الإثنين 1 أيار 2017
TEXT_SIZE

سيكولوجيا الأمل.. والتغيير السياسي القادم في العراق

التاريخ البشري إنما هو تاريخ امتزاج دافع الأمل بمعطيات التطور المادي للتاريخ!

ارنست بلوخ

ألم يكن التطور الاجتماعي للحضارة برمته، توثيقاً مستمراً للمواجهة المتواصلة والمعقدة بين "رهان" السلطة المستميت على البقاء، وخيار البشر الثابت بديمومة الارتقاء الوعر نحو وعي سياسي أعلى؟! ولذلك ليس جديداً أن تراهن سلطة الدين السياسي الحالية في العراق على الزمن الفيزيائي لبقائها، فيما يتطور الحدث السياسي بعيداً عنها ليبتني جذوره المستقبلية في التاريخ الاجتماعي.

وليس جديداً أيضاً أن تراهن السلطة على ايديولوجيتها القائمة على بث الخوف والعجز واليأس والعدمية والاغتراب، فيما يولد من رحم الحركة الاحتجاجية الحالية، جيلٌ شبابي حرٌّ ما برح يخرج واثقاً متريثاً من عنق زجاجة المأساة العراقية نحو أفق النور والتغيير؛ ايديولوجيته الوحيدة: أملٌ فاضل بوطن مدني وعدالة اجتماعية.

وليس جديداً أن تراهنَ السلطة على تعميق الجهل السياسي وتجذير الوعي الزائف، فيما يتراكم الوعي المعارض البنّاء قطرةً قطرةً في الوجدان العام للمجتمع الباحث عن شرعية جديدة.

وليس جديداً أن تقبض السلطةُ على الدين وتصطنع منه كائناً استعلائياً أساطيرياً لتحمي مصالحها بـ"قدسيته"، فيما يبدأ الناس بتفكيك هذه الكائن الشمولي تدريجياً وإعادته إلى مكانه الموضوعي والحميم داخل البنية الثقافية العامة للمجتمع.

وبالتأكيد، ليس جديداً أن تتهرأ السلطة حد العفن والرثاثة وفقدان البصيرة، فيما يشرع الناس باستعادة حقهم التاريخي، أي دولة المواطنة والعقد الاجتماعي.

الأمر الجديد الوحيد هذه المرة، أن السلطة تبدو مدمنة على الرهانات المسبقة فقط، ولا تبدي أي محاولة واقعية آنية لإنقاذ نفسها جزئياً على الأقل، فيما الحركة الاحتجاجية تبدو مصرة على إبداء أقصى درجات الكياسة الديمقراطية والروح السلمية المدنية والأداء التنويري الناصح.

فبالرغم مما يبدو عليه المشهد السياسي العراقي من بطء وتردد وإحباط، وبالرغم من كل الآلام المتراكمة والخيبات المتوارثة، أمسينا اليوم نعيش لحظة مستقبلية فريدة ومليئة بالأمل الموضوعي والرجاءات السامية، إذ ما برحت عوامل التغيير  تتجذر كل ساعة، لتورق في خارطة الغد القريب.

فالسلطة المستبدة عبر التاريخ لا تفقه أن ثمة قوانين تضبط السلوك الاجتماعي وتؤطره في مآلات لا يمكن إنكارها أو تجاهلها. ولذلك فأن أقصى ما تستطيع فعله هو تأخير التغيير عبر إصرارها على الانغلاق البنيوي حيال الإصلاح السياسي، دون أن تدرك أن تأخيره سيعني دماءً غير ضرورية سوف تسيل لحظة التحول الكبرى!

رهانات السلطة وخيارات المجتمع!

يحدث التغيير السياسي الجوهري في أي بلد، حينما يتحول الوعي المجتمعي بالمظالم إلى سلوك جمعي مضاد للمظالم، سلمياً أو عنفياً. وهذا التحول قد يستغرق زمناً طويلاً أو قصيراً بحسب درجة تطور النظام الاجتماعي- الاقتصادي، وديناميات الهوية الجمعية، ونمط الثقافة السياسية السائدة.

وفي بلد كالعراق عانى طويلاً وما يزال يعاني من استبداد الريع النفطي وما أفرزه من حكومات فاشية وفاسدة أنتجت ثقافات سياسية خضوعية ورعوية على مدى أكثر من نصف قرن، تطول المسافة بين الوعي والسلوك حد توليد اليأس والقنوط في نفوس الملايين ممن ينتظرون تغييراً حقيقياً يعيد لفكرة العدل شيئاً من هيبتها المهدورة. إلا أن هذه المسافة تبقى قابلة للتقصير والاختزال النسبي بفعل أحداث سياسية نوعية محددة تسرّعُ بعملية نقل التفكير السياسي لعموم المجتمع إلى نقطة جديدة أبعد من سلبية الخضوع وأقرب إلى فعل التغيير.

وتشكّل الحركة الاحتجاجية المدنية المستمرة منذ نحو سبعة شهور، والمتصلة موضوعياً ونشوئياً بانتفاضتي "الكهرباء" في حزيران 2010، و"جمعة الغضب" في 25 شباط 2011، أنموذجاً قياسياً لتحليل حدثٍ سياسي اتخذ صيغة حراكٍ شعبوي أفلحَ في اختزال الزمن السياسي نسبياً عبر إحداث طفرة نوعية في الوعي السياسي السائد، بصرف النظر عما إذا كان هناك قطاف سريع أو بطيء لنتائج هذا الحراك.

وأمام هذا "التهديد" المتنامي لمصالحها المتشعبة في جسد الدولة المتهرئ، أخذت السلطة اليوم تمارسُ – بحكم ثقافتها القدرية الساذجة- سياسة الهروب إلى الأمام نحو الهاوية، بمراهنتها على أمرين أساسيين من بين رهانات عدة سبق التطرق إليها:

- الرهان الأول: إن الحراك الاحتجاجي المدني الحالي الساعي إلى إنقاذ البلاد سلمياً، لا تشارك فيه إلا أقلية محدودة و"غير مؤثرة" من المجتمع، فيما الأكثرية "عازفة" عنه.

- والرهان الثاني: إن مآل هذا الحراك هو اليأس والقنوط والتبدد في نهاية المطاف.

وهي بذلك – أي السلطة- تدفن رأسها في الرمال، وتتخيل "رغبياً" ما تشتهي ذاتياً أن تكون عليه مسارات الأحداث، لا ما ستؤول إليه موضوعياً بوصلةُ التراكم السيكوسياسي.

الأقلية النوعية أكثرية!

لتحليل رهان السلطة الأول على هامشية دور الأقلية، لا بد من التذكير أن حتمية التغيير عبر التاريخ البشري، أبداً لم تحدث بنتيجة الفقر أو الحرمان أو الظلم أو الاستبداد بحد ذاتهم، بل بنتيجة الوعي بالفقر والحرمان والظلم والاستبداد. وهذا الوعي دوماً صنعته الأقلية النوعية العبقرية محركة فكرة الحق والعدل عبر المكان والزمان. أما الأكثرية فغالباً ما تقطف ثمار التغيير لاحقاً، لتلحق به وتصبح جزءاً فاعلاً منه. فالأقلية كانت دوماً هي المعنى والنوع وزبدة الوجود البشري ومخترعة الوعي المعارض، فيما كانت الأكثرية غالباً تمثل الكم المتردد أو الكسول أو الخائف أو الانتقامي، أو حاضنة الوعي الزائف الصلب!

والحق إن استمرار الحركة الاحتجاجية السلمية بزخم جيد يتزامن مع إصلاحات سلطوية ودولتية حقيقية متدرجة، كان سيقدم ضمانات ملموسة لإنقاذ النظام السياسي ووضعه على سكة  الترميم والديمومة والنجاة. أما انحسار هذا الحراك السلمي في ظل استئساد الفساد السياسي وتغوله النرجسي على مصير البلاد، فيعني أن طاقة الفعل الاحتجاجي ستتخذ مسارات سلوكية أخرى خلال المرحلة المقبلة، لا يمكن ضمان سلميتها أو التزامها بالنهج الصبور غير العنفي. وهكذا فإن أي تناقص في أعداد المحتجين السلميين أو تراجع في عنفوان التظاهرات السلمية، إنما يقدم إشارة تنبؤية مهمة عن قصر عمر ونظر النظام السياسي الحالي.

إن وصمة الفقر التي اقترفتها البشرية حيال ملايين المعذبين من أبنائها هي واحدة من أسوأ تجليات دافع التملك عبر التاريخ، إلى جانب الحروب والاستبداد السياسي والاستئساد على الفئات المستضعفة. ولذا، فإن إعادة توزيع الثروة هو قانون سلوكي حتمي في كل المنعطفات التاريخية ذات الاحتقان السوسيوسياسي الشديد. وحين يتحقق الإصلاح السياسي المطلوب، يستجيب رأس المال لإعادة توزيعه على نحو يضمن السلمية والتطور الهادئ نسبياً لعلاقات الإنتاج المتأزمة. اما اذا اتسع الفقر وتجاوز عتبة الحد الأدنى من الكبرياء البشري دونما إرادة سياسية لتحقيق الإصلاح وتلبية حاجات الفقراء، تصبح عملية إعادة توزيع الثروة أكثر دموية وقسوة وانتقاماً.

والفقر في عراق اليوم أصبح مفهوماً مركباً يستدعي أبعاداً اقتصادية وسياسية وثقافية واجتماعية ونفسية متداخلة لإنتاج ظاهرة بشعة جعلت أكثر من 13 مليون عراقي يعيشون في مستوى ما دون الآدمية، يقبعون خارج الزمن الاجتماعي بانتظار معجزة سماوية مستحيلة أو لحظة سياسية مجنونة - ما عادت مستبعدة- للانقضاض على ما تبقى من إرث الدولة الهشة والمفلسة والمفككة.

حين تأبى السلطة أن تمارس حداً أدنى من الإصلاح الاقتصادي والسياسي لصالح المحرومين وتصر على استمرار تكديس الأموال في كفة قادتها وزبائنها، فعليها أن تواجه حداً أعلى من طاقة الإحباط المنفلتة لدى من يمثلون الأكثرية المحرومة المضطرة لخيار العنف، ضمن جدلية إعادة توزيع الثروة ولكن بوسائل الانتقام واعتبار الدولة غنيمة مستباحة.

إن مطالب الاحتجاج السلمي الذي تقوده الأقلية النوعية اليوم في العراق، تمثل الوصفة  الشافية الأخيرة لكيفية تفادي تمزيق جثة الدولة على أيدي أبنائها، قبل أن تخرج الأكثرية المحرومة وتملأ المجال العام بخيارها الثأري الذي يستمد شرعيته من مظلوميتها المتراكمة.

اليأسُ أملٌ مؤجل!

أما لتحليل رهان السلطة الثاني على طفح اليأس لدى المحتجين، فيجدر التنويه أن الحاكم الذي يتذاكى لقتل الأمل والإرادة، وإحياء اليأس والقنوط في الحياة السياسية، إنما يحفر قبره بيده. ويبدو أن عقدة "حفاري القبور الذاتية" لم تغادر عقلية من يمسكون بالسلطة في العراق بعد، إذ إنهم لا يعلمون أن اليأس مثل الأمل يصنع التغيير أيضاً، فكلاهما صنعا التقدم البشري. هذه الجدلية النادرة باتت تتفاعل اليوم في العراق على نحو جديد وغير متوقع.

فاليأس يفتح – سيكولوجياً- بوابة إلى الأمل، بل التحدي، حينما تصر السلطة على ازدراء مطالب الناس والاستخفاف بها، وهذا ما بدأ ينمو اليوم. الأمل ليس هاجساً صوفياً، بل عنصراً أخلاقياً موضوعياً فاعلاً في كل معادلات التغيير والإصلاح عبر التاريخ. حتى اليأس هو أمل مؤجل.

يقول فيلسوف الأمل "ارنست بلوخ" (1855- 1977)م: «الغد يحيا في اليوم، والناس تتطلع إليه على الدوام..»، متبنياً فلسفة "ليس– بعد"، إذ يرى أن البشر كانوا دوماً يتحركون بتأثير فكرة أن أفضل ما يرتجونه من أوضاع لم يتحقق بعد، وأن تاريخهم إنما هو تاريخ امتزاج دافع الأمل -ببعديه الأنثربولوجي والانطولوجي- بمعطيات التطور المادي للتاريخ.

وقبله كان "كارل ماركس" قد أطلق نبوءته الملهمة: «الحركة الداخلية للنظام القائم وتفاعلاته الخارجية تولد نقيضه في أحشائه. وينمو هذا الجنين وينضج إذ يأخذ النظام القديم مداه. ويزداد التوتر بينهما في داخل النظام القائم حتى يصل حداً لا يعود عنده النظام القائم قادراً على احتواء القوى التي تحمل بذور النظام الجديد. عند ذاك، تفجّرُ هذه القوى النظامَ القديم من الداخل وتقوض أركانه مشيدة  النظام الجديد على أنقاضه ومن الدمج الجدلي بين عناصره».

قد تبدو آفاق التغيير اليوم مغلقة أو مضببة، لكن "الأمل" ينخر ببطء ليفتت صخرة العقم، هناك عميقاً في لب قوانين التطور الاجتماعي. ولذلك لا يجدر الكف عن التفاؤل الهادئ أمام مشهد القيم المدنية العقلانية وهي تداعب رويداً رويداً القشرة الدماغية لملايين العراقيين، وبضمنهم فئات مهمة لمتدينين يختزنون النزعة اليسارية في رؤيتهم الأخلاقية لشكل الدولة العادلة والوطن الموحد.

هذا المشهد المتنامي إنما يوجه رسالة واثقة إلى المتأسلمين "الآمنين" في استرخائهم: «ثمة مفاجآت موضوعية بانتظاركم، ذلك إن زمن التغيير بات ينهش ببطء - ولكن بثبات- ساعاتكم المتوقفة على توقيتات الماضي الرث!».

بانتظار يسار جديد!

الفرد العراقي – مدنياً كان أم إسلامياً- حين يريد أن يزدري السلطة السياسية الحالية، بات يفعل ذلك - وهو يفعله كثيراً- دون أن يعتريه أي شعور بالذنب أو تأنيب من ضمير؛ بل أنه بات يشعر بتقصير ضميري إنْ لم يفعل ذلك بحماسة شديدة؛ بمعنى أنه فقد الرغبة بإيجاد أي مبررات تسبغ المقبولية على النظام السياسي، وهذه ميزة أو فضيلة ينفرد بها المجتمع العراقي اليوم بالمقارنة مع مجتمعات أخرى في الشرق الأوسط ما تزال تراوح بين كره السلطة المستبدة و"التعلق" المَرَضي بها لأسباب تتصل بتطورها السيكوسياسي.

إن تنامي وانتشار هذه النزعة النفسية العابرة للهويات الفرعية، بازدراء السلطة، يعني أن ثمة شرعية سياسية أخرى غير معلنة وغير محددة المعالم بعد، باتت في طور التكوين الذهني لدى الفرد العراقي، مثلما هي في طور التكوين السوسيوسياسي العميق، تتهيأ لتحل تدريجياً محل الشرعية المتهرئة للسلطة الحالية. الأمر هنا يشبه الأظفر الجديد حين يبدأ بالنمو السري والبطيء من أعماق اللحم ليحل تدريجياً محل الأظفر القديم المتضرر، حتى تحين لحظة الاستبدال النهائية.

هذا الاستبدال المنتظر لا بد أن يعاني من التلكؤ والتردد ريثما تنضج شروطه السيكولوجية الموضوعية، إذ أن المسافة بين النزعة الرافضة والسلوك الرافض ما تزال طويلة نسبياً بسبب حالة العجز والارتهان والعدمية والإفقار التي يعاني منها المجتمع السياسي في العراق منذ ما يقارب من نصف قرن. واكتمال هذا النضج إنما أصبح مسألة وقت فحسب، بحكم إصرار السلطة المنغلقة على مأسسة فسادها من جهة، وتنامي الوعي الشعبي بزيفها وهشاشتها ووقتيتها من جهة أخرى.

فالعراق اليوم يفتقر إلى وجود مجتمع سياسي مستقر المعالم، بل هو خليط من ولاءات سياسية ما قبل مدنية متناحرة ذات طابع ديني ومذهبي وعشائري وعِرقي؛ وبالتالي فإن انتقاله من مرحلة الدولة الهشة الفاسدة فاقدة الشرعية، إلى مرحلة الدولة المؤسساتية الرشيدة مالكة الشرعية، لا بد أن يستند إلى تحقيق توافقات سوسيوسياسية بين تلك الولاءات ما قبل المدنية. وهذه التوافقات لن تنجزها العملية السياسية المغلقة للسلطة الكومبرادورية المتأسلمة الحالية، بل سينجزها -واقعياً وموضوعياً- يسارٌ جديد يكون قادراً على إنجاز تماهي وطني وجداني جمعي بفكرة "العراقوية"، مرتكزاً في دينامياته إلى النزعة المطلبية العامة باستعادة العدل وصيانة الكرامة الآدمية في مجتمع جرى تعريضه إلى أقصى درجات الظلم والإذلال.

ولا يقصد باليسار الجديد هنا أحزابٌ سياسية أو تنظيمات اجتماعية أو تيارات ايديولوجية متحالفة بعينها كما هو حاصل في بلدان أخرى استكملت البناء المدني لمؤسساتها الدستورية والسياسية، بل هو تعبير توصيفي عن قرب بزوغ ثقافة سياسية عقلانية عامة تؤمن بجدوى ومشروعية وضرورة مشاركة الفرد – أيا كانت نزعته الايديولوجية-  في صنع الحدث السياسي على نحو يضمن شكلاً من أشكال العدل الاجتماعي والسلم المجتمعي والهيبة الوطنية. الحديث هنا يجري عن يسار ديموغرافي جديد ينشأ عن نزعات سوسيوثقافية مؤيدة لفكرة الدولة المدنية، بدأت بالبزوغ والانتشار لدى فئات سكانية عراقية مهمة ومؤثرة ممن يصنفون عادة ضمن إطار "المدنيين" أو "المتدينين" على حد سواء.

تشير جدليات الوضع العراقي اليوم إلى أن قسوة الإسلام السياسي وفساده العلني خلال أكثر من عقد من الزمن، دفعا التدين الاسلامي السلوكي العام للمجتمع – تمييزاً عن التدين السياسي التعصبي- إلى النأي عن فكرة أسلمة السياسة، والسعي عكس ذلك أي باتجاه تمدينها وتكنقرطتها ضمن مناخ نقدي متصاعد أساسه جدلية الظلم والعدل. فالجموع المتدينة كانت وستبقى تبحث عن ملاذ روحي تعويضي في طقوسياتها، ومع ذلك بدأت تفكر أن اللاإسلاموية واللاطائفية واللاعرقية واللامناطقية هي معايير جيدة لدولة منتظرة عادلة. وهذه نزعة يساروية تستحق التوقف والتمحيص.

 اليساروية تعني نزعة قيمية جذرية لتغيير العالم باتجاه أكثر اتفاقاً مع العقلانية والعدل والإقرار بوحدة القيمة البشرية. والسوسيولوجيا العراقية اليوم باتت تشهد تطوراً بطيئاً ومتريثاً وواعداً من هذا النوع. النزعة اليساروية قبل أن تكون فكرة سياسية تفرز أحزاباً ونظماً سياسية، هي نزعة سوسيوسيكولوجية جماهيرية بإطار ثقافسياسي شامل، وهي ليست حكراً على العلمانيين واللادينيين، بل هي متاحة سيكولوجياً لكل التصنيفات السياسية للبشر القادرين على التأثر بها ضمن مراحل تاريخية محددة.

وهذه الثقافة السياسية الجديدة لها أن تنبثق على المستوى السوسيوثقافي من التقارب التدريجي الحاصل بين القيم المدنية العدالوية الناهضة والتوجهات الدينية الإصلاحية المستنيرة، ضمن إطار أخلاقي وطنياتي، قد يؤسس في المدى البعيد لمشروع سياسي كارزماتي يستهوي ملايين العراقيين المتلهفين لاستعادة هويتهم الموحدة من جديد.

إن الرافعة الأساسية لهذا المشروع مستقبلاً ستكون نشوء أحزاب وتنظيمات شبابية جديدة تستطيع أن تدمج ايديولوجياتها المتخالفة بفكرة الوطن الهوياتي المشترك، ضمن إطار تنظيمي إجرائي هو الدولة المدنية العاقلة المنتظرة. فتأريخ التطور الاجتماعي للبشرية كان دوماً انعكاساً لروح اليسار – بكل أنماطه الايديولوجية- وهي تدبّ في الجسد المترهل للمجتمعات الخانعة والمحرومة في ذروة لحظات شقائها ومأساويتها.

اليسار بالمعنى النفسي هو قدرة العقل البشري على إعادة تنظيم أولوياته الذهنية وخياراته السلوكية بما يحقق له بقاءً أسمى وأجمل على مستوى الجماعات والأمم. ولن يكون العراق استثناءً من كل ذلك، وهو يختزن في ثقافته القيمية نزعةً يساروية اجتماعية كامنة ومتجذرة!

--------------------------------------------------------

*باحث في الاجتماع والسياسة

المقال نشر على صفحات جريدة المدى البغدادية

قراءة في العلاقات العربية الإيرانية والسعي الصهيوني للتعاون مع دول عربية

تتوالى التصريحات الاسرائيلية منذ مدّة عن علاقات اسرائيلية عربية مفتوحة على تعاون اقتصادي وبخاصة مع دول خليجية، في الوقت الذي ينشط فيه العدو لتهويد القدس الشريف ومعها الضفة الغربية وزرعهما بمستوطنات تطمس الوجود الفلسطيني، مع ما يترتب على ذلك من تشريد وتهجير ومصادرة أراضٍ واستيلاء مبرمج على مدينة القدس بعد تفريغها من أهلها الأصليين. وتزداد وقاحة العدو حينما يطرح ويعمل منذ وقت طويل على إحتواء ما يسميه بأقليات دينية وعرقية ومذهبية، لتقسيم الكيانات الوطنية وفق مقرارات المؤتمر اليهودي العالمي عام 1982 والتي نشرتها مجلة كيفونيم الصهيونية.

إن العدو الصهيوني يطرح اليوم تعاوناً مع الدول العربية التي يصفها بـ"السنيّة" لاحداث فتنة مذهبية كبرى في المنطقة تحت شعار محاربة ايران، ويعتبر ان اندلاع هذه الفتنة على مستوى المنطقة سيؤدي الى نجاح مشروع الاوسط الكبير لنقل اسرائيل الى دولة كبرى واخضاع المنطقة لسيطرتها بعد أن تتحوّل الى أشلاء متصارعة.

ونحن نقول من منطلق قومي عربي، ومن منطلق الاسلام الحضاري الجامع والمنفتح على كل المعتقدات والطوائف والمذاهب والاعراف: إن هذا الحلم الصهيوني مستحيل التحقيق، ومهما استفادت اسرائيل من الظروف السوداء التي تعيشها المنطقة، فان لدينا من المناعة بحيث لا يستطيع العدو تحقيق مراميه، وسيبقى أسير توازن الردع مع المقاومة، وغير قادر على التوسّع، وإن كان قادراً على استثمار قوى متطرفة وغيرها ممن يقبلون التعاون معه.

إن هناك حقائق لا بد من التركيز عليها الآن وهي:

اولاً: ان الادارة الساداتية التي حكمت أكبر بلد عربي، صالحت العدو عام 1979 وأبرمت معه معاهدة كامب دايفيد، لكن الشعب المصري أسقط كل أنواع التطبيع مع العدو. وباستثناء الادارة الاردنية واتفاق أوسلو الساقط، فإن الرأي العام العربي وبخاصة "السنّي" منه بقي صامداً ومقاوماً للاحتلال الاسرائيلي.

ثانياً: لقد تشكلت لجنة عربية رسمية باسم لجان متعددة الاطراف لاقرار برنامج اقتصادي تطبيعي شامل مع اسرائيل وضعه رئيس الوزراء الأسبق شمعون بيريز في التسعينيات، وسقط  هذا البرنامج وإنتهى مشروع بيريز.

ثالثاً: لقد حاولت اسرائيل بكل طاقتها وبعدوان مباشر وصل الى بيروت عام 1982 تقسيم لبنان وابرام معاهدة باسم 17 أيار، فاستطاع احرار لبنان اسقاط هذ التقسيم بضرب التقسيميين وتم انقاذ لبنان بالمقاومة الشعبية ضد الاحتلال وباتفاق الطائف العربي عام 1989 الذي اكد على معاداة اسرائيل واستعادة وحدة لبنان، فسقط المشروع الاسرائيلي.

رابعاً: لقد تم تحرير معظم مناطق الجنوب اللبناني من الإحتلال الصهيوني بالمقاومة وبمساندة شعبية واسعة على قاعدة الوحدة الوطنية، حتى أصبحنا امام توازن ردع مع العدو الذي لم يعد يستطيع استباحة لبنان بعد تحرير العام 2000 والصمود الاسطوري عام 2006.

خامساً: ان دعوة الصهاينة للتعاون بين دول عربية (سنية) مع اسرائيل، لا يستطيع ان يقدم عليها زعماء هذه الدول المعنية، بسبب مقاومة الرأي العام لهذا التطبيع المشين، فقضية فلسطين تبقى عند الجماهير العربية هي معيار وطنية أو عدم وطنية اي نظام أو حرب او مجموعة.

المشكلة مع ايران

في الوقائع، هناك اشكالات وأزمات بين دول خليجية عربية وبين ايران، وهناك مخاوف خليجية من قوة ايران المتنامية، ووهناك تهم توجّه لايران بالتدخل في الشؤون الداخلية. وهناك في المقابل مخاوف ايرانية من القواعد الاطلسية المتواجدة في الخليج بما فيها الاسطول الخامس، بما تعتبره ايران تهديداً لامنها القومي.

ومن الحقائق، أن ايران دولة اقليمية ذات تاريخ وحضور، وكانت متواطئة مع اسرائيل ضد العرب في زمن الشاه البهلوي، وكانت جزءاً من الاحلاف الاستعمارية التي أسقطتها حركة القومية العربية.

ومنذ قيام الثورة الإسلامية في إيران في العام 1979، فإن إيران تعادي الحركة الصهيونية وتدعم المقاومات اللبنانية والفلسطينية ضد العدو، وتعتبر اسرائيل عدوها الاول في المنطقة، وبالتالي وبرغم الخلافات الخليجية مع ايران فلا يمكن مساواتها باسرائيل، ولا يمكن اعتبارها عدواً وجودياً كما يطرح الجهلاء. بل إن ايران هي جزء اساسي من المنطقة، في حين ان اسرائيل عنصر دخيل غاصب لحقوقنا في المنطقة.

لقد طالبنا منذ عقود بحوار عربي – ايراني بعد ثورة ايران بقيادة الإمام الحميني سنة 1979، وقلنا اذا كان القائد جمال عبد الناصر قد قرر في بيان 30 مارس 1968 عدم تصدير الثورة، ووقف اي تدخل سلبي في الشؤون العربية للوصول الى تضامن عربي قائم على الثقة المتبادلة لمواجهة العدو الصهيوني والسيطرة الاستعمارية، فان ايران إن رغبت في تصدير الثورة فانها لن تستطيع النجاح، وان رغبت في التعاون مع العرب على قاعدة الاحترام المتبادل فانها ستلقى التجاوب الشامل من الرأي العام العربي قبل الحكومات الرسمية، لان ثورتها اطاحت بنظام الشاه الاستعماري المعادي للعرب وقررت دعم قضية فلسطين، الامر الذي يفتح كل أبواب العرب للتعاون معها في اطار تكامل قوى العالم الاسلامي، من اجل التحرر من التبعية والتنمية الشاملة والدفاع عن رسالة الاسلام العظيم.

صحيح ان العلاقات العربية وبخاصة الخليجية باتت معقدة جداً مع ايران، لكن بالامكان ايجاد الحلول السلمية لهذه المشاكل، وذلك من خلال تشيكل لجنة من الجامعة العربية ومنظمة التعاون الاسلامي وعدد من الشخصيات الحكماء العرب والمسلمين لمباشرة حوار جدي بين العرب وايران، يأخذ بعين الاعتبار:

1-  المصالح المشتركة للمسلمين، ويطرح وفق برنامج مدروس مواجهة الحملة الاطلسية الصهيونية على الاسلام، ويواجهه حالات التطرف المذهبي الخطير لدى جميع الجهات لتعطيلها من أجل التقريب بين المذاهب وازالة كل الشوائب السلبية الدخيلة على الاجتهادات الصالحة في الوسط الاسلامي.

2-     تشخيص المخاطر على العالم الاسلامي ووضع خطة لمواجهتها حسب اولويات مصادرة التهديد.

3-    الالتزام بقضية فلسطين قضية مركزية لاستعادة حقوق شعب فلسطين واتخاذ مواقف مشتركة من الداعمين لعدو الامة.

4-  تنظيم العلاقات بين الدول الاسلامية وبخاصة بين ايران والعرب على قواعد احترام السيادة ووحدة الكيانات واحترام الحقوق المتبادلة وتحريم التدخل السلبي الداخلي المتبادل بين الدول الاسلامية، مع الالتزام بوحدة كل كيان وخصائصه وتكويناته الاجتماعية، حتى يكون التعامل قائماً على اساس علاقات الدول مع بعضها، وليس علاقات دول بطوائف أو مذاهب أو أعراق او فئات.

5-    ابتعاد الدول الاسلامية عن محاور إقليمية او دولية من شأنها الاضرار بأمن او مصالح دول اسلامية أخرى.

إن هذه العناصر مجتمعة توفر الثقة بين الدول الاسلامية والتي على أساسها يمكن تجاوز الخلافات بين ايران العرب، لأن  استمرار هذه الخلافات وتحوّلها الى صراعات إقليمية او مذهبية سيؤدي الى تحطيم رسالة الاسلام، ويحوّل أراضي المسلمين الى فوضى شاملة، ولن يكون بوسع اي طرف ان يربح هكذا معارك التي ستكون بمثابة كوارث تطيح بالبشر والعمران والحضارة وتفتح كل الابواب للصهاينة والمستعمرين للسيطرة المطلقة مع مقدراتنا.

ملاحظات:

1 – لقد جرّب العدو الصهيوني استمالة المسلمين الشيعة في لبنان عام 1982 وبعده، فكان أحرار الشيعة في طليعة المقاومين ضد العدو الصهيوني.

2 – لقد جرّب اتباع الاطلسي في لبنان دفع المسلمين السنّة الى فتنة مذهبية مع الشيعة واستخدموا الاموال الهائلة ومجموعات متطرفة مسلّحة ففشلوا، لان معظم الشيعة والسنة وبرغم الحساسيات اجهضوا الفتنة ولم يشكل اي منهم بيئة حاضنة للتطرف.

3 – ان الادارات التركية المتعاقبة أبرمت ستين اتفاقاً مع اسرائيل وهي دولة "اسلامية سنيّة"، لكنها عجزت عن دفع باكستان واندونيسيا وافغانستان وغيرها للاعتراف باسرائيل.

4 – ان المسيحيين العرب وبخاصة المشرقيين وعلى الاخص الفلسطينين منهم، وبرغم اضطهاد المتطرفين الطائفيين لهم في العراق وسوريا، اعلنوا عبر مؤتمراتهم وأبلغوا دول الغرب انهم متمسكون بأرضهم وبالعيش المشترك مع المسلمين ويرفضون الفدراليات والانفصال ومشاريع الكانتونات الطائفية.

5 – لقد لاحظنا خلال الحرب السورية المفتوحة السعي الاسرائيلي المحموم مع إعلانات صريحة بحماية الدروز، الاّ ان الدروز تمسكوا بوحدة الدولة السورية ورفضوا اي تعامل مع الصهاينة، كما فعل دروز لبنان.

6-    بالامكان أن نلاحظ افراداً من كل الطوائف يتعاملون مع اسرائيل كجواسيس، وهذا أمر معروف في كل دول العالم التي تخترق استخباراتها بعضها البعض، ولكن ذلك لا يشكل اتجاهاً في الرأي العام ولا يعبر عن مذاهب او طوائف.

7-  وعلى الرغم من الاهوال التي تعيشها منطقتنا العربية، فان المجتمع العربي لا زالت لديه مناعة قوية للحفاظ على وحدة الاوطان والدفاع عن الهوية العربية الجامعة وعن الاسلام العظيم الذي يواجهه الصهاينة والاطلسيون بالارهاب واطلاق الفتن واشعال الاوسط الكبير.

8-  ان المتغيرات العالمية تكشف مدى تراجع الغرب الاطلسي اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً وتقدم دول البريكس وعلى رأسها روسيا والصين التي تتصدر اليوم خط الدفاع عن القانون الدولي، وترفض استباحة سيادات الدول. فما عادت الولايات المتحدة الأميركية تقرر صياغة الساحة الدولية، وأصبحنا امام توازن قاري وقومي حيث تتصدر آسيا القمة العالمية.

-----------------------------------------------------------------------------------

*رئيس المؤتمر الشعبي اللبناني

www.kamalchatila.org

 عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

إنضمام إسرائيل إلى الجامعة العربية بات وشيكاً جداً

تجريم وزراء الداخلية العرب لـ” حزب الله ” ووصفه بـ” الإرهاب ” أكبر هدية لإسرائيل .. وتشريع لحروبها المقبلة في لبنان وغزة ونهاية للعمل العربي المشترك المرتكز على المقاومة .. وإنضمام إسرائيل الى الجامعة العربية بات وشيكاً جداً.

كنا نعتقد أن المملكة العربية السعودية “ تهيمن ” فقط على مجلس التعاون الخليجي وقراراته ، وتحدد له اصدقاءه و أعداءه ، وبعض الدول العربية الأخرى المستفيدة من مساعداتها المالية ، ولكن البيان الذي صدر بالأمس عن إجتماع وزراء داخلية الدول العربية في دورة إنعقاده الأخيرة في تونس ، ووضع “ حزب الله ” اللبناني على قائمة “ الإرهاب ” ، أثبت كم كنا مخطئين في إعتقادنا هذا .

دولتان عربيتان فقط هما اللذان تحفظتا على هذا القرار، أو بالأحرى بعض فقراته ، الأولى هي العراق ، والثانية هي لبنان ، ولم يرد أي ذكر للجزائر ، مما يعني الحكومات العربية “ غير الفاشلة ” ، أو التي في طريقها الى الفشل ، وفق المخطط التفتيتي التقسيمي الذي يجتاح المنطقة ، رضخت للإملاءات السعودية ، وإلتحقت بموقف مجلس التعاون الخليجي في هذا الإطار .

السيد نهاد المشنوق وزير الداخلية اللبناني تحول الى “ بطل وطني ” في لبنان لأنه إعترض على “ وصف حزب الله بأنه إرهابي ” ، مثلما جاء في البيان الختامي ، وبرر مكتبه هذا الموقف بأنه جاء صوناً لعمل المؤسسات الدستورية الباقية في البلد .

موقف السيد المشنوق ، الذي ينتمي الى “ تيار المستقبل ” الذي يتزعمه السيد سعد الحريري ، رجل السعودية الأول في لبنان ، جاء براغماتياً ، وينطوي على نضج سياسي كبير ، والشيء نفسه يقال عن موقف السيد الحريري الذي إتخذه بمواصلة الحوار الأُسبوعي مع “ حزب الله ” رغم القرار الخليجي بإعتباره “ ميليشيا ” إرهابية ، فالحزب يُعتبر مكوناً أساسياً من مكونات النخبة السياسية والطائفية اللبنانية ، ويتمثل في مجلس النواب ( البرلمان ) والحكومة ، ومؤسسات الدولة اللبنانية .

ليس للبنان ما يكسبه لو صوت لصالح القرار المدعوم سعودياً ضد “ حزب الله ” ، لكن لديه الكثير مما يمكن أن يخسره داخلياً ، على صعيد وحدته الوطنية ، وأمنه وإستقراره ، والتعايش القائم بين طوائفه ، فالتصويت لصالح القرار ورغم مخاطره لن يعيد المنحة المالية السعودية ، ومقدارها أربعة مليارات دولار لتسليح الجيش اللبناني ، لأن السعودية قررت الإنسحاب من لبنان بعد أن أدركت أن وجودها فيه غير فاعل أولاً ، وغير مرحب به من قبل قطاع عريض من اللبنانيين ثانياً ، وفوق هذا وذاك ، إقترابها من حافة الإفلاس بسبب تراجع العوائد النفطية ، وزيادة أعبائها المالية بسبب حروبها المعلنة في سورية واليمن ، وغير المعلنة في العراق ومصر وليبيا ، وطابور طويل من المتطلعين الى “ عطاياها ” المالية ، سواء على شكل منح وقروض ، أو صفقات أسلحة .

أخطر ما في قرار وزراء الداخلية العرب هو هيمنة “ المال ” السعودي على القرار العربي ومؤسساته ، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر ، وتحويل المقاومة للإحتلال الإسرائيلي الى “ إرهاب ” ، الأمر الذي قد يُشّرع أي عدوان إسرائيلي مستقبلي على لبنان وقطاع غزة ، للقضاء على هذا “ الإرهاب ” .

كان من الممكن تجنب هذه “ السابقة ” الخطرة لو جرى الفصل ، في البيان الختامي ، بين “ حزب الله ” كمقاومة مشروعة للإحتلال الإسرائيلي ، وبين تدخلاته في شؤون بعض الدول العربية ، لإرضاء السعودية وحلفائها في الخليج ، ولكن غياب هذا الفصل يؤكد إن الهدف بالتجريم والصاق تهمة الإرهاب ، هو ثقافة المقاومة وأذرعها ، ولهذا لم يكن غريباً ، أو مفاجئاً حالة “ الفرح ” التي رأيناها في دولة الإحتلال الإسرائيلي ، والتصريحات المرحبة بالقرار على لسان مسؤوليها ، فهل هناك “ هدية ” أكبر وأغلى من هذه الهدية المجانية والإستسلامية التي أثبتت أن معظم العرب أكثر حرصاً على أمن وإستقرار إسرائيل من أكثر زعمائها اليمينيين عنصريةً وتشدداً .

العمل العربي المشترك بالصورة الوطنية المشرفة التي نعرفها إنتهى ، وبدأ يحل محله تدريجياً العمل العربي الإسرائيلي المشترك الذي سيكون طابع المرحلة الحالية ، ولن نستغرب إذا ما شاهدنا تنسيقاً أمنياً وعسكرياً عربياً إسرائيلياً علنياً في الأسابيع أو الأشهر المقبلة ضد “ المقاومة ” تحت ذريعة التصدي للإرهاب ، وحزب الله وإيران على وجه الخصوص ، إنه “ العهد السعودي ” الذي يترسخ حالياً .

نحن في هذه الصحيفة “ راي اليوم ” نقف في خندق “ المقاومة ” للإحتلال الإسرائيلي ، ونعتبرها حقاً مشروعاً لتحرير الأرض والمقدسات بالوسائل كافة ، ونعتبر قرار وزراء الداخلية العرب تخلياً عن القيم والمبادىء العربية في هذا الصدد ، وطعنة في الظهر لكل الشهداء العرب الذين إنخرطوا فيها ، ولكل الذين ما زالوا يؤمنون بهذا الخيار في ظل إنهيار كل الرهانات السلمية بسبب رفض دولة الإحتلال لكل القرارات الدولية ، وإجهاضها لإتفاقات السلام التي تعترف بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني ، وإستمرارها في تهويد المقدسات العربية والإسلامية ، وبناء المستوطنات ، وإذلال الملايين من العرب والمسلمين ، وإعدامهم بدم بارد .

اليوم “ حزب الله ” إرهابي ، وغداً حركة “ حماس ″ ، وبعد غد “ الجهاد الإسلامي ”.. وبعد كل هؤلاء ، سيتم هدر دم كل من يقف في خندق هؤلاء ويؤيدهم ، أو يتعاطف معهم ، ضد دولة إسرائيل الصديقة المسالمة الوديعة المهددة من الذئاب العربية والإسلامية ، حسب قيم ومبادىء وأعراف العهد “ العربي ” الجديد .

إن مثل هذا القرار يمهد الطريق لإنضمام إسرائيل الى الجامعة العربية ، ومؤسسة القمة ، ولن نُفاجأ إذا ما جرى إنتخاب أميناً عاماً إسرائيلياً لها في المستقبل المنظور ، وليس هناك أفضل من بنيامين نتنياهو لهذا المنصب ، فلم نعد نستبعد ، أو نستغرب أي شيء هذه الأيام .

--------------------------------------------------------------------

*نشر المقال على الرابط التالي:

http://www.non14.net/69587/

تلميذة كيسنجر

في إحدى المناظرات الإنتخابية للحزب الديمقراطي الأميركي، عاب المرشح بيرني ساندرز على منافسته داخل الحزب هيلاري كلنتون أنها ذكرت في كتابها الصادر قبل أكثر من عام، وكذلك في مناظرة سابقة لها بأنها تحظى بدعم وتأييد وزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر الذي يُعد مهندس سياسات خارجية ومرجعا في السياسة الخارجية الأميركية لدى الكثيرين.

قال ساندرز: «إنني فخور بأن كيسنجر ليس صديقي، ولا يشرفني أن آخذ نصيحة منه لأنه باختصار أكبر مخرب في تاريخ الخارجية الأميركية». واستطرد ساندرز: «عمليا فإن كيسنجر مسؤول عن سياسة أميركا في كمبوديا والتي أدت ألى أكبر جريمة إبادة جماعية في التاريخ راح ضحيتها ثلاثة ملايين ضحية».

ليس المرشح الديمقراطي بيرني ساندرز؛ هو أول من يوجه أصابع الاتهام إلى كيسنجر منذ توليه منصب وزير الخارجية في عهد الرئيس الأسبق جيرالد فورد (١٩٧٤-١٩٧٧)، وحتى اليوم. لم ينته دور كيسنجر بخروجه من الوزراة، بل بقي يقدم المشورة للادارات الأميركية المتعاقبة، خصوصا الجمهورية منها.

يتهم كثيرون كيسنجر بأنه وراء الكثير من السياسات الاميركية التي تسببت بكوارث لدول أخرى فضلا عن الولايات المتحدة ذاتها، وفي مقدمة ذلك حرب فيتنام التي فقد فيها الجانب الأميركي أعدادا هائلة من جنوده وضباطه.

في تلك الحرب يجري اتهام كيسنجر بلعب دور فيها يصل به إلى مستوى مجرم حرب بعدما فقدت فيتنام ثلاثة ملايين مواطن لها فيها، فيما يصر كيسنجر على تسميتها بـ»الحرب النبيلة».

وفي العام ٢٠٠٠ تم إلغاء محاضرة لكيسنجر في جامعة تكساس بعد إثارة اتهامات له بأنه مجرم حرب، بسبب سياساته السابقة في تيمور الشرقية والتي أدت إلى إغراق الإقليم في بحر الفوضى والعنف خلال مرحلتي الاحتلال والاستقلال على السواء.

في العام ٢٠٠١ صدر كتاب بعنوان «محاكمة هنري كيسنجر» للكاتب «كريستوفر هيتشز» تحدث عن جرائم ارتكبها كيسنجر خلال عهدي فورد ونيكسون من بينها - حسب الكتاب- دعم انقلابات عسكرية وسياسات تندرج في خانة الجرائم ضد الإنسانية وصولا إلى مساهمته في إطالة أمد الحرب الفيتنامية. في العام ذاته كتب باحث وأستاذ جامعي بريطاني يدعى «ألان غريلنغ» مقالا في صحيفة الغارديان البريطانية دعا فيه إلى محاكمة كيسنجر كمجرم حرب، واتهم واشنطن بأنها لا تمانع أن ترى ميلوسوفيتج الصربي في المحكمة الجنائية الدولية لكنها ترفض أن تطبق هذا المبدأ على مواطنيها، فهي ترفض التوقيع على ميثاق المحكمة الجنائية الدولية الذي تم إقراره في روما العام ١٩٩٨ إلا بعد استثناء مواطنيها وجنودها منها.

كيسنجر الذي تفخر مرشحة الرئاسة الأميركية هيلاري كلنتون بأنها تحظى بتأييده وتتعلم منه وتستلهم من نصائحه هو الذي يصر على أن التوازن لن يعود إلى العالم إلا بوقوع حرب عالمية ثالثة. قالها قبل سنوات، وأكد أنها ستنطلق من سوريا، وأن أطرافها ستكون الصين وروسيا وحلفاءهما، مقابل الولايات المتحدة وحلفائها. حرب سيكون الشرق الأوسط ساحتها.

هنا علينا أن نتوقع انعكاس السياسات الأميركية على المنطقة والعراق فيما لو فازت كلنتون، المستلهمة من كيسنجر، بالرئاسة الأميركية.

التاريخُ لا يكتبَ مرّةً واحدة !

لكَ الذكرى الطيبّة يا من أسميتهم بـ " مرضى نفسيين ووحوش مفترسين في آن واحد " ، حيث يأكلُ أحدهم الاخر حيّا او ميّتا ، ونجدهم وكأنّهم رجعوا الى بيوتهم وقد بحّت أصواتهم ، وألتهبت حناجرهم وأدميت أكفّهم في هوس الفوضى ، وقد فرحوا بما انجزوه من مهمّات ، وما حققّوه من دمار وخراب بعد ان طافوا في الشوارع والحارات مع شعاراتهم الخيالية الجوفاء في عصر الفوضى السياسية والزعماء المراهقين قبل عشرات السنين . آه ، كم لبسوا ثوب الوطن ليكونوا من ابشع الناس باسمه قبل ان يأتي كلّ المتاجرين اليوم ليتكلموا باسم الدين ليكونوا اكثر بشاعة ووقاحة وفساداً !

لقد عشنا منذ الصغر على صراعاتهم وشعاراتهم وافكارهم التي فاتها الزمن وأكلتها الحياة الجديدة وهم ما زالوا يلوكونها ليل نهار حتى اليوم .. كانوا وما زالوا منقسمين الى شيع واحزاب وفرق وملل ونحل وكتل .. بل وصل الامر الى انّ كلّ واحد منهم يشكّل منظومة قتل ، او ميليشيا خطف ، او جماعة اباحيّة ، او عصائب وعصابات سيئة الاخلاق وعديمة الضمير .. وقد مزّقهم التعصّب للرأي دون ان يقبلوا او يتقبّلوا الرأي الاخر مهما كان المقابل مسالماً او ناصحاً او سليم القلب والنوايا ..

لقد بقوا يؤمنون بالمطلقات والاحكام المطلقة التي يورثونها من جيل الى آخر  من دون أيّ مدار له مرونته من نسبيّة الاشياء .. اذ لم يستقم أي فكر نقدي او تفكير نسبي في اذهانهم الصلدة .. كلّ واحد منهم يرى نفسه الاعلى ، وهو الاصلح وهو الاصوب ، اذ لا يتقبّل التنازل عن رأيه ولم يعترف باخطائه أبداً .

ووصل الامر الى ان يلعن أحدهم أمّة بكاملها من أجل موت زعيم من الزعماء قبل عشرات السنين !  ان العقل يقول بأنّ فهم الماضي ورجاله مع درس تجاربهم لمعالجة الحاضر ، أهمّ بكثير من البكاء والعويل والشتم والسبّ .. فلم يزل مجتمعنا السياسي يتبادل اتّهامات سياسيّة بلا أيّة حيثيات تاريخيّة بين طرفين اثنين ، وتاريخ مضى على رحيله اكثر من نصف قرن !

كلّ واحد من الطرفين المتصارعين يرى نفسه فوقَ الاخرين ، وهو الافهم ، وهو الاصلح ، وهو الاصوب ، اذ لا يتقبّل التنازل عن رأيه ، ولم يعترف بأخطائه أبدا ، فالاعتراف بالخطأ عندة مذّلة وكسر خشم وهو يتخيّل نفسه فوق مستوى البشر  كلهّم ! وكم اتمنى مخلصا ان يفهم هؤلاء ام اولئك بأن لا مثالية في الحياة ، وان كلا الطرفين له اخطاؤه وجناياته .

طوال تاريخكم تصنعونَ من الاحجار آلهة ، ومن التمور اصناما ، ومن المجانين أبطالاً ، ومن الخونة زعماء ، ومن الحمقى رؤساء ، ومن التافهين طواغيت ، ومن الاقزام قامات ...   حتى رضيتم اليوم من المشعوذين حكّاماً ! ومن المجرمين والقتلة وشذّاذ الافاق مسؤولين ومدراء وأمراء دنيا ودين .. ومن الجهلة التعساء فقهاء ناصحين ووعّاظ مرشدين وعلماء دين . 

متى تتركون ألبستكم المضحكة التي ارتديتموها في القرن العشرين ؟  متى تتعّلمون من التجارب القاسيّة التي كللّت حياتكم الشقيّة بالعبر والدروس التي لا تذكرونها ابدا ؟ متى تجتمعون في بيتٍ واحدٍ ، وتأكلون من صحن واحدٍ ، وتزرعون الاشجار المثمرة  بدل حصدكم الاشواكَ .يوما بعد آخر ؟ متى تنتهي نزاعاتكم الفجّة وموضوعاتكم التافهة كي انتهي من سخريتي ؟  فقد غدوتم سخرية أمام هذا العالم وانتم تمثلون الادوار الصبيانيّة منذ عقود طويلة من الزمن ؟

الى متى يبقى الانقسام الايديولوجي عندكم جميعاً مذ ولدت الانقلابات العسكريّة في حياتكم وقد خدعتم سايكلوجيا منذ ان كنتم صغارا  ؟ وكأن لا شغل شاغل لنا الا جناياتكم بحق بعضكم الاخر !   متى  تدركون أن التاريخَ لا يرجع الى الوراء ابداً وانه لا يكتب مرة واحدة .. فما تعتبرونه مثاليا وساميا اليوم ستأتي اجيال قادمة تفند ما تقولون  ؟ ماذا يفيدكم تمجيدكم هذا والنيل من ذاك ؟  ماذا تريدون من الماضي الذي تتصارعون على أشلائه ؟ ما لكم تقتلون القتيل ، فمنكم من يمشي طول الدهر في جنازته وهو ينوح ويبكي .. ومنكم من يبقى يتشمّت بالقتل ويتشفّى بأبشع أنواعه ؟  ولم يكن أحدكم أحسن من الاخر  في التصفيّات القاتلة !

من قتل الملك الشاب ؟ من سحل الباشا العجوز ؟ من قطّع أوصال الامير ؟  من أعدم الزعيم الاوحد ؟ من أسقط طائرة المشير ؟ من أمات الاب القائد ؟ من شنق السيد الرئيس ؟ والحبل على الجرار ..  لا اعتقد ان أناسا من خارج الارض قد اتوا ليصنعوا هذه الاحداث ؟ بل صنعتموها بأنفسكم ، فأنا لم اعد افرّق بينكم أبدا ، فرؤيتي واحدة اليكم جميعاً !

 لا ادري متى تبدأ قطيعتكم مع تاريخكم القريب المرير ، كي تفهمونه قبل ان تتعبّدوا في محرابه ؟؟ متى يتمّ توقفّكم عن الركض وراء السراب ؟ متى تفكّروا في شعارات تربيتم عليها وكلها اوهام واضغاث احلام ؟ متى يتمّ ابتعادكم عن التحيّزات ؟ متى يعود الوعي ليطغى على العواطف ؟  متى يتمّ فهم التاريخ بعيداً عن السياسة والايديولوجيات ؟ متى يتوقّف بكائكم على عهودٍ سياسيّة مضت وقد ولدت رغماً عن أنف البعض  ، ورحلت رغماً عن أنف البعض الاخر ؟  متى تعترفون بحقائق الاشياء ؟ متى تتوقّفون عن تدليس التاريخ وتشويه صفحاته ، والنيل من الاخرين دون ان تروا انفسكم ، وما الذي فعلتموه بها وبوطنكم الرائع ؟

متى تسكت أفواهكم عن الشتائمِ واطلاق أقذع الكلمات ؟ متى تتعلّمون من أخطاء جيل مضى وسترحل بقاياه قريباً  وبكلّ خطاياه التي صنعها بنفسه ؟  لقد شارك الجميع في ماراثون القتل والاغتيالات وصنع الفوضى وترسيخ الكراهيّة وتوزيع الاحقاد .. وأخذ الثارات وتأجيج الصراعات .. والبلاد ترنّحت يوما بعد آخر  بعد ان غدت مجرّد كرة يدحرجها المتخندقون في خندقي الحرب الباردة بين الغرب والشرق ! وكلّ الزعماء الجهلاء مجرّد دمى يحرّكها الاقوياء في العالم.

الناس ليسوا كلّهم سذّجا حتى يصدقّوا ما تقولون ، فالزعماء ليسوا ملائكة ، والخونة ليسوا ثوّارا  .. ان الحلولَ ليست بمشروعات للقتل ، او دعوة الى الاعدامات والتشفّي بنصب المشانق .. والتسيّب بأسم النضال ، والتسلّط بأسم الثورة .. ولا في اقامة المجازر التي شهدها تاريخكم المضني بدءا بقصر الرحاب ومرورا بدملماجة الموصل وكركوك وساحة ام الطبول وقصر النهاية وساحة الحرية ببغداد والامن العامة .. وانتهاء بسبايكر  والسلسلة قادمة في القتل الجماعي ..

انّ الحريّة لا تمتلك بوقاً عسكرياً كئيباً يقيّد الناس في الصباح الباكر ويفك قيدهم ليناموا في الليل ، والحرية ليست ساحة للاعدامات حيث تنصب المشانق ، والحرّية ليست مجرّد جدارية تحكي قصّة كفاح شعب لم يعرف معنى الحياة ولم يفرّق البتة بين الحريّة والفوضى !  ولا يميّز  أبداً بين التاريخ حيث رحل ، وبين الواقع حيث يقوم ، وبين المستقبل حيث يبنى الحلم.. اليوم نعيش حصاد جنايات تاريخ مرير  لم يكتب بعد .. وسيكتب اكثر من مرّة في قابل الايام والسنين .

--------------------------------------------------------------------------

نشرت على موقع الدكتور سيار الجميل  بتاريخ  10 شباط / فبراير 2016  

WWW.SAYYARALJAMIL.COM

الصراعات.. قدَرُ المنطقة العربية

بدأ القرن الحادي والعشرون بحربٍ أميركية على الإرهاب برّرتها أعمال الإرهاب التي حدثت في الولايات المتحدة عام 2001، لكن ساحات هذه الحرب الأميركية كانت البلاد العربية والإسلامية، والقوى المشاركة فيها شملت العديد من الدول الغربية، ممّا أعاد للذاكرة العربية ما حدث في مطلع القرن الماضي من استعمارٍ واحتلالٍ وهيمنة أوروبية على المنطقة العربية، ومن تقسيمٍ للأرض وللشعوب العربية، حيث أقيمت كياناتٌ ودولٌ متصارعةٌ فيما بينها على الحدود، بينما هي أحقُّ بأن تكون أمَّةً واحدة ذات كيانٍ سياسيٍّ واحد، كما هي أمم العالم الأخرى.

لكنّ الفارق بين "الأمّة الأميركية" مثلاً، و"الأمّة العربية"، هو أن توحيد الولايات الأميركية على أسسٍ دستورية سليمة، جعل منها أمّةً واحدة رغم عدم وجود العمق التاريخي لها ولعناصر تكوين الأمم. فهل كانت أميركا قادرةً على جعل القرن العشرين "قرناً أميركياً"، وعلى التحوّل إلى القوة الأعظم في العالم لو لم تكن الأمّة الأميركية أمّةً موحّدة، أو لو انتهت الحرب الأهلية الأميركية في الربع الأخير من القرن التاسع عشر بانفصال الولايات الجنوبية عن الولايات الشمالية؟!

طبعاً، لم تكن هناك "أيدٍ غريبة" ولا "تدخّلاً خارجياً" في الحرب الأهلية الأميركية، كما هو حال العديد من الأزمات العربية الراهنة، ولم يكن هناك "مجلس الأمن الدولي" الذي يقرّر الآن مصير حروب ودول وشعوب، ولم يكن هناك صراع إرادات أجنبية أو "لعبة أمم" على الأرض الأميركية، كالذي نراه يحدث الآن على الأرض العربية.

فالمنطقة العربية تعيش صراعاً دولياً وإقليمياً، أدواته وساحاته هي أوطان العرب وشعوبها. والمؤسف في كلّ أماكن هذه الصراعات، أنّ هناك تهديداً حقيقياً للوحدة الوطنية ومخاطرَ الحروب الأهلية التي تطيح حتّى بما جرى رسمه أوروبياً من خرائط وحدود في بدايات القرن الماضي.

إنّ المنطقة العربية تتميّز عن غيرها من بقاع العالم بميزاتٍ ثلاث مجتمعةٍ معاً: فأولاً، تتميّز أرض العرب بأنّها أرض الرسالات السماوية؛ فيها ظهر الرسل والأنبياء، وإليها يتطلّع كلّ المؤمنين بالله على مرّ التاريخ، وإلى مدنها المقدّسة يحجّ سنوياً جميع أتباع الرسالات السماوية من يهود ومسيحيين ومسلمين.

وثانياً، تحتلّ أرض العرب موقعاً جغرافياً هامّاً، جعلها في العصور كلّها صلة الوصل ما بين الشرق والغرب، ما بين أوروبا وآسيا وإفريقيا، وبين حوض المتوسّط وأبواب المحيطات. ومن هذا الموقع الجغرافي الهام خرجت أو مرَّت كلّ حضارات العالم سواء القديم منه أو الحديث.

وثالثاً، تمتلك أرض العرب خيراتٍ طبيعية اختلفت باختلاف مراحل التاريخ، لكنّها كانت دائماً مصدراً للحياة والطاقة في العالم. فهكذا كان الحال منذ أيام الإمبراطورية الرومانية، التي كانت خزائن قمحها تعتمد على الشرق العربي، وصولاً اليوم إلى عصر "البترو - دولار" القائم على منابع النفط والغاز في أرضنا.

وهذه الميزات الإيجابية تجعل المنطقة العربية دائماً محطّ أنظار كلّ القوى الكبرى الطامعة بثروات الشعوب الأخرى والطامحة للسيطرة على العالم..

أيضاً، تتميّز المنطقة العربية، في تاريخها المعاصر، عن باقي دول العالم الثالث، أنّ الدول الكبرى، الإقليمية والدولية، تتعامل مع هذه المنطقة كوحدةٍ متكاملة مستهدَفة، وفي إطار خطّة إستراتيجية واحدة لكلّ أجزاء المنطقة، بينما تعيش شعوب المنطقة في أكثر من عشرين دولة دون أي توافق على إستراتجيةٍ عربيةٍ مشتركة.

ولقد أدّى هذا الواقع الانقسامي، وما يزال، إلى بعثرة الطاقات العربية (المادّية والبشرية)، وإلى صعوبة تأمين مشروع عربي فاعل يواجه المشاريع والتحدّيات الخارجية، أو يمكّن من القيام بدورٍ إقليمي مؤثّر تجاه الأزمات المحلية.. كما تحوّلت تداعيات العنف الداخلي المسلّح، المرافق الآن لانتفاضاتٍ شعبية في بعض البلدان العربية، إلى حروبٍ أهلية عربية سيكون ختامها لصالح المشروع الإسرائيلي حصراً، حتّى على حساب المشاريع الدولية والإقليمية الأخرى الراهنة للمنطقة.

إنّ مواجهة الاستبداد الداخلي من خلال طلب الاستعانة بالتدخّل الخارجي، أو من خلال العنف المسلّح المدعوم معظم الأحيان خارجياً، جلب ويجلب الويلات على البلدان التي حدث فيها ذلك، حيث تغلب حتماً أولويات مصالح القوى الخارجية على المصلحة الوطنية، ويكون هذا التدخّل الخاجي أو العنف المسلح نذير شرٍّ بصراعاتٍ وحروبٍ أهلية، وباستيلاءٍ أجنبيٍّ على الثروات الوطنية، وبنزعٍ للهويّة الثقافية والحضارية الخاصّة بهذه البلدان.

ولم يتحقّق التقدّم العلمي والتكنولوجي في الغرب ورفاهية العيش في مجتمعاته حصيلة وجود الديمقراطية فقط، وإنّما أيضاً حصيلة أحد أمرين أو الاثنين معاً: السيطرة على شعوب أخرى ونهب ثرواتها.. والنظام الاتحادي التكاملي الذي أوجد قدراتٍ اقتصادية هائلة. فالمواطن الأميركي قد يعجز عن العيش الكريم في ولايةٍ ما فيغادر إلى ولاية أميركية أخرى.. كذلك في أوروبا الموحّدة الآن حيث يتنقّل الأوروبيون بحرّية كاملة بين دول الاتحاد الأوروبي، فتبقى الكفاءات والثروات الفكرية والمادية والمهنية داخل المجتمع الغربي نفسه، وهذا ما هو مفقودٌ في المنطقة العربية حيث تهاجر الكفاءات والأموال العربية من أرض العرب إلى دول الغرب.

  إنّ "الديمقراطية والاتحاد" هما الآن في الغرب وجهان لمشروعٍ نهضوي واحد لمستقبلٍ أفضل، بينما سعت الدول الغربية عموماً إلى المساهمة في تجزئة القوى الدولية الأخرى المنافسة لها، أو المستهدفة منها.

إنّ العالم يعيش الآن حالةً من الفوضى ومن صراع المفاهيم حول هويّة العصر الذي دخلته الإنسانية بعد انتهاء الحرب الباردة بين القطبين الرئيسيين للعالم في القرن العشرين، هذه الحرب التي انتهت بانهزام وانهيار قطب المعسكر الشيوعي (الاتحاد السوفييتي) مقابل فوز وتعزيز قدرات المعسكر الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية.

فبسقوط المنافس الشيوعي العالمي، بقيت "الرأسمالية" وحيدة في طرحها لنموذجٍ سياسي واقتصادي وثقافي متكامل لا يمكن أخذ بعضه دون البعض الآخر. فالصيغة السياسية للأنظمة الليبرالية هي الوعاء السياسي لمضمون "الاقتصاد الحر" والمنافسة التجارية الحرة.

ولأنّ "المنافسة الحرّة" هي أساسٌ في النظرية الرأسمالية، فإنّ حواجز الحدود والثقافات يجب أن تسقط أمام روّاد الرأسمالية من أصحاب شركات كبرى ومفكرين واقتصاديين وسياسيين. كذلك، فإنّ "المنافسة الحرّة" تعني المنافسة وسط أبناء المجتمع الرأسمالي نفسه، وتكون نتيجة المنافسة محكومة بقانون "البقاء للأقوى". لذلك، جاءت "أطروحة العولمة" كنتاج طبيعي لوجود الفكر الرأسمالي نفسه والذي لا يعترف بحدودٍ جغرافية أو حواجز ثقافية.

لكنّ "الديمقراطية" و"العدالة الاجتماعية" هما أساس لبناء المجتمعات من الداخل حينما يكون هذا الداخل متحرّراً من سيطرة الخارج، بينما حينما يخضع شعبٌ ما للاحتلال أو للسيطرة الخارجية، فإنّ مفاهيم ووسائل تطبيق الديمقراطية أو العدالة الاجتماعية، ستكون بما يتناسب حصراً مع مصالح المحتلِّ أو المسيطر، لا بما يؤدّي إلى التحرّر منه أو من نفوذه المباشر.

عربياً، فإنّ التكامل بين غايات الحرية والديمقراطية والعدل والاتحاد، هو ضرورةٌ لازمة لأي نهضة عربية منشودة. فالحرّية، بمعناها الشامل، هي التي تحتاجها الأمّة العربية. الحرّية التي ترتبط فيها مسألة التحرّر من سيطرة الخارج مع مثيلتها في التحرّر من الاستبداد الداخلي والحكومات الفاسدة. الحرّية التي يمتزج فيها تطبيق الديمقراطية السياسية مع العدالة الاجتماعية في كلّ بلدٍ عربي حتى تستطيع الأمّة أن تتكامل لاحقاً فيما بينها، فيكون تكامل أقطار الأمّة على أساس ديمقراطي سليم، هو الضمانة لتكون أمَّةً "آمنة مطمئنّة يأتيها رزقُها رَغَداً من كلِّ مكان" بعدما ذاق معظم شعوبها "لباس الجوع والخوف" بما كان يفعله بعض الحكّام وكل المحتلّين!.

-------------------------------------------------------------------

*مدير "مركز الحوار" في واشنطن

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.">عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

لقراءة مقالات صبحي غندور عن مواضيع مختلفة، الرجاء الدخول الى هذا الموقع:

http://www.alhewar.net/Sobhi%20Ghandour/OtherArabicArticles.htm       

الاستقلال بالتراضي.. بعد حين..!

الاستقلال في دولة، حلم يراود الكرد منذ أكثر من حوالي مئة عام، يوم اتفق الانكليز والفرنسيون على اقتسام تركة العجوز العثماني الذي يحاول أردوغان اليوم استنهاضه بحلّة جديدة دون أن يتغيّر منهجه الطائفي السابق. حينها توزع الكرد بين عدة دول رسمت حدودها معاهدة سايكس بيكو، وفقاً لمصالح أوروبية.

اليوم تغيّرت الظروف الدولية والاقليمية، وبات الكثيرون يتحدثون عن خريطة جديدة للمنطقة تلبي المصالح الحيوية للقوى المهيمنة وعلى رأسها الولايات المتحدة. لكن هذه الخريطة يجري رسمها بإطلاق العنان (في أحسن التعبيرات) للتوحش وإراقة الدماء وانتشار التطرف باسم الإسلام، بما يكفل تشويهه وتحويله إلى موضوع صراع بين طوائفه لا أحد يعرف نهاية له.

في ظل هذا التوحش والدم والتهجير والهزال تحاول قيادات كردية عراقية التقدم بمشروع الدولة المنشودة إلى الأمام، عبر فرض حدودها بمنطق الأمر الواقع، أو «بالدم» كما قال زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي عدل عن ذلك بعد زيارته إلى واشنطن وسماعه رأي الادراة الأميركية. ومن هناك قال إن رسم حدود الدولة يأتي بالتفاهم والتراضي.

وأنا أبحث في بعض المصادر الخاصة بتاريخ المنطقة وحيثيات رسم الحدود فيها، توقفت عند تفصيل يتعلق بكيفية ضم ولاية الموصل (التي تضم كردستان العراق الحالية)، إلى العراق. كانت بريطانيا (العظمى آنذاك) أصرت على عدم ترك ولاية الموصل (بغالبيتها الكردية) لتركيا التي طالبت بها، بل ضمها إلى العراق بعدما اعتبرت ذلك ضرورة كبيرة لمصالحها ووضعها في الشرق الأوسط.

هنري دوبس، الذي خلف السير بيرسي كوكس مندوباً ساميا لبريطانيا في العراق، كان شديد التأثير على سياسات بريطانياً بشأن العراق قال حينها : «إن تسليم أجزاء كبيرة من الأراضي الكردية إلى تركيا كفيل بإغضاب الطبقة الحاكمة العربية في العراق، التي هي سنية.. لأن ذلك سيخل بميزان القوى في البرلمان لغير صالح السنة المعتدلين ويضع الشيعة المتزمتين في السلطة. الكرد في الأراضي التي ترغب بها تركيا (ولاية الموصل) سند رصين للنفوذ البريطاني في العراق».

هكذا جرى ضم الكرد إلى العراق لسبب طائفي واضح، اقتضته مصالح بريطانيا لكن الحلم القومي ظل متفوقاً على الانتماء المذهبي لديهم. وهم يسعون اليوم إلى تحقيقه ولو في العراق فقط، فيما بات حلم الدولة الكردية الواحدة في المنطقة بعيد المنال حاليا.

هل تسمح الظروف لكي يتحول إقليم كردستان العراق إلى دولة مستقلة رسمياً؟.

بعيدا عن التلويحات والتهديدات الهادفة إلى الضغط واستحصال المزيد من الامتيازات، فإن التناقضات والظروف الداخلية في الإقليم وكذلك المواقف الإقليمية والكثير من المواقف الدولية لا تبدو مشجعة للاستقلال التام. النصيحة التي يتلقاها بعض قياديي الكرد هي أن يظلّوا على وضعهم الحالي مع تحسين ظروفهم عبر ترطيب الأجواء مع المركز ومحاولة التفاهم معه، لحين توفر ظروف ومقومات أكثر.

الاستقلال الذي نتحدث عنه هنا هو الاستقلال الناجز التام المعترف به دولياً، أما الاستقلال العملي فهو متحقق إلى حد كبير.

ثَلاثُ دول صامِتَةْ ... فَخ الموت القادم....

مايحصل في العراق هو فَوضىٰ  وعبث بمقدرات الوطن وانتهاك لحقوق المواطنة بكل ماتعني الكلمة... وغياب كامل  للمسؤولية وأنعدام أي مشروع لشكل الدولة وتوجاهتها ، فهنالك غياب كامل للعقد الأجتماعي بين العراقيين وغياب أي رؤية ناضجة لبناء الدولة ، مهما كان شكل الدولة ... الدولة الوطنية الراشدة  أو الدولة الدكتاتورية ... الدولة الثورية ... الدولة الدينية ... لتحقيق أي من هذه العناوين نحتاج الى مشروع متكامل .. بأذرع سياسية أمنية أقتصادية وعلاقات خارجية واضحة تحدّد على ضوئها أصدقائك وحلفائك وتفرز أعدائك...

نحنُ كعراقيين لم نحدد بَعد:...

-- من نحن ... عراقيون نبحث عن مشروع يوحدنا ... أم مكونات تبحث عن هويتها المغيبة ... أم شعوب متصارعة تسيطر علينا ظاهرة التغالب والثأرية ونعتقد أننا لانعيش الا بأنكِسار وهزيمة الآخر!!!! 

-- ماذا نريد ،، دولة وطنية علمانية موحدة ... دولة دينية متعددة الطوائف... نريد التقسيم لمجموعة دوَّل تُلبي أنقساماتنا الاثنية والاجتماعية الموجودة أصلاً في تاريخنا السياسي... 

-- هل نحن أحرار... أم أننا أدوات لقوى أقليمية ودولية تتقاسم النفوذ على الأرض العراقية ...

أذا عَرِفنا كُلَّ ذلك وحَدّدنا بوضوحٍ  مَن نَحنُ  وماذا نُريد ،،،  يمكننا أن نَتَلَمَسْ خياراتنا الواقعية الممكنة حتى نعمل  على تحقيقها بأقل الخسائر ...

لايمكن أن تستمر سياسة العبث والاستنزاف الممنهج لأمكانياتنا حتى تَحوّل الوطن الى شعارٍ عاطفي مُقرِف للاستهلاكِ السياسي  وَسط إستمرار القتل والتدمير وضياع الحقوق ونشر الكراهية... وتَحَرّك مشاريع لاناقَةَ  لنا فيها ولاجَمَل  لتقسيمِ العراق وإتفاقياتٍ  بين اللاعبين الكبار لاعادةِ رَسْمِ الخارطة السياسية للمنطقة من جديد  ،،،، والمفارقة الموجعة إنَّ القوى الدولية ومشاريعها فَضَحَتْ تناقضاتنا... لم يفعلوا أكثر من تسليطِ الضوء على هذه الانقسامات المتأصلة في المجتمع العراقي  منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة ،، بل أقدم من ذلك بكثير ،، فالمجتمع العراقي على مَرِّ العصور ساحة لتصفية الحسابات بين ثلاث أمبراطوريات متصارعة ... عربية فارسية تركية ... أُضيفَ اليها حديثاً الصراع على الطاقة والنفط الذي جعل الوضع الحالي للدولة العراقية المريضة  يُمثل أرادة دولية ومصلحة تركية سعودية أيرانية .. فهذه الدول الثلاث لاتريد عراقاً قويا يُمارس دور التأريخي في المنطقة ..

ولاتُريد أيضاً تقسيم بلاد الرافدين ليس حباً بالشعب العراقي  ، ولكن حفاظاً على أمنهم القومي , تركيا لاتريد للكرد أن  يصبحوا دولة وهنالك أكثر من عشرين مليون كردي في ديار بكر عيونهم على الاستقلال ، والسعودية لاتريد دولة شيعية مجاورة تتمتع بامكانيات بشرية وأقتصادية هائلة سيكون لها حتماً إمتدادات مستقبلية ... وأيران التي تُماثِلْ العراق سكانياً تعتبر تقسيم العراق على أسس طائفية وقومية مُهَدّداً خطيراً لأمنها القومي على المدى القريب وبالتالي أتَّفقَت هذه الدول على حصرِ صراعاتها في العراق عندٍ سقفٍ مُعيَّن يجعل من البلدِ حديقة خلفية لتفريغ الشحنات القومية والطائفية لهذه البلدان لتقوية نُظُمها التي تحتاج أحيانا الى مُستفزات خارجية لرصِّ جبهتها الداخلية  ،،،،

الدول الغربية هي الاخرى تعمل على تَكريس الوضع المتناحر القائم للعراق ،، تَدعَم الكرد في أستِقلالِيَّتهُم  عن بغداد  دون أن توافق على الاعتراف بِدَولَتِهِم ألمَوْعودة   ،، و تطالب بتكرار التجربة الكردية في المناطق السنية دون ان تدعم حُكماً راشداً قوياً في بغداد ،،،،،

وسط كل ذلك علينا كعراقيين أن نُواجِه  الواقع ونُحِدّد خياراتنا بعيداً عن الانفعالات والتطرف ،بين من يرفع الوطن شعاراً مُقدساً غير قابل للنقاش ،، وبين من يَلْعَن الوطن معتبراً التقسيم الحَل الأمْثَل  لِوَضعِنا ألحالي...

يجب أن يَعلو  صوت الحكمة ... هل نستطيع ان نُنشيء دولة وطنية بمتطلباتها وأشتراطاتها المتعارف عليها .. هل يمكن لنا أعادة الكُرد الى بيت الطاعة الوطني بعد أن تضخموا  وأصبحوا دولة مستقلة ،، أم عَلَيْنا أن نَتَفَهَم الطموح القومي المشروع للشعب الكردي الشقيق ونُقدِّر تضحياتِهِ  التاريخية لأقامِةِ الوَطَن الحُلُم ،، ونساهم على المستوى السياسي و الشعبي والمرجعي  في دعم الاستقلال الكردي بنوايا صادقة ومُعلنة  لنؤسس علاقة سلام وصداقة مستديمة مع جار جديد!!!

لِنِبَلوِّر بعد ذلك  مشروع  العراق العربي  بسنته وشيعته وأقلياتهِ المُتآخية... هذا السيناريو يُمثِّل أحد الخيارات...

الخيار الآخر يُمثِّل الرؤية الامريكية للحَل التي تَرتَكِز علىٰ تِكرار تجربة أقليم كردستان بأنشاء أقليم سني وآخر شيعي ،،، ويحصل تقاسم شبه كامل للسلطة والثروة والأمن وأقامة تجربة جديدة في العلاقات الدولية تُراعي الخصوصية العراقية عبر تأسيس ثلاث دول ( صامتة ) تتمتع باستقلالية أدارية وأمنية واقتصادية وسياسية وعلاقات خارجية  مع بقاء شكل صوِّري للسلطةِ المركزية وحصرها بالجانب البروتوكولي فقط بعد تفريغها من أي محتوى .

أمّاالخيار الذي يُروّج لهُ بعض المتطرفين ... هو التقسيم الكامل لثلاثِ دول على الطريقة الباكستانية الهندية تتبادل الجغرافية والسكان ... وهو خيار مرفوض من كل العراقيين  ،، لانهُ غير أخلاقي وغير أنساني يقوم على تَطهير عرقي وقومي ويؤسس لكياناتٍ مُتحاربة ،،،

مرة أخرى وبعيداًعن الشعارات السياسية الفارغة التي تتغزل بالوطن الواحد وأصبحت تُرفع من مافيات الفساد وأمراء الطوائف المُستفيدين من الوضع القائم  ... علينا أن نَجْمَع ماتَبَقىٰ من حكمةٍ عراقية لنُحدّد خَياراتِنا الواقعية المُمكنة التي تحفظ دماء العراقيين... أما أستمرار دولة المكونات الهزيلة التي أصبَحَتْ  وكراً للفسادِ والارهاب لاتحفظ كرامة مواطن ولاتمتلك سيادة وطن... وأمّا أن نُمسك بخريطةِ  العراق العربي بقوة ونَرسم مشروعه ونُؤمِن بهِ أو نعيد تكرار دَوّامة الموت من جديد بعدما أرهَقَنا النزف .....؟؟؟ هل في هذا البلد من حكيمٍ  شجاع يجهر بالحل  ؟؟؟

------------------------------------------------------------------------------------

*كاتب ومحلل سياسي

 عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

لنقارن بين عقليتين..!

حملت إلينا وسائل الإعلام في الآونة الأخيرة، خبراً لطيفاً وطريفاً في آن واحد، هو أن مملكة النرويج القابعة في شمال الكرة الأرضية، ستهدي جبلاً إلى جارتها فنلندا نظراً لقلة الجبال فيها. ويرتفع الجبل الهدية أكثر من 1200 م فوق سطح البحر، ويمتد على رقعة جغرافية تبلغ مساحتها الإجمالية خمسة عشر كيلومتراً مربعاً، وهي محاذية للحدود الفنلندية. وأروع ما في الهدية التي لا تقدر بثمن، أنها جاءت بناء على مبادرة شعبية، أي أن المواطنين النرويجيين هم الذين بادروا وجمعوا التواقيع فيما بينهم، ثم قدموها إلى السلطات النرويجية المختصة، التي وافقت برحابة صدر على طلبهم.

هكذا تبني الشعوب المتحضرة والدول الديمقراطية علاقات الصداقة، وحسن الجوار، بدوافع إنسانية نبيلة، تصل إلى حد اقتسام جمال الطبيعة، ليعززوا بالتالي من متانة وقوة ونقاوة روابطهم الاجتماعية والسياسية والأخلاقية، بعيداً عن الادعاءات الفارغة بأنهم أقوام متميزون، ويجب أن يسودوا العالم، أو أن لديهم رسالة خالدة..! وأنهم بعيدون كل البعد عن استغلال الفرص السيئة وحالات الضعف والصعوبات التي يواجهها بلد من البلدان المجاورة، مثلما يجري في منطقتنا الملتهبة، والحبلى بأحداث جسام.

إن ما يحصل في تلك البلدان، التي اعتمدت العقل، وجعلت من العواطف الإنسانية المترعة بالإيثار والطيبة، حاضنة لكل ما يثري النفس البشرية، ويجعل الإنسان يسبح في ملكوت الفضيلة، وحب الآخر والتسامح والتكامل بين البشر، مثال ملهم نحن أحوج من غيرنا إلى احتذائه، ونقله إلى بلداننا وشعوبنا، التي تقف في الطرف الآخر البعيد من هذه العلاقات النموذجية، والوعي الإنساني الرفيع.

إن ما يجري في منطقتنا والعراق، يدمي القلب، ويفتح للإحباط والكآبة دروباً سالكة تسربل المزاج الفردي والجمعي على السواء بألوانها الرمادية. وجيراننا خير مثال على ذلك، فهم يستغلون ضعف بيتنا الداخلي، لانشغال ساكنيه بالاقتتال فيما بينهم بغية الحصول على الحصة الأكبر من كعكة السلطة، وما يتبعها من امتيازات فلكية وفريدة من نوعها. لا نستثني احداً منهم، سواء كانت تركيا أو إيران، أو السعودية أو قطر (العظمى). فبدلاً من مد يد العون بنزاهة وشرف إلى أشقائهم من العراقيين، الذين يدعون أنهم يدافعون عنهم، نراهم لا يتعففون عن استخدام أية وسيلة، واغتنام أية فرصة، لإلحاق الأذى بشعبنا، والسعي المحموم لهدم صرح معبدنا العراق.

العيب كل العيب فينا، كما قال ذات مرة الفيلسوف العربي الإسلامي محيي الدين بن عربي. وهذا ما تعيه الآن الكثرة المتزايدة من العراقيين، المصرّين على استبدال هذه اللوحة القاتمة، بلوحة نضرة، مشرقة، لا ينقصها البياض، من خلال إدامة الحراك الجماهيري وتنويع أساليبه واستقطاب كل المطالبين بالاصلاح، ليكون العراق بمستوى تضحيات أبنائه، وبمستوى عمقه الحضاري.