الخميس 23 شباط/فبراير 2017
TEXT_SIZE

أمـا آن للعرب أن يستخلصوا الدروس ؟!

مائة عام بعد اتفاقية سايكس ـ بيكو

اعداد جنات بن عبد الله

نظم مركز جامعة الدول العربية قبل أيام بمقر المركز لقاء بمناسبة مرور 100 عام عن اتفاقية سايكس  ـ بيكو بحضور عدد هام من الديبلوماسيين التونسيين والعرب والمختصين في العلاقات الدولية والعربية. الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية الدكتور عبد اللطيف عبيد عند افتتاحه لهذا اللقاء قدم الاطار العام لهذه الاتفاقية التي تستحق من الشعوب العربية التعمق باعتبار تداعياتها التي لا تزال نعيش على وقعها، شاكرا الدكتور بسام عبد القادر النعماني سفير الجمهورية اللبنانية بتونس على تفضله بقبول القاء محاضرة في المجال استنادا الى 25 خريطة تتعلق باتفاقية سايكس ـ بيكو.

المحاضرة التي القاها الدكتور النعماني جاءت تحت عنوان «الوطن العربي بعد 100 عام من اتفاقية سايكس ـ بيكو : قراءة في الخرائط» حاول من خلالها المحاضر التعرض الى الظروف التاريخية التي ساهمت في اعادة تقسيم الوطن العربي على خلفية المصالح الفرنسية والايطالية والروسية والبريطانية.

التعريف

في بداية المداخلة انطلق المحاضر بالتعريف باتفاقية سايكس ـ بيكو لسنة 1916 مشيرا الى انها عبارة عن سلسلة من الاتفاقيات والمفاهمات السرية بين فرنسا والمملكة المتحدة بمصادقة من الامبراطورية الروسية والهادفة الى اقتسام الامبراطورية العثمانية في منطقة الهلال الخصيب بين فرنسا وبريطانيا، خاصة الى تحديد مناطق النفوذ في الدردنيل وغرب اسيا عند انتصار الحلفاء المتوقع في الحرب العالمية الاولى. وقد تم التوصل الى هذه الاتفاقية بين نوفمبر من عام 1915 الى ماي من عام 1916 من خلال مفاوضات سرية بين الدبلوماسي الفرنسي فرانسوا جورج ـ بيكو، والبريطاني السير مارك سايكس، ووزير الخارجية الروسي سيرغي سازونوف. وتوجت هذه المفاوضات بتبادل وثائق تفاهم بين وزارات خارجية فرنسا وبرطانيا وروسيا القيصرية، حيث كانت التسمية الرسمية انذاك هي «اتفاقية اسيا الصغرى، لكن الاسم الذي التصق بها واصبح اكثر شيوعا هو «اتفاقية سايكس ـ بيكو».

ولاحظ انه سبق توقيع هذه الاتفاقية التوصل الى اتفاقيتين سريتين اخريين هما «اتفاقية القسطنطينية» في شهر مارس 1915، و«مذكرة لندن» في افريل 1915. وعندما علمت الدبلوماسية الايطالية بشكل ما بهذه الترتيبات، طلبت الانضمام اليها بشكل سري تم تكريسه لاحقا في اتفاقية رابعة هي «معاهدة سانت جان دي موريان» في جوان 1917، مبينا ان فرنسا وبريطانيا تنصلتا لاحقا من تنفيذها. وعندما استولى البلاشفة على الحكم في روسيا في العام 1917، قاموا بالكشف عن مجمل هذه الاتفاقات السرية الاربع، مما اثار ضجة عالمية كبرى.

اثر ذلك اعلنت روسيا الشيوعية عن انسحابها وتخليها عن هذا الاتفاق الثلاثي، ليشار الى مجمل هذه الاتفاقات وعلى سبيل الاختصار بـ «اتفاقية سايكس ـ بيكو» لأنها اصبحت محصورة ثنائيا بين الطرفين الاثنين : بريطانيا وفرنسا.

رد الفعل العربي

بخصوص ردود الفعل الشعبية ـ الرسمية العربية المباشرة انذاك، افاد المحاضر انها كانت تعكس حالة من خيبة الأمل العميقة من الوعود البريطانية المخالفة التي وردت في مراسلات حسين ـ مكماهون والتي تبنت الاعتراف بدولة عربية مستقلة واحدة في حال ثار العرب على الاتراك، لا سيما وان الكشف عن هذه الاتفاقات السرية قد جاء بعد اسابيع قليلة من صدور اعلان بلفور الذي تعهدت فيه بريطانيا بتسهيل اقامة وطن قومي يهودي في فلسطين.

وكانت روسيا قد حصلت في الاتفاق الثلاثي على القسطنطينية (اسطنبول) وضمنت سيطرتها على ضفتي البوسفور ومساحات كبيرة في شرق الأناضول في المناطق المحاذية للحدود الروسية التركية، أما منطقة الهلال الخصيب فقد تم تقسيمها وتحصلت فرنسا على الجزء الأكبر من الجناح الغربي من الهلال (سوريا ولبنان) ومنطقة الموصل في العراق. أما بريطانيا فامتدت مناطق سيطرتها من طرف بلاد الشام الجنوبي متوسعا بالاتجاه شرقا لتضم بغداد والبصرة أي كل المناطق الواقعة بين الخليج العربي والمنطقة الفرنسية في سوريا. كما تقرر أن تقع فلسطين تحت ادارة دولية يتم الاتفاق عليها بالتشاور بين بريطانيا وفرنسا وروسيا. ولكن الاتفاق نص على منح بريطانيا مينائي حيفا وعكا، على أن يكون لفرنسا حرية استخدام ميناء حيفا، ومنحت فرنسا لبريطانيا بالمقابل استخدام ميناء الاسكندرونة الذي كان سيقع في حوزتها.

تعدد المراسلات والمذكرات

لاحظ المحاضر أنه في 18 مارس 1915، بعد ان تم تبادل عدة مذكرات ومفكرات رسمية بين وزراء خارجية روسيا وانقلترا وفرنسا وبين سفرائهم المعتمدين في عواصم الدول الثلاث، منحت فرنسا وبريطانيا بموجبها ضمانات بالموافقة على سيطرة روسيا القيصرية على القسطنطينية والمضائق بعد انتهاء الحرب، مع ابقاء القسطنطينية مدينة حرة، ولهذه الاسباب جمعاء سميت هذه الاتفاقية الأولية بـ «إتفاقية القسطنطينية».

واضاف انه عندما علمت الدبلوماسية الايطالية بتوقيع «اتفاقية القسطنطينية»، طلب وزير الخارجية الايطالي البارون سيدني سونينو الانضمام اليها كثمن للتخلي عن التحالف مع المانيا والانضمام الى الحلفاء في الحرب العالمية الأولى، على ان تحصل ايطاليا في مقابل ذلك على اراض في الاناضول وفي البحر الادرياتيكي. عقب ذلك التوقيع على معاهدة سرية ثانية اكثر تفصيلا بين الدول الاربع في 25 افريل 1915، سميت بـ «مذكرة لندن»، نصّت على حق روسيا في الاستيلاء على المضائق التركية والمناطق المجاورة لها، وهي بحرا مرمرة والدردنيل، وجزء من شاطئ اسيا الصغرى، مقابل أن تصبح القسطنطينية مدينة حرة، وضمان حرية الملاحة في منطقة المضايق، وان تعترف روسيا بحقوق بريطانيا وفرنسا الخاصة في اقاليم تركيا الآسيوية، على ان تحدد هذه الحقوق فيما بينهما بمقتضى اتفاق خاص، وكذلك ان تخضع الأماكن المقدسة وشبه الجزيرة العربية لحكم اسلامي مستقل، وان يضم جزء من ايران الى منطقة النفوذ البريطانية. وحيث ان روسيا كانت توجه معظم قواتها العسكرية الى الجبهة الشرقية ضد المانيا، فهي كانت حريصة على ان تضمن حقوقها في الدردنيل قبل ان يقوم الحلفاء بشن حملاتهم العسكرية ضد الأتراك.

الا ان بريطانيا كانت تواجه موقفا عصيبا منذ بداية عام 1915، بعد ان فشلت حملتها العسكرية في العراق واستسلم جيشها المحاصر الى العثمانيين، وزاد ضغط القوات التركية على منطقة قناة السويس، كما فشلت حملة البريطانيين ودول الكومنولث ضد منطقة المضايق التركية. فأصبحت مقتنعة بان تعاون العرب مع القوات البريطانية هو أمر حيوي. لذا عملت بريطانيا على استمالة الشريف حسين حاكم الحجاز اليها، حيث بدأت بينه وبين المعتمد البريطاني في مصر هنري مكماهوت مكاتبات ومراسلات عرفت باسم «مراسلات حسين ـ مكماهون». كانت بريطانيا تهدف من ورائها الى دفع العرب للثورة على الأتراك، مما سيؤدي الى التقليص من مصداقية اعلان السلطنة العثمانية «الجهاد» ضد قوات الحلفاء. في هذا السياق لاحظ المحاضر ان الحسين، لم يكن يهدف الى استقلال محدود له في الحجاز كما كان يتوقع منه البريطانيون، بل اعلن انه يهدف الى اقامة دولة عربية تشمل العراق والشام والحجاز. وقد وعد مكماهون في النهاية في رسالته بتاريخ 24 اكتوبر 1915، وباسم الحكومة البريطانية، بان بريطانيا ستعترف باسيا العربية كاملة دولة عربية مستقلة اذا شارك العرب في الحرب ضد الدولة العثمانية.

دخول بيكو على الخط

من جهة اخرى افاد المحاضر انه في هذا السياق الزمني، كانت المفاوضات الفرنسية ـ البريطانية ـ الروسية مستمرة على وتيرتها، فعينت الحكومة الفرنسية في نوفمبر 1915، فرانسوا جورج ـ بيكو، قنصلها العام السابق في بيروت، مندوبا ساميا لمتابعة شؤون الشرق الأدنى ومفاوضة الحكومة البريطانية في مستقبل البلاد العربية. وما لبث ان سافر الى القاهرة، واجتمع بالسير مارك سايكس المندوب السامي البريطاني لشؤون الشرق الأدنى، وتوصل الاثنان، باشراف مندوب روسيا، لشبه اتفاقية رسمت الخطوط الاولية لتقسيم المنطقة العربية في سوريا وبلاد الرافدين. ثم انتقل الدبلوماسيان الى مدينة سانت بطرسبورغ في جانفي 1916، من اجل التفاوض مع وزير الخارجية الروسي سيرغي سازونوف، واسفرت هذه المفاوضات بعد عدة اشهر عن اتفاقية ثلاثية في 16-9 ماي 1916، تتلخص في مذكرات ثنائية متبادلة بين وزراء خارجية الدول الثلاثة وسفرائهم المعتمدين لتحديد مناطق نفوذ كل دولة استنادا الى خرائط جغرافية تضبط التالي :

ـ استيلاء فرنسا على غرب سوريا ولبنان وولاية اضنة في منطقة جرى تلوينها على الخريطة باللون الأزرق وسميت بـ«المنطقة الزرقاء» من دون تحديد ماهيتها في الاتفاقية.

ـ استيلاء بريطانيا على منطقة جنوب واواسط العراق بما فيها مدينة بغداد، وكذلك ميناء عكا وحيفا في فلسطين جرى تلوينها على الخريطة باللون الاحمر وسميت بـ «المنطقة الحمراء».

ـ استيلاء روسيا على الولايات الارمنية في تركيا وشمال كردستان (جرى تلوينها بشكل لاحق على الخريطة باللون الأصفر). واعترفت المعاهدة كذلك بحق روسيا في الدفاع عن مصالح الارثوذكس في الأماكن المقدسة في فلسطين.

ـ المنطقة المحصورة بين الأقاليم التي تحصل عليها فرنسا، وتلك التي تحصل عليها بريطانيا تكون اتحاد دول عربية او دول عربية موحدة برئاسة حاكم عربي، ومع ذلك فان هذه الدولة تقسم الى مناطق نفوذ بريطانية تم تحديدها في الخريطة بحرف «B»، وفرنسية تم تحديدها بحرف «A». ويشمل النفوذ الفرنسي شرق سوريا وولاية الموصل، بينما النفوذ البريطاني يمتد الى شرق الاردن والجزء الشمالي من ولاية بغداد وحتى الحدود الايرانية.

ـ يخضع الجزء الباقي من فلسطين لادارة دولية وجرى تلوينها باللون الأسمر.

ـ يصبح ميناء الاسكندرونة حرا.

وحيث ان «معاهدة لندن» في أفريل 1915 لم تكن شديدة الوضوح في تحديد مناطق النفوذ الايطالية فقد طلب وزير الخارجية الايطالي توقيع اتفاقية جديدة مع فرنسا وبريطانيا (كانت روسيا قد بدأت تمر بمخاض الثورة التي أطاحت بالقيصر في سنة 1917) سميت بـ«اتفاقية سانت جان دي موريان» بتاريخ 26 أفريل 1917 وفيها تم تعويض ايطاليا بمنطقة أضنة في الآناضول التركية وبهذه الاتفاقية الرابعة اكتمل عقد الاتفاقيات السرية حول تقسيم الدولة العثمانية.

في ختام تدخله لاحظ المحاضر أن اتفاقية سايكس بيكو (أي نصوص المواد الـ12 التي حوتها المذكرات الثنائية بتاريخ 9 ـ 16 ماي 1916 مضافا اليها الخريطة التي ارفقت بالمذكرات وهي التي وقعها سايكس وبيكو تمت في سرية تامة وبمعزل عن الشريف حسين الذي لم يكن يعلم عن الاتفاقية او الخريطة شيئا، رغم ان سايكس وبيكو اجتمعا بالشريف حسين بعدها بأيام وطلبا منه ضرورة مساعدة العرب للحلفاء في الحرب وكانت مراسلات حسين ـ مكماهون قد تطرقت الى «مصالح فرنسا» ومصالح بريطانيا في بعض المناطق ولكنها لم تعلن جهارا بأنه هنالك مشروع لوضع اليد ولتقسيم المنطقة بين الدولتين دون اغفال المناطق الاخرى التي كانت ستخضع لروسيا وايطاليا ولم يعلم الشريف بالاتفاقية الا بعد قيام الثورة البلشيفية في روسيا في 1917 واعلان الشيوعيين عن المعاهدات السرية التي وقعتها روسيا القيصرية ومن بينها اتفاقية «سايكس ـ بيكو» وقد سارع الشريف حسين بتقديم احتجاج الى السلطات البريطانية لكنها طمأنته بأنها ملتزمة بالعهود التي قطعتها معه، فمضى في تأييدها ومساندتها واستمر في ثورته ضد الاتراك على الرغم من ان وعد بلفور بتسهيل اقامة وطن قومي يهودي في فلسطين كان قد صدر في ذات الوقت أي في نوفمبر 1917.

النقاش

اثر المداخلة فتح باب النقاش حيث علق الحاضرون على هذه الاتفاقيات والمعاهدات التي تمت في ظروف تاريخية تم التمهديد لها منذ القرن الثامن عشر والتاسع عشر وعلق بعض المتدخلين على ضرورة الاتعاظ بالدروس التاريخية التي يمكن استخلاصها من المباحثات التي أفرزت تقسيما جديدا للمنطقة العربية واستشهد البعض الاخر بما حدث في العراق وسوريا في حين عرج البعض الآخر الى التهديد الداعشي في المنطقة وضرورة التصدي له.

-----------------------------------------

*نشر المقال في "الصحافة اليوم" – تونس

http://www.essahafa.info.tn/clear.gif

 

 

أوباما يؤكد التزامه بالدفاع عن إسرائيل وعدم التورط بحروب شرق أوسطية

كشفت مجلة "ذي أتلانتك" (الأطلسي) السياسية الخميس ان عددها لشهر نيسان سيحتوي تقريرا صحفيا مطولا يتناول مقابلة مطولة (امتدت على ستة اجزاء) أجراها الصحافي في المجلة جيفري غولدبرغ مع الرئيس الأميركي باراك أوباما لمدة 6 ساعات مسجلة، جرى تسجيلها على مدى أربعة أشهر، مشيرة الى ان المقابلة مخصصة لسياسة الرئيس الأميركي الخارجية أو ما أسمته المجلة "مبدأ أوباما".

ويتعلق تقرير غولدبرغ بالسياسة الأميركية تجاه مصر والسعودية وليبيا و إيران وإسرائيل ، حيث شدد أوباما (في واحدة من مقابلاته مع غولدبرغ) ، انه ملتزم بالدفاع عن إسرائيل وأن "عدم الدفاع عن إسرائيل سيكون بالنسبة لي فشلا أخلاقيا كرئيس للولايات المتحدة " بحسب غولدبرغ .

وفي واحدة أخرى من المقابلات الست، اوضح أوباما لغولدبرغ أنه كان يصبو من الذهاب إلى القاهرة في بداية دورته الأولى وإلقاء خطابه الشهير أمام طلاب جامعة القاهرة في شهر حزيران من عام 2009، أن "يعيد العلاقات الحميدة بين الولايات المتحدة و المسلمين في العالم " بعد الخراب الذي فعله جورج دبليو بوش بحسب غولدبرغ، "دعونا جميعا للتوقف عن التظاهر بأن سبب المشاكل في الشرق الأوسط هو إسرائيل " وان "نعمل للمساعدة في تحقيق الدولة والكرامة للفلسطينيين، لكني لم أكن على أمل أن كلامي قد يحقق الغاية المطلوبة ( بخصوص مشاكل الشرق الأوسط الشائكة) واستكشاف ما يمكن أن يفسح المجال به أمام المسلمين للتصدي للمشاكل الحقيقية التي تواجههم - مشاكل الحكم ، وحقيقة أن بعض تيارات الإسلام لم تنتهج نهجاً إصلاحياً من شأنه مساعدة الناس على التكيف مع المذاهب الدينية الأخرى والحداثة ".

إلا أن أوباما خصص جزءًا مهما من إحدى المقابلات بحسب غولدبرغ إلى انتقاد رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو مشيرا الى لقائه مع نتنياهو في البيت الأبيض حيث "تحدث نتنياهو مع أوباما بغطرسة واضحة عن المخاطر التي تواجه إسرائيل ".

ويقول غولدبيرغ بأن أوباما "رأى أن نتنياهو كان يتحدث إليه بطريقة متعجرفة محاولاً تحويل النقاش من عملية السلام إلى قضايا أخرى" وأن اوباما قاطع نتنياهو بضجر قائلاً إليه " بيبي (نتنياهو) ، عليك أن تفهم شيئا: أنا ابن لأميركي من أصل أفريقي، تربيت على يد أم بمفردها، وأنا الآن أعيش هنا في هذا البيت، أنا أعيش هنا في البيت الأبيض لأنني تمكنت من الفوز بانتخابات جعلتني رئيسا للولايات المتحدة : هل تعتقد أنني لا أفهم ما الذي نتحدث عنه ؟"

يشار إلى ان جيفري غولدبرغ، الذي خدم في الشرطة الإسرائيلي كحارس في أحد سجون الاحتلال التي كانت مكتظة بالمعتقلين الفلسطينيين ابان الانتفاضة الأولى يعتبر مقرباً من الرئيس الأميركي، وتتسم علاقته مع نتنياهو بالجفاء رغم دفاعه المستميت عن إسرائيل في كل مناسبة.

وحرر الكاتب مقاله اعتمادا على ست ساعات من المقابلات مع أوباما وغيره من كبار المسؤولين في الإدارة أوباما اجراها على مدى الأشهر الأربعة الماضية ، في محاولة "لمسح مبادىء السياسة الخارجية للرئيس الأميركي منذ دخوله البيت الأبيض في يناير 2009" .

ويدعي غولدبرغ أن ليون بانيتا ، الذي كان رئيساً لوكالة الاستخبارات الأميركية، ووزيراً للدفاع خلال فترة حكم أوباما الأولى، قال له "لقد تساءل أوباما لماذا يجب على الولايات المتحدة الحفاظ على ما يسمى التفوق العسكري النوعي لإسرائيل، التي يمنحها الوصول إلى أنظمة أسلحة أكثر تطورا من حلفاء أميركا العرب".

إلا أن غولدبرغ يؤكد في مقاله الطويل أن أوباما خلال سنواته كرئيس للولايات المتحدة لم يتخذ أي إجراءات من شأنها أن تحد من هذا التفوق الإسرائيلي الذي يفوق "أي مجموعة أعداء محتملة" بل على العكس ضاعفها كثيراً.

وبخصوص الملف النووي الإيراني يدعي غولدبرغ أنه في مقابلته مع الرئيس أوباما في أواخر شهر كانون الثاني ، سأل أوباما ما إذا كان ينوي حقا مهاجمة المنشآت النووية الإيرانية إذا كان النظام في طهران يسعى للحصول على سلاح نووي وأن أوباما قال: " نعم أنا في الواقع كنت سأفعل ذلك لو تأكدت من أنهم (الإيرانيون) على وشك الانطلاق إلى حيز القدرة (النووية المسلحة) كون ذلك في مصلحة الولايات المتحدة".

ويقول غولدبرغ أن هذه كانت هي نقطة الخلاف مع نتنياهو الذي أراد من أوباما مهاجمة إيران حتى قبل أن تصنع القنبلة النووية بل عند امتلاكها "المعرفة" لصناعة القنبلة النووية وهو ما عارضه الرئيس أوباما.

ويصف غولدبرغ الرئيس أوباما بأنه كان يشعر بالإحباط بسبب إدارة المملكة العربية السعودية وإيران حروباً بالوكالة لهما في المنطقة، الأمر الذي يهدد السلام ويضع المصالح الأميركية في المنطقة في حالة حرجة، وأنه (أوباما) يعتقد أن السعودية، أحد الحلفاء الأميركيين الأكثر أهمية في الشرق الأوسط، بحاجة لمعرفة كيف "تتقاسم" المنطقة مع عدوها اللدود، إيران، وأن اللوم يقع على كلتا الدولتين في تأجيج الحروب بالوكالة في سورية والعراق واليمن.

ووصف أوباما بعض الحلفاء الأميركيين في الخليج العربي -وكذلك في أوروبا- بأنها "قوى جامحة" تتطلع إلى جر الولايات المتحدة إلى صراعات طائفية طاحنة لا تمت بصلة للمصالح الأميركية.

ولم يُبدِ الرئيس الأميركي الكثير من التعاطف مع السعوديين، الذين يشعرون بأن الاتفاق النووي الذي توصل إليه أوباما مع إيران يهدد مصالحتهم وعليهم "إيجاد وسيلة فعالة لتقاسم المنطقة وإقامة نوع من السلام البارد".

ووضع الرئيس أوباما تصريحاته في "سياق نضاله الأوسع نطاقاً لإخراج الولايات المتحدة من الصراعات الدموية في الشرق الأوسط" حتى يتسنى لها التركيز بصورة أكبر على أجزاء أخرى أسرع نمواً وأكثر إشراقاً من العالم، مثل آسيا وأميركا اللاتينية.

وبحسب غولدبرغ، فإن أوباما قال أيضاً بأن دعمه للتدخل العسكري الذي شنَّه حلف شمال الأطلسي في ليبيا كان "خطأ"، نتج في جزء منه عن اعتقاده المغلوط بأن بريطانيا وفرنسا ستتحمل المزيد من عبء العملية.

ودافع أوباما بقوة عن رفضه تنفيذ الخط الأحمر الذي وضعه بشأن استخدام الرئيس السوري، بشار الأسد، للأسلحة الكيميائية على الرغم من أن نائب الرئيس جوزيف بايدن جادل داخلياً، وفقاً للمجلة، بأن "الدول الكبرى لا تمزح".

ويؤكد غولدبرغ أن أوباما يريد يترك البيت الأبيض دون التورط في حروب جديدة شائكة في الشرق الأوسط قد تقع الولايات المتحدة في شركها لسنوات طويلة قادمة وهو ما منعه من التورط في هجمات عسكرية للإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد عام 2013 .

-------------------------------------------------

 *كاتب فلسطيني يقسم في واشنطن، والمقال نشر على موقع "القدس" دوت كوم.

الاصلاح الذي نريد

كثيرا ما يجري الحديث عن التغيير الوزاري كعنوان للإصلاحات المطلوبة لإنقاذ الوضع الاقتصادي والسياسي المتدهور. لكن تغيير الوزراء لا يكفي للإصلاح، فقد تغيروا عدة مرات خلال السنوات الماضية لكن التدهور لم يتوقف. فالمجيء بوزراء تكنوقراط لا يحل المشكلة أيضا، ما دامت المعايير المعتمدة في الاختيار لم تتغير وما دام الوزير يرشح من كتلة تظل هي مرجعه وليس مجلس الوزراء، وتظل مصالح كتلته السياسية والاقتصادية هي الأولوية وليس مصلحة البلاد.

الحديث عن استقالة الحكومة أو تغيير بعض وزرائها لا يحل المشكلة، فالوزراء الحاليون ليسوا كلهم بلا كفاءة، لكن كفاءة الوزير وحدها لا تكفي. نحتاج إلى وزير يمتلك أدوات عمل كفؤة، من مستشارين ووكلاء ومدراء عامين. هؤلاء هم من يعمل ويجب أن يكونوا تكنوقراطيين. نحتاج وزراء يختارون مستشارين حقيقيين وليسوا أقارب أو أقارب زوجة ينفضون الغبار عن بدلته ويرتبون ربطة عنقه. نحتاج وزراء لا يكون همهم إطعام حزبهم أو جعل الوزارة أو الهيئة المستقلة دكاكين لعوائلهم أو عشائرهم.

بين أصحاب الدرجات الخاصة من يملكون الكفاءة لكنهم محاصرون من الغالبية عديمة الكفاءة أو مافيات الفساد، لذلك فإن الاصلاح لا يجب أن يظلم هؤلاء ويحرم الدولة منهم بل يجب دعمهم وتقوية دورهم، وهذا إذا تم فإنه يرفد الارادة بالمزيد من الكفوئين والمخلصين النزيهين ليكونوا أغلبية تنهزم أمامها مافيات الفساد والجهل.

لا يستقيم اصلاح دون محاربة الفساد. ما دام الفساد مستشرياً، وما دام المسؤول والموظف قابلا للرشوة والفساد فإن الهيكل الاداري سرعان ما ينهار أكثر وأكثر. والفساد عندنا لا يخص فئة دون أخرى، بل هو يشمل المستويات كافة، من الموظف البسيط وحتى المسؤول الرفيع.

العلاج يجب أن يكون على خطين، ملاحقة الفاسدين ومحاسبتهم، وبموازاة ذلك لا بد من إجراءات وقوانين وتعليمات تساعد على سد منافذ الفساد. لا بد من تقليل فرص الاتصال بين المواطن والموظف، وهذا لا يتم إلاّ من خلال اعتماد الحكومة الألكترونية. تم الشروع بخطوات في هذا الاتجاه لكن مافيات الفساد المستفيدة من البيروقراطية والروتين وقفت بوجهه ويبدو أنها أحبطته. البيروقراطية والفساد في الدوائر يرهقان المواطنين نفسياً ومادياً، فضلا عن كرامتهم المهدورة على يد موظفين بمختلف المستويات، يستمتعون بإذلال المراجعين.

محاربة الفساد تحتاج إلى قوانين رادعة، وإلى قدرة على تنفيذها، نحتاج قضاء عادلا ونزيها ومستقلا، لا يخاف فيه القاضي من حزب أو سياسي أو مجموعة مسلحة فيخضع لضغوطها ويبرّئ فاسدين تابعين لها، ولا يكون القاضي فيه مرتشياً في الملفات التي يغلقها. بدون هكذا قضاء لن تقوم للبلاد قائمة، فلا عدل ولا أمان ولا كرامة بدون قضاء عادل ونزيه.

الاصلاح يحتاج إلى تجنيد المؤسستين التعليمية والدينية كل جهودهما لإعادة الاعتبار إلى «حرمة المال العام»، وإحياء الضمير الذي يردع صاحبه من مد يده إلى المال العام حتى لو كان متاحاً وبدون رقيب.

الإصلاح مهمة كبيرة، لأن حجم الخراب كبير. لكن الاصلاح يجب أن يكون شاملا ومتزامناً لكي يؤتي نتائجه المرجوة.

في لحظة الخروج من النفق المظلم.. العيون العربية ما زالت معصوبة

 رغم ما يحدث الآن في أكثر من بلدٍ عربي من صراعاتٍ دموية تبدو وكأنّها مفتوحة الأجل ولا حلول قريبة لها... ورغم قتامة كل المشهد العربي، ورغم سوء الحاضر فعلاً، فإنّ جملة تطورات دولية وإقليمية تؤشّر إلى قرب خروج هذه البلدان العربية، المتصارع فيها وعليها، من النفق المظلم الذي تعيش فيه حالياً.

لقد مرّ أكثر من عقدٍ من الزمن على إشعال شرارة الحروب الأهلية العربية المستحدثة في هذا القرن الجديد، والتي بدأت من خلال الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003 وتفجير الصراعات الطائفية والمذهبية والإثنية فيه، ثمّ من خلال اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري في العام 2005، ثمّ بالمراهنة على تداعيات الحرب الإسرائيلية على لبنان في العام 2006، ثمّ بتقسيم السودان في مطلع العام 2011 وفصل جنوبه المختلف دينياً وإثنياً عن شماله، ثمّ بتحريف مسارات الحراك الشعبي العربي الذي بدأ بتونس ومصر متحرراً من أي تأثير خارجي، وسلمياً في حركته، فانعكس على دولٍ عربية أخرى، لكنّه انحرف عن طبيعته السلمية المستقلّة بسبب التأثيرات والأجندات الإقليمية والدولية المختلفة، حيث أراد بعضها توظيف الانتفاضات الشعبية العربية لكي تكون مقدّمةً لحروبٍ أهلية ولصراعاتٍ طائفية ومذهبية وإثنية، ولتغيير سياسات وخرائط أوطان، وليس حكومات وأنظمة فحسب.

وقد رافق هذه الأجندات الإقليمية والدولية المتصارعة على الأرض العربية نموّاً متصاعداً لجماعات التطرّف المسلّحة التي استغلّت حالات الفوضى والعنف لكي تمتدّ وتنتشر، بعدما صنعت والدتها "القاعدة" لنفسها قيمة دولية كبرى من خلال أحداث 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة وفي أماكن أخرى بالعالم.

وقد استغلّت إسرائيل طبعاً هذه الصراعات العربية البينية، فواصلت عمليات الإستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلّة مراهنةً أيضاً على تحوّل الصراع الأساس في المنطقة من صراعٍ عربي/إسرائيلي إلى صراعاتٍ عربية/عربية، وعربية/إيرانية، وعلى تقسيمات طائفية ومذهبية تبرّر أيضاً الاعتراف بإسرائيل كدولةٍ يهودية.

لكن السمات السلبية الداكنة للسنوات الماضية بدأت تتغيّر إلى حدٍّ ما مع أواخر العام 2015، حيث انتقلت موسكو وواشنطن من حال التنافر والخلاف بشأن الأزمة السورية إلى حال التفاهم على العمل المشترك لحلّها، وفق قرار مجلس الأمن 2254 ثمّ بيانات فييّنا وميونيخ. كذلك شهد نهاية العام الماضي بدء تنفيذ اتفاق الدول الكبرى مع إيران بشأن ملفها النووي وبدء رفع العقوبات المفروضة على طهران منذ زمنٍ طويل. وهذان الأمران (التفاهم الأميركي – الروسي والاتفاق الدولي مع إيران) لهما أهمّية كبيرة الآن في معالجة أزماتٍ عربية متفجّرة أو مهدّدة بانفجارٍ أكبر. وربّما هذا ما يُفسّر سبب غضب بعض الأطراف الإقليمية على إدارة أوباما، وخاصة انتقادات تركيا الأخيرة، وقبلها ما صدر عن حكومة نتنياهو حيث سقطت المراهنة الإسرائيلية على إشعال حربٍ دولية وإقليمية ضدّ إيران وحلفائها بالمنطقة.

هي حقبةٌ جديدة في العلاقات الأميركية/الإسرائيلية، حقبة فيها المصالح الأميركية أولاً كمعيار لوضع السياسات الأميركية وليس نتيجة حجم التأثير الصهيوني في صنع القرار الأميركي. وهذا التغيير الذي حصل في العلاقات بين واشنطن وتل أبيب لن يؤثّر حتماً على حجم الدعم المالي والعسكري الأميركي لدولة إسرائيل، فواشنطن تُميّز بين الحاجة لدولة إسرائيل وضرورة دعمها، وبين الخلاف السياسي مع حكومة هذه الدولة، ومحاور الخلاف هي الآن شاملة لمسألتيْ سوريا وكيفيّة التعامل مع الملف الفلسطيني، إضافةً إلى الخلاف الذي حصل بشأن إيران.

إنّ المتغيّرات الإيجابية الجارية حالياً في العلاقات بين واشنطن وموسكو، وبين إيران والدول الغربية، ستؤدّي حتماً إلى تخفيف الصراعات الدولية والإقليمية على بلدان المنطقة العربية، كما ستضع مشاريع تسويات لصراعاتٍ وتطورات جارية الآن ومعنيّة فيها القوى الإقليمية الفاعلة، وشاملة للأزمات السورية واليمينة والفلسطينية واللبنانية والعراقية والليبية، وطبعاً للمواجهة مع جماعات الإرهاب.

فخيار التسويات هو المطلوب حالياً من قبل الأقطاب الدوليين حتّى لو كانت هناك "معارضات" لهذه التسويات على مستوياتٍ محلّية وإقليمية. لكن هذه التسويات يتمّ وضعها الآن على "ظهر سلحفاة"، بعدما فشلت تجارب دولية انفرادية سابقة بوضع مشاريع تسوية في "قطارٍ سريع"، لكن على سكك معطوبة من قِبَل أصحابها أو ملغومة بفعل هذا الطرف أو ذاك.

وفي ظلّ الظروف العربية السلبية القائمة حالياً وما فيها من مخاطر أمنية وسياسية على الكيانات الوطنية، فإنّ هذه التفاهمات الدولية هي الأمل الوحيد المتاح حالياً لمعالجة أزمات المنطقة، ولوقف انحدار أوطانها نحو هاوية التقسيم والحروب الأهلية المدمّرة. وهي حتماً مراهناتٌ عربية جديدة على "الخارج" لحلّ أزمات مشكلتها الأساس ضعف "الداخل" وتشرذمه.

المنطقة العربية تعيش الآن مرحلة عشيّة الخروج من النفق المظلم الذي ساد طيلة أكثر من عقدٍ من الزمن، لكن هي المرحلة الأخطر لأنّ كلّ طرف معني بصراعات المنطقة سيحاول تحسين وضعه التفاوضي على "الأرض" قبل وضع الصيغ النهائية للتسويات. وسيكون صيف هذا العام هو الحدّ الزمني الفاصل للاستحقاقات المتوجّبة لهذه التسويات، ليس فقط بحكم ما ورد في قرار مجلس الأمن حول سوريا أو المهل الزمنية المحدّدة لأزمات أخرى، بل لأنّ إدارة أوباما ستفقد فاعلية القرار في مطلع الخريف القادم بسبب استحقاق الانتخابات الرئاسية الأميركية.

تحدث كل هذه التطورات الهامّة بينما العرب منشغلون في أوضاعهم الداخلية أو منقسمون ومتصارعون حول قضايا جوارهم العربي والإقليمي. فلا توافق عربي على أي أزمة عربية، ولا مرجعية عربية واحدة فاعلة، ولا رؤية عربية مشتركة لمستقبل المنطقة في ضوء المتغيّرات الحاصلة. ولعلّ ما يزيد من حجم المرارة في وصف الحاضر العربي أنّ الشعوب، وليس الحكومات فقط، غارقة أيضاً في الانقسامات وفي الخضوع لما تنقله وتعرضه وسائل إعلام عربية من تحريض وتعبئة وأكاذيب ضدّ "الآخر" في الوطن نفسه أو في الأمَّة عموماً.

وتظهر الأزمة الكبرى في المجتمعات العربية الآن حينما نسأل على ماذا تتصارعون؟ حيث الإجابة تتراوح بين من ينشدون الديمقراطية والتغيير عبر العنف المسلّح، وبين من يعتبرون أنفسهم حماة الدين أو الطائفة، بينما واقع الحال أنّ الديمقراطية والدين براء ممّا يحدث باسمهما من قتلٍ وسفك دماء.

هو انحطاط، وهو انحدارٌ حاصلٌ الآن، بعدما استباحت القوى الأجنبية (الدولية والإقليمية)، وبعض الأطراف العربية، عسكرة الحراك الشعبي واستخدامَ السلاح الطائفي والمذهبي والإثني في حروبها، وفي صراعاتها المتعدّدة الأمكنة والأزمنة خلال العقود الأربعة الماضية. وقد ساهم في ترسيخ هذا الواقع الانقسامي الأهلي، على المستوى الشعبي العربي، هيمنةُ الحركات السياسية ذات الشعارات الدينية، وضعفُ الحركات السياسية ذات الطابع الوطني أو العربي التوحيدي، إضافةً لاستمرار غياب دور مصر الريادي الإيجابي في الأمّة العربية.

ومهما حدثت تطوّرات إيجابية على الصعيد الدولي، فإنّ السؤال يبقى: ما ينفع أن تخرج الأزمات العربية من النفق المظلم بينما تستمرّ عيون العرب معصوبةً بسواد الانقسامات الطائفية والمذهبية، وأياديهم مقيّدةً بسلاسل الارتباطات الخارجية!؟.

 -----------------------------------------------------------

*مدير "مركز الحوار العربي" في واشنطن

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

لقراءة مقالات صبحي غندور عن مواضيع مختلفة، الرجاء الدخول الى هذا الموقع:

  http://www.alhewar.net/Sobhi%20Ghandour/OtherArabicArticles.htm

المذهبية" وظاهرتي "المقاومة" و"الربيع العربي"؟

سيُسجل تاريخ هذه المنطقة، إن كتب بحروف موضوعية نزيهة، أن حروب الطوائف والمذاهب وصراع الهويات المُقتتلة، قد أطاح بأنبل ظاهرتين عرفهما العرب في نصف القرن الأخير: ظاهرة مقاومة للاحتلال الإسرائيلي وظاهرة الثورات والانتفاضات الشعبية التي عرفت باسم "الربيع العربي" واندلعت في سياقاته ... وسوف يقال في خلاصة هذه الفصل، أن انتظارات العرب الطويلة وأشواقهم للحرية والتحرر والعدالة، والاستقلال وتقرير المصير، قد ذهبت بدداً بسبب الحروب المستعرة بين إمارات المذاهب وممالك الطوائف.

بعض العرب، من طبقة الحكام بالطبع، نظر إلى "ربيع العرب" ابتداءً، بوصفه تهديداً لا فرصة، ولم يجد ما يستقوي به عليه، سوى في "شد العصب الطائفي والمذهبي" ... هنا كل الأسلحة والأدوات، تبدو مشروعة، بما فيها تقسيم المجتمعات على أسس هوياتية، وترك بعضها يقتتل مع بعضها الآخر، في "لعبة صفرية" تكاد تأكل الأخضر واليابس ... حتى الذين احتفوا بربيع العرب عندما أطاح في بدايته، باثنين من زعماء "التمديد والتجديد والتوريث" في مصر وتونس، عادوا لوصفه بـ "الخريف" وإدراجه في سياقات "نظرية المؤامرة"، عندما ضربت رياحه العاتية دولة "المقاومة والممانعة": سوريا.

لقد توقف قطار التغيير والإصلاح عند أول محطة مشرقية له، وضل طريقه إلى اليمن وبعض أرجاء جزيرة العرب، وبدأت ارتداداته السلبية تحدث أثراً عكسياً، في عدد من الأقطار السبّاقة والرائدة في مضمار الإصلاح ... ولولا نجاحٍ ما زال مشروطاً في تونس، لقرأنا الفاتحة على روح الربيع، ولقلنا على التغيير في عالمنا العربي، السلام.

ونكتشف اليوم، أن كثيرين ممن التحقوا بركب "الخطاب المدني – الديمقراطي"، من إسلاميين وقوميين ويساريين، لم يجتز إيمانهم بالحرية والديمقراطية، حناجرهم إلى قلوبهم وعقولهم ... بعضهم التحق بركب الإمارات الوهابية الجهادية، واصطف في معسكر خصوم الحرية والتعددية والديمقراطية، ولأسباب مذهبية محضة ... آخرون، ممن لا يكفون على الهتاف للحرية في بلادهم، ارتضوا دعم الاستبداد في دول أخرى، ولأسباب إيديولوجية سقيمة ... وفي الحالتين، جاء الانقسام المذهبي والإيديولوجي، كاشفاً لسطحية الالتزام بقيم الديمقراطية والحرية، لكأننا أمة لم تتعلم من دروس فشلها وهزائمها، ولا تأخذ العظة من قصص نجاح الآخرين.

"مقاومة الاحتلال"، كانت الضحية الثانية لطوفان الانقسامات والاستقطابات المذهبية والطوائفية ... حركات المقاومة التي اندرجت في معسكر واحدٍ، لطالما تغنت به وبعظمة إنجازاته، وبالطريق الجديد الذي يشقه في فضاء الهزائم والنكسات العربية، تجد نفسها اليوم، في تقابل، بعضها ضد بعضها الآخر، ومن خندقين محتربين، بعضها عاد للاصطفاف في "تحالفات الحرب الباردة" إلى جانب حلفاء واشنطن وأصدقاء إسرائيل الجدد، وبعضها الآخر، انخرط بنجاح مكابر، في حروب وجبهات، بعيدة كل البعد، عن جبهة الصراع الرئيسة، مع العدو القومي الوحيد: إسرائيل.

لم تعد "المقاومة" راية تجمع القوم وتبرر احتشادهم، بعد أن تفرقوا وذهبت ريحهم ... لم يعد للمقاومين، الألق و"القدسية" التي أحاطت بهم لدى الرأي العام العربي، زمن التحرير في 2000 والانتصار في تموز 2006 وحروب غزة المتعاقبة في العقد الأخير ... والمؤسف أن التشهير المتبادل بين فصائل مقاومة، يفوق في حدته أشد حملات التشهير و"الشيطنة" التي تعرضت لها هذه الفصائل من خارج محورها و"ثقافتها" وخندقها ... فنجد "المقاوم السني" أشد ضراوة في الانقضاض على "المقاوم الشيعي"، ونجد الأخير، محمّلا بالشكوك والاتهامات لحلفاء الأمس.

لنكتشف بعد حين، أن "المقاومة"، بل ومفهوم "الوطن" و"تقرير المصير" و"الاستقلال"، ليست مفاهيم "قارّة" في خطاب هؤلاء وتفكيرهم ... وأنها ليست سوى موجة، انطلقت متأخرة بعض الشيء، وقد تتبدد مبكرة بعض الشيء ... فـ "الأمة" وليس "الوطن" هو المحرك الأول لسلوك هؤلاء وممارساتهم ... و"الأمة" هنا، تتقرر حدودها وفقاً لخطوط المذاهب، وهذه الأخيرة في حالة تشظي مستمر، فلا السنة كتلة أو مذهب واحد، ولا الشيعة كذلك.

لنجد أن حركة مقاومة فلسطينية، تضبط خطواتها على إيقاع "الأمة" وأولوياتها، التي تتقرر في مكتب الإرشاد العالمي، وأن حركة مقاومة لبنانية، تفاخر باندراجها في استراتيجية "الفقيه الولي" ... ومن يقبل بهذه أو تلك، يمنع عن نفسه، فرصة التحول إلى "حاضنة وطنية وقومية جامعة"، مقدماً "الجهاد العالمي" على النضال التحرري في سبيل الحرية والاستقلال وإنجاز برنامج التحرر الوطني وتقرير المصير ....  ويفقد بذلك، حواضنه الأخرى غير المذهبية الضيقة، ليصبح شيئاً فشيئاً جزءا من المشكلة، بدل أن يكون معقد الأمل وموطن الرجاء.

كلا المشروعين، التحرري القومي والتحرري الديمقراطي، أصيبا بمقتل في الصميم، بفعل الريح الصفراء التي تهب على المنطقة من "المذهبية" و"الطائفية" ... ولن يكون بمقدور المقاومين ولا مناضلي الحرية، أن يتذرعوا بأنهم ضحايا مؤامرة دبرت بليل بهيم في هذه العاصمة العربية أو تلك العاصمة الإقليمية، مع أن المؤامرة موجودة والمتآمرين كثر ... لقد ارتضوا أن يكونوا جزءاً من "ماكينة" تفريخ الطائفية والمذهبية، واستحقوا ما لحق بهم... والأمة من قبل ومن بعد، هي الخاسر الأكبر، إن لم نقل الخاسر الوحيد.

---------------------------------------------------

*رئيس مركز القدس للدراسات الاستراتيجية

نشر المقال في جريدة الدستور الأردنية

مراكز الأبحاث ليست ترفاً

أين هو المفكر العربي، مما يجري من أحداث ومتغيرات في الوطن العربي؟ كيف غاب صاحب الضمير الحر، والرأي المستقل وترك الساحة لغيره ممن يسمون أنفسهم خبراء أو محللين، أو أصحاب مراكز بحثية، يتكرر ظهورهم على شاشات التلفزة، ولا يزيدون المواطن العربي البسيط إلا اضطراباً وقلقاً وخبالاً؟

يبحث المواطن العربي دوماً، وربما صانع القرار أحياناً، عمن يملأ كيانه بالحقائق والطمأنينة والبدائل والخيارات، وينبهه للمخاطر والتهديدات والفرص، وعمن يكشف ما لدى المجتمع وصانع القرار من عوامل قوة، وعوامل ضعف في القدرات والإمكانات والسياسات.

نبحث عمن يفكر خارج «الصندوق» والنمطية المعتادة، خاصة حينما تخرج الأوضاع عن السيطرة أو الاحتواء، وعمن يقول ويحلل ويوثق ويقترح البدائل ويتشوف المستقبل، من دون أن يخطر في ذهنه أن ما يقوله ينبغي أن يرضي سامعيه.

جهود معظم مراكز التفكر والدراسات في إقليمنا العربي، ومنه إقليم الخليج، ما زالت موزعة ومشتتة تجتر نفسها بنفسها، لا تفاعل ولا تنسيق، تبدو وكأنها مجرد دور نشر متواضعة، وتستخدم مقراتها وإمكاناتها، كنواد سياسية ومحاضرات علاقات عامة، وتلميع لساسة فاشلين في بلادهم الأجنبية.

من مِن مراكز البحث والدراسات العربية، أطلق ثورة أفكار تزيل المناطق الرمادية والحيرة في الضمير المجتمعي العربي، وتقترح بدائل لمواجهة الضيق والضنك من فضاءات الحياة؟

ما الذي قدمته هذه المراكز من أفكار وخيارات، لأسر خيال المواطن العربي، وصانع القرار، وبقيمة مضافة ملموسة، تخدم الأمن الإنساني العربي بكل أبعاده.

غابت هذه المراكز البحثية، وربما عجزت، عن قراءة وتوقع وتحليل «الصدمات» الجارفة الراهنة، وكيفية امتصاصها مثلما فشلت في قراءة وتحليل ظواهر عديدة كالسلفية في تونس والجزيرة العربية والخليج، والإسلام السياسي، قبل حدوث هذه الزلازل السياسية والثقافية والأمنية.

ماذا حدث للمفكر المستقل الحر، حينما طرح ذات يوم مسألة التعليم الديني على بساط البحث والاستنباط والاستشراف والمآلات؟

الأمثلة كثيرة ومعروفة ومسجلة في ذاكرة التاريخ.

لم تكتشف بعض مراكز البحث إلا مؤخراً، واقع عجز النخب السياسية والثقافية والحزبية والنقابية العربية عن ممارسة الحد الأدنى من العيش المشترك في مجتمعاتها، فضلاً عن عجز نخب ليبرالية عن تقديم حلول لنقل مجتمعاتها إلى حياة سياسية عصرية، وبدت أهدافها لا تتعدى مسألة الوصول إلى السلطة، والبقاء فيها إلى زمن يطول.

لنراجع خرائطنا المعرفية وسنكتشف أننا لا نملكها ليست بحوزتنا.

بعد أن قمنا بتجريف السياسة والثقافة ولم ندرك خياراتنا المستقبلية، وعالجنا الأمور قطعة قطعة ويوماً بيوم.

غابت الخرائط المعرفية المتكاملة لمجتمعاتنا، فوقفنا مشدودين أمام المتغيرات الجارفة والمفاجئة. كان صعباً علينا فهم وقياس الانقلابات الاقتصادية والثقافية المصاحبة لظواهر العولمة ، حققنا إنجازات اقتصادية في بعض بلداننا وقفزات كمية في التعليم والرعاية الصحية، لكن غابت عنا فضيلة التفكر والاستشراف والبحث في مسائل البنى الثقافية والاجتماعية والسياسية المطلوبة، ومنظومات قيمية حداثية تحميها وتراكم عليها وتطورها، وتطبيقات على الأرض تعلي من شأن العقلانية والابداع والمواطنة المتساوية والتسامح والانصاف.. الخ.

إن كثيراً من مراكز البحث في منطقتنا، مازال يستعمل أدوات تحليل قديمة، لفهم المتغيرات والتطورات في الإقليم وفي العالم، وبعضها يعيد إنتاج «شيء»من منتجات مراكز أبحاث أمريكية بعد «تعريبها» وليّ شيء من استخلاصاتها.

وقد أدى ذلك إلى ضعف إدراكنا للمتغيرات في السياسات والقوى الفاعلة في الغرب وبخاصة في أمريكا فضلاً عن عمى شبه تام، عما يجري من تغيرات في الصين وروسيا وغيرهما من القوى الصاعدة على المسرح الدولي.

لم تعمل مراكز البحث العربية، بما فيها الخليجية، الفكر في متغير خطير حدث في السياسات الأمريكية منذ أكثر من عقد من الزمان حينما ركزت في تحالفاتها على ما يسمى «المجتمع المدني» في دول المنطقة، والمشرق العربي ومصر وفلسطين المحتلة بشكل أساسي، ودعمت مالياً ومعنوياً واحتضاناً منظمات مجتمع مدني عديدة، فتكاثرت هذه المنظمات حتى غدت، ربما أكثر من عدد محطات البترول في المدن العربية، ممولة من صناديق تابعة للحزبين الديمقراطي والجمهوري، ومن صناديق أحزاب أوروبية ليبرالية ويسارية. في ألمانيا وإيطاليا، دعماً لديمقراطية غائمة في تعريفها وآلياتها.. وسمعنا في حينه مقولات الإسلام السياسي، والأقليات والاثنيات.. إلخ، ومؤتمرات وضغوط، وتوليد منظمات مدنية من خلال «الأنابيب» وكثير منها شخصي أو عائلي.. وكأنها «دكاكين» خاصة.

رأينا في حينه، كيف تحولت الرهانات الغربية من الرهان على الدولة الوطنية، إلى الرهان على «الإسلام السياسي»، وأدركنا ذلك فقط في السنوات الثلاث الماضية، لم تنشغل مراكز أبحاثنا في التفكر والنحت في أسباب هذا التغيير ونتائجه إلا بعد خراب «البصرة» وما أكثر «البصرات» في وطننا العربي في هذه الأيام.

قلة من المفكرين العرب، رأت بعيون زرقاء اليمامة، أن هناك اختراقاً في الأمن القومي العربي، وأن الخرق سيتسع على الراقع. وها نحن اليوم «نداريها وقد مزقت». واتسع الفتق.... إيران هنا وهناك، واثيوبيا وتركيا، وروس وأمريكان.. وغيرهم.

ونبحث في مراكز البحث الغربية عن «خبير» يخبرنا ما العمل؟ بعد أن «بلغ السيل الزبى».. وها نحن نسدد الأثمان.

من المسؤول؟؟

من المسؤول عن ضمور إنتاج مراكز البحث، وعن غياب الباحث الرصين صاحب الصدقية والمفكر الموسوعي؟ لماذا انعزل المفكر أو همش أو ظل يصرخ في البرية في أحسن الأحوال، فلا يحدث صوته تموجاً أو أثراً في الراهن العربي؟

هل هي مسألة تتعلق بالموازنات أو الفجوة ما بين النظرية والتطبيق، أم هي مرتبطة بالمراكز نفسها وبطبيعة عملها ومهماتها؟ أم هي مسألة تتعلق بالفجوة القائمة ما بين المفكر و«الأمير» والرؤية السلبية المتبادلة بينهما؟ أم هي مسألة تتعلق بالحرية والمعرفة وثقافة التفكير.

أم هي كل ذلك مجتمعاً؟

مطلوب، أن تراجع مراكز الأبحاث الخليجية والعربية دورها، وأن يمكنها صانع القرار، من أداء الدور المنشود، وليس التمكن منها.

إن الأمة، وكل دولة وطنية، تقف اليوم أمام مرحلة مفصلية وتأسيسية للمستقبل، فليتحمل كل مسؤولياته، ولنعمل معاً قبل أن نخرج من التاريخ.

مراكز التفكر والبحث... ليست ترفاً.

------------------------------------------------------------------

*يشغل منصب وزير مفوض بوزارة الخارجية بدولة الإمارات العربية المتحدة، حيث يعمل في السلك الدبلوماسي منذ عام 1972.

الأزمة المالية والاقتصادية الراهنة ومسألة سعر صرف الدينار

مقدمة

يعاني العراق حاليا ازمة مالية واقتصادية، وبشكل خاص منذ بداية انخفاض اسعار النفط العالمية في صيف عام 2014، حيث بدات اسعار النفط العالمية بالانخفاض من اعلى مستوى بلغته وهو 120 دولار للبرميل لتصل الى 30 دولار وحتى دون ذلك وما تبعها من انخفاض كبير في عوائد الصادرات النفطية. وقد تزامن هذا الانخفاض مع المشكلات الاقتصادية الاخرى المزمنة، وهي الغياب شبه التام للقطاعات الانتاجية السلعية كالصناعة والزراعة فضلا عن تردي الخدمات الاساسية، وانعكاس كل ذلك على الميزان التجاري والموازنة العامة والاحتياطي من النقد الاجنبي والبطالة والفقر وحياة المواطنين. وقد بلغ الامر الى حد الخشية من احتمال عدم القدرة على تأمين رواتب الموظفين والمتقاعدين خلال الاشهر القادمة. ومما زاد الامر تعقيدا هو المواجهة والقتال مع الجماعات الارهابية التي تسيطر على بعض المناطق الغربية والشمالية من البلاد والانفاق الكبير الناتج عن ذلك فضلا عن تاثير الفساد المالي والاداري المستشري في جميع مفاصل الدولة وعمليات تهريب الاموال خارج البلد.

ومن الطبيعي ان ينعكس مثل هذا الوضع على تزايد العجز في الموازنة العامة وعلى سعر صرف الدولار الامريكي في السوق العراقية (وبالمقابل انخفاض قيمة الدينار مقابل الدولار). ونتيجةلانخفاض اسعار النفط العالمية وتناقص العوائد من العملة الاجنبية فقد بدأ البنك المركزي بتقليل الكميات المعروضة والمباعة من الدولار في مزاد العملة الاجنبية، ولاسيما بعد صدور الموازنة العامة لسنة 2015 والمادة 50 منهاوالتي حددت سقفا اعلى لمبيعات البنك المركزي من الدولار للقطاع الخاص وذلك حفاظا على حجم الاحتياطي من النقد الاجنبي لدى البنك المركزي. وقد ادى ذلك الى ارتفاع سعرصرف الدولار مقابل الدينارفي السوق وحدوث بعض الارباك في السوق المحلية.

وازاء ارتفاع سعر صرف الدولار وتصاعد العجز في الموازنة الى مستويات عالية جدا فقد برزت مطالبات ومقترحات من مختصين وخبراء اقتصاديين وسياسيين لمعالجة سعر صرف الدولار وتبني وسائل مناسبة لتغطية العجز في الموازنة او على الاقل تقليصه الى حدود مقبولة.

ورغم ان الحكومة قد اتخذت عددا من الاجراءات لخفض النفقات العامة مثل فرض بعض الضرائب والرسوم الجمركية على المستوردات وتخفيض رواتب الرئاسات الثلاث وفرض وزيادة الرسوم المفروضة على بعض الخدمات التي تقدمها الدولة للمواطنين، ثم توسعت الاجراءات لتشمل استقطاع نسبة من رواتب الموظفين والمتقاعدين، تفكر الدولة باستغلال ممتلكات واراضي الدولة لتوليد الاموال للميزانية العامة. الا ان جميع هذه الاجراءات لم تكن كافية ولا تتناسب مع حجم المشكلة ولازلنا بحاجة الى اجراءات اخرى جذرية مثل محاسبة الفاسدين وسراق المال العام واسترداد الاموال المسروقة والمنهوبة وترشيق الوزارات والجهاز الاداري بشكل جدي. الا ان هذه الاخيرة تواجه مشكلة كبيرة وذلك بسبب معارضة الكتل السياسية لمثل تلك الاجراءات لانها تمس مصالحها. لهذا فان المشكلة تبقى قائمة بانتظار الحسم.

وبخصوص سعر صرف الدولار، فقد طرح البعض مقترحا لتبني سياسة مخططة لتخفيض قيمة الدينار وهو ما يعرف بالمصطلح الاقتصادي Devaluation) ) على ان يكون بشكل تدريجي وذلك من ضمن الحلول الاخرى المقترحة لمعالجة بعض المشكلات الاقتصادية الراهنة. وقد عارض البعض هذا المقترح بشكل مطلق فيما عده البعض الاخر بانه اخر الحلول. ولهذا ارتاينا ان نستمر بالنقاش عسى ان نتوصل الى قناعة مشتركة بشان الموضوع.

وتجدر الاشارة الى ان تخفيض قيمة الدينار له تاثيرات ايجابية واخرى سلبية، وسوف نناقش هذه التاثيرات على الاقتصاد الوطني وعلى بعض المؤشرات الاقتصادية في ادناه .

لمواصلة القراءة يرجى تنزيل المقال كملف بي دي أف سهل الطباعة بانقر على الرابط التالي

http://iraqieconomists.net/ar/2016/03/02/%D8%AF-%D9%85%D8%AF%D8%AD%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D9%8A%D8%B4%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B2%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5/

--------------------------------------------------------------------------------------

*خبير اقتصادي واكاديمي عراقي

سيكولوجيا الأمل.. والتغيير السياسي القادم في العراق

التاريخ البشري إنما هو تاريخ امتزاج دافع الأمل بمعطيات التطور المادي للتاريخ!

ارنست بلوخ

ألم يكن التطور الاجتماعي للحضارة برمته، توثيقاً مستمراً للمواجهة المتواصلة والمعقدة بين "رهان" السلطة المستميت على البقاء، وخيار البشر الثابت بديمومة الارتقاء الوعر نحو وعي سياسي أعلى؟! ولذلك ليس جديداً أن تراهن سلطة الدين السياسي الحالية في العراق على الزمن الفيزيائي لبقائها، فيما يتطور الحدث السياسي بعيداً عنها ليبتني جذوره المستقبلية في التاريخ الاجتماعي.

وليس جديداً أيضاً أن تراهن السلطة على ايديولوجيتها القائمة على بث الخوف والعجز واليأس والعدمية والاغتراب، فيما يولد من رحم الحركة الاحتجاجية الحالية، جيلٌ شبابي حرٌّ ما برح يخرج واثقاً متريثاً من عنق زجاجة المأساة العراقية نحو أفق النور والتغيير؛ ايديولوجيته الوحيدة: أملٌ فاضل بوطن مدني وعدالة اجتماعية.

وليس جديداً أن تراهنَ السلطة على تعميق الجهل السياسي وتجذير الوعي الزائف، فيما يتراكم الوعي المعارض البنّاء قطرةً قطرةً في الوجدان العام للمجتمع الباحث عن شرعية جديدة.

وليس جديداً أن تقبض السلطةُ على الدين وتصطنع منه كائناً استعلائياً أساطيرياً لتحمي مصالحها بـ"قدسيته"، فيما يبدأ الناس بتفكيك هذه الكائن الشمولي تدريجياً وإعادته إلى مكانه الموضوعي والحميم داخل البنية الثقافية العامة للمجتمع.

وبالتأكيد، ليس جديداً أن تتهرأ السلطة حد العفن والرثاثة وفقدان البصيرة، فيما يشرع الناس باستعادة حقهم التاريخي، أي دولة المواطنة والعقد الاجتماعي.

الأمر الجديد الوحيد هذه المرة، أن السلطة تبدو مدمنة على الرهانات المسبقة فقط، ولا تبدي أي محاولة واقعية آنية لإنقاذ نفسها جزئياً على الأقل، فيما الحركة الاحتجاجية تبدو مصرة على إبداء أقصى درجات الكياسة الديمقراطية والروح السلمية المدنية والأداء التنويري الناصح.

فبالرغم مما يبدو عليه المشهد السياسي العراقي من بطء وتردد وإحباط، وبالرغم من كل الآلام المتراكمة والخيبات المتوارثة، أمسينا اليوم نعيش لحظة مستقبلية فريدة ومليئة بالأمل الموضوعي والرجاءات السامية، إذ ما برحت عوامل التغيير  تتجذر كل ساعة، لتورق في خارطة الغد القريب.

فالسلطة المستبدة عبر التاريخ لا تفقه أن ثمة قوانين تضبط السلوك الاجتماعي وتؤطره في مآلات لا يمكن إنكارها أو تجاهلها. ولذلك فأن أقصى ما تستطيع فعله هو تأخير التغيير عبر إصرارها على الانغلاق البنيوي حيال الإصلاح السياسي، دون أن تدرك أن تأخيره سيعني دماءً غير ضرورية سوف تسيل لحظة التحول الكبرى!

رهانات السلطة وخيارات المجتمع!

يحدث التغيير السياسي الجوهري في أي بلد، حينما يتحول الوعي المجتمعي بالمظالم إلى سلوك جمعي مضاد للمظالم، سلمياً أو عنفياً. وهذا التحول قد يستغرق زمناً طويلاً أو قصيراً بحسب درجة تطور النظام الاجتماعي- الاقتصادي، وديناميات الهوية الجمعية، ونمط الثقافة السياسية السائدة.

وفي بلد كالعراق عانى طويلاً وما يزال يعاني من استبداد الريع النفطي وما أفرزه من حكومات فاشية وفاسدة أنتجت ثقافات سياسية خضوعية ورعوية على مدى أكثر من نصف قرن، تطول المسافة بين الوعي والسلوك حد توليد اليأس والقنوط في نفوس الملايين ممن ينتظرون تغييراً حقيقياً يعيد لفكرة العدل شيئاً من هيبتها المهدورة. إلا أن هذه المسافة تبقى قابلة للتقصير والاختزال النسبي بفعل أحداث سياسية نوعية محددة تسرّعُ بعملية نقل التفكير السياسي لعموم المجتمع إلى نقطة جديدة أبعد من سلبية الخضوع وأقرب إلى فعل التغيير.

وتشكّل الحركة الاحتجاجية المدنية المستمرة منذ نحو سبعة شهور، والمتصلة موضوعياً ونشوئياً بانتفاضتي "الكهرباء" في حزيران 2010، و"جمعة الغضب" في 25 شباط 2011، أنموذجاً قياسياً لتحليل حدثٍ سياسي اتخذ صيغة حراكٍ شعبوي أفلحَ في اختزال الزمن السياسي نسبياً عبر إحداث طفرة نوعية في الوعي السياسي السائد، بصرف النظر عما إذا كان هناك قطاف سريع أو بطيء لنتائج هذا الحراك.

وأمام هذا "التهديد" المتنامي لمصالحها المتشعبة في جسد الدولة المتهرئ، أخذت السلطة اليوم تمارسُ – بحكم ثقافتها القدرية الساذجة- سياسة الهروب إلى الأمام نحو الهاوية، بمراهنتها على أمرين أساسيين من بين رهانات عدة سبق التطرق إليها:

- الرهان الأول: إن الحراك الاحتجاجي المدني الحالي الساعي إلى إنقاذ البلاد سلمياً، لا تشارك فيه إلا أقلية محدودة و"غير مؤثرة" من المجتمع، فيما الأكثرية "عازفة" عنه.

- والرهان الثاني: إن مآل هذا الحراك هو اليأس والقنوط والتبدد في نهاية المطاف.

وهي بذلك – أي السلطة- تدفن رأسها في الرمال، وتتخيل "رغبياً" ما تشتهي ذاتياً أن تكون عليه مسارات الأحداث، لا ما ستؤول إليه موضوعياً بوصلةُ التراكم السيكوسياسي.

الأقلية النوعية أكثرية!

لتحليل رهان السلطة الأول على هامشية دور الأقلية، لا بد من التذكير أن حتمية التغيير عبر التاريخ البشري، أبداً لم تحدث بنتيجة الفقر أو الحرمان أو الظلم أو الاستبداد بحد ذاتهم، بل بنتيجة الوعي بالفقر والحرمان والظلم والاستبداد. وهذا الوعي دوماً صنعته الأقلية النوعية العبقرية محركة فكرة الحق والعدل عبر المكان والزمان. أما الأكثرية فغالباً ما تقطف ثمار التغيير لاحقاً، لتلحق به وتصبح جزءاً فاعلاً منه. فالأقلية كانت دوماً هي المعنى والنوع وزبدة الوجود البشري ومخترعة الوعي المعارض، فيما كانت الأكثرية غالباً تمثل الكم المتردد أو الكسول أو الخائف أو الانتقامي، أو حاضنة الوعي الزائف الصلب!

والحق إن استمرار الحركة الاحتجاجية السلمية بزخم جيد يتزامن مع إصلاحات سلطوية ودولتية حقيقية متدرجة، كان سيقدم ضمانات ملموسة لإنقاذ النظام السياسي ووضعه على سكة  الترميم والديمومة والنجاة. أما انحسار هذا الحراك السلمي في ظل استئساد الفساد السياسي وتغوله النرجسي على مصير البلاد، فيعني أن طاقة الفعل الاحتجاجي ستتخذ مسارات سلوكية أخرى خلال المرحلة المقبلة، لا يمكن ضمان سلميتها أو التزامها بالنهج الصبور غير العنفي. وهكذا فإن أي تناقص في أعداد المحتجين السلميين أو تراجع في عنفوان التظاهرات السلمية، إنما يقدم إشارة تنبؤية مهمة عن قصر عمر ونظر النظام السياسي الحالي.

إن وصمة الفقر التي اقترفتها البشرية حيال ملايين المعذبين من أبنائها هي واحدة من أسوأ تجليات دافع التملك عبر التاريخ، إلى جانب الحروب والاستبداد السياسي والاستئساد على الفئات المستضعفة. ولذا، فإن إعادة توزيع الثروة هو قانون سلوكي حتمي في كل المنعطفات التاريخية ذات الاحتقان السوسيوسياسي الشديد. وحين يتحقق الإصلاح السياسي المطلوب، يستجيب رأس المال لإعادة توزيعه على نحو يضمن السلمية والتطور الهادئ نسبياً لعلاقات الإنتاج المتأزمة. اما اذا اتسع الفقر وتجاوز عتبة الحد الأدنى من الكبرياء البشري دونما إرادة سياسية لتحقيق الإصلاح وتلبية حاجات الفقراء، تصبح عملية إعادة توزيع الثروة أكثر دموية وقسوة وانتقاماً.

والفقر في عراق اليوم أصبح مفهوماً مركباً يستدعي أبعاداً اقتصادية وسياسية وثقافية واجتماعية ونفسية متداخلة لإنتاج ظاهرة بشعة جعلت أكثر من 13 مليون عراقي يعيشون في مستوى ما دون الآدمية، يقبعون خارج الزمن الاجتماعي بانتظار معجزة سماوية مستحيلة أو لحظة سياسية مجنونة - ما عادت مستبعدة- للانقضاض على ما تبقى من إرث الدولة الهشة والمفلسة والمفككة.

حين تأبى السلطة أن تمارس حداً أدنى من الإصلاح الاقتصادي والسياسي لصالح المحرومين وتصر على استمرار تكديس الأموال في كفة قادتها وزبائنها، فعليها أن تواجه حداً أعلى من طاقة الإحباط المنفلتة لدى من يمثلون الأكثرية المحرومة المضطرة لخيار العنف، ضمن جدلية إعادة توزيع الثروة ولكن بوسائل الانتقام واعتبار الدولة غنيمة مستباحة.

إن مطالب الاحتجاج السلمي الذي تقوده الأقلية النوعية اليوم في العراق، تمثل الوصفة  الشافية الأخيرة لكيفية تفادي تمزيق جثة الدولة على أيدي أبنائها، قبل أن تخرج الأكثرية المحرومة وتملأ المجال العام بخيارها الثأري الذي يستمد شرعيته من مظلوميتها المتراكمة.

اليأسُ أملٌ مؤجل!

أما لتحليل رهان السلطة الثاني على طفح اليأس لدى المحتجين، فيجدر التنويه أن الحاكم الذي يتذاكى لقتل الأمل والإرادة، وإحياء اليأس والقنوط في الحياة السياسية، إنما يحفر قبره بيده. ويبدو أن عقدة "حفاري القبور الذاتية" لم تغادر عقلية من يمسكون بالسلطة في العراق بعد، إذ إنهم لا يعلمون أن اليأس مثل الأمل يصنع التغيير أيضاً، فكلاهما صنعا التقدم البشري. هذه الجدلية النادرة باتت تتفاعل اليوم في العراق على نحو جديد وغير متوقع.

فاليأس يفتح – سيكولوجياً- بوابة إلى الأمل، بل التحدي، حينما تصر السلطة على ازدراء مطالب الناس والاستخفاف بها، وهذا ما بدأ ينمو اليوم. الأمل ليس هاجساً صوفياً، بل عنصراً أخلاقياً موضوعياً فاعلاً في كل معادلات التغيير والإصلاح عبر التاريخ. حتى اليأس هو أمل مؤجل.

يقول فيلسوف الأمل "ارنست بلوخ" (1855- 1977)م: «الغد يحيا في اليوم، والناس تتطلع إليه على الدوام..»، متبنياً فلسفة "ليس– بعد"، إذ يرى أن البشر كانوا دوماً يتحركون بتأثير فكرة أن أفضل ما يرتجونه من أوضاع لم يتحقق بعد، وأن تاريخهم إنما هو تاريخ امتزاج دافع الأمل -ببعديه الأنثربولوجي والانطولوجي- بمعطيات التطور المادي للتاريخ.

وقبله كان "كارل ماركس" قد أطلق نبوءته الملهمة: «الحركة الداخلية للنظام القائم وتفاعلاته الخارجية تولد نقيضه في أحشائه. وينمو هذا الجنين وينضج إذ يأخذ النظام القديم مداه. ويزداد التوتر بينهما في داخل النظام القائم حتى يصل حداً لا يعود عنده النظام القائم قادراً على احتواء القوى التي تحمل بذور النظام الجديد. عند ذاك، تفجّرُ هذه القوى النظامَ القديم من الداخل وتقوض أركانه مشيدة  النظام الجديد على أنقاضه ومن الدمج الجدلي بين عناصره».

قد تبدو آفاق التغيير اليوم مغلقة أو مضببة، لكن "الأمل" ينخر ببطء ليفتت صخرة العقم، هناك عميقاً في لب قوانين التطور الاجتماعي. ولذلك لا يجدر الكف عن التفاؤل الهادئ أمام مشهد القيم المدنية العقلانية وهي تداعب رويداً رويداً القشرة الدماغية لملايين العراقيين، وبضمنهم فئات مهمة لمتدينين يختزنون النزعة اليسارية في رؤيتهم الأخلاقية لشكل الدولة العادلة والوطن الموحد.

هذا المشهد المتنامي إنما يوجه رسالة واثقة إلى المتأسلمين "الآمنين" في استرخائهم: «ثمة مفاجآت موضوعية بانتظاركم، ذلك إن زمن التغيير بات ينهش ببطء - ولكن بثبات- ساعاتكم المتوقفة على توقيتات الماضي الرث!».

بانتظار يسار جديد!

الفرد العراقي – مدنياً كان أم إسلامياً- حين يريد أن يزدري السلطة السياسية الحالية، بات يفعل ذلك - وهو يفعله كثيراً- دون أن يعتريه أي شعور بالذنب أو تأنيب من ضمير؛ بل أنه بات يشعر بتقصير ضميري إنْ لم يفعل ذلك بحماسة شديدة؛ بمعنى أنه فقد الرغبة بإيجاد أي مبررات تسبغ المقبولية على النظام السياسي، وهذه ميزة أو فضيلة ينفرد بها المجتمع العراقي اليوم بالمقارنة مع مجتمعات أخرى في الشرق الأوسط ما تزال تراوح بين كره السلطة المستبدة و"التعلق" المَرَضي بها لأسباب تتصل بتطورها السيكوسياسي.

إن تنامي وانتشار هذه النزعة النفسية العابرة للهويات الفرعية، بازدراء السلطة، يعني أن ثمة شرعية سياسية أخرى غير معلنة وغير محددة المعالم بعد، باتت في طور التكوين الذهني لدى الفرد العراقي، مثلما هي في طور التكوين السوسيوسياسي العميق، تتهيأ لتحل تدريجياً محل الشرعية المتهرئة للسلطة الحالية. الأمر هنا يشبه الأظفر الجديد حين يبدأ بالنمو السري والبطيء من أعماق اللحم ليحل تدريجياً محل الأظفر القديم المتضرر، حتى تحين لحظة الاستبدال النهائية.

هذا الاستبدال المنتظر لا بد أن يعاني من التلكؤ والتردد ريثما تنضج شروطه السيكولوجية الموضوعية، إذ أن المسافة بين النزعة الرافضة والسلوك الرافض ما تزال طويلة نسبياً بسبب حالة العجز والارتهان والعدمية والإفقار التي يعاني منها المجتمع السياسي في العراق منذ ما يقارب من نصف قرن. واكتمال هذا النضج إنما أصبح مسألة وقت فحسب، بحكم إصرار السلطة المنغلقة على مأسسة فسادها من جهة، وتنامي الوعي الشعبي بزيفها وهشاشتها ووقتيتها من جهة أخرى.

فالعراق اليوم يفتقر إلى وجود مجتمع سياسي مستقر المعالم، بل هو خليط من ولاءات سياسية ما قبل مدنية متناحرة ذات طابع ديني ومذهبي وعشائري وعِرقي؛ وبالتالي فإن انتقاله من مرحلة الدولة الهشة الفاسدة فاقدة الشرعية، إلى مرحلة الدولة المؤسساتية الرشيدة مالكة الشرعية، لا بد أن يستند إلى تحقيق توافقات سوسيوسياسية بين تلك الولاءات ما قبل المدنية. وهذه التوافقات لن تنجزها العملية السياسية المغلقة للسلطة الكومبرادورية المتأسلمة الحالية، بل سينجزها -واقعياً وموضوعياً- يسارٌ جديد يكون قادراً على إنجاز تماهي وطني وجداني جمعي بفكرة "العراقوية"، مرتكزاً في دينامياته إلى النزعة المطلبية العامة باستعادة العدل وصيانة الكرامة الآدمية في مجتمع جرى تعريضه إلى أقصى درجات الظلم والإذلال.

ولا يقصد باليسار الجديد هنا أحزابٌ سياسية أو تنظيمات اجتماعية أو تيارات ايديولوجية متحالفة بعينها كما هو حاصل في بلدان أخرى استكملت البناء المدني لمؤسساتها الدستورية والسياسية، بل هو تعبير توصيفي عن قرب بزوغ ثقافة سياسية عقلانية عامة تؤمن بجدوى ومشروعية وضرورة مشاركة الفرد – أيا كانت نزعته الايديولوجية-  في صنع الحدث السياسي على نحو يضمن شكلاً من أشكال العدل الاجتماعي والسلم المجتمعي والهيبة الوطنية. الحديث هنا يجري عن يسار ديموغرافي جديد ينشأ عن نزعات سوسيوثقافية مؤيدة لفكرة الدولة المدنية، بدأت بالبزوغ والانتشار لدى فئات سكانية عراقية مهمة ومؤثرة ممن يصنفون عادة ضمن إطار "المدنيين" أو "المتدينين" على حد سواء.

تشير جدليات الوضع العراقي اليوم إلى أن قسوة الإسلام السياسي وفساده العلني خلال أكثر من عقد من الزمن، دفعا التدين الاسلامي السلوكي العام للمجتمع – تمييزاً عن التدين السياسي التعصبي- إلى النأي عن فكرة أسلمة السياسة، والسعي عكس ذلك أي باتجاه تمدينها وتكنقرطتها ضمن مناخ نقدي متصاعد أساسه جدلية الظلم والعدل. فالجموع المتدينة كانت وستبقى تبحث عن ملاذ روحي تعويضي في طقوسياتها، ومع ذلك بدأت تفكر أن اللاإسلاموية واللاطائفية واللاعرقية واللامناطقية هي معايير جيدة لدولة منتظرة عادلة. وهذه نزعة يساروية تستحق التوقف والتمحيص.

 اليساروية تعني نزعة قيمية جذرية لتغيير العالم باتجاه أكثر اتفاقاً مع العقلانية والعدل والإقرار بوحدة القيمة البشرية. والسوسيولوجيا العراقية اليوم باتت تشهد تطوراً بطيئاً ومتريثاً وواعداً من هذا النوع. النزعة اليساروية قبل أن تكون فكرة سياسية تفرز أحزاباً ونظماً سياسية، هي نزعة سوسيوسيكولوجية جماهيرية بإطار ثقافسياسي شامل، وهي ليست حكراً على العلمانيين واللادينيين، بل هي متاحة سيكولوجياً لكل التصنيفات السياسية للبشر القادرين على التأثر بها ضمن مراحل تاريخية محددة.

وهذه الثقافة السياسية الجديدة لها أن تنبثق على المستوى السوسيوثقافي من التقارب التدريجي الحاصل بين القيم المدنية العدالوية الناهضة والتوجهات الدينية الإصلاحية المستنيرة، ضمن إطار أخلاقي وطنياتي، قد يؤسس في المدى البعيد لمشروع سياسي كارزماتي يستهوي ملايين العراقيين المتلهفين لاستعادة هويتهم الموحدة من جديد.

إن الرافعة الأساسية لهذا المشروع مستقبلاً ستكون نشوء أحزاب وتنظيمات شبابية جديدة تستطيع أن تدمج ايديولوجياتها المتخالفة بفكرة الوطن الهوياتي المشترك، ضمن إطار تنظيمي إجرائي هو الدولة المدنية العاقلة المنتظرة. فتأريخ التطور الاجتماعي للبشرية كان دوماً انعكاساً لروح اليسار – بكل أنماطه الايديولوجية- وهي تدبّ في الجسد المترهل للمجتمعات الخانعة والمحرومة في ذروة لحظات شقائها ومأساويتها.

اليسار بالمعنى النفسي هو قدرة العقل البشري على إعادة تنظيم أولوياته الذهنية وخياراته السلوكية بما يحقق له بقاءً أسمى وأجمل على مستوى الجماعات والأمم. ولن يكون العراق استثناءً من كل ذلك، وهو يختزن في ثقافته القيمية نزعةً يساروية اجتماعية كامنة ومتجذرة!

--------------------------------------------------------

*باحث في الاجتماع والسياسة

المقال نشر على صفحات جريدة المدى البغدادية

قراءة في العلاقات العربية الإيرانية والسعي الصهيوني للتعاون مع دول عربية

تتوالى التصريحات الاسرائيلية منذ مدّة عن علاقات اسرائيلية عربية مفتوحة على تعاون اقتصادي وبخاصة مع دول خليجية، في الوقت الذي ينشط فيه العدو لتهويد القدس الشريف ومعها الضفة الغربية وزرعهما بمستوطنات تطمس الوجود الفلسطيني، مع ما يترتب على ذلك من تشريد وتهجير ومصادرة أراضٍ واستيلاء مبرمج على مدينة القدس بعد تفريغها من أهلها الأصليين. وتزداد وقاحة العدو حينما يطرح ويعمل منذ وقت طويل على إحتواء ما يسميه بأقليات دينية وعرقية ومذهبية، لتقسيم الكيانات الوطنية وفق مقرارات المؤتمر اليهودي العالمي عام 1982 والتي نشرتها مجلة كيفونيم الصهيونية.

إن العدو الصهيوني يطرح اليوم تعاوناً مع الدول العربية التي يصفها بـ"السنيّة" لاحداث فتنة مذهبية كبرى في المنطقة تحت شعار محاربة ايران، ويعتبر ان اندلاع هذه الفتنة على مستوى المنطقة سيؤدي الى نجاح مشروع الاوسط الكبير لنقل اسرائيل الى دولة كبرى واخضاع المنطقة لسيطرتها بعد أن تتحوّل الى أشلاء متصارعة.

ونحن نقول من منطلق قومي عربي، ومن منطلق الاسلام الحضاري الجامع والمنفتح على كل المعتقدات والطوائف والمذاهب والاعراف: إن هذا الحلم الصهيوني مستحيل التحقيق، ومهما استفادت اسرائيل من الظروف السوداء التي تعيشها المنطقة، فان لدينا من المناعة بحيث لا يستطيع العدو تحقيق مراميه، وسيبقى أسير توازن الردع مع المقاومة، وغير قادر على التوسّع، وإن كان قادراً على استثمار قوى متطرفة وغيرها ممن يقبلون التعاون معه.

إن هناك حقائق لا بد من التركيز عليها الآن وهي:

اولاً: ان الادارة الساداتية التي حكمت أكبر بلد عربي، صالحت العدو عام 1979 وأبرمت معه معاهدة كامب دايفيد، لكن الشعب المصري أسقط كل أنواع التطبيع مع العدو. وباستثناء الادارة الاردنية واتفاق أوسلو الساقط، فإن الرأي العام العربي وبخاصة "السنّي" منه بقي صامداً ومقاوماً للاحتلال الاسرائيلي.

ثانياً: لقد تشكلت لجنة عربية رسمية باسم لجان متعددة الاطراف لاقرار برنامج اقتصادي تطبيعي شامل مع اسرائيل وضعه رئيس الوزراء الأسبق شمعون بيريز في التسعينيات، وسقط  هذا البرنامج وإنتهى مشروع بيريز.

ثالثاً: لقد حاولت اسرائيل بكل طاقتها وبعدوان مباشر وصل الى بيروت عام 1982 تقسيم لبنان وابرام معاهدة باسم 17 أيار، فاستطاع احرار لبنان اسقاط هذ التقسيم بضرب التقسيميين وتم انقاذ لبنان بالمقاومة الشعبية ضد الاحتلال وباتفاق الطائف العربي عام 1989 الذي اكد على معاداة اسرائيل واستعادة وحدة لبنان، فسقط المشروع الاسرائيلي.

رابعاً: لقد تم تحرير معظم مناطق الجنوب اللبناني من الإحتلال الصهيوني بالمقاومة وبمساندة شعبية واسعة على قاعدة الوحدة الوطنية، حتى أصبحنا امام توازن ردع مع العدو الذي لم يعد يستطيع استباحة لبنان بعد تحرير العام 2000 والصمود الاسطوري عام 2006.

خامساً: ان دعوة الصهاينة للتعاون بين دول عربية (سنية) مع اسرائيل، لا يستطيع ان يقدم عليها زعماء هذه الدول المعنية، بسبب مقاومة الرأي العام لهذا التطبيع المشين، فقضية فلسطين تبقى عند الجماهير العربية هي معيار وطنية أو عدم وطنية اي نظام أو حرب او مجموعة.

المشكلة مع ايران

في الوقائع، هناك اشكالات وأزمات بين دول خليجية عربية وبين ايران، وهناك مخاوف خليجية من قوة ايران المتنامية، ووهناك تهم توجّه لايران بالتدخل في الشؤون الداخلية. وهناك في المقابل مخاوف ايرانية من القواعد الاطلسية المتواجدة في الخليج بما فيها الاسطول الخامس، بما تعتبره ايران تهديداً لامنها القومي.

ومن الحقائق، أن ايران دولة اقليمية ذات تاريخ وحضور، وكانت متواطئة مع اسرائيل ضد العرب في زمن الشاه البهلوي، وكانت جزءاً من الاحلاف الاستعمارية التي أسقطتها حركة القومية العربية.

ومنذ قيام الثورة الإسلامية في إيران في العام 1979، فإن إيران تعادي الحركة الصهيونية وتدعم المقاومات اللبنانية والفلسطينية ضد العدو، وتعتبر اسرائيل عدوها الاول في المنطقة، وبالتالي وبرغم الخلافات الخليجية مع ايران فلا يمكن مساواتها باسرائيل، ولا يمكن اعتبارها عدواً وجودياً كما يطرح الجهلاء. بل إن ايران هي جزء اساسي من المنطقة، في حين ان اسرائيل عنصر دخيل غاصب لحقوقنا في المنطقة.

لقد طالبنا منذ عقود بحوار عربي – ايراني بعد ثورة ايران بقيادة الإمام الحميني سنة 1979، وقلنا اذا كان القائد جمال عبد الناصر قد قرر في بيان 30 مارس 1968 عدم تصدير الثورة، ووقف اي تدخل سلبي في الشؤون العربية للوصول الى تضامن عربي قائم على الثقة المتبادلة لمواجهة العدو الصهيوني والسيطرة الاستعمارية، فان ايران إن رغبت في تصدير الثورة فانها لن تستطيع النجاح، وان رغبت في التعاون مع العرب على قاعدة الاحترام المتبادل فانها ستلقى التجاوب الشامل من الرأي العام العربي قبل الحكومات الرسمية، لان ثورتها اطاحت بنظام الشاه الاستعماري المعادي للعرب وقررت دعم قضية فلسطين، الامر الذي يفتح كل أبواب العرب للتعاون معها في اطار تكامل قوى العالم الاسلامي، من اجل التحرر من التبعية والتنمية الشاملة والدفاع عن رسالة الاسلام العظيم.

صحيح ان العلاقات العربية وبخاصة الخليجية باتت معقدة جداً مع ايران، لكن بالامكان ايجاد الحلول السلمية لهذه المشاكل، وذلك من خلال تشيكل لجنة من الجامعة العربية ومنظمة التعاون الاسلامي وعدد من الشخصيات الحكماء العرب والمسلمين لمباشرة حوار جدي بين العرب وايران، يأخذ بعين الاعتبار:

1-  المصالح المشتركة للمسلمين، ويطرح وفق برنامج مدروس مواجهة الحملة الاطلسية الصهيونية على الاسلام، ويواجهه حالات التطرف المذهبي الخطير لدى جميع الجهات لتعطيلها من أجل التقريب بين المذاهب وازالة كل الشوائب السلبية الدخيلة على الاجتهادات الصالحة في الوسط الاسلامي.

2-     تشخيص المخاطر على العالم الاسلامي ووضع خطة لمواجهتها حسب اولويات مصادرة التهديد.

3-    الالتزام بقضية فلسطين قضية مركزية لاستعادة حقوق شعب فلسطين واتخاذ مواقف مشتركة من الداعمين لعدو الامة.

4-  تنظيم العلاقات بين الدول الاسلامية وبخاصة بين ايران والعرب على قواعد احترام السيادة ووحدة الكيانات واحترام الحقوق المتبادلة وتحريم التدخل السلبي الداخلي المتبادل بين الدول الاسلامية، مع الالتزام بوحدة كل كيان وخصائصه وتكويناته الاجتماعية، حتى يكون التعامل قائماً على اساس علاقات الدول مع بعضها، وليس علاقات دول بطوائف أو مذاهب أو أعراق او فئات.

5-    ابتعاد الدول الاسلامية عن محاور إقليمية او دولية من شأنها الاضرار بأمن او مصالح دول اسلامية أخرى.

إن هذه العناصر مجتمعة توفر الثقة بين الدول الاسلامية والتي على أساسها يمكن تجاوز الخلافات بين ايران العرب، لأن  استمرار هذه الخلافات وتحوّلها الى صراعات إقليمية او مذهبية سيؤدي الى تحطيم رسالة الاسلام، ويحوّل أراضي المسلمين الى فوضى شاملة، ولن يكون بوسع اي طرف ان يربح هكذا معارك التي ستكون بمثابة كوارث تطيح بالبشر والعمران والحضارة وتفتح كل الابواب للصهاينة والمستعمرين للسيطرة المطلقة مع مقدراتنا.

ملاحظات:

1 – لقد جرّب العدو الصهيوني استمالة المسلمين الشيعة في لبنان عام 1982 وبعده، فكان أحرار الشيعة في طليعة المقاومين ضد العدو الصهيوني.

2 – لقد جرّب اتباع الاطلسي في لبنان دفع المسلمين السنّة الى فتنة مذهبية مع الشيعة واستخدموا الاموال الهائلة ومجموعات متطرفة مسلّحة ففشلوا، لان معظم الشيعة والسنة وبرغم الحساسيات اجهضوا الفتنة ولم يشكل اي منهم بيئة حاضنة للتطرف.

3 – ان الادارات التركية المتعاقبة أبرمت ستين اتفاقاً مع اسرائيل وهي دولة "اسلامية سنيّة"، لكنها عجزت عن دفع باكستان واندونيسيا وافغانستان وغيرها للاعتراف باسرائيل.

4 – ان المسيحيين العرب وبخاصة المشرقيين وعلى الاخص الفلسطينين منهم، وبرغم اضطهاد المتطرفين الطائفيين لهم في العراق وسوريا، اعلنوا عبر مؤتمراتهم وأبلغوا دول الغرب انهم متمسكون بأرضهم وبالعيش المشترك مع المسلمين ويرفضون الفدراليات والانفصال ومشاريع الكانتونات الطائفية.

5 – لقد لاحظنا خلال الحرب السورية المفتوحة السعي الاسرائيلي المحموم مع إعلانات صريحة بحماية الدروز، الاّ ان الدروز تمسكوا بوحدة الدولة السورية ورفضوا اي تعامل مع الصهاينة، كما فعل دروز لبنان.

6-    بالامكان أن نلاحظ افراداً من كل الطوائف يتعاملون مع اسرائيل كجواسيس، وهذا أمر معروف في كل دول العالم التي تخترق استخباراتها بعضها البعض، ولكن ذلك لا يشكل اتجاهاً في الرأي العام ولا يعبر عن مذاهب او طوائف.

7-  وعلى الرغم من الاهوال التي تعيشها منطقتنا العربية، فان المجتمع العربي لا زالت لديه مناعة قوية للحفاظ على وحدة الاوطان والدفاع عن الهوية العربية الجامعة وعن الاسلام العظيم الذي يواجهه الصهاينة والاطلسيون بالارهاب واطلاق الفتن واشعال الاوسط الكبير.

8-  ان المتغيرات العالمية تكشف مدى تراجع الغرب الاطلسي اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً وتقدم دول البريكس وعلى رأسها روسيا والصين التي تتصدر اليوم خط الدفاع عن القانون الدولي، وترفض استباحة سيادات الدول. فما عادت الولايات المتحدة الأميركية تقرر صياغة الساحة الدولية، وأصبحنا امام توازن قاري وقومي حيث تتصدر آسيا القمة العالمية.

-----------------------------------------------------------------------------------

*رئيس المؤتمر الشعبي اللبناني

www.kamalchatila.org

 عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.