السبت 25 آذار/مارس 2017
TEXT_SIZE

هل يصحّ الابتعاد عن الدين لمعالجة التطرف؟!

مواجهة نهج التطرّف تتطلّب الآن من العرب الارتكاز إلى فكرٍ معتدل ينهض بهم، ويُحصّن وحدة أوطانهم، ويُحقّق التكامل بين بلادهم، ويُحسّن استخدام ثرواتهم، ويصون مجتمعاتهم المعرّضة الآن لكلّ الأخطار. لكن الفكر المعتدل المطلوب ليس هو بالفكر الواحد في كلّ مكان، ولا يجب أن يكون. فالاعتدال هو منهج وليس مضموناً عقائدياً.

وقد يكون المضمون دينياً أو علمانياً، وطنياً أو قومياً أو أممياً، لا همّ بذلك، فالمهم هو ضرورة اعتماد نهج الاعتدال ورفض التطرّف كمنهاج في التفكير وفي العمل وفي السلوك الفردي أيضاً.

فالاختلاف والتنوّع في البشر والطبيعة، هما سنّة الخلق وإرادة الخالق، بينما دعاة التطرّف اليوم (وهم أيضاً ينتمون إلى أديان وشعوب وأمكنة مختلفة) يريدون العالم كما هم عليه، و"من ليس معهم فهو ضدّهم"، ويكفّرون ويقتلون من ليس على معتقدهم حتّى لو كان من أتباع دينهم أو من وطنهم وقومهم.

لكنْ هناك انقسام في المجتمعات العربية والإسلامية بين تيّارين أو منهجين فكريين؛ أحدهما يدعو لمقولة "العلمانية"، والآخر إلى الأخذ بالمنهج "الإسلامي". وكلٌّ من أصحاب المدرستين يحاول الربط بين منهجه وبين سمات إيجابية أخرى حدثت أو تحدث في المجتمع، رغم أنّ لا علاقة لها في الأصل بالمنهج الفكري نفسه. فالتيّار "العلماني" يعتبر معارك التحرّر القومي ضدّ الاستعمار في القرن العشرين، وكذلك معارك العدالة الاجتماعية، وكأنّها منجزات للتيار الفكري العلماني، بينما نجد على الطرف الآخر من يعتبر مثلاً ظاهرة المقاومة بمثابة انتصار للمنهج الفكري الإسلامي.

أعتقد أنّ في الحالتين ظلماً للحقيقة. فقضايا التحرّر والهُويّة القومية والعدالة الاجتماعية ومقاومة الاحتلال ومحاربة الظلم أينما كان وكيفما كان، هي كلّها قضايا إنسانية عامّة لا ترتبط بمنهج فكري محدّد. فلا الدين يتعارض مع هذه القضايا ولا الابتعاد عنه يعني تخلّياً عنها. وهناك أمثلة عديدة عن مجتمعات كافحت من أجل هذه القضايا لكن اختلفت دوافعها الفكرية ونظرتها لدور الدين في الحياة.

إذن، أساس الخلاف بين التيّارين "العلماني" و"الإسلامي" هو فكري محض، ولا يجوز إلحاق كل القضايا بطبيعة هذا الخلاف. فالهُويّة الوطنية أو القومية مثلاً أصبحت ضحية لهذا الخلاف بين التيّارين في المنطقة العربية، بينما لا تتناقض إطلاقاً الهُويّة الثقافية للشعوب مع معتقداتها الدينية. كذلك هو أسلوب المقاومة ضدّ المحتل أو المستعمر حيث هو وسيلة تحرّر استخدمتها قوى مختلفة الألوان والمناهج الفكرية.

إنّ العكس هو المفروض أن يحدث في البلاد العربية بين التيّارين "الإسلامي" و"العلماني"، أي أن يبقى الاختلاف قائماً في المسألة الفكرية وأن يتمّ البحث عن المشترك من القضايا الوطنية والاجتماعية. فالاحتلال الإسرائيلي مثلاً لم ولا يميّز بين التيّارين في الأراضي المحتلة، إذ المستهدَف هو الفلسطيني إن كان من هذا الدين أو ذاك، أو إن كان "علمانياً" أو "إسلامياً". الأمر نفسه ينطبق على القضايا الاجتماعية حيث لا ديناً أو لوناً فكرياً للفقر أو للظلم الاجتماعي.

أمّا الاختلاف على الجانب الفكري، فهو ظاهرة صحيّة إذا حصلت في مجتمعات تصون التعدّدية الفكرية والسياسية، وتسمح بالتداول السلمي للسلطة وباحترام وجود ودور "الرأي الآخر". وهي مواصفات وشروط لمجتمعات تعتمد الحياة السياسية الديمقراطية، وتكون مرجعيتها هي القوانين والدساتير المجمَع على الالتزام بها بين كلّ الأطراف. فلا ينقلب طرفٌ على الآخرين وحقوقهم أو على الدستور ذاته لمجرّد الوصول إلى الحكم.

وهناك حاجة للتوافق المبدئي بين مختلف الاتجاهات الفكرية العربية على ضرورة الفرز والتمييز بين الجماعات التي تعمل تحت لواء أيَّة نظرية فكرية. فليس هناك مفهومٌ واحد لهذه النظريات حتّى داخل المعتقدين بها بشكل عام، ثم ليس هناك برنامج سياسي أو تطبيقي واحد حتّى بين الجماعات والحركات التي تتّفق على مفهومٍ واحد. هذا الأمر ينطبق على الجماعات "العلمانية" و"الإسلامية" كما على أتباع النظريات الشيوعية والرأسمالية، وعلى "المحافظين" والليبراليين" في العالم كلّه. كذلك صحّت هذه الخلاصة على التجارب القومية العربية، ومنها "الناصرية" و"البعث" وغيرهما، حيث غابت وحدة المفاهيم الفكرية والحركية عن هذه التجارب.

إذن، الموضوعية تفرض عدم وضع الحركات الإسلامية كلّها في سلّةٍ واحدة (فكراً وممارسة)، كذلك بالنسبة للقوى العلمانية.. وبالتالي عدم استخدام التعميم في التعامل مع أيَّة حالة.

أيضاً، من المعروف أنَّ أساليب الحكم ومفاهيم الدولة قد اختلفت إسلامياً من حقبةٍ لأخرى، حتّى في سياقها التاريخي منذ بدء الدعوة ثمّ في فترة الخلفاء الراشدين، ثمّ ما جرى بعد ذلك من حكم عائلي متوارث تحت مظلّة "الخلافة الإسلامية" وصراعات بين حقبة وأخرى، واختلاف في المفاهيم وصيغ الحكم ومرجعياته.

إنّ بإمكان المجتمع العربي الاستفادة فعلاً من التجربة "العلمانية الأميركية" المتميّزة عن التجارب العلمانية الأوروبية، لكن الأساس المطلوب عربياً وإسلامياً هو تعزيز منهج "العقلانية الدينية" في القضايا الفكرية والثقافية، من حيث استخدام العقل في فهم النصوص الدينية وعدم الارتكاز فقط على كتب التفسير والأحاديث وما يجري تداوله لأكثر من 1400 سنة، رغم تغيّر وتطوّر العالم والعلم، ومن ثمّ اعتماد المرجعية الشعبية في الوصول للحكم وفي أعمال المؤسسات التشريعية المنتخبة، وأيضاً بإلغاء الطائفية السياسية في بعض أنظمة الحكم (كما في لبنان والعراق الآن)، أي عدم اشتراط التبعية لدين أو مذهب أو أصول إثنية في أيّ موقع من مواقع الحكم ووظائف الدولة، مع اعتماد النهج الديمقراطي في مؤسسات الحكم وفي الوصول إليها، وبتحقيق المساواة الكاملة بين المواطنين (بما في ذلك المساواة بين المرأة والرجل) في الحقوق والواجبات.

إنّ المنطقة العربية هي مهد كلّ الرسالات السماوية والأنبياء ومواقع الحج الديني، وبالتالي فإنّ تغييب أو تهميش دور الدين فيها هو مسألة مستحيلة عملياً.

إنّ فصل الدين عن المجتمع لم يحصل في أيّ أمَّة إلا بفعل القوة (مثال نموذج تجارب الأنظمة الشيوعية). أما "فصل الدين عن الدولة" في الأنظمة الغربية فكان نسبياً، فهو في فرنسا فصلٌ كامل في السلوك السياسي والشخصي للحاكمين.. وهو في أميركا فصلٌ فقط بالسلوك السياسي.. ويختلف في بريطانيا عن النموذجين الفرنسي والأميركي.. وهناك في إيطاليا، وفي بعض دول أوروبا الأخرى، أحزاب سياسية قائمة على أساس ديني (كالحزب الديمقراطي المسيحي). أمّا في يوغوسلافيا، فلم ينجح الحكم العلماني الشيوعي (لأكثر من نصف قرن) في إزالة العصبيات الدينية حتّى بين الكاثوليك والأرثوذوكس!.

إنّ معالجة مشاكل العنف باسم الدين ليس حلّها بالابتعاد عن الدين، بدلالة ظهور حركات العنف في أميركا وأوروبا على أساس ديني رغم وجود الأنظمة العلمانية.

فالعلمانية وحدها هي ليست الحل لمشاكل المجتمع العربي!

ولقد شهدت بعض البلاد العربية والإسلامية تجارب لأنظمة حكم علمانية لكن بمعزل عن الديمقراطية السياسية في الحكم، والعدالة في المجتمع، فلم تفلح هذه التجارب في حلّ مشاكل دولها؛ كنظام بورقيبة في تونس، والنظام العلماني لشاه إيران، وتجربة الحكم الشيوعي في عدن الذي انتهى بصراعات قبائلية بين الحاكمين. وهذه التجارب لم تحلّ مشكلة غياب الديمقراطية.. ولم تحلّ مشكلة الأقليات.. ولم تحلّ المشاكل الاقتصادية.. ولم تحقّق التقدّم والعدالة الاجتماعية لشعوبها.

إنّ تنظيمات "القاعدة" و"داعش" و"النصرة" ما كانت لتظهر وتنمو في أفغانستان والعراق وسوريا وليبيا واليمن والصومال، لولا حالات الفوضى والحروب الأهلية التي نتجت عن احتلال أو تدخّل بعض الدول الكبرى في هذه البلدان. وهذه الجماعات التي تمارس أسلوب الإرهاب تحت شعاراتٍ دينية إسلامية، وهي تنشط الآن في عدّة دول بالمنطقة والعالم، تخدم في أساليبها وفي أفكارها المشروع الإسرائيلي الهادف لتقسيم المجتمعات العربية وهدم وحدة الأوطان والشعوب معاً.

لكن المشكلة الأساس في البلاد العربية والإسلامية ستبقى في غياب المرجعيات الفكرية الدينية السليمة التي يُجمِع الناس عليها، وفي تحوُّل الأسماء الدينية إلى تجارة رابحة يمارسها البعض زوراً وبهتاناً.

فالعنصر الأهمّ في ظاهرة الإرهاب باسم الدين هو العامل الفكري/العقَدي، حيث تتوارث أجيال في المنطقة العربية والعالم الإسلامي مجموعةً من المفاهيم التي يتعارض بعضها مع أصول الدعوة الإسلامية، ومع خلاصة التجربة الإسلامية الأولى في فترة الهجرة النبوية وفي عهد الخلفاء الراشدين.

إنّ المجتمع العربي بحاجة إلى إصلاحات فكرية وثقافية وسياسية واقتصادية واجتماعية.. وهذه الإصلاحات لا تتناقض مع القيم الدينية ولا تتعارض مع المفاهيم الإنسانية المعاصرة، وفي ذلك مسؤولية مشتركة لقوى "علمانية" و"إسلامية" تختلف فكرياً، لكنّها قد تشترك في برنامج نهضوي جديد، كما هو حال التجربة السياسية في تونس الآن.

---------------------------------------

*مدير "مركز الحوار" في واشنطن

 عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

حماة الدواعش إلى أين؟

من نافلة القول أن العراق يمر اليوم في أخطر منعطف تاريخي يهدد شعبه بالفناء، ووجوده كدولة، حيث تكالبت عليه دول إقليمية لخوفهم الشديد من نجاح الديمقراطية فيه، ووصول عدواها إلى شعوبهم. والمؤسف هو استعداد شريحة واسعة من أبناء العراق للتعاون مع آلهة الشر في سبيل مصالحهم الشخصية والفئوية العابرة وبدوافع طائفية. فقد بات معروفاً أن نحو 90% من الدواعش في العراق هم من فلول البعث الذين جعلوا من مناطقهم حواضن للإرهاب، ودفع السكان الثمن الباهظ، يدعمهم في هذه الجريمة ذراعهم السياسي المشارك في السلطة، المتمثل بما يسمى بـ(تحالف القوى العراقية) بقيادة أسامة النجيفي، وظافر العاني، و صالح المطلك وأياد علاوي وغيرهم، الذين قدموا مناطقهم لقمة سائغة إلى خوارج العصر (داعش)، وما داعش إلا الاسم الحركي ليرتكبوا أبشع الجرائم بحق الشعب العراقي باسمه. و راحوا يلعبون على عدة حبال في آن واحد، يدعمهم الإعلام العربي وجيش من الإعلاميين، مرتزقة البترودولار. كان الغرض من دعم هؤلاء للإرهاب في أول الأمر، التخلص من نوري المالكي، رئيس الوزراء السابق، بذريعة تهميشهم في السلطة، الكذبة التي انكشف زيفها وبطلانها للجميع. (راجع مقالنا: التهميش، وثياب الامبراطور الجديدة (1).

يحاول قادة تحالف القوى ومن يعاضدهم، الاستفادة من ألاعيبهم إلى أكبر قدر ممكن، فمن جهة هم الذين قاموا بتسليم مناطقهم إلى الدواعش وبدعم من دول إقليمية معروفة، ثم راحوا يحملون المالكي مسؤولية ذلك، بل وحتى إلقاء مذبحة سبايكر، وغيرها من المذابح عليه، بحجة أنه كان رئيساً لمجلس الوزراء وقائداً عاماً للقوات المسلحة، بل راح بعضهم يشبه المالكي بصدام حسين لأن الأخير تمت محاكمته وإعدامه بسبب المذابح والمقابر الجماعية التي حصلت في عهده، كذلك المالكي يجب محاسبته على ما حصل في عهد حكومته!!. 
نقول لهؤلاء أن بكاءهم على ضحايا سباكير نفاق صارخ، وتشبيه المالكي بصدام فيه الكثير من الإجحاف والتضليل. لأن المجازر والمقابر الجماعية في عهد صدام قد حصلت بأوامر مباشرة من الطاغية نفسه، فهل المجازر التي أرتكبها الدواعش وغيرها من التنظيمات الإرهابية كانت بأوامر من المالكي حتى يحاكم عليها؟
فهل يصح مثلاً، اتهام جورج بوش بجريمة 11 سبتمبر 2001 التي راحت ضحيتها نحو 3 آلاف شخص لأنه كان رئيساً لأمريكا وقائداً عاماً لقواتها المسلحة، وحصلت هذه الجريمة في عهده؟
وهل تجب محاكمة توني بلير لأنه كان رئيساً للحكومة البريطانية عندما حصلت تفجيرات قطارات الأنفاق في لندن يوم 7/7/2005 و راح ضحيتها 52 قتيلاً وأكثر من 700 جريح؟
ونفس الكلام يمكن قوله عما حصل من تفجيرات وأعمال إرهابية في أسبانيا وفرنسا وبلجيكا، فهل يصح تحميل رؤساء هذه مسؤولية هذه الجرائم والمطالبة بمحاكتهم، لأنها حصلت في عهدهم؟ 
في الحقيقة لا أحد في هذه البلدان ألقى التهمة على رؤساء تلك الدول إلا في العراق... والسبب لأن رئيس الوزراء العراقي قد تجرأ ووقع على إعدام أكبر إرهابي في التاريخ، وهو صدام حسين وأعوانه، ولأنه التزم بالدستور حرفياً، ولم يذعن للإبتزاز. لذلك صار مغضوباً عليه من قبل البعثيين، والدواعش، ويوسف القرضاوي، ومسعود بارزاني ومن يدعمهم في الخارج (السعودية وقطر وتركيا).

ولما تحقق لهم ما أرادوا بتنحية المالكي، وتأكدوا من مغبة تبنيهم للإرهاب، وأعمالهم العدوانية التي جلبت الكوارث على أهليهم في المناطق المنكوبة، اتهموا حكومة حيدر العبادي بالتلكؤ في تحرير مناطقهم وعدم الاكتراث بها. ولكن ما أن تحركت الحكومة بكل ما لديها من قوة وإمكانيات، وبدعم التحالف الدولي لتحرير الفلوجة، وحققت انتصارات ساحقة على الدواعش، راح (تحالف القوى يحذر من استمرار "الانتهاكات" ضد ابناء الفلوجة ويحمل العبادي مسؤولية ذلك).(2)

والمعروف أن قائد هذه الجوقة هو ولي نعمتهم ثامر السبهان، سفير المملكة العربية السعودية في العراق، فهذا السفير لم يلتزم بآداب الدبلوماسية، فهو بالأساس عسكري وناشط في الاستخبارات السعودية، وعندما كان ملحقاً عسكرياً في السفارة السعودية في لبنان، أبدى نشاطاً محموماً ضد القوى الوطنية الرافضة للتدخل السعودي، فوجدوا فيه الشخص المناسب ليقوم بهذه الأعمال التخريبية في العراق كسفير. فسبهان هذا راح يتصرف وكأنه زعيم لتحالف القوى العراقية المشاركة في العملية السياسية. فما أن بدأت حملة تحرير الفلوجة، حتى وبدأ هو حملته في التدخل الفض بالشأن العراقي، إذ راح يوجه اتهامات بانتهاكات وتجاوزات ضد أهل الفلوجة من قبل الحشد الشعبي والجيش العراقي، ولم ينس أن يزج إيران في هذا الموضوع، إذ كتب في تغريدات سابقة له مدعياً: "وجود شخصيات ارهابية إيرانية قرب الفلوجة دليل واضح بأنهم يريدون حرق العراقيين العرب بنيران الطائفية المقيتة وتأكيد لتوجههم بتغيير ديموغرافي"(3).
هذه التصريحات تمثل قمة المهزلة حين تستنكر السعودية الطائفية، وتتهم غيرها بإذكاء نيرانها. فالسعودية وقطر وتركيا هي وراء الإرهاب باعتراف أقرب حليف لها، ألا وهي الإدارة الأمريكية، بينما إيران تساعد العراق وسوريا في محاربة الإرهاب. وهذا دليل على أن السعودية هي وراء داعش ولا تريد لها الهزيمة. فالكل يعرف أن السلاح الوحيد الذي تعتمده السعودية للبقاء في السلطة هو إثارة الصراع الطائفي لتخويف السنة الذين يشكلون الأغلبية من شعبها، بالبعبع الشيعي والإيراني. إذ كما قالت نائبة عراقية في تصريح لها لوكالات الأنباء إن "السفير السعودي عين نفسه وصيا على السنة وبعض القوى السياسية. وطالبت الحكومة بطرده لتدخلاته السافرة”. 
وكالعادة رافقت هذه الاتهامات الفجة حملة إعلامية مضللة من قبل الإعلام العربي المؤيد لداعش.
و ازاء هذه الحملة التضليلة، ولطمأنة الرأي العام، وكإجراء احترازي في ظروف الحرب (توعدت الحكومة العراقية بالمحاسبة الشديدة لأي تجاوزات تحصل ضد المدنيين في معركة تحرير مدينة الفلوجة من عصابات داعش الارهابية" منتقدة "بعض وسائل الاعلام العربية ومحاولتها "لاذكاء الفتنة الطائفية".

لكن السفير السعودي يعرف كيف يلوي عنق الحقيقة، ويتلاعب بالألفاظ، ففسر تصريحات مكتب رئيس الوزراء أنها اعتراف بالانتهاكات، إذ عاد قائلاً: (إن رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، أقر بوجود انتهاكات في مدينة الفلوجة خلال العمليات التي تقوم بها القوات العراقية لاستعادة المدينة من عناصر تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام أو ما يُعرف بـ"داعش.") 
في الحقيقة هذه الانتهاكات المزعومة لا تختلف عن انتهاكات شرف الثلاجة أيام تحرير تكريت من دنس داعش!. 
والملاحظ أن أعداء العراق (السعودية، والإمارات وقطر وتركيا) في حالة عزاء وحِداد بسبب الهزائم التي مني بها الدواعش على يد القوات العراقية المسلحة والحشد الشعبي، والحشد العشائري من أبناء المناطق المحررة. لذلك راحت تكيل التهم الباطلة ضد القوات العراقية، في دفاع محموم عن الدواعش بغطاء حماية المدنين في الفلوجة. و آخر هذه التشنيعات جاءت من الانتهازي المعروف عبدالحسين شعبان الذي صرح: "إن الإنتصار في الفلوجة أكثر عاراً من الهزيمة"، وهي جملة مقتبسة من غيره أيام زمان قيلت في ظروف مختلفة، أدعاها لنفسه من أجل التقليل من قيمة هذه الانتصارات(4). وبالتأكيد لم تكن هذه الخدمة لوجه الله تعالى، بل كغيره من اليساريين السابقين المشبوهين الذين تم طردهم، فسقطوا في أحضان الرذيلة السعودية. فقد شاهدنا هذا "اليساري" المزعوم، وهو واقف ذليلاً أمام الجزار معمر القذافي مع شلة من البعثيين يتوسلون إليه لتحرير العراق من أبنائه.

والسفير السعودي وقادة تحالف القوى ومرتزقتهم من الكتاب من أمثال عبدالحسين شعبان، يعرفون جيداً من هم وراء داعش، وما الغرض منها. إذ كما قالت  كرستين لاغارد، مدير عام صندوق النقد الدولي IMF:(الحرب ليست في الأنبار ولا حتى في العراق أو سوريا، الحرب هي على اقتصاديات الدول وتفقيرها وتجويع شعوبها)(5). إن السعودية والدول الخليجية الأخرى تدعم الإرهاب لتبديد طاقات الشعوب العربية في هذه الحروب العبثية وإفقارها ومنعها من التنمية، ومنع انتشار الديمقراطية في دول المنطقة وإبقائها متخلفة.

وختاماً نقول: من المعروف أن أي شعب يتعرض إلى تهديد خارجي، أو داخلي من قبل قوى شريرة، يترك قادة القوى السياسية المعارضة للسلطة خلافاتهم جانباً، ويدعمون الحكومة في مساعيها لإلحاق الهزيمة بالعدو المشترك الذي يهدد الشعب والوطن. ولكن في العراق، أنهم في جميع الظروف يعتبرون معاداة الحكومة ومعارضتها وإسقاطها، شرط من شروط الوطنية، و واجب من واجبات المثقف!! وفي كل مرحلة يوجدون أسباباً لتبرير مواقفهم هذه. فتعلقوا الآن بذريعة محاربة الفساد للتحريض ضد الحكومة العراقية وهي تحارب الإرهاب. يريد هؤلاء من هذا العراق الجريح المفتت الذي تكالبت عليه الدنيا من كل حدب وصوب، أن يحارب على عدة جبهات في آن واحد، يحارب الإرهاب، والفساد، وعصابات والجريمة المنظمة، والسعودية وقطر وجميع الدول المعادية له في وقت واحد، وهم في نفس الوقت يحرضون على الحكومة وإرباكها بالتظاهرات التخريبية، واقتحام البرلمان والاعتداء على النواب، والهجوم على مقر رئاسة الحكومة وحدوث سرقات وإثارة الفوضى. لا يمكن أن يكون هؤلاء من دعاة الإصلاح ومحاربة الفساد وأعمالهم هذه تصب في خدمة الإرهاب.

والمشكلة أنك إذا نصحتهم بإعادة النظر في مواقفهم والتمسك بالأولويات، اتهموك بأنك من مثقفي السلطة "الرسميين"! وراحوا يبحثون عن مقولات لفلاسفة معروفين بمواقفهم الإنسانية، قالوها في ظروف معينة. ففي تعليق على مقال لي اقتبس أحدهم قولاً للفيلسوف الفرنسي سارتر أن "من واجب المثقف إزعاج السلطة". هكذا قول أيها المحترم، يجب تفسيره وفق سياقه التاريخي، وليس التطبيق الأعمى. لقد أطلق سارتر هذا القول عندما كانت فرنسا تحارب الشعب الجزائري في نضاله من أجل الاستقلال، فألَّف كتابه القيم بعنوان (عارنا في الجزائر). سارتر لم يكن فوضوياً ليدعو إلى محاربة الحكومة عشوائياً. فلو طبقنا مقولة سارتر هذه خارج سياقها التاريخي، لأدى إلى القضاء على جميع الحكومات، و إغراق المجتمعات البشرية بالفوضى العارمة (Anarchy)، والعودة بها إلى عصور الهمجية وشريعة الغاب، يعني هيمنة البلطجية، وإختفاء الحرية والمدنية. فهناك حقيقة يقرها جميع الفلاسفة مفادها أنه (لا حضارة بدون دولة مستقرة).
لذلك نهيب بكل أبناء العراق الغيارى على وطنهم ووحد شعبهم، أن يعوا ويدركوا المخاطر الكبيرة التي تهدد العراق والمنطقة، وذلك بالالتزام بالأولويات التي على رأسها دحر الإرهاب أولاً. 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.  
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة:
1- عبدالخالق حسين: التهميش، وثياب الامبراطور الجديدة  

2- تحالف القوى يحذر من استمرار "الانتهاكات" ضد ابناء الفلوجة ويحمل العبادي مسؤولية ذلك 

3- الحكومة تتوعد بمحاسبة شديدة لاي تجاوزات في تحرير الفلوجة وتنتقد الاعلام العربي 
http://www.akhbaar.org/home/2016/6/212835.html

 4- نصير المهدي: الإنتهازي عبد الحسين شعبان يعتبر إنتصار العراق في الفلوجه أكثر عاراً من الهزيمه   

5- كرستين لاغارد، مدير عام صندوق النقد الدولي IMF: الحرب ليست في الانبار ولا حتى في العراق أو سوريا، الحرب هي على اقتصاديات الدول وتفقيرها وتجويع شعوبها

انتخابات أَمْ تحوّلات في المجتمع الأميركي؟!

 انتصار باراك أوباما في انتخابات العام 2008  لم يكن ثورةً ولا انقلاباً في المعنى السياسي على ما هو قائمٌ في الولايات المتحدة من مؤسّسات تصنع القرار عموماً، بل يمكن اعتبار أنّه كان بمثابة "حركة تصحيحيّة" من داخل النظام الأميركي نفسه، بعد أن أوصلت إدارة بوش هذا "النظام السياسي الأميركي" إلى منحدرٍ ما كان يجب أن تهوي إليه. صحيح أنّ ما حدث في انتخابات الرئاسة الأميركية منذ 8 سنوات، كان تحولاً ثقافياً في المجتمع الأميركي سمح بوصول مواطن أميركي أسود، ابن مهاجر إفريقي يحمل اسم حسين، إلى سدّة "البيت الأبيض"، لكن الأصوات التي حصل عليها أوباما آنذاك كانت فقط أكثر من النصف بقليل من عدد الذين شاركوا بالانتخابات، وهذا يعني وجود حوالي نصف عدد الأميركيين في خانة المعارضين لكل ما عليه أوباما من برنامج ورؤية ولون وأصول عرقية، وقبل أن يبدأ حكمه!. كذلك، كانت مشكلة الرئيس أوباما هي أنّ مؤيّديه كانوا أشبه بتحالف أو جبهة مؤقتة قامت بين قوًى عديدة اتفقت فقط على دعمه في الانتخابات، لكنّها ليست قوّة واحدة فاعلة بالمجتمع الأميركي، بل إنّ بعض هذه القوى المحسوبة على اليسار الأميركي والتيّار الليبرالي أرادت من أوباما أكثر ممّا فعل، بينما وجدنا على جبهة المعارضين لأوباما مزيداً من التنظيم والحركة الشعبية التي زرعت الخوف من برنامجه وشكّكت حتى في شهادة ولادته الأميركية!.

كان ذلك هو الظرف الصعب بالنسبة لرئيسٍ أراد على المستوى الداخلي إقرار برامج صحّية واقتصادية واجتماعية وتربوية لم يكن هناك إجماعٌ وطني أميركي عليها، ولا توافقاً حتّى داخل الحزب الديمقراطي نفسه، وفي ظلّ شبكاتٍ ضخمة من المصالح والشركات والمصانع التي تمارس نفوذها الضاغط، داخل الكونغرس وعبر وسائل الإعلام، لمنع أوباما من تنفيذ برامجه الإصلاحية الداخلية. فباراك أوباما دعا إلى رؤية تتّصف بالاعتدال في مجتمع أميركي حكَمه التطرّف لعقدٍ من الزمن تقريباً، وجرت على أرضه أحداث 11 سبتمبر 2001، وهو مجتمعٌ قام تاريخه على استخدام العنف، وما زال عددٌ كبير من ولاياته يرفض التخلّي عن اقتناء الأسلحة الفردية وفكرة الميليشيات المسلّحة.

إنّ القوّة الحقيقية لأمريكا هي في تنوّعها، وفي تكامل عناصرها وولاياتها، وفي نظامها الدستوري الذي يساوي بين جميع المواطنين، وحينما تهتزّ عناصر القوّة هذه، فإنَّ الضعف والوهن لا يكونان حينذاك في القرار السياسي أو في الحكومة المركزيّة فحسب، بل في خلايا المجتمع الأميركي كلّه.

ولم يحن بعد وقت تقييم إدارة أوباما، فما زال أمامها نصف سنة من الحكم وصنع القرارات التي قد تؤثّر على المسار الحالي للسياسة الأميركية في المجالين الداخلي والخارجي. لكن من المهمّ التوقّف عند محطّاتٍ في هذه السياسة السائدة، والتساؤل عن مدى التغيير الممكن أن يحدث فيها بعد انتخاب رئيسٍ أمريكي جديد.

من هذه المحطّات السياسية الهامّة، على صعيد السياسة الخارجية، ما يحدث الآن من خلافاتٍ في بعض القضايا بين إدارة أوباما وبين حلفاء مهمّين جدّاً للولايات المتحدة، كتركيا وإسرائيل والسعودية، وإلى حدٍّ ما مع باكستان بسبب العمليات الأميركية الخاصّة على الأراضي الباكستانية. فالبعض يُحمّل الرئيس أوباما مسؤولية التدهور في العلاقات مع هذه الدول الحليفة، بينما واقع الحال أنّ إداراتٍ أميركية سابقة عاشت ظروفاً مشابهة، كالأزمة التي مرّت بها العلاقات الأميركية/الإسرائيلية خلال فترة إدارة جورج بوش الأب، وكما حدث أيضاً مع تركيا خلال فترة حكم جورج بوش الابن، بسبب رفض أنقرة السماح باستخدام أراضيها للهجوم الأميركي على العراق في العام 2003، وكذلك حدثت أزمات عديدة مع باكستان بسبب دعمها لحركة طالبان ووجود قيادات من "القاعدة" على أراضيها. أمّا في الحالة السعودية، فقد كان من النادر أن تخرج الخلافات مع واشنطن إلى العلن، كما يحدث الآن، رغم أيضاً ما حدث في العام 1973 حينما قرّر العاهل السعودي الراحل الملك فيصل قطع النفط عن الغرب تضامناً مع مصر وسوريا في الحرب على إسرائيل.

لكن هل ما يحدث الآن من تباينات بين إدارة أوباما الديمقراطية وبين حلفاء لأميركا سيزول بعد انتخاب رئيس أميركي جديد؟! الجواب في تقديري بالنفي، لأنّ صنع القرار في واشنطن هو محصّلة لجملة مصادر ومراجع ومؤسّسات، وليس مسألة فردية تعود لرئيس "البيت الأبيض" فقط، بل حتّى في وقائع الأمور حالياً، فإنّ الكونغرس الخاضع لغالبية جمهورية يريد سياسةً أكثر تشدّداً مع السعودية وباكستان (كما مع إيران طبعاً) وإن كان "الجمهوريون" لا يريدون أيَّ تأزّمٍ في العلاقة مع إسرائيل، ولا يختلفون كثيراً عن موقف أوباما بشأن العلاقة مع تركيا.

بمعيار النظرية البراغماتية التي تقوم عليها الحياة الأميركية، فإنَّ "الأعمال بنتائجها"، ونتائج أعمال إدارة جمهورية ترأسّها جورج بوش الابن، كانت الضرر الكامل للمصالح الأميركية وللعلاقات الأميركية مع قوى دولية فاعلة، وكذلك مع سائر شعوب العالم الإسلامي. بل إنَّ سياسة تلك الإدارة السابقة أدَّت إلى تقوية خصومها بدلاً من إضعافهم، وأعطت هذه السياسة زخماً للتطرّف الديني والسياسي في شتّى أنحاء العالم.

لذلك كانت التوقّعات كبيرة في العام 2008 من إدارة باراك أوباما. توقّعات بتغييرات أساسيّة في السياسة الخارجية الأميركية عموماً وفي منطقة الشرق الأوسط خصوصاً.  لكن ما حصل من تغيير كان في الشعارات وفي الخطوط العامة المعلَنة للسياسة الخارجية الأميركية، وليس في جوهرها أو حتّى في أساليبها المعهودة. صحيح أنّ إدارة أوباما لم تبدأ الحروب والأزمات التي تورّطت فيها الولايات المتحدة، وصحيح أيضاً أنّ هذه الإدارة لم تبدأ أي حروب أو أزمات دولية جديدة، لكنّها (إدارة أوباما) لم تقم بعدُ بتحوّلات هامّة في مجرى الحروب والأزمات القائمة.

وبغضّ النّظر عن هذه المسألة، وعن مخاطر المراهنة العربية على تغييرات جذرية في السياسة الخارجية الأميركية، فإنّ ما تشهده الولايات المتحدة من انتخابات حزبية تمهيدية لدى "الديمقراطيين" و"الجمهوريين" تؤشّر إلى متغيّرات هامّة في المجتمع الأميركي. فقد اشترك الحزبان في خروج القاعدة الشعبية لدى كلٍّ منهما عن رغبات القيادات التقليدية، حيث ظهر دونالد ترامب في الحزب الجمهوري، وبيرني ساندرز في الحزب الديمقراطي، وكان الأوّل تعبيراً عن هيمنة تيّار يميني متهوّر عند الجمهوريين، والثاني (أي ساندرز) كان تأكيداً لقوة تيّار يساري متنوّر ظهر عند الديمقراطيين منذ المؤتمر الحزبي في العام 2004، وتكرّس بفوز أوباما في العام 2008.

فالمتغيّرات الجارية في الحياة السياسية الأميركية ليست وليدة المعارك الانتخابية الحاصلة الآن، بل تعود إلى مطلع هذا القرن الجديد وإلى تداعيات 11 سبتمبر 2001، حينما ارتبط موضوع الأمن الأميركي بحروب كبيرة في العراق وأفغانستان، وبمسائل لها علاقة بالعرب وبالمسلمين وبالأقليات الدينية والعرقية في أميركا، إضافةً طبعاً للدور الخطير الذي قام به من عُرِفوا باسم "المحافظين الجدد" في صنع القرار الأميركي وفي تغذية مشاعر الخوف لدى عموم الأميركيين، ممّا دعم أيضاً الاتّجاه الديني المحافظ في عدّة ولاياتٍ أميركية، ثمّ ظهور "حزب الشاي" كحالة تمرّد سياسي وشعبي وسط الحزب الجمهوري ومؤيّديه.

لقد كان من الصعب في القرن الماضي التمييز بعمق بين برنامجيْ الحزبين الديمقراطي والجمهوري، لكن حتماً في محصّلة السنوات الأخيرة، أصبحت الخلافات تتّسع بين رؤى الديمقراطيين والجمهوريين لأنفسهم ولمستقبل أميركا ولعلاقاتها الدولية. وسنجد هذه الفوارق واضحة في نهاية المؤتمرات الحزبية المقرّرة في شهر يوليو/تموز القادم. وربّما هي المرّة الأولى التي نجد فيها دعواتٍ متكرّرة لوجود "مرشّح ثالث" من خارج الحزبين الرئيسين، كتعبير عن مدى الرفض الشعبي الأميركي لما تسفر عنه الآن الانتخابات الحزبية التمهيدية.

----------------------------------------------------

*مدير "مركز الحوار" في واشنطن

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 لقراءة مقالات صبحي غندور عن مواضيع مختلفة، الرجاء الدخول الى هذا الموقع:

http://www.alhewar.net/Sobhi%20Ghandour/OtherArabicArticles.htm          

 

نفاق عراقي في واشنطن!

من على إحدى الشاشات، ظهر أحد السياسيين حاملاً أوراق يقول انها عقود أبرمتها الحكومة العراقية وأحزاب وكتل سياسية مع شركات علاقات عامة بهدف الترويج لها في واشنطن. هذا السياسي عاش في واشنطن طويلا وتعامل مع أوساط اميركية خلال عمله مع سياسي عراقي راحل، وبالتالي هو يعلم كيف ان عمل "اللوبيات" في واشنطن أمرٌ تتطلبه طبيعة علاقات الدول مع واشنطن من أجل التأثير على سياساتها، هو إعتبرها شكلا من أشكال الفساد. نعم يعتبر فسادا عندما يطرح التساؤل حول مصدر الاموال التي تدفعها الاحزاب العراقية الى شركات "اللوبيغ" أو الاهداف غير الوطنية لهذه الخطوة خصوصا عندما يكون الهدف تشويه سياسات الحكومة والاساءة اليها واتهامها بما ليس فيها من أجل مصلحة حزب او جماعة. لكن لا غبار على ما تدفعه الحكومة العراقية ، من خلال سفاراتها ، لهكذا شركات ، من أجل التأثير على السياسات الاميركية لمصلحة العراق.هذا ما تفعله أكثر الدول في علاقاتها مع واشنطن، ومن بينها دول الخليج التي تنفق سنويا ما يزيد على المليار دولار في هذا الامر، والذي تتضح نتائجه في الدعم الاميركي الدائم لها .

فمثلا أنفقت الامارات وحدها 14 مليون دولار في عملية "اللوبيغ" في واشنطن العام 2014 ، فيما تفوق ميزانية السفارة السعودية في واشنطن المليار ونصف المليار دولار سنوياً يذهب جزء كبير منها الى شركات العلاقات العامة وما يترتب على "نصائحها " من التحرك "مادياً" باتجاه مراكز الدراسات وصحافيين وباحثين وأعضاء في الكونغرس بغية كسبهم ودفعهم الى التأثير على سياسات واشنطن حيال الرياض.

أبرمت الخارجية العراقية قبل سنوات عدة، من خلال سفارة العراق في واشنطن، عقداً من شركة علاقات عامة أميركية بمبلغ مليون دولار سنوياً، وهو مبلغ متواضع أمام عقود السفارات الاخرى . ومع ذلك فان هذا العقد لا مردود له حتى الان ، باستثناء عدد من المقالات نشرت باسم مسؤولين عراقيين وعدد من اللقاءات التي لا تقدم ولا تؤثر مثل لقاء مع الرئيس الاميركي الاسبق جورج بوش . بحثت شخصيا في سبب عدم تقديم الشركة ما يستحق قيمة العقد فوجدت السبب الرئيس في اداء الخارجية التي لم تتعاط مع الشركة ولم تتابع عملها ولم تطرح أمامها ما تريد منها . بالاحرى فان السبب الرئيس هو أن الجانب العراقي الرسمي لا يمتلك رؤية واضحة لطبيعة العلاقات مع الجانب الاميركي وبالتالي فهو لا يعرف كيف يتحرك في واشنطن. قد يتفاجأ المتابع عندما يرى قسم اميركا في الخارجية من البؤس والضعف والخمول وكانه قسم للعلاقات مع الصومال او جزر القمر.

مقابل ذلك تنشط لوبيات عراقية غير رسمية تابعة للاحزاب والكتل لا تسعى الى مصلحة وطنية انما لمصالح فئوية وتحريض على الحكومة العراقية وخلق صورة سلبية عنها في العاصمة الاميركية بما يؤثر على مراكز رسم السياسية العر اقية لواشنطن. بات المسؤول الاميركي لا يحترم العراقيين وهو يرى انهم ينفقون الملايين من أجل الطعن ببعضهم والسعي لتشويه سمعة أحدهم الاخر حتى لو كانوا من نفس الكتلة او المكوّن .

عقد السفارة مع شركة اللوبي لم يبرم أثناء ولاية العبادي ، وليس هدفه الترويج له ، لكنه يحتاج الى تفعيل والا فان المليون دولار المخصصة لذلك سنوياً تُعدّ هدراً للمال العام. أما اللوبيات الاميركية العاملة للاحزاب والشخصيات العراقية فأمامها الكثير من علامات الاستفهام.

هذا الحَصادُ مِنْ ذاكَ البَذْرِ

عندما يبحّ صوتُ العقلِ والحكمةِ والحبُّ المسؤول، صوت المرجع الأعلى، وعندما لا تُعير الدّولة أيّ اعتبارٍ لأكثر من (٢٠٠٠) تظاهرة شعبيّة كلّها تطالب بالإصلاح ومحاربة الفساد، وعندما يرحّل ويؤجّل ويسوّف السياسيّون كلّ مشاريع الاصلاح الحقيقي، بانتظار المعجزة، وعندما ينصبّ كلّ اهتمامهم على البحث عن طرق (دستوريّة) للالتفاف على مطالب الشّارع، وعندما لم يقدَّم لحدّ الآن (عِجْلٌ سمينٌ) واحِدٌ على الأقل للقضاء ليقف خلف القُضبان، وعندما يتغاضى الجميع عن قرارات هيئة النّزاهة التي كشفت لحدّ الآن عن أسماء عدد من كبار المسؤولين وقدَّمت ملفّاتهم للقضاء بتهمة الكسب غير المشروع، وعندما يتشبّث الزّعماء بأَبراجهم العاجيّة ويرفضون النّزول إلى الشّارع ليتلمّسوا بأنفسهِم مشاعر الغضب والسّخط إلى حدّ اليأس التي تُسيطر على العراقيّين سنين عديدة، وعندما تتضخّم أموال السّاسة وأبناءهم وأحفادهم وأُسرَهم وتتغوّل سطوتهم وسيطرتهم واستحواذهم على كلّ شَيْءٍ بما فيه أملاك الدّولة، وعندما يسخّرون الدّستور لحماية ذواتهم فقط فيصنعون بسياساتهم الفاشلة طبقية اجتماعية مُرعبة ومُخيفة، وعندما ينشغِلون بالصّراع على السّلطة لتوريثها أبناءهم وأبناء أحفادهم، وعندما يوظّفون المقدّسات بكلّ اشكالِها وألوانِها لشرعنة فسادهم العظيم، وعندما يصنَعون لأنفسهِم دولٌ داخل الدّولة، ومواثيق يعنونونها بالشّرف إلى جانب ميثاق الدّولة وشرفها وهيبتها وسيادتها، فليس من الغريبِ والمفاجيء أبداً أن تصل الأمور إلى حالة الفوضى (الدّستورية) التي نشهدها اليوم وتحديداً تحت قُبة البرلمان، فإذا بأهمّ وأخطر مؤسّسة في الدّولة العراقية الجديدة، مجلس النوّاب، يمرّ بأخطر فوضى تهدّد البلد في أخطر مرحلة من مراحل تاريخهِ وفي ظلّ أخطر حرب يواجهها العراقيّون ضدّ أقذر عصابات إرهابيّة مدعومة بأموال البترودولار وبفتاوى التّكفير والحقد والكراهية وإلغاء الآخر.

 إن هذا الحصاد (السّياسي) هو نتاجٌ طبيعيٌّ لذاك البذر الفاسد الذي ظلّ يرعاه السياسيّون طوال السّنين المنصرمة من أجل المزيد من المكاسب الحزبيّة الضيّقة غير الشَّرْعِيَّةِ والتي تقلّصت بمرور الأيام لتنحصر في المكاسب العائليّة والأسريّة ولا أستثني أحداً من الأحزاب والكُتل النيابيّة أبداً، فالتدقيق بهويّة الخارطة السّياسية الجديدة يشرح لك تفاصيل العوائل والأُسر التي باتت تتحكّم بمفاصل الدّولة وهيبتها ومصيرها!.

ليس غريباً ابداً ولا مفاجئاً بالمطلق أن تصل الفوضى إلى حدّ اختلاط الأمور إلى هذه الدّرجة فيضيع اللص في زحام المارّة والفاسد في زحام الجمهور والفاشل في زحام القاعة، إذا باللصّ والفاسد والفاشل يتصدّرون مشهد الاصلاح والحرب على الفساد.

لكن؛ هل ستنطلي ألاعيبَهم على الشّارع؟ هل سيمرّرون أسماءهم ويسوّقون أنفسهم مرّةً أُخرى لدى الرّأي العام بعد قليلٍ من المكياج يضعونهُ على وجوههم الكالحة وترشيقٍ وغير ذلك؟ بالتأكيد لا، فهذه الوجوه المحروقة التي لم تجلب الخير للعراق، على حدّ وصف الخطاب المرجعي، لا يمكن أن تخدع العراقييّن مرّةً أُخرى، لانّهم ليسوا بسطاء وسذّج إلى هذه الدّرجة التي تخدعهم مسبحة ابْنُ اوى، أو ذقنُ عنزٍ أو محبسُ ذئب، كما أنّ ذاكرتهم ليست ضعيفة إلى هذه الدّرجة لينسَوا بهذه السّرعة أسماء وصور الفاسدين الذين أوصلوا البلد إلى هذا المنحدر الخطير!.

لا أعمّم، بلا شك، فَلَو خُليَت لقُلبت، كما يقول المثل، ولكن عندما يخفت صوت المصلح الحقيقي صاحب المشروع الوطني ويعلو صُراخ وتهريج صوت المصلحين المزيّفين الوصولييّن الذين يركبون الموجة كلّما وصل الطّوفان إلى ذقنِهم، أولئك الذين يمتلكون القدرة العجيبة والغريبة والنّادرة على التلوّن وتغيير مواقعهم واصطفافاتهم وولاءاتهم، فلا يُمكن عندها الاطمئنان إلى الإصلاح ابداً، فالنّوايا الحسنة وحدها لا تكفي للدخول إلى الجنّة!.

برأيي، إنّ هذه الطبقة من السياسيّين لا يمكنها أن تفعل شيئاً من أجل البلد، ومن الخطأ أن ننتظر منها خيراً ابداً، ولعلّ أكثر ما يمكن أن تفعلهُ للصالح العام هو أن لا تقود العراق إلى مهاوي جديدة أكثر خطورة، وتقرر تسليم البلد إلى طبقةٍ جديدةٍ من السياسيّين يفرزهم صندوق الاقتراع في أوّل انتخابات نيابيّة جديدة شريطة أن تصمّم صادقة على تغيير قانون الانتخابات لتفسح المجال للجيل الجديد وتفتح أبواب التغيير على مصراعَيها، وهي الحسنة الوحيدة التي ستفعلها هذه الطبقة الفاسدة والتي قد تشفع لهم إذا كتب التاريخ سيرتهم!.

لن أنتظر حلاً جذريّاً من هذه الطبقة السّياسية الفاسدة والفاشلة ابداً، ولكنني أنتظر حلاً آنيّاً لابدّ مِنْهُ من أَجل أن نقف أمام الانهيار المرتقب إذا تمادت هذه الطّبقة في غيّها وقرّرت أن تسير بالبلد إلى النهاية، فعندها سنحتاجُ إلى فتوىً جديدة للجهاد الكفائي!.

أمّا الحلّ الآني؛

ألف؛ أن تستمرّ الحكومة الحاليّة بعملِها إذ يبدو أنّ تمرير كابينة (الظّرف المختوم) بات من مخلّفات الماضي، وأنّ أي تغيير ترقيعي في الكابينة قد يكون ضررهُ أكبر من نفعهِ، وأنّ ضرر بقاء الكابينة الحاليّة ليس أكثر من ضرر أي تغيير وزاري لازال حزبياً وسياسيّاً.

باء؛ يعود مجلس النوّاب كما هو إلى سابق عهدهِ بكلّ تفاصيلهِ، بعد أن فشلت كل الأطراف في تحقيق النّصاب القانوني لأيِّ تغييرٍ، لحدّ الآن على الأقل، فليس من الصّالح أبداً أن نتجاوز الأُطر الدستوريّة والقانونيّة في التغيير والتبديل والإقالة، كما أنّه ليس من المقبول ابداً أن يعملَ أحدٌ على إدخال البلد في فراغٍ دستوري أو حتّى فوضى دستوريّة كما هو عليه الحال الآن.

يعود البرلمان إلى وضعهِ الطبيعي شريطة أن يكرّس جهدهُ فقط وفقط لاصلاح القوانين التالية أو تمريرها وتشريعها؛

   ١/ قانون الانتخابات.

   ٢/ قانون الأحزاب.

   ٣/ قانون المفوضيّة العليا المستقلّة للانتخابات.

   ٤/ قانون الإحصاء السكاني العام.

   ٥/ قانون المحكمة الاتحادية بما يفسح المجال لاصلاح القضاء.

جيم؛ الدّعوة لانتخابات نيابيّة مبكّرة حال الانتهاء من تحرير آخر شبرٍ من أرض العراق الطّاهرة من يد الارهابيّين.

دال؛ التوجّه الآن وصبّ كل الجهود في الحرب على الارهاب للإسراع في تحقيق البند (جيم) فلا ينبغي أن يعلوَ صوتٌ فوق صوت الجهاد والقتال ضدّ الارهاب، لتطهير العراق مِنْهُ وإعادة بناء المدن التي دمّرها الارهابيّون والإسراع في اعادة النّازحين والمهجّرين إلى مناطق سُكناهم.

وإلاّ فالبلد يسيرُ نحو الهاوية ولن يسلم أحدٌ من ذلك، فنتيجة الفشل يتضوّر منها الحاكم والمحكوم، كلٌّ بدرجةٍ، والعاقبةُ للمتّقين.

السياسة في العراق .. ملعب خداع لا ملعب إصلاح

لا يخفى على أحد أن كل تخصص أو نشاط معين له سياسة خاصة به تتمثل بالخطط والاستراتيجيات وطرق الوصول لتعظيم منافع ذلك النشاط وتدنية كلفه ومضاره، ونستخدم له مصطلح (پُولَسي Policy).  مثلا، السياسة الاقتصادية Economic Policy، والسياسة الصحية Health Policy  والسياسة التعليمية Education Policyوهكذا، إلا السياسة التي هي سياسة السياسيين، فتسمى (Politics). و(البوليتك) هذه أفضلُ من ترجمها هم العراقيون منذ دخول الإنكليز إلى العراق في مطلع عشرينيات القرن المنصرم، حيث يسمع العامّة كلمة (بوليتك) للتعبير عن كل فعل سياسي مخادع وكاذب ومماطل ومتسوف ومتوعد ومتنصل، فدرج العراقيون على تسميته (بلتيقة)، والبلتيقة تعني بالمرادف العامي في زماننا (الكلاوات).  ولذلك صار تعريف السياسة في العراق هو إجادة فن (البلتيقة)، وهي مهنةُ من لا مهنةَ له، مهنةٌ تلوّثك بالخطيئة مهما كنت صادقاً أو وطنياً او حريصاً لكثرة ما يمارس من عهرٍ سياسي بين الخصوم والمتنافسين.  كما درج الحال على تسميتها “فن الممكن”، في صيغتها غير الإزدرائية، (the art of the possible).  والممكن عندما يصبح الوصول إليه معيار للتنافس تصبح كل الطرق مباحة ومتاحة وتُسوّغ بمسوغات شتى لتحقيق الممكن، وبمجرد الوصول إلى ممكن معين سيكون هنالك ممكن آخر مستهدف يحتاج إلى أساليب ملتوية جديدة ويحتاج إلى قادة أفذاذ في (البلتيقة) للوصول إليها.  وجاءت الطامة الكبرى، عندما تجلببت السياسة برداء الدين، وأقصد السياسة بالمفهوم العراقي الموروث، حيث تزوّجت (البلتيقة) زواجاً عابراً مع (الحيل الشرعية) و(لزوم ما لا يلزم) و(دفع الضرر) و(شوكة الإسلام) (والتورية) و(مجهول المالك) وغيرها من المصطلحات والمفاهيم لتعزز من ظاهرة (الدين البديل)، دين الطقوس والعواطف لا دين المعاملات، دين أدوات الرياء لا دين أدوات العمل لرضا الله سبحانه.  وتجد الكثير ممن كانوا زاهدين عابدين نزيهين، قبل أن يوضعوا في جريان السلطة والمال، قد انقلبوا إلى أبطال في البلتيقات وسقطوا في ممارسات معاملاتية سيئة وتكسبوا بالحرام، حتى نمت طبقة كبيرة جعلت الدين لعق على السنتهم، وأصبحوا يمارسون كل أنواع التخلف المجتمعي للإبقاء على المجتمع متخلفاً منقاداً، ينخدع بسهولة بأدوات الرياء التي يظهروها.

لقد كنتُ أول من كتب في الإصلاح الاقتصادي في العراق منذ عام 2008 وطبعت الأمم المتحدة كتابي بهذا العنوان،[1] وأصبح مرجعاً للإصلاح منذ عام 2009 وخرجنا بخارطة طريق إصلاحية لكل محور، وصادق عليها مجلس الوزراء في عام 2010، ثم منعونا من تنفيذ أي منها، لماذا؟  لأن “القائد الضرورة” في حينه انشغل بنقل التنافس والعمل من ملعب الاقتصاد والبناء والاعمار والاستثمار إلى ملعب (السياسة)، وكان ملعباً قذراً تفوح منه روائح التآمر والخدع والبلتيقات والملفات الصحيحة منها والملفقة، وصار الهدف الأول الحفاظ على العرش بدلاً من بناء الدولة والمؤسسات الكفوءة، وكما قال صدام في الثمانينيات (كل شيء من أجل المعركة) فعسكر الاقتصاد ودمره.  وبعد التغيير قالوها (كل شيء من أجل الكرسي) وهكذا سيَّسوا الاقتصاد ودمروه أكثر، وهو غباء مطلق، لأنهم لو نجحوا في الاقتصاد والبناء لأصبح الكرسي هو من يسعى إليهم ومنحوا الثقة لأكثر من ولاية، ولكنهم أهملوا كل ذلك وتمسكوا بالكرسي الذي أسقط البلد في أزمات اقتصادية وجعل كرسيهم يترنح.

شعبي المسكين، أمام تلك البلتيقات، كانت أفواهه تكمم بإرضاءات وقتية (خداع)، لان الإصلاح، أي إصلاح، هو دواء مُرٌّ، ولابد أن تكون له أعراض جانبية على القائد أن يتحملها في الأمد القصير ليجني ثمارها في الأمد المتوسط والطويل، ولكن الإرضاءات الوقتية التي تحقق لهم أصوات انتخابية دامت طويلا، ومورست كل البلتيقات – خداع التعيين، وخداع شراء الذمم، وتوزيع المال لأغراض استهلاكية، وتوزيع سندات الأراضي الزائفة، وتسويق المظلومات المذهبية بصورة مبتذلة، وشراء ذمم ناس مؤثرين (مجالس إسناد، شيوخ عشائر، فعاليات دينية)، كل ذلك تحت غطاء موازنات متخمة بإيرادات النفط.  استمر مسلسل الارضاءات الوقتية والبلتيقات، حتى أصبحنا في الأمد الطويل، حيث مضت (13 سنة) على النظام الجديد فيه محرك الديمقراطية الذي يفترض أن يعمل لخلق الكفاءة وإزاحة غير الكفوء جعلوه يعمل (بالمقلوب) وصار الجمهور المستغفل يعيد انتاج الفاشلين والمخادعين، وصار من مصلحة النظام الإبقاء على التخلف، وصار الفساد الذي امتد إلى جلباب الدين مشرعنا، وشاعت ثقافة الرشى، ونسب العمولة من المشاريع، وصارت هنالك مشاريع وهمية لا تنفذ، لأنهم ليسوا حتى لصوصاً منصفين فلو سرقوا بإنصاف لكان هنالك تنمية في العراق اليوم.  لقد صرنا في الأمد البعيد ولم نبني البلد.  تحولت الدولة إلى مؤسسة خيرية توزع الفتات لجمهورٍ من الايتام لكسب الولاءات، وهنالك معدل نمو سكاني في العراق بنسبة 3%، أي أن هنالك (800 الف) شاب وشابة يدخلون الى سوق العمل كل سنة، والفرص التي تخلقها الدولة في مؤسساتها هي فقط في الأجهزة الأمنية لمحاربة الإرهاب وبعض التعيينات في الصحة والتربية، وأصبحت المؤسسات متخمة بتنابل الموظفين وصارت إنتاجية الموظف لا تتعدى (17 دقيقة في اليوم).  وفي بلد كهذا ليس فيه احترام للزمن وليس فيه احترام لأي حسابات ( كلفة / عائد) فإنه ذاهب إلى الدمار.  كما أن فرص العمل في القطاع الخاص هي الأخرى موصدة لأن الدولة مازالت مهيمنة على كل شيء، ولم تزح العقبات أمام الاستثمار الخاص، بل على العكس.  ومع كل هذه الفوضى والتحديات ذهب الغطاء النفطي الذي كان يستر العورات بالتراجع الحاد لأسعار النفط، ذهبت الوفرة التي بعثرت بعبث شديد في سنوات الرخاء، وتوقفت الحكومة عن توزيع الأموال، وخفضت الرواتب.  هنالك سبعة ملايين شخص يتقاضون رواتب بحدود 3.5 مليار دولار شهرياً وصار لزاماً على الحكومة العودة إلى الإصلاح الاقتصادي، ولأن الإصلاح تأخر كثيراً وصارت أعبائه أكبر، ذهب الساسة إلى بعض الإصلاحات الإدارية التي يمكن أن تكون محمودة العواقب وتعطي نتائج إيجابية إذا صدقت النوايا ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب.  ثم تمَّ تخفيض رواتب الدرجات العليا وهو إجراء صحيح على اعتبار أن هنالك غلو في الامتيازات التي كانوا يتمتعون بها، ووصل الأمر إلى حد تخفيض رواتب السلم الوظيفي، وتبعه مزيد من الجبايات ورفعٌ لأسعار الخدمات والغرامات وهذه أمور تقشفية لابد منها إلاّ أنها لن تكون بالضرورة محمودة العواقب كون الاثار الانكماشية لها ستكون كبيرة وفرص العمل على قلتها تتراجع بشكل مخيف خاصة وإن القطاع الخاص بقي على مدى (13 سنة) يعمل مقاولاً لدى الحكومة بفضل العقلية الحكومية لدى أغلب المسؤولين، فضلاً عن الفشل الذريع الذي منيت به هيئات الاستثمار وعجزها التام عن خلق بيئة أعمال جاذبة وتقديم التسهيلات المطلوبة وفضلاً عن حالات الفساد الكبيرة والمحاباة.

أمام هذه الصورة كانت مطالب الجمهور هي اصلاح اقتصادي بالدرجة الأولى، وقد قلتُ للسياسيين حكمةً شفاهاً أجد من الضرورة توثيقها هنا: (إذا تعرض البلد لأزمة أمنية فإن الجمهور سوف يصطف مع الحكومة حتى لو كانت الحكومة سيئة، وإذا تعرض البلد لأزمة اقتصادية فإن الجمهور سوف يخرج على الحكومة حتى لو كانت الحكومة صالحة).  وفي عام 2011 مسكت يد القائد وقلت: يا دولة الرئيس أقسم عليك بالحسين عليه السلام أن تلتفتَ إلى الملف الاقتصادي لأنه سيكون سبب فناء نظامنا الجديد، فاعتذر قائلا وهو يبتسم ابتسامة لم افهمها (صعبة ما اگدر) وكان خلفي ضابط كبير بقيافة استعراضية أدى له تحية عسكرية مهيبة فانتفخ الزعيم أكثر وزاد حقده عليَّ أكثر لأني نبهته إلى الثقب الكبير والذي يتسع في السفينة التي هو ربانها.

واليوم نحن أمام ازمة اقتصادية بامتياز، ولأن السياسيين غير قادرين على حلها، وغير متعاونين في حلها، ولا يسمعون ولا يسمحون للمختصين بعلاجها، أخذوا بعضهم إلى ملعب أخر يجيدوه، إنه ملعب السياسة؛ وأوجدوا (كرة نار) أسموها “حكومة التكنوقراط” وأوجدوا تعريفاً عراقياً خاطئاً للتكنوقراط عندما ربطوا الأمر بالانتماء، وصاروا يتقاذفون الكرة فيما بينهم لخداع الجمهور الذي جلبوه إلى هذا الملعب وصرف نظره إلى اتجاه آخر – إلى المباراة السياسية فقط.  فمنذ أكثر من شهر وكل وسائل الاعلام والأحزاب ومراكز الأبحاث والجمهور المخدوع ليس لديهم إلا السجال والملاسنة والهتاف والتخيّيم والاعتصام والتظاهر، وتعاظمت المزايدات والكل يخدع الكل.  لقد أُتخمنا سياسةً مجدداً بعد أن ارتحنا من تلك المناكفات قرابة عام ونصف في حكومة شفافة وهادئة حلمنا أن تشغلنا في عمل منتج.

أيها الساسة، أيها المختصون بعلم البلتيقات، كفاكم تجذفون بكل الاتجاهات لأن السفينة لن تسير، وإياكم والحَوَل السياسي أو (الخوط بصف الاستكان) لأن الجمهور يريد الآتي:

– تحرير أرض العراق من داعش وإعادة النازحين إلى بيوتهم، وقد هبَّ الجمهور ليصطف معكم في هذه القضية المقدسة رغم كل تحفظاته عليكم.

– التخفيف من شدة الأزمة المالية عليه ومواجهة تراجع أسعار النفط ببدائل جيدة تحقق الهدف التمويلي والهدف الاجتماعي معاً.

– فرص عمل (خارج إطار الدولة) للطاقات الشبابية التي لا تجد إلاّ الانضواء تحت رايات شتى للقتال، أو الانخراط في عصابات شتى للسلب والنهب، أو الهجرة لتصبح لقمةً لحيتان بحر ايجة.

– خدمات لائقة تقدم للجمهور ليعيشوا بكرامة.

– حمايتهم من مافيات الفساد والابتزاز عند مراجعة دوائر الدولة.

– محاكمة الفاسدين الذين أهدروا المال العام في سنوات الرخاء السابقة، لا أن يمتطي بعض هؤلاء صهوة الإصلاح ويعتصموا في البرلمان لتبييض سجلهم.

– احتضنوا المستثمرين ولا (تطفشوهم) بالإجراءات والابتزازات، كي تأتي رؤوس الأموال الهاربة من أفعالكم لتبني عراقاً نفخر به أمام العالم.

لقد بحّتْ أصواتنا ونحن ننصحكم، فهل تريدون للنخب أن تعتكف في بيوتها، كما اعتكف العقلاء الراشدين من قبلهم، ويُترك الملعب للمشجعين المهووسين والساسة الذين يخدعوهم يخربوه ببلتيقاتهم التي لا تنتهي.

------------------------------------------------------------------------------

* رئيس منظمة اقتصادنا

حقوق النشر محفوظة لشبكة الاقتصاديين العراقيين.

http://iraqieconomists.net/ar/

متى ترفضون أن يكون للخراب وطن؟

دعوني أستعير عبارةً قالها القس جوستن بيركنس قبل 150 سنة "قلمي يرفض أن يقول للخراب وطننا". فمتى ترفضون، أيها العراقيون، هذه الطبقة السياسية الحاكمة التي عملت على أن يكون للخراب وطن؟ الكلّ يراقب ما يحدث في العراق من تطورات، وما يدور في المنطقة الخضراء، وما يتداوله بعضهم من مطالب.. ويلعب اليوم السيد مقتدى الصدر دوره من أجل تحقيقها، ويعتكف معتصماً بنفسه بعد اقتحام المنطقة الخضراء التي أمست رمزاً للخراب، صنعه المحتل الأميركي قبل سنوات، فهي منطقة احتوت على كل الفاسدين والمأجورين وسرّاق المال العام.. وكنت أتمنى أن تكون رمزا للبناء والنخوة والنظافة والعمل الخيري والتعايش الوطني. وهنا أسأل: ما فائدة المطالبة بالترقيعات، إذا لم تنادوا بالتغيير الجذري ومحق الطبقة السياسية التي دمّرت العراق وسحقت العراقيين؟

ما يحتاجه العراق، اليوم وغداً، هو أكبر من تنازلات أو توافقات أو مجرد ترقيعات .. وليس المهم الإسراع بتشكيل "أية حكومة". ولكن، المهم ما نوعية تلك الحكومة ؟ يا تعاستها ان بقي العبادي يترأسها ! ليس المهم أن يجمع البرلمان الجديد الأصوات لهذا أو ذاك، بقدر ما يحدثه من تغييراتٍ دستوريةٍ مطالب بإجرائها منذ سنوات! ليس المهم أن يتم الإصرار على أن يحكم هذا (المكون)، كما أسموه، لا ذاك، كما نشهد اليوم، بل المهم البدء في مشروعٍ وطني ومبادرة وطنية، وإعادة تأسيس دولةٍ لا تصادرها طائفةٌ معينة، ولا طبقةٌ سياسيةٌ معيّنة، ولا بأغبياء يحتكرون الحكم، وهم من المتاجرين بالدين وبالوطن، حتى وإن كانوا يحملون شهاداتٍ عليا، ويسمونهم "تكنوقراط"، ولا يمكن قبول أحزاب سياسية مأجورة، أو كتل طائفية فاسدة أو مليشيات مرتزقة من أجل أخذ الثارات .. إلخ.

يريدون " حكومة تكنوقراط " ، يختارون لها بيادق وإمّعات، ليكونوا مجرّد أدواتٍ بأيدي رؤساء الكتل السياسية التي لم تزل تتصدر المشهد السياسي ، ويقف في مقدمتهم رئيس حكومةٍ أثبت الواقع فشله في مهمته فشلاً ذريعاً.. ان البرلمان ان اقّر  اية حكومة جديدة ، فسوف يبقى الحال على ما هو عليه ما دام الخلل يكمن في الاسس والركائز  التي تعمقت منذ 13 عاما  . أن الضرورة باتت تقضي باقتلاع الأدغال من جذورها، ولن ينفع التربة أي استصلاح لها من مجرد الأملاح، فقد غدت الطبقة السياسية الحاكمة خائسةً ومتعفنة سوداء اللون تزكم الأنوف. وينتظر العراقيون حكومة وبرلماناً ونهجا جديدا مغايرا يشارك فيهما نسوة ورجال من البناة الأذكياء الحقيقيين المخلصين.

ما يطالب به اليوم بعض العراقيين الذين غدوا صنّاجةً بأيدي الكبار التافهين يتمثّل في السعي إلى "تشكيلة وزارية"، لا تختلف عن سابقتها إلا كونها حكومة "تكنوقراط"، كما يسمونها، ولا أعتقد أن هناك أي مختص عراقي يحترم نفسه يقبل ضميره أن يعمل وزيراً في حكومة تافهة. ولقد رشحت في البداية أسماء لا يعرفها أحد، وبدت لعبة المحاصصة واضحةً في الترشيحات التي قام بها أناسٌ ترتبط بالمنظومة الحاكمة، وأعقبتها ترشيحات اخرى لاسماء لم تكن غائبة عن المشهد السياسي لما بعد 2003 !  هنا ، نسأل :  هل المهم، عند هؤلاء، السعي إلى التغيير الشامل والجذري من أجل البدء بعملية سياسية جديدة، لها ركائزها الوطنية، والمضي في الإجراءات القانونية، للتأكد من تغيير الدستور الذي قاد إلى كلّ هذا الخراب، مع إصدار قوانين صارمة للبدء بحياةٍ سياسيةٍ جديدةٍ، تعمل من دون أية تمايزات جهويّة أو من دون تفرقة طائفيّة، فالشعب يطمح إلى التغيير، ولا يريد إبقاء الحال على ما هو عليه، كي يضحكوا عليه باسم "وزارة تكنوقراط". المهم جداً أن تتمّ محاسبة كل المقصّرين والمجرمين صنّاع الخراب، وأن يمثل أمام العدالة كلّ الفاسدين والمفسدين لينالوا جزاءهم العادل، بعد أن ترفع كلّ الحصانات عنهم، من دون أن تشفع لهم أيّة ضمانات. عندما يحدث ذلك، سنصفق للخروج من عنق الزجاجة.

وعلى الرغم من بصيص الأمل لدى بعض العراقيين الذين تحرّكهم عواطفهم الساخنة، ولكن

"التغيير سيأتي في العراق في لحظةٍ تاريخيةٍ مفاجئةٍ للجميع، ضمن أسبابٍ معينة، وضمن خططٍ معينةٍ" يبدو أن التشاؤم قد سيطر على أغلب العراقيين. علينا أن نطرح أسئلةً، ونحاول معا الإجابة عليها. وعلى الرغم من تنوع الاتجاهات السياسية والفكرية، إلا أن العراقيين انقسموا إلى قسمين، قسم له منافعه ومفاسده وعلاقاته، فهو قابل بهذا الوضع، ويصفّق مع المصفّقين لهؤلاء المسؤولين، وقسم له معاناته وشقاء وعيه ورؤيته لما حدث في العراق من انهيارات، ويحلم بالتغيير الحقيقي، وازالة خراب الوطن.. وثمّة حلول ومبادرات، لا يريد سماعها من هو مستفيد من الحالة الراهنة، خصوصا وأن هذه "الحالة"، كما وصفتها جنجر كروز (نائب مفتش عام برنامج إعمار العراق)، أحد تجليات شمولية الفساد، فالفساد في العراق انتشر وتغلغل في كلّ البنى والمؤسّسات، ولم يبق حكراً على الطبقة الحاكمة. شمل الفاسدون في العراق خريجي المدارس والجامعات، وموظفي الدولة والمؤسسات من مدير عام فما دون ، والتجار والمقاولين والعاملين، وشيوخ العشائر ورجال الدين.. فكيف لا يطاول النواب والوزراء والرؤساء؟ السؤال: هل سنبقى أسرى هذا الوضع المأساوي، ونحن نشهد شمولية جرائم الفساد وشلالات الدم، من خلال صفقاتٍ مشبوهة، لم تزل تجري في كلّ العراق؟ هل في وسع العراقيين فعل شيء؟ هل في وسع هذا النظام الحاكم ان يقبض على كل المسؤولين الفاسدين ويحاكمهم وينزل فيهم العقوبات اللازمة ؟

لن تقبل الطبقة السياسية الحاكمة أن تتنازل عن مصالحها، ولن تقبل بحلّ الأحزاب والكتل، ولا بمحاسبة رئيس الوزراء السابق ورهطه وذويه، لما جنوه بحق العراق وأهله.. معللين ذلك بالشرعية الانتخابية، وقد كُشف ما حصل من تزويرات مفضوحة. إنهم يضيّعون الوقت بتشكيل " حكومة تكنوقراط " وسوف لا تقدّم ولا تؤخّر، والعراق يسير مسرعاً إلى انهيار اقتصادي مريع ، فما نفع تشكيل حكومة تكنوقراط من وزراء (دكاترة لا يفرقون بين الضاد والظاء)، وبضمنهم رئيسهم، حيدر العبادي، الذي لا أعرف كيف يحمل الدكتوراه منذ 35 سنة، وهو لم ينشر في حياته خلاصة بحث واحد؟ إنهم يقومون في الحقيقة بطلاء الخراب، ليس عن غباء وسذاجة، بل لأنهم يعملون على إبقاء الخراب.. المسؤولون اليوم عن العراق ومؤسساته، لا يمتّون بصلة إلى هذا العصر. يريدون سحق كل الجماليات وإبقاء القبيح على قبحه. المشكلة أنهم يسوّقون أنفسهم باسم الدين والطائفية والتوافقية، والتراقص على نهش الكعكعة، وما تبقى منها. ولكن، يبدو أن الفرقاء لا يقبلون بمبدأ المشاركة أصلاً.. أي حتى المشاركة أصبحت مرفوضة.. علينا ألا نتخيل الإصلاح والتغيير قاب قوسين أو أدنى من التنفيذ، فكلّ الذين يقودون هم ينتمون إلى أحزاب طائفية، أو دينية، لا يهمهم ما نطالب به.. تهمهم أشياء وأمور أخرى. إنها مشكلة انقسامية بنيوية، تتحكم في مصير المجتمع العراقي على امتداد أزمنة قادمة.

وعليه، فان تعابير، كالوطنية والثورة والتغيير وغيرها، لا يمكن أن تكون مستهلكة من دون فعل، ولا بديل للعراقيين عنها.. ولا يمكن إحداث التغيير، ما لم يبدأ العمل بمشروعٍ وطنيٍّ، يعمل في إطار مبادئ أو ركائز أساسية لبناء عقد اجتماعي بين الدولة والمجتمع، بعيداً عن الخراب.. إن أية حكومة تكنوقراط يتوجب أن يكون أعضاؤها من الأذكياء وذوي تجارب حقيقية، ومستقلين عن أي حزبٍ، أو طرف أو إقليم أو طائفة أو دين.. إنها حكومة عمل، وتنفيذ قوانين، لا حكومة تسلط ومناصب. لا أعتقد أبدا أن الشعب سيقول كلمته في التغيير الجذري، إلا حين تعلن ساعة الصفر، فالشعب مغلوب على أمره اليوم.. ولكن التغيير سيأتي في لحظةٍ تاريخيةٍ مفاجئةٍ للجميع، ضمن أسبابٍ معينة، وضمن خططٍ معينةٍ، مع توفر مناخ ملائم لحدوثه، ينطلق به عراقيون يرفضون أن يكون للخراب وطن.

-----------------------------------------------------------------------

*مؤرخ وأكاديمي عراقي

www.sayyaraljamil.com

غرائب الانتخابات الأميركية لاختيار المرشح الرئاسي

يفاخر النظام السياسي الأميركي بفرادته في تطبيق نموذج الديموقراطية التمثيلية التي تؤدي لانتخاب ممثليها تصاعديا، وبنظام جمهوري يشارك في انتخاب رئيسه كافة المواطنين الذين "تنطبق" عليهم المعايير المرسومة مسبقا. كل دورة انتخابية (تقريبا) تؤدي لاقصاء أعداد متزايدة من الناخبين نظرا لعدم استيفائهم الشروط المشددة مستهدفة الأقليات بشكل خاص، ومنهم قطاع كبير من المفرج عنهم بعد قضاء فترة حكمه. توزيع الدوائر الانتخابية، في مناطق سكنية وكثافة معينة أمر دأب عليه الحزب الجمهوري منذ عهد الرئيس ريغان يصب في نهاية المطاف برفع قيمته وتمثيل الحزب؛ وهي جديرة بالمراجعة.

"الصراع" الفريد الدائر حاليا بين قيادة الحزب الجمهوري والمرشح دونالد ترامب، له ما يبرره. فالقيادة التقليدية أخفقت في مواكبة الإرهاصات والغضب الشعبي لدى قطاعات واسعة من المجتمع، وتخلفت عن تقديم "بديل" معقول لترامب الذي يمثل ويجاهر بولاء وسياسات ومكنونات الحزب الحقيقية: التعصب والتزمت والاقصاء والتباس القيم وحتى الكذب والافتراء على العلن، فضلا عن تمثيله الدقيق لشريحة كبار الأثرياء، عصب الحزب.

ترامب حث الجمهور الانتخابي على المطالبة بادخال "اصلاحات" واسعة في تركيبة وتوجهات الحزب تحول دون التقهقر والإنزواء. مطلبه يلقى صدى واسعا لدى شرائح اجتماعية واسعة، بعضها وهي الأقلية، أدركت أن جذر الأزمة الاقتصادية والاجتماعية يكمن في السياسات النيوليبرالية المتبعة من قبل الحزبين والتي فاقمت التردي الاجتماعي وضمور الطبقة الوسطى.

نتائج تصويت الناخبين وفق صيغة "الديموقراطية التمثيلية،" في الجولة الراهنة، تشير إلى تقدم كل من دونالد ترامب ومنافسه بيرني ساندر في مرحلة التصويت الابتدائية أو التمهيدية على الصعيد الشعبي. بالمقابل، فاز كل من المرشحين هيلاري كلينتون وتيد كروز بالمرتبة الثانية لكنهما بصدد حصد أغلبية اصوات "المندوبين،" الذين سيشكلون الفيصل في مؤتمري الحزبين، على التوالي.

تناقض النتائج، بين التمثيل والمندوبين، هي إحدى ظواهر الشذوذ الانتخابي في النظام الأميركي، القائم على تراكمات تجارب سياسية طويلة تمزج بين التصويت والتمثيل التقليدي، من ناحية، وبين الصفقات والمساومات التي تدور خلف الأبواب المغلقة. يضاف إليها، في الجولة الراهنة، حالة الشلل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية وما آلت إليه من تنامي امتعاض وقلق وغضب شعبي واسع يجري توجيه بوصلته ضد كل من له صلة بواشنطن، الحاضنة السياسية. وبدأت عوارض ضعف مسلمات النظام برمته تتجسد في مشقة الطريق الانتخابي لمرشح مستقل لا ينتمي للسلطة .

في سالف الأيام من النظام الأميركي، أدت صعوبة التنقل وعناء التحرك السريع بين المناطق المختلفة إلى استخدام المندوبين وسائل تقليدية بامتطاء ظهور الخيل للوصول إلى مكان انعقاد المؤتمر الحزبي لانتخاب المرشح الرئاسي، وربما لم تكن كتلة المندوبين على بينة مسبقة لهوية المرشح. بالمحصلة، استنبطت قيادات الحزبين تقديم لوائح ترشيح متعددة وعقد تفاهمات بين أقطاب متباينة قبل أن يرسوا الاختيار على مرشح رئيسي يحظى بأغلبية أصوات بسيطة.

تيسر وسائل التنقل والاتصالات في العصر الراهن وفر سهولة المتابعة للناخبين. التزمت قيادات الحزبين المحلية، في ولايات متعددة، بممارستهما تعيين مندوبي الولاية المعنية دون الحاجة لاجراء انتخابات تمهيدية، واستمر الأمر ساريا حتى مطلع عقد الخمسينيات من القرن الماضي. تميز المندوبون بحرية الادلاء بالتصويت وليس وفق لوائح معدة مسبقا، وهم غير ملزمين بالتصويت لمرشح بعينه.

تحول كمّي

أدت التطورات الاجتماعية في ستينيات القرن المنصرم إلى تعاظم زخم الاهتمام بالمشاركة الانتخابية، بشكل عام، وشوهد تنامي عدد الولايات التي اعتمدت اجراء دورة الانتخابات التمهيدية في العقد التالي. وتمت مقايضة المندوبين المحتملين بالتزامهم التصويت لصالح المرشح الأقوى في عدد اصوات الناخبين، في المؤتمر الحزبي، والتي عادة ما يطلق عليها عملية الاقتراع الأولى. بعض الولايات تشترط من مندوبيها التزام التصويت لذات المرشح لجولتي اقتراع تاليتين.

ليس مستهجنا أن يميل المندوب للتصويت إلى جانب خياره الحقيقي وإن تعارض مع توجهات قيادة الحزب. لحسم الأمر وعدم حدوث خروقات في اللحظات الأخيرة، استنبطت آلية تجمهر المندوبين للادلاء بأصواتهم علنا بين اقرانهم. يشار إلى أن المرشح ترامب تغاضى عن أهمية ومحورية "نظام التجمهر" المعمول به.

لا يسع المرء إلا الاشارة  لقواعد بالية لانتخاب المندوبين يستند إليها كلا الحزبين، تعود إلى "العصور البيزنطية ومبهمة،" تتيح للقيادات المتنفذة الغاء وإبطال مفعول أصوات جمهور لا ترغب به، خاصة في تدفق أصوات الأقليات في مقاطعات انتخابية يحتدم صراعهما حولها.

في هذا الصدد يبرز إلى الواجهة جولة الانتخابات الرئاسية عام 2002، التي دشنت ولوج الرئيس جورج بوش الإبن، وما رافقها من "تزوير بالجملة وإقصاء متعمد لجمهور كامل من الناخبين،" مما مهد الأرضية لصعوده المشكوك به، والذي لم يستطع الحزب الجمهوري حسمه إلا عبر المحكمة العليا بتركيبة أغلبية القضاة من المحافظين.

الانتخابات التمهيدية واختيار المندوبين

بداية، تجري الانتخابات التمهيدية حصرا في الولاية المعنية، وهي أشبه بمحاولات جس النبض الشعبي تمهيدا لبلورة خطاب الحزب السياسي والاستعداد للمنافسة بين الحزبين الرئيسيين. آليات انعقادها تتحكم فيه قيادات الحزبين المحلية، حيثما وجدت، بالتنسيق والتعاون مع سلطات الولاية المعنية التي تفرض رسوما مالية لانعقاد الجولات تتعهد بها قيادات الحزبين.

تشرف لجان الحزبين على إجراء الانتخابات، ومن ثم مفاضلتها لتصويت الناخبين، إما وفق المسجلين لدى قوائم حزبية معلنة، أو توسيع الدائرة ليساهم فيها كل الناخبين من حزبيين ومستقلين. كما تتحكم قيادات الحزبين المحلية بسن القوانين والاجراءات الانتخابية، وفق تصوراتها الخاصة، لا سيما آلية توزيع المندوبين والنسب المحددة لكل مرشح. لا شك أن عقد المؤتمرات التمهيدية عملية تنطوي عليها كلفة مالية عالية، وقد تفضل القيادات المحلية إلغاء انعقادها بالمرة، بحيث يتم "انتقاء" المندوبين وفق صيغة التجمهر بكلفة متدنية.

لتوضيح الآلية الانتخابية "الشاذة،" على المرء افتراض ولاية محددة عدد مندوبيها 50 والذين سيشاركون بالمؤتمر الحزبي. توزيع المندوبين على المرشحين يتم بعدة طرق: احداها تصويت كامل فريق المندوبين للمرشح الحائز على أغلبية الأصوات، ولو بأغلبية بسيطة أو التوزيع النسبي وفق نسبة فوز كل مرشح. البعض آخر من الولايات يُلزم كتلة معينة من المندوبين التصويت لصالح مرشح محدد بينما يكافأ الفائز في دائرة انتخابية محددة بالحصول على ثلاثة أصوات إضافية من المندوبين.

يدلي المندوبون باصواتهم وفق الآلية السابقة في الجولة الأولى من الاقتراع، وفي الجولات التالية يطلق سراحهم للتصويت كيفما شاؤوا.

حقيقة الأمر أن مشاورات مكثفة تجري قبل واثناء عقد جولة الاقتراع الأولى، داخل المؤتمر، تأخذ بعين الاعتبار التوازنات السياسية للقوى والمصالح المتعددة، وتشهد "تفاهمات" محددة لتوفير عناء الذهاب لجولة أو جولات أخرى من الاقتراع. هذا في الأوضاع الاعتيادية، أما في حالة الانقسام والتشرذم والاستقطاب الحاد داخل صفوف الحزب الجمهوري، للدورة الحالية، فإن دور المندوبين يتعاظم أكثر من أي وقت مضى وتبذل جهودا مضنية لتفادي أي ثغرات أو اختراقات غير محسوبة.

للمقاربة في المشهد الحالي، فاز المرشح دونالد ترامب بالانتخابات التمهيدية، بينما تنوي قيادات الحزب الجمهوري، المحلية والمركزية، الاصطفاف خلف منافسه تيد كروز – على الرغم من "التزام" وفود المندوبين التصويت لجانب ترامب، في الجولة الأولى. عند هذه النقطة المفصلية، يلعب الوفد المؤيد لكروز دورا استثنائيا بحيث يحرم ترامب من الفوز الواضح في الجولة الأولى، ويفرض ذهاب المؤتمر الاقتراع للمرة الثانية حيث يتم "تعويم" المندوبين، أو اطلاق سراحهم، لاستقطاب العديد منهم إلى جانب التوجه الرسمي.

في جولة الانتخابات التمهيدية استطاع الفريق المؤيد لتيد كروز حشد عدد أكبر من المندوبين عبر آلية "التجمهر،" التي تغاضى ترامب عن استغلالها مما أفقده مراكمة أوسع لمندوبيه، وأضحى كروز متفوقا عليه في عدد المندوبين في ولايات محددة.

بعبارة أخرى، فوز ترامب بالأصوات الانتخابية في ولاية محددة لم يتم ترجمته بعدد مماثل من المندوبين، بل حشد كروز مؤيديه وانصاره لجولة التجمهر الانتخابي التي اسفرت عن اختيار المندوبين.

من اللجان بالغة الأهمية في المؤتمر الحزبي، للفريقين، تبرز لجنة إرساء قواعد اللائحة الداخلية، التي تحدد شروط استيفاء المندوبين للتصويت داخل المؤتمر. الأمر الذي برع فيه كروز بحشد مؤيديه مبكرا في عضوية تلك اللجنة للتأثير على سن قوانين العضوية الجديدة خدمة له.

من ضمن القواعد "الشاذة" ايضا، يوكل المؤتمر الحزبي المصادقة على الصيغة النهائية لاختيار المندوبين إلى لجنة اعتماد الاوراق، والتي قد تمارس ضغوطا إضافية لتعديل الكفة لصالح المرشح المفضل، تيد كروز، بالتلطي وراء ثغرات هامشية في اختيار مندوبي الولاية المحددة. حينئذ، يتقلص عدد مندوبوا ترامب مقابل تصاعد في اعداد مندوبي كروز، ويمضي المؤتمر في عقد جولة اقتراع ثانية تتيح بموجبها للمرشح كروز الفوز النهائي.

التفت ترامب إلى تلك الآلية مبكرا في الانتخابات التمهيدية واطلق تهديدات موجهة لقيادات الحزب الجمهوري يعدهم فيها بالنزول إلى الشوارع واعلان حالة العصيان على التوجهات المنوي اتباعها لحرمانه من الفوز في الجولة الأولى من الاقتراع. وربما يتفاقم الأمر لدرجة عزوف مؤيدي ترامب المشاركة الكلية في الانتخابات الرئاسية العامة، تشرين الثاني - نوفمبر المقبل، مما يؤشر إلى فوز محقق لمرشح الحزب الديموقراطي.

لا شك أن هناك "أسلحة" إضافية في جعبة قيادات الحزب الجمهوري لاقصاء ترامب أو إلحاق الهزيمة به داخل المؤتمر، بيد أن تداعياتها السياسية قد تفوق ميزاتها بأضعاف. المغامرة بانعقاد مؤتمر الحزب الجمهوري في ظل التوازنات الراهنة وتحدي المؤسسة حالة الغضب الشعبي عينها تنذر باختلال الميزان لصالح القوى الشعبية للناخبين كأفضل تعبير عن تلك التوجهات.

فيما يخص كروز، قيادات معتبرة داخل الحزب لا تخفي مدى الحقد والعداء ضده، ابرزهم السيناتور ليندسي غراهام، الذي يعد الخصم اللدود لكروز في اروقة الكونغرس. لكنه اعلن دعمه لكروز بتحفظ بعد صفاء الاختيار على مرشحين اثنين، ترامب وكروز.

تتنامى تكهنات الطرفين، ترامب والقيادة التقليدية، لاضفاء صيغة المنتصر قبل الولوج إلى المؤتمر العام. ترامب، من جانبه يؤكد ثقته بنيله الأغلبية المطلوبة من أصوات المندوبين، 1237، معززا قناعته بتصريح أحد أكبر دهاة الحزب الجمهوري، نيوت غينغريتش، الذي صرح حديثا بتوقعه نيل ترامب العدد المطلوب ضامنا بذلك ترشيحه من الجولة الأولى للاقتراع، ويتيح له فرصة التنافس للمناورة بحشد أكبر عدد ممكن قبل المؤتمر.

إن لم يحالف الحظ ترامب، وهو ما تسعى إليه قيادة الحزب بشكل وثيق، فإن فرص تيد كروز تصعد عاليا، وهو الذي يعول على جولة اقتراع ثانية.

بالمقابل، تشير أحدث استطلاعات الرأي أجرتها شبكة (ان بي سي) للتلفزة أن ترامب ماضٍ في تتويجه مرشحا عن الحزب الجمهوري، ولا يفصله عن المرشحة هيلاري كلينتون سوى نسبة بسيطة لا تتعدى 2%، من أصوات الناخبين.

داهية الحزب الجمهوري كارل روف رسم خريطة انتخابية بين فيها النواحي التي ينبغي على ترامب التركيز عليها من أجل الفوز على المرشحة كلينتون، في الانتخابات العامة.

الشرائح الواعية في الحزب الجمهوري قد تلتقط اللحظة وتصطف وراء ترامب، استنادا إلى بيانات الاستطلاعات وتصريحات قادة حزبيين سابقين، على الرغم من التحفظات الراهنة، لاعتبارات الوفاء للحزب.

مندوبون فوق العادة

من خصائص الحزب الديموقراطي وجود شريحة معينة من المندوبين يطلق عليها "مندوبون فوق العادة،" جنبا إلى جنب مع المندوبين بطريق الانتخاب. تعيين وتحديد عدد المندوبين أولئك يتم عبر قيادة الحزب المركزية، وتضم شخصيات سياسية وعسكرية وفكرية خدمت سابقا في السلك الحكومي ضمن ولايات رئاسية للحزب الديموقراطي، وآخرين يشغلون مناصب عليا ومواقع حساسة في ولايات متعددة. كلينتون، بحكم موقعها ونفوذ آل كلينتون في أوساط الحزب، تتمتع بتأييد اغلبية عدد ذلك الرهط من المندوبين، مقارنة باغلبية الأصوات "الشعبية" التي فاز بها منافسها بيرني ساندرز.

المندوبون فوق العادة يشاركون أعمال المؤتمر الحزبي بكامل شروط العضوية، وفق الصيغة المستجدة في عقد السبعينيات كآلية وفاء لكبار القوم، والتي رمت آنذاك لحرمان المرشح جورج ماكغفرن (الليبرالي والمعادي لحرب فييتنام) من الفوز بترشيح الحزب. واستمر العمل بتلك الصيغة منذئذ لتعزيز توجهات القيادة الحزبية وتوجهاتها كي تبقي سيطرتها على مداولات وسياسات الحزب.

من سخريات الصيغة المذكورة راهنا أن المرشح بيرني ساندرز والفائز بأغلبية أصوات الناخبين في ولايات متعددة يتخلف عن منافسته كلينتون في عدد المندوبين لصالحه.

تجدر الاشارة إلى أن تلك الفئة من المندوبين غير ملزمة بتأييد كلينتون، وفق اللوائح الداخلية سارية المفعول. من الجائز، نظريا، أن تنقل تلك الفئة ثقل تأييدها من كتف لآخر وفق ميل اتجاه الرياح، كما حصل في انتخابات عام 2008 بين باراك أوباما وهيلاري كلينتون: الأول فاز بتأييد أغلبية أصوات تلك الفئة من النخبة، والثانية فازت بالأصوات الشعبية.

ذات الأمر، مندوبون فوق العادة، ينطبق على الحزب الجمهوري الذي وعت قياداته منذ زمن بعيد ضرورة استنباط آليات جديدة لضمان استمرار قيادة الحزب بايدي النخب التقليدية للمؤسسة الحاكمة. بيد أن دور تلك الفئة ونفوذها في مداولات المؤتمر الحزبي تتخلف بعض الشيء عن نظيرتها في الحزب الديموقراطي.

تشكيلة وفد الولاية، أي ولاية، لمؤتمر الحزب الجمهوري تضم رئيس الحزب المحلي وعضوين من صفوف اللجنة الوطنية للحزب، بشكل تلقائي. وعادة ما يدلون باصواتهم لصالح مرشح الحزب الذي فاز في ولايته في جولة الانتخابات التمهيدية.

يتشاطر الحزبين، الديموقراطي والجمهوري، في تردي مكانتهما عند الناخبين وعزوف القواعد الشعبية عن تقبل السياسات والقوالب الجاهزة، نظرا لفشل سياستيهما في تبني وممارسة اصلاحات داخلية، سياسية واقتصادية. وعليه، يعتبر المرشحين المتناقضين، ترامب وساندرز، من خارج نفوذ الفئة الحاكمة والمسيطرة ويجاهران بعدائهما لتوجهات القيادات التقليدية.

كما يتشاطران في تصميم قيادات حزبيهما على استبعادهما مبكرا من نيل اغلبية أصوات المندوبين، وتطبيق قواعد صارمة نحوهما. تنامي مشاعر الغضب والاقلاع عن التأييد الأعمى لشرائح متعددة من الجمهور الانتخابي ينذر بتلقين قيادات الحزبين دروسا قاسية وربما تصيب النظام الانتخابي في الصميم تؤدي إلى صيغة تمثيلية أفضل من المسلمات الراهنة.

العرب في أميركا.. وقائع وتحدّيات

هناك خصوصية تتّصف بها الجالية العربية في أميركا: فأفراد الجالية ينتمون لأصول ثقافية عربية واحدة، لكنّهم يتحدّرون من دول وأوطان متعدّدة، فيأتون إلى أميركا التي هي وطن وبلد واحد، لكن يقوم على أصول ثقافية متعدّدة!. 
ولهذه الخصوصية انعكاساتٌ مهمّة جدّاً على واقع ودور العرب في أميركا. فهُم بنظر المجتمع الأميركي – وحتّى المنطقة العربية- "جالية واحدة"، بينما واقع الأمر أنّهم يتوزّعون على "جاليات" عربية. وتنشط غالبية الجالية من خلال تسميات خاصة بالأوطان، بل بعضها يحصر انتماءه في أطر مناطقية من داخل البلدان العربية. وقد أدّت هذه الخصوصية إلى كثيرٍ من المعضلات في دور العرب على الساحة الأميركية. فالتسمية النظرية هي: جالية عربية، بينما الواقع العملي في معظمه هو تعدّد وانقسام على حسب الخصوصيات الوطنية أو المناطقية أو الطائفية أحياناً، إضافةً طبعاً للصراعات السياسية التي تظهر بين الحين والآخر.
أمّا بالنسبة لثقل العرب في أميركا، فإنّ عددهم لا يتجاوز الواحد في المائة نسبةً إلى عدد السكّان الأميركيين. هناك  أكثر من 300  مليون أميركي منهم حوالي 3 ملايين عربي، فنسبة واحد بالمائة من السكان لا تغيّر كثيراً من واقع الحال، وإن كان عددٌ كبير من أفراد الجالية هم أصحاب كفاءات مهنية مهمّة. لكن هذه الكفاءات العربية هي في حالة عمل فردي أكثر ممّا هو عمل جماعي منظّم. وهناك تجمّعات عربية منظّمة أحياناً، لكن تأثيرها موضعي ومرتبط بزمان ومكان محدّدين، أو كحالة دعم عددٍ من المرشّحين في الانتخابات الأميركية، عِلماً أيضاً أنّ ترشيح أسماء من أصول عربية في الانتخابات الأميركية لا  يعني بالضرورة  أنّها ستكون من مؤيّدي القضايا العربية. 
لقد مضى أكثر من قرنٍ من الزمن على بدء الهجرة العربية لأميركا، لكن رغم ذلك، فإنّ واقع العرب في أميركا استمرّ كمرآة تعكس حال العرب في البلاد العربية. ولم يستفد العرب في أميركا بشكلٍ عميق من طبيعة التجربة الأميركية التي قامت وتقوم على الجمع بين تعدّد الأصول الثقافية والعرقية، وبين تكامل الأرض والولايات في إطار نسيج دستوري ديمقراطي، حافظ على وحدة "الأمّة" الأميركية - المصطنعة أصلاً- وعلى بناء دولة هي الأقوى في عالم اليوم. 
وهناك مقارنة خاطئة تتكرّر أحياناً في الإعلام العربي، وهي مقارنة حالة العرب في أميركا بحالة اليهود الأمريكيين‏.‏ فالواقع أنّ "العرب الأميركيين" هم حالة جديدة في أميركا مختلفة تماماً عن الحالة اليهودية‏.‏ العرب جاءوا لأمريكا كمهاجرين حديثاً من أوطان متعدّدة إلى وطن جديد‏،‏ بينما اليهود في أمريكا هم مواطنون أمريكيون ساهموا بإقامة وطن (إسرائيل‏) في قلب المنطقة العربية،‏ أي عكس الحالة العربية والإسلامية الأميركية وما فيها من مشكلة ضعف الاندماج مع المجتمع الأميركي‏.‏ 
حالة العرب في أميركا مختلفة أيضاً من حيث الأوضاع السياسية والاجتماعية،‏ فكثيرٌ منهم هاجروا لأميركا لأسباب سياسية واقتصادية، وأحياناً أمنية تعيشها المنطقة العربية،‏ ممّا يؤثر على نوع العلاقة بين العربي في أمريكا والمنطقة العربية‏.‏ بينما حالة العلاقة بين معظم اليهود الأميركيين وإسرائيل هي حالة من شارك في بناء هذه الدولة وليس المهاجر (أو المهجّر) منها‏.‏
أيضاً، ليس هناك مؤسّسات رسمية أو إعلامية أميركية محايدة لكي تتنافس عليها الجالية العربية مع الجالية اليهودية المؤيدة لإسرائيل، وهذا بذاته يجعل المقارنة غير عادلة‏.‏ فاللوبي الإسرائيلي في أميركا يتعامل مع علاقة واحدة خاصّة هي علاقة إسرائيل بأمريكا، بينما تتعامل المؤسسات العربية-الأمريكية مع علاقات عربية متشعّبة ومختلفة بين أكثر من عشرين دولة عربية وبين الولايات المتحدة. 
إنّ العرب الأمريكيين يتعاملون مع واقع عربي مجزّأ، بينما يدافع اللوبي الإسرائيلي عن كيانٍ واحد هو إسرائيل. 
من ناحية أخرى، فإنّ للعرب الأمريكيين مشكلة تحديد الهويّة وضعف التجربة السياسية، وهي مشكلة لا يعانيها اليهود الأميركيون‏.‏ لقد جاء العرب إلى أميركا من أوطان متعدّدة ومن بلادٍ ما زالت الديمقراطية فيها تجربة محدودة، إضافةً إلى آثار الصراعات المحلّية في بلدان عربية، وتأثير ذلك على مسألة الهويّة العربية المشتركة.
أيضاً، من المهمّ التمييز بين حالاتٍ ثلاث مختلفة‏:‏ فهناك "أمريكيون عرب"، وهم أبناء الجيل المهاجر الأول،‏ ومعظم هؤلاء لم يعد لهم أي تواصل أو ارتباط ثقافي مع البلاد العربية وقضاياها، ثمّ هناك "عرب أمريكيون" وهم الأجيال المهاجرة حديثاً إلى المجتمع الأميركي، لكنها مندمجة فيه بقوّة وتشارك في العمليات الانتخابية، وتقود هي عملياً الأنشطة السياسية والثقافية للجالية العربية،‏ وهناك "عرب في الولايات المتحدة" وهم هؤلاء الذين لم يصبحوا مواطنين أميركيين بعد، وأولوياتهم تختلف تماماً عن الحالتين السابقتين.‏ وبينما نجد أغلب "الأمريكيين العرب" غير متواصلين مع البلاد العربية الأم، نرى أنّ‏ الفئة الثالثة، أي العرب المهاجرين حديثاً، غير متواصلة بعمق مع المجتمع الأمريكي نفسه،‏ ولكلٍّ من هذه الفئات نظرة مختلفة للحياة الأمريكية وللدور المنشود في المجتمع‏. 
أضف على ذلك أيضاً، تعدّد الانتماءات الطائفية والمذهبية والإثنية في الجالية العربية‏.‏ فالبعض مثلاً يتفاعل فقط مع منظّمات دينية إسلامية وهو ما يستبعد نصف الجالية العربية. فأكثرية الجالية العربية هي من جذور دينية مسيحية، بينما نجد أنّ أكثرية الجالية الإسلامية هي من أصول غير عربية.
فالجالية العربية في أميركا تعيش محنة ارتجاج وضعف في الهويتين العربية والأميركية معاً. فالمهاجرون العرب، أينما وُجِدوا، ينتمون عملياً إلى هويتين: هويّة أوطانهم العربية الأصلية، ثمّ هويّة الوطن الجديد الذي هاجروا إليه. ومنذ 11 سبتمبر 2001، ثمّ ما تلاها من أعمال إرهابية في أوروبا وأميركا من قبل جماعاتٍ متطرّفة تحمل أسماء عربية وإسلامية، حدثت جملة تطوّرات انعكست سلبياً على الهويتين معاً. ففي الحالة الأميركية أصبح المواطن الأميركي ذو الأصول العربية أو الانتماء الديني الإسلامي موضع تشكيك في هويّته الأميركية، وفي مدى إخلاصه أو انتمائه للمجتمع الأميركي. وقد عانى الكثير من العرب والمسلمين في عدّة ولايات أميركية من هذا الشعور السلبي لدى معظم الأميركيين حيال كل ما يمتّ بصِلة إلى العرب والعروبة والإسلام. 
أيضاً، ترافق مع هذا التشكيك الأميركي بضعف "الهويّة الأميركية" للأميركيين ذوي الأصول العربية تحديداً، تشكّك ذاتي حصل ويحصل مع المهاجرين العرب في هويّتهم الأصلية العربية، ومحاولة الاستعاضة عنها بهويّات فئوية بعضها ذو طابع طائفي ومذهبي، وبعضها الآخر إثني أو مناطقي، أو في أحسن الحالات إقليمي.
وإذا كان مردّ التشكيك الأميركي ب"الهويّة الأميركية" للمهاجرين العرب هو "الجهل"، فإنّ سبب ما يحدث من تراجع وضعف في مسألة "الهويّة العربية" على الجانب الآخر هو طغيان سمات مجتمع "الجاهلية" على معظم المنطقة العربية، وانعكاس هذا الأمر على أبنائها في الداخل وفي الخارج.
لكن "فاقد الشيء لا يعطيه"، لذلك هي أولوية موازية لأولوية التعامل العربي مع "الآخر"، بأن يعمل العرب والمسلمون في أميركا والغرب على الفهم الصحيح لأصولهم الحضارية والثقافية، وعلى الفرز بين ما هو "أصيل" وما هو "دخيل" على الإسلام والثقافة العربية. كذلك، فمن المهمّ التشجيع على أسلوب الحوار الدائم بين العرب أنفسهم، وأيضاً بين المؤسّسات والهيئات العربية والإسلامية، وبين غيرها من المؤسّسات في هذه المجتمعات، إضافةً إلى الحوار مع المجتمع الأميركي عموماً عبر الإعلام أو الندوات أو رسائل الإنترنت.
فهي مهمَّة مزدوجة الآن أمام العرب والمسلمين في أميركا والغرب: تحسين وإصلاح النفس بشكلٍ متزامنٍ مع تحسين وإصلاح "الصورة"، أي بناء الذات العربية والإسلامية السليمة مع بناء المعرفة السليمة لدى النفس وعند الآخر. إنّ تجربة "مركز الحوار العربي" في واشنطن تتعامل تحديداً مع هذه المعضلة التي تواجهها الجالية العربية في أميركا، إذ تهتمّ هذه التجربة العربية بتحسين الشأن الفكري والثقافي، وبالتشجيع على أسلوب الحوار وعلى ضرورة الاعتزاز بالهويّة الثقافية العربية المشتركة، مع ضرورة القناعة بأهمية وجود تعدّدية فكرية وسياسية في أي مجتمع.
فالمرحلة الآن – وربّما لفترةٍ طويلة - هي مرحلة إقناع المواطن الأميركي والغربي عموماً، بمن نكون "نحن" أكثر ممّا هي ب"ما الذي نريده"، وهي مرحلة تضعنا أمام خيارين: إمَّا السقوط أيضاً مع الغربيين في فخِّ نظرية "صراع الحضارات" و"الخطر الإسلامي" القادم من الشرق، أو محاولة انتشال بعض هذا الغرب من هذا الكمين الذي تستفيد منه حصراً إسرائيل، ومعها كلّ أعداء العرب والمسلمين.
--------------------------------------------------------------------------------
*(مدير "مركز الحوار العربي" في واشنطن)
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.">عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.