإمكان القرّاء الرجوع لقراءة المقال على الرابط  التالي، ليعرفوا أسباب  نفور  أغلب العراقيين من الأعراب وبعضهم من العروبة.

http://www.akhbaar.org/home/2011/01/103604.html

كنت أظن خاطئا أن الأعراب وصلوا إلى أعلى درجات مقتهم للعراقيين، وأن سقف أحقادهم لايمكن أن يتجاوز تلك الحدود، لكن الأعوام التي تلت كتابة المقالة وبالخصوص معركة الفلوجة أثبتت أنّ لاحدود ولا سقوف لحقدهم وبغضهم ومقتهم  للعراقيين.

لماذا يُبغضنا الأعراب ؟ 

سأجيب على هذا التساؤل في نهاية المقال. 

لقد كانت خسارة العراقيين في احتلال الموصل وتكريت والأنبار، خسارة كبيرة وهزيمة نكراء، جعلت الأعراب ينتشون ويتشفون بِنَا، وكانت فرحتهم واضحة في وسائل إعلامهم. وأخطر ما فعله الأعراب وإعلامهم بعد خسارتنا لمدننا هو إشاعة روح الهزيمة والخوف واليأس بين العراقيين. كانوا يريدون الإطباق النهائي على العراق لإعلان وأده لينجح مشروعهم.

صحيح أن العراقيين مسحوا غبار الهزيمة عنهم بسرعة فائقة وتصدوا للدواعش، وكان للفصائل المقاتلة والحشد الشعبي دورا فعالا في ذلك، واسترجعنا مدنا من داعش بمعارك كبيرة وخاطفة منها معركة  جرف النصر وأمرلي وتحرير صلاح الدين وبيجي، لكننا كنا بحاجة إلى نصر حاسم وبالضربة القاضية يوازي وقع خسارة الموصل وتكريت والأنبار فكان انتصار العراقيين بمعركة الفلوجة بمثابة الضربة القاضية  التي انعكست نتائجها سعارا أصاب الدواعش، فنراهم يضربون في تركيا ولبنان وبنغلادش أفقر بلاد المسلمين، عساهم أن يغسلوا  شيئا من آثار هزيمتهم في الفلوجة. السعار ذاته أصاب الأعراب الرسميين وغير الرسميين وإعلامهم وأصاب سفير آل سعود في العراق ووزير خارجيتهم. إن تهجم الأعراب على الحشد الشعبي يعكس حالة الهزيمة والانهيار التي أصابتهم، لكنهم ودواعش الساسة العراقيين مازالوا مستمرين في محاولاتهم التي تهدف إلى تجريد العراق من أهم عامل من عوامل قوته وهو الحشد الشعبي.

مثلما نجحوا من قبل بإسقاط الزعيم الخالد عبد الكريم قاسم بعدما عزلوا أحزابا ورجال دين بارزين ورؤوساء عشائر عنه ليلاقوه وحيدا هو ومجموعة من الفقراء العزل وانتصروا عليهم.

كل خسائر الدواعش والأعراب لم تنه مشروعهم في العراق، وكانت الفلوجة محط رهانهم في تقسيم العراق والسيطرة عليه. إن خسارة الأعراب في الفلوجة خسارة كبيرة يمكن رصدها من خلال إعلامهم وحتى من خلال كتابات أكثرية الأعراب على مواقع التواصل الاجتماعي ومواقع الإنترنيت ومن خلال السعار والهيستيريا التي أصابتهم.

لا سبيل لنجاح مؤامرات الأعراب والدواعش بوجود الحشد الشعبي، وخوف الأعراب الأكبر من قيام عراق ديمقراطي تعددي محمي  بجيش قوي وحشد شعبي مؤهل للدفاع عن العراق الديمقراطي الذي يعتبرونه تهديدا لكيانات وأنظمة حكم عائلية متخلفة تضطهد شعوبها، لذلك ركز آل سعود على الحشد الشعبي لأنه عنوان بارز من عناوين قوة العراق. فعلى الوطنيين العراقيين حماية ودعم الحشد والقوات الأمنية لأنه مصدر قوتنا.

لماذا كل هذا الكره الذي يحمله الأعراب على العراق والعراقيين ؟

أعتقد أنه امتداد لصراع جرى بين البداوة والحضارة قبل الإسلام، واستمر ما بعد انتصار الإسلام بوفاة النبي الأكرم "ص" واستشهاد الإمام على "ع"، وفوز جناح الأعراب وهيمنتهم على القرارالإسلامي منذ ذلك التاريخ إلى الآن.

ما نعانيه هو امتداد لكره وبغضاء ومقت البداوة  للحضارة.

"وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على النفس      من وقع الحسام المهند"  - طرفة بن العبد

-----------------------------------------------------------------------------------

 عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

السلم الاجتماعي

}في أزمنة القهر والكراهية، والعنف الوحشي، وصراع الهويات والمذاهب والأعراق، واقتلاع أعمدة الأوطان، وتفكك المجتمعات، يتساءل المرء، هل المزيد من الحروب، هو السبيل إلى الخلاص؟ أم أن السلم الاجتماعي هو المخرج، وهو الوصفة الناجعة لهذا البلاء؟

}قيل، والقول صحيح: إن الحروب تتولد أولاً في عقول الناس، ويبدو، أن جل عقولنا كعرب، محشوة بمعاني الاقتتال والمغالبة والإقصاء، ولعلنا هنا نسأل: كيف يمكن تفريغ هذه العقول، من هذه الآفة، وملؤها بمعاني السلام، والسلم الاجتماعي، الذي يحفظ للإنسان حقه في الحياة، وفي الكرامة الإنسانية، وهي كرامة أسبق من كل انتماء أو هوية ثقافية وهي أيضاً، حصانة أولية للإنسان، ثابتة له، بوصفه إنساناً، كرّمه خالقه، وجعله خليفة له في أرضه؟

}بالعقول المحشوة بأوهام المغالبة، والمشاعر المسنونة، وفتوحات الغزو والقتل، والأناشيد المذهبية والثأرية، لا نستطيع السفر إلى المستقبل، ولا بناء مواطن ينتمي إلى العصر.

}لماذا صرنا لا نشعر بالطمأنينة، إلا إذا رأينا الآخر في الوطن، ملحقاً بنا، يحمل لوننا نفسه وفكرنا ورؤيتنا وهويتنا، أو نفجره أو نقتله أو نشرده؟

وكذلك الآخرون في أوطان غيرنا، نريدهم أن يشبهونا، ويعتنقوا قيمنا وأسلوب معيشتنا، أو نملأ حياتهم رعباً وحقداً؟

}فاضت العقول بالكراهية، بعد أن تكلست، وغابت عنها ثقافة وقيم احترام التنوع، وقبول الاختلاف، واعتماد العيش المشترك، وتحول دين السلام والرحمة، إلى مسرح للكراهية والعنف والنفور.

**********

}إن الاختلاف بين الناس، له مشروعيته الدينية والواقعية، وهو سنة من سنن الله في الكون، والوفاق في المجتمع، يتطلب التسليم بحق الاختلاف، ولا يعني هذا التسليم، بأن المختلف هو على حق، وإنما يعني الإقرار، بأن للآخر المختلف الحق في أن يختلف.

}ويبدو أن سؤال السلم الاجتماعي، يقف على رأس وأولويات الأسئلة التي يتوجب طرحها على أصحاب الفكر والعلماء وقادة الرأي العام والساسة في كل أرجاء الوطن العربي.

والسؤال هو، من له الأولوية: العدل بين الناس، أم تحقيق السلم الاجتماعي بينهم؟

}في السلم الاجتماعي الوطني، وبين الأوطان، يمكن حفظ الأنفس، وصيانة الدماء، وإشاعة المحبة والوئام بين الناس، على اختلاف عقائدهم وألوانهم وثقافاتهم ونظمهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

}يتحقق السلم الاجتماعي، من خلال إعلاء صوت العقل، واحترام الاختلاف، وتعزيز العيش المشترك، والإقرار بالتنوع، الذي يضمن حريات الإنسان وحقوقه. وحين نفقد السلم الاجتماعي في المجتمع، نفقد الحقوق الأخرى.

}وإذا كان البحث أو النضال من أجل العدل، يبرر القتل والعنف والخصومة والكراهية، والاحتراب الداخلي، والتهجير القسري والإفناء المتبادل، فإن البحث عن السلم الاجتماعي، والنضال من أجله، هو بحث عن حق الحياة للناس أجمعين.

}لا مبررات دينية ولا إنسانية، تقدم أياً من الحقوق على حق الحياة وكرامة الإنسان، وحق السلم الاجتماعي هو الذي يحفظ الأنفس والأعراض والعقول والمعتقدات، ويحقق الوئام بين الناس.

}إن قواعد فقه السلم الاجتماعي، قائمة على أساس أن «درء المفاسد، مقدم على جلب المصالح». ومن هنا، تصبح مسألة إشاعة مفهوم السلم الاجتماعي بين الناس، مدخلاً ناجعاً للعيش المشترك، وتنمية التوافق والمشتركات، ولرفض الحيف والظلم.

}فلنتأمل معنى السلم والسلام، في صلواتنا، وعباداتنا وسلوكنا، باعتبار أن السلام هو ميزان السعادة الإنسانية، وقد ذكر السلام في القرآن الكريم إحدى وأربعين مرة، وذكرت كلمة الحرب، ثلاث مرات فقط، أما كلمة السيف، فلم ترد في القرآن الكريم مطلقاً.

 ------------------------------------------

*كاتب من الإمارات، ودبلوماسي سابق

مشروع للنهوض بالعراق

لعل ما حصل في الاستفتاء الأخير في بريطانيا درس للعاملين في السياسة وعبرة لأهمية التواصل مع الجمهور في بلد ناجح اقتصاديا ومستقر سياسيا ومبدع علميا ومتنوع ثقافيا إلا أن النخب والأحزاب الحاكمة استخفت بأهمية الرأي العام، وفشلت في أن تطمئن مخاوف الجمهور البريطاني المحافظ، ولم توضح بما يكفي مخاطر انفصال بريطانيا عن أوربا، فصوتت الأكثرية للانفصال وستعاني بريطانيا مخاطر التقسيم والانهيار الاقتصادي.

لكي ننجح في العراق لا بد من صناعة خطاب يصل إلى الجمهور، ويحمله شباب العراق الصانع للمستقبل، ولا بد أيضا أن يعالج الخطاب أربعة محاور رئيسية، هي:

 (السلطة والدين) (الهوية والدستور) (النخب والثقافة) (التنمية والعولمة) وهذه محاور عميقة معقدة ومتداخلة.

إذا نجحنا في صناعة خطاب نهضة العراق فسينجح الخطاب أيضا في نهضة سوريا واليمن وبقية بلدان العرب والمسلمين المنهارة والرديئة والمستغلة والمستعمرة لتشابه تحدياتنا. وسيعين الخطاب المنشود العرب وشعوب المنطقة والمسلمين على مواجهة محن الظلم والعصبية والتخلف التي دمرت بلدانهم. ولكي ننجح لا بد أن يكون الخطاب واقعيا يمكن العمل به في سياقات العراق المضطربة، ولا بد أن يكون سهلا يفهمه الشباب، وأن يقدر الخطاب على مقاومة الضغوط والتشكيك لذا لا بد في أي خطاب من أن يعالج المحاور الأربعة.

لن ينجح خطاب نهضة في العراق دون أن يقنع جمهور الشباب باعتماد القرآن منهجا للارتقاء بالثقافة الدينية ومواجهة الاستغلال البشع للدين في السلطة والسياسة، لذلك أرجو من الأحبة القراء أن يصبروا على الطرح، وأن لا يستخفوا بأهمية واستراتيجية معالجة محور (الدين والسلطة) في ثقافة النخب والجمهور والذي سأكتب عنه في سياق خطاب النهضة الأشمل.

لن ينجح خطاب ولا برنامج ولا جماعة إذا تجاهلت دور الدين في حياة عامة الناس في العراق وعند العرب والمسلمين. والأدهى والأمرّ أن يكون الدين أداة وسلاحا وثوبا وشعارا للظلم وتمزيق المجتمعات وإراقة الدماء وامتهان الكرامات واستعباد الشعوب.

الأحبة القراء

نعلم جيدا أن ثمة مكائن إعلامية وجنودا مخفيين في مواقع رقمية وقنوات إعلامية يعملون ليلا ونهارا وبخطط علمية من أجل تحطيم نفسية العراقي وإذلاله والتشكيك المستمر بالعراق وقدرته والاستخفاف بأهله وبالعرب وبالمسلمين وتمزيقهم مذهبيا وقوميا.

تضيق هذه الصفحة عن أن تسع طرح خطاب النهضة مرة واحدة، ولذا لا بد من تدرج وأرجو من الأحبة القراء أن يصبروا على التدرج في الطرح، وأن يستمروا بتقديم ملاحظاتهم لأهميتها، وأرجو الترويج لهذا الخطاب ما أمكن

نعلم أيضا أن العراق اليوم دولة منهارة رديئة مستغلة ومحتلة ومتوجهة نحو المزيد من الفتن والانقسامات والانهيار ما لم نتدخل لتغيير هذا المسار وعلينا أن نعمل بصبر وحكمة وسعة صدر لنعيد إلى أنفسنا الثقة والقدرة والإيمان بالعراق وشعبه.

إنني مؤمن ومطمئن بأننا قادرون على النهضة بالعراق، وأن نجمع الارادات ونطلق المبادرات التي ستتراكم وتنجح طالما اعتمدت خطابا حداثيا بمرجعيات كونية يشد شبابنا نحو صناعة عراق حر ومستقبل أفضل.

طموحي أن أخدم العراق إلى آخر عمري وليس لي طمع بمال أو سلطة فيه، وأملي أن أخدم شباب العراق بإعطائهم خلاصة ما تعلمته في رحلة طويلة متنوعة في العمل العام الذي بدأ سريا في نيسان 1968 ولم ينقطع حتى هذا اليوم..

---------------------------------------------------------------------------------------

*كاتب عراقي

رباعيّة المجتمعات الحديثة الناجحة

كثيرون من العرب، في داخل بلدان الأمّة وخارجها، يتساءلون الآن عن ماهيّة بديل الحالة العربية الراهنة التي سماتها الحروب الأهلية والانقسامات الطائفية والمذهبية والإثنية، وتصاعد التدخّل الأجنبي وانهيار أوطان ومجتمعات. ويشترك كلّ العرب في وصف واقع الحال ورفضه، لكنهم يختلفون في فهم أسبابه وبدائله المنشودة. البعض يضع الملامة فقط على حكومات مستبدّة ويرى الحلَّ فقط باعتماد الحياة السياسية الديمقراطية، بينما تجارب عربية حديثة في لبنان والعراق ومصر وتونس وليبيا تؤكّد أنّ سقوط "حكم الاستبداد" لا يعني أنّ البديل عنه سيكون أفضل، وبأنّ الحلَّ لا يكون فقط بالانتخابات وباعتماد آليات ديمقراطية حتّى يمكن تحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي. كذلك الأمر، ما حصل حينما دعا البعض إلى شعار "الإسلام هو الحل"، وبأنّ وصول حركات سياسية دينية للحكم سيخرج الأوطان من أزماتها، فإذا بهذه الأوطان والمجتمعات تزداد بعد ذلك تأزّماً وانقساماً.

أيضاً، هناك رأي مقابل في الفكر العربي المعاصر، يرى أنّ معظم مصائب الأمّة العربية سببها التدخّل الأجنبي والقوى الخارجية، بينما تجارب النصف الثاني من القرن العشرين تؤكّد أنّ العرب نجحوا في معارك التحرّر الوطني وفي طرد المستعمر الأجنبي من بلادهم، لكنّهم فشلوا في بناء المجتمعات المدنية الحديثة، وفي تحصين الداخل الوطني من مشاريع ومؤامرات الخارج.

ربّما المشكلة هي في "آحادية التفكير والحلول"، وفي المراهنة على عنصر واحد من جملة عناصر تُكمّل بعضها البعض في عملية بناء المجتمعات الحديثة الناجحة. فممارسة الديمقراطية السليمة تحتاج إلى توفّر مجتمعات مدنية متحرّرة من أي هيمنة خارجية وقائمة على مرجعية الناس في الحكم والتشريع، وممّا يحقّق حرّية الوطن والمواطن معاً، وصولاً إلى العدل السياسي والاجتماعي، وبذلك يسود الاستقرار ويتعزّز مفهوم المواطنة المشتركة.

لكنّ المشكلة أيضاً في المجتمعات العربية هي في عدم التوافق على مسألتين، هما بمثابة مسلّمات ومنطلقات في المجتمعات الحديثة الناجحة: الهُويّة ودور الدين. فحسم كيفيّة فهم هاتين المسألتين هو الأرضية الأساسية لبناء أوطان عربية متقدّمة وموحّدة، ومن دون ذلك، سيبقى الخلل قائماً، والتصدّع محتملاً، في بنية ووحدة أي بلد عربي. فالإصرار على أولوية "الهُويّات" غير الوطنية والعربية سيجعل ولاء بعض المواطنين لخارج وطنهم، بحكم "المرجعيات الدينية أو الإثنية"، وسيوفّر المناخ المناسب للتدخّل الأجنبي ولصراعات أهلية.

هذا ليس بموضوعٍ جديد على منصّة الأفكار العربية. فهو موضوع لا يقلّ عمره عن مائة سنة، إذ منذ مطلع القرن العشرين يدور التساؤل في المنطقة العربية تحديداً حول ماهيّة هويّة هذه المنطقة، وهي المرحلة التي بدأ فيها فرز العالم الإسلامي بعد انتهاء الحقبة العثمانية إلى دول وكيانات وفق اتفاقية "سايكس- بيكو".  لكن ما حدث خلال القرن العشرين أثبت عدم إمكان الفصل في المنطقة العربية ما بين العروبة الثقافية والإسلام الحضاري. فالعروبة والإيمان الديني حالة متلازمة في المنطقة العربية، وهي مختلفة عن كل علاقة ما بين الدين والقوميات الأخرى في العالم الإسلامي. فقد كان على تركيا، لكي تبتعد عن الدين (وهو هنا الإسلام)، كان عليها أن تتمسّك بقوميتها التركية وأن تستبدل أبجديتها العربية باللاتينية. وهذا المثال الذي حدث في تركيا جعل الكثيرين من العرب، المتمسّكين بدينهم الإسلامي، يعتقدون أنَّ الحديث عن القومية العربية يعني التخلّي أيضاً عن دينهم، قياساً على التجربة القومية التركية في مطلع القرن العشرين، بينما الأمر يختلف من حيث خصوصية العلاقة بين العروبة والإسلام، فهي مسألة خاصّة بالعرب لا تشترك معهم فيها أيّة قومية أخرى في العالم الإسلامي. فالعربية هي لغة القرآن الكريم، والثقافة العربية هي التي انتشرت من خلالها الدعوة الإسلامية في العالم.

وكما صحَّ القول المعروف: "كم من الجرائم تُرتكب باسمك أيتها الحرية"، فإنّ جرائم عربية عديدة كانت تُرتكب باسم "الهويّة" الوطنية أو العربية...  لكن، هل أدّت الجرائم باسم "الحرية" إلى التخلّي عن هذا الهدف النبيل والمطلب المشروع لكلِّ فردٍ وجماعة وأمَّة..؟!.

لقد كانت "الهُويّة العربية" تعني - وما تزال- القناعة بأنّ العرب أمَّة واحدة تتألف الآن من أقطار متعدّدة، لكنها تشكّل فيما بينها امتداداً جغرافياً وثقافياً وحضارياً واحداً، وتتكامل فيها الموارد والطاقات البشرية والمادية. والمتضرّرون من تثبيت وتفعيل هذه "الهُويّة" هم حتماً من غير العرب، الذين في الماضي، كما هم في الحاضر، يمنعون توحّد شعوب الأمَّة العربية؛ حفاظاً على مصالحهم في المنطقة، وعلى مستقبل استنزافهم لثرواتها.

لكن دور الدين في الحياة العربية هو سيفٌ بحدّين، حيث من المهمّ التمييز بين ما في الإسلام وكل الرسالات السماوية من قيم ومبادئ هامّة جداً، في كلّ زمانٍ ومكان، للإنسان الفرد وللجماعة، وبين أمور ترتبط بكيفيّة المعاملات والعبادات، والتي تختلف الاجتهادات حولها حتّى داخل المذهب الواحد، فكيف مع مذاهب وطوائف أخرى؟! لذلك يُصبح الحديث عن المجتمعات المدنية الحديثة الناجحة متلازماً مع مسألة "العلمانية"، بمعناها العام الداعي لفصل "رجال الدين" عن قضايا الحكم وسنّ الدساتير والقوانين، والتي عليها حتماً أن تسترشد بالقيم والمبادئ الدينية والإنسانية المشتركة.

إنّ العلمانية لم تكن في نشأتها الأساسية بأوروبا مذهباً فكرياً مضادّاً للدين، بل يمكن اعتبار العلمانية كمذهب ديني دخل على المسيحية ونشأ معها ولم يدخل التجارب الإنسانية إلا بها. فقد ارتبطت نشأة العلمانية بصراع بين مؤسسة دينية كاثوليكية أوروبية احتكرت كل شؤون الدين والدنيا، وبين مؤسسات غير دينية نامية رافقت نشوء الدول والقوميات في أوروبا. ولم تكن العلمانية في أساسها دعوة إلى الكفر بالدين، بل كانت محصّلة عوامل سادت في أوروبا نحو 7 قرون امتزجت فيها الثورة على استبداد الكنيسة أيام الأمراء والإقطاع، ثمّ على تدخّل الكنيسة أيام الثورة الصناعية. ولقد كان جوهر "حركة التنوير الأوروبي" هو الثقة في مقدرة العقل على إدراك الحقيقة.. وهو جوهر نثرت بذوره في أوروبا جماعة من الدارسين يسمّونها (المدرسة الرشدية) نسبةً إلى الفيلسوف العربي المسلم ابن رشد (توفّي عام 1198).

وكانت العلمانية الأوروبية تعني عزل الدولة عن سلطة الكنيسة وليس عن الدين، وكانت تعني استمرارية لحركة التنوير والنهضة (التي بدأها مارتن لوثر في أوائل القرن 16)، وكانت تعني استخدام العقل وعدم القبول بقدسية كل ما تقوم به الكنيسة. فتعبير العلمانية لا يعني مطلقاً الارتباط مع كلمة العلم، حيث نصّ المنجد اللغوي العربي أنّ أساس التعبير هو "العامّي غير الإكليركي" الذي قد يكون فلاحاً أو طبيباً، وقد يكون أمّياً أو متعلّماً.

ومن الضروري التمييز بين دعاة العلمانية وعدم وضعهم جميعاً في سلّة واحدة، فهناك علمانيون يؤكّدون على دور الدين في المجتمع ويدعون لحقوق المواطنة للجميع دون ابتعادٍ عن الدين أو قيم الأديان، وهناك من يرفض أي دور للدين في الحياة العامّة، كما كان حال التجارب الشيوعية في القرن الماضي. لكن المنطقة العربية هي مهد كل الرسالات السماوية والأنبياء ومواقع الحجّ الديني، وبالتالي فإنّ تغييب أو تهميش دور الدين فيها هو مسألة مستحيلة عملياً.

إنّ فصل الدين عن المجتمع لم يحصل في أيّ أمّة إلا بفعل القوة (مثال تجارب الأنظمة الشيوعية). أمّا فصل الدين عن الدولة أو الحكم في الأنظمة الغربية فكان نسبياً، فهو في فرنسا فصلٌ كامل في السلوك السياسي والشخصي، وهو في أميركا فصلٌ فقط بقضايا الحكم.. وهو يختلف في بريطانيا عن النموذجين الفرنسي والأميركي.. وهناك في إيطاليا، وبعض دول أوروبا الأخرى، أحزاب سياسية قائمة على أساس ديني (كالحزب الديمقراطي المسيحي)، أمّا في يوغوسلافيا فلم ينجح الحكم العلماني الشيوعي (لأكثر من نصف قرن) في إزالة العصبيات الدينية حتّى بين الكاثوليك والأرثوذكس، وانشطرت يوغوسلافيا دينياً في عقد التسعينات رغم علمانيتها!.

فالعلمانية وحدها لم تكن العصا السحرية التي بنت أوروبا وأميركا في العصر الحديث، ولم تكفِ العلمانية والديمقراطية وحدهما، في كلّ بلدٍ أوروبي، لتحقيق التقدّم والبناء الاقتصادي والاجتماعي، لذلك كانت الحاجة إلى الاتّحاد والتكامل مع الآخرين الأوروبيين (الاتّحاد الأوروبي). كذلك الأمر في النموذج الأميركي، حيث تعجز أيّة ولاية أميركية عن بناء تقدّمها الاقتصادي والاجتماعي، بمعزلٍ عن الولايات الأخرى.

لقد شهدت بعض البلاد العربية والإسلامية تجارب لأنظمة حكم علمانية لكن بمعزل عن الديمقراطية السياسية في الحكم والعدالة في المجتمع، فلم تفلح هذه التجارب في حلّ مشاكل دولها؛ كنظام بورقيبة في تونس، والنظام العلماني لشاه إيران الذي أسقطته ثورة إسلامية، وتجربة الحكم الشيوعي في عدن الذي انتهى بصراعات قبائلية على الحكم، ونظام "جبهة التحرير" العلمانية في الجزائر الذي أدّى إلى تصاعد التيّار الإسلامي فيها، كما لم تمنع علمانية تركيا من بروز التيّار الإسلامي ووصوله للحكم، إضافةً للتجارب العلمانية الفاشلة لأنظمة حزب البعث منذ مطلع الستينات. أيضاً، فإنّ معالجة ظواهر العنف باسم الدين لا يكون بالابتعاد عن الدين بدلالة ظهور حركات العنف في أميركا وأوروبا على أساس ديني رغم وجود الأنظمة العلمانية.

إنّ البلاد العربية، لكي تنهض وتتقدّم، بحاجة إلى فكر يقوم على رباعيّة عناصر تجمع بين التأكيد على الهُويّة العروبية الحضارية، وعلى مرجعية القيم والمبادئ الدينية، وعلى بناء مؤسسات مدنية تستهدف الوصول إلى مجتمع العدل وتكافؤ الفرص، وتقوم آلياتها على أسس علمانية وديمقراطية وعلى منهج "العقلانية" في فهم النصوص، واعتماد المرجعية الشعبية في الحكم والقوانين.

-------------------------------------------------------------

 *مدير "مركز الحوار" في واشنطن

 عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 لقراءة مقالات صبحي غندور تابع الرابط التالي:

http://www.alhewar.net/Sobhi%20Ghandour/OtherArabicArticles.htm

بابل أم الإمام الحسن بن علي..؟

كان خبراً عابراً نشر في موقع الكتروني حول إقامة مهرجان ديني في بابل، المدينة التاريخية التي سُن فيها أول قانون عرفته البشرية (مسلة حمورابي) وكانت مهد الحضارة التي سميت باسمها، لكنه أشعل موجة من الاحتجاجات الغاضبة بين العراقيين الذين استنكروا ما ورد فيه من أن جهات دينية تعتزم تغيير اسم المدينة الـــتاريخية إلى «مدينة الإمام الحسن». لماذا يعقد هذا المهرجان سنوياً في بابل، وما هي علاقة هذه المدينة بالإمام الحسن وأسئلة أخرى كثيرة بدأت تطرح في كل المنابر والمجالس، لكن لم تجد لها أجوبة مقنعة.

«العتبة الحسينية»، التي تدير مرقد الإمام الحسين في كربلاء، نفت أن تكون لها أي خطة لتغيير اسم بابل، وقد فعلت «العتبة العباسية» الشيء نفسه، غير ان الأسئلة حول الموضوع وعرائض الاحتجاج ما زالت تترى.

لقد طُرح موضوع تغيير اسم بابل للمرة الأولى قبل سنوات عدة عندما بدأ «مهرجان الإمام الحسن» يعقد فيها، لكن الموضوع أثار حينها احتجاجات واسعة، فتخلى عنه متبنّوه، وظن الناس أن الأمر انتهى، لكنه عاد إلى الواجهة قبل أيام، ما يدل على أن الفكرة ما زالت قائمة وأن هناك من يسعى إلى تنفيذها مهما طال الزمن، وأن اسم بابل الذي يحمل مضامين تاريخية ومعنوية للعراق، سيتغير إلى اسم ديني كي تلتحق بالمدن المقدسة الأخرى، وتحمل اسم الإمام الحسن بن علي، على رغم أنه لا أحد يزعم، حتى الآن على الأقل، أن هناك علاقة بين المدينة والإمام.

تغييـــــر أسماء المدن والشوارع والأحياء ليس جديداً، إذ أقدم النظام السابق على تغيير العديد من أسماء المدن والأحــــياء والشــــوارع العراقية، فقد أطلق اسم «المثنى» على منطقة السماوة عندما تحــــولت إلى محـــافظة، باعتبار أن القائد العـــربي المثنى بن حارثة الشيباني ـــقد عسكر بها ذات يوم، كما أطلق اسم «القادسية» على محافظة الديوانية باعتبار أن الجيــــوش الإسلامية التي غزت إيران في معـــركة القادسية قد عسكــــرت هنـــاك، واسم «صلاح الدين» على محافظة مركزها مدينة تكريت التأريخية، لأنها مسقط رأس صلاح الدين الأيوبي، بينما أصبحت الرمادي «الأنبار»، والعمارة «ميسان»، والناصرية «ذي قار»، والكوت «واسط»، والثورة «مدينة صدام»، ومطار بغداد «مطار صدام»، وهكذا.

ولم تهدأ الحماسة لتغيير الأسماء بعد سقوط نظام صدام، بل تجدد على أيدي معارضيه المستائين من الأسماء التي أطلقها النظام السابق على المدن والأحياء والشوارع والمستشفيات والمدارس، فغيروا الكثير منها، لكنهم اصطدموا بتعلق الناس ببعضها كونه ملتصقاً بحضارة العراق وهوية أبنائه. شارع الرشيد مثلاً، معلم مهم من معالم بغداد، وعلى رغم أن هارون الرشيد لا يروق للبعض، إلا أنهم قبلوا به على مضض فبقي الاسم وأُهمِل الشارع. حي المنصور الذي يحمل اسم مؤسس بغداد، أبي جعفر المنصور، من أهم أحياء العاصمة وأجملها ولن يقبل البغداديون بتغيير اسمه أو إزالة تمثال «المنصور» منه، والذي أزيل لفترة من الزمن لكنه عاد بسبب الإستياء الشعبي من إزالته. شارع «أبو نؤاس» المحاذي لنهر دجلة من أهم وأجمل شوارع العاصمة، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يُزال هذا المعلم التاريخي من العاصمة وإن لم يستحسِن البعض سيرة الشاعر أبي نؤاس (الحسن بن هانئ) الذي كان نديماً للخليفة العباسي ولم يكن ملتزماً دينياً.

قد لا يهتم كثيرون إن تغير اسم «المثنى» إلى «السماوة»، وفعلاً لم يهتم أحد عندما ألغي اسم «القادسية» لتعود المحافظة إلى اسمها السابق المفضل لدى سكانها، لكن العراقيين لن يقبلوا بإلغاء اسم «بابل» لأنه جزء أساسي من هويتهم الثقافية والتاريخية التي يعتزون بها. تقع بابل إلى جوار مدينتي كربلاء والنجف اللتين تمتلئان بالزائرين في المواسم الدينية، وقد يكون هناك من يفكر بضم بابل إليهما لاستيعاب الأعداد المتزايدة من الزائرين، أو ربما هناك من يتوهم بأن وجود بابل قد يقلل من أهميتهما التاريخية والدينية، لكن الحقيقة أن بابل ترفع من مكانة العراق العالمية.

الحجة التي سيقت لتغيير اسم بابل هي أن «أهلها يتميزون بالكرم وأن الإمام الحسن قد عرف تاريخياً بالكرم»! لكن هذا التبرير لم يقنع أحداً، أولاً لأهمية بابل العالمية، وثانياً لأن أهل بابل لم يتميزوا وحدهم بالكرم بل كل أهالي منطقة الفرات الأوسط، التي تضم مدناً كثيرة، قد تميزوا بذلك ومن عاداتهم إنشاء «المضافات» لاستقبال الغرباء وإطعامهم وإيوائهم من دون سؤالهم حتى عن أسمائهم، إلا بعد ثلاثة أيام كما جرت العادة. بل إن بعض المدن مثل «الشنافية» كانت إلى عهد قريب تخلو من الفنادق والمطاعم، فهناك مضافة «آل مكوطر» تستقبل الضيوف وتطعمهم وتأويهم مجاناً منذ القدم. ولو افترضنا أن أهل بابل قد تميزوا عن غيرهم بالكرم، فهل يبرر هذا إلغاء اسم تاريخي تميز به العراق وتغنى به العالم واقترن بعجائب الدنيا السبع؟ هل من المعقول أن تلغى الأسماء الحضارية الموغلة في القدم والمرتبطة بوجدان الناس تحت ذرائع دينية؟ أم أن هناك أسباباً أخرى، ربما تجارية، أو تتعلق بالطابع التاريخي لبابل والذي قد يقلل، في نظر البعض، من الأهمية التاريخية والدينية للمدن المجاورة؟

الجماعات المتشددة لديها مشكلة مع التاريخ والآثار لأنها لا ترتبط بمعتقداتها، فـ «طالبان» لم يهدأ لها بال إلا بعد أن هدمت تماثيل بوذا في باميان، و»داعش» اعتبر تحطيم «الثور المجنح» وهدم قبر النبي يونس في الموصل إنجازين عظيمين قدمهما للبشرية. الضيق بالتاريخ ينطلق من أهميته لدى الشعوب، فليست هناك أمة لا تعتز بإرثها التأريخي والحضاري. لكن الغريب أن الدعوة إلى تغيير اسم بابل، والتي تلاشت بسرعة تحت صرخات الاستهجان والغضب الشعبي، تتزامن مع انتصار العراق على الجماعات الإرهابية في الفلوجة. فهل من المعقول أن يكون بين العراقيين من يشارك الجماعات الإرهابية أهدافها في القضاء على إرث العراق؟ تاريخ العراق الذي يمتد آلاف السنين ميزة فريدة له يجب أن تعتز بها الأجيال وتصونها، أما الأصوات المعادية للتاريخ فعليها أن تتحرر من هذا الوهم لأن الحضارات تمتلك مقومات البقاء.

 ------------------------------------------------

 * نشر المقال في صحيفة "الحياة" اللندنية