الإثنين 21 آب/أغسطس 2017
TEXT_SIZE

ثَلاثُ دول صامِتَةْ ... فَخ الموت القادم....

مايحصل في العراق هو فَوضىٰ  وعبث بمقدرات الوطن وانتهاك لحقوق المواطنة بكل ماتعني الكلمة... وغياب كامل  للمسؤولية وأنعدام أي مشروع لشكل الدولة وتوجاهتها ، فهنالك غياب كامل للعقد الأجتماعي بين العراقيين وغياب أي رؤية ناضجة لبناء الدولة ، مهما كان شكل الدولة ... الدولة الوطنية الراشدة  أو الدولة الدكتاتورية ... الدولة الثورية ... الدولة الدينية ... لتحقيق أي من هذه العناوين نحتاج الى مشروع متكامل .. بأذرع سياسية أمنية أقتصادية وعلاقات خارجية واضحة تحدّد على ضوئها أصدقائك وحلفائك وتفرز أعدائك...

نحنُ كعراقيين لم نحدد بَعد:...

-- من نحن ... عراقيون نبحث عن مشروع يوحدنا ... أم مكونات تبحث عن هويتها المغيبة ... أم شعوب متصارعة تسيطر علينا ظاهرة التغالب والثأرية ونعتقد أننا لانعيش الا بأنكِسار وهزيمة الآخر!!!! 

-- ماذا نريد ،، دولة وطنية علمانية موحدة ... دولة دينية متعددة الطوائف... نريد التقسيم لمجموعة دوَّل تُلبي أنقساماتنا الاثنية والاجتماعية الموجودة أصلاً في تاريخنا السياسي... 

-- هل نحن أحرار... أم أننا أدوات لقوى أقليمية ودولية تتقاسم النفوذ على الأرض العراقية ...

أذا عَرِفنا كُلَّ ذلك وحَدّدنا بوضوحٍ  مَن نَحنُ  وماذا نُريد ،،،  يمكننا أن نَتَلَمَسْ خياراتنا الواقعية الممكنة حتى نعمل  على تحقيقها بأقل الخسائر ...

لايمكن أن تستمر سياسة العبث والاستنزاف الممنهج لأمكانياتنا حتى تَحوّل الوطن الى شعارٍ عاطفي مُقرِف للاستهلاكِ السياسي  وَسط إستمرار القتل والتدمير وضياع الحقوق ونشر الكراهية... وتَحَرّك مشاريع لاناقَةَ  لنا فيها ولاجَمَل  لتقسيمِ العراق وإتفاقياتٍ  بين اللاعبين الكبار لاعادةِ رَسْمِ الخارطة السياسية للمنطقة من جديد  ،،،، والمفارقة الموجعة إنَّ القوى الدولية ومشاريعها فَضَحَتْ تناقضاتنا... لم يفعلوا أكثر من تسليطِ الضوء على هذه الانقسامات المتأصلة في المجتمع العراقي  منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة ،، بل أقدم من ذلك بكثير ،، فالمجتمع العراقي على مَرِّ العصور ساحة لتصفية الحسابات بين ثلاث أمبراطوريات متصارعة ... عربية فارسية تركية ... أُضيفَ اليها حديثاً الصراع على الطاقة والنفط الذي جعل الوضع الحالي للدولة العراقية المريضة  يُمثل أرادة دولية ومصلحة تركية سعودية أيرانية .. فهذه الدول الثلاث لاتريد عراقاً قويا يُمارس دور التأريخي في المنطقة ..

ولاتُريد أيضاً تقسيم بلاد الرافدين ليس حباً بالشعب العراقي  ، ولكن حفاظاً على أمنهم القومي , تركيا لاتريد للكرد أن  يصبحوا دولة وهنالك أكثر من عشرين مليون كردي في ديار بكر عيونهم على الاستقلال ، والسعودية لاتريد دولة شيعية مجاورة تتمتع بامكانيات بشرية وأقتصادية هائلة سيكون لها حتماً إمتدادات مستقبلية ... وأيران التي تُماثِلْ العراق سكانياً تعتبر تقسيم العراق على أسس طائفية وقومية مُهَدّداً خطيراً لأمنها القومي على المدى القريب وبالتالي أتَّفقَت هذه الدول على حصرِ صراعاتها في العراق عندٍ سقفٍ مُعيَّن يجعل من البلدِ حديقة خلفية لتفريغ الشحنات القومية والطائفية لهذه البلدان لتقوية نُظُمها التي تحتاج أحيانا الى مُستفزات خارجية لرصِّ جبهتها الداخلية  ،،،،

الدول الغربية هي الاخرى تعمل على تَكريس الوضع المتناحر القائم للعراق ،، تَدعَم الكرد في أستِقلالِيَّتهُم  عن بغداد  دون أن توافق على الاعتراف بِدَولَتِهِم ألمَوْعودة   ،، و تطالب بتكرار التجربة الكردية في المناطق السنية دون ان تدعم حُكماً راشداً قوياً في بغداد ،،،،،

وسط كل ذلك علينا كعراقيين أن نُواجِه  الواقع ونُحِدّد خياراتنا بعيداً عن الانفعالات والتطرف ،بين من يرفع الوطن شعاراً مُقدساً غير قابل للنقاش ،، وبين من يَلْعَن الوطن معتبراً التقسيم الحَل الأمْثَل  لِوَضعِنا ألحالي...

يجب أن يَعلو  صوت الحكمة ... هل نستطيع ان نُنشيء دولة وطنية بمتطلباتها وأشتراطاتها المتعارف عليها .. هل يمكن لنا أعادة الكُرد الى بيت الطاعة الوطني بعد أن تضخموا  وأصبحوا دولة مستقلة ،، أم عَلَيْنا أن نَتَفَهَم الطموح القومي المشروع للشعب الكردي الشقيق ونُقدِّر تضحياتِهِ  التاريخية لأقامِةِ الوَطَن الحُلُم ،، ونساهم على المستوى السياسي و الشعبي والمرجعي  في دعم الاستقلال الكردي بنوايا صادقة ومُعلنة  لنؤسس علاقة سلام وصداقة مستديمة مع جار جديد!!!

لِنِبَلوِّر بعد ذلك  مشروع  العراق العربي  بسنته وشيعته وأقلياتهِ المُتآخية... هذا السيناريو يُمثِّل أحد الخيارات...

الخيار الآخر يُمثِّل الرؤية الامريكية للحَل التي تَرتَكِز علىٰ تِكرار تجربة أقليم كردستان بأنشاء أقليم سني وآخر شيعي ،،، ويحصل تقاسم شبه كامل للسلطة والثروة والأمن وأقامة تجربة جديدة في العلاقات الدولية تُراعي الخصوصية العراقية عبر تأسيس ثلاث دول ( صامتة ) تتمتع باستقلالية أدارية وأمنية واقتصادية وسياسية وعلاقات خارجية  مع بقاء شكل صوِّري للسلطةِ المركزية وحصرها بالجانب البروتوكولي فقط بعد تفريغها من أي محتوى .

أمّاالخيار الذي يُروّج لهُ بعض المتطرفين ... هو التقسيم الكامل لثلاثِ دول على الطريقة الباكستانية الهندية تتبادل الجغرافية والسكان ... وهو خيار مرفوض من كل العراقيين  ،، لانهُ غير أخلاقي وغير أنساني يقوم على تَطهير عرقي وقومي ويؤسس لكياناتٍ مُتحاربة ،،،

مرة أخرى وبعيداًعن الشعارات السياسية الفارغة التي تتغزل بالوطن الواحد وأصبحت تُرفع من مافيات الفساد وأمراء الطوائف المُستفيدين من الوضع القائم  ... علينا أن نَجْمَع ماتَبَقىٰ من حكمةٍ عراقية لنُحدّد خَياراتِنا الواقعية المُمكنة التي تحفظ دماء العراقيين... أما أستمرار دولة المكونات الهزيلة التي أصبَحَتْ  وكراً للفسادِ والارهاب لاتحفظ كرامة مواطن ولاتمتلك سيادة وطن... وأمّا أن نُمسك بخريطةِ  العراق العربي بقوة ونَرسم مشروعه ونُؤمِن بهِ أو نعيد تكرار دَوّامة الموت من جديد بعدما أرهَقَنا النزف .....؟؟؟ هل في هذا البلد من حكيمٍ  شجاع يجهر بالحل  ؟؟؟

------------------------------------------------------------------------------------

*كاتب ومحلل سياسي

 عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

لنقارن بين عقليتين..!

حملت إلينا وسائل الإعلام في الآونة الأخيرة، خبراً لطيفاً وطريفاً في آن واحد، هو أن مملكة النرويج القابعة في شمال الكرة الأرضية، ستهدي جبلاً إلى جارتها فنلندا نظراً لقلة الجبال فيها. ويرتفع الجبل الهدية أكثر من 1200 م فوق سطح البحر، ويمتد على رقعة جغرافية تبلغ مساحتها الإجمالية خمسة عشر كيلومتراً مربعاً، وهي محاذية للحدود الفنلندية. وأروع ما في الهدية التي لا تقدر بثمن، أنها جاءت بناء على مبادرة شعبية، أي أن المواطنين النرويجيين هم الذين بادروا وجمعوا التواقيع فيما بينهم، ثم قدموها إلى السلطات النرويجية المختصة، التي وافقت برحابة صدر على طلبهم.

هكذا تبني الشعوب المتحضرة والدول الديمقراطية علاقات الصداقة، وحسن الجوار، بدوافع إنسانية نبيلة، تصل إلى حد اقتسام جمال الطبيعة، ليعززوا بالتالي من متانة وقوة ونقاوة روابطهم الاجتماعية والسياسية والأخلاقية، بعيداً عن الادعاءات الفارغة بأنهم أقوام متميزون، ويجب أن يسودوا العالم، أو أن لديهم رسالة خالدة..! وأنهم بعيدون كل البعد عن استغلال الفرص السيئة وحالات الضعف والصعوبات التي يواجهها بلد من البلدان المجاورة، مثلما يجري في منطقتنا الملتهبة، والحبلى بأحداث جسام.

إن ما يحصل في تلك البلدان، التي اعتمدت العقل، وجعلت من العواطف الإنسانية المترعة بالإيثار والطيبة، حاضنة لكل ما يثري النفس البشرية، ويجعل الإنسان يسبح في ملكوت الفضيلة، وحب الآخر والتسامح والتكامل بين البشر، مثال ملهم نحن أحوج من غيرنا إلى احتذائه، ونقله إلى بلداننا وشعوبنا، التي تقف في الطرف الآخر البعيد من هذه العلاقات النموذجية، والوعي الإنساني الرفيع.

إن ما يجري في منطقتنا والعراق، يدمي القلب، ويفتح للإحباط والكآبة دروباً سالكة تسربل المزاج الفردي والجمعي على السواء بألوانها الرمادية. وجيراننا خير مثال على ذلك، فهم يستغلون ضعف بيتنا الداخلي، لانشغال ساكنيه بالاقتتال فيما بينهم بغية الحصول على الحصة الأكبر من كعكة السلطة، وما يتبعها من امتيازات فلكية وفريدة من نوعها. لا نستثني احداً منهم، سواء كانت تركيا أو إيران، أو السعودية أو قطر (العظمى). فبدلاً من مد يد العون بنزاهة وشرف إلى أشقائهم من العراقيين، الذين يدعون أنهم يدافعون عنهم، نراهم لا يتعففون عن استخدام أية وسيلة، واغتنام أية فرصة، لإلحاق الأذى بشعبنا، والسعي المحموم لهدم صرح معبدنا العراق.

العيب كل العيب فينا، كما قال ذات مرة الفيلسوف العربي الإسلامي محيي الدين بن عربي. وهذا ما تعيه الآن الكثرة المتزايدة من العراقيين، المصرّين على استبدال هذه اللوحة القاتمة، بلوحة نضرة، مشرقة، لا ينقصها البياض، من خلال إدامة الحراك الجماهيري وتنويع أساليبه واستقطاب كل المطالبين بالاصلاح، ليكون العراق بمستوى تضحيات أبنائه، وبمستوى عمقه الحضاري.

واشنطن.. مزيدٌ من التقدّم لا الانحسار!

خضعت إدارة أوباما، طيلة السنوات السبع الماضية، لضغوطٍ داخلية أميركية من أجل سياسةٍ أكثر تصلّباً مع إيران، ومن أجل التراجع عن أسلوب التفاوض معها، وبهدف عدم تحقيق الاتفاق مع طهران بشأن ملفّها النووي. وهذه الضغوط كان مصدرها مزيج من قوى الحزب الجمهوري المعارض، ومن التيّار الديني المحافظ في أميركا، ومن تأثيرات اللوبي الإسرائيلي المؤيّد لتوجّهات الحكومة الإسرائيلية التي يرأسها نتنياهو، والتي سعت جاهدةً للضغط على إدارة أوباما من أجل التصادم مع إيران وليس التفاوض معها.

ومن المهمّ الإشارة إلى أنّ العلاقات الأميركية/الإيرانية وصلت في ظلّ الإدارة الأميركية السابقة إلى ذروة السوء، خاصّةً بعدما وضعت إدارة جورج دبليو بوش إيران في "محور الشر" المطلوب مواجهته وإسقاطه وتغيير أنظمة الحكم في بلدانه. وقد عملت فعلاً إدارة بوش الابن، وما كان فيها من تيّار أيديولوجي محافظ ومدعوم إسرائيلياً، على محاولة تغيير أنظمة في بلدان عربية وبالعالم الإسلامي (كما فعلت في أفغانستان، ثمّ في العراق)، لكن هذه السياسة الأميركية في "الشرق الأوسط" فشلت وأدّت إلى نتائج معاكسة أضرّت بالمصالح الأميركية، وسبّبت هزيمةً سياسية لأصحابها أنفسهم داخل الولايات المتحدة، فجاءت إدارة أوباما تحت هدفٍ معلَن هو وقف الحروب الأميركية الانفرادية، والدعوة إلى التفاوض والعمل الدبلوماسي لحلّ أزمات واشنطن مع الدول الأخرى، وفي مقدّمتها إيران.

طبعاً السياسة الخارجية الأميركية ليست "قضاءً وقدراً"، وهي تشهد تقلباتٍ كثيرة وتغييراتٍ في الأساليب معتمدةً على نهجٍ "براغماتي"، لكن هدفها ما زال هو بقاء الولايات المتحدة القوّة الأعظم في العالم. وما فشل في ظلّ إدارة "جمهورية" سابقة من أسلوب الغطرسة العسكرية، تمّت الاستعاضة عنه في ظلّ إدارة "ديمقراطية" بما اصْطُلِح على تسميته ب"القوّة الناعمة"، وهو المصطلح الذي رافق مجيء أوباما للبيت الأبيض.

وهناك بتقديري فارقٌ كبير بين مقولة تتردّد الآن كثيراً عن "انحسار الدور الأميركي في العالم"، وبين عدم نجاح واشنطن في السنوات الماضية بتحقيق كل ما كانت تريده أو ما خطّطت له من مشاريع. وهذا ينطبق على حربيها في العراق وأفغانستان، وعلى "مشروع الشرق الأوسطي الكبير"، وعلى الحرب الإسرائيلية على لبنان في العام 2006، وعلى ما حدث ويحدث في سوريا، وعلى المراهنة على حكم "الأخوان المسلمين" في بعض دول المنطقة العربية. ففي هذه الحروب والقضايا فشلت واشنطن في تحقيق كل ما تريده، لكنّها حتماً استطاعت استنزاف خصومها وجعلهم في موقع المدافع عن وجودهم بعدما نجحت واشنطن جزئياً في تحجيم دورهم. فالولايات المتحدة لم تكسب حتماً معارك اقتلاع وجود أخصامها، لكنّها نجحت طبعاً في تحجيم نفوذهم وفي مدّ تأثيراتها على مناطق لم تكن محسوبة لها.

 فإذا كان معظم أوروبا يدور الآن في الفلك الأميركي، وغالبية دول المنطقة العربية تقيم حكوماتها علاقاتٍ خاصّة مع واشنطن، وإيران-بعد كوبا - تفتح صفحة جديدة الآن مع أميركا والغرب، والهند وباكستان كلاهما يحرص على تطوير العلاقات مع أميركا رغم ما كان بينهما من صراع طويل، والنفوذ الأميركي يتعزّز الآن في شرق آسيا وبمحيط الصين، كما يمتدّ الآن إلى دولٍ إفريقية عديدة كانت إمّا تحت الوصاية الفرنسية أو مناطق صراع مع المعسكر السوفييتي في فترة "الحرب الباردة"، إضافةً طبعاً إلى امتداد حلف "الناتو" لمعظم شرق أوروبا بما في ذلك أوكرانيا، فأين يكون "انحسار النفوذ الأميركي"؟!.

إنّ محاولات التحجيم الأميركي لروسيا هي متعدّدة رغم حرص واشنطن على عدم حدوث تصادم عسكري مع القوّة العسكرية الروسية، التي هي الثانية عالمياً بعد الولايات المتحدة، وتملك صواريخ نووية عابرة للقارات، ولم تصطدم معها أميركا في أسوأ ظروف "الحرب الباردة"، حيث حرصت موسكو وواشنطن (كما تحرصان الآن) على إبقاء الصراعات بينهما في ساحات الآخرين، ومن خلال الحروب بالوكالة عنهما وليس بالأصالة منهما. ولعلّ الأزمة الأوكرانية، وقبلها جورجيا، ومعها الآن سوريا، لأمثلة عن كيفية سعي واشنطن لتحجيم النفوذ الروسي العالمي، وعن مشاركة الولايات المتحدة لروسيا في مناطق كانت محسوبةً كلّياً لموسكو. فالبعض يتصوّر الآن أنّ موسكو تتقدّم على حساب واشنطن في المسألتين السورية والأوكرانية، بينما واقع الحال هو أنّ واشنطن ومعها "الناتو" قد وصلا إلى أماكن إستراتيجية مهمّة لموسكو كأوكرانيا وسوريا، وهي أماكن كانت حصراً على النفوذ الروسي، وهاهي الآن الطائرات الأميركية تحلّق في السماء السورية، ووحدات عسكرية أميركية خاصّة تتواجد بالقرب من القاعدة الروسية في منطقة اللاذقية السورية.

فصحيح أنّ الولايات المتحدة قد فشلت في تحقيق الكثير من أهدافها ومشاريعها في حروب وصراعات مختلفة حدثت منذ مطلع هذا القرن، وصحيحٌ أيضاً أنّ هناك سعياً روسياً وصينياً دؤوباً لتكريس نظام متعدّد الأقطاب في العالم، وصحيحٌ كذلك أنّ عدّة دول في قارات العالم تحبّذ الآن حصول تعدّدية قطبية، لكن النفوذ الأميركي لم ينحسر فعلاً، وأميركا لا تتصرّف عملياً على أساس وجود تعدّدية قطبية في العالم.

العالم الآن يشهد فعلاً متغيراتٍ دولية وانتقالاً من عصر الإمبراطورية الأميركية التي قادت العالم  إلى عصر جديد لم تتّضح بعدُ معالمه النهائية، كما يشهد العالم انتقال موسكو من موقع "العدوّ" لواشنطن (كما كان الأمر إبّان الحرب الباردة) إلى حال "الخصم" و"الشريك" معاً لواشنطن في التعامل مع أزماتٍ دولية وفي بناء نظامٍ دولي جديد.

الملاحظ أيضاً، في حقبة التحوّلات الدولية والإقليمية الحاصلة، أنّ المجمع عليه تقريباً في منطقة "الشرق الأوسط"، بما فيها من عربٍ وفرس وأتراك وإسرائيليين، هو الغضب المشترك على السياسة الأميركية، وكأنّ واشنطن تخسر أصدقاء قبل أن تكسب الخصوم!. والأمثلة على ذلك عديدة نجدها الآن في الملفّات الإيرانية والسورية والفلسطينية، وفي كيفية المواجهة مع الجماعات الإرهابية، وفي تداعيات المتغيّرات السياسية التي حدثت بعد ثورات "الشارع العربي".

لكن حال السياسة الأميركية في "الشرق الأوسط" بعد توقيع الاتفاق الدولي مع إيران سيكون كما هو في "الشرق الآسيوي"، حيث تحرص واشنطن على علاقاتٍ جيدة لها مع كلٍّ من الهند وباكستان رغم ما كان بينهما من أزماتٍ وحروب، وكما هي أيضاً سياسة التوازنات التي تتّبعها واشنطن مع كلٍّ من اليابان والصين.

فالسياسة الخارجية الأميركية تتميّز في مجال العلاقات مع الدول والجماعات بالحرص على اعتماد التوازن بين "الأضداد" في البلد نفسه، أو في الإقليم الجغرافي المشترك. فمع هذا الأسلوب، يمكن للولايات المتحدة أن تستفيد من حاجة كلّ طرفٍ لدعمٍ أميركي ضدّ الآخر، ومن التنافس الذي يحصل بين الأطراف المتناقضة على خدمة المصالح الأميركية. أيضاً، فإنّ هذه السياسة تسمح لواشنطن بتهديد طرفٍ ما أو الضغط عليه من خلال الطرف المحلّي أو الإقليمي الآخر دون الحاجة لتورّط أميركي مباشر.

وربّما سنشهد قريباً حالةً مشابهة من "التوازنات الأميركية" في منطقة الخليج العربي، بحيث تعزّز واشنطن علاقاتها العسكرية والأمنية مع دول "مجلس التعاون" ومع العراق، في الوقت نفسه الذي تتحسّن فيه العلاقات الأميركية/الإيرانية، إضافةً إلى استمرار تركيا في عضوية "حلف الناتو"، رغم ما بين هذه الدول في هذا الإقليم الجغرافي من تباينات وصراعات أحياناً.

وهناك توقّعات الآن بحدوث تحرّك دبلوماسي أميركي مميّز ستقوم به إدارة أوباما لإيجاد تسوياتٍ سياسية لأزماتٍ مهمّة في منطقة الشرق الأوسط، بعد أن انجزت هذه الإدارة الاتفاق الدولي حول الملف النووي الإيراني. وستكون الأزمة الدموية في سوريا والمواجهة مع "داعش" في مقدّمة أولويّات أجندة إدارة أوباما خلال الأشهر القادمة، إضافةً إلى تثبيت وتسويق الاتفاق الذي حصل مع إيران، داخل الولايات المتحدة ومع حلفاء أميركا في المنطقة.

طبعاً، هناك تلازم وتفاعل بين كل الأزمات المشتعلة الآن في "الشرق الأوسط"، وحلُّ أيٍّ منها سيساعد على الحلول للأزمات الأخرى، لكن سيصبح التحرّك الأميركي الجاد بشأنها مرهوناً بالتفاهمات مع موسكو وطهران حول آفاق التسويات وسبل تحقيقها.

إنّ العرب اليوم هم في أسوأ حالٍ من الانقسامات والصراعات الداخلية، ومن افتقاد البوصلة السليمة لرشد حركتهم، ومن هيمنة الأفكار والممارسات الطائفية والمذهبية والإثنية. وهو حالٌ يجعل من الأوطان العربية أرضاً خصبة لهدف التقسيم والتفتيت الذي تراهن عليه إسرائيل، ولكل مشاريع الهيمنة التي تسعى إليها أطراف أجنبية عدّة. فالعرب اليوم هم في حالة ضلالٍ مبين مسؤولٌ عنه هذا الكمّ المتخلف ممّن هم في مواقع المسؤولية الفكرية والسياسية والدينية. وكما جرى استغلال التخلّف العربي في مطلع القرن العشرين لتحقيق هيمنة أوروبية على المنطقة من خلال شرذمة الأرض العربية، ولبدء تنفيذ المشروع الصهيوني فيها، يتمّ الآن توظيف الانقسامات العربية في بناء متغيّراتٍ إقليمية ودولية جديدة. والملامة هنا على العرب أنفسهم قبل أيِّ طرفٍ أجنبيٍّ آخر.

-------------------------------------------------

*مدير "مركز الحوار" في واشنطن

 عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

رحيل الشاه عن ايران ورفع العقوبات صدفة أم توقيت مدروس؟؟

ظريف وموغريني يعلنان رفع العقوبات عن ايران من النمسا في يوم السبت العطلة الرسمية في اوربا  ،  لا أدري أهي الصدفة أم توقيت  مقصود  في يوم واحد  يتزامن  مغادرة شاه ايران ورفع العقوبات عن ايران ،  فهل ارادت ايران أن  ترسل رسالة من خلال هذا التوقيت  أم لغايةٍ في نفس  ظريف.  قبل 37 عاماً في السادس عشر من كانون الثاني يناير عام 79 كان الحدث الاول ،  وبعد سبع  وثلاثين عاما كان الحدث الثاني.

سبع وثلاثون عاما مضت من الحصار  والعقاب  سبع وثلاثون عاماً من الصمود والانتصار   أكثر من عقد  السنين من التفاوض والصبر  والحب ، سبع وثلاثون عاماً من العمل المثمر والتطور المستمر ، لم يستسلم الايرانيون ولم يهنوا ولم ينكلوا، احبوا وطنهم بصدق ، تعايشوا مع الحصار وأنتجوا قاوموا الضغوط  وأبدعوا ، لم يعتمدوا على النفط كدخل رئيسي للبلاد وراحوا يبحثون في حقول أخرى ، كان الحصار ذو فائدة عظيمة وتجربة رائعة بالنسبة للإيرانيين ، أصبحت ايران دولة نووية في زمن الحصار ، كما انها صارت  الرقم الصعب في معادلة الشرق الأوسط ، فهي دولة ذات نفوذ  وتأثير كبيرين ، سواء احبها من أحب أو كرهها من كره ،  لم تقترض  من البنك الدولي رغم الحاجة ، بل كانت منتجاتها  وبضائعها تملأ أسواق الخليج والعراق وحتى اوربا ، لم يسرق مسؤولوها ولم يركبوا السيارات الفارهة ولم يسكنوا القصور الفخمة ،  ولم يتفلسفوا أو يبالغوا في جهودهم وأعمالهم  وأموالهم ، بل شدوا حجر المجاعة على بطونهم وقرروا الانتصار وثابروا في بناء بلدهم  وكانوا أنداداً لخصومهم . تخلوا عن جنسياتهم البديلة لصالح ايران وآمنوا بالوطن الواحد الـ"لابديل عنه" ،  فعاشوا ليحيا الوطن  ولم يموتوا ليحيا الوطن ، فكانت هي الرسالة التي قرأها المتابعون  بين سطور توقيت رفع العقوبات.

نعم  رحل  الشاه وبرهنوا للعالم بأنهم البديل  الاجدر والأفضل بالنسبة  لوطنهم ، رحل الشاه  ولم يأسف إحد على رحيله ولم يذكره أحد بخير ، ألَا نتعلم الدرس  ونتعظ..

----------------------------------------------------

*كاتب واعلاميعراقي

 

رفع العقوبات عن إيران انتصار للحكمة والاعتدال

وأخيراً وبعد سنوات من المفاوضات الدبلوماسية الهادئة والمضنية بين إيران ودول الخمس الكبرى+1، متحلين بصبر أيوب، انتصر صوت العقل والحكمة والاعتدال على صوت الجهل والتطرف. ففي إيران ومنذ الثورة الإسلامية عام 1979، هناك صراع عنيف بين المتطرفين والمعتدلين. فالمتطرفون أدمنوا على الهجوم على السفارات وحرق الأعلام، ورفع شعارات متطرفة مثل الموت لأمريكا...الخ، و دفعوا الثورة إلى حافة الاجهاض والاغتيال، مما أثار عليها نقمة أمريكا وحليفاتها في المنطقة فأشعلوا الحرب العراقية- الإيرانية، بدفع طاغية العراق حين قالوا له: (منا المال ومنك الرجال)، وبقية القصة تاريخ.

إن فوز الدكتور حسن روحاني المعتدل برئاسة الجمهورية دليل قاطع على أن الغالبية العظمى من الشعب الإيراني قد سأمت التطرف ومشاكسة القوى الكبرى ومعاداتها، والتفاخر الفارغ والعقيم بامتلاك السلاح النووي الذي من شأنه استنزاف ثروات البلاد وإفقار العباد، واستفزاز الآخرين وخلق المزيد من الأعداء، دون أن يكون له أي استخدام فعلي، فالأسلحة التقليدية الحديثة باتت تغني عن السلاح النووي بفضل التطور المذهل في العلوم والتكنولوجيا، وهاهي بريطانيا العظمى تتصاعد فيها الأصوات وحتى من قبل حزب العمال، مطالبة بالتخلي عن السلاح النووي الباهظ التكاليف والعديم الفائدة.

لذلك قال الرئيس الإيراني حسن روحاني عن بدء تنفيذ الاتفاق النووي مع القوى العالمية أنه يمثل "فصلا جديدا في علاقات إيران مع العالم".(1)

كما وهناك التطرف في الجانب الآخر، في أمريكا وخاصة المحافظون الجدد، وإسرائيل والسعودية، واللوبيات المناصرة لإسرائيل وتجارة الأسلحة في واشنطون، فهؤلاء متضررون من الاتفاق وتنفيذه ، لذلك يسعون لإشعال موجة جديدة من الحروب العبثية في الشرق الأوسط من أجل تبديد الطاقات البشرية والمادية لشعوب المنطقة بدلاً من استثمارها في التقدم ورفع المستوى المعيشي لهذه الشعوب التي عانت الكثير من الحروب والفقر والتخلف والأنظمة المستبدة.

فالإعلان الأخير في العاصمة النمساوية (فيينا) مساء السبت 16/1/2016، برفع العقوبات عن إيران هو انتصار عظيم للاعتدال على التطرف. لذلك نرى البعض من المتطرفين في إيران الذي أشعلوا النيران في السفارة السعودية مؤخراً، كانوا يحاولون إحراج جناح المعتدلين بقيادة الرئيس روحاني ووزير خارجيته السيد محمد جواد ظريف، ورد فعل عنيف من راعية الإرهاب، المملكة العربية السعودية التي استغلت هذه الفعلة لصالحها، فأظهرت نفسها بالحمل الوديع والمعتدى عليها، وإيران هي المعتدية. وللتقليل من شأن الاتفاق يرى المتطرفون من الجانبين فيه خضوعاً وانبطاحاً للآخر، فأي تقارب مع الغرب وخاصة مع أمريكا يعتبرونه انبطاح واستسلام، وهو ليس كذلك، بل انتصار لجميع محبي السلام والتقدم، الذين يناضلون من أجل العيش في عالم خال من الحروب والظلم والتخلف. كما أثار الاتفاق نقمة وغضب نتنياهو، رئيس حكومة إسرائيل وقادة الحزب الجمهور الأمريكي.

والجدير بالذكر والتحذير، أن رفع العقوبات عن إيران لا يعني أن الثقة الكاملة قد عادت بين إيران وأمريكا، فبعد نحو أربعة عقود من العداء لا يمكن إعادة الثقة بين يوم وليلة. فبعد يوم من رفع هذه العقوبات، (أعلنت الولايات المتحدة فرض عقوبات جديدة على بعض الشركات الإيرانية والأشخاص بسبب الاختبار الذي أجرته إيران مؤخرا لصاروخ باليستي. وتمنع تلك العقوبات الجديدة 11 شركة وشخصية ذات صلة ببرنامج الصواريخ من استخدام المصارف الأمريكية)، القرار الذي أدانه المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، قائلاً أنه "ليس هناك شرعية للعقوبات الأمريكية [الجديدة] على برنامج إيران للصواريخ الباليستية."، لأن أمريكا تبيع هذه الأجهزة والأسلحة على دول المنطقة.(2)

ولكن رغم ذلك، فطالما هناك تواصل ولقاءات بين الأطراف المعنية، فكل المشاكل يمكن حلها بالمفاوضات والتفاهم، لأن المقاطعة تزيد من سوء الفهم والشكوك بالآخر، لا يستفيد منها إلا المتطرفون من جميع الأطراف، بينما التواصل يجعل كل طرف يفهم الآخر بشكل أفضل ليحل التفاهم والثقة محل الشكوك وسوء الظن وتوقع الشر بالآخر.

 وعلى قدر ما يخص العراق، فالتقارب الإيراني الأمريكي يصب في صالح العراق الذي هو بين سندانة إيران ومطرقة أمريكا، فتقارب العراق لأي منهما يثير غضب الآخر، ولكل منهما نفوذ وتأثير على مجريات الأمور في العراق، وعليه فمن مصلحة العراق أن يعود الوئام وتحسن العلاقة بين إيران والغرب وبالأخص أمريكا.

صوتان في طهران

الذين روجوا لصور أسر بحارة أميركيين في المياه الإقليمية الإيرانية واعتبروا ذلك نصرا مؤزرا لطهران وإذلالا كبيرا لواشنطن، وضمّنوا فرحهم الغامر بآيات قرانية كريمة جاهزة عند الطلب، هؤلاء – وكثير منهم أصدقاء خلّص-  لم أسمع منهم حسيسا ولا نجوى بعد الاتفاق التاريخي الذي توصلت إليه إيران مع الدول الكبرى أو بالأحرى الولايات المتحدة السبت.

أتساءل أين ذهبت كل التهديدات الثورية الإيرانية على لسان المرشد الأعلى بركل الولايات المتحدة ببساطير البسيج المتهرئة. وقد سبقه إلى تلك التهديدات الخميني "رحمة الله" عندما سد كل النوافذ المطلة على الغرب، والحال أن سياسة الولايات المتحدة اليوم لا تقل سوءا من وجهة نظرهما عن سياسة الأمس. ما الذي تغير في الشيطان الأكبر، قرناه النافران ؟ مجلس نوابه ؟ شيوخه ؟ أم "كاخ سفيده" ؟  هل أذلته طهران بحيث تضاءل وصار رحمانا أو شيطانا أصغر على الأقل بين ليلة وضحاها ؟ مشكلة هؤلاء الأصدقاء الخلص أنهم يريدون من إيران التصرف اليوم بمنطق جيفارا قبل سبعين عاما، فاذا تصرفت كدولة مسؤولة قارئة لما يجري فيها وحولها بمهارة صانع السجاد وقاطف الزعفران ومنتج الكافيار، دسوا رؤوسهم في الرمال باحثين عن تبرير ما يجري، وهم غير واجدين. والمتابع الساذج - مثلي- يرى تناقضا سافرا بين تيارين مؤثرين في الساحة الإيرانية؛ تيار متشدد يقوده المرشد الأعلى الذي يفتتح كل خطاب بسب واشنطن ويختمه بلعنها لعن عاد وثمود، وآخر يسمى اصلاحيا ويتزعمه من عقود الرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني. الأول يميل إلى تأليب الشارع والإبقاء على ثوريته، وإن أبقى نصف الإيرانيين عاطلين عن العمل. فيما الآخر بنى بوطنية وحنكة، وفي ظروف مأساوية، مئة سد خلال أقل من عشرة أعوام، ولولا هذه السدود لكان للإيرانيين قصة أخرى مع الكفر والجوع واللجوء، وربما الإرهاب أيضا. هل ثمة اتفاق ضمني بين طرفين، طرف يستنهض الشارع ثوريا، وآخر يسعى ليؤمن له ما أمكن من فرص الاقتصاد..؟ لا أجزم أنني أعرف الرد، لكن القرائن تشير إلى ذلك، بالنسبة لي شخصيا على الأقل. متى ندرك أن منطق الثوريات الفارغة التي ما قتلت ذبابة لم يعد فاعلا اليوم..! الألفية والقرن الماضيان مزقا هذه الصفحة، خاصة في إيران. العاصمة طهران التي عدت منها قبل أقل من شهرين تكاد تستنشق رائحة الدولار والعلاقة الحسنة مع واشنطن حتى في أسمال المتسكعين على أرصفة شوارع باسداران وشريعتي وميدان راه آهن المجنون. قال لي سائق تكسي في طهران بالقرب من الجامعة التي تقام في باحاتها صلاة جمعة وتردد فيها هتافات ثورية، إن نصف الحاضرين سيتوجه غدا إلى شارع "فردوسي" للمضاربة، في إشارة واضحة إلى مركز تداول الدولار في طهران. أتمنى على المتفاجئين بالاتفاق مع الولايات المتحدة أن يروا ماذا فعل الحصار الاقتصادي بإيران. آلاف العوائل انتقلت من الطبقة الوسطى شبه المرفهة إلى طبقات فقيرة مسحوقة أو دون خط الفقر والسحق في زمن أحمدي نجاد، والكارثة كانت في نمو متزايد مع وجود فاسدين محترفين، وجاء انهيار أسعار النفط ليكون ثالثة الاثافي. هذا بينما كليبات الرئيس أحمدي نجاد الذي يبدو فيها زاهدا، متواضعا، عابدا، ترابيا، تملأ مواقع التواصل الاجتماعي، وكأنه كان يدير مجلسا للعزاء، وليس مصير تسعين مليون إنسان يعيشون في محيط ملتهب. ما لم نترك تقديس الأسماء فإننا موعودون بمفاجئة في كل يوم عندما نرى في بلد واحد يخرج تصريحان متناقضان من صناع القرار؛ الأول يقول إنه لا يريد أن يعطي لأميركا إعطاء الذليل، وآخر يعتبر الإتفاق النووي يوما مفصليا في تاريخ إيران الحديث. كلا الصوتين خارج من العاصمة طهران في وقت متزامن، فانظر مع أي التناقضين تقف ولا تغرينك الأسماء الكبيرة، فالحق لا يعرف بالرجال كما يقول الإمام علي عليه السلام.

---------------------------------------------------

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

لماذا تحكمنا قوانين صدام التعسفية حتى الآن؟

مازالت الدولة العراقية تعمل بالكثير من قوانين ومعايير ولوائح وضوابط النظام السابق التعسفية حتى الآن ومازال العراقيون يُعاقَبون على مخالفتهم تلك القوانين التي تتعارض مع مبادئ الدستور العراقي ومواثيق حقوق الإنسان العالمية.

قوانين النشر السابقة مازالت سائدة وقد أُدين صحفيون وفق تلك القوانين المجحفة وهذا لا يليق بدولة ديمقراطية، ولا يليق بمسؤولين جاءوا عبر الانتخاب أن يلجأوا إلى قوانين النظام الدكتاتوري السابق لتكميم أفواه منتقديهم. ومع ضرورة مراعاة القوانين وضبط النفس عند ممارسة الحريات الصحفية، فإن لجوء المسؤولين إلى قوانين النظام السابق لقمع منتقديهم هو أمر معيب حقا.

مازال موظفو الدولة، وعددهم يقارب اربعة ملايين، ملزمين باستحصال موافقة الوزير شخصيا إن أرادوا السفر إلى الخارج! أليس السفر حقا من حقوق الإنسان كفله الدستور؟ فلماذا إذن يحتاج الموظف إلى موافقة الوزير لممارسته والإفصاح عن سبب الإجازة والوجهة التي يعتزم الذهاب إليها؟

ما زال الموظف خاضعا لمزاج المدير الذي بإمكانه أن يعاقِب من لا يروق له بنقله من محافظة إلى أخرى رغم أنه ليس من سكانها ولا يكفي راتبه لتغطية تكاليف السكن فيها! أحيانا تُعاقب موظفة بنقلها من محافظة إلى أخرى بعيدا عن عائلتها وبيئتها! أين الإنصاف في هذا؟ وهل يمكن أن يفعل ذلك أي مدير بكامل قواه العقلية في أي مؤسسة في البلدان التي تحترم حقوق الإنسان؟

ما زال تقييم الموظف السنوي بيد المدير فقط ولا يستطيع الموظف أن يغير ما يقوله المدير عنه وإن كان مجحفا، وفي النهاية يسود رأي المدير بموظفيه مهما كان رأيه قاصرا أو مزاجيا. التقييم في البلدان التي تحترم حقوق الموظف هو إجراء مشترك ولا يحصل بمعزل عن الموظف بل بمشاركته ويجب أن يتفق المدير والموظف على الصيغة النهائية للتقيم ويوقعانها معا، وفي خلاف ذلك لا يكون التقييم ملزِما. ومن حق الموظف الاعتراض على التقييم إن أصر المدير على رأيه.

ما زال السائق في دوائر الدولة يتحمل تبعات أي ضرر يلحق بالسيارة التي يقودها إلا إذا برهن بالدليل القاطع، المؤيَّد من جهة متخصصة والمصادَق عليه من قبل لجنة مشكلة لهذا الغرض، على أن الضرر قد حصل لسبب لم يكن السائق شخصيا مسؤولا عنه بل كان خارجا عن إرادته… أما إذا حصل الضرر نتيجة لحادث سير وقد ثبت بأن ذلك حصل نتيجة خطأ منه فإن عليه أن يدفع كلفة إصلاح سيارته والسيارة الأخرى حتى وإن فاق ذلك مرتبه السنوي!

مازال آلاف الأطفال يعملون في ظروف غير إنسانية مخالفة للقوانين الدولية، ومازال ملايين الفقراء يعيشون دون خط الفقر وفي مساكن عشوائية بدائية في بلد يفترض أنه من أغنى بلدان المنطقة. من المُلِح جدا مراجعة قوانين العمل العراقية والتأكد من أنها لا تتعارض مع حقوق الإنسان المنصوص عليها في المواثيق الدولية، كما يجب تفعيل القوانين من أجل حماية الضعفاء في المجتمع، كالأطفال والنساء والمسنين، من الإستغلال.

مازال المواطن يُطالَب بـ(صحة صدور) أي وثيقة يقدمها لدوائر الدولة وقد يستغرِق استصدار ذلك عدة أسابيع أو أشهر، وينتج عنه تأخير وأضرار مادية ومعنوية كثيرة. بينما يُعتَبَر الإنسان نزيها وصادقا في البلدان التي تحترم حقوق الإنسان حتى يَثْبُت العكس. أما معادلة الشهادات المكتسبة من الخارج فلها بداية دون نهاية وإن حجم البيروقراطية والاستهانة الذي يواجهه خريجو الجامعات الأجنبية غير لائق.

المفوضية المستقلة لحقوق الإنسان مُطالبة بمطابقة اللوائح والضوابط السائدة في العراق مع الدستور ومبادئ حقوق الإنسان العالمية ومراقبة تطبيق القوانين من أجل ضمان عدم انتهاك حقوق الإنسان العراقي.

 

الاستعدادات جارية لاستعادة الموصل من داعش

قدمت وزارة الدفاع الأمريكية - البنتاغون، خطط واسعة لاستعادة السيطرة على الموصل باستخدام القوات العراقية والكردية (البيشمركة) للهجوم على مدينة الموصل التي تخضع لسيطرة تنظيم داعش.

إنّ خطط البنتاغون التي أعُدّت للهجوم على المدينة من اتجاهات مختلفة، معلقة التنفيذ، لكنّ مسؤولين أكراد يقولون بإنهم ينتظرون شركائهم من العراقيين كي يتمكنوا من تنفيذ عملية تحرير المدينة: " تم تأجيل عملية تحرير الموصل، لقد ناقشنا ذلك في آذار- مارس من العام الماضي ... ونحن الآن في كانون الثاني - يناير عام 2016".

وقال رئيس ديوان رئاسة إقليم كردستان فؤاد حسين في مقابلة مع صحيفة واشنطن بوست:"السؤال هو لماذا؟ ... لنكون صادقين، يجب تنفيذ العملية مع العراقيين، فنحن بحاجة إلى شريك". ورغم أن البنتاغون لم تقدم جدولا زمنيا لمعركة استعادة السيطرة على الموصل، قال حسين أنه قد يكون من الممكن هذا العام إذا انتهت القوات العراقية من القتال في محافظة الأنبار غرب البلاد.

وأضاف حسين أن قوات البيشمركة تحاصر الموصل من الشمال والغرب والشرق، في ما مناطق جنوب الموصل تركت للقوات العراقية. ولفت إلى أن الجبهة الجنوبية من الموصل ستعتمد على القوات العراقية التي تقاتل حاليا في الرمادي. وعلى الرغم من أن القوات العراقية استعادت بعض من الرمادي، لكن لا يزال هناك قتال عنيف في أنحاء من المدينة. ويرى حسين أنه بمجرد أن تنهي القوات العراقية المهمات في الرمادي، وهي وحدات خاصة تعرف بقوات مكافحة الإرهاب، عندئذ فقط سوف تصبح حملة استعادة الموصل حقيقة واقعة، مضيفا أنها وحدات "منظمة تنظيما جيدا، وفيها مقاتلين لديهم الكثير من الخبرة، لذلك نحن بحاجة لها، وأن تكون معنا كشركاء حتى نتمكن معا وبمساعدة أمريكية، من تحرير الموصل".

وتشكلت قوات مكافحة الإرهاب في أعقاب الغزو الأمريكي للعراق، ونفذت العديد من الهجمات ضد أهداف "ذات قيمة عالية" في حين كانت القوات الأمريكية لا تزال في البلاد. وبعد انسحاب الولايات المتحدة عام 2011، وبروز تنظيم "الدولة الإسلامية"، أصبحت قوات مكافحة الإرهاب جزءا كبيرا من العمود الفقري لقوات الأمن العراقية وخصوصا في معاركها الأخيرة ( تكريت وبيجي والرمادي). لكنّ البعض يعتقد أن قوات مكافحة الإرهاب، والتي لديها عدد محدود من المقاتلين، لا يمكن أن تتحمل لوحدها أعباء معركة استعادت الموصل دون مساعدة من ألوية الجيش النظامية، مع الأخذ بعين الاعتبار أن ألوية الجيش الآن ليست على استعداد لهذا النوع من القتال.

أحد أعضاء لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ السيناتور الديمقراطي جاك ريد، عاد مؤخرا من رحلة إلى العراق وأفغانستان وجيبوتي، قال الخميس: "إن كسب معركة إعادة الموصل سيأخذ مزيد من جهد قوات مكافحة الإرهاب لوحدها، على الرغم من أن ما لدى تلك القوات من مهارة وحافز يمكن أن يساعد في ذلك". ويضيف ريد، "عندما تذهب إلى الموصل، فأنت بحاجة إلى قوات كبيرة تسير إلى هناك لأنها مدينة أكبر بكثير من الرمادي، لا يمكن مجرد الضغط على المدينة، وقطع الطرق، والعمل على نفس الأسلوب الذي حدث في الرمادي"، مشيرا إلى أن دور القوات التقليدية العراقية في الرمادي كان معظمه قطع المدينة وقطع خطوط امداد واتصالات تنظيم داعش، بحيث يمكن لقوات مكافحة الإرهاب القتال من شارع الى شارع ومن كتلة إلى أخرى داخل المدينة.

وقال ريد:"أنا متأكد أن قوات مكافحة الإرهاب ستكون في الصدارة (في معركة تحرير الموصل)"، وتابع "لكن أعتقد علينا أن نرى ما الذي سيجري"، وبرأيه، أن ألوية الجيش العراقي ستشارك في معركة تحرير المدينة.

وقال وزير الدفاع آشتون كارتريوم الأربعاء: "إن القوات المتمركزة في فورت كامبل في ولاية كنتاكي ستتولى تدريب القوات العراقية وقوات البيشمركة الكردية للمعركة القادمة في الموصل، مضيفا أن ذلك لن يكون سهلا أو سريعا كما سيكون دورها استشاريا  في "المقعد الخلفي" للحملة المقبلة.

وقال كارتر: "لقد أظهر نجاحنا في الرمادي وشمال العراق ووسطه أن التدريب، وتقديم المشورة، والمساعدة هو النهج الصحيح تماما، بدلا من محاولة استبدال للقوات المحلية".

وعلى الرغم من أن التدريب قد ساعد القوات العراقية الوليدة وإلى حد معين القوى الكردية، يشير حسين إلى أن هناك حاجة لمزيد من الأسلحة والامدادات لتكون معركة استعادة الموصل ناجحة.

وكانت شحنة من الذخيرة والأسلحة للقوات الكردية قضية حساسة في الأشهر الأخيرة، حيث طلب الأكراد مرارا وتكرارا من الجيش الأمريكي إرسال الإمدادات مباشرة إلى كردستان بدلا من الذهاب في العاصمة العراقية بغداد. وإرسال أسلحة إلى مناطق الحكم الذاتي، مثل كردستان حاليا، لا يسمح بموجب القانون الأمريكي.

وقال حسين إن البيشمركة تحتاج دبابات للعمليات خارج المدينة وكذلك الصواريخ المضادة للدبابات لهزيمة الهجمات بالسيارات المفخخة. وحتى الآن، زودت الحكومة الألمانية الأكراد بصواريخ مضادة للدبابات مع MILAN(مثل الكثير من نظام TOW US) لكن حسين يقول إنها بحاجة إلى المزيد.

----------------------------------------------------------------------

المصدر: Washington Post

By Thomas Gibbons-Neff and Karoun Demirjian

*توماس جيبونز نيف، أحد طواقم الموظفين في مشاة البحرية سابقا.

*قارون ديميرجيان، يهتم بقضايا الدفاع والسياسة الخارجية. عمل مراسل للاس فيغاس صن في واشنطن، ووكالة اسوشيتد برس في القدس، وشيكاغو تريبيون، الكونغرس الفصلية، وعمل في إذاعة NPR.

https://www.washingtonpost.com/news/checkpoint/wp/2016/01/14/the-kurds-are-ready-to-retake-mosul-now-they-just-need-the-iraqi-army

من يريد تخريب الوطن ؟!

من المؤكد أنهم ليسوا من الوطنيين والديمقراطيين والمدنيين، الصادقين في حبهم لوطنهم، والمتطلعين إلى اليوم الذي يتخلص فيه من أزماته ويتجه صوب الأمان والاستقرار والتقدم والرخاء والازدهار.

كما أنهم ليسوا ممن يريدون قولا وفعلا الخلاص من الإرهاب ومنظماته، وبضمنها أحقرها داعش، أم الموبقات التي احتلت ثلث أراضي وطننا بفعل الفاسدين والمرتشين، والفاشلين في ادارة شؤون الحكم اتحاديا وعلى صعيد الحكومات المحلية.

وهم قطعا لا يمتون بصلة إلى الفقراء والكادحين، والمجاهدين من أجل تأمين لقمة عيشهم اليومي، الأوفياء لعرق جباههم.

ومن المستحيل أن يكونوا من المتصدين بعزيمة وتصميم وبشعور وطني عال للفاسدين والمفسدين أو من أصحاب الحرص الأكيد على المال العام، وممن يتفاخرون عن حق بكونهم من أصحاب الأيادي البيضاء وسجلهم الناصع كالثلج الذي هطل أخيرا على عراقنا، واظهر على نحو ساطع عجز الحكام عن حماية مواطنيهم في هذا الشتاء الاستثنائي وخصوصا من النازحين الذين منهم من قضى نحبه ومنهم الكثير الذي ينتظر مصيره المجهول في ظل اللامبالاة وانعدام الاحساس بالمسؤولية.

ولا أحد يتصور أن يكونوا من المثقفين والأكاديميين الذين انحازوا الكثير منهم، بصدق وضمير حيّ إلى قضايا الوطن والشعب، وجعلوها هما يوميا لهم.

ولا هُم من السياسيين والمتخصصين الذين ما برحوا يحذرون من عواقب الإصرار على النهج الخاطيء الذي سار عليه الحكام منذ 2003 ، ويشددون على ضرورة التخلص من المحاصصة الطائفية والاثنية، الحامية للفساد وشبكاته المتغلغلة في مفاصل الدولة، والمطالبين حتى قبل أن " تقع الفاس بالراس " ، بعدم الاعتماد أساسا على عائدات النفط ، وبضمان تعدد مصادر الدخل الوطني وتخليصه من طابعه الريعي ، وتطوير الصناعة والزراعة وعموم الانتاج.

ومن المستبعد أن يكونوا من المنتجين الحقيقين، وممن يحرصون على تطوير المنتج الوطني ويدعون، عن وعي وصدق، إلى حمايته وتفعيل القوانين ذات العلاقة.

وبحكم المؤكد أنهم ليسوا من الذي يحجون إلى ساحة التحرير في بغداد وساحات مماثلة في مدن ومحافظات الوطن الأخرى، منادين بأعلى أصواتهم بالاصلاح والتغيير. أو ممن لهم صولاتهم ضد السراق والمرتشين وأصحاب الامتيازات، ومن المنادين بتأمين الخدمات للناس. وهم الذين عاهدوا أنفسهم أن لا يسكتوا على ما يرتكب بحق الوطن من جرائم، وأن يُعرّوا المسؤولين عن ذلك.

كذلك ليس بين من مرّ ذكرهم من ساهم في زيادة نسبة الفساد لتغدو 75 % في سنة 2015 ، بعد أن كانت 67 % في العام 2014. ولا ضمنهم من أعاق فتح ملفات كبار الفاسدين وملفات القضايا الأخرى المهمة مثل جريمة سقوط الموصل، وجريمة سبايكر، وملف سقوط الرمادي، والجريمة الكبرى في إختفاء أموال موازنة 2014 التي بلغت تقديراتها 140 مليار دولار.

هؤلاء لا يريدون ، لا الآن ولا في المستقبل ، تخريب الوطن وإلحاق الأذى به وبأبنائه.بل إن من يخربون، بقصد أو بدونه، المتنفذون الفاسدون والمتمسكون بالمحاصصة المقيتة، والمرتشون، وأصحاب الشهادات المزورة، والارهاب وتشكيلاته على إختلاف ألوانها، والمليشيات الوقحة، وأصحاب الجريمة المنظمة والخطف والسطو المسلح، ومن يعملون ليل نهار من أجل مصالحهم الخاصة الضيقة على حساب قضايا الوطن والشعب العليا.

إن الذين يريدون التخريب هم من تتوجب محاربتهم والتصدي الفاعل لهم، وتنحيتهم عن مواقع المسؤولية. وهم معروفون ، ولا تخفى هوياتهم على أحد.

وبذلك، وعبر عملية الإصلاح الحقة، تتم إعادة هيبة الدولة ومؤسساتها المدنية والعسكرية، والتقدم على طريق بناء دولة المؤسسات والقانون والمواطنة والعدالة الاجتماعية.