الإثنين 21 آب/أغسطس 2017
TEXT_SIZE

غرائب الانتخابات الأميركية لاختيار المرشح الرئاسي

يفاخر النظام السياسي الأميركي بفرادته في تطبيق نموذج الديموقراطية التمثيلية التي تؤدي لانتخاب ممثليها تصاعديا، وبنظام جمهوري يشارك في انتخاب رئيسه كافة المواطنين الذين "تنطبق" عليهم المعايير المرسومة مسبقا. كل دورة انتخابية (تقريبا) تؤدي لاقصاء أعداد متزايدة من الناخبين نظرا لعدم استيفائهم الشروط المشددة مستهدفة الأقليات بشكل خاص، ومنهم قطاع كبير من المفرج عنهم بعد قضاء فترة حكمه. توزيع الدوائر الانتخابية، في مناطق سكنية وكثافة معينة أمر دأب عليه الحزب الجمهوري منذ عهد الرئيس ريغان يصب في نهاية المطاف برفع قيمته وتمثيل الحزب؛ وهي جديرة بالمراجعة.

"الصراع" الفريد الدائر حاليا بين قيادة الحزب الجمهوري والمرشح دونالد ترامب، له ما يبرره. فالقيادة التقليدية أخفقت في مواكبة الإرهاصات والغضب الشعبي لدى قطاعات واسعة من المجتمع، وتخلفت عن تقديم "بديل" معقول لترامب الذي يمثل ويجاهر بولاء وسياسات ومكنونات الحزب الحقيقية: التعصب والتزمت والاقصاء والتباس القيم وحتى الكذب والافتراء على العلن، فضلا عن تمثيله الدقيق لشريحة كبار الأثرياء، عصب الحزب.

ترامب حث الجمهور الانتخابي على المطالبة بادخال "اصلاحات" واسعة في تركيبة وتوجهات الحزب تحول دون التقهقر والإنزواء. مطلبه يلقى صدى واسعا لدى شرائح اجتماعية واسعة، بعضها وهي الأقلية، أدركت أن جذر الأزمة الاقتصادية والاجتماعية يكمن في السياسات النيوليبرالية المتبعة من قبل الحزبين والتي فاقمت التردي الاجتماعي وضمور الطبقة الوسطى.

نتائج تصويت الناخبين وفق صيغة "الديموقراطية التمثيلية،" في الجولة الراهنة، تشير إلى تقدم كل من دونالد ترامب ومنافسه بيرني ساندر في مرحلة التصويت الابتدائية أو التمهيدية على الصعيد الشعبي. بالمقابل، فاز كل من المرشحين هيلاري كلينتون وتيد كروز بالمرتبة الثانية لكنهما بصدد حصد أغلبية اصوات "المندوبين،" الذين سيشكلون الفيصل في مؤتمري الحزبين، على التوالي.

تناقض النتائج، بين التمثيل والمندوبين، هي إحدى ظواهر الشذوذ الانتخابي في النظام الأميركي، القائم على تراكمات تجارب سياسية طويلة تمزج بين التصويت والتمثيل التقليدي، من ناحية، وبين الصفقات والمساومات التي تدور خلف الأبواب المغلقة. يضاف إليها، في الجولة الراهنة، حالة الشلل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية وما آلت إليه من تنامي امتعاض وقلق وغضب شعبي واسع يجري توجيه بوصلته ضد كل من له صلة بواشنطن، الحاضنة السياسية. وبدأت عوارض ضعف مسلمات النظام برمته تتجسد في مشقة الطريق الانتخابي لمرشح مستقل لا ينتمي للسلطة .

في سالف الأيام من النظام الأميركي، أدت صعوبة التنقل وعناء التحرك السريع بين المناطق المختلفة إلى استخدام المندوبين وسائل تقليدية بامتطاء ظهور الخيل للوصول إلى مكان انعقاد المؤتمر الحزبي لانتخاب المرشح الرئاسي، وربما لم تكن كتلة المندوبين على بينة مسبقة لهوية المرشح. بالمحصلة، استنبطت قيادات الحزبين تقديم لوائح ترشيح متعددة وعقد تفاهمات بين أقطاب متباينة قبل أن يرسوا الاختيار على مرشح رئيسي يحظى بأغلبية أصوات بسيطة.

تيسر وسائل التنقل والاتصالات في العصر الراهن وفر سهولة المتابعة للناخبين. التزمت قيادات الحزبين المحلية، في ولايات متعددة، بممارستهما تعيين مندوبي الولاية المعنية دون الحاجة لاجراء انتخابات تمهيدية، واستمر الأمر ساريا حتى مطلع عقد الخمسينيات من القرن الماضي. تميز المندوبون بحرية الادلاء بالتصويت وليس وفق لوائح معدة مسبقا، وهم غير ملزمين بالتصويت لمرشح بعينه.

تحول كمّي

أدت التطورات الاجتماعية في ستينيات القرن المنصرم إلى تعاظم زخم الاهتمام بالمشاركة الانتخابية، بشكل عام، وشوهد تنامي عدد الولايات التي اعتمدت اجراء دورة الانتخابات التمهيدية في العقد التالي. وتمت مقايضة المندوبين المحتملين بالتزامهم التصويت لصالح المرشح الأقوى في عدد اصوات الناخبين، في المؤتمر الحزبي، والتي عادة ما يطلق عليها عملية الاقتراع الأولى. بعض الولايات تشترط من مندوبيها التزام التصويت لذات المرشح لجولتي اقتراع تاليتين.

ليس مستهجنا أن يميل المندوب للتصويت إلى جانب خياره الحقيقي وإن تعارض مع توجهات قيادة الحزب. لحسم الأمر وعدم حدوث خروقات في اللحظات الأخيرة، استنبطت آلية تجمهر المندوبين للادلاء بأصواتهم علنا بين اقرانهم. يشار إلى أن المرشح ترامب تغاضى عن أهمية ومحورية "نظام التجمهر" المعمول به.

لا يسع المرء إلا الاشارة  لقواعد بالية لانتخاب المندوبين يستند إليها كلا الحزبين، تعود إلى "العصور البيزنطية ومبهمة،" تتيح للقيادات المتنفذة الغاء وإبطال مفعول أصوات جمهور لا ترغب به، خاصة في تدفق أصوات الأقليات في مقاطعات انتخابية يحتدم صراعهما حولها.

في هذا الصدد يبرز إلى الواجهة جولة الانتخابات الرئاسية عام 2002، التي دشنت ولوج الرئيس جورج بوش الإبن، وما رافقها من "تزوير بالجملة وإقصاء متعمد لجمهور كامل من الناخبين،" مما مهد الأرضية لصعوده المشكوك به، والذي لم يستطع الحزب الجمهوري حسمه إلا عبر المحكمة العليا بتركيبة أغلبية القضاة من المحافظين.

الانتخابات التمهيدية واختيار المندوبين

بداية، تجري الانتخابات التمهيدية حصرا في الولاية المعنية، وهي أشبه بمحاولات جس النبض الشعبي تمهيدا لبلورة خطاب الحزب السياسي والاستعداد للمنافسة بين الحزبين الرئيسيين. آليات انعقادها تتحكم فيه قيادات الحزبين المحلية، حيثما وجدت، بالتنسيق والتعاون مع سلطات الولاية المعنية التي تفرض رسوما مالية لانعقاد الجولات تتعهد بها قيادات الحزبين.

تشرف لجان الحزبين على إجراء الانتخابات، ومن ثم مفاضلتها لتصويت الناخبين، إما وفق المسجلين لدى قوائم حزبية معلنة، أو توسيع الدائرة ليساهم فيها كل الناخبين من حزبيين ومستقلين. كما تتحكم قيادات الحزبين المحلية بسن القوانين والاجراءات الانتخابية، وفق تصوراتها الخاصة، لا سيما آلية توزيع المندوبين والنسب المحددة لكل مرشح. لا شك أن عقد المؤتمرات التمهيدية عملية تنطوي عليها كلفة مالية عالية، وقد تفضل القيادات المحلية إلغاء انعقادها بالمرة، بحيث يتم "انتقاء" المندوبين وفق صيغة التجمهر بكلفة متدنية.

لتوضيح الآلية الانتخابية "الشاذة،" على المرء افتراض ولاية محددة عدد مندوبيها 50 والذين سيشاركون بالمؤتمر الحزبي. توزيع المندوبين على المرشحين يتم بعدة طرق: احداها تصويت كامل فريق المندوبين للمرشح الحائز على أغلبية الأصوات، ولو بأغلبية بسيطة أو التوزيع النسبي وفق نسبة فوز كل مرشح. البعض آخر من الولايات يُلزم كتلة معينة من المندوبين التصويت لصالح مرشح محدد بينما يكافأ الفائز في دائرة انتخابية محددة بالحصول على ثلاثة أصوات إضافية من المندوبين.

يدلي المندوبون باصواتهم وفق الآلية السابقة في الجولة الأولى من الاقتراع، وفي الجولات التالية يطلق سراحهم للتصويت كيفما شاؤوا.

حقيقة الأمر أن مشاورات مكثفة تجري قبل واثناء عقد جولة الاقتراع الأولى، داخل المؤتمر، تأخذ بعين الاعتبار التوازنات السياسية للقوى والمصالح المتعددة، وتشهد "تفاهمات" محددة لتوفير عناء الذهاب لجولة أو جولات أخرى من الاقتراع. هذا في الأوضاع الاعتيادية، أما في حالة الانقسام والتشرذم والاستقطاب الحاد داخل صفوف الحزب الجمهوري، للدورة الحالية، فإن دور المندوبين يتعاظم أكثر من أي وقت مضى وتبذل جهودا مضنية لتفادي أي ثغرات أو اختراقات غير محسوبة.

للمقاربة في المشهد الحالي، فاز المرشح دونالد ترامب بالانتخابات التمهيدية، بينما تنوي قيادات الحزب الجمهوري، المحلية والمركزية، الاصطفاف خلف منافسه تيد كروز – على الرغم من "التزام" وفود المندوبين التصويت لجانب ترامب، في الجولة الأولى. عند هذه النقطة المفصلية، يلعب الوفد المؤيد لكروز دورا استثنائيا بحيث يحرم ترامب من الفوز الواضح في الجولة الأولى، ويفرض ذهاب المؤتمر الاقتراع للمرة الثانية حيث يتم "تعويم" المندوبين، أو اطلاق سراحهم، لاستقطاب العديد منهم إلى جانب التوجه الرسمي.

في جولة الانتخابات التمهيدية استطاع الفريق المؤيد لتيد كروز حشد عدد أكبر من المندوبين عبر آلية "التجمهر،" التي تغاضى ترامب عن استغلالها مما أفقده مراكمة أوسع لمندوبيه، وأضحى كروز متفوقا عليه في عدد المندوبين في ولايات محددة.

بعبارة أخرى، فوز ترامب بالأصوات الانتخابية في ولاية محددة لم يتم ترجمته بعدد مماثل من المندوبين، بل حشد كروز مؤيديه وانصاره لجولة التجمهر الانتخابي التي اسفرت عن اختيار المندوبين.

من اللجان بالغة الأهمية في المؤتمر الحزبي، للفريقين، تبرز لجنة إرساء قواعد اللائحة الداخلية، التي تحدد شروط استيفاء المندوبين للتصويت داخل المؤتمر. الأمر الذي برع فيه كروز بحشد مؤيديه مبكرا في عضوية تلك اللجنة للتأثير على سن قوانين العضوية الجديدة خدمة له.

من ضمن القواعد "الشاذة" ايضا، يوكل المؤتمر الحزبي المصادقة على الصيغة النهائية لاختيار المندوبين إلى لجنة اعتماد الاوراق، والتي قد تمارس ضغوطا إضافية لتعديل الكفة لصالح المرشح المفضل، تيد كروز، بالتلطي وراء ثغرات هامشية في اختيار مندوبي الولاية المحددة. حينئذ، يتقلص عدد مندوبوا ترامب مقابل تصاعد في اعداد مندوبي كروز، ويمضي المؤتمر في عقد جولة اقتراع ثانية تتيح بموجبها للمرشح كروز الفوز النهائي.

التفت ترامب إلى تلك الآلية مبكرا في الانتخابات التمهيدية واطلق تهديدات موجهة لقيادات الحزب الجمهوري يعدهم فيها بالنزول إلى الشوارع واعلان حالة العصيان على التوجهات المنوي اتباعها لحرمانه من الفوز في الجولة الأولى من الاقتراع. وربما يتفاقم الأمر لدرجة عزوف مؤيدي ترامب المشاركة الكلية في الانتخابات الرئاسية العامة، تشرين الثاني - نوفمبر المقبل، مما يؤشر إلى فوز محقق لمرشح الحزب الديموقراطي.

لا شك أن هناك "أسلحة" إضافية في جعبة قيادات الحزب الجمهوري لاقصاء ترامب أو إلحاق الهزيمة به داخل المؤتمر، بيد أن تداعياتها السياسية قد تفوق ميزاتها بأضعاف. المغامرة بانعقاد مؤتمر الحزب الجمهوري في ظل التوازنات الراهنة وتحدي المؤسسة حالة الغضب الشعبي عينها تنذر باختلال الميزان لصالح القوى الشعبية للناخبين كأفضل تعبير عن تلك التوجهات.

فيما يخص كروز، قيادات معتبرة داخل الحزب لا تخفي مدى الحقد والعداء ضده، ابرزهم السيناتور ليندسي غراهام، الذي يعد الخصم اللدود لكروز في اروقة الكونغرس. لكنه اعلن دعمه لكروز بتحفظ بعد صفاء الاختيار على مرشحين اثنين، ترامب وكروز.

تتنامى تكهنات الطرفين، ترامب والقيادة التقليدية، لاضفاء صيغة المنتصر قبل الولوج إلى المؤتمر العام. ترامب، من جانبه يؤكد ثقته بنيله الأغلبية المطلوبة من أصوات المندوبين، 1237، معززا قناعته بتصريح أحد أكبر دهاة الحزب الجمهوري، نيوت غينغريتش، الذي صرح حديثا بتوقعه نيل ترامب العدد المطلوب ضامنا بذلك ترشيحه من الجولة الأولى للاقتراع، ويتيح له فرصة التنافس للمناورة بحشد أكبر عدد ممكن قبل المؤتمر.

إن لم يحالف الحظ ترامب، وهو ما تسعى إليه قيادة الحزب بشكل وثيق، فإن فرص تيد كروز تصعد عاليا، وهو الذي يعول على جولة اقتراع ثانية.

بالمقابل، تشير أحدث استطلاعات الرأي أجرتها شبكة (ان بي سي) للتلفزة أن ترامب ماضٍ في تتويجه مرشحا عن الحزب الجمهوري، ولا يفصله عن المرشحة هيلاري كلينتون سوى نسبة بسيطة لا تتعدى 2%، من أصوات الناخبين.

داهية الحزب الجمهوري كارل روف رسم خريطة انتخابية بين فيها النواحي التي ينبغي على ترامب التركيز عليها من أجل الفوز على المرشحة كلينتون، في الانتخابات العامة.

الشرائح الواعية في الحزب الجمهوري قد تلتقط اللحظة وتصطف وراء ترامب، استنادا إلى بيانات الاستطلاعات وتصريحات قادة حزبيين سابقين، على الرغم من التحفظات الراهنة، لاعتبارات الوفاء للحزب.

مندوبون فوق العادة

من خصائص الحزب الديموقراطي وجود شريحة معينة من المندوبين يطلق عليها "مندوبون فوق العادة،" جنبا إلى جنب مع المندوبين بطريق الانتخاب. تعيين وتحديد عدد المندوبين أولئك يتم عبر قيادة الحزب المركزية، وتضم شخصيات سياسية وعسكرية وفكرية خدمت سابقا في السلك الحكومي ضمن ولايات رئاسية للحزب الديموقراطي، وآخرين يشغلون مناصب عليا ومواقع حساسة في ولايات متعددة. كلينتون، بحكم موقعها ونفوذ آل كلينتون في أوساط الحزب، تتمتع بتأييد اغلبية عدد ذلك الرهط من المندوبين، مقارنة باغلبية الأصوات "الشعبية" التي فاز بها منافسها بيرني ساندرز.

المندوبون فوق العادة يشاركون أعمال المؤتمر الحزبي بكامل شروط العضوية، وفق الصيغة المستجدة في عقد السبعينيات كآلية وفاء لكبار القوم، والتي رمت آنذاك لحرمان المرشح جورج ماكغفرن (الليبرالي والمعادي لحرب فييتنام) من الفوز بترشيح الحزب. واستمر العمل بتلك الصيغة منذئذ لتعزيز توجهات القيادة الحزبية وتوجهاتها كي تبقي سيطرتها على مداولات وسياسات الحزب.

من سخريات الصيغة المذكورة راهنا أن المرشح بيرني ساندرز والفائز بأغلبية أصوات الناخبين في ولايات متعددة يتخلف عن منافسته كلينتون في عدد المندوبين لصالحه.

تجدر الاشارة إلى أن تلك الفئة من المندوبين غير ملزمة بتأييد كلينتون، وفق اللوائح الداخلية سارية المفعول. من الجائز، نظريا، أن تنقل تلك الفئة ثقل تأييدها من كتف لآخر وفق ميل اتجاه الرياح، كما حصل في انتخابات عام 2008 بين باراك أوباما وهيلاري كلينتون: الأول فاز بتأييد أغلبية أصوات تلك الفئة من النخبة، والثانية فازت بالأصوات الشعبية.

ذات الأمر، مندوبون فوق العادة، ينطبق على الحزب الجمهوري الذي وعت قياداته منذ زمن بعيد ضرورة استنباط آليات جديدة لضمان استمرار قيادة الحزب بايدي النخب التقليدية للمؤسسة الحاكمة. بيد أن دور تلك الفئة ونفوذها في مداولات المؤتمر الحزبي تتخلف بعض الشيء عن نظيرتها في الحزب الديموقراطي.

تشكيلة وفد الولاية، أي ولاية، لمؤتمر الحزب الجمهوري تضم رئيس الحزب المحلي وعضوين من صفوف اللجنة الوطنية للحزب، بشكل تلقائي. وعادة ما يدلون باصواتهم لصالح مرشح الحزب الذي فاز في ولايته في جولة الانتخابات التمهيدية.

يتشاطر الحزبين، الديموقراطي والجمهوري، في تردي مكانتهما عند الناخبين وعزوف القواعد الشعبية عن تقبل السياسات والقوالب الجاهزة، نظرا لفشل سياستيهما في تبني وممارسة اصلاحات داخلية، سياسية واقتصادية. وعليه، يعتبر المرشحين المتناقضين، ترامب وساندرز، من خارج نفوذ الفئة الحاكمة والمسيطرة ويجاهران بعدائهما لتوجهات القيادات التقليدية.

كما يتشاطران في تصميم قيادات حزبيهما على استبعادهما مبكرا من نيل اغلبية أصوات المندوبين، وتطبيق قواعد صارمة نحوهما. تنامي مشاعر الغضب والاقلاع عن التأييد الأعمى لشرائح متعددة من الجمهور الانتخابي ينذر بتلقين قيادات الحزبين دروسا قاسية وربما تصيب النظام الانتخابي في الصميم تؤدي إلى صيغة تمثيلية أفضل من المسلمات الراهنة.

العرب في أميركا.. وقائع وتحدّيات

هناك خصوصية تتّصف بها الجالية العربية في أميركا: فأفراد الجالية ينتمون لأصول ثقافية عربية واحدة، لكنّهم يتحدّرون من دول وأوطان متعدّدة، فيأتون إلى أميركا التي هي وطن وبلد واحد، لكن يقوم على أصول ثقافية متعدّدة!. 
ولهذه الخصوصية انعكاساتٌ مهمّة جدّاً على واقع ودور العرب في أميركا. فهُم بنظر المجتمع الأميركي – وحتّى المنطقة العربية- "جالية واحدة"، بينما واقع الأمر أنّهم يتوزّعون على "جاليات" عربية. وتنشط غالبية الجالية من خلال تسميات خاصة بالأوطان، بل بعضها يحصر انتماءه في أطر مناطقية من داخل البلدان العربية. وقد أدّت هذه الخصوصية إلى كثيرٍ من المعضلات في دور العرب على الساحة الأميركية. فالتسمية النظرية هي: جالية عربية، بينما الواقع العملي في معظمه هو تعدّد وانقسام على حسب الخصوصيات الوطنية أو المناطقية أو الطائفية أحياناً، إضافةً طبعاً للصراعات السياسية التي تظهر بين الحين والآخر.
أمّا بالنسبة لثقل العرب في أميركا، فإنّ عددهم لا يتجاوز الواحد في المائة نسبةً إلى عدد السكّان الأميركيين. هناك  أكثر من 300  مليون أميركي منهم حوالي 3 ملايين عربي، فنسبة واحد بالمائة من السكان لا تغيّر كثيراً من واقع الحال، وإن كان عددٌ كبير من أفراد الجالية هم أصحاب كفاءات مهنية مهمّة. لكن هذه الكفاءات العربية هي في حالة عمل فردي أكثر ممّا هو عمل جماعي منظّم. وهناك تجمّعات عربية منظّمة أحياناً، لكن تأثيرها موضعي ومرتبط بزمان ومكان محدّدين، أو كحالة دعم عددٍ من المرشّحين في الانتخابات الأميركية، عِلماً أيضاً أنّ ترشيح أسماء من أصول عربية في الانتخابات الأميركية لا  يعني بالضرورة  أنّها ستكون من مؤيّدي القضايا العربية. 
لقد مضى أكثر من قرنٍ من الزمن على بدء الهجرة العربية لأميركا، لكن رغم ذلك، فإنّ واقع العرب في أميركا استمرّ كمرآة تعكس حال العرب في البلاد العربية. ولم يستفد العرب في أميركا بشكلٍ عميق من طبيعة التجربة الأميركية التي قامت وتقوم على الجمع بين تعدّد الأصول الثقافية والعرقية، وبين تكامل الأرض والولايات في إطار نسيج دستوري ديمقراطي، حافظ على وحدة "الأمّة" الأميركية - المصطنعة أصلاً- وعلى بناء دولة هي الأقوى في عالم اليوم. 
وهناك مقارنة خاطئة تتكرّر أحياناً في الإعلام العربي، وهي مقارنة حالة العرب في أميركا بحالة اليهود الأمريكيين‏.‏ فالواقع أنّ "العرب الأميركيين" هم حالة جديدة في أميركا مختلفة تماماً عن الحالة اليهودية‏.‏ العرب جاءوا لأمريكا كمهاجرين حديثاً من أوطان متعدّدة إلى وطن جديد‏،‏ بينما اليهود في أمريكا هم مواطنون أمريكيون ساهموا بإقامة وطن (إسرائيل‏) في قلب المنطقة العربية،‏ أي عكس الحالة العربية والإسلامية الأميركية وما فيها من مشكلة ضعف الاندماج مع المجتمع الأميركي‏.‏ 
حالة العرب في أميركا مختلفة أيضاً من حيث الأوضاع السياسية والاجتماعية،‏ فكثيرٌ منهم هاجروا لأميركا لأسباب سياسية واقتصادية، وأحياناً أمنية تعيشها المنطقة العربية،‏ ممّا يؤثر على نوع العلاقة بين العربي في أمريكا والمنطقة العربية‏.‏ بينما حالة العلاقة بين معظم اليهود الأميركيين وإسرائيل هي حالة من شارك في بناء هذه الدولة وليس المهاجر (أو المهجّر) منها‏.‏
أيضاً، ليس هناك مؤسّسات رسمية أو إعلامية أميركية محايدة لكي تتنافس عليها الجالية العربية مع الجالية اليهودية المؤيدة لإسرائيل، وهذا بذاته يجعل المقارنة غير عادلة‏.‏ فاللوبي الإسرائيلي في أميركا يتعامل مع علاقة واحدة خاصّة هي علاقة إسرائيل بأمريكا، بينما تتعامل المؤسسات العربية-الأمريكية مع علاقات عربية متشعّبة ومختلفة بين أكثر من عشرين دولة عربية وبين الولايات المتحدة. 
إنّ العرب الأمريكيين يتعاملون مع واقع عربي مجزّأ، بينما يدافع اللوبي الإسرائيلي عن كيانٍ واحد هو إسرائيل. 
من ناحية أخرى، فإنّ للعرب الأمريكيين مشكلة تحديد الهويّة وضعف التجربة السياسية، وهي مشكلة لا يعانيها اليهود الأميركيون‏.‏ لقد جاء العرب إلى أميركا من أوطان متعدّدة ومن بلادٍ ما زالت الديمقراطية فيها تجربة محدودة، إضافةً إلى آثار الصراعات المحلّية في بلدان عربية، وتأثير ذلك على مسألة الهويّة العربية المشتركة.
أيضاً، من المهمّ التمييز بين حالاتٍ ثلاث مختلفة‏:‏ فهناك "أمريكيون عرب"، وهم أبناء الجيل المهاجر الأول،‏ ومعظم هؤلاء لم يعد لهم أي تواصل أو ارتباط ثقافي مع البلاد العربية وقضاياها، ثمّ هناك "عرب أمريكيون" وهم الأجيال المهاجرة حديثاً إلى المجتمع الأميركي، لكنها مندمجة فيه بقوّة وتشارك في العمليات الانتخابية، وتقود هي عملياً الأنشطة السياسية والثقافية للجالية العربية،‏ وهناك "عرب في الولايات المتحدة" وهم هؤلاء الذين لم يصبحوا مواطنين أميركيين بعد، وأولوياتهم تختلف تماماً عن الحالتين السابقتين.‏ وبينما نجد أغلب "الأمريكيين العرب" غير متواصلين مع البلاد العربية الأم، نرى أنّ‏ الفئة الثالثة، أي العرب المهاجرين حديثاً، غير متواصلة بعمق مع المجتمع الأمريكي نفسه،‏ ولكلٍّ من هذه الفئات نظرة مختلفة للحياة الأمريكية وللدور المنشود في المجتمع‏. 
أضف على ذلك أيضاً، تعدّد الانتماءات الطائفية والمذهبية والإثنية في الجالية العربية‏.‏ فالبعض مثلاً يتفاعل فقط مع منظّمات دينية إسلامية وهو ما يستبعد نصف الجالية العربية. فأكثرية الجالية العربية هي من جذور دينية مسيحية، بينما نجد أنّ أكثرية الجالية الإسلامية هي من أصول غير عربية.
فالجالية العربية في أميركا تعيش محنة ارتجاج وضعف في الهويتين العربية والأميركية معاً. فالمهاجرون العرب، أينما وُجِدوا، ينتمون عملياً إلى هويتين: هويّة أوطانهم العربية الأصلية، ثمّ هويّة الوطن الجديد الذي هاجروا إليه. ومنذ 11 سبتمبر 2001، ثمّ ما تلاها من أعمال إرهابية في أوروبا وأميركا من قبل جماعاتٍ متطرّفة تحمل أسماء عربية وإسلامية، حدثت جملة تطوّرات انعكست سلبياً على الهويتين معاً. ففي الحالة الأميركية أصبح المواطن الأميركي ذو الأصول العربية أو الانتماء الديني الإسلامي موضع تشكيك في هويّته الأميركية، وفي مدى إخلاصه أو انتمائه للمجتمع الأميركي. وقد عانى الكثير من العرب والمسلمين في عدّة ولايات أميركية من هذا الشعور السلبي لدى معظم الأميركيين حيال كل ما يمتّ بصِلة إلى العرب والعروبة والإسلام. 
أيضاً، ترافق مع هذا التشكيك الأميركي بضعف "الهويّة الأميركية" للأميركيين ذوي الأصول العربية تحديداً، تشكّك ذاتي حصل ويحصل مع المهاجرين العرب في هويّتهم الأصلية العربية، ومحاولة الاستعاضة عنها بهويّات فئوية بعضها ذو طابع طائفي ومذهبي، وبعضها الآخر إثني أو مناطقي، أو في أحسن الحالات إقليمي.
وإذا كان مردّ التشكيك الأميركي ب"الهويّة الأميركية" للمهاجرين العرب هو "الجهل"، فإنّ سبب ما يحدث من تراجع وضعف في مسألة "الهويّة العربية" على الجانب الآخر هو طغيان سمات مجتمع "الجاهلية" على معظم المنطقة العربية، وانعكاس هذا الأمر على أبنائها في الداخل وفي الخارج.
لكن "فاقد الشيء لا يعطيه"، لذلك هي أولوية موازية لأولوية التعامل العربي مع "الآخر"، بأن يعمل العرب والمسلمون في أميركا والغرب على الفهم الصحيح لأصولهم الحضارية والثقافية، وعلى الفرز بين ما هو "أصيل" وما هو "دخيل" على الإسلام والثقافة العربية. كذلك، فمن المهمّ التشجيع على أسلوب الحوار الدائم بين العرب أنفسهم، وأيضاً بين المؤسّسات والهيئات العربية والإسلامية، وبين غيرها من المؤسّسات في هذه المجتمعات، إضافةً إلى الحوار مع المجتمع الأميركي عموماً عبر الإعلام أو الندوات أو رسائل الإنترنت.
فهي مهمَّة مزدوجة الآن أمام العرب والمسلمين في أميركا والغرب: تحسين وإصلاح النفس بشكلٍ متزامنٍ مع تحسين وإصلاح "الصورة"، أي بناء الذات العربية والإسلامية السليمة مع بناء المعرفة السليمة لدى النفس وعند الآخر. إنّ تجربة "مركز الحوار العربي" في واشنطن تتعامل تحديداً مع هذه المعضلة التي تواجهها الجالية العربية في أميركا، إذ تهتمّ هذه التجربة العربية بتحسين الشأن الفكري والثقافي، وبالتشجيع على أسلوب الحوار وعلى ضرورة الاعتزاز بالهويّة الثقافية العربية المشتركة، مع ضرورة القناعة بأهمية وجود تعدّدية فكرية وسياسية في أي مجتمع.
فالمرحلة الآن – وربّما لفترةٍ طويلة - هي مرحلة إقناع المواطن الأميركي والغربي عموماً، بمن نكون "نحن" أكثر ممّا هي ب"ما الذي نريده"، وهي مرحلة تضعنا أمام خيارين: إمَّا السقوط أيضاً مع الغربيين في فخِّ نظرية "صراع الحضارات" و"الخطر الإسلامي" القادم من الشرق، أو محاولة انتشال بعض هذا الغرب من هذا الكمين الذي تستفيد منه حصراً إسرائيل، ومعها كلّ أعداء العرب والمسلمين.
--------------------------------------------------------------------------------
*(مدير "مركز الحوار العربي" في واشنطن)
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.">عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قِراءةٌ في وثيقة

أَقصدُ بها وثيقةُ (الإصْلاحِ الوَطَنِيّ) التي وقّع عليها اليوم قادة الكُتل والأحزاب، باستثناء التيّار الصّدري.

   أولاً؛ يَقُولُ الموقّعون انّها [لإخراجِ البلد من أزمته] وكلّنا نعرف، وهم يعرفون، انّهم أساس كلّ أزمات البلد، فهل يعني ذلك بانّهم يعتقدونَ أَنّ مَن هو المشكلة يُمكن ان يكونَ هُوَ الحلُّ لها؟! او انّهم الأزمة والحلّ في آنٍ واحد؟!.

   نعم، يُمْكِنُ ذلك في حالةٍ وَاحِدَةٍ فقط، عندما تتغير العقليّة، والحالُ انّ ذلك لم يحصل لحدّ الآن!.

   كلّ العراقييّن يعرفون جيداً بأَن الموقّعين هم المشكلة وهم الأزمة وهم سبب الفشل والفساد وهم الوجوه التي لم تجلب الخير للبلد، على حد وصف الخطاب المرجعي، منذ ١٣ عاماً ولحدّ الان فكيف سيقنعونَنا بأنّهم الحلّ؟!.

   أَهُوَ تحشيشٌ عراقيٌّ مثلاً؟ أم هي مُزحةً؟ أم كذبة نيسان؟ ام يظنّون بأنّنا مجانين او سُذَّج او بسطاء لهذه الدّرجة او [عَبَدة عُجول] لنُصدّقهم؟!.

   ويقولون بأَنّ الوثيقة [لفكّ الانسداد السّياسي] من دون ان يذكروا لنا سبب هذا الانسداد، أهيَ [الصّخرة] المشهورة مثلاً ام ماذا؟!.

   ثانياً؛ يَقُولُ الموقّعون بانّ جوهر الوثيقة يتمحور حول [الرّغبة الجماهيريّة] وهي محاولة منهم لتقمّص شعارات الشّارع واهدافهِ الإصلاحيّة.

   فاذا تفحّصنا الوجوه والأسماء فسنجدَها نفسها لم يتغيّر منها شيئاً ابداً، فَلَو كانوا صادقين بما يقولون لاستبدلوا، على الأقل، بعض الوجوه وغيّروا بعض الأسماء خاصةً المحروقة جداً منها حد الاسوِداد! لتمكّنوا، ربما، من ذَرِّ الرّماد في عيون السذّج والبسطاء!.

   بصراحة اقول، فانّ الوثيقة أَبعد ما تكون عن الاصلاح وعن الجماهير وأهدافها، فلقد ثبّتت كلّ شيء الا الاصلاح!.

   ثالثاً؛ ثم تسرد الوثيقة النّقاط الواحدة تلو الاخرى، والتي لا تختلف عن ايّة وثيقةٍ اخرى وقّعوا عليها منذ سقوط نظام الطّاغية الذليل صدّام حسين في التاسع من نيسان عام ٢٠٠٣ ولحدِّ الان، باستثناء بعض العبارات الانشائيّة من بابِ تحديث البيانات مثلاً لا اكثرَ ولا أقل.

   هي استنساخٌ لوثائقَ قديمة، لم تختلف عنها الا بلونِ الورقِ الاصفرِ، رُبما، كما وصلتني!.

   رابعاً؛ يتشبّث الموقّعون بالمسار الدّستوري الذي ورد ذكرهُ اكثر من مرّة في الوثيقة، وفي نفس الوقت يقولون في المادة (٧) منها ما نصُّهُ [إِنشاء مجلس سياسي استشاري] ومن النص يتّضح جلياً بانّهُ بدعة سياسيّة لم يرد ذكرها لا في الدستور ولا في القانون ولا هم يحزنون، على الرّغم من انّهُ فكرة قديمة حاولوا تمريرها في اكثر من مرّة خلال الفترة المنصرمة الغرض منها تحقيق التّراضي او ما يسمّونهُ بالشّراكة، والتي جوهرها المحاصصة وحقّ النّقض، الفيتو.

   ثمّ تدعو نقاط الوثيقة الى تشريع القوانين الاساسيّة في مجلس النوّاب، فمن هو المعني بهذا يا تُرى؟ اوليس الموقّعون هم زعماء الكتل النيابيّة؟ أولم يتّفقوا على ذلك عشرات المرّات فيما سبق؟ فلماذا لم يتم تشريعها اذا كانت الوثيقة حريصة على ذلك وتعتبر ان تمرير هذه التّشريعات يلامس عمليّة الاصلاح؟!.

   وقانون [مِن أَينَ لك هذا؟] الذي تدعو الوثيقة لتفعيلهِ! اوليس من المفروض ان يبدأ تطبيقهُ على الموقعين أولاً؟ ام ماذا؟!.

   ايّ ضحكٍ على ذقونكم هذا يا رُعاة الإصْلاحِ وحماته؟! ومن بينِكم من صدرت باسمهِ قرارات استدعاء من هيئة النّزاهة؟!.

   خامساً؛ انّ الوثيقة هي محاولة من قبل الموقّعين للالتفاف على الدّولة برمّتها، فانّ كلّ ما ورد فيها من مهام وواجبات هي امّا من واجبات الحكومة او مجلس النواب او القضاء!.

   انّها المسمار الأخير الذي يُريدونَ تثبيتهُ في نعش الدّولة العراقيّة.

   سادساً، كما انّ الوثيقة وجّهت رصاصة الرّحمة لهيئة النّزاهة عندما وقّع عليها واحِدٌ على الأقل ممّن وردت أسماؤهم في قرارات الهيئة التي تقدّمت بها الى القضاء كمتّهمين في سرقةِ المال العام.

   ثمّ يريدوننا ان نقتنعَ بأنّهم يرومونَ الاصلاح!.

   سابعاً؛ انّ الوثيقة شرعنت المحاصصة مرّة أُخرى في المادة (٦) وبرأيي فإنها مِربطُ الفرس بالنّسبة للموقّعين، فبينما يعرف القاصي والدّاني ان الشّارع الغاضب، وقبلهُ الخطاب المرجعي الحاسم، طالب ولا يزال بإلغاء المحاصصة، اذا بالوثيقة تثبّت المحاصصة بشكلٍ أقوى مما في السّابق ثم يقولون انّها، الوثيقة [صدى الشّارع]!.

   ثامناً؛ يقول الموقّعون انّها وثيقة (شرف) وهو الشّيء الذي يحيّرني كثيراً، فالسؤال البريء المطروح هنا؛

   نحن نعرف انّ لكلّ إنسانٍ على وجهِ هذه البسيطة شرفٌ واحِدٌ لا غير لا يتعدَّد ولا يقبل القسمة، هكذا علّمنا آباءنا وأجدادنا، يوقّع عليهِ المرءُ مرّةً واحدةً، فاذا خالفهُ او تغافلَ عنه سقط شرفهُ الى الأبد، فَيَصبحُ انسانٌ بلا شرفٍ او عديم الشَّرَف!.

   لذلك كان الأقدَمون يرفضونَ كسرِ (كلمةِ الشّرف) ولو على جثثِهم! او لا يعطونَها لاحدٍ بالمرّة!.

   انّ وثيقة الشّرف هذه تحمل الرّقم (١١٠) التي وقّع عليها السياسيّون خلال الـ (١٣) عاماً، فكيف يفسّر لنا الموقّعون هذا اللّغز؟!.

   أفيدونا يرحمُكم الله!.

   خُلاصة القول؛ انّ الوثيقة عبارة عن التفاف صارخ ووقِح على الخطاب المرجعي وغضب الشّارع، جوهرُها اعادة انتاج الكابينة الجديدة المرتقبة بمقاساتِهم الحزبيّة حصراً.

   أخيراً؛ أوجّهُ خطابي الى (الحناّنةِ) في النّجف الأشرف.

   بانتظار اليومِ المعلوم!.

------------------------------------------

   للتواصل مع الكاتب؛

 عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

Face Book: Nazar Haidar

WhatsApp & Viber& Telegram: + 1

(804) 837-3920

تسريب انتقائي لـ "اوراق بنما": اليد الخفية لأميركا

في خضم الأزمة السياسية الانتخابية، واستغراق العديد في اوهام وخطورة تصريحات المرشح دونالد ترمب، برزت مجموعة "الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين" في صدر العناوين والتغطية المصورة لكشفها ما يسمى "أوراق بنما،" تتضمن أسماء "لم يكشف عنها" لأثرياء نافذين وشخصيات سياسية عالمية وشركات لجأت للتعامل مع "شركة" في بنما بغية التهرب من دفع الضرائب.

مشاعر الريبة انتابت العديد من المعنيين والمراقبين، منذ البداية، لناحية التوقيت والأسباب والجهات السياسية التي تقف خلف تلك التسريبات لا سيما وأن مجموعة "الاتحاد الدولي" ذات هوية غامضة وتعرف عن نفسها بأنها "ذراع لمركز الشفافية العام،" مقره واشنطن. أما التمويل فيأتي من ممولين وأثرياء معروفين بتوجهاتهم الداعمة بشدة للمؤسسة الحاكمة الأميركية، منهم: "مؤسسة فورد الوقفية؛ صندوق الأخوة روكفلر؛ صندوق عائلة روكفلر؛ صندوق كارنيغي؛ صندوق الثري وورين بافيت؛ اتحاد الجالية اليهودية" وتبرعات فردية على رأسها "جورج سوروس؛ ستيفن ميردوخ؛ شارلز لويس (الذي سيأتي اسمه لاحقا)؛" وقائمة طويلة من أهم الشخصيات الاعلامية والسياسية والفكرية والمصرفية.

حملة الترويج للأوراق والوثائق بلغت أشدها بتحديد حجمها "11 مليون وثيقة ونيف .. كأكبر تسريب وثائقي في التاريخ،" قيل إنها ثمرة "قرصنة الكترونية" لسجلات وملفات مقر مكتب "موساك فونسيكا" للمحاماة في بنما، الناشط في تقديم خدمات مصرفية بمعزل عن المراقبة – اوف شور. أحد مؤسسي المكتب، رامون فونسيكا، أكد أن مقره "تعرض لقرصنة من قبل أجهزة تعمل من الخارج."

كان لافتا تمييز مجموعة "الاتحاد الدولي" لنفسها وطرائق عملها بأنها لن تنشر كامل الوثائق المسربة، بخلاف ويكيليس، وستقوم بالكشف عن محتوياتها لاحقا انتقائيا لما تراه مناسبا "في الأيام والأسابيع المقبلة." وصف مدير المجموعة، جيرارد رايل، أهمية المادة المقرصنة بأنها "تتضمن كل وثيقة أصدرها (مكتب المحاماة) لفترة تمتد على نحو 40 عاما."

وحصلت صحيفة ألمانية، سود دويتش زايتونغ، على الدفعة الأولى من الوثائق التي تقاسمتها مجموعة "الاتحاد الدولي .. مع أكثر من 100 صحيفة ووسيلة اعلامية، وجهود تحقيق استمرت عام كامل؛ شارك فيه ازيد من 400 صحفي سرا،" حسبما أفادت الجهات المسربة لها. طاقم كبير من موظفي مجموعة "الاتحاد الدولي" طارت من واشنطن لميونيخ، مقر الصحيفة الألمانية، لتنسيق جهود وزمان الاعلان. جدير بالذكر أن الصحيفة الألمانية عينها كانت تعاونت مع "ويكيليكس" في السابق في عدة ملفات منها تسريبات تخص وثائق لوزارة الخارجية السعودية.

السؤال الأبرز في محتويات الوثائق المسربة يتعلق ليس بالشخصيات والمؤسسات الضالعة في النشاط المنسوب لها فحسب، بل الأهم في التفاصيل التي حجبت في الإصدار رقم واحد. ما يعزز تلك الشكوك هو التلميح لتورط كل من الرئيس فلاديمير بوتين ورئيس وزراء ايسلندا والرئيس السوري عبر أشخاص مقربين لهم، وكذلك "مسؤول مالي يعتقد أنه من حزب الله وأشخاص يدعمون البرامج النووية الإيرانية والكورية الشمالية وشخصيْن يشتبه بأنهما يدعمان رئيس زيمبابوي روبرت موغابي."  ولم يشمل الإصدار أي شخصية أو مؤسسة ميركية.

وعليه لا يجوز استبعاد أهداف سياسية وراء الإصدار، حتى لو طالت بعض "وكلاء" أميركا كرئيس أوكرانيا بيترو بوروشينكو، الذي أضحى مادة مستهلكة بالنسبة لواشنطن، وعبئا على الدول الأوروبية.

الحكومة الصينية اصدرت ردا رسميا نشرته يومية غلوبال تايمز قالت فيه "إن الحكومة الأميركية تبقى المستفيد الأكبر من وراء النشر." موقع "ويكيليكس" اتهم الحكومة الأميركية مباشرة "بتمويل" مشروع الوثائق بالإضافة للمياردير جورج سورس، وأنه موجه ضد روسيا والرئيس بوتين تحديدا.

في ذات السياق، توقيت الاعلان يأتي في الذكرى الخامسة لوثائق ويكيليكس وما تبعها من نشر وثائق سرية تتعلق بالحكومة الأميركية، شيلسي مانينغ، ومن ثم ادوارد سنودن الذي أحدث هزات داخل المؤسسة الحاكمة لا تزال أصداءها فاعلة وقوية إلى يومنا هذا.

من تداعيات وثائق بنما، أميركيا، ما تعتبره الأوساط الليبرالية أنها تصب في خدمة جهود التشديدات الرقابية والأمنية التي تمارسها "وكالة الأمن القومي،" محليا وعالميا بحجة محاربة الارهاب والفساد.

بعض النخب الفكرية الأميركية اعتبرت التوقيت متزامنا مع جهود الرئيس أوباما الحديثة لتطبيق الاصحات الضريبية على الأفراد والشركات التي تنوي نقل أعمالها خارج الولايات المتحدة، للتهرب من الضرائب. واتهم أوباما في خطاب القاه الثلاثاء، 5 نيسان، القوانين "سيئة التصميم .. والتي اتاحت فرص الاتجار غير المشروع ونقل الأموال على الصعيد العالمي."

من المفارقة أن الولايات المتحدة عينها اضحت الملاذ المفضل للاستثمارات والأرصدة الأجنبية، منذ زمن بعيد، "وجنة ضرائبية" للمستثمرين عبر العالم، نظرا لقوانينها وشروطها الميسرة.

إلقاء نظرة عابرة على آليات عمل الشركات الأميركية، في الداخل الأميركي، يوضح حجم النفاق الرسمي والإدعاء بمحاربة الفساد. في خطاب الرئيس أوباما سالف الذكر، أوضح أن "التهرب الضريبي هو مشكلة عالمية كبرى."

تشير البيانات الرسمية إلى أن شركة آبل العملاقة للأكترونيات تحتفظ بنحو 187 مليار دولار نقدا "في حسابات مصرفية" خارجية (اوف شور)، مما أتاح لها التهرب من استحقاقات ضريبية بمليارات الدولارات، بممارسة علنية.

وكالة بلومبيرغ للأنباء المالية أشارت بوضوح إلى استخدام الأثرياء لولاية نيفادا كملاذ للتهرب من دفع الضرائب. وقالت مؤخرا "ترتبط بنما والولايات المتحدة بأمر مشترك: فكليهما رفض المصادقة على معايير دولية من شأنها تعقيد مهام المتهربين من الضرائب وتحويل الأموال للتغطية على أموالهم." يشار إلى أن نحو 100 دولة ومؤسسات عالمية أخرى وافقت مجتمعة، عام 2014، على فرض شروط مشددة على إفشاء معلومات بنكية بالمودعين، والوقفيات واستثمارات أخرى مختلفة، كانت من بنات أفكار مؤسسة اقتصادية أميركية تمولها الحكومة "منظمة التعاون الاقتصادي والتطوير."

يشار إلى أن أشهر الملاذات العالمية، سويسرا وبيرمودا، وافقتا على الكشف عن حسابات زبائنها مع السلطات الضريبية المختصة لدول متعددة، بيد أن أبرز الرافضي للتوقيع على الاتفاقية كانت الولايات المتحدة وبنما.

الإصدار الأول للوثائق "يؤكد على عمق السرية المتبعة في بنما،" كما توضح مدير "المكتب الأميركي لمكافحة الفساد" بالوكالة، ستيفاني اوستفيلد. وأضافت أن بلادها ما هي إلاّ "منطقة سرية شاسعة كما هو وضع عدد من دول بحر الكاريبي وبنما. لا ينبغي علينا أن نكون ملعبا لأموال العالم القذرة، وهو ما أصابنا راهنا." الحكومة الأميركية، ممثلة بوزارة المالية، تشدد من قيودها وإجراءات تعقبها للأموال بالعملة الأميركية في الخارج، بينما تتغاضى عن الاستثمارات الأجنبية لديها.

أميركا لا تخشى عاقبة من تجاهلها الصارخ للمعايير الدولية "ولا تطبق العديد منها، نظرا لنفوذها الطاغي، وهو العنصر الذي يوفر لها عدم التقيد،" كما أوضح أحد أخصائيي الضرائب الدولية في واشنطن، بروس زاغاريس. وأضاف أنها بلاده "عمليا هي الدولة الوحيدة التي تستمر في تجاهلها المتعمد. الآخرون مثل بنما حاولوا ذلك، لكن نفوذ بنما لا يبلغ مدى قريبا من السطوة الأميركية."

تجاهل أميركا للمعايير الدولية أدى بها إلى تسويق نفسها لدى المستثمرين العالميين لإيداع أموالهم في مصارفها وشروط السرية المطبقة داخليا، وللملاذات الضريبية في قوانين ولايتي نيفادا وساوث داكوتا، واتباع سياسة "عدم المساءلة" مما يحصنها من الكشف أمام مصادرها الأساسية.

للدلالة، أوضحت وكالة بلومبيرغ أن عائلة روثتشيلد العريقة في المجال المالي أسست "شركة وقفية" في مدينة رينو بنيفادا، يبعد مقرها بضعة أمتار عن شارع الملاهي الشهير. وعليه، تمضي "العائلة" بنقل ثروات زبائنها المودعة لديها من الأثرياء الأجانب من الملاذات المعتادة في بيرميودا إلى نيفادا، التي لا تطبق معايير الكشف عن الأصول المودعة. وكذلك الأمر في ولاية ساوث داكوتا الساعية لاستقطاب الثروات الأجنبية.

أوروبيا، تشتهر إمارة "اندورا،" الواقعة على الحدود الفرنسية الاسبانية بالتسهيلات المقدمة للأموال المودعة للتهرب من الضرائب. البعض أشار إلى انتشار اللغة الروسية في الإمارة بشكل واسع، إذ استقطبت العديد من الأثرياء الروس الجدد، وأضحت "تتكلم اللغة الروسية أكثر من الكتالونية الرسمية منذ سنوات."

في المحصلة، ترحب الولايات المتحدة رسميا بنقل الأموال إليها "دون أدنى مساءلة،" وتحميها بغلاف قوي لا يخترق من السرية الضرائبية، لا تتوفر في أي منطقة أخرى من العالم.

تجاهل أميركي محكم

عن البحث لتحديد المسؤولين عن ادارة الظهر للمعايير المصرفية الدولية تبرز للصدارة ادارة الرئيس أوباما وكذلك وزيرة الخارجية السابق، هيلاري كلينتون، لاستثناء الولايات المتحدة من عقوبات انتهاك النصوص. فالرئيس أوباما تبنى اتفاقية تجارية مع بنما سمحت بموجبها للتهرب الضرائبي. كما حث الرئيس أوباما أعضاء الكونغرس المصادقة على جملة من الاتفاقيات التجارية، إحداها أبرمت مع بنما، تتيح بموجبها للأثرياء والشركات الأميركية إيداع ثرواتهم فيها للتهرب من قوانين الضرائب الأميركية.

يشار إلى أن الاتفاقيات والمفاوضات الدولية بشأنها تشرف عليها وزارة الخارجية الأميركية، مما يعزز الاتهامات بتورط المرشحة هيلاري كلينتون، التي قالت عنها صحيفة انترناشيونال بيزنس ديلي، بأنها جهدت عام 2009 في تسويق اتفاقية التجارة الحرة مع بنما وكولومبيا وكوريا الجنوبية، المتعثرة انذاك، نظرا لقلق خصومها من عسر مهمة بنما تعديل قوانينها الضرائبية المخفضة على الاستثمارات الأجنبية، واختراق جدار السرية في قوانينها الناظمة للمعاملات البنكية، فضلا عن تاريخ بنما الطويل لعدم التعاون مع شركاء أجانب.

وعقب مصادقة الكونغرس على الاتفاقية المذكورة، زهت الوزيرة كلينتون بالإنجاز الذي قامت به "ادارة الرئيس أوباما والتي تعمل بكد مستمر لتعزيز انخراطنا الاقتصادي في عموم العالم، وما هذه الاتفاقيات إلاّ خير مثال على ذلك الالتزام."

 المرشح للرئاسة وخصم كلينتون، بيرني ساندرز، عارض اتفاقية التجارة الحرة محذرا، عام 2011، من عسر اقناع أحد بصحة الإدعاء حول توفير الاتفاقية فرص عمل إضافية للأميركيين، مشيرا إلى أن الدخل السنوي الوطني لبنما لا يتعدى واحد غلى عشرة من الناتج الأميركي. وأضاف "لماذا يتعين علينا النظر باتفاقية تجارة حرة قائمة بذاتها مع بنما، تلك الدولة الصغيرة .. التي أضحت رائدة عالميا فيما يتعلق بتسهيل تهرب الأثرياء الأميركيين والشركات الكبرى من قوانين الضرائب الأميركية."

وفق هذه الخلفية، أغفلت "وثائق بنما" تحديد هوية الشخصيات والشركات الأميركية، وأوردت الصحيفة الألمانية التي اطلعت عليها أن هناك نحو 200 صورة لجواز سفر أميركي ضمن الوثائق "بعضهم يظهر أنه من فصيلة المتقاعدين الأميركيين الساعين وراء شراء عقارات في كوستاريكا وبنما .. كما أن هناك نحو 3,500 من المستثمرين في شركات خارج الحدود .. ونحو 3,100 شركة مرتبطة بمهنيين في الاستثمار خارج الحدود مقراتها في ميامي ونيويورك ومناطق أميركية أخرى."

بعض كبار الشخصيات الأميركية النافذة تحتفظ بعلاقات وثيقة مع الزوجين كلينتون، وتدير استثمارات مالية لشركات أجنبية. إحداها "مجموعة بوديستا،" التي يديرها الزوجين بوديستا في مجال "البنوك والتجارة والعلاقات الخارجية. توني بوديستا كان أحد ممولي حملة كلينتون الانتخابية، وشقيقه جون ترأس الحملة الانتخابية.

تضمنت قائمة الأسماء، وفق بيانات مجموعة "الاتحاد الدولي" بعض الشخصيات الأميركية، ومنها من له علاقة بعالم الجريمة والاحتيالات المالية. أحدهم، بنجامين واي، رئيس شركة ضخمة في نيويورك إدين العام الماضي بالاحتيال مع شريكه رئيس البنك السويسري، سيريف دوغان اربك. استطاع واين النفاذ من عقوبة أشد بدفع غرامة مالية كبيرة.

ارتضت السلطات القضائية الأميركية بتغريم عدد من كبار المتهمين بمبالغ رمزية مقارنة بما تسببوه من ضرر للآخرين والثراء الذاتي الفاحش. ليس هناك من إجراء أو عقوبة  تحفز السلطات القضائية على انزال عقوبات سجن طويلة، مما يعزز المعتقد الشعبي بأن ذلك العدد الكبير من الأثرياء لديه نفوذ سياسي واسع داخل المؤسسة الحاكمة الأمر الذي يفسر حرص مجموعة "الاتحاد الدولي" على عدم تحديد أسمائهم أيضا.

--------------------------------------------------

*مدير مركز الدراسات العربية والأمريكية
www.thinktankmonitor.org

فلسطين ، 130 عاما من التصدي والمقاومة والحضور

في العام 1886 وقع الصدام الأول بين فلاحي الخضيرة ومستوطني " بتاح تكفاه " المستعمرة الناشئة بجوارهم على خلفية خسارتهم عملهم في الأرض التي بيعت للصهاينة. وفي العام 2016 رشح اودولفو بيريز اسكفيل ، الأرجنتيني الحائز على جائزة نوبل للسلام ، المناضل الأسير مروان البرغوثي لجائزة نوبل. وإن كان غير مرجح نجاح هذا الترشيح الكريم ، غير أنه لا يدل فقط على الدعم العالمي المطّرد اتساعا لتأييد المقاومة الفلسطينية ، وإنما أيضا على تراجع فعالية جماعات الضغط " اللوبيات " اليهودية في دولة كالأرجنتين تضم أكبر جالية يهودية فعالة في أمريكا اللاتينية ، نتيجة الممارسات العنصرية الإسرائيلية في الأرض العربية المحتلة.

وعلى مدى المائة والثلاثين عاما الماضية تواصل تصدي قوى الممانعة الفلسطينية للصهاينة ، كما تعددت جولات مقاومة التجمع الاستيطاني الصهيوني ، والمشاريع الأوروبية والأمريكية المستهدفة تمكينه من أداء وظيفته الاستعمارية في المشرق العربي. وبالممانعة والمقاومة فرض النضال الوطني الفلسطيني حضوره على الساحة الدولية كحركة تحرر وطني في مواجهة قوى الاستعمار والإمبريالية وأداتهما الصهيونية ، المستهدفة الوجود التاريخي للشعب العربي في فلسطين ، وإحلال التجمع الصهيوني الغريب محله ليشكل فاصلا بين جناحي الوطن العربي ، ما نعا لوحدته القومية وتقدمه على طريق مواكبة العصر.

 وحين تقرأ المسيرة الفلسطينية منذ صدام الخضيرة يتضح أن أخطر التحديات التي واجهت ، ولا تزال ، قوى الممانعة والمقاومة إنما هي تخلف وعي ومعرفة النخب متصدرة الصفوف ، وضعف ثقتها المريع بقدرات شعبها ، وقصر نفسها في التصدي ، وافتقادها استراتيجية إدارة الصراع مع الصهيونية ورعاتها على جانبي الأطلسي بل إنه خلال سنوات الانتداب ، وبرغم وضوح انحياز الانجليز للصهاينة منذ أيام الانتداب الأولى ، وحتى بعد تصريح بعضهم بأن عصبة الأمم عهدت للدولة المنتدبة على فلسطين وضع البلاد سياسيا واقتصاديا وإداريا بما يكفل إقامة " الوطن القومي اليهودي " ومصالح السكان اليهود. فضلا عن اتضاح عمل المندوب السامي وجهازه الدؤوب على إذكاء نزاعات أعيان المدن ووجهاء الريف العرب ، وبذر الشقاق بينهم. وبرغم ذلك كله دأبت الزعامات الوطنية المراهنة على بريطانيا صريحة العداء للحقوق الوطنية الفلسطينية المشروعة.

ومما يذكر أنه في أغسطس/ آب 1921توجه وفد برئاسة موسى كاظم الحسيني لمقابلة وزير المستعمرات ونستون تشرتشل ، فأحالهم إلى الزعيم الصهيوني حاييم وايزمان الذي أبلغهم أن الهدف الصهويني إنما هو إقامة دولة يهودية في فلسطين ، وبرغم ذلك لم تسقط الزعامات الوطنية الرهان على " عدل " بريطانيا في فلسطين. والذي يدعو للأسى إعادة إنتاج الخطأ التاريخي للزعامة التقليدية من قبل محتكري قرارات منظمة التحرير وحركة فتح بزعامة ياسر عرفات ، بإعلانهم سنة 1974 التزامهم حوار الصهاينة ومفاوضتهم خيارا استراتيجيا واعتمادهم مسلسل التنازلات عن الثوابت الوطنية سعيا لقبول الإدارة الأمريكية بهم ، ما انتهى  بهم لتوقيع اتفاق أوسلو ، ومسخ الميثاق الوطني ، والالتزام بالتنسيق الأمني مع سلطة الاحتلال.

لا أن القوى الملتزمة بالممانعة والمقاومة خيارا استراتيجيا وبرغم كل المعوقات الداخلية والخارجية ، تابعت مراكمة الإنجازات على درب صراع الوجود واللاوجود الممتد مع الحركة الصهيونية ورعاتها على جانبي الأطلسي. ما يستدعي التذكير ببعض أبرزها لعل ذلك يسهم باستعادة بعضهم الأمل بحاضر ومستقبل الشعب العربي في فلسطين.

ففي العام 1929 انتفض مواطنو القدس وعموم فلسطين في " هبة البراق " وأسقطوا سعي الصهاينة إحداث أمر واقع يعزز ادعاءهم في حائط " المبكى " ، ويومها تساقط الشهداء والجرحى برصاص الإنجليز والهاغانا ، وتسابق الأبطال محمود جمجوم ، وعطا الزير ، وفؤاد حجازي على حبل المشنقة ، في مشهد وطني تاريخي ، فيما أبدعت أمهاتهم عادة  استقبال جثامين الشهداء بالزغاريد ، ما صار تقليدا فلسطينيا يُحتذى به ، وخلده إبراهيم طوقان في رائعته " الثلاثاء الحمراء " مؤكدا التزام المثقفين بالنضال الوطني.

وفي العام 1935 أبدع الشيخ عز الدين القسام امثولته الاستشهادية مستنهضا إرادة الممانعة والمقاومة المتجذرة في الثقافة العربية الإسلامية ، وفي السنة التالية كان مريدوه أبرز قادة ثورة 1936 ، التي أوقفتها " اللجنة العربية العليا " استجابة لضغوط ملكي العراق والسعودية وإمام اليمن وأمير شرق الأردن ، المطالبين بفك الإضراب ووقف الثورة اعتمادا على وعود " صديقتهم بريطانيا العظمى " التي سارعت بطرح مشروع التقسيم الأول سنة 1937 فبادر الملتزمون بخيار الثورة إلى تجديدها ، وأسقطوا المشروع الاستعماري.

ولقد نجحت قوى الممانعة والمقاومة ، المدعومة من عمقها العربي ، في إفشال وعد بريطانيا لحاييم وايزمان بأن تكون فلسطين يهودية كما هي إنجلترا انجليزية. ودليلنا أنه عند نهاية الانتداب سنة 1947 ، وبرغم كل الضغوط البريطانية وجهود يهود أوروبا والولايات المتحدة ، ودعمهم الاستيطان الصهيوني ، كانت فلسطين عربية كما ذكر أشجع المؤرخين الإسرائيليين الجدد ايلان پاپه ، بأن الصهاينة لم يجاوزا ثلث السكان ، ولم يحوزوا سوى  5,7% من الأرض. ويقرر بأن الأمم المتحدة لو أنصفت لما أعطتهم 10% من أرض فلسطين.

 وبرغم النكبة وتداعياتها الخطرة على المجتمع العربي الفلسطيني أفشلت القوى الوطنية كل مشروعات التوطين الأوروبية والأمريكية ، والقبول الرسمي العربي بها. كما شارك شباب وصبايا فلسطين في التصدي العربي لحلف بغداد ، ففي مخيم عقبة جبر استشهدت رجاء أبو عماشة ربيع 1954.

وبمبادرة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ودعمه تشكلت منظمة التحرير الفلسطينية سنة 1964 ، الإنجاز الوطني الأبرز بعد النكبة ، وأصدر المجلس الوطني برئاسة الراحل أحمد الشقيري " الميثاق القومي " بالنص على رفض وعد بلفور ، وقرار التقسيم ، واعتماد كل وسائل المقاومة ، بما فيها الكفاح المسلح  ، سبيلا لتحرير الأرض المحتلة سنة 1948 وعودة اللاجئين واستردادهم أملاكهم والتعويض عليهم.

وتزامن ذلك مع توالي بروز فصائل المقاومة ، التي استقطبت مشاركة ودعم المناضلين من مشرق الوطن العربي ومغربه ، وأعادت بعطائها من دم الشهداء والجرحى ، الاعتبار للكفاح الوطني الفلسطيني.

وبعد 23 سنة من فضيحة إقرار اتفاق أوسلو ، ومسخ  " الميثاق الوطني " دخلت انتفاضة فتيان وفتيات فلسطين ، الذين ولد غالبيتهم بعد الاتفاق كارثي النتائج ، شهرها السادس ، مؤكدة أن تصدّى قوى الممانعة والمقاومة الفلسطينية للكيان الدخيل في تجدد دائم ، وتطور نوعي ، فارضة على التجمع الاستيطاني الصهيوني وصناع قراره قلقا متزايدا ، وحضورا مؤثرا في أرض عصِّية إرادة شعبها على الاستسلام.

 --------------------------------------------------------

*كاتب وباحث فلسطيني

هل يستفيد العرب من تجارب الشعوب الأخرى؟!

خطورة ما في الواقع العربيّ الراهن أنّه يضع الإنسان العربي الآن بين خيارين: خيار اليأس والإحباط وفقدان الثقة بنتيجة أيّ فكر أو أيّ عمل، وآخر يعمل ويحاول التغيير، لكنّه فاقدٌ للأسلوب السليم وللبوصلة الفكرية أو المرجعية الصحيحة التي تُرشده  لبناء حياة أفضل!

وهناك من يعتقد أنّ العرب لم يصلوا بعد إلى قاع المنحدر، وبأنّه ما زال أمامهم مخاطر كثيرة قبل أن تتّضح صورة مستقبلهم، لكن رغم وجود هذه المخاطر فعلاً، فإنّ ما تشهده الآن بلاد العرب من أفكار وممارسات سياسية خاطئة باسم الدين والطائفة أو "الهُويّات الإثنية" ربما سيكون هو ذاته، خلال الفترة القادمة، الدافع لتحقيق الإصلاح الجذري المطلوب في الفكر والممارسة، في الحكم وفي المعارضة. فقيمة الشئ لا تتأتّى إلاّ بعد فقدانه.

هذه ليست مجرّد توقّعات مثالية أو أحلاماً، بل هي محصّلة تجارب شعوب أخرى، كالأوروبيين الذين خاضوا في النصف الأول من القرن الماضي حربين عالمتين دمّرتا أوروبا وسقط نتيجتهما ضحايا بالملايين، وكانت بين شعوب الدول الأوروبية صراعاتٌ قومية وإثنية وطائفية أكثر بكثير ممّا تشهده الآن المجتمعات العربية. رغم ذلك، وحينما توفّرت الظروف والقيادات والرؤى السليمة، طوت أوروبا صفحات الماضي المشين بينها واتّجهت نحو التوحّد والتكامل بين شعوبها، متجاوزةً ما بينها من خلافات في المصالح والسياسات، واختلافات في اللغات والثقافات والأعراق.

أوروبا شهدت أيضاً في النصف الأول من القرن الماضي تجارب فكرية وحزبية سيّئة، كالنازية في ألمانيا والفاشية في إيطاليا، كما هو حال الجماعات البارزة الآن على سطح الأحداث العربية، ودفعت القارّة الأوروبية كلّها ثمناً باهظاً لسياسات هذه التجارب السيئة. لكن هذا "النموذج الأوروبي" في التقاتل والتصارع أولاً، ثمّ في التكامل والتوحّد لاحقاً، احتاج طبعاً إلى مناخ سياسي ديمقراطي داخلي، على مستوى الحكم والمجتمع معاً، ممّا سمح بحدوث التحوّل الكبير. فالمسألة ليست فقط انتخابات وآليات للممارسة الديمقراطية الشكلية، لأنّها إذا لم تقترن بثقافة ديمقراطية سليمة داخل المجتمع نفسه، فقد تزيد الأمور تعقيداً، كما جرى في تجربتيْ ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية.

أيضاً، فإنّ مسألة الحرّيات في الولايات المتحدة لم تنتعش وتزدهر في العقد السادس من القرن الماضي إلّا بعد فترة "المكارثية" الظالمة في العقد الخامس منه. كذلك لم يصل "الأميركيون الأفارقة" إلى حقوقهم المدنية إلّا بعد عقودٍ طويلة من مواجهة الممارسات العنصرية، ومن إحداث تغيير في ثقافة المجتمع الأميركي نفسه. فالدستور الأميركي العظيم يساوي بين كل المواطنين، مهما كان لونهم أو عرقهم أو دينهم، بينما المجتمع الأميركي لم يكن ناضجاً لتقبّل فكرة المساواة بين الناس كما نصّ عليها الدستور والقوانين الأميركية. لكن هذا المجتمع الأميركي نفسه أوصل باراك حسين أوباما، الإفريقي الأصل، ليكون رئيساً في "البيت الأبيض" لفترتين متتالتين. وفي هذا "النموذج الأميركي" دلالة كبيرة على أهمّية وأولويّة إحداث التغيير في المجتمع أولاً، وفي المفاهيم والتقاليد الخاطئة عند عامّة الناس، وليس فقط بالحكومات وبالدساتير وبالنصوص القانونية.

ولعلّ أخطر التوصيفات للحروب والصراعات يحدث حينما يحصل استغلال أسماء دينية ومذهبية لوصف حروب ونزاعات هي بواقعها وأهدافها سياسيةٌ محض، وهذا ما يجري عادةً في الحروب الأهلية التي تُسخَّر فيها كل الأسلحة بما فيها سلاح الطائفية السياسية. ولنتخيّل لو جرى اعتبار الحروب التي حصلت بين الهند وباكستان أنّها بين المسلمين والهندوس تستوجب الصراعات بين الطرفين حيثما يتواجدان في العالم! أو لو تمّ توصيف الحرب بين الإنجليز والأيرلنديين الشماليين بأنّها حرب بين الكاثوليك والبروتستانت تفرض الصراع بين الطائفتين في كلّ أنحاء العالم المسيحي!!.  

طبعاً ما كان غائباً في هذه الصراعات المشار إليها هو وجود "الطرف الثالث"، الذي يكون له مصلحة كبيرة في تصعيد وتوسيع دائرة الصراعات وتأجيج المشاعر الانقسامية بشأنها، وهو الموجود للأسف حالياً في كلّ الصراعات الإقليمية والحروب المحلّية الجارية في المنطقة العربية. وهذا "الطرف الثالث" الحاضر في الأزمات العربية هو مجموعة من الجهات الإقليمية والدولية التي قد تتباين مصالحها، لكنّها تتّفق على هدف جعل الأزمات العربية تأخذ أبعاداً طائفية ومذهبية وإثنية.

فلماذا يحرص البعض على القول إنّ الصراع مع "إسرائيل" ليس بصراعٍ ديني بينما يتمّ استخدام التوصيفات الدينية والمذهبية في صراعاتٍ مع أطراف أخرى؟!.

طبعاً، فإنّ هذا النوع من الأحاديث الطائفية والمذهبية يزيد الآن الشروخ الدينية والوطنية، ولا يبني سدوداً منيعة أمام جماعات التطرّف، بل على العكس، يرفدها بمزيدٍ من المؤيّدين. فالمواجهة مع جماعات "التطرّف العنفي" تحتاج الآن إلى وقف كل الصراعات والخلافات داخل المجتمعات العربية والإسلامية، وإلى تحقيق أقصى درجات التوافق الوطني والديني حتّى يمكن محاصرة هذه الجماعات، وتجفيف كل منابع الدعم المادي والبشري لها.

وإذا لم يستطع العرب وقف خطايا حروبهم وصراعاتهم الداخلية، فليحسنوا على الأقل توصيف هذه الصراعات حتّى لا يخدموا عدوّهم الحقيقي (العدو الصهيوني) وأفرعته الدولية والمحلّية!.

فالحلّ الآن للأزمات العربية المتفجّرة ليس في مزيدٍ من التهوّر في السياسات والممارسات، ولا هو في إشعال الغرائز الطائفية والمذهبية والإثنية، ولا حتماً بالانقياد للعنف الداخلي المسلح الذي يُدمّر الأوطان ووحدة الشعوب ويخدم دعاة التقسيم والتدويل لأزمات المنطقة.

الحلّ أساسه وقف حال الانهيار الحاصل في وحدة المجتمعات وبناء البدائل الوطنية السليمة، على مستوى الحكومات والمعارضات معاً. فشعوبٌ كثيرة مرَّت في ظروفٍ مشابهة لكنّها رفضت "الموت السريري" البطيء، فنهضت من جديد وصحّحت أوضاعها وأرست دعائم مستقبل أجيالها.

لكن ما كان لتجارب شعوبٍ أخرى في آسيا وأوروبا (كنموذجي اليابان وإلمانيا بعد الحرب العالمية الثانية) أن تنجح لولا توفّر ثقافة عامّة شعبية ترفض الهزيمة والاستسلام ل"الأمر الواقع"، ولا تقبل بالمراهنة على "التغيير" من الخارج، ولا تعتمد سياسة "حسيبك للزمن". فهذه تجارب راهنت فقط على إرادة شعوبها وعلى قدراتها الذاتية في بناء مستقبل أفضل. ولعلّ في تجربةٍ إنسانية أخرى في إفريقيا أيضاً ما تحتاجه البلاد العربية من "نموذج" لإصلاح أوضاعها الراهنة. ففي تجربة تحرّر "جنوب إفريقيا" من النظام العنصري، والتي قادها نيلسون مانديللا، اتّضحت أهمّية القيادة السليمة، وضرورة وضوح الهدف المركزي والإخلاص له، والإصرار على تحقيق الهدف، وعلى الأسلوب السليم السلمي من أجل الوصول إليه.

ومن يرى في الأمَّة العربية الآن أمَّةً متخلّفة، فليقارنْ مع دولة جنوب إفريقيا التي كانت نسبة الأمّية فيها عند إسقاط النظام العنصري، تفوق الـ 70% من عدد السكان!. ومن يرى في اختلاف العرب "وحروبهم القبلية" مانعاً لوحدتهم المستقبلية أو لبناء مستقبل عربي أفضل، فليقارن أيضاً مع حال دولة جنوب إفريقيا التي لم تكن مجتمعاً منقسماً بين سودٍ وبيض فحسب، بل أيضاً بين قبائل سوداء متناحرة لعشرات السنين مع بعضها البعض.

ففي هذه النماذج المختلفة من تجارب العالم المعاصر، ما يعزّز الأمل بإمكان بناء أوطانٍ عربية موحّدة ومجتمعٍ عربيٍّ أفضل، شرط الجمع بين حصيلة دروس هذه النماذج، وشرط بناء مجتمعات مدنية لا تقبل باستغلال الأديان في العمل السياسي، إذ لا يمكن لأمّةٍ مشدودة فقط للماضي، ومنقسمة على نفسها، ولا تملك مشروعاً واحداً لنهضتها، أن تربح معارك قضاياها أو تحمل لشعوبها آمالاً بمستقبلٍ أفضل!.

الأمّة العربية وأوطانها عطشى الآن لمثل هذه الخلاصات من تجارب شعوب أخرى، ولاحداث التحوّلات الفكرية والثقافية في مجتمعاتها، وليس فقط القيام بتغييراتٍ سطحية في الحكومات والقوانين. وهناك في التراث الفكري العربي المعاصر ما فيه "خارطة طريق" من أجل الوصول إلى ينابيع الفكر السليم والقدوة الحسنة لبناء مجتمعات عربية صحّية، تستوعب اختلافاتها وتنوّعاتها وتقبل وجود "الآخر" وحقوقه ودوره المشارك كمواطن في وطنٍ يقوم على مفهوم "المواطنة"، لا على مفاهيم "الأكثرية والأقلية"، ولا طبعاً على نظام "الراعي والقطيع". 

--------------------------------------------------------------

*مدير "مركز الحوار" في واشنطن

  عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

وزير تكنوقراط.. لا يكفي!

طرح وليام هنري سميث مصطلح «التكنوقراطية» لأول مرة عام ١٩١٩، عندما طالب بـ»تولي الاختصاصيين العلميين مهام الحكم في المجتمع الفاضل». أي أنه اشترط وجود مجتمع «فاضل» لكي ينجح أهل العلم والاختصاص «التكنوقراط» في أداء مهامهم في بناء البلاد.

اليوم ترتفع الاصوات المطالبة بتشكيل «حكومة تكنوقراط» في العراق كسبيل لمعالجة التردي الحاصل في البلاد على شتى النواحي، الاقتصادية منها والسياسية والاجتماعية والخدمية. هو تكرار لعملية استنساخ وصفات جاهزة دون التدقيق في مدى توفر ظروف نجاحها. هنا نكون كمن يصف دواءً حساساً لمريض دون فحوصات أولية لوضعية جسمه والامراض الاخرى التي يعانيها والتي قد تجعل من الدواء الجديد عاملا جديدا لتهور صحة المريض.

الخطأ من الاساس كان في ٢٠٠٣، ويتحمل مسؤوليته الأمريكان الذين أطاحوا بالحكم السابق عندما استوردوا لنا «الديمقراطية» كوصفة جاهزة حاولوا تطبيقها دون معرفة امكانيات المجتمع ومستوى وعيه واستيعابه لهكذا صيغ لم تستقر في مجتمعات أخرى إلا بعد مئات السنين من المشاكل. العراق كان خارجا من دكتاتورية طويلة. أجيال ظهرت لا تعرف ما يجري في العالم، ولا تثق أن الرئيس يموت أو يطاح به يوما، وإن حدث فابنه أو حزبه باقٍ. أجيال تستغرب عندما تسمع أن الرئيس الفلاني أنهى مدة رئاسته وقام بتسليم مقاليد الرئاسة الى رئيس جديد منتخب في حفل بهيج. كان العراقيون مسجونين في نفق شديد الظلام فقام الأمريكان بإخراجهم فجأة الى نور الشمس الساطعة. هكذا تشوشت الرؤية لدى الناس الذين، بدأوا يسمعون لأول مرة بمصطلحات لها بريق جاذب لكنها تبحث عن مصاديق حقيقية.

المشكلة أن الوصفة الجاهزة التي أراد الأمريكان تطبيقها في غير محلها، جاءت هي الاخرى مشوهة. قالوا بـ»الديمقراطية التوافقية» فضربوا بذلك اساس الديمقراطية، والتي تقوم على حكم الاغلبية السياسية مع مراعاة حقوق الاقلية. استوردوا لنا تجربة تقوم على نظرية تراجع عنها صاحبها «آرنت ليبهارت» عندما لاحظ استحالة تطبيقها في مجتمعات متقدمة، فضلا عن مجتمعاتنا.

التكنوقراطية ، مثال آخر على محاولات استيراد النظريات والافكار ومحاولة تطبيقها في بيئة دون الاخذ بالاعتبار العوامل المسببة للتردي الحاصل. التكنوقراطية حسب ما وردت في «ويكيبيديا» تعني «حكومة التقنية ويقال حكومة الكفاءات وبناء على ذلك فإن الحكومة التكنوقراطية تتشكل من الطبقة العلمية الفنية المثقفة، وهي حكومة متخصصة في الاقتصاد والصناعة والتجارة، وغالبا تكون غير حزبية فهي لا تهتم كثيرا بالفكر الحزبي والحوار السياسي». واذا عدنا الى الشرط الذي وضعه وليام سميث

لتولي هؤلاء الحكم وهو أن يتم الامر في «مجتمع فاضل» لكي يكتب له النجاح، فلنا أن نتوقع مدى امكانية نجاح الامر في مجتمعنا.

خلال حكومات ما بعد ٢٠٠٣، كان لدينا العديد من الوزراء «التكنوقراط»، منهم مثلا وزير الكهرباء الاسبق كريم وحيد، فهل نجح هؤلاء في تقديم منجزٍ لافت؟.

وزراء تكنوقراط لن يستطيعوا تقديم شيء دون أن تتغيّر منظومة معايير تشكيل السلطة، والقوانين والتعليمات والمصالح.

صافرة الكراهية

لا أريد اليوم أن أبكي. بل أود التأمل في بعض المفاهيم التي أدت بنا للسجن المعتم. مفاهيم مثل الكراهية والقتال بالموت والعقائدية والتطرف وفكرة الجماعة الناجية وغير ذلك. أما المعني فهو تفجير بابل حين تقدم كائن مجبول من الكراهية إلى عشرات الشبان وهم يلعبون كرة القدم، ثم فجر نفسه بينهم.

نعم، في المعطيات الخبرية الباردة قيل أن الصبي الانتحاري عراقي، وكان في عمر ضحاياه. لكن فرقه عنهم أنه يقاتل بموته بينما هم يقتلون بسبب حبهم للحياة. كان الإرهابي أسمر لا يختلف عن أي ولد نراه في بلادنا. لا طمغة على جبينه تخبرنا بمنحدره، ولا أي علامة فارقة تنبئنا أنه ممن يقاتلون بموتهم. رأيت صورته، فعجبت لابتسامته المطمئنة أولا، ولأنني تذكرت ما قيل عن العقائديين في كتب المحللين النفسيين ثانيا. هم دائما هكذا، مطمئنون وكأنهم حسموا المعركة مع الشيطان وبدؤوا معركتهم معنا، العتمة عندهم تتحول إلى نور والنور إلى عتمة. يقاتلون بموتهم كما عبر جان بودريار، ينتحرون بنا لتصفية العالم من سواهم.

هذا هو اكتشاف الإرهابي الذي يضارع اكتشاف المسدس والدبابة والديناميت. جسده قنبلة وموته سلاح، كراهيته محبة ومحبته كراهية. ذات يوم سئل زعيم قاعدي عن مصير قتلى التفجيرات غير المقصودين مباشرة، فقال ـ إن كانوا من أهل النار استحقوا عقوبتنا، وإن كانوا من أهل الجنة عجلنا بهم لها. منطق مريع يخالف سنن الله، فمن أنت يا هذا حتى تعجل بضحيتك لجنتها أو جحيمها؟ من أعطاك هذه السلطة أيها الشيطان؟

لا علينا من هذا، ولنبق في المباراة التي أنهاها الإرهابي العراقي الصغير بصافرته الدامية. هنا، تغدو المعطيات تافهة أمام التفكر في السياق الشاذ المنتج لهذا الشكل من البشر. والمقصود بالسياق منظومة القيم والمفاهيم التي تشكل حاضنة لجسده وفكره. المنظومة القديمة لكن المتجددة والمنتعشة بقوة لا مثيل لها بعد عام 2003. منذ تلك السنة، عدنا لبربريتنا، فباتت كراهية الآخر هي النسق الأصلي، وتكفيره، بهذه الصيغة أو تلك، هي النسق الفرعي. والنتيجة أن أصبحت جماعة الإرهابي هي الطهر بينما صار الآخر نجاسة.

لا شك أبدا، إرهابي الإسكندرية يقاتلنا بموته، بكراهيته، بظلامه، بحورياته، بدماغه المغسول، وبابتسامة العقائدي المطمئن، المكفر للآخرين، يقاتلنا ليعجل بنا لمصيرنا حتى قبل أن ننهي لعبتنا الحاسمة.

كلا، الأمر يحتاج إلى بكاء، إلى «رأس من حديد .. وعيون مصيوغة جديد»، كما تقول الشاعرة. لكننا اليوم مصدومين لدرجة أننا «خلسنا»، ولم يكن أمامنا سوى التفكر بالمفاهيم، فتأمل سلمك الله.

نصف الحقيقة في مبدأ أوباما..

يمكن اختصار وصف "مبدأ أوباما"، الذي نشرته مجلة "أطلنتيك" الأميركية، بأنّه حديثٌ لتبرير الماضي ولتعزيز الحاضر وللتمهيد للمستقبل.  فقد كان واضحاً في المواقف التي نقلها الصحافي جيفري غولدبرج عن الرئيس الأميركي هذا المزيج من الدفاع عن سياسة سارت عليها إدارة أوباما في سنواتها السبع الماضية، مع السعي أيضاً لتوظيف هذه المواقف في التحرّك الأميركي الراهن لمعالجة أزماتٍ متفجّرة في "الشرق الأوسط"، إضافةً طبعاً إلى ما يطمح إليه أي رئيس أميركي يغادر "البيت الأبيض" من تكريم مستقبلي وتمجيد لدوره في قيادة القوّة الأعظم في العالم.

لكن المواقف المنقولة عن الرئيس أوباما ليست مجرّد تصريحات فقط، بل كان توقيتها مهمّاً لجهة تزامنها مع البدء في مفاوضات جنيف بشأن الأزمة السورية، والتي تُعوّل الإدارة الأميركية على نجاحها الكثير، باعتبار أنّ تسوية الأزمة الدموية السورية هي المدخل لإنهاء أزماتٍ أخرى في المنطقة. أيضاً، فإنّ التنسيق الأميركي-الروسي حول سوريا، ومستقبل العلاقة الأميركية مع إيران، سيكون المحكّ لهما هو مدى التقدّم الذي سيحصل في مؤتمر جنيف وما بعده.

إنّها أشهرٌ قليلة باقية من فترة حكم أوباما في "البيت الأبيض"، وهو لن يسمح بأن تكون أشهراً عقيمة أو مجرّد وقتٍ ضائع بانتظار انتخابات نوفمبر القادم. وفي تقديري أنّ هذه الأشهر ستكون هي الأهمّ في السياسة الخارجية لإدارة أوباما، من حيث مقدار الحصاد السياسي الأميركي من إنهاء الأزمات الدولية المتفجّرة، أو لناحية كيفية "توزيع الحصص" مع روسيا الاتحادية، أو لجهة ترسيخ أسس العلاقة المستقبلية مع إيران، بعد الاتفاق الدولي معها حول ملفّها النووي.

لذلك، فإنّ النجاح في المفاوضات السورية بجنيف سيعطي دفعاً كبيراً لمواجهة أشمل وأكبر، تريدها إدارة أوباما هذا العام، مع "داعش" في سوريا والعراق وليبيا، ومع "القاعدة" في اليمن وإفريقيا، وسيترتّب عليها (أي المواجهة)، وعلى البدء بتسوية الأزمة السورية، تسوياتٌ سياسية أيضاً لأوضاع العراق ولبنان واليمن وليبيا، وبشكلٍ متزامن مع تحرّك أميركي- فرنسي مشترك تدعمه موسكو، لإعادة الملف الفلسطيني إلى رعايةٍ دولية بعد احتكاره من قِبَل واشنطن لسنواتٍ طويلة.

لكن مشكلة إدارة أوباما، في أجندتها الدولية الآن، هي مع حلفاء لها أكثر ممّا هي مع خصومها التقليديين في موسكو وطهران، لذلك كانت انتقادات أوباما قاسية لهؤلاء الحلفاء في حديثه مع مجلة "أطلنتيك"، انتقادات ركّزت على السعودية وتركيا وبريطانيا وفرنسا وحكومة نتنياهو، وهي الدول المعنيّة أيضاً في الأزمات التي تتفاهم واشنطن مع موسكو بشأنها، لكنّها لا تجد لها تأييداً واضحاً من هؤلاء الحلفاء.

وما قاله أوباما عن هذه الدول الحليفة لواشنطن كان وصفاً لواقع لا يمكن نكرانه، لكن الحديث عن مسؤولية هذه الدول هو نصف الحقيقة. فما فعلته بريطانيا وفرنسا في ليبيا كان مدعوماً من الإدارة الأميركية، التي تدرك أجهزة مخابراتها أنّ عسكرة الحراك الشعبي، الذي حصل فيها ضدّ نظام القذافي، سيعني فتح أبواب جهنّم الميليشيات القبلية وجماعات التطرّف والإرهاب، لبلدٍ لم تكن فيه أيّة ممارسة صحّية للعمل الحزبي المعارض، ولا فاعلية فيه لمؤسسات الدولة أو المجتمع المدني، فكيف إذا أرفقت عسكرة الانتفاضة الشعبية الليبية بتدخّل عسكري سافر من "حلف الناتو"، الذي يوقظ في الذاكرة الليبية حقبة الإستعمار الإيطالي والكفاح الليبي الطويل ضدّه؟!.

ثمّ ما الذي فعلته واشنطن لضمان عدم انجرار ليبيا إلى حال الحرب الأهلية وتحوّلها إلى نقطة جذب لجماعات التطرّف، طالما أنّ الولايات المتحدة اعترضت على أي تدخّل عسكري إقليمي، خاصّةً من مصر، لوقف تداعيات الحرب الداخلية في ليبيا؟!.

أمّا بشأن تركيا فصحيحٌ كل ما قاله الرئيس أوباما عنها، وما وصف به رئيسها أردوغان، لكن ألم تكن واشنطن هي التي شجّعت تركيا على التدخّل الواسع في الأزمة السورية، وراهنت معها على تغيير النظام السوري في أشهر قليلة، وعلى تسهيل وصول حركة "الأخوان المسلمين" للحكم في عدّة دول عربية؟!. كذلك كان الموقف الأميركي مشجّعاً لتسليح جماعات المعارضة السورية عن طريق تركيا، والتي فتحت حدودها لكلّ الراغبين بالقتال في سوريا من مختلف جنسيات العالم!. أليست خطيئة عسكرة الحراك الشعبي المترافق مع التدخل الأجنبي هي التي ميّزت ما حدث ويحدث في ليبيا وسوريا من فشل للإنتفاضات الشعبية بالمقارنة مع نجاح التجربتين السلميتين التونسية والمصرية؟!.

ثمّ صحيحٌ أيضاً ما جرى نقله عن الرئيس أوباما حول مخاطر دعم المملكة العربية السعودية لنشر الفكر الوهابي في دول العالم الإسلامي، وسلبيات صراعاتها مع إيران، لكن ألم تكن تلك الصراعات موضع ترحيب من واشنطن قبل الاتفاق الدولي مع طهران؟!. أليست واشنطن مسؤولةً عن وجود ظاهرة "المجاهدين الأفغان" بدعم سعودي وهابي، والتي منها خرج "تنظيم القاعدة"، ثمّ من "القاعدة" ولدت "داعش"؟!. أليست واشنطن هي التي هندست الحرب العراقية – الإيرانية، وضغطت على السعودية ودول الخليج العربي من أجل دعم صدام حسين في حربه ضدّ إيران، هذه الحرب التي أضعفت البلدين وأشعلت شرارات الانقسامات المذهبية والقومية، حيث استغلّت أطرافٌ عربية وإيرانية الحرب لتحريك الخصومات على أساس عربي/فارسي أو سنّي/شيعي؟!.

ثمّ أليست الولايات المتحدة هي التي احتلّت العراق ودمّرت مؤسساته الوطنية، بحيث تحوّل الفراغ بعد ذلك إلى مجمعٍ لكلّ القوى التي أرادت مواجهة أميركا أو الاستفادة من وجودها العسكري هناك، فإذا بالعراق ساحة تنافس جديدة بين إيران وخصومها، في ظلّ انتشار ظاهرة الميليشيات على أساس مذهبي وإثني، وبدعم من الحاكم الأميركي للعراق آنذاك بول بريمر، وتكريس هذه السياسة بدستور ثبّت الواقع الإنقسامي!.

أيضاً، من الذي نصح القيادة السعودية منذ العام 2006، حينما اشتدّت عمليات "القاعدة" داخل المملكة، بتسعير الخلافات مع إيران وحلفائها بالمنطقة، من أجل تحصين الوضع الداخلي السعودي عبر طغيان الصراع المذهبي والقومي الذي يستقطب الناس خلف الحاكم، بدلاً من الصراع الداخلي السياسي والفقهي مع "القاعدة" ومؤيّديها؟!. ألم تستفد إيران أيضاً من التعامل معها وكأنّها مسؤولة عن كلّ المسلمين الشيعة بالعالم ممّا عزّز الخلافات بينها وبين عدّة دول عربية؟!.

أمّا عن حكومة نتياهو، فما الذي فعلته إدارة أوباما لفرض رؤيتها لحلّ الدولتين أو لوقف الإستيطان، ولماذا لم تستخدم الحدّ الأدنى من الضغط المالي على إسرائيل كما فعل جورج بوش الأب في مطلع التسعينات؟!. ولماذا استطاع أوباما أن يفرض الاتفاق مع إيران رغم اعتراضات نتنياهو ولم يفعل ذلك في الملف الفلسطيني؟!.

***

تساؤلات عديدة حول المواقف الأميركية التي أعلنها أوباما في حديثه، لكنّ المهمّ هو رؤية الحقيقة كاملة، فلا يكون الأمر مجرّد تأييد لما ورد في مجلة "أطلنتيك"، أو رفضه وإدانته فقط من موقع الدفاع عمّن انتقدهم الرئيس الأميركي.

"مبدأ أوباما" سيذكره التاريخ، كما ذكر في السابق "مبدأ أيزنهاور"، لكن المبادئ تحتاج إلى إستراتيجيات وتكتيكات ناجحة، ويبدو أن التاريخ سيقول أيضاً إنّه لولا "تكتيك بوتين" لما كانت هناك فاعلية ل"مبدأ أوباما".

------------------------------------------------------------------------- 

*مدير "مركز الحوار العربي" في واشنطن