الإثنين 21 آب/أغسطس 2017
TEXT_SIZE

السلم الاجتماعي

}في أزمنة القهر والكراهية، والعنف الوحشي، وصراع الهويات والمذاهب والأعراق، واقتلاع أعمدة الأوطان، وتفكك المجتمعات، يتساءل المرء، هل المزيد من الحروب، هو السبيل إلى الخلاص؟ أم أن السلم الاجتماعي هو المخرج، وهو الوصفة الناجعة لهذا البلاء؟

}قيل، والقول صحيح: إن الحروب تتولد أولاً في عقول الناس، ويبدو، أن جل عقولنا كعرب، محشوة بمعاني الاقتتال والمغالبة والإقصاء، ولعلنا هنا نسأل: كيف يمكن تفريغ هذه العقول، من هذه الآفة، وملؤها بمعاني السلام، والسلم الاجتماعي، الذي يحفظ للإنسان حقه في الحياة، وفي الكرامة الإنسانية، وهي كرامة أسبق من كل انتماء أو هوية ثقافية وهي أيضاً، حصانة أولية للإنسان، ثابتة له، بوصفه إنساناً، كرّمه خالقه، وجعله خليفة له في أرضه؟

}بالعقول المحشوة بأوهام المغالبة، والمشاعر المسنونة، وفتوحات الغزو والقتل، والأناشيد المذهبية والثأرية، لا نستطيع السفر إلى المستقبل، ولا بناء مواطن ينتمي إلى العصر.

}لماذا صرنا لا نشعر بالطمأنينة، إلا إذا رأينا الآخر في الوطن، ملحقاً بنا، يحمل لوننا نفسه وفكرنا ورؤيتنا وهويتنا، أو نفجره أو نقتله أو نشرده؟

وكذلك الآخرون في أوطان غيرنا، نريدهم أن يشبهونا، ويعتنقوا قيمنا وأسلوب معيشتنا، أو نملأ حياتهم رعباً وحقداً؟

}فاضت العقول بالكراهية، بعد أن تكلست، وغابت عنها ثقافة وقيم احترام التنوع، وقبول الاختلاف، واعتماد العيش المشترك، وتحول دين السلام والرحمة، إلى مسرح للكراهية والعنف والنفور.

**********

}إن الاختلاف بين الناس، له مشروعيته الدينية والواقعية، وهو سنة من سنن الله في الكون، والوفاق في المجتمع، يتطلب التسليم بحق الاختلاف، ولا يعني هذا التسليم، بأن المختلف هو على حق، وإنما يعني الإقرار، بأن للآخر المختلف الحق في أن يختلف.

}ويبدو أن سؤال السلم الاجتماعي، يقف على رأس وأولويات الأسئلة التي يتوجب طرحها على أصحاب الفكر والعلماء وقادة الرأي العام والساسة في كل أرجاء الوطن العربي.

والسؤال هو، من له الأولوية: العدل بين الناس، أم تحقيق السلم الاجتماعي بينهم؟

}في السلم الاجتماعي الوطني، وبين الأوطان، يمكن حفظ الأنفس، وصيانة الدماء، وإشاعة المحبة والوئام بين الناس، على اختلاف عقائدهم وألوانهم وثقافاتهم ونظمهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

}يتحقق السلم الاجتماعي، من خلال إعلاء صوت العقل، واحترام الاختلاف، وتعزيز العيش المشترك، والإقرار بالتنوع، الذي يضمن حريات الإنسان وحقوقه. وحين نفقد السلم الاجتماعي في المجتمع، نفقد الحقوق الأخرى.

}وإذا كان البحث أو النضال من أجل العدل، يبرر القتل والعنف والخصومة والكراهية، والاحتراب الداخلي، والتهجير القسري والإفناء المتبادل، فإن البحث عن السلم الاجتماعي، والنضال من أجله، هو بحث عن حق الحياة للناس أجمعين.

}لا مبررات دينية ولا إنسانية، تقدم أياً من الحقوق على حق الحياة وكرامة الإنسان، وحق السلم الاجتماعي هو الذي يحفظ الأنفس والأعراض والعقول والمعتقدات، ويحقق الوئام بين الناس.

}إن قواعد فقه السلم الاجتماعي، قائمة على أساس أن «درء المفاسد، مقدم على جلب المصالح». ومن هنا، تصبح مسألة إشاعة مفهوم السلم الاجتماعي بين الناس، مدخلاً ناجعاً للعيش المشترك، وتنمية التوافق والمشتركات، ولرفض الحيف والظلم.

}فلنتأمل معنى السلم والسلام، في صلواتنا، وعباداتنا وسلوكنا، باعتبار أن السلام هو ميزان السعادة الإنسانية، وقد ذكر السلام في القرآن الكريم إحدى وأربعين مرة، وذكرت كلمة الحرب، ثلاث مرات فقط، أما كلمة السيف، فلم ترد في القرآن الكريم مطلقاً.

 ------------------------------------------

*كاتب من الإمارات، ودبلوماسي سابق

مشروع للنهوض بالعراق

لعل ما حصل في الاستفتاء الأخير في بريطانيا درس للعاملين في السياسة وعبرة لأهمية التواصل مع الجمهور في بلد ناجح اقتصاديا ومستقر سياسيا ومبدع علميا ومتنوع ثقافيا إلا أن النخب والأحزاب الحاكمة استخفت بأهمية الرأي العام، وفشلت في أن تطمئن مخاوف الجمهور البريطاني المحافظ، ولم توضح بما يكفي مخاطر انفصال بريطانيا عن أوربا، فصوتت الأكثرية للانفصال وستعاني بريطانيا مخاطر التقسيم والانهيار الاقتصادي.

لكي ننجح في العراق لا بد من صناعة خطاب يصل إلى الجمهور، ويحمله شباب العراق الصانع للمستقبل، ولا بد أيضا أن يعالج الخطاب أربعة محاور رئيسية، هي:

 (السلطة والدين) (الهوية والدستور) (النخب والثقافة) (التنمية والعولمة) وهذه محاور عميقة معقدة ومتداخلة.

إذا نجحنا في صناعة خطاب نهضة العراق فسينجح الخطاب أيضا في نهضة سوريا واليمن وبقية بلدان العرب والمسلمين المنهارة والرديئة والمستغلة والمستعمرة لتشابه تحدياتنا. وسيعين الخطاب المنشود العرب وشعوب المنطقة والمسلمين على مواجهة محن الظلم والعصبية والتخلف التي دمرت بلدانهم. ولكي ننجح لا بد أن يكون الخطاب واقعيا يمكن العمل به في سياقات العراق المضطربة، ولا بد أن يكون سهلا يفهمه الشباب، وأن يقدر الخطاب على مقاومة الضغوط والتشكيك لذا لا بد في أي خطاب من أن يعالج المحاور الأربعة.

لن ينجح خطاب نهضة في العراق دون أن يقنع جمهور الشباب باعتماد القرآن منهجا للارتقاء بالثقافة الدينية ومواجهة الاستغلال البشع للدين في السلطة والسياسة، لذلك أرجو من الأحبة القراء أن يصبروا على الطرح، وأن لا يستخفوا بأهمية واستراتيجية معالجة محور (الدين والسلطة) في ثقافة النخب والجمهور والذي سأكتب عنه في سياق خطاب النهضة الأشمل.

لن ينجح خطاب ولا برنامج ولا جماعة إذا تجاهلت دور الدين في حياة عامة الناس في العراق وعند العرب والمسلمين. والأدهى والأمرّ أن يكون الدين أداة وسلاحا وثوبا وشعارا للظلم وتمزيق المجتمعات وإراقة الدماء وامتهان الكرامات واستعباد الشعوب.

الأحبة القراء

نعلم جيدا أن ثمة مكائن إعلامية وجنودا مخفيين في مواقع رقمية وقنوات إعلامية يعملون ليلا ونهارا وبخطط علمية من أجل تحطيم نفسية العراقي وإذلاله والتشكيك المستمر بالعراق وقدرته والاستخفاف بأهله وبالعرب وبالمسلمين وتمزيقهم مذهبيا وقوميا.

تضيق هذه الصفحة عن أن تسع طرح خطاب النهضة مرة واحدة، ولذا لا بد من تدرج وأرجو من الأحبة القراء أن يصبروا على التدرج في الطرح، وأن يستمروا بتقديم ملاحظاتهم لأهميتها، وأرجو الترويج لهذا الخطاب ما أمكن

نعلم أيضا أن العراق اليوم دولة منهارة رديئة مستغلة ومحتلة ومتوجهة نحو المزيد من الفتن والانقسامات والانهيار ما لم نتدخل لتغيير هذا المسار وعلينا أن نعمل بصبر وحكمة وسعة صدر لنعيد إلى أنفسنا الثقة والقدرة والإيمان بالعراق وشعبه.

إنني مؤمن ومطمئن بأننا قادرون على النهضة بالعراق، وأن نجمع الارادات ونطلق المبادرات التي ستتراكم وتنجح طالما اعتمدت خطابا حداثيا بمرجعيات كونية يشد شبابنا نحو صناعة عراق حر ومستقبل أفضل.

طموحي أن أخدم العراق إلى آخر عمري وليس لي طمع بمال أو سلطة فيه، وأملي أن أخدم شباب العراق بإعطائهم خلاصة ما تعلمته في رحلة طويلة متنوعة في العمل العام الذي بدأ سريا في نيسان 1968 ولم ينقطع حتى هذا اليوم..

---------------------------------------------------------------------------------------

*كاتب عراقي

رباعيّة المجتمعات الحديثة الناجحة

كثيرون من العرب، في داخل بلدان الأمّة وخارجها، يتساءلون الآن عن ماهيّة بديل الحالة العربية الراهنة التي سماتها الحروب الأهلية والانقسامات الطائفية والمذهبية والإثنية، وتصاعد التدخّل الأجنبي وانهيار أوطان ومجتمعات. ويشترك كلّ العرب في وصف واقع الحال ورفضه، لكنهم يختلفون في فهم أسبابه وبدائله المنشودة. البعض يضع الملامة فقط على حكومات مستبدّة ويرى الحلَّ فقط باعتماد الحياة السياسية الديمقراطية، بينما تجارب عربية حديثة في لبنان والعراق ومصر وتونس وليبيا تؤكّد أنّ سقوط "حكم الاستبداد" لا يعني أنّ البديل عنه سيكون أفضل، وبأنّ الحلَّ لا يكون فقط بالانتخابات وباعتماد آليات ديمقراطية حتّى يمكن تحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي. كذلك الأمر، ما حصل حينما دعا البعض إلى شعار "الإسلام هو الحل"، وبأنّ وصول حركات سياسية دينية للحكم سيخرج الأوطان من أزماتها، فإذا بهذه الأوطان والمجتمعات تزداد بعد ذلك تأزّماً وانقساماً.

أيضاً، هناك رأي مقابل في الفكر العربي المعاصر، يرى أنّ معظم مصائب الأمّة العربية سببها التدخّل الأجنبي والقوى الخارجية، بينما تجارب النصف الثاني من القرن العشرين تؤكّد أنّ العرب نجحوا في معارك التحرّر الوطني وفي طرد المستعمر الأجنبي من بلادهم، لكنّهم فشلوا في بناء المجتمعات المدنية الحديثة، وفي تحصين الداخل الوطني من مشاريع ومؤامرات الخارج.

ربّما المشكلة هي في "آحادية التفكير والحلول"، وفي المراهنة على عنصر واحد من جملة عناصر تُكمّل بعضها البعض في عملية بناء المجتمعات الحديثة الناجحة. فممارسة الديمقراطية السليمة تحتاج إلى توفّر مجتمعات مدنية متحرّرة من أي هيمنة خارجية وقائمة على مرجعية الناس في الحكم والتشريع، وممّا يحقّق حرّية الوطن والمواطن معاً، وصولاً إلى العدل السياسي والاجتماعي، وبذلك يسود الاستقرار ويتعزّز مفهوم المواطنة المشتركة.

لكنّ المشكلة أيضاً في المجتمعات العربية هي في عدم التوافق على مسألتين، هما بمثابة مسلّمات ومنطلقات في المجتمعات الحديثة الناجحة: الهُويّة ودور الدين. فحسم كيفيّة فهم هاتين المسألتين هو الأرضية الأساسية لبناء أوطان عربية متقدّمة وموحّدة، ومن دون ذلك، سيبقى الخلل قائماً، والتصدّع محتملاً، في بنية ووحدة أي بلد عربي. فالإصرار على أولوية "الهُويّات" غير الوطنية والعربية سيجعل ولاء بعض المواطنين لخارج وطنهم، بحكم "المرجعيات الدينية أو الإثنية"، وسيوفّر المناخ المناسب للتدخّل الأجنبي ولصراعات أهلية.

هذا ليس بموضوعٍ جديد على منصّة الأفكار العربية. فهو موضوع لا يقلّ عمره عن مائة سنة، إذ منذ مطلع القرن العشرين يدور التساؤل في المنطقة العربية تحديداً حول ماهيّة هويّة هذه المنطقة، وهي المرحلة التي بدأ فيها فرز العالم الإسلامي بعد انتهاء الحقبة العثمانية إلى دول وكيانات وفق اتفاقية "سايكس- بيكو".  لكن ما حدث خلال القرن العشرين أثبت عدم إمكان الفصل في المنطقة العربية ما بين العروبة الثقافية والإسلام الحضاري. فالعروبة والإيمان الديني حالة متلازمة في المنطقة العربية، وهي مختلفة عن كل علاقة ما بين الدين والقوميات الأخرى في العالم الإسلامي. فقد كان على تركيا، لكي تبتعد عن الدين (وهو هنا الإسلام)، كان عليها أن تتمسّك بقوميتها التركية وأن تستبدل أبجديتها العربية باللاتينية. وهذا المثال الذي حدث في تركيا جعل الكثيرين من العرب، المتمسّكين بدينهم الإسلامي، يعتقدون أنَّ الحديث عن القومية العربية يعني التخلّي أيضاً عن دينهم، قياساً على التجربة القومية التركية في مطلع القرن العشرين، بينما الأمر يختلف من حيث خصوصية العلاقة بين العروبة والإسلام، فهي مسألة خاصّة بالعرب لا تشترك معهم فيها أيّة قومية أخرى في العالم الإسلامي. فالعربية هي لغة القرآن الكريم، والثقافة العربية هي التي انتشرت من خلالها الدعوة الإسلامية في العالم.

وكما صحَّ القول المعروف: "كم من الجرائم تُرتكب باسمك أيتها الحرية"، فإنّ جرائم عربية عديدة كانت تُرتكب باسم "الهويّة" الوطنية أو العربية...  لكن، هل أدّت الجرائم باسم "الحرية" إلى التخلّي عن هذا الهدف النبيل والمطلب المشروع لكلِّ فردٍ وجماعة وأمَّة..؟!.

لقد كانت "الهُويّة العربية" تعني - وما تزال- القناعة بأنّ العرب أمَّة واحدة تتألف الآن من أقطار متعدّدة، لكنها تشكّل فيما بينها امتداداً جغرافياً وثقافياً وحضارياً واحداً، وتتكامل فيها الموارد والطاقات البشرية والمادية. والمتضرّرون من تثبيت وتفعيل هذه "الهُويّة" هم حتماً من غير العرب، الذين في الماضي، كما هم في الحاضر، يمنعون توحّد شعوب الأمَّة العربية؛ حفاظاً على مصالحهم في المنطقة، وعلى مستقبل استنزافهم لثرواتها.

لكن دور الدين في الحياة العربية هو سيفٌ بحدّين، حيث من المهمّ التمييز بين ما في الإسلام وكل الرسالات السماوية من قيم ومبادئ هامّة جداً، في كلّ زمانٍ ومكان، للإنسان الفرد وللجماعة، وبين أمور ترتبط بكيفيّة المعاملات والعبادات، والتي تختلف الاجتهادات حولها حتّى داخل المذهب الواحد، فكيف مع مذاهب وطوائف أخرى؟! لذلك يُصبح الحديث عن المجتمعات المدنية الحديثة الناجحة متلازماً مع مسألة "العلمانية"، بمعناها العام الداعي لفصل "رجال الدين" عن قضايا الحكم وسنّ الدساتير والقوانين، والتي عليها حتماً أن تسترشد بالقيم والمبادئ الدينية والإنسانية المشتركة.

إنّ العلمانية لم تكن في نشأتها الأساسية بأوروبا مذهباً فكرياً مضادّاً للدين، بل يمكن اعتبار العلمانية كمذهب ديني دخل على المسيحية ونشأ معها ولم يدخل التجارب الإنسانية إلا بها. فقد ارتبطت نشأة العلمانية بصراع بين مؤسسة دينية كاثوليكية أوروبية احتكرت كل شؤون الدين والدنيا، وبين مؤسسات غير دينية نامية رافقت نشوء الدول والقوميات في أوروبا. ولم تكن العلمانية في أساسها دعوة إلى الكفر بالدين، بل كانت محصّلة عوامل سادت في أوروبا نحو 7 قرون امتزجت فيها الثورة على استبداد الكنيسة أيام الأمراء والإقطاع، ثمّ على تدخّل الكنيسة أيام الثورة الصناعية. ولقد كان جوهر "حركة التنوير الأوروبي" هو الثقة في مقدرة العقل على إدراك الحقيقة.. وهو جوهر نثرت بذوره في أوروبا جماعة من الدارسين يسمّونها (المدرسة الرشدية) نسبةً إلى الفيلسوف العربي المسلم ابن رشد (توفّي عام 1198).

وكانت العلمانية الأوروبية تعني عزل الدولة عن سلطة الكنيسة وليس عن الدين، وكانت تعني استمرارية لحركة التنوير والنهضة (التي بدأها مارتن لوثر في أوائل القرن 16)، وكانت تعني استخدام العقل وعدم القبول بقدسية كل ما تقوم به الكنيسة. فتعبير العلمانية لا يعني مطلقاً الارتباط مع كلمة العلم، حيث نصّ المنجد اللغوي العربي أنّ أساس التعبير هو "العامّي غير الإكليركي" الذي قد يكون فلاحاً أو طبيباً، وقد يكون أمّياً أو متعلّماً.

ومن الضروري التمييز بين دعاة العلمانية وعدم وضعهم جميعاً في سلّة واحدة، فهناك علمانيون يؤكّدون على دور الدين في المجتمع ويدعون لحقوق المواطنة للجميع دون ابتعادٍ عن الدين أو قيم الأديان، وهناك من يرفض أي دور للدين في الحياة العامّة، كما كان حال التجارب الشيوعية في القرن الماضي. لكن المنطقة العربية هي مهد كل الرسالات السماوية والأنبياء ومواقع الحجّ الديني، وبالتالي فإنّ تغييب أو تهميش دور الدين فيها هو مسألة مستحيلة عملياً.

إنّ فصل الدين عن المجتمع لم يحصل في أيّ أمّة إلا بفعل القوة (مثال تجارب الأنظمة الشيوعية). أمّا فصل الدين عن الدولة أو الحكم في الأنظمة الغربية فكان نسبياً، فهو في فرنسا فصلٌ كامل في السلوك السياسي والشخصي، وهو في أميركا فصلٌ فقط بقضايا الحكم.. وهو يختلف في بريطانيا عن النموذجين الفرنسي والأميركي.. وهناك في إيطاليا، وبعض دول أوروبا الأخرى، أحزاب سياسية قائمة على أساس ديني (كالحزب الديمقراطي المسيحي)، أمّا في يوغوسلافيا فلم ينجح الحكم العلماني الشيوعي (لأكثر من نصف قرن) في إزالة العصبيات الدينية حتّى بين الكاثوليك والأرثوذكس، وانشطرت يوغوسلافيا دينياً في عقد التسعينات رغم علمانيتها!.

فالعلمانية وحدها لم تكن العصا السحرية التي بنت أوروبا وأميركا في العصر الحديث، ولم تكفِ العلمانية والديمقراطية وحدهما، في كلّ بلدٍ أوروبي، لتحقيق التقدّم والبناء الاقتصادي والاجتماعي، لذلك كانت الحاجة إلى الاتّحاد والتكامل مع الآخرين الأوروبيين (الاتّحاد الأوروبي). كذلك الأمر في النموذج الأميركي، حيث تعجز أيّة ولاية أميركية عن بناء تقدّمها الاقتصادي والاجتماعي، بمعزلٍ عن الولايات الأخرى.

لقد شهدت بعض البلاد العربية والإسلامية تجارب لأنظمة حكم علمانية لكن بمعزل عن الديمقراطية السياسية في الحكم والعدالة في المجتمع، فلم تفلح هذه التجارب في حلّ مشاكل دولها؛ كنظام بورقيبة في تونس، والنظام العلماني لشاه إيران الذي أسقطته ثورة إسلامية، وتجربة الحكم الشيوعي في عدن الذي انتهى بصراعات قبائلية على الحكم، ونظام "جبهة التحرير" العلمانية في الجزائر الذي أدّى إلى تصاعد التيّار الإسلامي فيها، كما لم تمنع علمانية تركيا من بروز التيّار الإسلامي ووصوله للحكم، إضافةً للتجارب العلمانية الفاشلة لأنظمة حزب البعث منذ مطلع الستينات. أيضاً، فإنّ معالجة ظواهر العنف باسم الدين لا يكون بالابتعاد عن الدين بدلالة ظهور حركات العنف في أميركا وأوروبا على أساس ديني رغم وجود الأنظمة العلمانية.

إنّ البلاد العربية، لكي تنهض وتتقدّم، بحاجة إلى فكر يقوم على رباعيّة عناصر تجمع بين التأكيد على الهُويّة العروبية الحضارية، وعلى مرجعية القيم والمبادئ الدينية، وعلى بناء مؤسسات مدنية تستهدف الوصول إلى مجتمع العدل وتكافؤ الفرص، وتقوم آلياتها على أسس علمانية وديمقراطية وعلى منهج "العقلانية" في فهم النصوص، واعتماد المرجعية الشعبية في الحكم والقوانين.

-------------------------------------------------------------

 *مدير "مركز الحوار" في واشنطن

 عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 لقراءة مقالات صبحي غندور تابع الرابط التالي:

http://www.alhewar.net/Sobhi%20Ghandour/OtherArabicArticles.htm

بابل أم الإمام الحسن بن علي..؟

كان خبراً عابراً نشر في موقع الكتروني حول إقامة مهرجان ديني في بابل، المدينة التاريخية التي سُن فيها أول قانون عرفته البشرية (مسلة حمورابي) وكانت مهد الحضارة التي سميت باسمها، لكنه أشعل موجة من الاحتجاجات الغاضبة بين العراقيين الذين استنكروا ما ورد فيه من أن جهات دينية تعتزم تغيير اسم المدينة الـــتاريخية إلى «مدينة الإمام الحسن». لماذا يعقد هذا المهرجان سنوياً في بابل، وما هي علاقة هذه المدينة بالإمام الحسن وأسئلة أخرى كثيرة بدأت تطرح في كل المنابر والمجالس، لكن لم تجد لها أجوبة مقنعة.

«العتبة الحسينية»، التي تدير مرقد الإمام الحسين في كربلاء، نفت أن تكون لها أي خطة لتغيير اسم بابل، وقد فعلت «العتبة العباسية» الشيء نفسه، غير ان الأسئلة حول الموضوع وعرائض الاحتجاج ما زالت تترى.

لقد طُرح موضوع تغيير اسم بابل للمرة الأولى قبل سنوات عدة عندما بدأ «مهرجان الإمام الحسن» يعقد فيها، لكن الموضوع أثار حينها احتجاجات واسعة، فتخلى عنه متبنّوه، وظن الناس أن الأمر انتهى، لكنه عاد إلى الواجهة قبل أيام، ما يدل على أن الفكرة ما زالت قائمة وأن هناك من يسعى إلى تنفيذها مهما طال الزمن، وأن اسم بابل الذي يحمل مضامين تاريخية ومعنوية للعراق، سيتغير إلى اسم ديني كي تلتحق بالمدن المقدسة الأخرى، وتحمل اسم الإمام الحسن بن علي، على رغم أنه لا أحد يزعم، حتى الآن على الأقل، أن هناك علاقة بين المدينة والإمام.

تغييـــــر أسماء المدن والشوارع والأحياء ليس جديداً، إذ أقدم النظام السابق على تغيير العديد من أسماء المدن والأحــــياء والشــــوارع العراقية، فقد أطلق اسم «المثنى» على منطقة السماوة عندما تحــــولت إلى محـــافظة، باعتبار أن القائد العـــربي المثنى بن حارثة الشيباني ـــقد عسكر بها ذات يوم، كما أطلق اسم «القادسية» على محافظة الديوانية باعتبار أن الجيــــوش الإسلامية التي غزت إيران في معـــركة القادسية قد عسكــــرت هنـــاك، واسم «صلاح الدين» على محافظة مركزها مدينة تكريت التأريخية، لأنها مسقط رأس صلاح الدين الأيوبي، بينما أصبحت الرمادي «الأنبار»، والعمارة «ميسان»، والناصرية «ذي قار»، والكوت «واسط»، والثورة «مدينة صدام»، ومطار بغداد «مطار صدام»، وهكذا.

ولم تهدأ الحماسة لتغيير الأسماء بعد سقوط نظام صدام، بل تجدد على أيدي معارضيه المستائين من الأسماء التي أطلقها النظام السابق على المدن والأحياء والشوارع والمستشفيات والمدارس، فغيروا الكثير منها، لكنهم اصطدموا بتعلق الناس ببعضها كونه ملتصقاً بحضارة العراق وهوية أبنائه. شارع الرشيد مثلاً، معلم مهم من معالم بغداد، وعلى رغم أن هارون الرشيد لا يروق للبعض، إلا أنهم قبلوا به على مضض فبقي الاسم وأُهمِل الشارع. حي المنصور الذي يحمل اسم مؤسس بغداد، أبي جعفر المنصور، من أهم أحياء العاصمة وأجملها ولن يقبل البغداديون بتغيير اسمه أو إزالة تمثال «المنصور» منه، والذي أزيل لفترة من الزمن لكنه عاد بسبب الإستياء الشعبي من إزالته. شارع «أبو نؤاس» المحاذي لنهر دجلة من أهم وأجمل شوارع العاصمة، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يُزال هذا المعلم التاريخي من العاصمة وإن لم يستحسِن البعض سيرة الشاعر أبي نؤاس (الحسن بن هانئ) الذي كان نديماً للخليفة العباسي ولم يكن ملتزماً دينياً.

قد لا يهتم كثيرون إن تغير اسم «المثنى» إلى «السماوة»، وفعلاً لم يهتم أحد عندما ألغي اسم «القادسية» لتعود المحافظة إلى اسمها السابق المفضل لدى سكانها، لكن العراقيين لن يقبلوا بإلغاء اسم «بابل» لأنه جزء أساسي من هويتهم الثقافية والتاريخية التي يعتزون بها. تقع بابل إلى جوار مدينتي كربلاء والنجف اللتين تمتلئان بالزائرين في المواسم الدينية، وقد يكون هناك من يفكر بضم بابل إليهما لاستيعاب الأعداد المتزايدة من الزائرين، أو ربما هناك من يتوهم بأن وجود بابل قد يقلل من أهميتهما التاريخية والدينية، لكن الحقيقة أن بابل ترفع من مكانة العراق العالمية.

الحجة التي سيقت لتغيير اسم بابل هي أن «أهلها يتميزون بالكرم وأن الإمام الحسن قد عرف تاريخياً بالكرم»! لكن هذا التبرير لم يقنع أحداً، أولاً لأهمية بابل العالمية، وثانياً لأن أهل بابل لم يتميزوا وحدهم بالكرم بل كل أهالي منطقة الفرات الأوسط، التي تضم مدناً كثيرة، قد تميزوا بذلك ومن عاداتهم إنشاء «المضافات» لاستقبال الغرباء وإطعامهم وإيوائهم من دون سؤالهم حتى عن أسمائهم، إلا بعد ثلاثة أيام كما جرت العادة. بل إن بعض المدن مثل «الشنافية» كانت إلى عهد قريب تخلو من الفنادق والمطاعم، فهناك مضافة «آل مكوطر» تستقبل الضيوف وتطعمهم وتأويهم مجاناً منذ القدم. ولو افترضنا أن أهل بابل قد تميزوا عن غيرهم بالكرم، فهل يبرر هذا إلغاء اسم تاريخي تميز به العراق وتغنى به العالم واقترن بعجائب الدنيا السبع؟ هل من المعقول أن تلغى الأسماء الحضارية الموغلة في القدم والمرتبطة بوجدان الناس تحت ذرائع دينية؟ أم أن هناك أسباباً أخرى، ربما تجارية، أو تتعلق بالطابع التاريخي لبابل والذي قد يقلل، في نظر البعض، من الأهمية التاريخية والدينية للمدن المجاورة؟

الجماعات المتشددة لديها مشكلة مع التاريخ والآثار لأنها لا ترتبط بمعتقداتها، فـ «طالبان» لم يهدأ لها بال إلا بعد أن هدمت تماثيل بوذا في باميان، و»داعش» اعتبر تحطيم «الثور المجنح» وهدم قبر النبي يونس في الموصل إنجازين عظيمين قدمهما للبشرية. الضيق بالتاريخ ينطلق من أهميته لدى الشعوب، فليست هناك أمة لا تعتز بإرثها التأريخي والحضاري. لكن الغريب أن الدعوة إلى تغيير اسم بابل، والتي تلاشت بسرعة تحت صرخات الاستهجان والغضب الشعبي، تتزامن مع انتصار العراق على الجماعات الإرهابية في الفلوجة. فهل من المعقول أن يكون بين العراقيين من يشارك الجماعات الإرهابية أهدافها في القضاء على إرث العراق؟ تاريخ العراق الذي يمتد آلاف السنين ميزة فريدة له يجب أن تعتز بها الأجيال وتصونها، أما الأصوات المعادية للتاريخ فعليها أن تتحرر من هذا الوهم لأن الحضارات تمتلك مقومات البقاء.

 ------------------------------------------------

 * نشر المقال في صحيفة "الحياة" اللندنية

العرب وعقدة من القائل

لا يكفي البعض أن تكون حجتنا دامغة، فما إن يعلم مصدر المعلومة أو الحكمة، حتى يكابر ويرفضها، متناسياً أن الحكمة ضالة المؤمن.

هؤلاء ينسون أن من سطر أروع الأمثال الشائعة، والأبيات الشعرية الخالدة، كانوا أناساً لم يخلوا من عيوب، لكنهم كسائر الخلق، لا بد أن تنطق أفواههم بكلمة حق، أو مقولة تثري النقاش، أو تدفع المتحاورين للنظر إلى الموضوع من زاوية مختلفة.

وهذا ما انتبه إليه المعهد الملكي للشؤون الدولية، الشهير باسم "تشاتام هاوس"، الواقع في قلب لندن منذ عام 1927، حيث ابتكر نظاماً جميلاً لتنظيم النقاشات المثيرة للجدل وإثرائها، وهي "قاعدة تشاتام هاوس"، التي تسمح للمشاركين بالمناظرات والنقاشات السياسية والاجتماعات الداخلية بحرية، باستخدام معلوماتهم، من دون الحاجة للكشف عن هوية أو انتماء المتحدث.

وتهدف هذه القاعدة الإنجليزية، إلى إفساح المجال للمتحاورين، بإخفاء مسمياتهم أو أسمائهم أو انتماءاتهم أو الجهة التي ينتمون إليها. وهذا المناخ الصحي من السرية، يدفع المشاركين إلى البوح بأريحية بآرائهم وأقوالهم، حتى وإن تعارضت مع توجهات أحزابهم، مثلاً. يا لها من فكرة رائدة، تحتاجها شعوبنا العربية لتفضفض عن مكنوناتها، بعيداً عن سيف الرقيب، أو من يمعنون في تصنيف الناس، وكرههم قبل أن يصغوا جيداً إليهم.

أذكر أن اسماً مستعاراً أشغلني في تويتر باسترساله في نقاش وأفكار مثمرة، فقلت له لم، لا تكشف عن اسمك، ونتحاور معاً شفاهة، بدلاً من التراشق النصي في تويتر. فاعتذر بلطافة، وقال: وظيفتي لا تسمح لي بالكشف عن اسمي. فهو ليس مخبر سري، على ما يبدو، لكنه يحمل فكراً نيراً، منعته طبيعة وظيفته من الخوض في نقاشات معينة. ربما كان قاضياً أو سفيراً أو يتبوأ موقعاً حساساً في بلاده.

هذا مثال عملي على عمق ما يحمله أفراد مجتمعنا من أفكار بناءة، كان يمكن أن تكون نواة لحلقة نقاشية مثمرة، لو أننا توقفنا عن تصنيف الناس قبل دعوتهم إلى مؤتمر أو مناظرة أو لقاء تلفزيوني مهم.

العالم الغربي، يقدر درر القول والحكم، ولذا، لا تكاد تخلو جداريات مكتبة أو مبنى أو كتاب، من مقولات الناس، حتى ممن يختلفون معهم في الرأي والعقيدة. أذكر أن زميلاً أميركياً أهداني ما اعتبره كتاباً ثميناً، غلفه كهدية، ولما فتحته وجدته مليئاً بالمقولات، كثير منها أقرب للحكمة، وليس فيها من القائل، ولا عجب، لأنهم يؤمنون بأن الحكمة ضالتهم.

وكم نحن بحاجة إلى قاعد "تشاتام هاوس" المهمة في الحوار، خصوصاً في العبارات التي لا تكون مبطنة لإثارة فتنة، أو نشر رذيلة، وزعزعة أمن البلاد والعباد. الناس من حولنا يتحفوننا بأفكار وتعليقات مذهلة، تستحق أن "تكتب بماء الذهب".

ولن نتقدم كعرب، ما دمنا نحرص على معرفة "من القائل"، على حساب ماذا قال من درر.

-------------------------------------------------------------------

*كاتب متخصص بالادارة

تحية للقوات العراقية المنتصرة على قوى الظلام

"أعلنت قيادة العمليات المشتركة - خلية الاعلام الحربي، يوم الجمعة [17/6/2016]، تحرير مبنى القائممقامية في قضاء الفلوجة والذي يمثل مركز المدينة ومجمعها الحكومي ورفع العلم العراقي فوق مبناها ". "كما وأعلن القائد العام للقوات المسلحة رئيس الوزراء حيدر العبادي، إحكام السيطرة على داخل قضاء الفلوجة أبرز معاقل عصابات داعش الارهابية في محافظة الانبار".*

وأعادت وكالات الأنباء العالمية مضمون هذا الخبر في نشراتها الأخبارية، مما يؤكد صحته.

وبهذه المناسبة المباركة نقدم أحر التهاني وأزكى التبريكات للقوات الأمنية المشتركة، والحشد الشعبي والحشد العشائري، على هذا النصر المؤزر على قوى البغي والظلام، ومن يرعاهم ويحتضنهم ويمدهم بالمال والسلاح والإعلام، فلهم الخزي والعار. و ندعو بالرحمة، والمجد والخلود للشهداء الأبرار، وعزاؤنا لذويهم، والشفاء العاجل للجرحى، وتحية لكل من شارك في هذا العمل البطولي لتطهير الأرض والعرض من دنس الدواعش الأشرار ومن يدعمهم. والنصر المؤزر لشعبنا العزيز.

هذا الحدث العظيم له مغزاه ودلالاته، فالجيش الذي اتهموه بالهزيمة والانهيار أمام 400 مسلح من الدواعش يوم 10 حزيران 2014 بتسليم الموصل، ومن ثم بقية المناطق ذات الغالبية السنية، هو نفس الجيش الذي استرجع غالبية تلك المناطق، والآن يدك أهم معقل من معاقل الدواعش البعثيين (فلوجة)، والمعركة لم تنته بعد، فشراذم الدواعش بين قتيل وجريح وأسير وهزيمة.

إن تسليم المناطق إلى الدواعش يوم 10/6/2014، وبعد ذلك التاريخ، كان مخططاً واسعاً وخطيراً شاركت فيه حكومات إقليمية وعلى رأسها السعودية وقطر وتركيا، وقوى محلية مشاركة في السلطة،تم الاعداد له بسنوات، بدءً بشن حملة إعلامية واسعة بإدعاء التهميش والعزل للسنة والكرد، وتشويه سمعة الجيش العراقي ووصفه بجيش المالكي، والصفوي، والإيراني ...الخ، ومطالبة الحكومة بسحب أغلب الضباط الشيعة في الجيش من المناطق السنية واستبدالهم بضباط أكراد ومن أبناء المناطق ذاتها باسم المصالحة الوطنية. ولما استجاب لهم رئيس الوزراء السيد نوري المالكي، آنذاك، وحققوا غايتهم هذه بسحب الضباط من أبناء الجنوب، و تبديلهم بالضباط المحليين من أبناء تلك المناطق، وغالبيتهم بعثيون، قاموا بتسليم مدنهم إلى الدواعش بدون إطلاق رصاصة واحدة، وانظم معظم هؤلاء الضباط إلى الدواعش، ومن ثم ليتهموا المالكي بتسليم مناطقهم إلى الإرهابيين والمطالبة بمحاكمته وتصفيته سياسياً وجسدياً!!! هكذا الشطارة وإلا فلا!

كما وكان هناك اتفاق مع رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني، بانسحاب الضباط الكرد من الجيش في محافظة الموصل، مقابل احتلاهم لمحافظة كركوك.

وقد رافقت عملية التسليم هذه حملة إعلامية عربية وعالمية واسعة للحط من سمعة الجيش العراقي وتدمير معنوياته، كجزء من الحرب النفسية، والإدعاء بأنه جيش منهار لا يستطيع الصمود أمام عدد قليل من الدواعش!. علماً بأن جميع القوات الأمنية المسلحة من الشرطة بعشرات الألوف كانت مؤلفة من أبناء تلك المناطق وليس بينهم أي فرد من الجنوب، فسلموا أسلحتهم لداعش ومنهم من انضم إليها.

فهذا الجيش الذي حاولوا تحطيم معنوياته، هو نفسه راح يحارب الدواعش بمنتهى الشجاعة والصمود وبتحضحياته حرر مدينة تكريت ومن ثم الرمادي، والآن الفلوجة، معقل الدواعش. وهاهي القوات الأمنية المشتركة تتجه نحو الموصل لاستكمال تحرير الأرض والعرض، وتطهير جميع المناطق الشمالية من دنس شذاذ الآفاق.

والجدير بالذكر أن هزيمة الدواعش في هذه المعارك رافقتها حملة إعلامية هستيرية شرسة ومسمومة من الإعلام المضاد وخاصة الخليجي وبالأخص السعودي، لتشويه سمعة الحشد الشعبي والحكومة العراقية والإدعاء بقيام "الحشد الشيعي" بانتهاكات خطيرة ضد السكان المدنيين، في الوقت الذي أثبتت فيه وسائل الإعلام المحايد عن زيف هذه الإدعاءات. وهذا دليل على أن الإعلام العربي وخاصة الخليجي هو مع داعش، يعملون على تشويه سمعة القوى التي تحارب داعش بصدق واخلاص.

فراح الاعلام المعادي يفبرك أخباراً ملفقة ضد الحشد الشعبي، و تنسبها إلى مسؤولين غربيين كبار، وعلى سبيل المثال، استلمتُ اليوم عبر بريدي الإلكتروني، تقريراً بالعنوان التالي: [اعترافات خطيرة لوزير الدفاع الامريكي (جرائم الحشد الشيعي تصدم العالم)]، جاء فيه: " يا للهول...!! شاهدت جميع جرائم الحروب العسكريه التي حصلت على الارض، لكن ما وصل لنا من فيديوهات خاصة عما يحصل في معارك الفلوجة وما حصل في الصقلاوية أوقع لي صدمة كبيرة جدا.!! هذه الفيديوهات لعناصر أستخبارات لنا من الداخل وهي تسجيلات متواصلة وخاصة..تشاهدونها على مواقع التواصل من جرائم..اطفال تمزق جماجمهم وهم أحياء، نساء يتم إغتصابهن بطريقه وحشية..!! فتيات صغار جدا تغتصب..!! وبعدها يتم قتلهن وحرقهن...الخ). هذا غيض من فيض من تصريحات مزعومة للوزير الأمريكي. ولغباء كاتب الفبركة أنه لم يتأكد حتى من اسم الوزير الأمريكي، فأسماه (فراند كارتر) والصحيح أشتون كارتر... نسي الحكمة: (إذا كنت كذوباً فكن ذكورا).

في الحقيقة هذه الأعمال الإجرامية لا يقوم بها إلا الدواعش وجبهة النصرة، وغيرهما من المنظمات الإرهابية الوهابية التكفيرية، الممولة من السعودية وحليفاتها. كذلك لا يمكن إطلاقاً، أن تصدر هذه التصريحات الركيكة المفضوحة من مسؤول غربي ناهيك من يحتل منصب وزير دفاع دولة عظمى. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن مملكة الشر السعودية قد فقدت صوابها، فراح إعلاميوها يلفقون ضد الحشد بشكل جنوني. كما و يبدو أن كاتب هذه الفبركة وبتأثير من حقده وانفعالاته لا يعرف حتى كيف يلفق. نسي أننا في عصر غوغل، بإمكاننا متابعة أي خبر لنعرف مصدره الحقيقي. فبعد جهد قليل تبين أن مفبرك هذا الخبر هو سعودي يعمل في موقع اسمه (هوامير البورصة السعودية)، وهذا هو رابط التقرير الملفق: http://www.hawamer.com/vb/showthread.php?t=1986356

ورغم إفتضاح فبركته، إلا إنه من المؤسف أن راح البعض يروِّج له بذريعة حرية التعبير واحترام الرأي الآخر. فالحكمة تفيد: (حدث العاقل بما لا يُعقل فإن صدق فلا عقل له)

دروس وعبر

بعد نحو 13 عاماً من تحرير العراق من رجس الفاشية البعثية، حاول قادة الكتل السياسية السنية بشتى الوسائل، إفشال العملية السياسية والديمقراطية، وإعادة عقارب الساعة إلى ما قبل 2003، مدعين أنهم هم وحدهم أصحاب الحق التاريخي بحكم العراق رغم أن نسبتهم لا تزيد على 20% من الشعب العراقي في أحسن التقديرات. والخطأ الأكبر الذي اقترفوه أنهم ربطوا مصيرهم بالبعث الفاشي، واعتمدوا أبشع الوسائل الإرهابية باحتضان تنظيمات الإرهاب مثل القاعدة والزرقاوي، وأخيراً داعش لتحقيق أغراضهم السياسية، وبالتالي أساؤوا لمذهبهم بربط الإسلام السني بالإرهاب.

نسي هؤلاء أن احتكارهم لحكم العراق واضطهادهم للمكونات الأخرى، وحرمانهم من المشاركة في حكم بلادهم، واتباعهم مبدأ (فرق تسد)، واحتقارهم للديمقراطية، وسياساتهم هذه هي التي جلبت كل هذه الويلات والكوارث عليهم وعلى الشعب العراقي، وأن اعتمادهم على الإرهاب والسعودية وقطر وتركيا ضد وطنهم قد ألحق أشد الأضرار بجماهير المكون السني، فقد أحالوا مدنهم إلى خرائب وأنقاض، وأهاليهم إلى نازحين ولاجئين ومشردين. أنتم أيها القادة السياسيون للمكون السني تتحملون المسؤولية الكبرى لهذه الجريمة النكراء بحق الشعب العراقي. ويجب أن تقروا و تعترفوا بأنكم فشلتم فشلاً ذريعاً باحتكاركم للحكم خلال ثمانين عاماً، والذي أوصل العراق إلى هذا المصير الأسود.

لذلك، يجب عليكم أن تعيدوا النظر في موقفكم الخاطئ، وتتوقفوا عن تحقير وتكفير وتبخيس أخوتكم في الدين والوطن من الشيعة بنعتهم بالروافض والصفويين وأبناء المتعة وعملاء إيران..وغيرها من النعوت البذيئة. فعهد حكم المكون الواحد والدكتاتورية قد ولىّ وإلى الأبد، وعليكم أن تتقبلوا الديمقراطية، و تشاركوا في إصلاح الوضع الجديد وسد نواقصه، و إنضاج التجربة الديمقراطية الوليدة وليس بوأدها وبإحتضان الإرهاب في مناطقكم. أما شعاركم (عليَّ وعلى أعدائي يارب)، فقد جلب عليكم وعلى أهاليكم المزيد من الكوارث. فالحكمة تفيد: (إما أن تتكيفوا مع الوضع الجديد أو تنقرضوا). فمن يزرع الشر لا يحصد إلا الشر. وعلى الباغي تدور الدوائر.

-----------------------------------------------------------------

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.  

http://www.abdulkhaliqhussein.nl

أين الشعوب الإسلامية من الإسلام؟

الإسلام ينبذ الإرهاب وقتل الأبرياء.

في الإسلام مفاهيم وضوابط واضحة لا تقبل بأيِّ حالٍ من الأحوال قتْل الأبرياء – وهو مضمون المصطلح المتداول الآن (الإرهاب)- مهما كانت الظروف والأعذار، حتّى ولو استخدم الطرف المعادي نفسه هذا الأسلوب.

وفي قول ابن آدم (هابيل) لأخيه (قابيل) حكمةٌ بالغةٌ لمن يعيها:

"لئِنْ بسَطْتَ إليَّ يدَكَ لتقتُلني ما أنا بباسطٍ يدِيَ إليكَ لأقتُلَكَ إنّي أخافُ اللهَ ربَّ العالمين. إنّي أُريدُ أن تبُوْأَ بإثْمي وإثْمِكَ فَتكونَ من أصحابِ النّارِ وذلكَ جزاءُ الظالمين". (القرآن الكريم- سورة المائدة/الآيتان 28 و29).

وفي القرآن الكريم أيضاً: "منْ قتَلَ نفْساً بغيْر نفْسٍ أو فَسَادٍ في الأرضِ فكأنّما قتلَ النَّاسَ جميعاً، ومَنْ أحْياها فكأنّما أحيا الناسَ جميعاً" (سورة المائدة/الآية 32).

إنّ القتل العشوائي لناسٍ أبرياء هو أمرٌ مخالف لكلِّ الشرائع السماوية والإنسانية، وهو يتكرّر رغم ذلك في أكثر من زمانٍ ومكان، ولا نراه يتراجع أو ينحسر، وفي ذلك دلالة على انتشار الفكر المشجّع لمثل هذه الأساليب الإجرامية. ثمّ تزداد المأساة عمقاً حينما يعطي بعض المحلّلين السياسيين الأعذار لهذه الجماعات ولأعمالها، وكأنّ الحرام يصبح حلالاً لمجرّد وجود مشاكل اجتماعية أو سياسية في هذا المكان أو ذاك.

إنّ قتل النفس البريئة هو جريمةٌ بكلِّ المعايير، مهما ارتدى الفاعل المجرم من عباءات دينية أو طائفية أو وطنية. فلا تغيير المجتمعات يصحّ بالعنف الدموي، ولا تحرير الأوطان يبرّر قتل الأبرياء، ولا الردّ على التطرّف يكون بالتطرّف أيضاً.

إنّ اتّساع دائرة العنف الدموي باسم الإسلام أصبح ظاهرةً خطرة على صورة الإسلام نفسه، وعلى المسلمين في كافّة المجتمعات التي يعيشون فيها. وهذا أمرٌ يضع علماء الدين أولاً أمام مسؤولية لا يمكن الهروب منها، فهم المعنيون بالترشيد الديني السليم في كلّ المجتمعات، بينما، للأسف، نجد بعضهم يُشجّع على مثل هذه الأساليب الإرهابية، وهذه مصيبةٌ كبرى.

العنف أصبح يمارَس بلا ضوابط دينية أو اخلاقية أو إنسانية، وهذا نراه يحدث أيضاً في المجتمعاتٍ العربية التي كان شعار "إسقاط النظام" هدف انتفاضاتها الشعبية فإذا بها تنتهي، بسبب استخدام العنف المسلّح، إلى إسقاط أوطانها ووحدة شعوبها.  فالتغيير القائم على العنف المسلّح والقتل العشوائي للناس يؤدّي حتماً إلى تفكّك المجتمع، وإلى صراعاتٍ أهلية دموية، وإلى مبرّراتٍ لتدخّلٍ إقليمي ودولي واسع.

ينطبق الآن على حال الأوطان العربية والإسلامية وصف مرض "ازدواجية الشخصية". ففي معظم هذه البلدان تزداد على المستوى الفردي ظاهرة "التديّن" واهتمام الناس بالعبادات الدينية، لكن مع ابتعادٍ كبير لهذه المجتمعات عن مبادئ الدين وقيَمه وفروضه الاجتماعية.

إنّ المسلمين عموماً، والعرب خصوصاً، بحكم دور ثقافتهم ولغتهم واحتضان أرضهم للمقدّسات الإسلامية، مدعوون إلى مراجعة هذا الانفصام الحاصل في شخصية مجتمعاتهم، وإلى التساؤل عن مدى تطبيق الغايات النبيلة فيما هو منصوصٌ عليه من قيم وواجبات دينية.

فأين الالتزام بقول الله تعالى: (ولقد كرَّمنا بني آدم) بغضِّ النّظر عن أصولهم وأعراقهم وألوانهم وطوائفهم؟ أين العدالة والمساواة والشورى وكرامة الإنسان في كثير من المجتمعات العربية والإسلامية؟ وأين الوحدة في هذه المجتمعات، وأينَها بين بعضها البعض؟ أين التكافل الاجتماعي ومكافحة العوز والفقر؟ وأين دور الاجتهاد والعلم والعلماء في مواجهة الجهل وعلامات الجاهلية المتجدّدة؟ أين رفض التعصّب والتمييز العرقي والإثني والطائفي؟ أين المسلمون من جوهر إسلامهم، وأين العرب من كونهم "خيرَ أمّةٍ أُخرِجت للناس" بعدما حملت رسالةً تدعو إلى الإيمان بالله الواحد وبكتبه ورسله، لا تفرّق بينهم، وتؤكّد على وحدة الإنسانية وعلى قيم العدل والمساواة بين البشر؟!.

إنّ الله عزّ وجلّ يقاضي الناس ويحاسبهم على أعمالهم بشكل فردي، فلا تُظلَم، بلا ذنب، جماعةٌ بأسرها، عائلةً كانت أم قبيلة أم طائفة أم أمّة، لأنّ أفراداً منها أساءوا. وهذه الحكمة الإلهية جليّة الوضوح في قوله تعالى: "ولا تزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أخرى"، إذ لا يجوز أن ينظر الناس إلى بعضهم البعض من مواقع عائلية أو قبلية أو طائفية، فيتمّ إمّا تكريم أشخاص أو ظلمهم تبعاً لانتماءاتهم، لا بسبب كفاءتهم أو أعمالهم.

بل أين المسلمون، في سلوكهم الفردي مع أنفسهم ومع محيطهم العائلي والوطني، ممّا يقولونه في صلاتهم ويقرأونه في كتاب الله العزيز والسيرة النبوية الشريفة من مفاهيم وقيم وضوابط السلوك في التعامل مع النفس والآخر؟.

تُرى لِمَ لا تحدث الآن وقفة مع النفس العربية عموماً، والإسلامية منها خصوصاً، للتساؤل عمَّ حدث ويحدث من تراجع مهين في أوضاعهم وأوطانهم، ومن أساليب قتلٍ وعنفٍ مسلّح واقتتالٍ داخلي تحت مظلّة دينية وشعارات إسلامية؟.

ولِمَ هذا الانفصام أيضاً في الشخصية العربية والإسلامية بين الإجماع على المصلحة الإسرائيلية في إثارة موضوع "الخطر الإسلامي" القادم من الشرق كعدوٍّ جديد للغرب بعد اندثار الحقبة الشيوعية، وفي إضفاء صفة الإرهاب على العرب والمسلمين، وبين الواقع السائد في مجتمعات الدول العربية والإسلامية من ممارسة العنف المسلّح الذي تقوم به جماعات تحمل أسماء إسلامية؟ فأيُّ شريعةٍ دينية تحلّل قتل الأبرياء والمدنيين في الغرب، أو القيام بممارسات عنفية تهدم وحدة الأمّة والمجتمع في الشرق؟!.

إنّ "داعش" الآن، ومعها وقبلها "القاعدة"، استطاعتا استقطاب قطاعاتٍ واسعة من أجيال شابّة عربية وإسلامية بسبب طغيان الفكر الظلامي السلفي المدعوم من جهات عربية وإسلامية، وأيضاً بسبب غياب فعالية الفكر الديني السليم، الذي يُحرّم أصلاً ما تقوم به هذه الجماعات من أساليب قتل بشعة وجرائم إنسانية بحقّ كل من يختلف معها، حتّى من داخل الوطن أو الدين نفسه. فلو لم يكن هناك فراغ فكري للمفهوم الصحيح للدين وللمواطنة لما أمكن استقطاب هذا الحجم من أتباع هذه الجماعات.

إنّ تنظيم "داعش" ينتعش ويستفيد ويقوى الآن كلّ يوم، حتّى من قِبَل بعض من يتحدّثون ضدّه شكلاً ويدعمون ضمناً – ولو عن غير قصد - مبرّرات وجوده حينما يتّجهون بحديثهم إلى "عدوّهم" الآخر، وهو هنا قد يكون من طائفة أخرى أو مذهب آخر أو من دولة أخرى. فكثيرون يبدأون أحاديثهم ضدّ "داعش"، لكنّهم فوراً ينتقلون إلى الحديث عن "الخصم الطائفي أو المذهبي"، وعن وجود "الخطر الآخر" في داخل الوطن أو من دولة مجاورة، ممّا يساهم في إعطاء الأعذار لوجود "داعش" ولممارساتها باسم الإسلام، الذي هو كدين براءٌ من فكر هذه الجماعات وأساليبها.

وطبعاً، فإنّ هذا النوع من الأحاديث يزيد الشروخ الدينية والوطنية الآن ولا يبني سدوداً منيعة أمام جماعات التطرّف، بل على العكس، يرفدها بمزيدٍ من المؤيّدين. فالمواجهة مع جماعات "التطرّف العنفي" تحتاج الآن إلى وقف كل الصراعات والخلافات داخل المجتمعات العربية والإسلامية، وإلى تحقيق أقصى درجات التوافق الوطني والديني حتّى يمكن محاصرة هذه الجماعات وتجفيف كل منابع الدعم المادي والبشري لها. وعلى من يريدون فعلاً إنهاء ظاهرة "داعش" ومثيلاتها، واستئصالها من العالمين الإسلامي والعربي، أن يحاربوا فكرها أولاً!.

إنّ المخاطر القائمة حالياً هي ليست على أتباع هذا الدين أو ذاك المذهب فقط، بل هي أخطارٌ محدِقة بحقّ الأوطان كلّها بما فيها الشعوب والحكومات والمكوّنات الاجتماعية فيها. فضحايا التطرّف العنفي الآن هم من أوطان ومناطق وأديان ومذاهب مختلفة، وهم العرب والمسلمون في الشرق والغرب معاً.

-------------------------------------------------------------

*مدير "مركز الحوار" في واشنطن

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 *لقراءة مقالات صبحي غندور عن مواضيع مختلفة، تابع الرابط التالي:

http://www.alhewar.net/Sobhi%20Ghandour/OtherArabicArticles.htm

تداعيات مجزرة أورلاندو على حملة الانتخابات الأميركية

منذ أن تم الإعلان رسميا عن فوز كلينتون بترشيح الحزب الديمقراطي لخوض الانتخابات الرئاسية الأميركية، ارتفعت أسهمها على منافسها، مرشح الحزب الجمهوري ترامب في استطلاعات الرأي العام، بشكل جعل ترامب يترنح في حلبة الصراح الانتخابي حيث أنه، وبحسب استطلاع أجرته وكالة "رويترز" ومؤسسة "إبسوس"، فإن 46% من الناخبين المحتملين أعربوا عن دعمهم لكلينتون، مقابل 34.8% لمنافسها ترامب، فيما قال 19.2% إنهم لن يساندوا أيا منهما.

ورغم ذلك إلا أن الكثير من الخبراء يعتقدون أن هذا الفارق سيتغير ولو مرحلياً لصالح ترامب بعد المجزرة التي وقعت في مدينة أورلاندو الأميركية، وخلفت 49 قتيلا، في حادثة وصفتها وسائل الإعلام الأميركية بأنها الأبشع التي ألمت بالبلاد منذ تفجيرات 11 سبتمبر 2001 والأكبر في تاريخ الولايات المتحدة بالقتل المتعمد بالرصاص.

يشار إلى أن الكثير من الخبراء اعتبروا المجزرة التي ارتكبها المسلم الأميركي (من أصول باكستانية) سيد فاروق وزوجته تاشفين مالك، والتي قتل فيها 14 شخصاً وجرح فيها 17 آخرون يوم 2 كانون الأول 2015 والتي جاءت ثلاثة أسابيع من هجمات باريس يوم 13 تشرين الثاني 2015 كانت العامل الأساسي في صعود نجم دونالد ترامب وتفوقه على منافسيه من الحزب الجمهوري، حيث أشارت بعض استطلاعات الرأي إلى أن الأميركيين باتوا بعد هذه الأحداث أكثر ميلا لاختيار "رجل قوي قادر على مواجهة الإرهاب".

ويسعى ترامب الذي اختار لنفسه خط "التطرف" للاستفادة من كل حادث إرهابي لتأكيد وجهة نظره المعادية للعرب والمسلمين وقال إثر تفجيرات باريس إنه "سيفكر بجدية في إغلاق المساجد" وتابع في مقابلة مع مقابلة أجراها مع قناة MSNBCآنذاك "في الواقع سأكره فعل ذلك، ولكنه أمر يتوجب علينا التفكير به بجدية، حيث أن بعض أكثر الكارهين يأتون منها".

ولم يخيب المرشح الجمهوري وقتها ظن المحللين، وأطلق سلسلة من التصريحات النارية، مثل مطالبته بطرد المسلمين من أمريكا وإغلاق الحدود الأميركية، واستخدام التعذيب عن طريقة الإيهام بالغرق وغيرها من الطرق العنيفة أثناء استجواب مشتبه فيهم بجرائم إرهابية.

وجاءت الحادثة الأخيرة في أورلاندو، لتعطي جرعة قوة إضافية لهذه الأفكار المتطرفة، حتى أن المرشح الجمهوري لم يستطع إخفاء فرحته بهذه الحادثة وقال على حسابه في تويتر" أقدر التهاني لي لأنني كنت محقا بشأن الإرهاب الأصولي الإسلامي.. لا أريد تهاني.. أريد شدة ويقظة.. ينبغي أن نكون أذكياء".

ولم تظهر أي استطلاعات رأي ذات مصداقية تقيس اتجاهات الناخب الأميركي بعد مجزرة أورلاندو تبين انعكاسات المجزرة على تقدم ترامب أو تراجع كلينتون أو التساوي بينهما في انتظار ما ستسفر عنه الساعات القادمة.

وكان الرئيس الأميركي باراك أوباما قد ندد بمجزرة أورلاندو ووصفها بـ "عمل إرهاب وكراهية" حيث قال في كلمة مقتضبة مباشرة من البيت الأبيض إن "أي فعل إرهابي وكراهية لا يمكن أن يغير ما نحن عليه" مشيرا إلى أن الأمن الفدرالي إف.بي.آي فتح تحقيقاً في المجزرة "كعمل إرهابي" وأمر تنكيس الأعلام على المباني الفدرالية حدادًا على الضحايا.

من جانبه دعا ترامب أوباما للاستقالة من منصبه؛ لأنه لم يذكر تعبير "الإسلام الراديكالي" في بيانه الذي ألقاه تعليقاً على مذبحة أورلاندو. وأضاف ترامب في بيان أصدره بهذا الخصوص الأحد "لأن قادتنا ضعفاء، فقد توقعت أنا أن يحدث هذا.. ولكنني سأظل أحاول إنقاذ الأرواح ومنع وقوع الهجوم الإرهابي المقبل، لم نعد نملك رفاهية أن نتبنى موقفاً صحيحاً من الناحية السياسية".

وأعلن ترامب أنه قد تلقى اتصالات عدة لتهنئته بأنه كان على حق في موقفه من التشدد الإسلامي، بعد ساعات على وقوع أسوأ حادث إطلاق نار في أورلاندو، إلا أن ترامب الذي تلقى دعماً على مواقع التواصل الاجتماعي، تلقى أيضاً انتقادات قاسية باعتباره يستغل هذه المجزرة ليحقق مكاسب سياسية.

يشار إلى أنه بعد أن أعلن الرئيس أوباما عن تأييده الرسمي للمرشحة المحتملة للحزب الديمقراطي، هيلاري كلينتون، يتطلع مستشاروها لاستخدام تاريخه السياسي لمواصلة سلسلة انتصارات الديمقراطيين في الولايات إذ يرون أوباما على أنه أداة فريدة من نوعها كرئيس حالي ذا شعبية واسعة لهزيمة الجمهوري دونالد ترامب في المعركة الانتخابية التي تلوح في الأفق.

وقد وضع الخبراء السياسيون في البيت الأبيض وضمن حملة كلينتون جدولا زمنيا للرئيس عقب تأييده الرسمي لكلينتون ، ولكن يبدو أن هذا البرنامج قد تعثر على الأقل مرحلياً بعد مجزرة أورلاندو.

الاعلام العربي والتناغم مع الإرهاب ومموليه

من خلال نظرة بسيطة لمخرجات الاعلام العربي وما يميزه في الوقت الحاضر حول مفهوم مسألة الإرهاب والفكر الإرهابي وما يدور في العراق . يلاحظ وبشكل واضح لا لبس فيه أن الاعلام الرسمي أو الشعبي لا يتفق على تعريف مفهوم واضح وصريح للإرهاب ، فكل جهة تحدد مفهوم الإرهاب وتشرعن عملياته الإجرامية وفلسفته وفق منطلقاتها الفكرية والعقائدية والنفعية . فأصبحنا نسمع في الاعلام العربي وبصريح العبارة بأن الإرهاب أصبح نضال وكفاح وردة فعل مشروعة لاسترجاع حقوق مكتسبة عبر الزمن الطويل . فأصبح الارهابي القاتل والمجرم يمثل صرخة شعب ودين وطائفة يراد لها الفناء والانقراض والتبعية..! 
وصل الحال علنا  لدعم وتأييد ومساندة عقائد وأيدلوجيات هذا الفكر المتطرف. والكارثة الكبرى أن التبشير له أصبح يأخذ صفة العلنية من أعلى المنابر إبتدءا من منابر الحرمين الشريفين وإنتهاء بأصغر مسجد في أركان المعمورة لتسويق أفكاره ومعتقداته من خلال التأثير السلبي على المتلقين له وخاصة بين أوساط اليافعين  والشباب . من خلال مقارنة بسيطة يمكننا أن نرى ونلمس أن الحضور الاعلامي الرسمي العربي بكافة مستوياته فاق تأثير اعلام جيوش الارهابيين بل إنه أصبح فاعلا وأكثر حضورا من خلال وسائلهم الاعلامية والخبرية وقنواتهم الخاصة ومواقعهم  المنتشرة على مختلف وسائل الاعلام وشبكات الانترنيت.  
إذن هناك عمل مبرمج ودعم متواصل وجهدا مخططا له بطريقة ذكية عربيا وأسلاميا ومدعوم من قبل جهات دولية مستأجرة لدعم التطرف والعنف وأشاعة عدم الاستقرار والتقدم،  والاقرار بمشروعيته من خلال طرح مفاهيم مموهة ومبطنة تطرح شعار الوسطية والاعتدال والحقوق الشرعية المكتسبة . أمسى على الشعوب المسحوقة أن ترفع أيديها ضارعة أكفها إلى السماء دعاءا للملوك والأمراء، وأن تنحنى الرؤوس والأبدان وتسجد ذلا وخنوعا للدكتاتوريات والاقطاعيات العائلية، وتقتنع وتؤمن بدساتير الشريعة الإسلامية التي جلبها خلفاء الدولة الاسلامية الجدد، وتطبع قبلة عاشق ممتن على أكفهم وأيديهم . 
اليوم، ما يحمله الاعلام العربي في جعبته يمثل الجانب المعتم من تاريخه  الذي جُبِلَ على الغش والخداع والترويج لعبودية الحكّام وقهر الشعوب بواسطة أسلوب انتهازي عقيم متخلف غير مبدع وصولي مرتزق . هذا الاعلام لا يعترف بالحرية الفكرية وطهارة العقل وحق الاختلاف والتنوع  سواء كان فكريا أو اجتماعيا أو دينيا وما تتشعب إليه في دروب الطائفة والمكون والعقائد . بهذا الاعلام المتخلف لا تنهض الأمم ولا تبنى الحضارات ولا ترتقي الشعوب؛ إنه خطاب الاساءة والتعصب القومي والأنانية الطائفية العمياء. هذا الاعلام يكاد يكون إنعكاس لرغبات الحاكم ضد مواطنيهم وشاهد زور يستمرئ عذاباتهم وجراحهم.
نموذج هذا الاعلام العربي المزيف كشفته معارك تحرير الفلوجة وأهلها من قبل قوات الجيش البطل والحشد الشعبي وغيارى رجال العشائر. هذا الاعلام ارتمى بحضن الارهاب ومموليه ومنظريه بطريقة مخزية ومخجلة لقلب الحقائق وتزييف الوقائع والتشكيك بقدرة مقاتلينا ونعتهم بأقسى الأوصاف وشتى التهم المفبركة. بل يمكن القول إنه أصبح الناطق الرسمي للدواعش من خلال الحملات الاعلامية الشرسة ضد قواتنا مدعوما بعدد كبير من وسائل الاعلام الغربية المشتراة بالمال الخليجي وبعض من وسائل الاعلام المحلية التي اصطفت مع عصابات داعش لتكشف هويتها ومصادر تمويلها وما يراد منها في زرع بذور الفتنة الطائفية والأيحاء بأنها معركة طائفة ضد أخرى .