الجمعة 20 تشرين1/أكتوير 2017
TEXT_SIZE

بابل أم الإمام الحسن بن علي..؟

كان خبراً عابراً نشر في موقع الكتروني حول إقامة مهرجان ديني في بابل، المدينة التاريخية التي سُن فيها أول قانون عرفته البشرية (مسلة حمورابي) وكانت مهد الحضارة التي سميت باسمها، لكنه أشعل موجة من الاحتجاجات الغاضبة بين العراقيين الذين استنكروا ما ورد فيه من أن جهات دينية تعتزم تغيير اسم المدينة الـــتاريخية إلى «مدينة الإمام الحسن». لماذا يعقد هذا المهرجان سنوياً في بابل، وما هي علاقة هذه المدينة بالإمام الحسن وأسئلة أخرى كثيرة بدأت تطرح في كل المنابر والمجالس، لكن لم تجد لها أجوبة مقنعة.

«العتبة الحسينية»، التي تدير مرقد الإمام الحسين في كربلاء، نفت أن تكون لها أي خطة لتغيير اسم بابل، وقد فعلت «العتبة العباسية» الشيء نفسه، غير ان الأسئلة حول الموضوع وعرائض الاحتجاج ما زالت تترى.

لقد طُرح موضوع تغيير اسم بابل للمرة الأولى قبل سنوات عدة عندما بدأ «مهرجان الإمام الحسن» يعقد فيها، لكن الموضوع أثار حينها احتجاجات واسعة، فتخلى عنه متبنّوه، وظن الناس أن الأمر انتهى، لكنه عاد إلى الواجهة قبل أيام، ما يدل على أن الفكرة ما زالت قائمة وأن هناك من يسعى إلى تنفيذها مهما طال الزمن، وأن اسم بابل الذي يحمل مضامين تاريخية ومعنوية للعراق، سيتغير إلى اسم ديني كي تلتحق بالمدن المقدسة الأخرى، وتحمل اسم الإمام الحسن بن علي، على رغم أنه لا أحد يزعم، حتى الآن على الأقل، أن هناك علاقة بين المدينة والإمام.

تغييـــــر أسماء المدن والشوارع والأحياء ليس جديداً، إذ أقدم النظام السابق على تغيير العديد من أسماء المدن والأحــــياء والشــــوارع العراقية، فقد أطلق اسم «المثنى» على منطقة السماوة عندما تحــــولت إلى محـــافظة، باعتبار أن القائد العـــربي المثنى بن حارثة الشيباني ـــقد عسكر بها ذات يوم، كما أطلق اسم «القادسية» على محافظة الديوانية باعتبار أن الجيــــوش الإسلامية التي غزت إيران في معـــركة القادسية قد عسكــــرت هنـــاك، واسم «صلاح الدين» على محافظة مركزها مدينة تكريت التأريخية، لأنها مسقط رأس صلاح الدين الأيوبي، بينما أصبحت الرمادي «الأنبار»، والعمارة «ميسان»، والناصرية «ذي قار»، والكوت «واسط»، والثورة «مدينة صدام»، ومطار بغداد «مطار صدام»، وهكذا.

ولم تهدأ الحماسة لتغيير الأسماء بعد سقوط نظام صدام، بل تجدد على أيدي معارضيه المستائين من الأسماء التي أطلقها النظام السابق على المدن والأحياء والشوارع والمستشفيات والمدارس، فغيروا الكثير منها، لكنهم اصطدموا بتعلق الناس ببعضها كونه ملتصقاً بحضارة العراق وهوية أبنائه. شارع الرشيد مثلاً، معلم مهم من معالم بغداد، وعلى رغم أن هارون الرشيد لا يروق للبعض، إلا أنهم قبلوا به على مضض فبقي الاسم وأُهمِل الشارع. حي المنصور الذي يحمل اسم مؤسس بغداد، أبي جعفر المنصور، من أهم أحياء العاصمة وأجملها ولن يقبل البغداديون بتغيير اسمه أو إزالة تمثال «المنصور» منه، والذي أزيل لفترة من الزمن لكنه عاد بسبب الإستياء الشعبي من إزالته. شارع «أبو نؤاس» المحاذي لنهر دجلة من أهم وأجمل شوارع العاصمة، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يُزال هذا المعلم التاريخي من العاصمة وإن لم يستحسِن البعض سيرة الشاعر أبي نؤاس (الحسن بن هانئ) الذي كان نديماً للخليفة العباسي ولم يكن ملتزماً دينياً.

قد لا يهتم كثيرون إن تغير اسم «المثنى» إلى «السماوة»، وفعلاً لم يهتم أحد عندما ألغي اسم «القادسية» لتعود المحافظة إلى اسمها السابق المفضل لدى سكانها، لكن العراقيين لن يقبلوا بإلغاء اسم «بابل» لأنه جزء أساسي من هويتهم الثقافية والتاريخية التي يعتزون بها. تقع بابل إلى جوار مدينتي كربلاء والنجف اللتين تمتلئان بالزائرين في المواسم الدينية، وقد يكون هناك من يفكر بضم بابل إليهما لاستيعاب الأعداد المتزايدة من الزائرين، أو ربما هناك من يتوهم بأن وجود بابل قد يقلل من أهميتهما التاريخية والدينية، لكن الحقيقة أن بابل ترفع من مكانة العراق العالمية.

الحجة التي سيقت لتغيير اسم بابل هي أن «أهلها يتميزون بالكرم وأن الإمام الحسن قد عرف تاريخياً بالكرم»! لكن هذا التبرير لم يقنع أحداً، أولاً لأهمية بابل العالمية، وثانياً لأن أهل بابل لم يتميزوا وحدهم بالكرم بل كل أهالي منطقة الفرات الأوسط، التي تضم مدناً كثيرة، قد تميزوا بذلك ومن عاداتهم إنشاء «المضافات» لاستقبال الغرباء وإطعامهم وإيوائهم من دون سؤالهم حتى عن أسمائهم، إلا بعد ثلاثة أيام كما جرت العادة. بل إن بعض المدن مثل «الشنافية» كانت إلى عهد قريب تخلو من الفنادق والمطاعم، فهناك مضافة «آل مكوطر» تستقبل الضيوف وتطعمهم وتأويهم مجاناً منذ القدم. ولو افترضنا أن أهل بابل قد تميزوا عن غيرهم بالكرم، فهل يبرر هذا إلغاء اسم تاريخي تميز به العراق وتغنى به العالم واقترن بعجائب الدنيا السبع؟ هل من المعقول أن تلغى الأسماء الحضارية الموغلة في القدم والمرتبطة بوجدان الناس تحت ذرائع دينية؟ أم أن هناك أسباباً أخرى، ربما تجارية، أو تتعلق بالطابع التاريخي لبابل والذي قد يقلل، في نظر البعض، من الأهمية التاريخية والدينية للمدن المجاورة؟

الجماعات المتشددة لديها مشكلة مع التاريخ والآثار لأنها لا ترتبط بمعتقداتها، فـ «طالبان» لم يهدأ لها بال إلا بعد أن هدمت تماثيل بوذا في باميان، و»داعش» اعتبر تحطيم «الثور المجنح» وهدم قبر النبي يونس في الموصل إنجازين عظيمين قدمهما للبشرية. الضيق بالتاريخ ينطلق من أهميته لدى الشعوب، فليست هناك أمة لا تعتز بإرثها التأريخي والحضاري. لكن الغريب أن الدعوة إلى تغيير اسم بابل، والتي تلاشت بسرعة تحت صرخات الاستهجان والغضب الشعبي، تتزامن مع انتصار العراق على الجماعات الإرهابية في الفلوجة. فهل من المعقول أن يكون بين العراقيين من يشارك الجماعات الإرهابية أهدافها في القضاء على إرث العراق؟ تاريخ العراق الذي يمتد آلاف السنين ميزة فريدة له يجب أن تعتز بها الأجيال وتصونها، أما الأصوات المعادية للتاريخ فعليها أن تتحرر من هذا الوهم لأن الحضارات تمتلك مقومات البقاء.

 ------------------------------------------------

 * نشر المقال في صحيفة "الحياة" اللندنية

العرب وعقدة من القائل

لا يكفي البعض أن تكون حجتنا دامغة، فما إن يعلم مصدر المعلومة أو الحكمة، حتى يكابر ويرفضها، متناسياً أن الحكمة ضالة المؤمن.

هؤلاء ينسون أن من سطر أروع الأمثال الشائعة، والأبيات الشعرية الخالدة، كانوا أناساً لم يخلوا من عيوب، لكنهم كسائر الخلق، لا بد أن تنطق أفواههم بكلمة حق، أو مقولة تثري النقاش، أو تدفع المتحاورين للنظر إلى الموضوع من زاوية مختلفة.

وهذا ما انتبه إليه المعهد الملكي للشؤون الدولية، الشهير باسم "تشاتام هاوس"، الواقع في قلب لندن منذ عام 1927، حيث ابتكر نظاماً جميلاً لتنظيم النقاشات المثيرة للجدل وإثرائها، وهي "قاعدة تشاتام هاوس"، التي تسمح للمشاركين بالمناظرات والنقاشات السياسية والاجتماعات الداخلية بحرية، باستخدام معلوماتهم، من دون الحاجة للكشف عن هوية أو انتماء المتحدث.

وتهدف هذه القاعدة الإنجليزية، إلى إفساح المجال للمتحاورين، بإخفاء مسمياتهم أو أسمائهم أو انتماءاتهم أو الجهة التي ينتمون إليها. وهذا المناخ الصحي من السرية، يدفع المشاركين إلى البوح بأريحية بآرائهم وأقوالهم، حتى وإن تعارضت مع توجهات أحزابهم، مثلاً. يا لها من فكرة رائدة، تحتاجها شعوبنا العربية لتفضفض عن مكنوناتها، بعيداً عن سيف الرقيب، أو من يمعنون في تصنيف الناس، وكرههم قبل أن يصغوا جيداً إليهم.

أذكر أن اسماً مستعاراً أشغلني في تويتر باسترساله في نقاش وأفكار مثمرة، فقلت له لم، لا تكشف عن اسمك، ونتحاور معاً شفاهة، بدلاً من التراشق النصي في تويتر. فاعتذر بلطافة، وقال: وظيفتي لا تسمح لي بالكشف عن اسمي. فهو ليس مخبر سري، على ما يبدو، لكنه يحمل فكراً نيراً، منعته طبيعة وظيفته من الخوض في نقاشات معينة. ربما كان قاضياً أو سفيراً أو يتبوأ موقعاً حساساً في بلاده.

هذا مثال عملي على عمق ما يحمله أفراد مجتمعنا من أفكار بناءة، كان يمكن أن تكون نواة لحلقة نقاشية مثمرة، لو أننا توقفنا عن تصنيف الناس قبل دعوتهم إلى مؤتمر أو مناظرة أو لقاء تلفزيوني مهم.

العالم الغربي، يقدر درر القول والحكم، ولذا، لا تكاد تخلو جداريات مكتبة أو مبنى أو كتاب، من مقولات الناس، حتى ممن يختلفون معهم في الرأي والعقيدة. أذكر أن زميلاً أميركياً أهداني ما اعتبره كتاباً ثميناً، غلفه كهدية، ولما فتحته وجدته مليئاً بالمقولات، كثير منها أقرب للحكمة، وليس فيها من القائل، ولا عجب، لأنهم يؤمنون بأن الحكمة ضالتهم.

وكم نحن بحاجة إلى قاعد "تشاتام هاوس" المهمة في الحوار، خصوصاً في العبارات التي لا تكون مبطنة لإثارة فتنة، أو نشر رذيلة، وزعزعة أمن البلاد والعباد. الناس من حولنا يتحفوننا بأفكار وتعليقات مذهلة، تستحق أن "تكتب بماء الذهب".

ولن نتقدم كعرب، ما دمنا نحرص على معرفة "من القائل"، على حساب ماذا قال من درر.

-------------------------------------------------------------------

*كاتب متخصص بالادارة

تحية للقوات العراقية المنتصرة على قوى الظلام

"أعلنت قيادة العمليات المشتركة - خلية الاعلام الحربي، يوم الجمعة [17/6/2016]، تحرير مبنى القائممقامية في قضاء الفلوجة والذي يمثل مركز المدينة ومجمعها الحكومي ورفع العلم العراقي فوق مبناها ". "كما وأعلن القائد العام للقوات المسلحة رئيس الوزراء حيدر العبادي، إحكام السيطرة على داخل قضاء الفلوجة أبرز معاقل عصابات داعش الارهابية في محافظة الانبار".*

وأعادت وكالات الأنباء العالمية مضمون هذا الخبر في نشراتها الأخبارية، مما يؤكد صحته.

وبهذه المناسبة المباركة نقدم أحر التهاني وأزكى التبريكات للقوات الأمنية المشتركة، والحشد الشعبي والحشد العشائري، على هذا النصر المؤزر على قوى البغي والظلام، ومن يرعاهم ويحتضنهم ويمدهم بالمال والسلاح والإعلام، فلهم الخزي والعار. و ندعو بالرحمة، والمجد والخلود للشهداء الأبرار، وعزاؤنا لذويهم، والشفاء العاجل للجرحى، وتحية لكل من شارك في هذا العمل البطولي لتطهير الأرض والعرض من دنس الدواعش الأشرار ومن يدعمهم. والنصر المؤزر لشعبنا العزيز.

هذا الحدث العظيم له مغزاه ودلالاته، فالجيش الذي اتهموه بالهزيمة والانهيار أمام 400 مسلح من الدواعش يوم 10 حزيران 2014 بتسليم الموصل، ومن ثم بقية المناطق ذات الغالبية السنية، هو نفس الجيش الذي استرجع غالبية تلك المناطق، والآن يدك أهم معقل من معاقل الدواعش البعثيين (فلوجة)، والمعركة لم تنته بعد، فشراذم الدواعش بين قتيل وجريح وأسير وهزيمة.

إن تسليم المناطق إلى الدواعش يوم 10/6/2014، وبعد ذلك التاريخ، كان مخططاً واسعاً وخطيراً شاركت فيه حكومات إقليمية وعلى رأسها السعودية وقطر وتركيا، وقوى محلية مشاركة في السلطة،تم الاعداد له بسنوات، بدءً بشن حملة إعلامية واسعة بإدعاء التهميش والعزل للسنة والكرد، وتشويه سمعة الجيش العراقي ووصفه بجيش المالكي، والصفوي، والإيراني ...الخ، ومطالبة الحكومة بسحب أغلب الضباط الشيعة في الجيش من المناطق السنية واستبدالهم بضباط أكراد ومن أبناء المناطق ذاتها باسم المصالحة الوطنية. ولما استجاب لهم رئيس الوزراء السيد نوري المالكي، آنذاك، وحققوا غايتهم هذه بسحب الضباط من أبناء الجنوب، و تبديلهم بالضباط المحليين من أبناء تلك المناطق، وغالبيتهم بعثيون، قاموا بتسليم مدنهم إلى الدواعش بدون إطلاق رصاصة واحدة، وانظم معظم هؤلاء الضباط إلى الدواعش، ومن ثم ليتهموا المالكي بتسليم مناطقهم إلى الإرهابيين والمطالبة بمحاكمته وتصفيته سياسياً وجسدياً!!! هكذا الشطارة وإلا فلا!

كما وكان هناك اتفاق مع رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني، بانسحاب الضباط الكرد من الجيش في محافظة الموصل، مقابل احتلاهم لمحافظة كركوك.

وقد رافقت عملية التسليم هذه حملة إعلامية عربية وعالمية واسعة للحط من سمعة الجيش العراقي وتدمير معنوياته، كجزء من الحرب النفسية، والإدعاء بأنه جيش منهار لا يستطيع الصمود أمام عدد قليل من الدواعش!. علماً بأن جميع القوات الأمنية المسلحة من الشرطة بعشرات الألوف كانت مؤلفة من أبناء تلك المناطق وليس بينهم أي فرد من الجنوب، فسلموا أسلحتهم لداعش ومنهم من انضم إليها.

فهذا الجيش الذي حاولوا تحطيم معنوياته، هو نفسه راح يحارب الدواعش بمنتهى الشجاعة والصمود وبتحضحياته حرر مدينة تكريت ومن ثم الرمادي، والآن الفلوجة، معقل الدواعش. وهاهي القوات الأمنية المشتركة تتجه نحو الموصل لاستكمال تحرير الأرض والعرض، وتطهير جميع المناطق الشمالية من دنس شذاذ الآفاق.

والجدير بالذكر أن هزيمة الدواعش في هذه المعارك رافقتها حملة إعلامية هستيرية شرسة ومسمومة من الإعلام المضاد وخاصة الخليجي وبالأخص السعودي، لتشويه سمعة الحشد الشعبي والحكومة العراقية والإدعاء بقيام "الحشد الشيعي" بانتهاكات خطيرة ضد السكان المدنيين، في الوقت الذي أثبتت فيه وسائل الإعلام المحايد عن زيف هذه الإدعاءات. وهذا دليل على أن الإعلام العربي وخاصة الخليجي هو مع داعش، يعملون على تشويه سمعة القوى التي تحارب داعش بصدق واخلاص.

فراح الاعلام المعادي يفبرك أخباراً ملفقة ضد الحشد الشعبي، و تنسبها إلى مسؤولين غربيين كبار، وعلى سبيل المثال، استلمتُ اليوم عبر بريدي الإلكتروني، تقريراً بالعنوان التالي: [اعترافات خطيرة لوزير الدفاع الامريكي (جرائم الحشد الشيعي تصدم العالم)]، جاء فيه: " يا للهول...!! شاهدت جميع جرائم الحروب العسكريه التي حصلت على الارض، لكن ما وصل لنا من فيديوهات خاصة عما يحصل في معارك الفلوجة وما حصل في الصقلاوية أوقع لي صدمة كبيرة جدا.!! هذه الفيديوهات لعناصر أستخبارات لنا من الداخل وهي تسجيلات متواصلة وخاصة..تشاهدونها على مواقع التواصل من جرائم..اطفال تمزق جماجمهم وهم أحياء، نساء يتم إغتصابهن بطريقه وحشية..!! فتيات صغار جدا تغتصب..!! وبعدها يتم قتلهن وحرقهن...الخ). هذا غيض من فيض من تصريحات مزعومة للوزير الأمريكي. ولغباء كاتب الفبركة أنه لم يتأكد حتى من اسم الوزير الأمريكي، فأسماه (فراند كارتر) والصحيح أشتون كارتر... نسي الحكمة: (إذا كنت كذوباً فكن ذكورا).

في الحقيقة هذه الأعمال الإجرامية لا يقوم بها إلا الدواعش وجبهة النصرة، وغيرهما من المنظمات الإرهابية الوهابية التكفيرية، الممولة من السعودية وحليفاتها. كذلك لا يمكن إطلاقاً، أن تصدر هذه التصريحات الركيكة المفضوحة من مسؤول غربي ناهيك من يحتل منصب وزير دفاع دولة عظمى. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن مملكة الشر السعودية قد فقدت صوابها، فراح إعلاميوها يلفقون ضد الحشد بشكل جنوني. كما و يبدو أن كاتب هذه الفبركة وبتأثير من حقده وانفعالاته لا يعرف حتى كيف يلفق. نسي أننا في عصر غوغل، بإمكاننا متابعة أي خبر لنعرف مصدره الحقيقي. فبعد جهد قليل تبين أن مفبرك هذا الخبر هو سعودي يعمل في موقع اسمه (هوامير البورصة السعودية)، وهذا هو رابط التقرير الملفق: http://www.hawamer.com/vb/showthread.php?t=1986356

ورغم إفتضاح فبركته، إلا إنه من المؤسف أن راح البعض يروِّج له بذريعة حرية التعبير واحترام الرأي الآخر. فالحكمة تفيد: (حدث العاقل بما لا يُعقل فإن صدق فلا عقل له)

دروس وعبر

بعد نحو 13 عاماً من تحرير العراق من رجس الفاشية البعثية، حاول قادة الكتل السياسية السنية بشتى الوسائل، إفشال العملية السياسية والديمقراطية، وإعادة عقارب الساعة إلى ما قبل 2003، مدعين أنهم هم وحدهم أصحاب الحق التاريخي بحكم العراق رغم أن نسبتهم لا تزيد على 20% من الشعب العراقي في أحسن التقديرات. والخطأ الأكبر الذي اقترفوه أنهم ربطوا مصيرهم بالبعث الفاشي، واعتمدوا أبشع الوسائل الإرهابية باحتضان تنظيمات الإرهاب مثل القاعدة والزرقاوي، وأخيراً داعش لتحقيق أغراضهم السياسية، وبالتالي أساؤوا لمذهبهم بربط الإسلام السني بالإرهاب.

نسي هؤلاء أن احتكارهم لحكم العراق واضطهادهم للمكونات الأخرى، وحرمانهم من المشاركة في حكم بلادهم، واتباعهم مبدأ (فرق تسد)، واحتقارهم للديمقراطية، وسياساتهم هذه هي التي جلبت كل هذه الويلات والكوارث عليهم وعلى الشعب العراقي، وأن اعتمادهم على الإرهاب والسعودية وقطر وتركيا ضد وطنهم قد ألحق أشد الأضرار بجماهير المكون السني، فقد أحالوا مدنهم إلى خرائب وأنقاض، وأهاليهم إلى نازحين ولاجئين ومشردين. أنتم أيها القادة السياسيون للمكون السني تتحملون المسؤولية الكبرى لهذه الجريمة النكراء بحق الشعب العراقي. ويجب أن تقروا و تعترفوا بأنكم فشلتم فشلاً ذريعاً باحتكاركم للحكم خلال ثمانين عاماً، والذي أوصل العراق إلى هذا المصير الأسود.

لذلك، يجب عليكم أن تعيدوا النظر في موقفكم الخاطئ، وتتوقفوا عن تحقير وتكفير وتبخيس أخوتكم في الدين والوطن من الشيعة بنعتهم بالروافض والصفويين وأبناء المتعة وعملاء إيران..وغيرها من النعوت البذيئة. فعهد حكم المكون الواحد والدكتاتورية قد ولىّ وإلى الأبد، وعليكم أن تتقبلوا الديمقراطية، و تشاركوا في إصلاح الوضع الجديد وسد نواقصه، و إنضاج التجربة الديمقراطية الوليدة وليس بوأدها وبإحتضان الإرهاب في مناطقكم. أما شعاركم (عليَّ وعلى أعدائي يارب)، فقد جلب عليكم وعلى أهاليكم المزيد من الكوارث. فالحكمة تفيد: (إما أن تتكيفوا مع الوضع الجديد أو تنقرضوا). فمن يزرع الشر لا يحصد إلا الشر. وعلى الباغي تدور الدوائر.

-----------------------------------------------------------------

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.  

http://www.abdulkhaliqhussein.nl

أين الشعوب الإسلامية من الإسلام؟

الإسلام ينبذ الإرهاب وقتل الأبرياء.

في الإسلام مفاهيم وضوابط واضحة لا تقبل بأيِّ حالٍ من الأحوال قتْل الأبرياء – وهو مضمون المصطلح المتداول الآن (الإرهاب)- مهما كانت الظروف والأعذار، حتّى ولو استخدم الطرف المعادي نفسه هذا الأسلوب.

وفي قول ابن آدم (هابيل) لأخيه (قابيل) حكمةٌ بالغةٌ لمن يعيها:

"لئِنْ بسَطْتَ إليَّ يدَكَ لتقتُلني ما أنا بباسطٍ يدِيَ إليكَ لأقتُلَكَ إنّي أخافُ اللهَ ربَّ العالمين. إنّي أُريدُ أن تبُوْأَ بإثْمي وإثْمِكَ فَتكونَ من أصحابِ النّارِ وذلكَ جزاءُ الظالمين". (القرآن الكريم- سورة المائدة/الآيتان 28 و29).

وفي القرآن الكريم أيضاً: "منْ قتَلَ نفْساً بغيْر نفْسٍ أو فَسَادٍ في الأرضِ فكأنّما قتلَ النَّاسَ جميعاً، ومَنْ أحْياها فكأنّما أحيا الناسَ جميعاً" (سورة المائدة/الآية 32).

إنّ القتل العشوائي لناسٍ أبرياء هو أمرٌ مخالف لكلِّ الشرائع السماوية والإنسانية، وهو يتكرّر رغم ذلك في أكثر من زمانٍ ومكان، ولا نراه يتراجع أو ينحسر، وفي ذلك دلالة على انتشار الفكر المشجّع لمثل هذه الأساليب الإجرامية. ثمّ تزداد المأساة عمقاً حينما يعطي بعض المحلّلين السياسيين الأعذار لهذه الجماعات ولأعمالها، وكأنّ الحرام يصبح حلالاً لمجرّد وجود مشاكل اجتماعية أو سياسية في هذا المكان أو ذاك.

إنّ قتل النفس البريئة هو جريمةٌ بكلِّ المعايير، مهما ارتدى الفاعل المجرم من عباءات دينية أو طائفية أو وطنية. فلا تغيير المجتمعات يصحّ بالعنف الدموي، ولا تحرير الأوطان يبرّر قتل الأبرياء، ولا الردّ على التطرّف يكون بالتطرّف أيضاً.

إنّ اتّساع دائرة العنف الدموي باسم الإسلام أصبح ظاهرةً خطرة على صورة الإسلام نفسه، وعلى المسلمين في كافّة المجتمعات التي يعيشون فيها. وهذا أمرٌ يضع علماء الدين أولاً أمام مسؤولية لا يمكن الهروب منها، فهم المعنيون بالترشيد الديني السليم في كلّ المجتمعات، بينما، للأسف، نجد بعضهم يُشجّع على مثل هذه الأساليب الإرهابية، وهذه مصيبةٌ كبرى.

العنف أصبح يمارَس بلا ضوابط دينية أو اخلاقية أو إنسانية، وهذا نراه يحدث أيضاً في المجتمعاتٍ العربية التي كان شعار "إسقاط النظام" هدف انتفاضاتها الشعبية فإذا بها تنتهي، بسبب استخدام العنف المسلّح، إلى إسقاط أوطانها ووحدة شعوبها.  فالتغيير القائم على العنف المسلّح والقتل العشوائي للناس يؤدّي حتماً إلى تفكّك المجتمع، وإلى صراعاتٍ أهلية دموية، وإلى مبرّراتٍ لتدخّلٍ إقليمي ودولي واسع.

ينطبق الآن على حال الأوطان العربية والإسلامية وصف مرض "ازدواجية الشخصية". ففي معظم هذه البلدان تزداد على المستوى الفردي ظاهرة "التديّن" واهتمام الناس بالعبادات الدينية، لكن مع ابتعادٍ كبير لهذه المجتمعات عن مبادئ الدين وقيَمه وفروضه الاجتماعية.

إنّ المسلمين عموماً، والعرب خصوصاً، بحكم دور ثقافتهم ولغتهم واحتضان أرضهم للمقدّسات الإسلامية، مدعوون إلى مراجعة هذا الانفصام الحاصل في شخصية مجتمعاتهم، وإلى التساؤل عن مدى تطبيق الغايات النبيلة فيما هو منصوصٌ عليه من قيم وواجبات دينية.

فأين الالتزام بقول الله تعالى: (ولقد كرَّمنا بني آدم) بغضِّ النّظر عن أصولهم وأعراقهم وألوانهم وطوائفهم؟ أين العدالة والمساواة والشورى وكرامة الإنسان في كثير من المجتمعات العربية والإسلامية؟ وأين الوحدة في هذه المجتمعات، وأينَها بين بعضها البعض؟ أين التكافل الاجتماعي ومكافحة العوز والفقر؟ وأين دور الاجتهاد والعلم والعلماء في مواجهة الجهل وعلامات الجاهلية المتجدّدة؟ أين رفض التعصّب والتمييز العرقي والإثني والطائفي؟ أين المسلمون من جوهر إسلامهم، وأين العرب من كونهم "خيرَ أمّةٍ أُخرِجت للناس" بعدما حملت رسالةً تدعو إلى الإيمان بالله الواحد وبكتبه ورسله، لا تفرّق بينهم، وتؤكّد على وحدة الإنسانية وعلى قيم العدل والمساواة بين البشر؟!.

إنّ الله عزّ وجلّ يقاضي الناس ويحاسبهم على أعمالهم بشكل فردي، فلا تُظلَم، بلا ذنب، جماعةٌ بأسرها، عائلةً كانت أم قبيلة أم طائفة أم أمّة، لأنّ أفراداً منها أساءوا. وهذه الحكمة الإلهية جليّة الوضوح في قوله تعالى: "ولا تزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أخرى"، إذ لا يجوز أن ينظر الناس إلى بعضهم البعض من مواقع عائلية أو قبلية أو طائفية، فيتمّ إمّا تكريم أشخاص أو ظلمهم تبعاً لانتماءاتهم، لا بسبب كفاءتهم أو أعمالهم.

بل أين المسلمون، في سلوكهم الفردي مع أنفسهم ومع محيطهم العائلي والوطني، ممّا يقولونه في صلاتهم ويقرأونه في كتاب الله العزيز والسيرة النبوية الشريفة من مفاهيم وقيم وضوابط السلوك في التعامل مع النفس والآخر؟.

تُرى لِمَ لا تحدث الآن وقفة مع النفس العربية عموماً، والإسلامية منها خصوصاً، للتساؤل عمَّ حدث ويحدث من تراجع مهين في أوضاعهم وأوطانهم، ومن أساليب قتلٍ وعنفٍ مسلّح واقتتالٍ داخلي تحت مظلّة دينية وشعارات إسلامية؟.

ولِمَ هذا الانفصام أيضاً في الشخصية العربية والإسلامية بين الإجماع على المصلحة الإسرائيلية في إثارة موضوع "الخطر الإسلامي" القادم من الشرق كعدوٍّ جديد للغرب بعد اندثار الحقبة الشيوعية، وفي إضفاء صفة الإرهاب على العرب والمسلمين، وبين الواقع السائد في مجتمعات الدول العربية والإسلامية من ممارسة العنف المسلّح الذي تقوم به جماعات تحمل أسماء إسلامية؟ فأيُّ شريعةٍ دينية تحلّل قتل الأبرياء والمدنيين في الغرب، أو القيام بممارسات عنفية تهدم وحدة الأمّة والمجتمع في الشرق؟!.

إنّ "داعش" الآن، ومعها وقبلها "القاعدة"، استطاعتا استقطاب قطاعاتٍ واسعة من أجيال شابّة عربية وإسلامية بسبب طغيان الفكر الظلامي السلفي المدعوم من جهات عربية وإسلامية، وأيضاً بسبب غياب فعالية الفكر الديني السليم، الذي يُحرّم أصلاً ما تقوم به هذه الجماعات من أساليب قتل بشعة وجرائم إنسانية بحقّ كل من يختلف معها، حتّى من داخل الوطن أو الدين نفسه. فلو لم يكن هناك فراغ فكري للمفهوم الصحيح للدين وللمواطنة لما أمكن استقطاب هذا الحجم من أتباع هذه الجماعات.

إنّ تنظيم "داعش" ينتعش ويستفيد ويقوى الآن كلّ يوم، حتّى من قِبَل بعض من يتحدّثون ضدّه شكلاً ويدعمون ضمناً – ولو عن غير قصد - مبرّرات وجوده حينما يتّجهون بحديثهم إلى "عدوّهم" الآخر، وهو هنا قد يكون من طائفة أخرى أو مذهب آخر أو من دولة أخرى. فكثيرون يبدأون أحاديثهم ضدّ "داعش"، لكنّهم فوراً ينتقلون إلى الحديث عن "الخصم الطائفي أو المذهبي"، وعن وجود "الخطر الآخر" في داخل الوطن أو من دولة مجاورة، ممّا يساهم في إعطاء الأعذار لوجود "داعش" ولممارساتها باسم الإسلام، الذي هو كدين براءٌ من فكر هذه الجماعات وأساليبها.

وطبعاً، فإنّ هذا النوع من الأحاديث يزيد الشروخ الدينية والوطنية الآن ولا يبني سدوداً منيعة أمام جماعات التطرّف، بل على العكس، يرفدها بمزيدٍ من المؤيّدين. فالمواجهة مع جماعات "التطرّف العنفي" تحتاج الآن إلى وقف كل الصراعات والخلافات داخل المجتمعات العربية والإسلامية، وإلى تحقيق أقصى درجات التوافق الوطني والديني حتّى يمكن محاصرة هذه الجماعات وتجفيف كل منابع الدعم المادي والبشري لها. وعلى من يريدون فعلاً إنهاء ظاهرة "داعش" ومثيلاتها، واستئصالها من العالمين الإسلامي والعربي، أن يحاربوا فكرها أولاً!.

إنّ المخاطر القائمة حالياً هي ليست على أتباع هذا الدين أو ذاك المذهب فقط، بل هي أخطارٌ محدِقة بحقّ الأوطان كلّها بما فيها الشعوب والحكومات والمكوّنات الاجتماعية فيها. فضحايا التطرّف العنفي الآن هم من أوطان ومناطق وأديان ومذاهب مختلفة، وهم العرب والمسلمون في الشرق والغرب معاً.

-------------------------------------------------------------

*مدير "مركز الحوار" في واشنطن

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 *لقراءة مقالات صبحي غندور عن مواضيع مختلفة، تابع الرابط التالي:

http://www.alhewar.net/Sobhi%20Ghandour/OtherArabicArticles.htm

تداعيات مجزرة أورلاندو على حملة الانتخابات الأميركية

منذ أن تم الإعلان رسميا عن فوز كلينتون بترشيح الحزب الديمقراطي لخوض الانتخابات الرئاسية الأميركية، ارتفعت أسهمها على منافسها، مرشح الحزب الجمهوري ترامب في استطلاعات الرأي العام، بشكل جعل ترامب يترنح في حلبة الصراح الانتخابي حيث أنه، وبحسب استطلاع أجرته وكالة "رويترز" ومؤسسة "إبسوس"، فإن 46% من الناخبين المحتملين أعربوا عن دعمهم لكلينتون، مقابل 34.8% لمنافسها ترامب، فيما قال 19.2% إنهم لن يساندوا أيا منهما.

ورغم ذلك إلا أن الكثير من الخبراء يعتقدون أن هذا الفارق سيتغير ولو مرحلياً لصالح ترامب بعد المجزرة التي وقعت في مدينة أورلاندو الأميركية، وخلفت 49 قتيلا، في حادثة وصفتها وسائل الإعلام الأميركية بأنها الأبشع التي ألمت بالبلاد منذ تفجيرات 11 سبتمبر 2001 والأكبر في تاريخ الولايات المتحدة بالقتل المتعمد بالرصاص.

يشار إلى أن الكثير من الخبراء اعتبروا المجزرة التي ارتكبها المسلم الأميركي (من أصول باكستانية) سيد فاروق وزوجته تاشفين مالك، والتي قتل فيها 14 شخصاً وجرح فيها 17 آخرون يوم 2 كانون الأول 2015 والتي جاءت ثلاثة أسابيع من هجمات باريس يوم 13 تشرين الثاني 2015 كانت العامل الأساسي في صعود نجم دونالد ترامب وتفوقه على منافسيه من الحزب الجمهوري، حيث أشارت بعض استطلاعات الرأي إلى أن الأميركيين باتوا بعد هذه الأحداث أكثر ميلا لاختيار "رجل قوي قادر على مواجهة الإرهاب".

ويسعى ترامب الذي اختار لنفسه خط "التطرف" للاستفادة من كل حادث إرهابي لتأكيد وجهة نظره المعادية للعرب والمسلمين وقال إثر تفجيرات باريس إنه "سيفكر بجدية في إغلاق المساجد" وتابع في مقابلة مع مقابلة أجراها مع قناة MSNBCآنذاك "في الواقع سأكره فعل ذلك، ولكنه أمر يتوجب علينا التفكير به بجدية، حيث أن بعض أكثر الكارهين يأتون منها".

ولم يخيب المرشح الجمهوري وقتها ظن المحللين، وأطلق سلسلة من التصريحات النارية، مثل مطالبته بطرد المسلمين من أمريكا وإغلاق الحدود الأميركية، واستخدام التعذيب عن طريقة الإيهام بالغرق وغيرها من الطرق العنيفة أثناء استجواب مشتبه فيهم بجرائم إرهابية.

وجاءت الحادثة الأخيرة في أورلاندو، لتعطي جرعة قوة إضافية لهذه الأفكار المتطرفة، حتى أن المرشح الجمهوري لم يستطع إخفاء فرحته بهذه الحادثة وقال على حسابه في تويتر" أقدر التهاني لي لأنني كنت محقا بشأن الإرهاب الأصولي الإسلامي.. لا أريد تهاني.. أريد شدة ويقظة.. ينبغي أن نكون أذكياء".

ولم تظهر أي استطلاعات رأي ذات مصداقية تقيس اتجاهات الناخب الأميركي بعد مجزرة أورلاندو تبين انعكاسات المجزرة على تقدم ترامب أو تراجع كلينتون أو التساوي بينهما في انتظار ما ستسفر عنه الساعات القادمة.

وكان الرئيس الأميركي باراك أوباما قد ندد بمجزرة أورلاندو ووصفها بـ "عمل إرهاب وكراهية" حيث قال في كلمة مقتضبة مباشرة من البيت الأبيض إن "أي فعل إرهابي وكراهية لا يمكن أن يغير ما نحن عليه" مشيرا إلى أن الأمن الفدرالي إف.بي.آي فتح تحقيقاً في المجزرة "كعمل إرهابي" وأمر تنكيس الأعلام على المباني الفدرالية حدادًا على الضحايا.

من جانبه دعا ترامب أوباما للاستقالة من منصبه؛ لأنه لم يذكر تعبير "الإسلام الراديكالي" في بيانه الذي ألقاه تعليقاً على مذبحة أورلاندو. وأضاف ترامب في بيان أصدره بهذا الخصوص الأحد "لأن قادتنا ضعفاء، فقد توقعت أنا أن يحدث هذا.. ولكنني سأظل أحاول إنقاذ الأرواح ومنع وقوع الهجوم الإرهابي المقبل، لم نعد نملك رفاهية أن نتبنى موقفاً صحيحاً من الناحية السياسية".

وأعلن ترامب أنه قد تلقى اتصالات عدة لتهنئته بأنه كان على حق في موقفه من التشدد الإسلامي، بعد ساعات على وقوع أسوأ حادث إطلاق نار في أورلاندو، إلا أن ترامب الذي تلقى دعماً على مواقع التواصل الاجتماعي، تلقى أيضاً انتقادات قاسية باعتباره يستغل هذه المجزرة ليحقق مكاسب سياسية.

يشار إلى أنه بعد أن أعلن الرئيس أوباما عن تأييده الرسمي للمرشحة المحتملة للحزب الديمقراطي، هيلاري كلينتون، يتطلع مستشاروها لاستخدام تاريخه السياسي لمواصلة سلسلة انتصارات الديمقراطيين في الولايات إذ يرون أوباما على أنه أداة فريدة من نوعها كرئيس حالي ذا شعبية واسعة لهزيمة الجمهوري دونالد ترامب في المعركة الانتخابية التي تلوح في الأفق.

وقد وضع الخبراء السياسيون في البيت الأبيض وضمن حملة كلينتون جدولا زمنيا للرئيس عقب تأييده الرسمي لكلينتون ، ولكن يبدو أن هذا البرنامج قد تعثر على الأقل مرحلياً بعد مجزرة أورلاندو.

الاعلام العربي والتناغم مع الإرهاب ومموليه

من خلال نظرة بسيطة لمخرجات الاعلام العربي وما يميزه في الوقت الحاضر حول مفهوم مسألة الإرهاب والفكر الإرهابي وما يدور في العراق . يلاحظ وبشكل واضح لا لبس فيه أن الاعلام الرسمي أو الشعبي لا يتفق على تعريف مفهوم واضح وصريح للإرهاب ، فكل جهة تحدد مفهوم الإرهاب وتشرعن عملياته الإجرامية وفلسفته وفق منطلقاتها الفكرية والعقائدية والنفعية . فأصبحنا نسمع في الاعلام العربي وبصريح العبارة بأن الإرهاب أصبح نضال وكفاح وردة فعل مشروعة لاسترجاع حقوق مكتسبة عبر الزمن الطويل . فأصبح الارهابي القاتل والمجرم يمثل صرخة شعب ودين وطائفة يراد لها الفناء والانقراض والتبعية..! 
وصل الحال علنا  لدعم وتأييد ومساندة عقائد وأيدلوجيات هذا الفكر المتطرف. والكارثة الكبرى أن التبشير له أصبح يأخذ صفة العلنية من أعلى المنابر إبتدءا من منابر الحرمين الشريفين وإنتهاء بأصغر مسجد في أركان المعمورة لتسويق أفكاره ومعتقداته من خلال التأثير السلبي على المتلقين له وخاصة بين أوساط اليافعين  والشباب . من خلال مقارنة بسيطة يمكننا أن نرى ونلمس أن الحضور الاعلامي الرسمي العربي بكافة مستوياته فاق تأثير اعلام جيوش الارهابيين بل إنه أصبح فاعلا وأكثر حضورا من خلال وسائلهم الاعلامية والخبرية وقنواتهم الخاصة ومواقعهم  المنتشرة على مختلف وسائل الاعلام وشبكات الانترنيت.  
إذن هناك عمل مبرمج ودعم متواصل وجهدا مخططا له بطريقة ذكية عربيا وأسلاميا ومدعوم من قبل جهات دولية مستأجرة لدعم التطرف والعنف وأشاعة عدم الاستقرار والتقدم،  والاقرار بمشروعيته من خلال طرح مفاهيم مموهة ومبطنة تطرح شعار الوسطية والاعتدال والحقوق الشرعية المكتسبة . أمسى على الشعوب المسحوقة أن ترفع أيديها ضارعة أكفها إلى السماء دعاءا للملوك والأمراء، وأن تنحنى الرؤوس والأبدان وتسجد ذلا وخنوعا للدكتاتوريات والاقطاعيات العائلية، وتقتنع وتؤمن بدساتير الشريعة الإسلامية التي جلبها خلفاء الدولة الاسلامية الجدد، وتطبع قبلة عاشق ممتن على أكفهم وأيديهم . 
اليوم، ما يحمله الاعلام العربي في جعبته يمثل الجانب المعتم من تاريخه  الذي جُبِلَ على الغش والخداع والترويج لعبودية الحكّام وقهر الشعوب بواسطة أسلوب انتهازي عقيم متخلف غير مبدع وصولي مرتزق . هذا الاعلام لا يعترف بالحرية الفكرية وطهارة العقل وحق الاختلاف والتنوع  سواء كان فكريا أو اجتماعيا أو دينيا وما تتشعب إليه في دروب الطائفة والمكون والعقائد . بهذا الاعلام المتخلف لا تنهض الأمم ولا تبنى الحضارات ولا ترتقي الشعوب؛ إنه خطاب الاساءة والتعصب القومي والأنانية الطائفية العمياء. هذا الاعلام يكاد يكون إنعكاس لرغبات الحاكم ضد مواطنيهم وشاهد زور يستمرئ عذاباتهم وجراحهم.
نموذج هذا الاعلام العربي المزيف كشفته معارك تحرير الفلوجة وأهلها من قبل قوات الجيش البطل والحشد الشعبي وغيارى رجال العشائر. هذا الاعلام ارتمى بحضن الارهاب ومموليه ومنظريه بطريقة مخزية ومخجلة لقلب الحقائق وتزييف الوقائع والتشكيك بقدرة مقاتلينا ونعتهم بأقسى الأوصاف وشتى التهم المفبركة. بل يمكن القول إنه أصبح الناطق الرسمي للدواعش من خلال الحملات الاعلامية الشرسة ضد قواتنا مدعوما بعدد كبير من وسائل الاعلام الغربية المشتراة بالمال الخليجي وبعض من وسائل الاعلام المحلية التي اصطفت مع عصابات داعش لتكشف هويتها ومصادر تمويلها وما يراد منها في زرع بذور الفتنة الطائفية والأيحاء بأنها معركة طائفة ضد أخرى .   
 

اعفوا.. لكن لا تنسوا

استقبلت مدينة رام الله، وسط الضفة الغربية في فلسطين المحتلة، قبل شهرين مجسماً ضخماً لصديق الشعب الفلسطيني، نلسون مانديلا، قدمته بلدية جوهانسبرج هدية إلى بلدية رام الله.

النصب التذكاري لمانديلا، مصنوع من البرونز، ويبلغ ارتفاعه ستة أمتار، وارتكزت فكرته على رمزية الشمس، التي تشع الضوء، واستخدم التصميم عناصر هذه الأشعة التي تصدر من النصب، وعددها ثمانية وعشرون خيطاً من الشعاع، كرمز للسنوات التي قضاها مانديلا وراء قضبان السجون.

اعتقلت «إسرائيل» هذا المجسم لأكثر من شهر، كعادتها في اعتقال الحرية، ثم أفرجت عنه، ولم تنس «إسرائيل» مواقف هذا البطل الإنساني، الذي قال ذات يوم: «نحن نعلم جيداً، أن حريتنا كأفارقة، ناقصة، من دون حرية الفلسطينيين».

مانديلا.. سلطة معنوية وأخلاقية عالمية، لها سحرها الهادئ في نفوس شعوب الأرض، ناهض النظام العنصري في وطنه جنوب إفريقيا، وحُكم عليه بالسجن مدى الحياة، ومكث في السجون نحو ثمانية وعشرين عاماً، وأمضى جزءاً كبيراً من سنيّ اعتقاله، في سجن جزيرة روبين.

***

قبل نحو عقد من الزمان، دعيت للمشاركة في مؤتمر حول العلاقات الثقافية العربية الإفريقية، نظمته جامعة كيب تاون، وحضره ساسة وكتاب وأكاديميون وممثلو مراكز أبحاث عربية وإفريقية، وكنت في ذلك الوقت رئيساً للمجلس العلمي للمعهد الثقافي العربي الإفريقي ومقره في باماكو في مالي.

زرت، بعد انتهاء المؤتمر، جزيرة روبين، على بعد سبعة كيلومترات من مدينة كيب تاون، حرصت على مشاهدة سجن الجزيرة، والذي كان معتقلاً ومنفى للمتمردين ضد الهيمنة الاستعمارية في القرون الثلاثة الماضية.

وتعقبت خطى السجين مانديلا الذي كان يحمل رقم 46664، ودخلت زنزانته التي أمضى فيها نحو 18 عاماً، وشاهدت الأدوات التي كان يستعملها مانديلا، وهي صحن وكوب وكرسي وبطانية وطاولة صغيرة، و«سطل» يستعمله كمرحاض.

في هذه الزنزانة، كتب يوميات، ورسائله إلى رفاقه وعائلته. وفي زنزانة مجاورة له، كان معه سجين مسلم اسمه (أحمد كاثرادا)، صار فيما بعد مستشاراً له، ورافقه في زيارته إلى الإمارات في عام 1995.

انتشرت في العالم طوال عقود الستينات والسبعينات والثمانينات، الدعوات التي حملت شعار «الحرية لمانديلا»، وقام مجلس الأمن الدولي وطالب بإطلاق سراحه - ورغم ذلك فقد ظلت تاتشر، تنظر إليه كإرهابي وشيوعي.

قاد مفاوضات صعبة، مع قادة نظام الفصل العنصري من البيض، بعد خروجه من السجن، وترأس حزب المؤتمر الوطني الإفريقي، وطاف العالم، مشجعاً وداعياً لفرض عقوبات دولية ضد النظام العنصري.

ونجح في نهاية المطاف، في إنهاء هذا النظام العنصري، وأصبح رئيساً لجنوب إفريقيا في عام 1994 ولمدة خمسة أعوام، ثم تقاعد.

***

يوصف بأنه (أبو الأمة)، وأشرف على إنشاء وعمل لجنة (الحقيقة والمصالحة)، للتحقيق في الجرائم التي ارتكبت في ظل نظام الفصل العنصري، من جانب الأقلية البيضاء، وحزبه الإفريقي في آن، وهي اللجنة التي ترأسها القس ديزموند توتو، وقال مانديلا، تعليقاً على نتائج هذه اللجنة: «إنها ساعدتنا في الابتعاد عن الماضي، والتركيز على الحاضر والمستقبل».

آمن مانديلا، بأن الشعب الشجاع لا يخشى المغفرة من أجل السلام المجتمعي، وكان يقول «كان يمكنني أن أحمل في قلبي المرارة والكراهية، لكنني اخترت المصالحة والعفو والمغفرة».

لم يشعر بالانتقام، بعد خروجه من السجن، وقال: «اعفوا ولكن لا تنسوا».. وهذا القول يذكرني بمعنى ورد في آية كريمة «وان تعفوا، أقرب للتقوى».

كانت مسيرته السلمية طويلة، لكنها كانت ثابتة نحو الحرية، وساعدت رؤيته الإنسانية، ونموذجه الأخلاقي على سقوط مدوّ لنظام عنصري كريه.

في يوم تنصيبه، رئيساً لجنوب إفريقيا، وقف أمام الوفود العالمية، قائلاً:

«إن أهم ثلاثة أشخاص بالنسبة لي في هذا التجمع العالمي الضخم ثلاثة رجال، كانوا سجاني في سجن جزيرة روبين، أطلب منهم الوقوف، ودعاهم مانديلا بالاسم، ووقف ثلاثة رجال بيض في منتصف العمر، وأوضح أن كل واحد من هؤلاء الرجال، في خضم الظروف الرهيبة التي عرفها مانديلا طوال أعوام سجنه، نظر إليه بصفة كونه كائناً بشرياً، عاملوني في كرامة واحترام، وتحدثوا إليّ وأصغوا».

***

في إبريل العام 1995. استقبله المغفور له الشيخ زايد، ضيفاً رسمياً في الإمارات، وقلده وسام (قلادة الاتحاد).

وحرص مانديلا، على ممارسة رياضة المشي على كورنيش أبوظبي، وفي مايو 2001 وصل الشارقة، بدعوة خاصة من الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، وأشاد بما شاهده من نهضة ثقافية.. وتحديث مجتمعي.

عدت من زيارة جزيرة روبين، وصعدت (جبل الطاولة) الذي يشرف على مدينة كيب تاون، وهو الجبل الذي يرتفع نحو ألف وخمسمئة متر عن سطح البحر، ووقفت متأملاً المحيط أمامي، وتاريخاً طويلاً من المستعمرين والغزاة والعنصريين، تذكرت سفناً عبرت رأس الرجاء الصالح، ومراكب تحمل عبيداً أرقاء، شرقاً وغرباً.. وخواطر وانطباعات عما شاهدته في شوارع كيب تاون، ومناقشات المؤتمر في الجامعة،، ومفكرين أفارقة يشيرون بإصبع الاتهام إلى دور لعرب في سؤال الرقيق.. وآخرين يفاخرون بالحرف العربي المسكون في لهجات ولغات إفريقية.

وظل مانديلا في العقل والوجدان، رمزاً لانتصار إرادة الإنسان، والروح والإنسانية، وجسد نموذجاً للكرامة البشرية والنزاهة والحرية.

قبل عامين، زار أوباما وزوجته وابنتاه، زنزانة مانديلا في جزيرة روبين، وكان مانديلا وقتها، يصارع الموت في المستشفى، أعرب أوباما عن احترامه الكبير لأبطال النضال ضد التمييز العنصري، وكتب كلمة في السجل الذهبي للسجن (تحول إلى متحف): «العالم ممتن لأبطال سجن جزيرة روبين، الذين يذكروننا بأن أي زنزانة، لا يمكن أن تعادل قوة العقل البشري».

في آخر أيامه.. انتقل مانديلا للعيش في قرية أجداده (كونو)، حيث كان قد أمضى معظم طفولته، وتوفي عن عمر 95 عاماً، في ديسمبر 2013.

هل يقرأ أو يعي هؤلاء المتصارعون في العراق وسوريا وليبيا واليمن.. قصة مانديلا، ورؤيته الإنسانية «اعفوا ولكن لا تنسوا»؟؟

------------------------------------------------------------------------

 *كاتب ودبلوماسي سابق من إتحاد الإمارات العربية

الاستطلاعات في الانتخابات الأمريكية

نظرة فاحصة على مصداقية

الاستطلاعات في الانتخابات الرئاسية الاميركية

دقة الاستطلاعات

بداية، جهود الاستقراء والتكهن للتوجهات في جملة من القضايا العامة لا ترتكز الى قواعد علمية رصينة، وان استخدمت وسائل علم الاحصاء، المعادلات الرياضية والجداول الخوارزمية لتحقيق نتائجها. اذ تستند اجراءاتها بشكل مجرد على "قدرة المؤسسة المشرفة استنباط عينة عشوائية صالحة من المواطنين،" في فترة زمنية محددة ودقيقة.

قبل نحو شهر ونيف اشارت عدة استطلاعات للرأي تفوق المرشحة عن الحزب الديموقراطي، هيلاري كلينتون، على منافسها دونالد ترامب بنسبة منزلتين حسابيتين. وما لبثت ان تلاشت الهوة واضحى المتنافسين متقاربين، ضمن هامش الخطأ المسموح حسابيا.

للتوقف عند تعارض القراءات والنتائج اوضح المدير السابق لدائرة الاحصاء المركزية، روبرت غروفز، ان "مخاطر فشل الاستطلاعات كي تعكس الحقائق البينة يزداد مع تقلص نسبة الاجابات. عنصر المجازفة ليس بيّناً في معظم الاحيان، بيد انه ومع تكرار نسب الاجابة المتدنية علينا التهيؤ لمزيد من التكهنات الخاطئة المستندة الى الاستطلاعات." (نيويورك تايمز، 20 حزيران 2015)

تضارب النتائج المشار اليها، بين كلينتون وترامب، تعزى الى تقلص المتنافسين عن الحزب الجمهوري وميل اعداد لا بأس بها للاصطفاف خلف ترامب؛ الأمر الذي كان مستعصيا قراءته عند اجراء الاستطلاع.

رؤية الاخصائيين في الاستطلاعات، افرادا ومؤسسات، تخضع لعدة عوامل ومؤثرات، سياسية واقتصادية واجتماعية، اسوة بالعينات العشوائية. اما ما ينبغي توقعه في الاشهر القليلة المقبلة من نتائج وقراءات لا تشي باجماع معين.

في هذا الصدد، اوضح استاذ السياسة العامة والعلوم السياسية في جامعة رتغرز، كليف زوكين، ان نتائج الاستطلاعات وقراءة الاخصائيين "ستكون قليلة الوثوق بها. بل قد لا نستطيع تلمس متى ستجنح نحو المسار الخطأ." وما يعنيه في نهاية المطاف هو ان "استطلاعات عام 2016 ستكون عرضة للأخذ والرد."

مؤسسات الاستطلاعات المختصة، بداية، لا تستند الى قواعد مشتركة صارمة في تحديد العينات، وبالتالي النتائج. في سعيها التحلي بالمصداقية والدقة، تتشاطر المؤسسات في قضايا ثلاث: المجموعة المشرفة على الاستطلاع؛ الهيئة او المجموعة المكلفة بالاستطلاع؛ والعوامل الداخلية الاخرى.

اضحت استطلاعات الرأي مصدرا هاما لدر الاموال في الحقبات الاخيرة من القرن العشرين وما تلاه، وشهدت الساحة الاميركية بزوغ عدد كبير من المجموعات المدعية بالاختصاص، ترافق مع تعاظم اعتماد المرشحين للمناصب الرسمية المختلفة، المحلية والوطنية، على توجهات الرأي العام المستند لتلك الاستنتاجات التي تخضع احيانا لعامل السرعة والسبق الاخباري لكسب شهرة اعلامية. وعليه، لا يستبعد جنوح بعض النتائج نحو التعريف المثير عوضا عن قراءة دقيقة للتوجهات.

من ابرز المؤسسات التقليدية المعتمدة مجموعتي "غالوب" و "هاريس،" اللتين تتعاونا مع كبريات المؤسسات والشبكات الاعلامية للقيام بالمهمة ورصد النتائج. ويشهد لهما في مجال اختصاصهما بالمهنية والمنهجية الصارمة، وليستا مستعدتين على التضحية بالمصداقية والمهنية. بل تعتبر نتائجهما مرآة تواكب النتائج العملية الى درجة عالية.

في الشق المقابل، يبرز "مركز ابحاث بيو" المخصص للنشاطات الاجتماعية غير الربحية، وتعتبر عينات استطلاعاته ونتائجها "اشدها مصداقية ووثوقا" من المؤسسات الاخرى.

اجرى المركز تقصيا داخليا لاجراءاته المعتمدة بغية التوقف عند قصورها وثغراتها، واستنتج ان عدد المتجاوبين مع الاستطلاع عن طريق الهاتف في المعدل لا تتعدى 10% من الاميركيين؛ بينما كانت النسبة مطلع الألفية نحو 36%.

المؤسسات الصحافية تعتبر زبونا دائما لمؤسسات الاستطلاع التجارية وتنشط في تكليف احداها لاجراء استطلاع معين،. لذا ينبغي التحلي بالحذر عند الاعتماد على نتائج اشرفت عليها مؤسسات صحافية بشكل خاص، اذ ان النتائج تعتبر جزءاً في سياق نبأ ما ترمي لتوجيه الرأي العام تبنيها. على سبيبل المثال، قضية بحجم وأهمية وضع اجراءات مراقبة على اقتناء الاسلحة الفردية، فقد يتم تكليف مؤسسة لاجراء استطلاع تشير نتائجه الى تأييد الاغلبية لوضع قيود مشددة على الاسلحة؛ وهكذا دواليك.

معاهد لا تتقن استخدام التقنية

عنصر الكلفة في ازدياد مضطر، والذي ينبغي اخذه بعين الاعتبار عند النظر بنتائج معينة. الكلفة ايضا تتحكم بطبيعة ونوعية الاسئلة المطروحة وأهلية المشرفين عليها. تتباين كلفة الاستنتاج للرأي من دولار واحد الى نحو 100 دولار لكل مرشح لاستطلاع رأيه، وقد تستغرق زهاء نصف ساعة للفرد لقراءة الاسئلة وتلقي الاجابات.

المؤسسات التجارية تسابق عامل الزمن في استكمال استطلاعاتها الهاتفية، وعادة ما ترتكز الى اجابة اي كان على الطرف الآخر من الهاتف، دون اشتراط توفر عوامل معينة. تجدر الاشارة الى ان البالغين وما فوق سن 21 ليسوا كلهم في تعداد الناخبين المسجلين، وربما بعضهم لا يعد ضمن سجلات المواطنين الاميركيين. وعليه، فان نتائج الاستطلاعات المختلفة تبنى على عوامل خارج العرف والقواعد العلمية، بل وشروط الهيئات المكلفة بالاستطلاع.

في انتخابات عام 2012 الرئاسية، تكهن معهد غالوب "الرصين" بفوز المرشح الجمهوري ميت رومني على منافسه باراك اوباما، واستند اليها الحزب الجمهوري في خطواته اللاحقة. بيد ان النتيجة كانت مغايرة تماما مما حفز المعهد اجراء تحقيق داخلي مكثف للوقوف على الفرضيات التي ثبت خطأها. وقال في تقريره الداخلي "غير المسبوق .. انه ارتكب عدد من الاخطاء في اختيار العينات، بمن فيها التركيبة العرقية والميول السياسية للمستطلعة اراءهم، فضلا عن الثغرات الكامنة في آلية العمل."

وجاء في تقرير المعهد توصيات للمراكز الاخرى المعنية بالاستطلاعات لتحديث تقنياتها المعتمدة والتخلي عن "التناظري القديم وتبني التقنية الرقمية .. ومواكبة انتشار الهواتف الحديثة المحمولة وايجاد حلول لتراجع اهتمام العامة بالمشاركة في الاستطلاعات."

في حال المرشحة كلينتون، نشر معهد هوفر نتائج استطلاع اجراه في ولاية كاليفورنيا، مطلع الاسبوع الماضي، دل فيه على تقدم كلينتون بنسبة 12% على منافسها ترامب. اقتصرت العينة على "البالغين" ولم تأخذ بعين الاعتبار توجهات الرأي العام في الولاية تحديدا وربما حصرت العينة بأراء ناخبين مسجلين في الحزب الديموقراطي.

اداء وشعبية الرئيس الاميركي محل اهتمام متواصل من مؤسسات استطلاعات الرأي. ونشر معهد غالوب نتائج استطلاع اجراه الاسبوع المنصرم يشير فيه الى ارتفاع ملحوظ في نسبة شعبية الرئيس اوباما بلغت 51%، مقابل 45%. بيد ان الاستطلاع اخفق الاخذ بعين الاعتبار احصائيات الدولة عن حالة الاقتصاد والبطالة التي دلت على زيادة طفيفة في عدد الوظائف المسجلة، بينما معاناة العاطلين عن العمل في ازدياد مضطرد.

في هذا السياق، تنبغي الاشارة الى نمطين من استطلاعات الرأي عبر الهاتف: الاول، استطلاع للناخبين المسجلين؛ والثاني استطلاع عام للبالغين. النمط الاول يعد اكثر مصداقية في اغلب الاحيان، خاصة في تحديد التوجه السياسي. تجمع المؤسسات المختصة على قاعدة الاستناد الى استطلاعات تجري بين ناخبين مسجلين وناخبين مرشحين كافضل وسيلة للتكهن بميل الرأي العام، ويخضع المستطلعة اراؤهم لعدد من الاستفسارات قبل المشاركة للتيقن من أهلية الناخب، كما تعتمد على السجلات الرسمية للناخبين بالتوجه اليهم كعينة والتي تعتبر اعلى كلفة من سابقتها العشوائية.

للدلالة، اشار استطلاع اجرته جامعة وينيبياك، منتصف الاسبوع الماضي، الى تفوق المرشحة كلينتون بنسبة 4% عن منافسها بين المدرجين في السجلات الانتخابية، ومن المرجح ان ترتفع النسبة عند الادلاء بالاصوات. النتائج المفرج عنها، اعلاميا في هذه الحالة، اغفلت تسجيل الانتماء الحزبي او المستقلين بين العينة البالغة 1،561 فرد، 43% منهم مسجلين لدى الحزب الديموقراطي. وعادة ما يتم اعتماد نسبة 30% من المسجلين في صفوف الحزب الديموقراطي. القراءة الاولية للنتائج تدل على خلل كبير في ترجيح كفة الناخبين الديموقراطيين في العينة، والتي لا تعكس النبض الشعبي العام بدقة.

الاستقطاب الحاد في الموسم الانتخابي الحالي يشير الى تحفيز قواعد الحزب الجمهوري والتي من المنتظر ان تشارك بالانتخابات باعداد كبيرة. في معسكر المرشحة كلينتون، بامكانها الاعتماد على الشرائح التقليدية الداعمة، السود والجيل الناشيء، التي أهلتها لتبوأ منزلة متقدمة. بيد انها قد لا تستطيع الحفاظ عليها نظرا لانشداد السود لجانب الرئيس اوباما في الدورة السابقة ومشاركتهم بكثافة عالية، اما الجيل الجديد فيعد اقل ميلا للتصويت لكلينتون.

تكتسب الجولة الانتخابية الراهنة اهمية استثنائية لناحية نظر الناخبين بجدية اكبر لضرورة دخول حزب ثالث او مستقل يكسر احتكار ثنائية الحزبين للمشهد السياسي. نسبة الحماس لصالح الحزب الثالث تخفو عادة قبيل الانتخابات العامة.

ترامب الكفة الراجحة

في الثنائية الراهنة، يميل اغلبية الرجال الناخبين لصالح ترامب، بنسبة 51% مقابل 35 لكلينتون؛ اما قطاع المرأة فيميل بنسبة اكبر لصالح مرشح الحزب الديموقراطي، 54% مقابل 30% لصالح الحزب الجمهوري. البيانات المتوفرة تشير الى ان ترامب ينال نسبة 86% من اصوات الناخبين الجمهوريين؛ اما كلينتون فقد نالت 90% من اصوات الديموقراطيين. شريحة الناخبين المستقلين تميل للانقسام بينهما بالتساوي تقريبا: 40% لصالح ترامب، مقابل 37% لصالح كلينتون.

النسبة المرتفعة للمستقلين المؤيدين لترامب، 40%، تشكل مصدر قلق لحملة كلينتون الانتخابية نظرا لان تلك الشريحة تتحكم بمفاصل الانتخابات الاميركية عادة.

عنصر الثقة بالمرشحين تميل لصالح ترامب بنسبة 44% تعتبره "صادقا وجدير بالثقة،" مقابل 39% لصالح كلينتون؛ ويعتبر ترامب "اشد الهاما" بين الناخبين بنسبة 48% مقابل 39% لصالح كلينتون.

يعتبر ترامب اكثر قدرة على ادارة الاقتصاد ومحاربة تنظيم الدولة الاسلامية من منافسته، بينما تنال كلينتون رضى اغلبية الناخبين للتعامل مع مسألة الهجرة وتدفق المهاجرين وكذلك لخبرتها في ادارة الازمات الداخلية.

 الميول الانتخابية الراهنة لا تعد ثابتة يمكن البناء عليها. اذ ان لدينا متسع من الزمن لرؤية تقلبات واصطفافات جديدة داخل المعسكرين وبينهما، خاصة بعد اتضاح الصورة شبه النهائية لأن الصراع حقيقة يتمحور حول كسب شريحة الناخبين المستقلين.

الحالة الاقتصادية، في المشهد الاميركي، تعتبر عاملا اقوى في الانتخابات الرئاسية، الأمر الذي يعزز احتمالات ثبوت دونالد ترامب في مرتبة متقدمة. ويعتبر المراقبون ان تصريح هيلاري كلينتون الاخير بجهوزيتها للإعتماد على خبرة ومعالجة الشأن الاقتصادي لزوجها بيل كلينتون دليل ساطع على اولوية الملف الاقتصادي.

------------------------------------------------

Mounzer A. Sleiman Ph.D.

Center for American and Arab Studies

Email:   عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

هل يصحّ الابتعاد عن الدين لمعالجة التطرف؟!

مواجهة نهج التطرّف تتطلّب الآن من العرب الارتكاز إلى فكرٍ معتدل ينهض بهم، ويُحصّن وحدة أوطانهم، ويُحقّق التكامل بين بلادهم، ويُحسّن استخدام ثرواتهم، ويصون مجتمعاتهم المعرّضة الآن لكلّ الأخطار. لكن الفكر المعتدل المطلوب ليس هو بالفكر الواحد في كلّ مكان، ولا يجب أن يكون. فالاعتدال هو منهج وليس مضموناً عقائدياً.

وقد يكون المضمون دينياً أو علمانياً، وطنياً أو قومياً أو أممياً، لا همّ بذلك، فالمهم هو ضرورة اعتماد نهج الاعتدال ورفض التطرّف كمنهاج في التفكير وفي العمل وفي السلوك الفردي أيضاً.

فالاختلاف والتنوّع في البشر والطبيعة، هما سنّة الخلق وإرادة الخالق، بينما دعاة التطرّف اليوم (وهم أيضاً ينتمون إلى أديان وشعوب وأمكنة مختلفة) يريدون العالم كما هم عليه، و"من ليس معهم فهو ضدّهم"، ويكفّرون ويقتلون من ليس على معتقدهم حتّى لو كان من أتباع دينهم أو من وطنهم وقومهم.

لكنْ هناك انقسام في المجتمعات العربية والإسلامية بين تيّارين أو منهجين فكريين؛ أحدهما يدعو لمقولة "العلمانية"، والآخر إلى الأخذ بالمنهج "الإسلامي". وكلٌّ من أصحاب المدرستين يحاول الربط بين منهجه وبين سمات إيجابية أخرى حدثت أو تحدث في المجتمع، رغم أنّ لا علاقة لها في الأصل بالمنهج الفكري نفسه. فالتيّار "العلماني" يعتبر معارك التحرّر القومي ضدّ الاستعمار في القرن العشرين، وكذلك معارك العدالة الاجتماعية، وكأنّها منجزات للتيار الفكري العلماني، بينما نجد على الطرف الآخر من يعتبر مثلاً ظاهرة المقاومة بمثابة انتصار للمنهج الفكري الإسلامي.

أعتقد أنّ في الحالتين ظلماً للحقيقة. فقضايا التحرّر والهُويّة القومية والعدالة الاجتماعية ومقاومة الاحتلال ومحاربة الظلم أينما كان وكيفما كان، هي كلّها قضايا إنسانية عامّة لا ترتبط بمنهج فكري محدّد. فلا الدين يتعارض مع هذه القضايا ولا الابتعاد عنه يعني تخلّياً عنها. وهناك أمثلة عديدة عن مجتمعات كافحت من أجل هذه القضايا لكن اختلفت دوافعها الفكرية ونظرتها لدور الدين في الحياة.

إذن، أساس الخلاف بين التيّارين "العلماني" و"الإسلامي" هو فكري محض، ولا يجوز إلحاق كل القضايا بطبيعة هذا الخلاف. فالهُويّة الوطنية أو القومية مثلاً أصبحت ضحية لهذا الخلاف بين التيّارين في المنطقة العربية، بينما لا تتناقض إطلاقاً الهُويّة الثقافية للشعوب مع معتقداتها الدينية. كذلك هو أسلوب المقاومة ضدّ المحتل أو المستعمر حيث هو وسيلة تحرّر استخدمتها قوى مختلفة الألوان والمناهج الفكرية.

إنّ العكس هو المفروض أن يحدث في البلاد العربية بين التيّارين "الإسلامي" و"العلماني"، أي أن يبقى الاختلاف قائماً في المسألة الفكرية وأن يتمّ البحث عن المشترك من القضايا الوطنية والاجتماعية. فالاحتلال الإسرائيلي مثلاً لم ولا يميّز بين التيّارين في الأراضي المحتلة، إذ المستهدَف هو الفلسطيني إن كان من هذا الدين أو ذاك، أو إن كان "علمانياً" أو "إسلامياً". الأمر نفسه ينطبق على القضايا الاجتماعية حيث لا ديناً أو لوناً فكرياً للفقر أو للظلم الاجتماعي.

أمّا الاختلاف على الجانب الفكري، فهو ظاهرة صحيّة إذا حصلت في مجتمعات تصون التعدّدية الفكرية والسياسية، وتسمح بالتداول السلمي للسلطة وباحترام وجود ودور "الرأي الآخر". وهي مواصفات وشروط لمجتمعات تعتمد الحياة السياسية الديمقراطية، وتكون مرجعيتها هي القوانين والدساتير المجمَع على الالتزام بها بين كلّ الأطراف. فلا ينقلب طرفٌ على الآخرين وحقوقهم أو على الدستور ذاته لمجرّد الوصول إلى الحكم.

وهناك حاجة للتوافق المبدئي بين مختلف الاتجاهات الفكرية العربية على ضرورة الفرز والتمييز بين الجماعات التي تعمل تحت لواء أيَّة نظرية فكرية. فليس هناك مفهومٌ واحد لهذه النظريات حتّى داخل المعتقدين بها بشكل عام، ثم ليس هناك برنامج سياسي أو تطبيقي واحد حتّى بين الجماعات والحركات التي تتّفق على مفهومٍ واحد. هذا الأمر ينطبق على الجماعات "العلمانية" و"الإسلامية" كما على أتباع النظريات الشيوعية والرأسمالية، وعلى "المحافظين" والليبراليين" في العالم كلّه. كذلك صحّت هذه الخلاصة على التجارب القومية العربية، ومنها "الناصرية" و"البعث" وغيرهما، حيث غابت وحدة المفاهيم الفكرية والحركية عن هذه التجارب.

إذن، الموضوعية تفرض عدم وضع الحركات الإسلامية كلّها في سلّةٍ واحدة (فكراً وممارسة)، كذلك بالنسبة للقوى العلمانية.. وبالتالي عدم استخدام التعميم في التعامل مع أيَّة حالة.

أيضاً، من المعروف أنَّ أساليب الحكم ومفاهيم الدولة قد اختلفت إسلامياً من حقبةٍ لأخرى، حتّى في سياقها التاريخي منذ بدء الدعوة ثمّ في فترة الخلفاء الراشدين، ثمّ ما جرى بعد ذلك من حكم عائلي متوارث تحت مظلّة "الخلافة الإسلامية" وصراعات بين حقبة وأخرى، واختلاف في المفاهيم وصيغ الحكم ومرجعياته.

إنّ بإمكان المجتمع العربي الاستفادة فعلاً من التجربة "العلمانية الأميركية" المتميّزة عن التجارب العلمانية الأوروبية، لكن الأساس المطلوب عربياً وإسلامياً هو تعزيز منهج "العقلانية الدينية" في القضايا الفكرية والثقافية، من حيث استخدام العقل في فهم النصوص الدينية وعدم الارتكاز فقط على كتب التفسير والأحاديث وما يجري تداوله لأكثر من 1400 سنة، رغم تغيّر وتطوّر العالم والعلم، ومن ثمّ اعتماد المرجعية الشعبية في الوصول للحكم وفي أعمال المؤسسات التشريعية المنتخبة، وأيضاً بإلغاء الطائفية السياسية في بعض أنظمة الحكم (كما في لبنان والعراق الآن)، أي عدم اشتراط التبعية لدين أو مذهب أو أصول إثنية في أيّ موقع من مواقع الحكم ووظائف الدولة، مع اعتماد النهج الديمقراطي في مؤسسات الحكم وفي الوصول إليها، وبتحقيق المساواة الكاملة بين المواطنين (بما في ذلك المساواة بين المرأة والرجل) في الحقوق والواجبات.

إنّ المنطقة العربية هي مهد كلّ الرسالات السماوية والأنبياء ومواقع الحج الديني، وبالتالي فإنّ تغييب أو تهميش دور الدين فيها هو مسألة مستحيلة عملياً.

إنّ فصل الدين عن المجتمع لم يحصل في أيّ أمَّة إلا بفعل القوة (مثال نموذج تجارب الأنظمة الشيوعية). أما "فصل الدين عن الدولة" في الأنظمة الغربية فكان نسبياً، فهو في فرنسا فصلٌ كامل في السلوك السياسي والشخصي للحاكمين.. وهو في أميركا فصلٌ فقط بالسلوك السياسي.. ويختلف في بريطانيا عن النموذجين الفرنسي والأميركي.. وهناك في إيطاليا، وفي بعض دول أوروبا الأخرى، أحزاب سياسية قائمة على أساس ديني (كالحزب الديمقراطي المسيحي). أمّا في يوغوسلافيا، فلم ينجح الحكم العلماني الشيوعي (لأكثر من نصف قرن) في إزالة العصبيات الدينية حتّى بين الكاثوليك والأرثوذوكس!.

إنّ معالجة مشاكل العنف باسم الدين ليس حلّها بالابتعاد عن الدين، بدلالة ظهور حركات العنف في أميركا وأوروبا على أساس ديني رغم وجود الأنظمة العلمانية.

فالعلمانية وحدها هي ليست الحل لمشاكل المجتمع العربي!

ولقد شهدت بعض البلاد العربية والإسلامية تجارب لأنظمة حكم علمانية لكن بمعزل عن الديمقراطية السياسية في الحكم، والعدالة في المجتمع، فلم تفلح هذه التجارب في حلّ مشاكل دولها؛ كنظام بورقيبة في تونس، والنظام العلماني لشاه إيران، وتجربة الحكم الشيوعي في عدن الذي انتهى بصراعات قبائلية بين الحاكمين. وهذه التجارب لم تحلّ مشكلة غياب الديمقراطية.. ولم تحلّ مشكلة الأقليات.. ولم تحلّ المشاكل الاقتصادية.. ولم تحقّق التقدّم والعدالة الاجتماعية لشعوبها.

إنّ تنظيمات "القاعدة" و"داعش" و"النصرة" ما كانت لتظهر وتنمو في أفغانستان والعراق وسوريا وليبيا واليمن والصومال، لولا حالات الفوضى والحروب الأهلية التي نتجت عن احتلال أو تدخّل بعض الدول الكبرى في هذه البلدان. وهذه الجماعات التي تمارس أسلوب الإرهاب تحت شعاراتٍ دينية إسلامية، وهي تنشط الآن في عدّة دول بالمنطقة والعالم، تخدم في أساليبها وفي أفكارها المشروع الإسرائيلي الهادف لتقسيم المجتمعات العربية وهدم وحدة الأوطان والشعوب معاً.

لكن المشكلة الأساس في البلاد العربية والإسلامية ستبقى في غياب المرجعيات الفكرية الدينية السليمة التي يُجمِع الناس عليها، وفي تحوُّل الأسماء الدينية إلى تجارة رابحة يمارسها البعض زوراً وبهتاناً.

فالعنصر الأهمّ في ظاهرة الإرهاب باسم الدين هو العامل الفكري/العقَدي، حيث تتوارث أجيال في المنطقة العربية والعالم الإسلامي مجموعةً من المفاهيم التي يتعارض بعضها مع أصول الدعوة الإسلامية، ومع خلاصة التجربة الإسلامية الأولى في فترة الهجرة النبوية وفي عهد الخلفاء الراشدين.

إنّ المجتمع العربي بحاجة إلى إصلاحات فكرية وثقافية وسياسية واقتصادية واجتماعية.. وهذه الإصلاحات لا تتناقض مع القيم الدينية ولا تتعارض مع المفاهيم الإنسانية المعاصرة، وفي ذلك مسؤولية مشتركة لقوى "علمانية" و"إسلامية" تختلف فكرياً، لكنّها قد تشترك في برنامج نهضوي جديد، كما هو حال التجربة السياسية في تونس الآن.

---------------------------------------

*مدير "مركز الحوار" في واشنطن

 عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.