الجمعة 20 تشرين1/أكتوير 2017
TEXT_SIZE

تسريب انتقائي لـ "اوراق بنما": اليد الخفية لأميركا

في خضم الأزمة السياسية الانتخابية، واستغراق العديد في اوهام وخطورة تصريحات المرشح دونالد ترمب، برزت مجموعة "الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين" في صدر العناوين والتغطية المصورة لكشفها ما يسمى "أوراق بنما،" تتضمن أسماء "لم يكشف عنها" لأثرياء نافذين وشخصيات سياسية عالمية وشركات لجأت للتعامل مع "شركة" في بنما بغية التهرب من دفع الضرائب.

مشاعر الريبة انتابت العديد من المعنيين والمراقبين، منذ البداية، لناحية التوقيت والأسباب والجهات السياسية التي تقف خلف تلك التسريبات لا سيما وأن مجموعة "الاتحاد الدولي" ذات هوية غامضة وتعرف عن نفسها بأنها "ذراع لمركز الشفافية العام،" مقره واشنطن. أما التمويل فيأتي من ممولين وأثرياء معروفين بتوجهاتهم الداعمة بشدة للمؤسسة الحاكمة الأميركية، منهم: "مؤسسة فورد الوقفية؛ صندوق الأخوة روكفلر؛ صندوق عائلة روكفلر؛ صندوق كارنيغي؛ صندوق الثري وورين بافيت؛ اتحاد الجالية اليهودية" وتبرعات فردية على رأسها "جورج سوروس؛ ستيفن ميردوخ؛ شارلز لويس (الذي سيأتي اسمه لاحقا)؛" وقائمة طويلة من أهم الشخصيات الاعلامية والسياسية والفكرية والمصرفية.

حملة الترويج للأوراق والوثائق بلغت أشدها بتحديد حجمها "11 مليون وثيقة ونيف .. كأكبر تسريب وثائقي في التاريخ،" قيل إنها ثمرة "قرصنة الكترونية" لسجلات وملفات مقر مكتب "موساك فونسيكا" للمحاماة في بنما، الناشط في تقديم خدمات مصرفية بمعزل عن المراقبة – اوف شور. أحد مؤسسي المكتب، رامون فونسيكا، أكد أن مقره "تعرض لقرصنة من قبل أجهزة تعمل من الخارج."

كان لافتا تمييز مجموعة "الاتحاد الدولي" لنفسها وطرائق عملها بأنها لن تنشر كامل الوثائق المسربة، بخلاف ويكيليس، وستقوم بالكشف عن محتوياتها لاحقا انتقائيا لما تراه مناسبا "في الأيام والأسابيع المقبلة." وصف مدير المجموعة، جيرارد رايل، أهمية المادة المقرصنة بأنها "تتضمن كل وثيقة أصدرها (مكتب المحاماة) لفترة تمتد على نحو 40 عاما."

وحصلت صحيفة ألمانية، سود دويتش زايتونغ، على الدفعة الأولى من الوثائق التي تقاسمتها مجموعة "الاتحاد الدولي .. مع أكثر من 100 صحيفة ووسيلة اعلامية، وجهود تحقيق استمرت عام كامل؛ شارك فيه ازيد من 400 صحفي سرا،" حسبما أفادت الجهات المسربة لها. طاقم كبير من موظفي مجموعة "الاتحاد الدولي" طارت من واشنطن لميونيخ، مقر الصحيفة الألمانية، لتنسيق جهود وزمان الاعلان. جدير بالذكر أن الصحيفة الألمانية عينها كانت تعاونت مع "ويكيليكس" في السابق في عدة ملفات منها تسريبات تخص وثائق لوزارة الخارجية السعودية.

السؤال الأبرز في محتويات الوثائق المسربة يتعلق ليس بالشخصيات والمؤسسات الضالعة في النشاط المنسوب لها فحسب، بل الأهم في التفاصيل التي حجبت في الإصدار رقم واحد. ما يعزز تلك الشكوك هو التلميح لتورط كل من الرئيس فلاديمير بوتين ورئيس وزراء ايسلندا والرئيس السوري عبر أشخاص مقربين لهم، وكذلك "مسؤول مالي يعتقد أنه من حزب الله وأشخاص يدعمون البرامج النووية الإيرانية والكورية الشمالية وشخصيْن يشتبه بأنهما يدعمان رئيس زيمبابوي روبرت موغابي."  ولم يشمل الإصدار أي شخصية أو مؤسسة ميركية.

وعليه لا يجوز استبعاد أهداف سياسية وراء الإصدار، حتى لو طالت بعض "وكلاء" أميركا كرئيس أوكرانيا بيترو بوروشينكو، الذي أضحى مادة مستهلكة بالنسبة لواشنطن، وعبئا على الدول الأوروبية.

الحكومة الصينية اصدرت ردا رسميا نشرته يومية غلوبال تايمز قالت فيه "إن الحكومة الأميركية تبقى المستفيد الأكبر من وراء النشر." موقع "ويكيليكس" اتهم الحكومة الأميركية مباشرة "بتمويل" مشروع الوثائق بالإضافة للمياردير جورج سورس، وأنه موجه ضد روسيا والرئيس بوتين تحديدا.

في ذات السياق، توقيت الاعلان يأتي في الذكرى الخامسة لوثائق ويكيليكس وما تبعها من نشر وثائق سرية تتعلق بالحكومة الأميركية، شيلسي مانينغ، ومن ثم ادوارد سنودن الذي أحدث هزات داخل المؤسسة الحاكمة لا تزال أصداءها فاعلة وقوية إلى يومنا هذا.

من تداعيات وثائق بنما، أميركيا، ما تعتبره الأوساط الليبرالية أنها تصب في خدمة جهود التشديدات الرقابية والأمنية التي تمارسها "وكالة الأمن القومي،" محليا وعالميا بحجة محاربة الارهاب والفساد.

بعض النخب الفكرية الأميركية اعتبرت التوقيت متزامنا مع جهود الرئيس أوباما الحديثة لتطبيق الاصحات الضريبية على الأفراد والشركات التي تنوي نقل أعمالها خارج الولايات المتحدة، للتهرب من الضرائب. واتهم أوباما في خطاب القاه الثلاثاء، 5 نيسان، القوانين "سيئة التصميم .. والتي اتاحت فرص الاتجار غير المشروع ونقل الأموال على الصعيد العالمي."

من المفارقة أن الولايات المتحدة عينها اضحت الملاذ المفضل للاستثمارات والأرصدة الأجنبية، منذ زمن بعيد، "وجنة ضرائبية" للمستثمرين عبر العالم، نظرا لقوانينها وشروطها الميسرة.

إلقاء نظرة عابرة على آليات عمل الشركات الأميركية، في الداخل الأميركي، يوضح حجم النفاق الرسمي والإدعاء بمحاربة الفساد. في خطاب الرئيس أوباما سالف الذكر، أوضح أن "التهرب الضريبي هو مشكلة عالمية كبرى."

تشير البيانات الرسمية إلى أن شركة آبل العملاقة للأكترونيات تحتفظ بنحو 187 مليار دولار نقدا "في حسابات مصرفية" خارجية (اوف شور)، مما أتاح لها التهرب من استحقاقات ضريبية بمليارات الدولارات، بممارسة علنية.

وكالة بلومبيرغ للأنباء المالية أشارت بوضوح إلى استخدام الأثرياء لولاية نيفادا كملاذ للتهرب من دفع الضرائب. وقالت مؤخرا "ترتبط بنما والولايات المتحدة بأمر مشترك: فكليهما رفض المصادقة على معايير دولية من شأنها تعقيد مهام المتهربين من الضرائب وتحويل الأموال للتغطية على أموالهم." يشار إلى أن نحو 100 دولة ومؤسسات عالمية أخرى وافقت مجتمعة، عام 2014، على فرض شروط مشددة على إفشاء معلومات بنكية بالمودعين، والوقفيات واستثمارات أخرى مختلفة، كانت من بنات أفكار مؤسسة اقتصادية أميركية تمولها الحكومة "منظمة التعاون الاقتصادي والتطوير."

يشار إلى أن أشهر الملاذات العالمية، سويسرا وبيرمودا، وافقتا على الكشف عن حسابات زبائنها مع السلطات الضريبية المختصة لدول متعددة، بيد أن أبرز الرافضي للتوقيع على الاتفاقية كانت الولايات المتحدة وبنما.

الإصدار الأول للوثائق "يؤكد على عمق السرية المتبعة في بنما،" كما توضح مدير "المكتب الأميركي لمكافحة الفساد" بالوكالة، ستيفاني اوستفيلد. وأضافت أن بلادها ما هي إلاّ "منطقة سرية شاسعة كما هو وضع عدد من دول بحر الكاريبي وبنما. لا ينبغي علينا أن نكون ملعبا لأموال العالم القذرة، وهو ما أصابنا راهنا." الحكومة الأميركية، ممثلة بوزارة المالية، تشدد من قيودها وإجراءات تعقبها للأموال بالعملة الأميركية في الخارج، بينما تتغاضى عن الاستثمارات الأجنبية لديها.

أميركا لا تخشى عاقبة من تجاهلها الصارخ للمعايير الدولية "ولا تطبق العديد منها، نظرا لنفوذها الطاغي، وهو العنصر الذي يوفر لها عدم التقيد،" كما أوضح أحد أخصائيي الضرائب الدولية في واشنطن، بروس زاغاريس. وأضاف أنها بلاده "عمليا هي الدولة الوحيدة التي تستمر في تجاهلها المتعمد. الآخرون مثل بنما حاولوا ذلك، لكن نفوذ بنما لا يبلغ مدى قريبا من السطوة الأميركية."

تجاهل أميركا للمعايير الدولية أدى بها إلى تسويق نفسها لدى المستثمرين العالميين لإيداع أموالهم في مصارفها وشروط السرية المطبقة داخليا، وللملاذات الضريبية في قوانين ولايتي نيفادا وساوث داكوتا، واتباع سياسة "عدم المساءلة" مما يحصنها من الكشف أمام مصادرها الأساسية.

للدلالة، أوضحت وكالة بلومبيرغ أن عائلة روثتشيلد العريقة في المجال المالي أسست "شركة وقفية" في مدينة رينو بنيفادا، يبعد مقرها بضعة أمتار عن شارع الملاهي الشهير. وعليه، تمضي "العائلة" بنقل ثروات زبائنها المودعة لديها من الأثرياء الأجانب من الملاذات المعتادة في بيرميودا إلى نيفادا، التي لا تطبق معايير الكشف عن الأصول المودعة. وكذلك الأمر في ولاية ساوث داكوتا الساعية لاستقطاب الثروات الأجنبية.

أوروبيا، تشتهر إمارة "اندورا،" الواقعة على الحدود الفرنسية الاسبانية بالتسهيلات المقدمة للأموال المودعة للتهرب من الضرائب. البعض أشار إلى انتشار اللغة الروسية في الإمارة بشكل واسع، إذ استقطبت العديد من الأثرياء الروس الجدد، وأضحت "تتكلم اللغة الروسية أكثر من الكتالونية الرسمية منذ سنوات."

في المحصلة، ترحب الولايات المتحدة رسميا بنقل الأموال إليها "دون أدنى مساءلة،" وتحميها بغلاف قوي لا يخترق من السرية الضرائبية، لا تتوفر في أي منطقة أخرى من العالم.

تجاهل أميركي محكم

عن البحث لتحديد المسؤولين عن ادارة الظهر للمعايير المصرفية الدولية تبرز للصدارة ادارة الرئيس أوباما وكذلك وزيرة الخارجية السابق، هيلاري كلينتون، لاستثناء الولايات المتحدة من عقوبات انتهاك النصوص. فالرئيس أوباما تبنى اتفاقية تجارية مع بنما سمحت بموجبها للتهرب الضرائبي. كما حث الرئيس أوباما أعضاء الكونغرس المصادقة على جملة من الاتفاقيات التجارية، إحداها أبرمت مع بنما، تتيح بموجبها للأثرياء والشركات الأميركية إيداع ثرواتهم فيها للتهرب من قوانين الضرائب الأميركية.

يشار إلى أن الاتفاقيات والمفاوضات الدولية بشأنها تشرف عليها وزارة الخارجية الأميركية، مما يعزز الاتهامات بتورط المرشحة هيلاري كلينتون، التي قالت عنها صحيفة انترناشيونال بيزنس ديلي، بأنها جهدت عام 2009 في تسويق اتفاقية التجارة الحرة مع بنما وكولومبيا وكوريا الجنوبية، المتعثرة انذاك، نظرا لقلق خصومها من عسر مهمة بنما تعديل قوانينها الضرائبية المخفضة على الاستثمارات الأجنبية، واختراق جدار السرية في قوانينها الناظمة للمعاملات البنكية، فضلا عن تاريخ بنما الطويل لعدم التعاون مع شركاء أجانب.

وعقب مصادقة الكونغرس على الاتفاقية المذكورة، زهت الوزيرة كلينتون بالإنجاز الذي قامت به "ادارة الرئيس أوباما والتي تعمل بكد مستمر لتعزيز انخراطنا الاقتصادي في عموم العالم، وما هذه الاتفاقيات إلاّ خير مثال على ذلك الالتزام."

 المرشح للرئاسة وخصم كلينتون، بيرني ساندرز، عارض اتفاقية التجارة الحرة محذرا، عام 2011، من عسر اقناع أحد بصحة الإدعاء حول توفير الاتفاقية فرص عمل إضافية للأميركيين، مشيرا إلى أن الدخل السنوي الوطني لبنما لا يتعدى واحد غلى عشرة من الناتج الأميركي. وأضاف "لماذا يتعين علينا النظر باتفاقية تجارة حرة قائمة بذاتها مع بنما، تلك الدولة الصغيرة .. التي أضحت رائدة عالميا فيما يتعلق بتسهيل تهرب الأثرياء الأميركيين والشركات الكبرى من قوانين الضرائب الأميركية."

وفق هذه الخلفية، أغفلت "وثائق بنما" تحديد هوية الشخصيات والشركات الأميركية، وأوردت الصحيفة الألمانية التي اطلعت عليها أن هناك نحو 200 صورة لجواز سفر أميركي ضمن الوثائق "بعضهم يظهر أنه من فصيلة المتقاعدين الأميركيين الساعين وراء شراء عقارات في كوستاريكا وبنما .. كما أن هناك نحو 3,500 من المستثمرين في شركات خارج الحدود .. ونحو 3,100 شركة مرتبطة بمهنيين في الاستثمار خارج الحدود مقراتها في ميامي ونيويورك ومناطق أميركية أخرى."

بعض كبار الشخصيات الأميركية النافذة تحتفظ بعلاقات وثيقة مع الزوجين كلينتون، وتدير استثمارات مالية لشركات أجنبية. إحداها "مجموعة بوديستا،" التي يديرها الزوجين بوديستا في مجال "البنوك والتجارة والعلاقات الخارجية. توني بوديستا كان أحد ممولي حملة كلينتون الانتخابية، وشقيقه جون ترأس الحملة الانتخابية.

تضمنت قائمة الأسماء، وفق بيانات مجموعة "الاتحاد الدولي" بعض الشخصيات الأميركية، ومنها من له علاقة بعالم الجريمة والاحتيالات المالية. أحدهم، بنجامين واي، رئيس شركة ضخمة في نيويورك إدين العام الماضي بالاحتيال مع شريكه رئيس البنك السويسري، سيريف دوغان اربك. استطاع واين النفاذ من عقوبة أشد بدفع غرامة مالية كبيرة.

ارتضت السلطات القضائية الأميركية بتغريم عدد من كبار المتهمين بمبالغ رمزية مقارنة بما تسببوه من ضرر للآخرين والثراء الذاتي الفاحش. ليس هناك من إجراء أو عقوبة  تحفز السلطات القضائية على انزال عقوبات سجن طويلة، مما يعزز المعتقد الشعبي بأن ذلك العدد الكبير من الأثرياء لديه نفوذ سياسي واسع داخل المؤسسة الحاكمة الأمر الذي يفسر حرص مجموعة "الاتحاد الدولي" على عدم تحديد أسمائهم أيضا.

--------------------------------------------------

*مدير مركز الدراسات العربية والأمريكية
www.thinktankmonitor.org

فلسطين ، 130 عاما من التصدي والمقاومة والحضور

في العام 1886 وقع الصدام الأول بين فلاحي الخضيرة ومستوطني " بتاح تكفاه " المستعمرة الناشئة بجوارهم على خلفية خسارتهم عملهم في الأرض التي بيعت للصهاينة. وفي العام 2016 رشح اودولفو بيريز اسكفيل ، الأرجنتيني الحائز على جائزة نوبل للسلام ، المناضل الأسير مروان البرغوثي لجائزة نوبل. وإن كان غير مرجح نجاح هذا الترشيح الكريم ، غير أنه لا يدل فقط على الدعم العالمي المطّرد اتساعا لتأييد المقاومة الفلسطينية ، وإنما أيضا على تراجع فعالية جماعات الضغط " اللوبيات " اليهودية في دولة كالأرجنتين تضم أكبر جالية يهودية فعالة في أمريكا اللاتينية ، نتيجة الممارسات العنصرية الإسرائيلية في الأرض العربية المحتلة.

وعلى مدى المائة والثلاثين عاما الماضية تواصل تصدي قوى الممانعة الفلسطينية للصهاينة ، كما تعددت جولات مقاومة التجمع الاستيطاني الصهيوني ، والمشاريع الأوروبية والأمريكية المستهدفة تمكينه من أداء وظيفته الاستعمارية في المشرق العربي. وبالممانعة والمقاومة فرض النضال الوطني الفلسطيني حضوره على الساحة الدولية كحركة تحرر وطني في مواجهة قوى الاستعمار والإمبريالية وأداتهما الصهيونية ، المستهدفة الوجود التاريخي للشعب العربي في فلسطين ، وإحلال التجمع الصهيوني الغريب محله ليشكل فاصلا بين جناحي الوطن العربي ، ما نعا لوحدته القومية وتقدمه على طريق مواكبة العصر.

 وحين تقرأ المسيرة الفلسطينية منذ صدام الخضيرة يتضح أن أخطر التحديات التي واجهت ، ولا تزال ، قوى الممانعة والمقاومة إنما هي تخلف وعي ومعرفة النخب متصدرة الصفوف ، وضعف ثقتها المريع بقدرات شعبها ، وقصر نفسها في التصدي ، وافتقادها استراتيجية إدارة الصراع مع الصهيونية ورعاتها على جانبي الأطلسي بل إنه خلال سنوات الانتداب ، وبرغم وضوح انحياز الانجليز للصهاينة منذ أيام الانتداب الأولى ، وحتى بعد تصريح بعضهم بأن عصبة الأمم عهدت للدولة المنتدبة على فلسطين وضع البلاد سياسيا واقتصاديا وإداريا بما يكفل إقامة " الوطن القومي اليهودي " ومصالح السكان اليهود. فضلا عن اتضاح عمل المندوب السامي وجهازه الدؤوب على إذكاء نزاعات أعيان المدن ووجهاء الريف العرب ، وبذر الشقاق بينهم. وبرغم ذلك كله دأبت الزعامات الوطنية المراهنة على بريطانيا صريحة العداء للحقوق الوطنية الفلسطينية المشروعة.

ومما يذكر أنه في أغسطس/ آب 1921توجه وفد برئاسة موسى كاظم الحسيني لمقابلة وزير المستعمرات ونستون تشرتشل ، فأحالهم إلى الزعيم الصهيوني حاييم وايزمان الذي أبلغهم أن الهدف الصهويني إنما هو إقامة دولة يهودية في فلسطين ، وبرغم ذلك لم تسقط الزعامات الوطنية الرهان على " عدل " بريطانيا في فلسطين. والذي يدعو للأسى إعادة إنتاج الخطأ التاريخي للزعامة التقليدية من قبل محتكري قرارات منظمة التحرير وحركة فتح بزعامة ياسر عرفات ، بإعلانهم سنة 1974 التزامهم حوار الصهاينة ومفاوضتهم خيارا استراتيجيا واعتمادهم مسلسل التنازلات عن الثوابت الوطنية سعيا لقبول الإدارة الأمريكية بهم ، ما انتهى  بهم لتوقيع اتفاق أوسلو ، ومسخ الميثاق الوطني ، والالتزام بالتنسيق الأمني مع سلطة الاحتلال.

لا أن القوى الملتزمة بالممانعة والمقاومة خيارا استراتيجيا وبرغم كل المعوقات الداخلية والخارجية ، تابعت مراكمة الإنجازات على درب صراع الوجود واللاوجود الممتد مع الحركة الصهيونية ورعاتها على جانبي الأطلسي. ما يستدعي التذكير ببعض أبرزها لعل ذلك يسهم باستعادة بعضهم الأمل بحاضر ومستقبل الشعب العربي في فلسطين.

ففي العام 1929 انتفض مواطنو القدس وعموم فلسطين في " هبة البراق " وأسقطوا سعي الصهاينة إحداث أمر واقع يعزز ادعاءهم في حائط " المبكى " ، ويومها تساقط الشهداء والجرحى برصاص الإنجليز والهاغانا ، وتسابق الأبطال محمود جمجوم ، وعطا الزير ، وفؤاد حجازي على حبل المشنقة ، في مشهد وطني تاريخي ، فيما أبدعت أمهاتهم عادة  استقبال جثامين الشهداء بالزغاريد ، ما صار تقليدا فلسطينيا يُحتذى به ، وخلده إبراهيم طوقان في رائعته " الثلاثاء الحمراء " مؤكدا التزام المثقفين بالنضال الوطني.

وفي العام 1935 أبدع الشيخ عز الدين القسام امثولته الاستشهادية مستنهضا إرادة الممانعة والمقاومة المتجذرة في الثقافة العربية الإسلامية ، وفي السنة التالية كان مريدوه أبرز قادة ثورة 1936 ، التي أوقفتها " اللجنة العربية العليا " استجابة لضغوط ملكي العراق والسعودية وإمام اليمن وأمير شرق الأردن ، المطالبين بفك الإضراب ووقف الثورة اعتمادا على وعود " صديقتهم بريطانيا العظمى " التي سارعت بطرح مشروع التقسيم الأول سنة 1937 فبادر الملتزمون بخيار الثورة إلى تجديدها ، وأسقطوا المشروع الاستعماري.

ولقد نجحت قوى الممانعة والمقاومة ، المدعومة من عمقها العربي ، في إفشال وعد بريطانيا لحاييم وايزمان بأن تكون فلسطين يهودية كما هي إنجلترا انجليزية. ودليلنا أنه عند نهاية الانتداب سنة 1947 ، وبرغم كل الضغوط البريطانية وجهود يهود أوروبا والولايات المتحدة ، ودعمهم الاستيطان الصهيوني ، كانت فلسطين عربية كما ذكر أشجع المؤرخين الإسرائيليين الجدد ايلان پاپه ، بأن الصهاينة لم يجاوزا ثلث السكان ، ولم يحوزوا سوى  5,7% من الأرض. ويقرر بأن الأمم المتحدة لو أنصفت لما أعطتهم 10% من أرض فلسطين.

 وبرغم النكبة وتداعياتها الخطرة على المجتمع العربي الفلسطيني أفشلت القوى الوطنية كل مشروعات التوطين الأوروبية والأمريكية ، والقبول الرسمي العربي بها. كما شارك شباب وصبايا فلسطين في التصدي العربي لحلف بغداد ، ففي مخيم عقبة جبر استشهدت رجاء أبو عماشة ربيع 1954.

وبمبادرة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ودعمه تشكلت منظمة التحرير الفلسطينية سنة 1964 ، الإنجاز الوطني الأبرز بعد النكبة ، وأصدر المجلس الوطني برئاسة الراحل أحمد الشقيري " الميثاق القومي " بالنص على رفض وعد بلفور ، وقرار التقسيم ، واعتماد كل وسائل المقاومة ، بما فيها الكفاح المسلح  ، سبيلا لتحرير الأرض المحتلة سنة 1948 وعودة اللاجئين واستردادهم أملاكهم والتعويض عليهم.

وتزامن ذلك مع توالي بروز فصائل المقاومة ، التي استقطبت مشاركة ودعم المناضلين من مشرق الوطن العربي ومغربه ، وأعادت بعطائها من دم الشهداء والجرحى ، الاعتبار للكفاح الوطني الفلسطيني.

وبعد 23 سنة من فضيحة إقرار اتفاق أوسلو ، ومسخ  " الميثاق الوطني " دخلت انتفاضة فتيان وفتيات فلسطين ، الذين ولد غالبيتهم بعد الاتفاق كارثي النتائج ، شهرها السادس ، مؤكدة أن تصدّى قوى الممانعة والمقاومة الفلسطينية للكيان الدخيل في تجدد دائم ، وتطور نوعي ، فارضة على التجمع الاستيطاني الصهيوني وصناع قراره قلقا متزايدا ، وحضورا مؤثرا في أرض عصِّية إرادة شعبها على الاستسلام.

 --------------------------------------------------------

*كاتب وباحث فلسطيني

هل يستفيد العرب من تجارب الشعوب الأخرى؟!

خطورة ما في الواقع العربيّ الراهن أنّه يضع الإنسان العربي الآن بين خيارين: خيار اليأس والإحباط وفقدان الثقة بنتيجة أيّ فكر أو أيّ عمل، وآخر يعمل ويحاول التغيير، لكنّه فاقدٌ للأسلوب السليم وللبوصلة الفكرية أو المرجعية الصحيحة التي تُرشده  لبناء حياة أفضل!

وهناك من يعتقد أنّ العرب لم يصلوا بعد إلى قاع المنحدر، وبأنّه ما زال أمامهم مخاطر كثيرة قبل أن تتّضح صورة مستقبلهم، لكن رغم وجود هذه المخاطر فعلاً، فإنّ ما تشهده الآن بلاد العرب من أفكار وممارسات سياسية خاطئة باسم الدين والطائفة أو "الهُويّات الإثنية" ربما سيكون هو ذاته، خلال الفترة القادمة، الدافع لتحقيق الإصلاح الجذري المطلوب في الفكر والممارسة، في الحكم وفي المعارضة. فقيمة الشئ لا تتأتّى إلاّ بعد فقدانه.

هذه ليست مجرّد توقّعات مثالية أو أحلاماً، بل هي محصّلة تجارب شعوب أخرى، كالأوروبيين الذين خاضوا في النصف الأول من القرن الماضي حربين عالمتين دمّرتا أوروبا وسقط نتيجتهما ضحايا بالملايين، وكانت بين شعوب الدول الأوروبية صراعاتٌ قومية وإثنية وطائفية أكثر بكثير ممّا تشهده الآن المجتمعات العربية. رغم ذلك، وحينما توفّرت الظروف والقيادات والرؤى السليمة، طوت أوروبا صفحات الماضي المشين بينها واتّجهت نحو التوحّد والتكامل بين شعوبها، متجاوزةً ما بينها من خلافات في المصالح والسياسات، واختلافات في اللغات والثقافات والأعراق.

أوروبا شهدت أيضاً في النصف الأول من القرن الماضي تجارب فكرية وحزبية سيّئة، كالنازية في ألمانيا والفاشية في إيطاليا، كما هو حال الجماعات البارزة الآن على سطح الأحداث العربية، ودفعت القارّة الأوروبية كلّها ثمناً باهظاً لسياسات هذه التجارب السيئة. لكن هذا "النموذج الأوروبي" في التقاتل والتصارع أولاً، ثمّ في التكامل والتوحّد لاحقاً، احتاج طبعاً إلى مناخ سياسي ديمقراطي داخلي، على مستوى الحكم والمجتمع معاً، ممّا سمح بحدوث التحوّل الكبير. فالمسألة ليست فقط انتخابات وآليات للممارسة الديمقراطية الشكلية، لأنّها إذا لم تقترن بثقافة ديمقراطية سليمة داخل المجتمع نفسه، فقد تزيد الأمور تعقيداً، كما جرى في تجربتيْ ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية.

أيضاً، فإنّ مسألة الحرّيات في الولايات المتحدة لم تنتعش وتزدهر في العقد السادس من القرن الماضي إلّا بعد فترة "المكارثية" الظالمة في العقد الخامس منه. كذلك لم يصل "الأميركيون الأفارقة" إلى حقوقهم المدنية إلّا بعد عقودٍ طويلة من مواجهة الممارسات العنصرية، ومن إحداث تغيير في ثقافة المجتمع الأميركي نفسه. فالدستور الأميركي العظيم يساوي بين كل المواطنين، مهما كان لونهم أو عرقهم أو دينهم، بينما المجتمع الأميركي لم يكن ناضجاً لتقبّل فكرة المساواة بين الناس كما نصّ عليها الدستور والقوانين الأميركية. لكن هذا المجتمع الأميركي نفسه أوصل باراك حسين أوباما، الإفريقي الأصل، ليكون رئيساً في "البيت الأبيض" لفترتين متتالتين. وفي هذا "النموذج الأميركي" دلالة كبيرة على أهمّية وأولويّة إحداث التغيير في المجتمع أولاً، وفي المفاهيم والتقاليد الخاطئة عند عامّة الناس، وليس فقط بالحكومات وبالدساتير وبالنصوص القانونية.

ولعلّ أخطر التوصيفات للحروب والصراعات يحدث حينما يحصل استغلال أسماء دينية ومذهبية لوصف حروب ونزاعات هي بواقعها وأهدافها سياسيةٌ محض، وهذا ما يجري عادةً في الحروب الأهلية التي تُسخَّر فيها كل الأسلحة بما فيها سلاح الطائفية السياسية. ولنتخيّل لو جرى اعتبار الحروب التي حصلت بين الهند وباكستان أنّها بين المسلمين والهندوس تستوجب الصراعات بين الطرفين حيثما يتواجدان في العالم! أو لو تمّ توصيف الحرب بين الإنجليز والأيرلنديين الشماليين بأنّها حرب بين الكاثوليك والبروتستانت تفرض الصراع بين الطائفتين في كلّ أنحاء العالم المسيحي!!.  

طبعاً ما كان غائباً في هذه الصراعات المشار إليها هو وجود "الطرف الثالث"، الذي يكون له مصلحة كبيرة في تصعيد وتوسيع دائرة الصراعات وتأجيج المشاعر الانقسامية بشأنها، وهو الموجود للأسف حالياً في كلّ الصراعات الإقليمية والحروب المحلّية الجارية في المنطقة العربية. وهذا "الطرف الثالث" الحاضر في الأزمات العربية هو مجموعة من الجهات الإقليمية والدولية التي قد تتباين مصالحها، لكنّها تتّفق على هدف جعل الأزمات العربية تأخذ أبعاداً طائفية ومذهبية وإثنية.

فلماذا يحرص البعض على القول إنّ الصراع مع "إسرائيل" ليس بصراعٍ ديني بينما يتمّ استخدام التوصيفات الدينية والمذهبية في صراعاتٍ مع أطراف أخرى؟!.

طبعاً، فإنّ هذا النوع من الأحاديث الطائفية والمذهبية يزيد الآن الشروخ الدينية والوطنية، ولا يبني سدوداً منيعة أمام جماعات التطرّف، بل على العكس، يرفدها بمزيدٍ من المؤيّدين. فالمواجهة مع جماعات "التطرّف العنفي" تحتاج الآن إلى وقف كل الصراعات والخلافات داخل المجتمعات العربية والإسلامية، وإلى تحقيق أقصى درجات التوافق الوطني والديني حتّى يمكن محاصرة هذه الجماعات، وتجفيف كل منابع الدعم المادي والبشري لها.

وإذا لم يستطع العرب وقف خطايا حروبهم وصراعاتهم الداخلية، فليحسنوا على الأقل توصيف هذه الصراعات حتّى لا يخدموا عدوّهم الحقيقي (العدو الصهيوني) وأفرعته الدولية والمحلّية!.

فالحلّ الآن للأزمات العربية المتفجّرة ليس في مزيدٍ من التهوّر في السياسات والممارسات، ولا هو في إشعال الغرائز الطائفية والمذهبية والإثنية، ولا حتماً بالانقياد للعنف الداخلي المسلح الذي يُدمّر الأوطان ووحدة الشعوب ويخدم دعاة التقسيم والتدويل لأزمات المنطقة.

الحلّ أساسه وقف حال الانهيار الحاصل في وحدة المجتمعات وبناء البدائل الوطنية السليمة، على مستوى الحكومات والمعارضات معاً. فشعوبٌ كثيرة مرَّت في ظروفٍ مشابهة لكنّها رفضت "الموت السريري" البطيء، فنهضت من جديد وصحّحت أوضاعها وأرست دعائم مستقبل أجيالها.

لكن ما كان لتجارب شعوبٍ أخرى في آسيا وأوروبا (كنموذجي اليابان وإلمانيا بعد الحرب العالمية الثانية) أن تنجح لولا توفّر ثقافة عامّة شعبية ترفض الهزيمة والاستسلام ل"الأمر الواقع"، ولا تقبل بالمراهنة على "التغيير" من الخارج، ولا تعتمد سياسة "حسيبك للزمن". فهذه تجارب راهنت فقط على إرادة شعوبها وعلى قدراتها الذاتية في بناء مستقبل أفضل. ولعلّ في تجربةٍ إنسانية أخرى في إفريقيا أيضاً ما تحتاجه البلاد العربية من "نموذج" لإصلاح أوضاعها الراهنة. ففي تجربة تحرّر "جنوب إفريقيا" من النظام العنصري، والتي قادها نيلسون مانديللا، اتّضحت أهمّية القيادة السليمة، وضرورة وضوح الهدف المركزي والإخلاص له، والإصرار على تحقيق الهدف، وعلى الأسلوب السليم السلمي من أجل الوصول إليه.

ومن يرى في الأمَّة العربية الآن أمَّةً متخلّفة، فليقارنْ مع دولة جنوب إفريقيا التي كانت نسبة الأمّية فيها عند إسقاط النظام العنصري، تفوق الـ 70% من عدد السكان!. ومن يرى في اختلاف العرب "وحروبهم القبلية" مانعاً لوحدتهم المستقبلية أو لبناء مستقبل عربي أفضل، فليقارن أيضاً مع حال دولة جنوب إفريقيا التي لم تكن مجتمعاً منقسماً بين سودٍ وبيض فحسب، بل أيضاً بين قبائل سوداء متناحرة لعشرات السنين مع بعضها البعض.

ففي هذه النماذج المختلفة من تجارب العالم المعاصر، ما يعزّز الأمل بإمكان بناء أوطانٍ عربية موحّدة ومجتمعٍ عربيٍّ أفضل، شرط الجمع بين حصيلة دروس هذه النماذج، وشرط بناء مجتمعات مدنية لا تقبل باستغلال الأديان في العمل السياسي، إذ لا يمكن لأمّةٍ مشدودة فقط للماضي، ومنقسمة على نفسها، ولا تملك مشروعاً واحداً لنهضتها، أن تربح معارك قضاياها أو تحمل لشعوبها آمالاً بمستقبلٍ أفضل!.

الأمّة العربية وأوطانها عطشى الآن لمثل هذه الخلاصات من تجارب شعوب أخرى، ولاحداث التحوّلات الفكرية والثقافية في مجتمعاتها، وليس فقط القيام بتغييراتٍ سطحية في الحكومات والقوانين. وهناك في التراث الفكري العربي المعاصر ما فيه "خارطة طريق" من أجل الوصول إلى ينابيع الفكر السليم والقدوة الحسنة لبناء مجتمعات عربية صحّية، تستوعب اختلافاتها وتنوّعاتها وتقبل وجود "الآخر" وحقوقه ودوره المشارك كمواطن في وطنٍ يقوم على مفهوم "المواطنة"، لا على مفاهيم "الأكثرية والأقلية"، ولا طبعاً على نظام "الراعي والقطيع". 

--------------------------------------------------------------

*مدير "مركز الحوار" في واشنطن

  عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

وزير تكنوقراط.. لا يكفي!

طرح وليام هنري سميث مصطلح «التكنوقراطية» لأول مرة عام ١٩١٩، عندما طالب بـ»تولي الاختصاصيين العلميين مهام الحكم في المجتمع الفاضل». أي أنه اشترط وجود مجتمع «فاضل» لكي ينجح أهل العلم والاختصاص «التكنوقراط» في أداء مهامهم في بناء البلاد.

اليوم ترتفع الاصوات المطالبة بتشكيل «حكومة تكنوقراط» في العراق كسبيل لمعالجة التردي الحاصل في البلاد على شتى النواحي، الاقتصادية منها والسياسية والاجتماعية والخدمية. هو تكرار لعملية استنساخ وصفات جاهزة دون التدقيق في مدى توفر ظروف نجاحها. هنا نكون كمن يصف دواءً حساساً لمريض دون فحوصات أولية لوضعية جسمه والامراض الاخرى التي يعانيها والتي قد تجعل من الدواء الجديد عاملا جديدا لتهور صحة المريض.

الخطأ من الاساس كان في ٢٠٠٣، ويتحمل مسؤوليته الأمريكان الذين أطاحوا بالحكم السابق عندما استوردوا لنا «الديمقراطية» كوصفة جاهزة حاولوا تطبيقها دون معرفة امكانيات المجتمع ومستوى وعيه واستيعابه لهكذا صيغ لم تستقر في مجتمعات أخرى إلا بعد مئات السنين من المشاكل. العراق كان خارجا من دكتاتورية طويلة. أجيال ظهرت لا تعرف ما يجري في العالم، ولا تثق أن الرئيس يموت أو يطاح به يوما، وإن حدث فابنه أو حزبه باقٍ. أجيال تستغرب عندما تسمع أن الرئيس الفلاني أنهى مدة رئاسته وقام بتسليم مقاليد الرئاسة الى رئيس جديد منتخب في حفل بهيج. كان العراقيون مسجونين في نفق شديد الظلام فقام الأمريكان بإخراجهم فجأة الى نور الشمس الساطعة. هكذا تشوشت الرؤية لدى الناس الذين، بدأوا يسمعون لأول مرة بمصطلحات لها بريق جاذب لكنها تبحث عن مصاديق حقيقية.

المشكلة أن الوصفة الجاهزة التي أراد الأمريكان تطبيقها في غير محلها، جاءت هي الاخرى مشوهة. قالوا بـ»الديمقراطية التوافقية» فضربوا بذلك اساس الديمقراطية، والتي تقوم على حكم الاغلبية السياسية مع مراعاة حقوق الاقلية. استوردوا لنا تجربة تقوم على نظرية تراجع عنها صاحبها «آرنت ليبهارت» عندما لاحظ استحالة تطبيقها في مجتمعات متقدمة، فضلا عن مجتمعاتنا.

التكنوقراطية ، مثال آخر على محاولات استيراد النظريات والافكار ومحاولة تطبيقها في بيئة دون الاخذ بالاعتبار العوامل المسببة للتردي الحاصل. التكنوقراطية حسب ما وردت في «ويكيبيديا» تعني «حكومة التقنية ويقال حكومة الكفاءات وبناء على ذلك فإن الحكومة التكنوقراطية تتشكل من الطبقة العلمية الفنية المثقفة، وهي حكومة متخصصة في الاقتصاد والصناعة والتجارة، وغالبا تكون غير حزبية فهي لا تهتم كثيرا بالفكر الحزبي والحوار السياسي». واذا عدنا الى الشرط الذي وضعه وليام سميث

لتولي هؤلاء الحكم وهو أن يتم الامر في «مجتمع فاضل» لكي يكتب له النجاح، فلنا أن نتوقع مدى امكانية نجاح الامر في مجتمعنا.

خلال حكومات ما بعد ٢٠٠٣، كان لدينا العديد من الوزراء «التكنوقراط»، منهم مثلا وزير الكهرباء الاسبق كريم وحيد، فهل نجح هؤلاء في تقديم منجزٍ لافت؟.

وزراء تكنوقراط لن يستطيعوا تقديم شيء دون أن تتغيّر منظومة معايير تشكيل السلطة، والقوانين والتعليمات والمصالح.

صافرة الكراهية

لا أريد اليوم أن أبكي. بل أود التأمل في بعض المفاهيم التي أدت بنا للسجن المعتم. مفاهيم مثل الكراهية والقتال بالموت والعقائدية والتطرف وفكرة الجماعة الناجية وغير ذلك. أما المعني فهو تفجير بابل حين تقدم كائن مجبول من الكراهية إلى عشرات الشبان وهم يلعبون كرة القدم، ثم فجر نفسه بينهم.

نعم، في المعطيات الخبرية الباردة قيل أن الصبي الانتحاري عراقي، وكان في عمر ضحاياه. لكن فرقه عنهم أنه يقاتل بموته بينما هم يقتلون بسبب حبهم للحياة. كان الإرهابي أسمر لا يختلف عن أي ولد نراه في بلادنا. لا طمغة على جبينه تخبرنا بمنحدره، ولا أي علامة فارقة تنبئنا أنه ممن يقاتلون بموتهم. رأيت صورته، فعجبت لابتسامته المطمئنة أولا، ولأنني تذكرت ما قيل عن العقائديين في كتب المحللين النفسيين ثانيا. هم دائما هكذا، مطمئنون وكأنهم حسموا المعركة مع الشيطان وبدؤوا معركتهم معنا، العتمة عندهم تتحول إلى نور والنور إلى عتمة. يقاتلون بموتهم كما عبر جان بودريار، ينتحرون بنا لتصفية العالم من سواهم.

هذا هو اكتشاف الإرهابي الذي يضارع اكتشاف المسدس والدبابة والديناميت. جسده قنبلة وموته سلاح، كراهيته محبة ومحبته كراهية. ذات يوم سئل زعيم قاعدي عن مصير قتلى التفجيرات غير المقصودين مباشرة، فقال ـ إن كانوا من أهل النار استحقوا عقوبتنا، وإن كانوا من أهل الجنة عجلنا بهم لها. منطق مريع يخالف سنن الله، فمن أنت يا هذا حتى تعجل بضحيتك لجنتها أو جحيمها؟ من أعطاك هذه السلطة أيها الشيطان؟

لا علينا من هذا، ولنبق في المباراة التي أنهاها الإرهابي العراقي الصغير بصافرته الدامية. هنا، تغدو المعطيات تافهة أمام التفكر في السياق الشاذ المنتج لهذا الشكل من البشر. والمقصود بالسياق منظومة القيم والمفاهيم التي تشكل حاضنة لجسده وفكره. المنظومة القديمة لكن المتجددة والمنتعشة بقوة لا مثيل لها بعد عام 2003. منذ تلك السنة، عدنا لبربريتنا، فباتت كراهية الآخر هي النسق الأصلي، وتكفيره، بهذه الصيغة أو تلك، هي النسق الفرعي. والنتيجة أن أصبحت جماعة الإرهابي هي الطهر بينما صار الآخر نجاسة.

لا شك أبدا، إرهابي الإسكندرية يقاتلنا بموته، بكراهيته، بظلامه، بحورياته، بدماغه المغسول، وبابتسامة العقائدي المطمئن، المكفر للآخرين، يقاتلنا ليعجل بنا لمصيرنا حتى قبل أن ننهي لعبتنا الحاسمة.

كلا، الأمر يحتاج إلى بكاء، إلى «رأس من حديد .. وعيون مصيوغة جديد»، كما تقول الشاعرة. لكننا اليوم مصدومين لدرجة أننا «خلسنا»، ولم يكن أمامنا سوى التفكر بالمفاهيم، فتأمل سلمك الله.

نصف الحقيقة في مبدأ أوباما..

يمكن اختصار وصف "مبدأ أوباما"، الذي نشرته مجلة "أطلنتيك" الأميركية، بأنّه حديثٌ لتبرير الماضي ولتعزيز الحاضر وللتمهيد للمستقبل.  فقد كان واضحاً في المواقف التي نقلها الصحافي جيفري غولدبرج عن الرئيس الأميركي هذا المزيج من الدفاع عن سياسة سارت عليها إدارة أوباما في سنواتها السبع الماضية، مع السعي أيضاً لتوظيف هذه المواقف في التحرّك الأميركي الراهن لمعالجة أزماتٍ متفجّرة في "الشرق الأوسط"، إضافةً طبعاً إلى ما يطمح إليه أي رئيس أميركي يغادر "البيت الأبيض" من تكريم مستقبلي وتمجيد لدوره في قيادة القوّة الأعظم في العالم.

لكن المواقف المنقولة عن الرئيس أوباما ليست مجرّد تصريحات فقط، بل كان توقيتها مهمّاً لجهة تزامنها مع البدء في مفاوضات جنيف بشأن الأزمة السورية، والتي تُعوّل الإدارة الأميركية على نجاحها الكثير، باعتبار أنّ تسوية الأزمة الدموية السورية هي المدخل لإنهاء أزماتٍ أخرى في المنطقة. أيضاً، فإنّ التنسيق الأميركي-الروسي حول سوريا، ومستقبل العلاقة الأميركية مع إيران، سيكون المحكّ لهما هو مدى التقدّم الذي سيحصل في مؤتمر جنيف وما بعده.

إنّها أشهرٌ قليلة باقية من فترة حكم أوباما في "البيت الأبيض"، وهو لن يسمح بأن تكون أشهراً عقيمة أو مجرّد وقتٍ ضائع بانتظار انتخابات نوفمبر القادم. وفي تقديري أنّ هذه الأشهر ستكون هي الأهمّ في السياسة الخارجية لإدارة أوباما، من حيث مقدار الحصاد السياسي الأميركي من إنهاء الأزمات الدولية المتفجّرة، أو لناحية كيفية "توزيع الحصص" مع روسيا الاتحادية، أو لجهة ترسيخ أسس العلاقة المستقبلية مع إيران، بعد الاتفاق الدولي معها حول ملفّها النووي.

لذلك، فإنّ النجاح في المفاوضات السورية بجنيف سيعطي دفعاً كبيراً لمواجهة أشمل وأكبر، تريدها إدارة أوباما هذا العام، مع "داعش" في سوريا والعراق وليبيا، ومع "القاعدة" في اليمن وإفريقيا، وسيترتّب عليها (أي المواجهة)، وعلى البدء بتسوية الأزمة السورية، تسوياتٌ سياسية أيضاً لأوضاع العراق ولبنان واليمن وليبيا، وبشكلٍ متزامن مع تحرّك أميركي- فرنسي مشترك تدعمه موسكو، لإعادة الملف الفلسطيني إلى رعايةٍ دولية بعد احتكاره من قِبَل واشنطن لسنواتٍ طويلة.

لكن مشكلة إدارة أوباما، في أجندتها الدولية الآن، هي مع حلفاء لها أكثر ممّا هي مع خصومها التقليديين في موسكو وطهران، لذلك كانت انتقادات أوباما قاسية لهؤلاء الحلفاء في حديثه مع مجلة "أطلنتيك"، انتقادات ركّزت على السعودية وتركيا وبريطانيا وفرنسا وحكومة نتنياهو، وهي الدول المعنيّة أيضاً في الأزمات التي تتفاهم واشنطن مع موسكو بشأنها، لكنّها لا تجد لها تأييداً واضحاً من هؤلاء الحلفاء.

وما قاله أوباما عن هذه الدول الحليفة لواشنطن كان وصفاً لواقع لا يمكن نكرانه، لكن الحديث عن مسؤولية هذه الدول هو نصف الحقيقة. فما فعلته بريطانيا وفرنسا في ليبيا كان مدعوماً من الإدارة الأميركية، التي تدرك أجهزة مخابراتها أنّ عسكرة الحراك الشعبي، الذي حصل فيها ضدّ نظام القذافي، سيعني فتح أبواب جهنّم الميليشيات القبلية وجماعات التطرّف والإرهاب، لبلدٍ لم تكن فيه أيّة ممارسة صحّية للعمل الحزبي المعارض، ولا فاعلية فيه لمؤسسات الدولة أو المجتمع المدني، فكيف إذا أرفقت عسكرة الانتفاضة الشعبية الليبية بتدخّل عسكري سافر من "حلف الناتو"، الذي يوقظ في الذاكرة الليبية حقبة الإستعمار الإيطالي والكفاح الليبي الطويل ضدّه؟!.

ثمّ ما الذي فعلته واشنطن لضمان عدم انجرار ليبيا إلى حال الحرب الأهلية وتحوّلها إلى نقطة جذب لجماعات التطرّف، طالما أنّ الولايات المتحدة اعترضت على أي تدخّل عسكري إقليمي، خاصّةً من مصر، لوقف تداعيات الحرب الداخلية في ليبيا؟!.

أمّا بشأن تركيا فصحيحٌ كل ما قاله الرئيس أوباما عنها، وما وصف به رئيسها أردوغان، لكن ألم تكن واشنطن هي التي شجّعت تركيا على التدخّل الواسع في الأزمة السورية، وراهنت معها على تغيير النظام السوري في أشهر قليلة، وعلى تسهيل وصول حركة "الأخوان المسلمين" للحكم في عدّة دول عربية؟!. كذلك كان الموقف الأميركي مشجّعاً لتسليح جماعات المعارضة السورية عن طريق تركيا، والتي فتحت حدودها لكلّ الراغبين بالقتال في سوريا من مختلف جنسيات العالم!. أليست خطيئة عسكرة الحراك الشعبي المترافق مع التدخل الأجنبي هي التي ميّزت ما حدث ويحدث في ليبيا وسوريا من فشل للإنتفاضات الشعبية بالمقارنة مع نجاح التجربتين السلميتين التونسية والمصرية؟!.

ثمّ صحيحٌ أيضاً ما جرى نقله عن الرئيس أوباما حول مخاطر دعم المملكة العربية السعودية لنشر الفكر الوهابي في دول العالم الإسلامي، وسلبيات صراعاتها مع إيران، لكن ألم تكن تلك الصراعات موضع ترحيب من واشنطن قبل الاتفاق الدولي مع طهران؟!. أليست واشنطن مسؤولةً عن وجود ظاهرة "المجاهدين الأفغان" بدعم سعودي وهابي، والتي منها خرج "تنظيم القاعدة"، ثمّ من "القاعدة" ولدت "داعش"؟!. أليست واشنطن هي التي هندست الحرب العراقية – الإيرانية، وضغطت على السعودية ودول الخليج العربي من أجل دعم صدام حسين في حربه ضدّ إيران، هذه الحرب التي أضعفت البلدين وأشعلت شرارات الانقسامات المذهبية والقومية، حيث استغلّت أطرافٌ عربية وإيرانية الحرب لتحريك الخصومات على أساس عربي/فارسي أو سنّي/شيعي؟!.

ثمّ أليست الولايات المتحدة هي التي احتلّت العراق ودمّرت مؤسساته الوطنية، بحيث تحوّل الفراغ بعد ذلك إلى مجمعٍ لكلّ القوى التي أرادت مواجهة أميركا أو الاستفادة من وجودها العسكري هناك، فإذا بالعراق ساحة تنافس جديدة بين إيران وخصومها، في ظلّ انتشار ظاهرة الميليشيات على أساس مذهبي وإثني، وبدعم من الحاكم الأميركي للعراق آنذاك بول بريمر، وتكريس هذه السياسة بدستور ثبّت الواقع الإنقسامي!.

أيضاً، من الذي نصح القيادة السعودية منذ العام 2006، حينما اشتدّت عمليات "القاعدة" داخل المملكة، بتسعير الخلافات مع إيران وحلفائها بالمنطقة، من أجل تحصين الوضع الداخلي السعودي عبر طغيان الصراع المذهبي والقومي الذي يستقطب الناس خلف الحاكم، بدلاً من الصراع الداخلي السياسي والفقهي مع "القاعدة" ومؤيّديها؟!. ألم تستفد إيران أيضاً من التعامل معها وكأنّها مسؤولة عن كلّ المسلمين الشيعة بالعالم ممّا عزّز الخلافات بينها وبين عدّة دول عربية؟!.

أمّا عن حكومة نتياهو، فما الذي فعلته إدارة أوباما لفرض رؤيتها لحلّ الدولتين أو لوقف الإستيطان، ولماذا لم تستخدم الحدّ الأدنى من الضغط المالي على إسرائيل كما فعل جورج بوش الأب في مطلع التسعينات؟!. ولماذا استطاع أوباما أن يفرض الاتفاق مع إيران رغم اعتراضات نتنياهو ولم يفعل ذلك في الملف الفلسطيني؟!.

***

تساؤلات عديدة حول المواقف الأميركية التي أعلنها أوباما في حديثه، لكنّ المهمّ هو رؤية الحقيقة كاملة، فلا يكون الأمر مجرّد تأييد لما ورد في مجلة "أطلنتيك"، أو رفضه وإدانته فقط من موقع الدفاع عمّن انتقدهم الرئيس الأميركي.

"مبدأ أوباما" سيذكره التاريخ، كما ذكر في السابق "مبدأ أيزنهاور"، لكن المبادئ تحتاج إلى إستراتيجيات وتكتيكات ناجحة، ويبدو أن التاريخ سيقول أيضاً إنّه لولا "تكتيك بوتين" لما كانت هناك فاعلية ل"مبدأ أوباما".

------------------------------------------------------------------------- 

*مدير "مركز الحوار العربي" في واشنطن

 

لا أحد سيخوض حروبنا سوانا

إن حاجتنا ــ كعرب الآن، وفى ذروة تحديات هائلة لأمننا القومى والوطنى، ولهويتنا العربية، إلى فهم الشأن الإيرانى وتحولاته الداخلية والخارجية. وأن هذا الفهم، لا يقل أهمية عن حاجتنا إلى التفكر، فيما لا يفكر فيه، فى سيناريوهات مستقبل العلاقات العربية ــ الإيرانية، تفاهما أو تنافسا أو صداما.

لنعترف أننا ــ كعرب صادقنا أو عادينا إيران طوال أكثر من ثلاثة عقود ونصف، من دون أن نملك خريطة معرفية للمجتمع الإيرانى، وللنظام السياسى والحكم والعسكرة والاقتصاد والمزاج الشعبى، والعقل والتفكير، والمرأة والشباب، ونقاط القوة والضعف فيه.

لا نعرف نسق التحولات، ولا الفوارق بين المؤسسة الدينية التقليدية الغاربة، وتلك المؤسسة الدينية السياسية البراغماتية الحاكمة.

كثير منا، مازال يذكر «البازار» فى تحليلاته السياسية ويستشهد بدوره القديم فى المشهد المجتمعى، ويظن أنه مازال حيا يُرزق، ولا ندرى أنه تلاشى على مستوى التأثير والدور، لصالح «اقتصاد الثورة» و«بازارات» الحرس الثورى.

مرت تحولات جذرية تمت شرعنتها ودسترتها وتوَحد الدينى مع المدنى، فى مؤسسة بيت المرشد ــ القائد، وتبلورت هوية جماعية، امتزجت فيها الدولة القومية والمذهب، وتشكلت هيكلية لنظام محكوم بتراتبية قيادية وسياسية، وضابط إيقاع، هو المرشد، يضبط الخلافات والرؤى السياسية، ولديه هامش كبير للمناورة، «ضابط إيقاع» لكل المؤسسات الفاعلة.

مرت وجرت تحولات فارقة لم ندرك جوهرها ومآلاتها، وظلت ثقافتنا ومعلوماتنا لا تتعدى قراءات صحفية، وتقارير تنشرها مراكز غربية.

ومما يثير الدهشة، أن فى طهران وحدها أكثر من عشرة مراكز بحثية مختصة بالدراسات العربية، فى حين ليس لدينا ــ كعرب ــ بما فيها إقليم الخليج ــ مركز بحثى متخصص فى الشئون الإيرانية.

وتنطبق الحال على غياب مراكز بحثية عربية متخصصة بالشأن الأمريكى، رغم كل هذه الصداقات والتحالفات، وحتى العداوات مع أمريكا.

ولا أحد يسألنى عن مراكز بحثية عربية فى الشئون الصينية أو اليابانية أو الهندية أو الروسية، فهى غائبة تماما.

ولا أدرى كيف يستطيع صناع القرارات العربية بلورة سياساتهم الاستراتيجية تجاه هذه القوى العظمى والكبرى من غير دراسات علمية صارمة ومتماسكة وخيارات وأوراق موقف، وخبراء عرب مختصين وعارفين فى هذه الشئون.

قال لى أحد الظرفاء من المفكرين العرب: «ربما بالبركة أو الفهلوة أو بقراءة الفناجين، وربما فى أحسن الأحوال، بـ «الدراسات المستوردة»، على طريقة «الأمن المستورد».

***

فى مؤتمر «المائدة المستديرة» التى نظمها مركز الإمارات للسياسات قبل أيام فى أبوظبى، حول تحولات المشهد السياسى فى إيران، على ضوء الاتفاق النووى والانتخابات التشريعية. شعرت بشىء من البهجة، وأنا ألتقى عددا من الباحثين والمهتمين بالشأن الإيرانى، بنوا قدراتهم المعرفية بأيديهم وبفكرهم وثقافتهم، وبحسهم العروبى والوطنى، واكتشفوا أن المشهد السياسى الإيرانى، على الرغم من كل تعقيداته، ومزاجه الذى تجسده أطروحة «أُستر ذهبك وذهابك ومذهبك»، فإنه قابل للقراءة. للقراءة العارفة والناقدة.

من الواضح أن استقطابا هائلا ظهر ما بين ما يسمون محافظون وإصلاحيون ومعتدلون ومستقلون فى الانتخابات التشريعية، التى شهدت مشاركة شعبية واسعة، تشكلت تحالفات وكتل برلمانية، اختلط فيها الإصلاحى والمحافظ والمعتدل، لكن لم تشهد الانتخابات ونتائجها أغلبية مطلقة، لأى من التيارين الرئيسيين، ولم يكسب تيار روحانى وتكتله الوسطى أو المعتدل برلمانا معتدلا، مثلما نجح خاتمى فى أن يكسب برلمانا إصلاحيا، أو مثلما نجح أحمدى نجاد فى أن يكسب برلمانا محافظا.

«تصارع» الجميع حول ملفات الاقتصاد والخدمات ومعيشة المواطنين وتداخلت الأسماء والتوجهات، وظل الجوهر على حاله فى ظل «ضابط الإيقاع» لكل المؤسسات الفاعلة، من برلمان ومجلس خبراء ومجلس صيانة الدستور ومجلس تشخيص مصلحة النظام، وحرس ثورى... إلخ.

ليس من المتوقع أن تحدث تغييرات أساسية فى سياسة إيران الخارجية، والتى للبرلمان فيها دور ثانوى، فى حين أن من يقرر الحسابات والسياسات الإيرانية، هى مكونات ثلاثة رئيسية، هى المرشد والحرس الثورى ومجلس الأمن القومى.

إن الإصلاحى أو المحافظ أو المعتدل، لا يعارض عمليا العلاقات الإيرانية مع الغرب، وبخاصة أمريكا، لكن المشكلة بينهم تكمن فى تحديد الوكيل الحصرى لهذه العلاقات، ومن سيجنى ثمار هذه العلاقات.

صورة روحانى شعبيا، مقبولة، بعد أن قدم نفسه معتدلا، ورئيسا، نجح فى رفع العقوبات وإبعاد خطر الحرب عن إيران، وطرح برنامجا لإصلاحات اقتصادية، وانفتاحا وحوارا مع الغرب، وأصبحت إيران مقبولة كلاعب كامل الصلاحية إقليميا ودوليا، ومعترفا بها كقوة ذات قدرات نووية، وصارت حرة فى تحركها تجاه ملفات فى إقليم الشرق الأوسط الكبير، الممتد إلى ما وراء الهضبة الإيرانية باتجاه باكستان وأفغانستان، وحتى غرب آسيا ومنظمة شنغهاى، وفى اتجاه بناء تحالفات ومصالح مع روسيا، وربما تركيا أيضا، رغم اختلافهما السياسى والعسكرى فى الساحة السورية.

البراغماتية والصبر، ورشاقة الحركة، وكتاب «الأمير» لمكيافيلى، والنزعة التدخلية، وأوهام إمبراطورية غابرة، و«أُستر على..»، كلها عناصر فى كتاب صناعة النسيج السياسى متعدد الألوان والأبعاد والصور. وقد آن الأوان لفهم صحيح لجارٍ دائم ومستقر فى الجغرافيا، لا تستطيع أن تقيم «جبالا من نار» بينك وبينه، ولا تستطيع ترحيله إلى ما وراء الهضبة والجبال، بعيدا عن سهول الرافدين وتضاريس جبلية ومراكز حضارية عربية.

فكَ خاتمى الإصلاحى «عُزلة» إيران، قبل سنوات، حينما خاطب المجتمع الدولى بلغة العصر، وصار نجما فى سماء الفلسفة والفكر والعقلانية، وطرح مبادرته «الحوار بين الحضارات»، فاعتمدتها الأمم المتحدة، واستضافه الأستاذ الراحل محمد حسنين هيكل فى مزرعته فى «برقاش» ذات يوم، بحضور أهل القلم والفكر فى مصر، ليحدثهم عن إيران، وعن السياسات العالمية، وفكرة الحوار.. كان خاتمى يعرف العربية تماما، إلا أنه أصر على التحدث بالفارسية، وقام الكاتب الإيرانى من أصل عراقى محمد صادق الحسينى، بترجمة الحديث إلى العربية. «هل فهمنا هذه الرسالة فى حينها».

وقبل أسابيع كان روحانى يطوف أوروبا، يروج لمبادرات تجارية أوروبية فى أسواق إيران، لتعويض ما خسرته أوروبا لصالح روسيا والصين، وها هو السباق الأوروبى قد بدأ. شركتا «إيرباص» و«بوينغ» ومجموعة «إينى» الإيطالية النفطية، وشركات تكنولوجية وأسلحة وعقارات.. إلخ، والبابا يستقبله فى الفاتيكان.

المصالح هى التى تحكم وترسم خطوط السياسات الخارجية، وقد كانت أمريكا وشركاؤها يتفاوضون مع إيران فى مسقط بشأن الاتفاق النووى، فى وقت كانت فيه أمريكا تحشد حاملات الطائرات فى بحر العرب والخليج.

سمعنا وسنسمع محافظين متشددين إيرانيين يشككون فى صدقية الغرب وأمريكا، ويقولون «إن الانفتاح أمام الاستثمارات والشركات الأجنبية سيقضى على تقدم إيران»، وسيؤثر فى «الاقتصاد المقاوم»، وسمعنا أن المرشد الأعلى يحذر الإيرانيين، ويطالبهم «بتجنب الاختلاط بالأجانب»، ويعبر عن خشيته من أن يؤدى رفع العقوبات والانفتاح إلى «انفلات زمام الأمور».

وكل هذه الشعارات هى على غرار «الموت لأمريكا» الشعار السابق، للاستهلاك المحلى، ولأغراض التعبئة المستدامة «الثورة مستمرة»، ولتقليل منسوب «التنازلات»، وزيادة «الأرباح»، وتعظيم الفوائد والغنائم أثناء المفاوضات.

***

من ناحية أخرى، فإنه من المفيد معرفة الرؤية الأمريكية والأوروبية تجاه إيران فى المرحلة الراهنة، وفى المستقبل المنظور، ويمكن تلخيصها فى إعادة إنتاج مفهوم «الاحتواء»، باعتبار أن الرفع التدريجى للعقوبات، سوف يدفع إيران إلى الاندماج فى الاقتصاد الدولى، وسيؤدى هذا الانفتاح إلى تدفق سلع استثمارية وثقافية بقيم غربية، ستؤثر على الأجيال الشابة التى تتطلع إلى الرفاهة والاستهلاك وتطوير قوانين توفر بيئة مناسبة لمزيد من الانفتاح والاندماج، ومواجهة البطالة وإحياء النظام المصرفى، وتنويع الاقتصاد، وتشغيل البلد المعطل.. إلخ، وفى الوقت نفسه، هناك حاجة أمريكية استراتيجية لدور إيرانى فى أفغانستان وباكستان وأواسط آسيا «وهى حاجة روسية أيضا»، لمواجهة تهديدات التطرف الإسلاموى، وكبح أو موازنة التمدد الاقتصادى «الصينى الهندى»، فضلا عن دور إيرانى مرن، فى إقامة «نظام أمن إقليمى»، يسمح لدول عربية خليجية المشاركة فيه.

أما الرؤية الخليجية «وإلى حد ما العربية» للعلاقات مع إيران، فقد ظلت طوال السنوات العشر الأخيرة «وربما بعد الاحتلال الأمريكى للعراق، واكتشافنا المفاجئ للآثار السلبية لهذا الاحتلال، وللتسليم الأمريكى، بدور إيرانى منفرد للهيمنة على العراق». ظلت رؤيتنا تحمل الكثير من التعويل على «الضغوط الغربية والأمريكية على إيران، أو «فشل المفاوضات النووية» أو «الخيار العسكرى الأجنبى ضد إيران» أو «استمرار الحصار الدولى على إيران»، أو حتى الرهان على وهم «الحصان الإصلاحى».. إلخ.

اليوم... سقط كل هذا التعويل، أو انتهى نهاية غير سعيدة، مع «استدارة» أمريكية باتجاهات أخرى.

اليوم.. لا أحد فى الغرب أو أمريكا، سيقتنع بدعوتنا للتحالف معنا لمواجهة إيران، ولجم اندفاعتها نحو النفاذ إلى الساحات العربية.. وبالتالى نحن مطالبون كإقليم خليجى، وبعمق عربى، التوافق على استراتيجية متماسكة للتعامل مع إيران. اليوم حديثنا مع الغرب حول عوار الديمقراطية فى الانتخابات الإيرانية هو بضاعة خاسرة.

الإيرانى فى دولته، وفى جغرافيته غير مهدد، فى حين أن إقليم الخليج العربى، يدفع اليوم أثمان زلازل ضربت الوطن العربى، وأطاحت بركائز استقراره ونسيجه المجتمعى، وترابه الوطنى.

اليوم.. ما يتمزق هو الكيانات العربية الوطنية، القتيل واللاجئ والمهجر والركام.. كله عربى.

نعم... هناك اليوم ما سماه أحد الكتاب «تمرد خليجى» على سياسة التدخلات الإيرانية، لكن السؤال هنا، هل يمكن أن يتحول هذا «التمرد» إلى يقظة عربية لاستعادة توازن الإقليم؟ إن انخراط مصر فى هذه اليقظة ضرورة استراتيجية، وربما أطراف عربية أخرى «وليس تركيا كما يروج البعض عن جهالة أو غرض»، «يقظة واستراتيجية شاملة، سياسة وإعلاما ودبلوماسية وحقوقا ومجتمعا مدنيا، وأمنا وفكرا»، وتفعيل «المسار الثانى» الذى أهملناه منذ عقود.

***

ومن الحكمة ألا ننشغل ونستهلك جهدنا وصدقيتنا فى محاولة تشويه حضارة فارسية عمرها أكثر من خمسة آلاف سنة، أو أن ندخل مع إيران فى صراع مذهبى مكشوف، ومن الحكمة العمل لإعادة الاعتبار للمرجعية الشيعية الأساس فى النجف، وحينما تدعو إيران وأتباعها المسيسون أو الغافلون من العرب إلى «التشيع» الضيق، علينا أن نكتفى بالدعوة إلى الإسلام الواسع، وليس إلى «التسنن».

وإذا كانت إيران تدافع عن الشيعة العرب، فعلينا أن ندافع عن المسلمين كافة، ونعبر حدود الطوائف والمذاهب والأعراق، ونواجهها بخطاب سياسى واصلاحات تنشغل بالمواطنة المتساوية وبحقوق الإنسان، واحترام القوانين الدولية، وحدود الدولة الوطنية، وبدبلوماسية وقائية استباقية، وقراءة واقعية للمشهد الإيرانى فى الداخل وفى الإقليم، وفى الساحة الدولية.

لا أحد سيخوض حروبنا وينسج علاقاتنا سوانا.. منذ زمن ونحن نتساءل: «هل تعلمنا الدرس؟»

--------------------------------------------------------

**يشغل منصب وزير مفوض بوزارة الخارجية بدولة الإمارات العربية المتحدة، حيث يعمل في السلك الدبلوماسي منذ عام 1972.

جورج طرابيشي.. رؤية لما بعد الرحيل

توفي الصديق المفكّر والناقد والمترجم العربي المعروف، جورج طرابيشي، يوم الاربعاء 16 مارس/ آذار 2016 في باريس عن عمرٍ ناهز 77 عاماً. ولد في حلب عام 1939، ودرس في سورية، وحمل الليسانس في اللغة العربية والماجستير في التربية، متخرجاً في جامعة دمشق. عمل مديراً لإذاعة دمشق (1963-1964)، ورئيساً لتحرير مجلة دراسات عربية (1972-1984)، ومحرّراً رئيسياً لمجلة الوحدة (1984-1989). أقام ردحاً في لبنان، لكنه غادره، إثر اندلاع الحرب الأهلية، إلى فرنسا التي بقي فيها حتى وفاته متفرغاً للكتابة والتأليف. اتصف، منذ صغره، بشغفه الشديد بالكتابة والترجمة، بحيث كان ينعزل أياماً حتى يترجم كتاباً عن الفرنسية التي خبرها منذ تكوينه الأول، اذ ترجم لفرويد وهيغل وسارتر وبرهييه وغارودي وسيمون دي بوفوار وآخرين، في موضوعات مختلفة وميادين متنوعة في الفلسفة والأيديولوجيا والتحليل النفسي والرواية.

كتب الكثير في الماركسيّة والنظريّة القوميّة وفي النقد الأدبي للرواية العربية. وكان سبّاقاً في تطبيق مناهج التحليل النفسي في نقداته وكتاباته. وعدّ مصنفا بارعا في مؤلفّه "معجم الفلاسفة"، وغدا كاتبا نهضوياً في مؤلفه "من النهضة إلى الردة"، وفي "هرطقات 1 و2"، وعدّ ناقداً قويّاً في مشروعه الضخم الذي عمل عليه سنوات طوال، وصدر منه خمسة مجلدات بعنوان "نقد نقد العقل العربي" كان آخرها مجلده الخامس "من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث" (2010)، وكان قد انطلق فيه من خلال نقده مشروع المفكّر المغربي محمد عابد الجابري في نقد العقل العربي، فكان ندّا حقيقيّا له، إذ وضع طرابيشي النقاط فوق الحروف التي لم يدركها الجابري، وكان طرابيشي أذكى من الجابري في توغّله بموسوعيّةٍ كبيرةٍ باحتوائه على قراءةٍ ومراجعةٍ دقيقةٍ للتراث اليوناني وللتراث الأوروبي الفلسفي وللتراث العربي الإسلامي بمختلف تخصصّاته، وليس الفلسفي فحسب، بل أيضاً في ما يخص علم الكلام والفقه والتصوّف واللغة.. اذ عالجها طرابيشي معالجةً علميةً أرقى بكثير من الجابري الذي استلهم نظريات غيره، ولم يكن ذكياً في تطبيقاته لها، فكان أن تصدّى له طرابيشي، وأفحمه في جنباتٍ كثيرة، أخفق فيها الجابري، وخصوصاً عندما دعا الأخير إلى تمفصل المشرق العربي عن المغرب العربي، وادّعى بأن لا فلسفة ولا فكر إلا في المغرب! وكنت بدوري قد انتقدت خطابه ذاك في كتابي "الرؤية المختلفة: قراءة نقدية في منهج محمد عابد الجابري" (1999) .

قلت لطرابيشي يوماً: ما ضرّك لو صرفت السنوات التي قضيّتها في نقد الجابري بتقديم مشروع فلسفي مضاد إلى ثقافتنا العربية؟ انتبه وقال: لم أكن اتوّقع أنه سيأخذني كلّ هذا المطال. سألته: وهل للعقل (العربي) هويّة قوميّة، حتى نميّزه عن العقل البشري؟ ابتسم لمثل هذا السؤال الساخر، وقال: اسأل صاحبك الجابري. أعتقد أن جورج كان الأقدر عربياً في اقتحام مشروع الجابري ونقده وترميم أحجاره، فهو يمتلك الأداة النقديّة ومبضع الجرّاح، لكي يعتكف سنوات طوال في عمله، كما اعتقد أن جورج لن تكون له القدرة، منذ بداياته الأولى وحتى نهاياته، كي يكتب مشروعاً فكرياً عربياً، إذ كان يردّد دوما أنه من الهواة الذين أقحموا أنفسهم في عالم الفلسفة، إذ لم يكن من جماعة المتخصصّين.. وعليه، فقد برع في نقد الجابري براعة قويّة، وفشل الجابري نفسه في أن يردّ عليه ردّاً شاملاً بحجم ما كتب جورج في نقد نقد العقل (العربي)، سواء في تكوينه أو بنيته، أو ما ألحق الجابري بذلك من ملحقات.

لعل أبرز الإجابات التي قدمها طرابيشي على سؤال أساسي: هل جاءت استقالة العقل في

"سيبقى اسم جورج طرابيشي علامة بارزة، ووضيئة في الثقافة العربية الحديثة" الإسلام نتيجةً لعامل خارجي، وقابلة للتعليق على مشجب الغير؟ أم هي مأساة داخلية ومحكومة بآليات ذاتية، يتحمل فيها العقل العربي الإسلامي مسؤولية إقالة نفسه بنفسه؟ وهكذا، وجدتني معه في حواراتٍ جمعتنا معا عند لقاءاتنا المتباعدة، فكان الرجل يشاركني القول إن العقل في تاريخنا ووجودنا قد ضاع منذ زمن طويل، وكان ذلك "العقل" مجبراً أن يقيل نفسه جرّاء ما أصاب الوعي والتفكير من جمود وانحطاط وانغلاق في دوامات التصوّف والخرافات.. لقد استقال العقل (العربي الإسلامي) عن أداء دوره منذ زمن بعيد جداً، وكان على موعد أن يحيا من جديد على أيدي نخبةٍ مستنيرةٍ عربيةٍ عليا مخضرمة بين القرنين التاسع عشر والعشرين. ولكن، ضاعت الفرصة التاريخية ممثلة بهجمة الأيديولوجيات التي قطعت الطريق على المعرفة والعقل والتفكير العلمي.

أهم المحطات الفكرية في مسار طرابيشي انتقاله من الفكر القومي والنزعة الثورية إلى التنظير في الماركسية، ثم جاء التحوّل نحو الفلسفة الوجوديّة التي غمر نفسه فيها زمناً، إذ كان، منذ بدايات الستينيات، قد أعجب بسارتر وأفكاره، ثم انتقل اهتمامه إلى التحليل النفسي، وأعجب بسيغموند فرويد إعجاباً بالغاً، حتى بدأ يفسر حركة الجماعات والتراث بالعصابية وتحجّر التفكير من خلال التعصّب، ثم تحوّل، أخيراً، إلى تبني نزعة نقدية جذرية، فوجد فيها الموقف الوحيد الذي يمكن أن يصدر عنه المفكر، ولا سيما في الوضعيّة العربية الراهنة التي يتجاذبها قطبان: الرؤية المؤسطرة للماضي والرؤية المؤدلجة للحاضر.

التقيت الرجل عدة مرات في بيروت وعمّان وباريس، وفي كلّ مرة أجده إنساناً متواضعاُ. في بيروت، كان لقاء عابراً، وكنت في مطلع الشباب، وعبّر وقت ذاك بالتوأمة التاريخية لكل من حلب والموصل، حيث يمتد انتماؤنا هو وانا، لكن جلساتي معه في عمّان عند منتصف التسعينيات كانت غنيّة جدا، فقد توفّرت لكلينا فرصة التلاقي والحوار، وأذكر أنه وقف معي في ردّي على الكاتب المصري، محمد عمارة، الذي كان يصرّ على ترديد أخطاء بحق تقييم تاريخ جمال الدين الأفغاني، فكنت قاسياً على عمارة، وجاء رد طرابيشي الأقسى عليه، فاتهمنا بالعلمنة والمروق، وكأن الأفغاني عنده من الآلهة المقدّسة. وفي باريس، التقيت مع جورج طرابيشي عدة مرات في زياراتي لها، وقد وجدته غير ذلك المفكر الثوري الذي عرفناه إبّان الستينيات، إذ بدا لي وقد تخلّى نهائياً عن افكاره القديمة، ولمّا ذكّرته بما كان يكتبه وينشره في "دراسات عربية" التي تنشرها دار الطليعة ببيروت، أجاب: العقل الذي طردناه من الشبابيك رحبنا به اليوم من الأبواب .. تغير الزمن بغير الزمن، وقد كشفت لنا التسعينيات عند نهايات القرن العشرين حقائق فاضحة عن الأوهام التي آمنا بها زمناً طويلاً. انتقدت استخدامه عنوان "مذبحة التراث"، وأذكر أنني قلت له، في حوار تجاذبناه طويلاً، إنّ مجتمعاتنا تزحف بجهالة نحو عصر الظلمات.

في السنوات الأخيرة، كنا على اتصال دائم، وكنت أشعر كم كان الرجل يعيش مرارة وأحزاناً على سورية التي مزقّها الأغبياء والأشقياء، كان محبطاً جداً، إذ لم يتخيّل يوماً حجم الكارثة التي مني بها كل من سورية والعراق.

لا أدري، إن رحل من تبقوا من آخر العنقود في ثقافتنا العربية الحديثة، فمن سيأتي ليحلّ محلهم. .في كل سنة تمر علينا، يرحل فيها من تبقى من مفكرين ومبدعين ومترجمين. في كل سنة، يزداد حجم الفتق كبيراً على رقعتنا العربية، وتبرز للعيان هياكل عارية، تكشف لنا أزمة الفكر في عالمنا العربي، ويشغلنا ذهنياً التأثير المخيف من إشكالية الفكر العربي الذي بات لا يعبر تعبيراً حقيقياً عن قضايا المجتمع العربي ومشكلاته المستعصية، وهي إشكالية متأزمة ومزمنة، مقارنة بما كان عليه الحال في كل من القرنين السابقين، التاسع عشر والعشرين، حيث كان الفكر العربي الحديث مستنيراً، وغدا مبدعاً في القرن العشرين، حيث صارت عناصره معبرة عن ضرورات المجتمع، ومنتجة للحياة الحديثة.

أخيراً: ستبقى ذكرى الصديق جورج طرابيشي حيّة في القلوب، وسيبقى اسمه علامة بارزة، ووضيئة في الثقافة العربية الحديثة.

------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

*نشرت في العربي الجديد ، لندن 19 آذار / مارس 2016  

موقع الدكتور سيّار الجميل:

www.sayyaraljamil.com

آثار مسيحيّة في النّجف يحاصرها الإهمال والعقائد المتطرّفة

مدينة النّجف اليوم هي مركز الريادة للمسلمين الشيعة في العالم، بحيث تضمّ قبر رابع الخلفاء المسلمين الراشدين عليّ بن أبي طالب، الّذي شيّد قبل نحو 700 سنة. كما توجد فيها اليوم المرجعيّة الدينيّة الشيعيّة في العالم الإسلاميّ. ولهذا، من الطبيعيّ بحكم هذا الحضور الإسلاميّ أن تخلو من أيّ رموز لديانات أخرى، حيث يحرّم فقهاء مسلمون وجود رموز دينيّة أخرى في ديار المسلمين. ففي مدن إسلاميّة مثل مكّة المكرّمة والنّجف وكربلاء يحرّم بناء معابد للديانات الأخرى مثل الكنائس المسيحيّة، وهي ظاهرة قديمة برزت مع ظهور الإسلام، في القرن السابع الميلادي، الذي حرّم وجود دِينَيْن في جزيرة العرب.

لكنّ المفارقة تكمن في أنّ الإكتشافات الأثريّة الحديثة وفق تنقيبات في العام 2008، تدلّ على أنّ هذه المدينة المحافظة الإسلاميّة، المنغلقة على بناء الكنائس، كانت من أقدم المدن المسيحيّة في العالم، بعدما عثر على أثر كنيسة ودير يعتبران أقدم أثر مسيحيّ في العراق يعود تاريخه إلى نحو 270 ميلاديّاً.

كما أنّ وجود أكثر من 30 موقعاً أثريّاً مسيحيّاً في المحافظة، نقّبت عنها البعثات الاستكشافيّة الأميركيّة والألمانية، وكذلك مفتشيّة آثار النّجف بين عامي 2007 و2011، لم يشجّع، ولأسباب عقائديّة، على تقبّل نشاطات وفعاليّات لديانات أخرى تتواصل فيها مع تاريخها القديم، وهو ما تجسّد في مطالبة رجل الدين والأستاذ في حوزة النّجف الدينيّة ابراهيم الصفار في 19 كانون الأوّل/ديسمبر من عام 2015 بمحاكمة هذا الشخص الّذي مثّل دور بابا نويل.

ومقابل هذا الغلوّ في رفض ممارسة الثقافات الأخرى غير الإسلاميّة في النّجف، هناك تقويم تاريخيّ وتثمين لتاريخ النّجف، مسيحيّاً كان أم إسلاميّاً، ذلك أنّ الأكاديميّ ومدرّس التاريخ عبد الحسين عليّ من النّجف رأى في حديثه لـ"المونيتور" في الّنجف بـ8/3، أنّ مثل "هذا التطرّف الفكريّ نحو الأديان الأخرى ينحصر بين فئة قليلة في المجتمع"، وقال: "اكتشاف آثار مسيحيّة في مدينة إسلاميّة معروفة مثل النّجف يشير إلى التاريخ المشترك الّذي يجمع العراقيّين من مسلمين ومسيحيّين، وأنّ المسيحيّة ليست غريبة على العراقيّين، وأنّ دخول العراقيّين إلى الإسلام يجب ألاّ يحجب الحقيقة في أنّ الكثير من أجدادهم كانوا مسيحيّين، ممّا يساهم في التفاعل الحاضر بين المسلمين والمسيحيين في وقت يشهد فيه العراق صراعاً طائفيّاً مريراً".

وتعزّزت "مسيحيّة" النّجف قبل الإسلام، حين كان اغلب سكان العراق يعتنقون المسيحية، في اكتشاف آثار دير عمره 1700 سنة، في العام 2012، يعود إلى الراهب المسيحيّ عبد المسيح بن بُقيلة، وعثر في داخله على قبر الراهب، مكتوب عليه باللّغة العربيّة القديمة "رحم الله عبد المسيح".

وقاد الفضول التاريخيّ "المونيتور" إلى زيارة المكان برفقة الكاتب والباحث في تاريخ النجف مكّي السلطاني، العارف بتفاصيل هذه الأمكنة التاريخيّة، ليتحدّث أثناء الجولة لـ"المونيتور" في 8/3 في النّجف، عن "مشروع تأسيس لجنة شعبيّة من قبل ناشطين مدنيين من اكاديميين وباحثين متطوعين، للحفاظ على الآثار والتراث في هذه المدينة العريقة الّتي تعجّ بالآثار المسيحيّة والإسلاميّة على حدّ سواء".

وقال مكّي السلطاني، وهو يلتقط صوراً أرفقت مع التقرير لهذه الآثار المسيحيّة التاريخيّة الّتي تحوّلت إلى أطلال متهاوية تعجّ فيها الرياح وتغرق في الرمال: "نعوّل على جهد الناشطين في مجالي الثقافة والتاريخ لإنقاذ هذه الصروح التاريخيّة المهمّة الّتي اندثرت وخرّبت بسبب الإهمال الرسميّ وجهل أفراد في المجتمع للأهميّة التاريخيّة لهذه الأماكن الأثريّة".

أضاف: "أبرز الأخطار المحدقة بهذه الأطلال التاريخيّة، نقص المخصّصات الماليّة لإدامتها، وفي حال توافرها فالعقود تمنح بفعل الرشاوى إلى مستثمرين فاسدين ليست لهم تجربة في إدامة الأماكن التاريخيّة، ويسعون الى سرقة الأموال المخصّصة لإعمار هذه المناطق عبر إعادة التأهيل الكاذب".

وعن أحد أوجه الفساد هذا، تحدّث السلطاني، وهو يقودنا إلى بقايا دير مسيحيّ، كما تدلّ النقوش الّتي عثر عليها، فقال: "تحوّل هذا الدير إلى محطّة بنزين بسبب الإهمال والفساد".

وقادنا السلطاني في الجولة أيضاً إلى مقابر مسيحيّة حاصرتها الرمال والمياه الجوفيّة وتركت عرضة للسلب والنهب، مشيراً إلى أنّ "سكّان المناطق القريبة ينقّبون في هذه المناطق الأثريّة للحصول على مقتنيات ثمينة فيها من مسكوكات وقطع ذهبيّة وأخرى أثريّة".

وكذلك، أخذنا السلطاني لزيارة هيكل من الزمن البابلي، وقال: "دَلّ على ذلك نقش الملك نبوخذ نصّر (605– 562 ق.م) الّذي وجد محفوراً في الطابوق الّذي سرقه الأهالي لبناء مساكن لهم".

وفي دلالة على حجم الإهمال لهذه الآثار العظيمة، قادنا السلطاني إلى أرض جرداء، وهي المكان الّذي شهد ازدهار مدينة الحيرة القديمة، الّتي يعود تاريخها إلى الربع الأوّل من القرن الثالث ميلاديّ، وقد امتلأت بالحفر الّتي أحدثتها أعمال التنقيب غير الشرعيّة، فيما يقع النّظر على العشرات من حفر القبور الّتي أصبحت ملاذاً للأوساخ وأكياس القمامة، بعدما حفر فيها لصوص الآثار وتركوها مكشوفة في العراء.

وبجانب هذه الأرض، شّيد حيّ سكنيّ، قال عنه السلطاني: "لقد بُنيت هذه البيوت على أنقاض قصر السدير التاريخيّ، الّذي بناه النعمان بن المنذر بين 403 – 430 ميلاديّاً"، فيما تعجّ المنطقة بالتلال الّتي يعتقد أنّها بعض من بقايا محيط قصر الخورنق (403 – 430) الّذي نقّبت عنه بعثة من جامعة أوكسفورد البريطانيّة في عام 1931.

إنّ هذا الإرث التاريخيّ المسيحي في النجف الّذي يكشف عن جذور المعتقدات في العراق جدير بالاهتمام، في ظلّ موجة من تطرّف مذهبيّ تسعى إلى الاحتراب بين الأديان وترفض التعايش المشترك، فكما أنّ للمسلمين اليوم حضوراً طاغياً في العراق، فإنّ هذه المعالم المسيحيّة في مدينة إسلاميّة تحمل أقوى الدلالات على التاريخ المشترك فوق بلاد ميزوبوتاميا، ممّا يوجب على المسلمين والمسيحيّين العمل المشترك على إعمار هذه الأماكن، لأنّها ستكون مشاريع سياحة دينيّة رائدة تجذب الزوّار المسلمين والمسيحيّين من مختلف أنحاء العالم.

وفي خطوة لإعادة تأهيل هذه المواقع التاريخية والدينية، كشف ديوان أوقاف الديانات المسيحية في العراق، في 2012 عن خطة لإعمار الكنائس الأثرية في بغداد والمحافظات، وعلى رغم مضي فترة زمنية طويلة لهذا الإعلان، فانّ زيارة المونيتور، لما موجود من هذه الآثار في النجف، لا يدل على أي مشروع لإعادة تأهيل وإعمار تلك المواقع الأثرية.

------------------------------------------------------

*كاتب من العراق. والمقال نشر على الموقع الالكتروني (المونيتر).. للاطلاع أكثر تابع الرابط التالي:

http://www.al-monitor.com/pulse/ar/originals/2016/03/iraq-najaf-islam-christian-historical-sites.html#ixzz43CU8pTst