الأربعاء 18 كانون2/يناير 2017
TEXT_SIZE

رفع العقوبات عن إيران انتصار للحكمة والاعتدال

وأخيراً وبعد سنوات من المفاوضات الدبلوماسية الهادئة والمضنية بين إيران ودول الخمس الكبرى+1، متحلين بصبر أيوب، انتصر صوت العقل والحكمة والاعتدال على صوت الجهل والتطرف. ففي إيران ومنذ الثورة الإسلامية عام 1979، هناك صراع عنيف بين المتطرفين والمعتدلين. فالمتطرفون أدمنوا على الهجوم على السفارات وحرق الأعلام، ورفع شعارات متطرفة مثل الموت لأمريكا...الخ، و دفعوا الثورة إلى حافة الاجهاض والاغتيال، مما أثار عليها نقمة أمريكا وحليفاتها في المنطقة فأشعلوا الحرب العراقية- الإيرانية، بدفع طاغية العراق حين قالوا له: (منا المال ومنك الرجال)، وبقية القصة تاريخ.

إن فوز الدكتور حسن روحاني المعتدل برئاسة الجمهورية دليل قاطع على أن الغالبية العظمى من الشعب الإيراني قد سأمت التطرف ومشاكسة القوى الكبرى ومعاداتها، والتفاخر الفارغ والعقيم بامتلاك السلاح النووي الذي من شأنه استنزاف ثروات البلاد وإفقار العباد، واستفزاز الآخرين وخلق المزيد من الأعداء، دون أن يكون له أي استخدام فعلي، فالأسلحة التقليدية الحديثة باتت تغني عن السلاح النووي بفضل التطور المذهل في العلوم والتكنولوجيا، وهاهي بريطانيا العظمى تتصاعد فيها الأصوات وحتى من قبل حزب العمال، مطالبة بالتخلي عن السلاح النووي الباهظ التكاليف والعديم الفائدة.

لذلك قال الرئيس الإيراني حسن روحاني عن بدء تنفيذ الاتفاق النووي مع القوى العالمية أنه يمثل "فصلا جديدا في علاقات إيران مع العالم".(1)

كما وهناك التطرف في الجانب الآخر، في أمريكا وخاصة المحافظون الجدد، وإسرائيل والسعودية، واللوبيات المناصرة لإسرائيل وتجارة الأسلحة في واشنطون، فهؤلاء متضررون من الاتفاق وتنفيذه ، لذلك يسعون لإشعال موجة جديدة من الحروب العبثية في الشرق الأوسط من أجل تبديد الطاقات البشرية والمادية لشعوب المنطقة بدلاً من استثمارها في التقدم ورفع المستوى المعيشي لهذه الشعوب التي عانت الكثير من الحروب والفقر والتخلف والأنظمة المستبدة.

فالإعلان الأخير في العاصمة النمساوية (فيينا) مساء السبت 16/1/2016، برفع العقوبات عن إيران هو انتصار عظيم للاعتدال على التطرف. لذلك نرى البعض من المتطرفين في إيران الذي أشعلوا النيران في السفارة السعودية مؤخراً، كانوا يحاولون إحراج جناح المعتدلين بقيادة الرئيس روحاني ووزير خارجيته السيد محمد جواد ظريف، ورد فعل عنيف من راعية الإرهاب، المملكة العربية السعودية التي استغلت هذه الفعلة لصالحها، فأظهرت نفسها بالحمل الوديع والمعتدى عليها، وإيران هي المعتدية. وللتقليل من شأن الاتفاق يرى المتطرفون من الجانبين فيه خضوعاً وانبطاحاً للآخر، فأي تقارب مع الغرب وخاصة مع أمريكا يعتبرونه انبطاح واستسلام، وهو ليس كذلك، بل انتصار لجميع محبي السلام والتقدم، الذين يناضلون من أجل العيش في عالم خال من الحروب والظلم والتخلف. كما أثار الاتفاق نقمة وغضب نتنياهو، رئيس حكومة إسرائيل وقادة الحزب الجمهور الأمريكي.

والجدير بالذكر والتحذير، أن رفع العقوبات عن إيران لا يعني أن الثقة الكاملة قد عادت بين إيران وأمريكا، فبعد نحو أربعة عقود من العداء لا يمكن إعادة الثقة بين يوم وليلة. فبعد يوم من رفع هذه العقوبات، (أعلنت الولايات المتحدة فرض عقوبات جديدة على بعض الشركات الإيرانية والأشخاص بسبب الاختبار الذي أجرته إيران مؤخرا لصاروخ باليستي. وتمنع تلك العقوبات الجديدة 11 شركة وشخصية ذات صلة ببرنامج الصواريخ من استخدام المصارف الأمريكية)، القرار الذي أدانه المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، قائلاً أنه "ليس هناك شرعية للعقوبات الأمريكية [الجديدة] على برنامج إيران للصواريخ الباليستية."، لأن أمريكا تبيع هذه الأجهزة والأسلحة على دول المنطقة.(2)

ولكن رغم ذلك، فطالما هناك تواصل ولقاءات بين الأطراف المعنية، فكل المشاكل يمكن حلها بالمفاوضات والتفاهم، لأن المقاطعة تزيد من سوء الفهم والشكوك بالآخر، لا يستفيد منها إلا المتطرفون من جميع الأطراف، بينما التواصل يجعل كل طرف يفهم الآخر بشكل أفضل ليحل التفاهم والثقة محل الشكوك وسوء الظن وتوقع الشر بالآخر.

 وعلى قدر ما يخص العراق، فالتقارب الإيراني الأمريكي يصب في صالح العراق الذي هو بين سندانة إيران ومطرقة أمريكا، فتقارب العراق لأي منهما يثير غضب الآخر، ولكل منهما نفوذ وتأثير على مجريات الأمور في العراق، وعليه فمن مصلحة العراق أن يعود الوئام وتحسن العلاقة بين إيران والغرب وبالأخص أمريكا.

صوتان في طهران

الذين روجوا لصور أسر بحارة أميركيين في المياه الإقليمية الإيرانية واعتبروا ذلك نصرا مؤزرا لطهران وإذلالا كبيرا لواشنطن، وضمّنوا فرحهم الغامر بآيات قرانية كريمة جاهزة عند الطلب، هؤلاء – وكثير منهم أصدقاء خلّص-  لم أسمع منهم حسيسا ولا نجوى بعد الاتفاق التاريخي الذي توصلت إليه إيران مع الدول الكبرى أو بالأحرى الولايات المتحدة السبت.

أتساءل أين ذهبت كل التهديدات الثورية الإيرانية على لسان المرشد الأعلى بركل الولايات المتحدة ببساطير البسيج المتهرئة. وقد سبقه إلى تلك التهديدات الخميني "رحمة الله" عندما سد كل النوافذ المطلة على الغرب، والحال أن سياسة الولايات المتحدة اليوم لا تقل سوءا من وجهة نظرهما عن سياسة الأمس. ما الذي تغير في الشيطان الأكبر، قرناه النافران ؟ مجلس نوابه ؟ شيوخه ؟ أم "كاخ سفيده" ؟  هل أذلته طهران بحيث تضاءل وصار رحمانا أو شيطانا أصغر على الأقل بين ليلة وضحاها ؟ مشكلة هؤلاء الأصدقاء الخلص أنهم يريدون من إيران التصرف اليوم بمنطق جيفارا قبل سبعين عاما، فاذا تصرفت كدولة مسؤولة قارئة لما يجري فيها وحولها بمهارة صانع السجاد وقاطف الزعفران ومنتج الكافيار، دسوا رؤوسهم في الرمال باحثين عن تبرير ما يجري، وهم غير واجدين. والمتابع الساذج - مثلي- يرى تناقضا سافرا بين تيارين مؤثرين في الساحة الإيرانية؛ تيار متشدد يقوده المرشد الأعلى الذي يفتتح كل خطاب بسب واشنطن ويختمه بلعنها لعن عاد وثمود، وآخر يسمى اصلاحيا ويتزعمه من عقود الرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني. الأول يميل إلى تأليب الشارع والإبقاء على ثوريته، وإن أبقى نصف الإيرانيين عاطلين عن العمل. فيما الآخر بنى بوطنية وحنكة، وفي ظروف مأساوية، مئة سد خلال أقل من عشرة أعوام، ولولا هذه السدود لكان للإيرانيين قصة أخرى مع الكفر والجوع واللجوء، وربما الإرهاب أيضا. هل ثمة اتفاق ضمني بين طرفين، طرف يستنهض الشارع ثوريا، وآخر يسعى ليؤمن له ما أمكن من فرص الاقتصاد..؟ لا أجزم أنني أعرف الرد، لكن القرائن تشير إلى ذلك، بالنسبة لي شخصيا على الأقل. متى ندرك أن منطق الثوريات الفارغة التي ما قتلت ذبابة لم يعد فاعلا اليوم..! الألفية والقرن الماضيان مزقا هذه الصفحة، خاصة في إيران. العاصمة طهران التي عدت منها قبل أقل من شهرين تكاد تستنشق رائحة الدولار والعلاقة الحسنة مع واشنطن حتى في أسمال المتسكعين على أرصفة شوارع باسداران وشريعتي وميدان راه آهن المجنون. قال لي سائق تكسي في طهران بالقرب من الجامعة التي تقام في باحاتها صلاة جمعة وتردد فيها هتافات ثورية، إن نصف الحاضرين سيتوجه غدا إلى شارع "فردوسي" للمضاربة، في إشارة واضحة إلى مركز تداول الدولار في طهران. أتمنى على المتفاجئين بالاتفاق مع الولايات المتحدة أن يروا ماذا فعل الحصار الاقتصادي بإيران. آلاف العوائل انتقلت من الطبقة الوسطى شبه المرفهة إلى طبقات فقيرة مسحوقة أو دون خط الفقر والسحق في زمن أحمدي نجاد، والكارثة كانت في نمو متزايد مع وجود فاسدين محترفين، وجاء انهيار أسعار النفط ليكون ثالثة الاثافي. هذا بينما كليبات الرئيس أحمدي نجاد الذي يبدو فيها زاهدا، متواضعا، عابدا، ترابيا، تملأ مواقع التواصل الاجتماعي، وكأنه كان يدير مجلسا للعزاء، وليس مصير تسعين مليون إنسان يعيشون في محيط ملتهب. ما لم نترك تقديس الأسماء فإننا موعودون بمفاجئة في كل يوم عندما نرى في بلد واحد يخرج تصريحان متناقضان من صناع القرار؛ الأول يقول إنه لا يريد أن يعطي لأميركا إعطاء الذليل، وآخر يعتبر الإتفاق النووي يوما مفصليا في تاريخ إيران الحديث. كلا الصوتين خارج من العاصمة طهران في وقت متزامن، فانظر مع أي التناقضين تقف ولا تغرينك الأسماء الكبيرة، فالحق لا يعرف بالرجال كما يقول الإمام علي عليه السلام.

---------------------------------------------------

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

لماذا تحكمنا قوانين صدام التعسفية حتى الآن؟

مازالت الدولة العراقية تعمل بالكثير من قوانين ومعايير ولوائح وضوابط النظام السابق التعسفية حتى الآن ومازال العراقيون يُعاقَبون على مخالفتهم تلك القوانين التي تتعارض مع مبادئ الدستور العراقي ومواثيق حقوق الإنسان العالمية.

قوانين النشر السابقة مازالت سائدة وقد أُدين صحفيون وفق تلك القوانين المجحفة وهذا لا يليق بدولة ديمقراطية، ولا يليق بمسؤولين جاءوا عبر الانتخاب أن يلجأوا إلى قوانين النظام الدكتاتوري السابق لتكميم أفواه منتقديهم. ومع ضرورة مراعاة القوانين وضبط النفس عند ممارسة الحريات الصحفية، فإن لجوء المسؤولين إلى قوانين النظام السابق لقمع منتقديهم هو أمر معيب حقا.

مازال موظفو الدولة، وعددهم يقارب اربعة ملايين، ملزمين باستحصال موافقة الوزير شخصيا إن أرادوا السفر إلى الخارج! أليس السفر حقا من حقوق الإنسان كفله الدستور؟ فلماذا إذن يحتاج الموظف إلى موافقة الوزير لممارسته والإفصاح عن سبب الإجازة والوجهة التي يعتزم الذهاب إليها؟

ما زال الموظف خاضعا لمزاج المدير الذي بإمكانه أن يعاقِب من لا يروق له بنقله من محافظة إلى أخرى رغم أنه ليس من سكانها ولا يكفي راتبه لتغطية تكاليف السكن فيها! أحيانا تُعاقب موظفة بنقلها من محافظة إلى أخرى بعيدا عن عائلتها وبيئتها! أين الإنصاف في هذا؟ وهل يمكن أن يفعل ذلك أي مدير بكامل قواه العقلية في أي مؤسسة في البلدان التي تحترم حقوق الإنسان؟

ما زال تقييم الموظف السنوي بيد المدير فقط ولا يستطيع الموظف أن يغير ما يقوله المدير عنه وإن كان مجحفا، وفي النهاية يسود رأي المدير بموظفيه مهما كان رأيه قاصرا أو مزاجيا. التقييم في البلدان التي تحترم حقوق الموظف هو إجراء مشترك ولا يحصل بمعزل عن الموظف بل بمشاركته ويجب أن يتفق المدير والموظف على الصيغة النهائية للتقيم ويوقعانها معا، وفي خلاف ذلك لا يكون التقييم ملزِما. ومن حق الموظف الاعتراض على التقييم إن أصر المدير على رأيه.

ما زال السائق في دوائر الدولة يتحمل تبعات أي ضرر يلحق بالسيارة التي يقودها إلا إذا برهن بالدليل القاطع، المؤيَّد من جهة متخصصة والمصادَق عليه من قبل لجنة مشكلة لهذا الغرض، على أن الضرر قد حصل لسبب لم يكن السائق شخصيا مسؤولا عنه بل كان خارجا عن إرادته… أما إذا حصل الضرر نتيجة لحادث سير وقد ثبت بأن ذلك حصل نتيجة خطأ منه فإن عليه أن يدفع كلفة إصلاح سيارته والسيارة الأخرى حتى وإن فاق ذلك مرتبه السنوي!

مازال آلاف الأطفال يعملون في ظروف غير إنسانية مخالفة للقوانين الدولية، ومازال ملايين الفقراء يعيشون دون خط الفقر وفي مساكن عشوائية بدائية في بلد يفترض أنه من أغنى بلدان المنطقة. من المُلِح جدا مراجعة قوانين العمل العراقية والتأكد من أنها لا تتعارض مع حقوق الإنسان المنصوص عليها في المواثيق الدولية، كما يجب تفعيل القوانين من أجل حماية الضعفاء في المجتمع، كالأطفال والنساء والمسنين، من الإستغلال.

مازال المواطن يُطالَب بـ(صحة صدور) أي وثيقة يقدمها لدوائر الدولة وقد يستغرِق استصدار ذلك عدة أسابيع أو أشهر، وينتج عنه تأخير وأضرار مادية ومعنوية كثيرة. بينما يُعتَبَر الإنسان نزيها وصادقا في البلدان التي تحترم حقوق الإنسان حتى يَثْبُت العكس. أما معادلة الشهادات المكتسبة من الخارج فلها بداية دون نهاية وإن حجم البيروقراطية والاستهانة الذي يواجهه خريجو الجامعات الأجنبية غير لائق.

المفوضية المستقلة لحقوق الإنسان مُطالبة بمطابقة اللوائح والضوابط السائدة في العراق مع الدستور ومبادئ حقوق الإنسان العالمية ومراقبة تطبيق القوانين من أجل ضمان عدم انتهاك حقوق الإنسان العراقي.

 

الاستعدادات جارية لاستعادة الموصل من داعش

قدمت وزارة الدفاع الأمريكية - البنتاغون، خطط واسعة لاستعادة السيطرة على الموصل باستخدام القوات العراقية والكردية (البيشمركة) للهجوم على مدينة الموصل التي تخضع لسيطرة تنظيم داعش.

إنّ خطط البنتاغون التي أعُدّت للهجوم على المدينة من اتجاهات مختلفة، معلقة التنفيذ، لكنّ مسؤولين أكراد يقولون بإنهم ينتظرون شركائهم من العراقيين كي يتمكنوا من تنفيذ عملية تحرير المدينة: " تم تأجيل عملية تحرير الموصل، لقد ناقشنا ذلك في آذار- مارس من العام الماضي ... ونحن الآن في كانون الثاني - يناير عام 2016".

وقال رئيس ديوان رئاسة إقليم كردستان فؤاد حسين في مقابلة مع صحيفة واشنطن بوست:"السؤال هو لماذا؟ ... لنكون صادقين، يجب تنفيذ العملية مع العراقيين، فنحن بحاجة إلى شريك". ورغم أن البنتاغون لم تقدم جدولا زمنيا لمعركة استعادة السيطرة على الموصل، قال حسين أنه قد يكون من الممكن هذا العام إذا انتهت القوات العراقية من القتال في محافظة الأنبار غرب البلاد.

وأضاف حسين أن قوات البيشمركة تحاصر الموصل من الشمال والغرب والشرق، في ما مناطق جنوب الموصل تركت للقوات العراقية. ولفت إلى أن الجبهة الجنوبية من الموصل ستعتمد على القوات العراقية التي تقاتل حاليا في الرمادي. وعلى الرغم من أن القوات العراقية استعادت بعض من الرمادي، لكن لا يزال هناك قتال عنيف في أنحاء من المدينة. ويرى حسين أنه بمجرد أن تنهي القوات العراقية المهمات في الرمادي، وهي وحدات خاصة تعرف بقوات مكافحة الإرهاب، عندئذ فقط سوف تصبح حملة استعادة الموصل حقيقة واقعة، مضيفا أنها وحدات "منظمة تنظيما جيدا، وفيها مقاتلين لديهم الكثير من الخبرة، لذلك نحن بحاجة لها، وأن تكون معنا كشركاء حتى نتمكن معا وبمساعدة أمريكية، من تحرير الموصل".

وتشكلت قوات مكافحة الإرهاب في أعقاب الغزو الأمريكي للعراق، ونفذت العديد من الهجمات ضد أهداف "ذات قيمة عالية" في حين كانت القوات الأمريكية لا تزال في البلاد. وبعد انسحاب الولايات المتحدة عام 2011، وبروز تنظيم "الدولة الإسلامية"، أصبحت قوات مكافحة الإرهاب جزءا كبيرا من العمود الفقري لقوات الأمن العراقية وخصوصا في معاركها الأخيرة ( تكريت وبيجي والرمادي). لكنّ البعض يعتقد أن قوات مكافحة الإرهاب، والتي لديها عدد محدود من المقاتلين، لا يمكن أن تتحمل لوحدها أعباء معركة استعادت الموصل دون مساعدة من ألوية الجيش النظامية، مع الأخذ بعين الاعتبار أن ألوية الجيش الآن ليست على استعداد لهذا النوع من القتال.

أحد أعضاء لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ السيناتور الديمقراطي جاك ريد، عاد مؤخرا من رحلة إلى العراق وأفغانستان وجيبوتي، قال الخميس: "إن كسب معركة إعادة الموصل سيأخذ مزيد من جهد قوات مكافحة الإرهاب لوحدها، على الرغم من أن ما لدى تلك القوات من مهارة وحافز يمكن أن يساعد في ذلك". ويضيف ريد، "عندما تذهب إلى الموصل، فأنت بحاجة إلى قوات كبيرة تسير إلى هناك لأنها مدينة أكبر بكثير من الرمادي، لا يمكن مجرد الضغط على المدينة، وقطع الطرق، والعمل على نفس الأسلوب الذي حدث في الرمادي"، مشيرا إلى أن دور القوات التقليدية العراقية في الرمادي كان معظمه قطع المدينة وقطع خطوط امداد واتصالات تنظيم داعش، بحيث يمكن لقوات مكافحة الإرهاب القتال من شارع الى شارع ومن كتلة إلى أخرى داخل المدينة.

وقال ريد:"أنا متأكد أن قوات مكافحة الإرهاب ستكون في الصدارة (في معركة تحرير الموصل)"، وتابع "لكن أعتقد علينا أن نرى ما الذي سيجري"، وبرأيه، أن ألوية الجيش العراقي ستشارك في معركة تحرير المدينة.

وقال وزير الدفاع آشتون كارتريوم الأربعاء: "إن القوات المتمركزة في فورت كامبل في ولاية كنتاكي ستتولى تدريب القوات العراقية وقوات البيشمركة الكردية للمعركة القادمة في الموصل، مضيفا أن ذلك لن يكون سهلا أو سريعا كما سيكون دورها استشاريا  في "المقعد الخلفي" للحملة المقبلة.

وقال كارتر: "لقد أظهر نجاحنا في الرمادي وشمال العراق ووسطه أن التدريب، وتقديم المشورة، والمساعدة هو النهج الصحيح تماما، بدلا من محاولة استبدال للقوات المحلية".

وعلى الرغم من أن التدريب قد ساعد القوات العراقية الوليدة وإلى حد معين القوى الكردية، يشير حسين إلى أن هناك حاجة لمزيد من الأسلحة والامدادات لتكون معركة استعادة الموصل ناجحة.

وكانت شحنة من الذخيرة والأسلحة للقوات الكردية قضية حساسة في الأشهر الأخيرة، حيث طلب الأكراد مرارا وتكرارا من الجيش الأمريكي إرسال الإمدادات مباشرة إلى كردستان بدلا من الذهاب في العاصمة العراقية بغداد. وإرسال أسلحة إلى مناطق الحكم الذاتي، مثل كردستان حاليا، لا يسمح بموجب القانون الأمريكي.

وقال حسين إن البيشمركة تحتاج دبابات للعمليات خارج المدينة وكذلك الصواريخ المضادة للدبابات لهزيمة الهجمات بالسيارات المفخخة. وحتى الآن، زودت الحكومة الألمانية الأكراد بصواريخ مضادة للدبابات مع MILAN(مثل الكثير من نظام TOW US) لكن حسين يقول إنها بحاجة إلى المزيد.

----------------------------------------------------------------------

المصدر: Washington Post

By Thomas Gibbons-Neff and Karoun Demirjian

*توماس جيبونز نيف، أحد طواقم الموظفين في مشاة البحرية سابقا.

*قارون ديميرجيان، يهتم بقضايا الدفاع والسياسة الخارجية. عمل مراسل للاس فيغاس صن في واشنطن، ووكالة اسوشيتد برس في القدس، وشيكاغو تريبيون، الكونغرس الفصلية، وعمل في إذاعة NPR.

https://www.washingtonpost.com/news/checkpoint/wp/2016/01/14/the-kurds-are-ready-to-retake-mosul-now-they-just-need-the-iraqi-army

من يريد تخريب الوطن ؟!

من المؤكد أنهم ليسوا من الوطنيين والديمقراطيين والمدنيين، الصادقين في حبهم لوطنهم، والمتطلعين إلى اليوم الذي يتخلص فيه من أزماته ويتجه صوب الأمان والاستقرار والتقدم والرخاء والازدهار.

كما أنهم ليسوا ممن يريدون قولا وفعلا الخلاص من الإرهاب ومنظماته، وبضمنها أحقرها داعش، أم الموبقات التي احتلت ثلث أراضي وطننا بفعل الفاسدين والمرتشين، والفاشلين في ادارة شؤون الحكم اتحاديا وعلى صعيد الحكومات المحلية.

وهم قطعا لا يمتون بصلة إلى الفقراء والكادحين، والمجاهدين من أجل تأمين لقمة عيشهم اليومي، الأوفياء لعرق جباههم.

ومن المستحيل أن يكونوا من المتصدين بعزيمة وتصميم وبشعور وطني عال للفاسدين والمفسدين أو من أصحاب الحرص الأكيد على المال العام، وممن يتفاخرون عن حق بكونهم من أصحاب الأيادي البيضاء وسجلهم الناصع كالثلج الذي هطل أخيرا على عراقنا، واظهر على نحو ساطع عجز الحكام عن حماية مواطنيهم في هذا الشتاء الاستثنائي وخصوصا من النازحين الذين منهم من قضى نحبه ومنهم الكثير الذي ينتظر مصيره المجهول في ظل اللامبالاة وانعدام الاحساس بالمسؤولية.

ولا أحد يتصور أن يكونوا من المثقفين والأكاديميين الذين انحازوا الكثير منهم، بصدق وضمير حيّ إلى قضايا الوطن والشعب، وجعلوها هما يوميا لهم.

ولا هُم من السياسيين والمتخصصين الذين ما برحوا يحذرون من عواقب الإصرار على النهج الخاطيء الذي سار عليه الحكام منذ 2003 ، ويشددون على ضرورة التخلص من المحاصصة الطائفية والاثنية، الحامية للفساد وشبكاته المتغلغلة في مفاصل الدولة، والمطالبين حتى قبل أن " تقع الفاس بالراس " ، بعدم الاعتماد أساسا على عائدات النفط ، وبضمان تعدد مصادر الدخل الوطني وتخليصه من طابعه الريعي ، وتطوير الصناعة والزراعة وعموم الانتاج.

ومن المستبعد أن يكونوا من المنتجين الحقيقين، وممن يحرصون على تطوير المنتج الوطني ويدعون، عن وعي وصدق، إلى حمايته وتفعيل القوانين ذات العلاقة.

وبحكم المؤكد أنهم ليسوا من الذي يحجون إلى ساحة التحرير في بغداد وساحات مماثلة في مدن ومحافظات الوطن الأخرى، منادين بأعلى أصواتهم بالاصلاح والتغيير. أو ممن لهم صولاتهم ضد السراق والمرتشين وأصحاب الامتيازات، ومن المنادين بتأمين الخدمات للناس. وهم الذين عاهدوا أنفسهم أن لا يسكتوا على ما يرتكب بحق الوطن من جرائم، وأن يُعرّوا المسؤولين عن ذلك.

كذلك ليس بين من مرّ ذكرهم من ساهم في زيادة نسبة الفساد لتغدو 75 % في سنة 2015 ، بعد أن كانت 67 % في العام 2014. ولا ضمنهم من أعاق فتح ملفات كبار الفاسدين وملفات القضايا الأخرى المهمة مثل جريمة سقوط الموصل، وجريمة سبايكر، وملف سقوط الرمادي، والجريمة الكبرى في إختفاء أموال موازنة 2014 التي بلغت تقديراتها 140 مليار دولار.

هؤلاء لا يريدون ، لا الآن ولا في المستقبل ، تخريب الوطن وإلحاق الأذى به وبأبنائه.بل إن من يخربون، بقصد أو بدونه، المتنفذون الفاسدون والمتمسكون بالمحاصصة المقيتة، والمرتشون، وأصحاب الشهادات المزورة، والارهاب وتشكيلاته على إختلاف ألوانها، والمليشيات الوقحة، وأصحاب الجريمة المنظمة والخطف والسطو المسلح، ومن يعملون ليل نهار من أجل مصالحهم الخاصة الضيقة على حساب قضايا الوطن والشعب العليا.

إن الذين يريدون التخريب هم من تتوجب محاربتهم والتصدي الفاعل لهم، وتنحيتهم عن مواقع المسؤولية. وهم معروفون ، ولا تخفى هوياتهم على أحد.

وبذلك، وعبر عملية الإصلاح الحقة، تتم إعادة هيبة الدولة ومؤسساتها المدنية والعسكرية، والتقدم على طريق بناء دولة المؤسسات والقانون والمواطنة والعدالة الاجتماعية.

عن حال الإنحطاط العربي

(1)

تتعامل القوى الكبرى مع المنطقة العربية كوحدةٍ متكاملة بغضّ النّظر عن تعدّدية الأوطان القائمة على أرضها، وفي إطار خطّة إستراتيجية واحدة لكلّ المنطقة، بينما الأمَّة العربية موزّعة على أكثر من عشرين دولة وفق الترتيبات الدولية التي حدثت في مطلع القرن العشرين، والدول العربية (بأجزائها المتنافرة أحياناً) باتت الآن أمراً واقعاً يزداد ترسّخاً يوماً بعد يوم، بل بعضها مهدّدٌ بمزيدٍ من خطر الانقسام والانشطار!.

ولقد أدّى هذا الواقع الانقسامي العربي، وما يزال، إلى بعثرة الطاقات العربية (المادية والبشرية) وإلى صعوبة تأمين قوّة فاعلة واحدة لمواجهة التحدّيات الخارجية أو للقيام بدورٍ إقليمي مؤثّر تجاه الأزمات المحلية، بل أدّى أيضاً لوجود عجزٍ أمني ذاتي لا يستطيع التعامل مع ما يطرأ من أزماتٍ وصراعات داخل المنطقة ويبرّر الاستعانة بقوًى أمنية خارجية قادرة على حلّ هذه الصراعات ..

إنّ التصحيح العربي المنشود لهذا الواقع لا يكون بالتخلّي عن هدف التعاون العربي المشترك، بل بالسعي للتكامل الاتحادي الذي يحافظ على الخصوصيات الوطنية لكلّ بلدٍ عربي (كما في التجربة الأوروبية)، وذلك يتطلّب طبعاً البدء بإصلاح الإعطاب في الجسم الدستوري السياسي العربي، وفي مؤسّسات الإدارة، وفي هيئات التخطيط والتشريع والرقابة، وبضرورة الإصرار على هدف التكامل العربي مهما كانت الصعاب والعوائق.

إنَّ الأمّة العربية الآن هي أمام  الخيار بين تكامل الوطنيات العربية القائمة أو الانحدار أكثر في تفتيت البلاد العربية إلى دويلات طائفية ومذهبية وإثنية، متصارعة فيما بينها ومتفّق كلّ منها مع قوى أجنبية ومع مشاريع إسرائيلية وإقليمية لمستقبل المنطقة!!

(2)

·اليوم، تعيش الأمّة العربية أنماطاً مشابهة لما كانت عليه منذ مائة عام، وهي تدخل مرحلة شبيهة بما حصل عقب الحرب العالمية الأولى من دخول عدّة بلدان عربية في مرحلة "الانتداب" الدولي، ومن تفتيت وتقسيم للأوطان والمجتمعات...

أيضاً، تتكرّر اليوم أخطاء القرن الماضي، من حيث الاشتراك العربي في وصف الواقع الحاضر لكن مع عدم الاتفاق على "مشروع عربيٍ مشترك للمستقبل"، والعمل المنظّم من أجل تحقيقه.

ولن يشهد هذا "المشروع المستقبلي العربي" النور ما لم يحصل إصلاح ونهضة في واقع حال جماعات الفكر ومؤسسات المجتمع المدني العربي، وفي المنظمات السياسية التي تطرح نفسها كأدوات للتغيير أو كبدائل لما هو قائم في الواقع العربي الراهن.

لكن كيف يمكن بناء مستقبل أفضل للشعوب وللأوطان وللأمّة ككل إذا كان العرب مستهلكين إعلامياً وفكرياً وسياسياً بأمورٍ تفرّق ولا تجمع!.

فللأسف، هناك أصواتٌ وأقلامٌ عربية ارتضت أن تكون هي أيضاً عنصراً مساهماً في إشاعة مناخ الانقسام الطائفي والمذهبي بين أبناء الأمّة العربية، فراحت تكرّر تصنيفاتٍ وتسميات كانت في الماضي من الأدبيات الإسرائيلية فقط، فإذا بها الآن تتقدّم التحليلات السياسية لبعض الأقلام العربية، وأصحابها يتنافسون على الفضائيات وعلى صفحات الجرائد فيما يؤدّي إلى مزيدٍ من عوامل الانقسام والانحطاط في أحوال الأوطان والشعوب.

(3)

·هو الآن، في عموم العالم، عصر التضليل السياسي والإعلامي. فالتقدّم التقني، في وسائل الاتصالات والشبكات العنكبوتية وإعلام الفضائيات، اخترق كلّ الحواجز بين دول العالم وشعوبها. وأصبح ممكناً إطلاقُ صورةٍ كاذبة أو خبرٍ مختلَق، ونشره عبر هذه الوسائل، لكي يُصبح عند ملايين من الناس حقيقة. هو أيضاً، كما كان في القرن العشرين، عصر "المال والإعلام"، ومن يملكهما يملك قدرة التأثير على صنع القرارات السياسية. هكذا فعل "اللوبي الإسرائيلي" في الغرب عموماً، وفي أميركا خصوصاً، من حيث تركيزه على المؤسسات المالية والإعلامية في الغرب.

فالإنسان العربي يعاصر اليوم عالماً فيه هيمنة كاملة للمصادر "المعلوماتية" على عقول الناس ومشاعرهم ومواقفهم. والناس في زمننا الحالي، وبمختلف المجتمعات، نادراً ما يتعمّقون في معرفة الأمور ويكتفون بالمعلومات السريعة عنها، بل أصبحت عقول معظمهم تعتمد الآن على البرامج الإلكترونية، حتّى في العمليات الحسابية البسيطة، وأصبحت آليات هذه البرامج هي صلات التواصل بين البشر بدلاً من التفاعل الشخصي المباشر، وكذلك ربّما في المنزل نفسه أو بمكان العمل المشترك.

ما يصنع "رأي" الناس في هذا العصر هو "المعلومات" وليس "العلم" و"المعرفة"، وهذا ما أدركته القوى التي تريد الهيمنة على شعوبٍ أخرى أو التحكّم في مسار أحداثها. وهنا أهمّية "المعرفة" التي يضعف دروها يوماً بعد يوم، وهنا أيضاً أهمّية "الحكمة" المغيَّبة إلى حدٍّ كبير. فبوجود "المعرفة" و"الحكمة" تخضع "المعلومات" لمصفاة العقل المدرِك لغايات "المعلومات" ولأهداف أصحابها ولكيفيّة التعامل معها. ف"المعلومات" قد تجعل الظالم مظلوماً والعكس صحيح، وقد تُحوّل الصديق عدواً والعكس صحيح أيضاً. لكن "المعرفة" و"الحكمة" لا تسمحان بذلك.

(4)

·إنّ بلدان المنطقة العربية تعاني الآن من حالٍ خطير من هبوط مستوى العلم والتعليم والمعرفة. والأمر لم يعد يرتبط فقط بمستوى الأمّية الذي يزداد ارتفاعاً في عدّة بلدان عربية، بل أيضاً بانحدار مستوى التعليم نفسه، وبهيمنة فتاوى ومفاهيم دينية تُعبّر عن "جاهلية" جديدة  تُخالف حقيقة الدين ومقاصده.

فمشكلة البلاد العربية، والعالم الإسلامي عموماً، ليست في مواجهة الجهل بمعناه العلمي فقط، بل أيضاً في حال "الجاهلية" التي عادت للعرب والمسلمين بأشكال مختلفة، وعلى مدى قرون من الزمن توقّف فيها الاجتهاد وسادت فيها قيود فكرية وتقاليد وعادات ومفاهيم هي من رواسب عصر "الجاهلية".

هنا تصبح مسؤولية الحكومات ومؤسسات المجتمع المدني، لا في تحسين مستويات التعليم ومراكز البحث العلمي فقط، بل بالمساهمة أيضاً في وضع لبنات لنهضة عربية جديدة، ترفع الأمّة من حال الانحطاط والانقسام والتخلّف إلى عصر ينتهج المنهج العلمي في أموره الحياتية ويعتمد العقل والمعرفة السليمة في فهم الماضي والحاضر، وفي بناء المستقبل، وفي التعامل مع ما يُنشر من فتاوى ومسائل ترتبط بالعقائد الدينية.

(5)

·عاملٌ آخر يزيد الآن من حال الانحطاط في المنطقة العربية، وهو "نزيف الأدمغة العربية"، حيث ترتفع سنوياً نسبة هجرة الشباب العربي إلى الخارج واستقرار عددٍ كبير من الكفاءات العلمية العربية في دول الغرب. لكن المشكلة  ليست في مكان "الأدمغة العربية" الآن، بل في دور هذه الكفاءات العربية وفي كيفيّة رؤيتها لنفسها ولهويّتها، وفيما تفعله أينما كانت لخدمة أوطانها. فقد كان لوجود عقول عربية وإسلامية في أوروبا وأميركا في مطلع القرن العشرين الأثر الإيجابي على البلاد العربية وعلى العالم الإسلامي، كما حصل في تجربة الشيخ محمد عبده في باريس، أو في تجربة "الرابطة القلمية" في نيويورك.

فالسفر والمهجر ليسا مانعاً من التواصل مع المنطقة العربية والأوطان الأصلية أو مع قضايا الأمّة عموماً، خاصّةً في عصر "العولمة" و"المعلوماتية" الذي نعيشه، بل على العكس، فإنّ الوجود العربي في الغرب قد يتيح فرصاً أكبر للتأثير والفعالية في الشرق والغرب معاً. فهناك "عقول عربية" مقيمة في المنطقة العربية ولكنّها تخدم غير العرب، وهناك "عقول عربية" مقيمة في الخارج لكنّها في ذروة عطائها للحقوق والقضايا العربية.

-----------------------------------------

*مدير "مركز الحوار" في واشنطن

الذكرى المئوية لسايكس- بيكو: إعادة رسم الحدود بالدم

في  مثل هذه  الأيام  قبل مئة سنة  بالتمام، أنجز الفرنسيون والانكليز  اتفاقهما  الشهيرالمعروف باسم  الديبلوماسيَّين الفرنسيفرنسواجورج بيكو  والبريطاني مارك سايكس لاقتسام منطقة الهلال الخصيب  وغرب آسيا  بعد  تهاوي  الامبراطورية  العثمانية في  الحرب العالمية  الأولى، الأمر  الذي  مهّد  لخريطة الشرقالأوسط  الحالية.

ومع  حلول  هذه  الذكرى بعد  مضي  قرن كامل على الاتفاق،  وفي ظل الواقع  العربي  المأزوم حاليا،تعدّدت في  الفترة الأخيرة الرؤى والسيناريوات التي تحاول استشراف  آفاق  إعادة  رسم خريطة الشرق الأوسط،  أو الدفع في  سبيلها،  مثلما  تجلّى  في طروحات  تقسيم  العراق  وسوريا  واليمن بعدنجاح تقسيم  السودان،  التي  روّجت  لها  بعض  الدوائر  الرسمية  في  بعض  عواصم  القرار  الدولي. وبات  عنوان  إعادة  رسم  خريطة الشرق الأوسط  أحد  العناوين  الرئيسية  في  الكثير  من التقارير  والمقالات  الصحافية،  والأبحاث  العلمية،  التي  تنشرها  كبريات الدوريات،  ومراكز  الأبحاث  الدولية.

خطة  يينون

ويستند  بعض  مشاريع  الخرائط  المستقبلية  إلى  خطط  قديمة،  أبرزها:

خطة  الكاتب  الإسرائيلي  عوديد  ينون  الذي عمل  لفترة  طويلة في  وزارة  الخارجية  الإسرائيلية  وجهاز  "الموساد"،  ويُعتبر  من  مخطّطي  الاستراتيجيات  في  حزب  "ليكود". نشرت  هذه  الخطة  فيشباط  1982  في  ذروة  التحضيرات  الاسرائيلية  لغزو  لبنان  الذي كان  مشرذما  إلى  كيانات  صغيرة تتقاتل  في ما بينها. وكانت فكرة تقسيم  لبنان  تروق جدًا  للإسرائيليين بشرط إعادة  توزيع  المجموعات  الطائفية لتحقق  لهم  أكبر  قدر  من  الأمن،  بعد  التخلص  من  الجيش  السوري  ومنظمة  التحرير  الفلسطينية.  من هنا،  نبتت  في ذهن  يينون  فكرة "لبننة" العالم  الإسلامي  كله،  فهي  تقريبًا  الطريقة الوحيدة التي  قد  تمكن  شعبٌ  صغير  مثل الشعب  اليهودي  من  حكم  مساحة  تمتد  من  النيل  للفرات.  وإضافة  للمصلحة  العقدية  المادية  في التقسيم الطائفي  للمنطقة،  رأى ييون  فائدة  أخرى  في  إرساء  شرعية  دولة  إسرائيل،  بما أن كل  طائفة  ستكون  لها  دولة،  فوجود  دولة يهودية يصير مبررًا  تمامًا من الناحية الأخلاقية.

واعتبرت  الخطة  أن  أهم  محاور  الاستراتيجية  المستقبلية  لإسرائيل  عقب الانتهاء  من  لبنان،  يجب  أن تتركز  في  تقسيم  العراق  لثلاث  دول: شيعية  -  سنّية  -  كردية،  ومن بعد  لبنان  والعراق،  مصر  وليبيا  والسودان  وسوريا  والمغرب العربي  وإيران  وتركيا  والصومال  وباكستان.  استمد  يينون  "واقعية"  مخططه  من  إشكالية  أن  الحدود  العربية  الحالية  غير  قابلة  للدوام،  مما  يجعل  الدول  العربية  أشبه ببيوت  مبنية  من أوراق  اللعب.  فالحدود  وضعتها  دول  استعمارية  من  دون  اعتبار  لهويات  الشعوب  وتوجهاتها  ورغباتها،  معظم  الدول  العربية  تضم  طوائف  وإثنيات  غير  منسجمة،  وتستحوذ  على  الحكم  في  غالب  الأحيان  طائفة  واحدة  بعينها  تكون  في  بعض  الأحيان أقلية. إضافة إلى  وجود  صراع  على حدود  بين  معظم الدول  العربية. ولم  يرسم  يينون خرائط لمخططه،  ولكنه  رأى  سوريا  مقسمة لأربع  دويلات.   وتصور  أن  المغرب  العربي سيُقسَّم  بين  العرب  والبربر،  أما  الأردن،  فاعتبره  وطن  المستقبل  للفلسطينيين  بعد  سقوط  مُلك  الهاشميين.  كما  وصف  الخليج العربي  بـ"قصور  على  الرمال".  ووصف  أيضا  مصر  بالدولة  الهشّة،  معتبرا  أن  الأقباط  جاهزون  للاستقلال  بدويلتهم  فيالصعيد.  وكشف  عن  أطماع  اسرائيل  بسيناء،  معربا  عن  اعتقاده  أن  أداء  النظام الحاكم  في مصر  سيسوق  البلاد  لذلك  الإنهيار  من  تلقاء  فساده  وسوء  ادارته  بدون  أي  تدخل  مباشر  من الإسرائيليين.

خرائط برنارد لويس

بعد  مرور  عشر سنين  على هذه  الخطة،  سقط الاتحاد  السوفياتي  وتفكّك إلى 15  دولة،  وامتد  التقسيم  لتشيكوسلوفاكيا  ثم  تفتت  يوغوسلافيا السابقة،  وتصدعت  القومية  العربية  بعد  غزو الكويت  وحصار  العراق ومشاركة أميركا  مع  عرب  في قتال  عرب بشكل  مباشر  للمرة  الأولى،  ثم  وجودها  العسكري  غير  المسبوق  في  دول  الخليج  واستفزازها للأصوليين  في  أنحاء  العالم الإسلامي.  في  هذه  الأجواء،  خرجت خرائط برنارد  لويس،  والحقيقة  أن  له  خريطة  سابقة أصدرها عام  1974،  ولكنها كانت  تستهدف  نهش  أطراف الاتحاد السوفياتي.

أما  الخريطة  الثانية،   فكرّسها  للشرق  الأوسط،  وبدت وكأنها نموذج  معدّل  لخطة  يينون،  في  ضوء  المتغيرات الإقليمية  والدولية.

قام  مشروع  برنارد  لويس  أيضًا  على تقسيم  المنطقة  طبقًا  لخطوط عرقية طائفية  لغوية،  واعتبر  أن  غزو  العراق للكويت النهاية  الفعلية  لسيطرة العرب على  سلاح  البترول.  وتتفق خريطة  لويس  مع  خطة يينون  في  محو  الدولة اللبنانية  من  الوجود  وتقسيم  العراق  إلى ثلاث  دويلات، وضم  سيناء  لإسرائيل،  ولكن  لويس  استبعد  تقسيم مصر  وسوريا.  وركز  أكثر  على  منطقة  شرق  الخليج  العربي:  إيران وأفغانستان وباكستان  وكيفية  تقسيمها.  وخطة  لويس  لا تكتفي بخرائط صماء  تستغل  الصراعات  الطائفية  والعرقية،  ولكنها  اشتملت  أيضًا على  إشعال تسع  حروب  في  المنطقة،  إلى حرب البلقان  في  أوروبا  التي  توقع  أن  تمتد  لشرق  البحر  المتوسط،  تلك الحروب  ستسرّع  عجلة تقسيم  المنطقة،  وبعد  التقسيم  تنشب  حرب  أخرى  كبرى  عربية-   إيرانية  بمجرد  هيمنة  إيران  على  الدويلة العراقية  الشيعية.  وأشار  لويس  إلى دولتين  فقط،  ينبغي  الحفاظ  على  استقرارهما وقوتهما واستقلالهما  والاعتماد  عليهما:  إسرائيل وتركيا (العلمانية  العسكرية) ،  إلا  أن  ذلك  لم  يمنعه  من  طرح  تصوّر  الدولة  الكردية التي  تقتطع  جزءًا  من  تركيا.   ومن المثير  للاهتمام  أن  لويس  تكلم  عن  تنظيمات إسلامية  مسلحة مصنوعة  في  بريطانيا،  وأن  استبداد  الحكام  في الدول  الإسلامية  سيغذي  تلك  الميليشيات،  مما  يصبّ  في مصلحة  خطط التقسيم،  إذ  أن  الانتصارات  العسكرية  لهؤلاء  ستساهم  بصورة  كبيرة  في  إضعاف  السلطة المركزية، ومن  ثم تؤدي إلى  سقوط الدول  القائمة  فقط  على  جبروت النظام  حيث  تغيب المجتمعات  المدنية  الصلبة  التي  تحفظ  نظيراتها في  الغرب. وبعد  10      سنين  من  نشرها،  وجدت  رؤى  برنارد  لويس  ضالتها  في  إدارة الرئيس  جورج  دبليو بوش التي  استعانت  بلويس  كمستشار  لها قبل  غزو  العراق.

"حدود  الدم"

في السنين الأربع عشرة التالية  لمخطط لويس،  تنامى  بشكل متوازي  تقريبًا اليمين  الإسلامي  الجهادي  متمثلًا في تنظيم "القاعدة"   في  مقابل  اليمين  المسيحي -  اليهودي متمثلًا في المحافظين  الجدد  في الحزب  الجمهوري  الأميركي  واليمين  الاسرائيلي  متمثلا  بآرييل  شارون  وبنيامين  نتنياهو.

وشهدت  تلك  الفترة،  الانتفاضة  الفلسطينية،  أحداث  11  أيلول،  غزو  افغانستان  والعراق.

حينها  كتب  منظّر  المحافظين الجدد  في  واشنطن الكولونيل  المتقاعد  رالف  بيترز  مقالة   شهيرة  بعنوان  "حدودالدم"  التي  توفر  الأمن  لإسرائيل  ثم  جعل  الأولوية  الثانية  لدولة  الأكراد،  ورأى توحّد  سنّة العراق  مع سنّة  سوريا  في  دولة  واحدة(حدودها  متطابقة  إلى  حد  كبير  مع  المساحة  التي  تسيطر  عليها داعش  حاليًا) ، على  أن  تمتد  دولة  أخرى  علوية  من  ساحل  سوريا  لساحل  لبنان ،  وبالطبع  دولة شيعية  جنوب العراق،  أما  السعودية،  فقد أراد  أن  يقسمها كالتالي:

جزء  في  الشمال  ينضم  للأردن،  الحجاز  يستقل  كدولة مقدسات  ونموذج  إسلامي  من  الفاتيكان،  السواحل  الشرقية  تذهب  إلى شيعة العراق،  جزء  في  الجنوب الغربي  يندمج مع  اليمن،  وبذلك،  لا  يتبقى للسعوديين إلا نجد،  وعاصمتهم  الرياض في  قلبها. كذلك  يريد  بيترز  أن  يعطي الخليج  لشيعة  العراق،  بينما  تصير  دبي  بمفردها  دولة  مستقلة  من  دون  توجهات سياسية،  وعاصمة  للأعمال  واللهو  في  المنطقة  على  غرار  إمارة  موناكو.  لكنه  يرفض  تعزيز  الهيمنة الإيرانية،  لذلك يوصي  باستفزاز  نعرات  قومية (عربية - فارسية)،  توجد  حساسيات  ونوعًا  من  التنافس  بين  إيران  والدولة  الشيعية  العربية،  على  أن  تحيط  الدولة  الشيعية  العربية  بالخليج  كالكماشة  بعد  انتزاع  غرب إيران وضمه  لها، مع  إضعاف  إيران  أكثر  بانتزاع  جزء  آخر  منها  لصالح  أذربيجان  وجزء  لكردستان  وجزء لبالوشستان  التي ستُقتطع  من  باكستان  الحالية.

خريطة  "اتلانتيك"

في  العام  التالي  لنشر "حدودالدم"،  بدأ  جيفري  غولدبرغ،  وهو من المنتمين  للمحافظين  الجدد  داخل  أروقة  السياسة  الأميركية، بكتابة  سلسلة  مقالات  ترسم  خريطة جديدة  للشرق  الأوسط،  على  صفحات مجلة   "أتلانتيك"  الشهيرة، تزامنا مع إقرار  مجلس  الشيوخ الأميركي  خطة غير  ملزمة  لتقسيم العراق.  وأضاف غولدبرغ  في  خريطته  دولة  جنوب  السودان  (تأسست  رسميا  بعد  أربع  سنوات)، ودولة سيناء  المستقلة  التي  شهدت عام  2004  أول  عمليات  العنف. وامتدت  الخريطة  هذه  المرة  إلى  عمق  أفريقيا  بتقسيم  الصومال.  واعترف  غولدبرغ  بقوة  "حزبالله"   ومركزيّته  في  جنوب  لبنان،  فتصور  له  دولة  شيعية  مستقلة.ودعا  إلى  دولة  درزية في  شمال  الأردن  وجنوب  سوريا.

خرائط  الربيع  العربي

بعد  وصول  الربيع  العربي  إلى  المآل  الذي صار عليه،  كثرت أطروحات  أخرى  لتقسيم المنطقة  عبر  مراكز  الدراسات  الاستراتيجية  ومنابر  الصحافة  العالمية،  لكنها  لا  ترقى  إلى  حدود  المخططات  لأنها  أقرب  إلى  التوقعات، ولم  تصدر عن دوائر  القرار. لكن  ثمة  وقائع  على الأرض تزيد  من  شأنها إذا  ما  تمادت، وتشكل أساسا  ليس  فقط  لخطط  جديدة  إنما  لخرائط  جديدة  فعلية  في  المنطقة،  وأبرزها:

1-     الفوضى  الناجمة  عن  سقوط  أنظمة  وتنامي التطرف  المذهبي.

2-     سياسات  التوازن  الطائفي  التي  اعتمدتها  واشنطن  بين  إيران والدول  العربية  ذات  الغالبية  السنّية.وأدت  في الواقع،  إلى  إثارة نعرات  الصراع  الطائفي  ومفاقمتها، خاصة  في  ظل الصراع  الايراني  -  السعودي  على  مناطق  النفوذ  في  المنطقة  والذي  لم  تكن  نتيجته  سوى  تعزيز  قوى  الإرهاب  وتنظيماته  إقليميا  ودوليا.

3-    محاولة  تأسيس  نظام  أمني  متعدد  الأطراف  ومتوازن في  المنطقة،  بحيث  تلعب  بعض  التحالفات الإقليمية،  إضافة  إلى  حضور  مباشر  من  قوى  دولية  ذات  مصالح  في  المنطقة،  أدوارا  أمنية  محدودة  ومتنافسة،  برعاية  أميركية.  وتتمثل  معضلة  الاستراتيجية  الأخيرة  بأن  تنافس  الأدوار  والأجندات  الأمنية  بين القوى  الإقليمية  يهدّد  بتفجر  مستمر  للصراعات  فيما  بينها،  أو  بينها  وبين  القوى  الدولية  الآخذة في  تأسيس  مراكز  أمنية جديدة لها  في  المنطقة.

كما  تواجه  دول  الشرق  الأوسط وشعوبها  عددا  متزايدا  من  التهديدات سواء  التي  تتعلق  بهويتها، في  ظلّ تصاعد  مخاطر  التيارات  الأصولية  الإقصائية،  كجماعات  عنف منظم،  أو  سياسات  دولة  تخشى  قطاعا من  السكان.   وإذ  يهدد  ذلك  باستمرار  الصراعات  المتنوعة  في  المنطقة  سواء  بين  دولها  أو  بين  المجموعات البشرية  فيها،  خاصة  في الدولة  التي  تعاني انهيارا في  أنظمتها  السياسية،  فإنه  يمكن  تحديد مصدرين  للمخاطر  المشتركة  التي  يمكن  أن  تواجه  دول  المنطقة  وبقية  دول  العالم،  جراء الأوضاع في  الشرق  الأوسط. أوّل  هذه  المخاطر  هو  بروز  وتمدّد  ما يمكن وصفه  بـ"الدويلات الجهادية"،  وما  تستقطبه  من عناصر  متطرفة  وشديدة العنف  من مختلف  مناطق  العالم  ودوله.   وتطرح  هذه الدويلات  تهديدات مباشرة يمكن إجمالها بالآتي:

أولا:   تصاعد  عمليات  التطهير  العرقي  وإعادة  رسم  الخريطة الديموغرافية  والإثنية  للشرق  الأوسط،  كما حدث  خلال  سنوات تصاعد  العنف  الإثني  في  العراق  أو  بشكل  أكثر  جسامة  وخطورة  فيما تشهده سوريا  من عمليات  إعادة  رسم  للخريطة  السكانية.   ولكن  الخطر  الأكبر  فيما ينتج  عن  عمليات  التطهير  تلك،  أو  عن  تأسيس  كانتونات  طائفية  صرف من  تنامي  واقع  الانفصال الطائفي،  وتصاعد  مشاعر  الكراهية الاثني.

ثانيا:  مخاطر  استهداف  دول  ومناطق  أخرى  تعاني  هشاشة إثنية من  هذه  الدويلات،  حال  ترسخ  وجودها  في   منطقة   ما،  ومن  ذلك  تمدد  تنظيم  الدولة  الإسلامية  في  الشام  والعراق (داعش)  من   مناطقه  الحصينة  في الشمال  السوري إلى  داخل العراق.   ويتفاقم  هذا  الخطر  مع  إمكان  استخدام  مثل  تلك  التنظيمات  الإرهابية  من  قبل  بعض  القوى  الإقليمية  أو  الدولية  كأداة  لمد نفوذها،  أو  تهديد  قوى  منافسة  أخرى.

ثالثا:  احتمال تطوّر  الصراع  مع  تلك  الدويلات  وحولها إلى  حروب  إقليمية  صريحة بين  دول المنطقة،  إما  طمعا  في  السيطرة  على  بعض المناطق  التي  تخضع  لسيطرة هذه  الدويلات.

ويبقى  الخطر  الأكبر  في  احتمال  تطرف  الكثير  من  المتعاطفين  مع  أيديولوجيا  الجماعات  المؤسسة  لتلك  الدويلات  لاسيما  أن مشروع هذه الدويلات  بات يمثل  لهؤلاء الغاية  النهائية  والمثالية لتصوراتهم  الأيديولوجية  المقدسة.

وهكذا  يمكن القول  إن  الشرق  الأوسط  في  الذكرى المئوية  لاتفاق  سايكس  بيكو  يقف  في  لحظة  فارقة،  لأن  حدود  دولنا الحالية صارت  هشة  بشكل  يُرثى له  وعرضة  للانهيار  في  زمن  قياسي.  وإذا  ما حصل  انهيار  الحدود  فإنه  لن  يكون في  اتجاه وحدة عربية  أو  إسلامية،  ولكنه سيكون قطعًا لصالح تفتيت  المفتت وتقسيم  الكيانات الموجودة  لتلد  عددًا أكبر من  الدول  الأصغر  حجمًا.

----------------------------------------------------

المصدر: صحيفة النهار اللبنانية

دعاء الشرق : وقفة تأمّل

" رائعة هي كلمات الشاعر  محمود حسن اسماعيل، وخلود لحن وضعه وغناه الموسيقار محمد عبد الوهاب قبل اكثر من ستين عاما".

لقد كان دعاء الشرق الجميل قد سمعناه طويلا .. نحن جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية والذي عاش خصب حياته في النصف الثاني من القرن العشرين.. لقد كانت قصيدة رائعة محفّزة، ولكنها توهم الناس بجعل الأخيلة حقائق ثابتة، وكان الناس قد آمن معظمهم بمبادئ كانت أساسية في تفكيرهم .. ولما توالت النكبات والهزائم.. هربوا منها نحو  أخيلة وأوهام من نوع آخر، ولم يفكروا أبدا بواقعهم، وما الذي يمكنهم أن يعملوا من أجله .. لقد استلبت تلك المعاني من قبل الأحزاب القومية على مدى ثلاثين سنة، وعند العام 1979، بدأت تلك المعاني تسحقها أحزاب الاسلام السياسي واتجاهاته القاتلة . 

إن دعاء الشرق ستحلق بنا في أجواء مشحونة بالكرامة والتمجيد والمفاخر، وإن كلماتها ولحنها معا تجعل الانسان اليوم يتأسّى كثيرا لما كان عليه الحال قبل ستين سنة .. دعونا نتوقف قليلا عند صاحبها الشاعر الرائع وموسيقارها الكبير ونسمعه بصوته.

وقفة عند الشاعر

ولد الشاعر المصري القدير محمود حسن إسماعيل في بلدة النخيلة بمحافظة أسيوط  2 يوليو - تموز  1910، وتوفي في الكويت  25 أبريل - نيسان  1977، ونقل جثمانه ليدفن في مصر، وكان قد تخرج في كلية دار العلوم، وقد نبغ في الشعر نبوغا مبكرًا واستقطب  أدبه الشباب، وأصدر ديوانه الأول وهو طالب سنة 1935 بعنوان "أغاني الكوخ" وبعد ثلاثين سنة من الابداع، نال جائزة الدولة في الشعر سنة 1965 على عهد الرئيس عبد الناصر. غنى له العديد من الفنانين، وفي مقدمتهم الموسيقار محمد عبد الوهاب قصيدة "النهر الخالد".

وتغنّى ببغداد  في قصيدة "بغداد يا قلعة الأسود" التي غنتها السيدة أم كلثوم، وقصيدة "نداء الماضي" التي غناها الفنان عبد الحليم حافظ، وأنشودة "يد الله" للمطربة نجاح سلام و"الصباح الجديد" التي غنتها الفنانة فيروز.

إن أعمال محمود حسن إسماعيل تتمثل في القصائد والأشعار في دواوين، هي:  أغاني الكوخ 1935، هكذا أغني 1937، الملك 1946  أين المفر 1947، نار وأصفاد 1959، قاب قوسين  1964، لا بد 1966، التائهون 1967، صلاة ورفض 1970، هدير البرزخ 1972، صوت من الله 1980، نهر الحقيقة 1972، موسيقى من السر 1978، رياح المغيب، نشرته دار سعاد الصباح لأول مرة عام 1993.

عمل محررا ومساعدا للدكتور طه حسين في المجمع اللغوي المصري، كما عمل مستشارا ثقافيا في الإذاعة المصرية، وتقلد منصب مدير عام البرامج الثقافية والدينية ورئيس لجنة النصوص في الإذاعة المصرية. وأنشأ محطة القرآن الكريم وجمع تسجيلات الشيخ محمد رفعت وحفظها.  وأخيرا عمل مستشارا في لجنة المناهج بوزارة التربية في الكويت التي توفي فيها عام 1977.

الذي يقرأ أشعاره يجده من التقليديين المجددين المتأثرين بجماعة شعر أبولو الشهيرة، وهو رومانسي النزعة مع التزام ديني .. خياله خصب وعاطفته مشبوبة ويرسم الأوهام حقائق، إنه يعبّر عن مرحلة تفكير غير واقعية في مرحلة تاريخية كان الناس يعتقدون أن الأحلام تتحقق أو هي متحققة في أذهانهم ..

نص " دعاء الشرق "

لقد اهتم الموسيقار الراحل محمد عبد الوهاب بهذا " النص" ، وخرج مبدعا في تلحينه لحنا رائعا وقام بأدائه بنفسه. إنه " نص " يلائم تلك المرحلة التاريخية الصعبة التي خرج منها العرب عند منتصف القرن العشرين. وقد تأسست اسرائيل في قلب فلسطين بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية .. ونضوج الفكر ة القومية التي كان العرب يهيمون بالأهداف التي رسموها لهم. وبروز جيل جديد يسعى إلى التحرر والتقدم بوسائل مختلفة.

لقد قسّم عبد الوهاب اللحن الذي أعده لغناء هذه القصيدة إلى ثلاثة كوبليهات .. أستطيع أن أصف الكوبليه الأول بأنه  تمجيدي يحكي قصة العرب في الشرق وانتقالهم من الظلام إلى المجد، ولكن يحفز، ويغنيها عبد الوهاب بحركة هادئة متسلسلة مكررا إياها:

يّا سَمَاءَ الشَّرقِ طُوفِي بِالضِّيَاءِ وَانشُرِي شَمسَكِ فِي كُلِّ سَمَاءِ

ذَكِّـرِيهِ وَاذكُـرِي أيِّامَهُ بِهُدَى الحَــقِّ وَنُـــــــــورِ الأنبِيَــــاءِ

كَانَــتِ الدُّنيــــَا ظَلامًا حَـــولَهُ وَهوَ يَهدِي بِخُطَاهُ الحَائِرِينَا

أَرضُــهُ لَم تَعــرِفِ القَيـــدَ وَلا خَفَضَت إلا لِبَارِيهَا الجَبِينَــا

كَيفَ يَمشِي فِي ثَرَاهَا غَاصِبٌ يَملأُ الأُفــقَ جِرَاحًا وَأنِينَــا

كيف من جناتها يجنى المنى ونرى في ظلها كالغرباء

ثم الكوبليه الثاني يبدأ التساؤل عن الرايات وهي تزحف عبر التاريخ وكأنها قادمة من أعماق العصور الوسطى يحملها المنتصرون، وكانت خفاقة في الشهب ..  كلمات مشبوبة تحكي إلى أين وصل العز والبأس والكلّ يمشي وراء ذلك .. وصاغ عبد الوهاب هذا الكوبليه كأنه مارش عسكري يحتاجه الشباب في اندفاعهم نحو بناء الحياة، وهو تصويري لزحف غاضب كبير نحو الغاصبين الذين ملأوا الأفق جراحا وأنينا، ويغني عبد الوهاب:

أيها السائل عن راياتنا   لم تزل خفاقة في الشهب

تشعل الماضي و تذكي ناره   عزة الشرق و بأس العرب

سيرانا الدهر نمضي خلفها   وحدة مشبوبة باللهب

أمماً شتى و لكن العلى    جمعتنا أمة يوم الندا

ثم يأتي الكوبليه الثالث ليحكي لنا قصة الحاضر، ويتخيل وحدة الشعب وانبعاثه من جديد في طريق واحد .. ويفترض الهدى والحق والإباء وميثاق العهد .. لكن الشاعر يتخيل أنه كان يحلم في نومه، وقد شقّ الفجر، واشرقت الشمس وينتهي بأجمل صورة بأن ذلك الفجر  الذي كان مقيدا بدمائنا، وأن جذوتها قلوب الشهداء الذين ضحّوا من أجل مبادئ وقيم عليا .. أخذت بالاضمحلال هذا اليوم في الحقيقة ويا للأسف .. فهل كان الحلم مزيفا ؟ أم كان الناس يعيشون أوهاما ويصدقونها ؟ كل ما حدث ويحدث لا يترجم أبدا تلك " الصورة " المثالية التي تربينا عليها قبل خمسين سنة !

نحنُ شعبٌ عربيٌ واحد ضمّـــه في حَومة البَعث طريقٌ

الهُدَى وَالحَقُّ مِن أعلامِهِ وَإبَاءُ الرُّوحِ وَالعَهـــدُ الوَثِيــقُ

أَذَّنَ الفَجــــرُ عَلَى أيَّامِنَــا وَسَرَى فَوقَ رَوَابِيهَا الشُّــرُوقُ

كُلُّ قَيــــدٍ حَولَهُ مِن دَمِنَــا جَذوَةُ تَدعُـــو قُلُوبَ الشُّــــهَدَاءِ

وأخيرا أقول بأن كلمة "البعث" التي استخدمها الشاعر، لم يقصد بها حزب البعث، بل كان يقصد الإنبعاث من الموت إلى الحياة. كلاهما الكلام واللحن يعبران عن روح عصر نهضوي جديد، ومن دون أن يدرك الشاعر أن الشعب لم يكن واحدا، ولكنه " دعاء " خذل من قبل أهله قبل أن يكتسحه الآخرون لنصبح غرباء في بيوتنا وفي أطراف هذا العالم بعد مرور ستين سنة على حلم ذلك الزمن الجميل.

--------------------------------------------------------------------------------------------

نشرت على موقع الدكتور الجميل:

www.sayyaraljamil.com

https://www.youtube.com/watch?v=DmqqUE9HVNI

العقل ووظيفة التبرير

ثمة مقولة شائعة عموماً، ومُردّدة كثيراً من قبل الذين انقلبوا على ما كانوا عليه في شبابهم من مبادئ وسياسات ونضالات، وهي المقولة التي تتهم مرحلة الشباب بالحماسة والاندفاع والعاطفية وقلة الخبرة، وبعضهم يتهمها بمرحلة المراهقة السياسية وما شابه. ومن ثم تنتقل إلى اعتبار مرحلة الكهولة والشيخوخة مرحلة النضج والخبرة والحكمة والعقلانية والواقعية وما شابه.

باختصار اعتبار مرحلة الكهولة (بعد الأربعين أو الخمسين من العمر) وما بعدها، مرحلة الحكمة.

إذا دقق بما يُدعى في مرحلة الكهولة، وما بعدها، عند الذين نقلوا البندقية من الكتف إلى الكتف، تجدهم أقل حكمة وأقل قدرة على قراءة السياسة والوقائع والحقائق مما كانوا عليه في مرحلة الشباب والكفاح واقتحام الخطر. ولكنهم لا يستطيعون أن يتوافقوا مع ما أصبحوا عليه من آراء وممارسات ومواقع، إن لم يجدوا التبرير لما أحدثوه من انقلاب في مواقفهم. ومن هنا يتوجب ادعاء الحكمة والعقلانية والواقعية. وأن يقتنعوا بما أصبحوا عليه قناعة كاملة، وليست خداعاً للنفس.

فالعقل الإنساني منذ أن أخذ دوره، أو وظيفته، في علاقة الإنسان مع نفسه، ومع "ربعه"، أو في مجتمعه، كما مع ممارسته، عمد إلى إيجاد الحجج والمسّوغات النظرية أو المنطقية لتبرير أفعاله، وإلاّ سيقع في حالة انفصامٍ شديد إذا تناقض ما يفكر فيه مع ما يمارسه. وقد يمر في حالة الانفصام عند بداية الانتقال أو التحوّل. ولكنه سرعان ما يشكل القناعة الراسخة بأن ما فعله ويفعله وسيفعله هو الصواب بعينه، أو هو الحكمة والعقلانية والواقعية، وما كان عليه من قبل كان وهماً أو خِطئاً أو لا واقعية أو طيشًا وما شابه.

 هذا ينطبق على السياسي حين ينتقل من المبادئ والمُثل إلى الضفة الأخرى من النهر، كما يحصل مع الموظف الشريف الذي ينتقل من الاستقامة إلى الرشوة والفساد. كما مع من ينتقل، أو تنتقل، من مرحلة مسلكية إلى أخرى نقيضة. فها هنا لابد من إيجاد الحجج والأسانيد التي تقنع المعني أن وضعه الذي انتقل إليه هو الوضع الطبيعي أو العقلاني أو الواقعي.. هو الحكمة والعقل. ومن ثم لابد من أن يصحب ذلك هجاء ممنهج للمرحلة السابقة، وقد أضاع عمره في "أوهامها" ومثالياتها "الفارغة".

فإن أي موقف أخلاقي أو سياسي أو ممارسة أو سلوك يحمل منذ البداية خلافياته حوله. وذلك انطلاقاً من الزاوية التي يرى من خلالها، أو يجعلها الزاوية الأساس في تحديد الحالة. أما ما عداها من زوايا أخرى فيصبح ثانوياً أو غير معبّر عن حقيقتها.

فالفاسد أو الذي أصبح فاسداً يجب أن يقتنع بالمثل القائل "من الباب إلى المحراب الكل قابض". أو يقتنع أن المال الذي إذا لم يأخذه وأخذه غيره ليس أحق فيه منه، أو يعتبر أن ما يفعله ليؤمّن مستقبل الأولاد والبنات ومستقبله الذي سيذهب خسارة إذا لم يلحق بالركب قبل فوات الأوان. ثم هنالك مقولة: تغيّر الزمان فنحن في زمان قانونه "كل من في يده له".

هذا الفاسد الذي كان يوماً شاباً مناضلاً يشنّ الحرب على الفاسدين أو الذين خانوا بلادهم، أو باعوا أنفسهم، لا يستطيع الاستمرار برؤية موقفه ذاك عين الصواب، أو ما يجب أن يكون عليه، أو يراه الحكمة بعينها والعقلانية بعينها. وقد أخذ ينقلب إلى جبهة أولئك الذين كان حرباً عليهم، أو يصبح قريباً منهم، أو من المنتفعين من فتات موائدهم. كحال بعض الكتاب والصحفيين. هنا عليه أن يصف شبابه ذاك "بالطفولية والمغامرة والمثالية الفارغة" (التي لا تطعم خبزاً). ويُقنع نفسه بأنه أصبح أكثر حكمة وفي الموقع الصحيح. وإلاّ كيف يمكن أن يعيش بانفصام شخصية، وقلق داخلي. الأمر الذي يوجب صوْغ قناعات جديدة ويبرّر ممارسته الجديدة. لأن الحق بيّن والباطل بيّن لمن يرى بموضوعية بلا أهواء ومصلحة.

طبعاً ليس بالضرورة أن يكون الانتقال من النقيض إلى النقيض، وإنما يكون الانتقال من موقع المبادئ والكفاح والتعرّض للأخطار من أجل الشعب والوطن، أو في سبيل الله، أو من أجل قضية الثورة، إلى موقع الانسان العادي الذي يدخل في صراع الحياة من أجل تأمين حياة كريمة أو مرفّهة له ولعائلته، وقد يزيد الطموح هنا قليلاً أو كثيراً إلى ما يمكن أن يصل إليه، باعتباره تحوّل إلى إنسان عادي طبيعي مثله مثل عشرات الملايين من الناس العاديين، الذين لم يحملوا "السُّلم بالعرض" يوماً مثله أيام الشباب الملتزم (وفقاً للتعبير الشائع).

هذا أيضاً بحاجة إلى ضبط قناعات جديدة تجعله يستريح في انتقالته الجديدة وحياته الجديدة. ولا بأس إذا ظن أنه أصبح أكثر حكمة أو عقلانية وراح ينظر إلى شبابه بدهشة كيف كان مندفعاً لا يحسب حساباً لمستقبل أو حتى لموت. وهذا النمط من الانتقال هو الأفضل والأكرم إذا كان لا بد من الانتقال.

على الرغم من أن التفريق يجب أن يكون حاسماً بين من ينقلب إلى النقيض وينقل البندقية من كتف إلى كتف، وبين من ينتقل من حالة الشاب حامل المبادئ والمندفع إلى حالة الكهل الذي انتقل إلى حياة إنسان عادي مع حنين إلى تلك الأيام، أو مع التعاطف مع جيل الشباب الجديد الذي أخذ يخوض التجربة، بدوره، أو ضمن أهداف أخرى وأساليب أخرى. ولكن يجب أن يلحظ في الحالتين أن الحكمة والعقلانية من الناحية الموضوعية، كانت من نصيب مرحلة الشباب، وأنهما تبدآن بالغياب في المرحلة الثانية.

أما السبب فيرجع إلى أن مرحلة الشباب تشبه الماء الذي يتدفق من النبع صافياً رقراقاً، فيما يأخذ بالتعكر مع رحلة المسيرة الطويلة. فالشباب يبدأ رحلته بقراءة صافية للحياة وللوقائع ولما هو صائب وخاطئ، أو ما هو عادل وظالم، فتخرج بالضرورة أكثر حكمة، فيما القراءة للحياة وللوقائع نفسها تبدأ بالتعكر من خلال الميل للمساومة. فالمساومة على المبادئ والأخلاق تبتعد عن الحكمة بالضرورة، لأنها ستدفع العقل للبحث عن التبريرات. أي يتدخل عنصر الأهواء والمصالح، فكيف تكون الحكمة هنا وليست في مرحلة الرؤية الشفافة المحصنة بالشجاعة والاندفاع، والمُصَّفاة من المصالح الذاتية والهموم؟!