الإثنين 21 آب/أغسطس 2017
TEXT_SIZE

الفرق بين السعودية والسويد..!

 

رغم أن في السعودية وعظ وارشاد وخطب وقرآن وتفسير وتوحيد وفقه وسيرة ، ومئآت الاف المساجد وعشرات الاف من الوعّاظ .. وكل هذا غير موجود في السويد ومع هذ تتصدر السويد قائمة دول العالم في الشفافية.. بينما السعودية تقبع في ذيل القائمة!!

وهذا أمر من بديهيات الحياة ومتوافق مع سنن الكون .. وما هو غريب هو استغراب الكاتب نفسه!

فشرائع الدين إنما شرعها الله لينعم الناس بالعدل والمساواة والتي تثمر بشكل مباشر السّعة في الرزق والكرامة في العيش

فرسول الرحمة; أوصى أصحابه بالهجرة الى الحبشة.. وقال : إن فيها ملك لا يُظلم عنده أحد! لم يكن في بلاد الحبشة قرآن يُتلى ولا خطب تُقرأ ، ومع هذا عَمّ العدل والخير في أرضهم.. لم تكن مشكلة المسلمين في نقص خطب او تلاوة قرآن او تدريس حديث! بقدر ماهو في التعامل بالعدل والانصاف .. فالقاضي -الذي عيّنه علي بن ابي طالب رضي الله عنه- حكم ليهودي بدرع علي ، عندما لم يستطع علي اثبات ملكية الدرع! وجيش من جيوش المسلمين يخرج من المدينة التي فتحها لأنه لم يخيّرهم بين الجزية والاسلام او الحرب. ان الله ليُبقي دولة العدل وإن كانت كافرة.. ويُنهي الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة... ان الخطب والقرآن والسيرة والحديث إن لم تنعكس سلوكا في التعامل مع الضعفاء والمساكين وإعطاؤهم حقّهم -حتى وإن لم يسألوه- فاقرأ على مناهجك السلام.. إن ديننا الاسلامي لهو شديد الحساسية من الظلم .. ولا أدل من ذلك ، ماأخبرنا به النبي; بدخول جهنم لمن عذّب هرة بحبسها دون طعام!

في السويد لايتربى الطفل على شعارات ارفع راسك أنت سويدي ، الناس تنقص وانت تزودي!!

في السويد لايُعامل الانسان على أساس جنسيته ، بل على أساس آدميته ..

في السويد يقرع باب بيتك في الصباح الباكر بزجاجة حليب طازج لطفلك الذي لايحمل الجنسية السويدية ! كل مافي الأمر أنّه بشر ويحتاج إلى حليب طازج كما يحتاجه الطفل السويدي .

وفي بلادنا لايقرع باب المقيم إلا الجوازات لترحيله او تفتيشه.

في السويد تحصل على إقامة دائمة بعد المكوث 4سنوات متواصلة..

وفي بلادنا يجدّد المقيم إقامته ولو مكث ألف سنة مماتعدون!

في السويد يحصل المقيم على الجنسية ان حفظ تاريخ السويد وعاش فيها ل 6سنوات متواصلة ..

وفي بلادنا ينتظر المقيم 6سنوات للحصول على إذن لزواج مواطنة! ولا يُمنح الجنسية حتى وإن حفظ القرءآن والانجيل والزبور وتاريخ الجزيرة العربية من هبوط آدم عليه السلام حتى العام 2013م..

السويد تعاملنا بالاسلام رغم كفرهم..

وفي بلاد المسلمين نتعامل بمنهج الكفر رغم أنّا مسلمون.

في السويد لاتجد كفيلاً سويدياً يبتزّ مقيماً هندياً او صومالياً ويطلب منه شيء دون وجه حق..

في السويد لاتسمع كلاما فَجّاً من طفل صغير لم ينبت شاربه ، ليقول لك: " اسكت ولاّ وربي أسفّرك"!

في السويد لن تجد خادمة تعمل لمدة 24ساعة في اليوم و7ايام في الاسبوع! قبل ان تطلب من الحكومة بشكل غير مباشر العدل ..

اعمل معروف واعتق من تكفلهم من المبلغ السنوي الذي يدفعونه لك دون وجه حق..

قبل ان تطالب بالتقدم في مراتب الشفافية ، اغلق انت سجلاتك الوهمية وشركاتك الافتراضية التي تعيش في عالم الدجتل..

علّم اولادك ان البنقالي الذي ينظف شارعكم في كل صباح هو اخوك في الاسلام.. بل قد يكون افضل منك عند الله!

علّم اولادك ان من يصلح لك ثوبك ويخبز لك خبزك ويطهو طعامك هو بشر مثلك له مشاعر وكرامة وما اتى به هنا إلاّ طلب الرزق الحلال.

تعاملوا بالعدل وعلّموه أبناءكم وعيشوه وستتجرعون غصصه.. فاصبروا ورابطوا حتى تنعموا بمراكز متقدمة من الشفافية في حياتكم الخاصة ومن ثم ستجدونها مباشرة في حكومتكم.

ولاني أحببتكم بكل أمانه وأشارككم المواطنة والوطن صَدَقْتُكُمْ وصف الحال لي ولكم..

هذا الأمر ينطبق على كل دول الخليج بلا استثناء.

-----------------------------------------------------

* كاتب من السعودية.

قتلنا ابن رشد لكى نبعث ابن تيمية

 

احتفى موقع «جوجل» بالذكرى 888على ميلاد الفيلسوف الطبيب رائد العقلانية والتنوير ابن رشد؛ عرفاناً من المجتمع الغربى بقيمة هذا الرجل بانتشالهم من ظلام التعصب، فى نفس الوقت الذى أهمله العرب بل وحاربوه من أجل عيون ابن تيمية وابن عبدالوهاب!

 حرق العرب كتب ابن رشد. ونفوه وطاردوه... باختصار، *لن نلحق بقطار الحضارة ولن ينصفنا التاريخ إلا إذا انتصرت عقلانية ابن رشد على تكفير ابن تيمية*.

قال جورج سارتون فى كتابه «المدخل إلى تاريخ العلوم»: «إن ابن رشد كان من أعظم فلاسفة الإسلام، ولقد أثّر على فلاسفة أوروبا بفلسفته أكثر من أرسطو نفسه. دون ريب، إن ابن رشد هو مؤسس الفكر الحر، فقد فتح أمام علماء أوروبا أبواب البحث والمناقشة على مصاريعها؛ لذا فإنه أخرجها من ظلمات التقييد إلى نور العقل والتفكير».

إن شهرة ابن رشد فى عالم الفلسفة كادت أن تحجب منجزاته فى الطبيعيات. وكان ابن رشد يُعتبر فى الحقيقة من أكبر الأطباء فى عصره، فقد ألَّف نحو عشرين كتاباً فى الطب، بعضها تلخيصات لكتب جالينوس، وبعضها مصنفات ذاتية. وقد تُرجم أكثرها إلى العبرية واللاتينية؛ وأشهرها كتاب «الكليات فى الطب»، وهو موسوعة طبية فى سبعة مجلدات، ترجمه إلى اللاتينية الطبيب بوناكوزا من جامعة بادوا فى سنة 1255. قال عنه د. عاطف العراقى: « *إنه يقف على قمة عقل الاستنارة والعقلانية، والغرب هو الذى اهتم بابن رشد، أما فى الشرق فحاكمناه وأهملنا فلسفته* ».

وقال عنه د. مراد وهبة: « *كلما حاول أحد إحياءه نعيد قتله من جديد، ابن رشد ميتٌ فى الشرق حىٌّ فى الغرب، ومن يحلّ هذه المعضلة ينقذ العالم الإسلامى من التخلّف*».

لكن ماذا قال ابن رشد نفسه؟ فلنستمع إليه وهو يقول: « *التجارة بالأديان هى التجارة الرابحة فى المجتمعات التى ينتشر فيها الجهل* .. *وإذا أردت أن تتحكم فى جاهل فعليك أن تغلف كل باطل بغلاف دينى* ».

« *الحَسَن ما حَسَّنه العقل، والقبيح ما قبَّحَه العقل* ».

« *الله لا يمكن أن يعطينا عقولاً ويعطينا شرائع مخالفة لها* ».

« *إنّ الحكمة هى النظر فى الأشياء بحسب ما تقتضيه طبيعة البرهان* ».

« *اللحية لا تصنع الفيلسوف*  ».

« *العلم فى الغربة وطن والجهل فى الوطن غربة* ».

« *إنّ الحكمة هى صاحبة الشريعة، والأخت الرضيعة لها، وهما المصطحبتان بالطبع، المتحابتان بالجوهر والغريزة* ».

لكن الاتجاه السلفى قد قتل ابن رشد لصالح إحياء ابن تيمية، ولنستمع ونقرأ لابن تيمية الذى يكفر الجميع إلا من هو ابن تيماوى: *

« *الباطنية كفار، كفرهم أشد من كفر اليهود والنصارى، بإجماع المسلمين، لا تجوز مناكحتهم، ولا تباح ذبائحهم، ولا يُدفنون فى مقابر*  *المسلمين، ولا يُصلى عليهم، ولا يجوز استخدامهم فى ثغور المسلمين، ولا فى حصونهم، ولا يكونون ضمن جندهم* ».

وقال عن الصوفية: « *إذا اتضح كفر هؤلاء فيجب قتالهم، وتكفيرهم، ومن شك فى كفرهم فهو كافر، ويجب عقوبة من ساعدهم، أو انتسب إليهم أو مدحهم، بل عقوبة من ترك مساعدة المسلمين على قتالهم وهو قادر على ذلك* ».

وقال عن الشيعة: « *الرافضة يجب قتالهم، وهم أولى بالمقاتلة من الخوارج* ».

وقال عن الأقباط: « *الوالى له حق فى هدم كل الكنائس والمدن التى بناها المسلمون فى الأرض التى احتلوها، لا يجوز بناء كنائس فيها* ».

وأجاز مصادرة الكنائس، وأكد أن مفهوم الصَّغار فى إعطاء الجزية هو « *أن يقوموا للمسلمين من مجالسهم إذا أرادوا الجلوس ولا يتشبهوا بالمسلمين فى شىء من لباسهم من قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين ولا فرق شعر، ولا يتكنوا بكناهم ولا يركبوا سرجاً ولا يتقلدوا سيفاً ولا يتخذوا شيئاً من سلاحهم ولا ينقشوا خواتيمهم بالعربية* ... إلخ».

*إلى متى سنظل نهيل التراب على ابن رشد ونتعامل معه كعورة، ونبنى عروشاً من*  *الذهب لابن تيمية ونعامله كنصف إله* * ؟!

----------------------------------------------

*طبيب مصري، يعد ويقدم الفترة الطبية من قناة دريم، ويعد ويقدم برنامج "خارج النص" قناة ONTV

حول انهيار السعودية، مرة أخرى

 

بعد نشر مقالي الأخير (هل حقاً السعودية على وشك الانهيار؟)(1)، وصلتني تعليقات كثيرة، أغلبها مؤيدة وقليل منها معارضة، وخاصة من السعوديين على صفحات التواصل الاجتماعي. ونظراً لأهمية العديد منها وإجاباتي على بعضها، رأيت من المفيد مواصلة الكتابة في هذا الموضوع لتعميم الفائدة.

علق قارئ سعودي على صفحته في الفيسبوك بعد سيل من الشتائم، أن دافع الذين يكتبون ضد السعودية هو الحقد و الحسد، لأن الله منَّ على الشعب السعودي الرزق الوفير. وأن الله مع هذا الشعب بقيادة حكومته الرشيدة المؤمنة، وموتوا بغيضكم أيها الحاقدون الحاسدون!!!

وهذا بالضبط ما نقله لنا الكاتب والصحفي الإنكليزي المعروف، روبرت فيسك (Robert Fisk)، في صحيفة الاندبندنت اللندنية، في مقال له حول عجز السعودية عن دفع رواتب العمال الأجانب، وأن القنصلية الهندية تقدم الطعام لجالياتها من العمال الهنود. استشهد فيسك بمقتطف من مقال لصحفي سعودي جاء فيه: "كثير من العمالة الوافدة يكرهوننا وغاضبون علينا لأننا بلد غني. بعضهم يذهب إلى حد القول بأننا، السعوديون، لا نستحق هذه النعمة والمال. وهذا هو السبب الذي يجعل بعضاً منهم يتصرفون بعنف عندما لا يتقاضون رواتبهم في الوقت المحدد)(2).

كثيراً ما يتردد هذا الكلام نفسه مع بعض التغيير في المفردات من قبل المعلقين السعوديين في دفاعهم عن حكومتهم "الرشيدة"، وينصحوننا بعدم التدخل في الشأن السعودي، بل نهتم بمآسينا في العراق "التي جلبها عليهم نوري المالكي!!"، وينكرون دور السعودية في هذه المآسي، ليس  في العراق فحسب، بل وفي دول المنطقة والعالم.

فهل حقاً انتقادنا للسعودية هو بدافع الحقد والحسد لأن بلدهم غني؟ لا شك أن السعودية بلد غني جداً، فدخلهم من النفط لا يقل عن مليار دولار يومياً. ولكن هناك دراسات تؤكد أن ثلث الشعب السعودي هو تحت خط الفقر. نرجو مشاهدة فيلم جديد وهو تقرير مصور (فيديو 51 دقيقة) عن السعودية "جعلته شبكة نيتفلكس متاحا للمشاهدين. يبدأ الفيلم بعمليات قطع رؤوس بالسيف وقيام سياف سعودي بجر سيدة على الارض وقطع رأسها قبل ان يتدخل المذيع ويقول للمشاهدين: "هذه ليست دولة داعش، هذه حليفتنا المملكة العربية السعودية"..(رابط الفيلم في الهامش- رقم 3).

وإذا كان انتقادنا لهم بدافع الحسد، فلماذا لا ننتقد حكومات لا تقل ثراءً عن السعودية كالدول الغربية، وخاصة كندا والدول الإسكندنافية، وهي دول غنية جداً ومسالمة جداً، كسبت احترام العالم أجمع؟

أما قضية التدخل في الشأن السعودي، فهي كما يقول المثل: (رمتني بدائها وانسلت). إذ إننا أبعد من ذلك، ولكن السعودية هي التي تتدخل في شؤون العالم، وخاصة في دول المنطقة. فسبب العجز في موازنتها، وعدم تمكنها من دفع رواتب نحو 31 ألف من عمالها، ناتج عن هذا التدخل الوقح في شؤون العراق، وسوريا واليمن وليبيا وغيرها، لتغيير حكومات هذه الدول وفق مقاساتها، ولعرقلة الاستقرار والنمو الاقتصادي فييها، لذلك صرفت مئات المليارات الدولارات من ثروات شعبها على نشر التطرف الديني الوهابي التكفيري، ودعم الإرهاب في العالم، وشن الحروب المباشرة وغير المباشرة على دول المنطقة.

أما عن دعم السعودية للإرهاب، فقد صرّح السفير الأميركي الأسبق في العراق وأفغانستان، زلماي خليل زاده، بأن أحد المسؤولين السعوديين الكبار أسرّ له بأن بلاده تدعم التطرّف حول العالم، لافتاً في الوقت ذاته إلى نظرة سعودية أكثر إيجابية اتجاه إسرائيل.(4، 5)

ورغم ما لقى مقال خليل زادة من ترحيب من قبل الكتاب العرب التقدميين المناصرين للحق، إذ اعتبروه شهادة من أهلها ضد السعودية، ودورها القذر في دعم الإرهاب وإسرائيل، كما يبدو للبعض للوهلة الأولى، إلا إننا لو تأملنا جيداً نرى أن المقال ليس موجهاً ضد السعودية ومكانتها في الغرب، فهو ذو وجهين، كلاهما في صالح خليل زادة والسعودية معاً. فالرجل لا يريد أن يقطع رزقه من آل سعود، أو غيره، فقد أصبح نجماً لامعاً لإدارة اللوبيات لكل من يدفع. فقد عينه حتى مسعود بارزاني، رئيس الإقليم الكردستاني، وموظف آخر كان يعمل في السفارة الأمريكية في بغداد وهو (علي الخضيري)، وغيرهما، مستشارين له بعد تقاعدهم من السفارة. لتجميل وجه بارزاني، وتقبيح وجوه خصومه وخاصة خصمه اللدود نور المالكي. وقد أبلى هؤلاء المرتزقة بلاءً حسناً في هذا المجال.

فخليل زادة كان من الشخصيات المتنفذة في واشنطون، تم تجنيدها للوبي السعودي لتحسين صورة المملكة في أمريكا والعالم. ومقاله هذا ليس ضد السعودية بل لدعمها. فقد برر خليل زادة دعم السعودية للإرهاب والتطرف بأن "القيادة السعودية أوضحت أيضاً أن دعمها للتطرف كان أسلوباً لمقاومة الاتحاد السوفياتي ــ غالباً بالتعاون مع الولايات المتحدة ــ في أماكن مثل أفغانستان عام 1980". وأضاف أن هذا الأسلوب ثبت نجاحه، لذا "استُخدم لاحقاً ضد الحركات الشيعية المدعومة من إيران، في إطار التنافس الجيوبوليتيكي بين البلدين".

لا شك أن هذا الكلام له وقع إيجابي في أمريكا. أما قوله عن إيجابية موقف السعودية من إسرائل، فهذا قد يبدو ضد السعودية لدا القارئ العربي المتعاطف مع الشعب الفلسطيني في محنته الطويلة، ولكنه يعتبر موسيقى محببة لدا اللوبي الإسرائيلي والإدارة الأمريكية والغرب عموماً، مما يدعم مكانة السعودية في الغرب ويبرر جرائمها.

ولكن ما يهم القارئ العربي في البلاد العربية والشرق الأوسط عموماً، أن السعودية التي تدعي محاربتها للتطرف والإرهاب فهي مازالت تدعمهما، ورغم أنها تدعي قيادتها للعالم الإسلامي، ودعمها للقضية الفلسطينية، إلا إنها حليفة لإسرائيل، وهي التي شقت صفوف المسلمين بإثارة الصراع الطائفي (السني - الشيعي). وهذا أهم ما جاء في شهادة خليل زادة بالنسبة لمكانة السعودية في البلاد العربية والإسلامية وليس في الغرب. ولكن من الجهة الأخرى، يبدو أن السعودية غير مهتمة بتردي سمعتها إلى الحضيض في العالمين، العربي والإسلامي، طالما بإمكانها شراء كل شيء بالمال، ولسان حالها يقول: طز بالعرب والمسلمين، وطز بالقضية الفلسطينية، وطز بالشرف وجميع القيم الإنسانية والحضارية، المهم أن تكسب أمريكا إلى جانبها وكفى، لتضمن استمرار العائلة الحاكمة في السلطة.

إلا إن هذا الموقف السعودي الانتحاري ناتج عن الجهل بتعقيدات السياسة وقوانين حركة التاريخ. إذ كما يفيد القول المشهور الذي أصبح من البديهيات، أن "ليس في السياسة صداقات دائمة ولا عداوات دائمة، بل مصالح دائمة". فمصلحة أمريكا من السعودية على وشك الانتهاء، لذلك ما لم تتخلى السعودية عن سياساتها العدوانية ضد البشرية، فإن مصيرها السقوط في مزبلة التاريخ، والتاريخ حافل بالأمثلة، فما أكثر العبر وأقل الاعتبار.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

http://www.abdulkhaliqhussein.nl/

----------------------------------------------------------------

روابط ذات صلة

1- د.عبدالخالق حسين: هل حقاً السعودية على وشك الانهيار؟

http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=859

2- مقال روبرت فيسك

Robert Fisk : Saudi Arabia cannot pay its workers or bills – yet continues to fund a war in Yemen

In Saudi Arabia itself, the government seems unable to cope with the crisis. The 'Arab News' says that 31,000 Saudi and other foreign workers have lodged complaints with the government’s labour ministry over unpaid wages. On one occasion, the Indian consulate and expatriates brought food to the workers so that their people should not starve

http://www.independent.co.uk/voices/saudi-arabia-cannot-pay-its-workers-or-bills-yet-continues-to-fund-a-war-in-yemen-a7232466.html

3- مذيع امريكي حول فيلم: هذه ليست دولة داعش، هذه حليفتنا السعودية (فيديو(

http://www.akhbaar.org/home/2016/9/217337.html

Saudi Arabia Uncovered (2016 documentary)

https://m.youtube.com/watch?v=X5AYoznJxu8

4- مسؤول سعودي لخليل زاده: دعمنا التطرّف!

http://www.al-akhbar.com/node/264807

5- النسخة الانكليزية لمقال زلماي خليل زادة

‘We Misled You’: How the Saudis Are Coming Clean on Funding Terrorism.  By Zalmay Khalilzad

http://www.politico.com/magazine/story/2016/09/saudi-arabia-terrorism-funding-214241

 

تحدّيات لا يمكن مواجهتها باليأس والإحباط

 

"لم يكن لقطعة الفأس أن تنال شيئا ًمن جذع الشجرة ِ لولا أن غصنا ً منها تبرّع أن يكون مقبضا ً للفأس" – القائل مجهول

هل ما يحدث الآن على الأرض العربية هو فقط متغيّرات سياسية محلية تتدخّل فيها، وتتجاوب مع تفاعلاتها، قوى إقليمية ودولية؟ أم أنّ هذه المتغيّرات هي قطعة فقط من صورة مرسومة مسبقاً لتغييرٍ جغرافي وديمغرافي منشود لدول عربية عديدة؟ ألم تكن الحرب على العراق في العام 2003، وما أفرزته من واقع حال تقسيمي للدولة والشعب والثروات، وما مثّلته هذه الحرب من تداخل بين الصراعات المحلية والإقليمية والدولية، كافية لتكون درساً مهمّاً للعرب من أجل تحسين نظم الحياة الداخلية في مجتمعاتهم وتحصينها ضدّ التدخّل الخارجي؟! ثمّ ألم يكن درس تقسيم السودان في مطلع العام 2011 مؤشّراً عن المصير المرغوب لأوطان عربية أخرى؟!.

فما يحدث الآن في داخل أوطان من مشرق الأمّة ومغربها، وفي عمقها الإفريقي، هو دلالة هامّة على نوع وحجم القضايا التي تعصف لعقودٍ طويلة بالأرض العربية، وهي كلّها تؤكّد الترابط الحاصل بين الأوضاع الداخلية وبين التدخّلات الخارجية، بين الهموم الاجتماعية والاقتصادية وبين فساد الحكومات السياسية، بين الضعف الداخلي الوطني وبين المصالح الأجنبية في هدم وحدة الأوطان.

نعم، صحيحٌ أنّه كانت هناك دائماً صراعاتٌ إقليمية ودولية على المنطقة العربية وثرواتها، لكن ما هو قائمٌ من خللٍ سياسي داخلي وبيئة طائفية انقسامية هو الذي يشجّع على التدخّل الخارجي من أطراف عديدة، أخطرها الطرف الإسرائيلي، والذي يجد في الحروب الأهلية العربية فرصةً ذهبية لتحقيق جملة أهداف؛ بينها تهديم الكيانات العربية الحالية، وإنشاء دول طائفية ومذهبية كنموذجٍ مطلوبٍ إسرائيلياً لكلّ بلدان المنطقة العربية.

إنّ الأمَّة العربية ليست ساحة صراع إقليمي- دولي فقط، هي أمّة مستهدَفة بذاتها وبثرواتها وبأرضها وبوحدة كياناتها. وما لم تنهض هذه الأمّة وتصحّح واقعها، فإنَّ التمزيق سيزداد، وستتحوّل الصراعات الإقليمية - الدولية إلى حروب أهلية عربية تفرز كياناتٍ متصارعة إلى أمدٍ طويل، ولن ينفع عندها تغيير الأشخاص أو السياسات في واشنطن أو في المنطقة العربية أو في غيرها من الدول الإقليمية والدولية.

هي مرحلةٌ مختلفة تماماً عمّا كان عليه واقع العرب قبل نصف قرن، حينما القضايا والساحات العربية موحّدة كلّها في مواجهة التحديات والصراعات، وحيث لم يعرف ذاك الزمن التمييز على أساس الانتماءات الوطنية أو الطائفية أو الإثنية. فالبلاد العربية كانت آنذاك إمّا تحرّرت حديثاً من حقبة استعمارية أوروبية أو تخوض ثورات التحرّر من أجل استقلال الأوطان عن مستعمرٍ أجنبي. لكن في الحالتين، كان هناك إدراكٌ عربيٌّ عام للرابط المهم بين الهمّ الوطني وبين القضية الفلسطينية، بين مواجهة المستعمر الأوروبي للأوطان وبين مواجهة المحتلّ الصهيوني لأرض فلسطين، الذي اغتصب هذه الأرض العربية الفلسطينية بفعل دعم المستعمر ذاته. فالقضية الوطنية كانت هي قضية قومية مشتركة، والعكس صحيح. وكانت القضية الفلسطينية هي القضية المركزية لكلّ العرب إلى حين منتصف السبعينات من القرن الماضي حيث بدأت حروبٌ أهلية عربية على أكثر من جبهة، متزامنةً مع عزل مصر عن أمّتها العربية بسبب "معاهدات كامب ديفيد" والصلح المنفرد مع إسرائيل.

ولقد انشغل العرب خلال السنوات الخمس الماضية في "جنس شياطين" حكّامهم بينما أبواب أوطانهم تُخلَع واحداً بعد آخر، بل إنّ أساسات بعض هذه الأوطان تتهدّم وتتفكّك ليُبنى عليها "مستوطنات" عربية جديدة بأسماء دينية أو إثنية!.

ولم تعد القضية الفلسطينية تعني الكثير لغير الفلسطينيين من العرب، بل للأسف أصبحت أيضاً قضية "التحرّر الوطني" عموماً مسألة فيها "وجهة نظر"!! إذ لم يجد البعض مشكلةً في طلب التدخّل العسكري الأجنبي لمساعدة "ثوار عرب" في قضايا وطنية داخلية!!. فهي الآن حالة معاكسة تماماً لما كان عليه العرب قبل نصف قرن: تهميش للقضية الفلسطينية وطلب تدخّل عسكري أجنبي ومعايير طائفية ومذهبية وإثنية، مقابل ما كان من مركزية للقضية الفلسطينية وأولويّة لمعارك التحرّر الوطني من المستعمر الأجنبي ومعايير وطنية وقومية لا طائفية ولا إثنية.

إنّ المشكلة ليست بتجارب النظم "الشمولية" فقط، وإنّما هي أيضاً بالأفكار والتجارب "الاجتزائية" التي تُجزِّئ الحلول المنشودة لأمَّةٍ جزّأها منذ قرنٍ من الزمن المستعمر الأوروبي، ويحاول ورثته الآن تجزئة المجزّأ!. إنّ قضايا التحرّر والهُويّة القومية والعدالة الاجتماعية ومقاومة الاحتلال ومحاربة الظلم أينما كان وكيفما كان، هي كلّها قضايا إنسانية عامّة لا ترتبط بمنهجٍ فكريٍّ محدّد. فلا الدين يتعارض مع هذه القضايا ولا الابتعاد عنه يعني تخلّياً عنها. وهناك أمثلة عديدة عن مجتمعات كافحت من أجل هذه القضايا لكن اختلفت دوافعها الفكرية ونظرتها لدور الدين في الحياة.

وجيّد أن يُدرِك الآن الكثيرون من العرب ما كنّا نحذّر منه منذ بداية الانتفاضات الشعبية من مخاطر غموض طبيعة الثورات وعدم وضوح برامجها ومن يقودها، ومن التبعات الخطيرة لأسلوب العنف المسلّح ولعسكرة الحراك الشعبي السلمي، وأيضاً من عبثية المراهنة على التدخّل العسكري الخارجي، ونتائجه-  في حال حصوله- على وحدة الشعوب والأوطان.

ونعم هناك ضرورةٌ قصوى للإصلاح والتغيير في عموم المنطقة العربية، ولوقف حال الاستبداد والفساد السائد فيها، لكن السؤال كان، وما يزال، هو كيف، وما ضمانات البديل الأفضل، وما هي مواصفاته وهويّته؟! فليس المطلوب هو هدم الحاضر دون معرفة بديله في المستقبل، أو كسب الآليات الديمقراطية في الحكم بينما تخسر الأوطان وحدتها أو تخضع من جديد للهيمنة الأجنبية، إذ لا يمكن الفصل في المنطقة العربية بين هدف الديمقراطية وبين مسائل الوحدة الوطنية والتحرّر الوطني والهويّة العربية.

فالصراعات والتحدّيات وحركة التغيير، هي قدَر الأرض العربية على مدار التاريخ، لكن ما يتوقّف على مشيئة شعوبها وإرادتهم هو كيفيّة التعامل مع هذه التحدّيات، وهو أيضاً نوعية التغيير الذي يحدث على كياناتها وفي مجتمعاتها.

إنّ صعوبة الظروف وقلّة الإمكانات وسوء المناخ السياسي والإعلامي المسيطر، تلك عناصر لا يجب أن تدفع من يرفضون واقع العرب اليوم، لليأس والإحباط، بل إلى مزيدٍ من المسؤولية والجهد والعمل. فالبديل عن ذلك هو ترك الساحة تماماً لصالح من يعبثون في وحدة بلدان هذه الأمّة ويشعلون نار الفتنة في رحابها.

إنّ بعض الناس (كأفرادٍ أو كجماعات) تكون إرادتهم مُسيّرة من قِبَل آخرين، بفعل ظروف الحاجة أو بسبب الضغوط وعناصر القوة التي تفرضها إرادة البعض المتمكّنين بالمال أو بالسلطة، وفق ما يُعرف بمصطلح "الترغيب والترهيب" أو "القدرة على المنح والمنع". وهنا يحصل الفارق، بين منْ إرادتهم الذاتية مشلولة ويعيشون حياتهم في خدمة إرادة آخرين، وبين من إرادتهم حرّة لكن يعانون من "الترهيب أو المنع". ويحصل هنا أيضاً الفارق بين من يرضون العيش في حالة الرضوخ لإرادة الآخرين، فتكون إرادتهم مُهمَّشة، حتّى لو تبوّأوا المناصب أو لمعت أسماؤهم في وسائل الإعلام، وبين من يرفضون هيمنة الآخرين على إرادتهم، ويصرّون على مواجهة الواقع المرفوض رغم كلّ العقبات، وعلى هؤلاء تقع مسؤولية إنقاذ الأمّة قبل فوات الآوان.

----------------------------------------------------------------------------------

*مدير "مركز الحوار" في واشنطن

 عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 *يمكن قراءة مقالات صبحي غندور عن مواضيع مختلفة، على الرابط التالي:

http://www.alhewar.net/Sobhi%20Ghandour/OtherArabicArticles.htm           

طَرِيقُ الْتَّغْييرِ آلْمَرْجُو!

 

ورد استفسارٌ بمثابةِ الأشكال على التغيير المُقترح على قانون الانتخابات لضمان تحقُّق قاعدة [صوتٌ واحِدٌ لمواطنٍ واحدٍ] بتقسيمِ الْعِراقِ الى عددٍ من الدّوائر الانتخابيّة يُساوي عدد مقاعد مجلس النوّاب كما حددها الدستور في المادّة (٤٩) أَوَّلاً بنسبةِ مقعدٍ واحدٍ لكلِّ (١٠٠) الف نسمَةٍ من نّفوس العراق يمثِّلونَ الشّعب العراقي بأَكمَلهِ.

الأشكال هو؛ انّ مثل هذا التّغيير ستخسَر بسببهِ المكوّنات الاساسيّة الثّلاثة [الشّيعة والسُّنّة والكُرد] وتحديداً المكوّن الاوّل عددٍ من مقاعدِها في البرلمان الجديد! اذ سيخسر كلٌّ من المكوِّنات الثّلاثة مقاعدَ مُعيّنة في المحافظات المُختلطة مثل البصرة بالنِّسبةِ الى السُّنَّة وبغداد بالنِّسبةِ الى الكُرد ونينوى وكركوك بالنِّسبةِ الى الشّيعة، فكيف يُمكن توضيح وتجاوز هذا الأشكال او الاستفسارِ؟!.

١/ هذا دليلٌ واضحٌ على انّ القانون الحالي يُكرّس الطّائفيّة والعنصريّة بشكلٍ كبيرٍ! فإلى متى نريدُ ان نسترسل معهُ ونظلّ نتبنّاهُ؟! لماذا لا نُجرّب تغييرهُ على الأقلّ للتّقليل من هيمنة هذه الأمراض على البلاد بدءً من قانون الانتخابات الذي يُشرعنها ثمّ يُكرّس المحاصصة في أسوأ اشكالِها تحت قبّة البرلمان! وهو أَهمّ وأخطر مؤسسة في العراق الجديد؟!.

كما انّ ذلك يعني انّنا سوف لن نرى نُوّاباً وطنييّن تحت قبّة البرلمان مازالنا نعتمد هذا القانون الانتخابي! فهل هو قدرٌ أم عقوبةٌ أم ماذا؟!.

لا أحدَ يستفيدُ من قانون الانتخابات الحالي إلا الطّائفيّين والعنصرييّن الذين يبذلون كلّ جهودهم فترة الانتخابات لإثارة النّعَرات الطّائفية والعنصريّة لتجييش النّاخبين! ولا أعتقد أنّ العراقييّن نَسوا شعاراتهم بهذا الصّدد في الانتخابات الأخيرة والتي قبلها وما قبلها!.

٢/ ليس بالضّرورة جدلاً أنّ المكوّن الذي يخسر عدداً من مقاعدهِ النيابيّة يضعف أداءهُ تحت قبّة البرلمان! كما أنّهُ ليس بالضّرورة أنّ المكوّن الذي تزيد مقاعدهُ النيابيّة سيقوى أو يتحسّن أداءهُ البرلماني! فلقد خَسِر الكُرد بعض مقاعدهم في الانتخابات النيابيّة الأخيرة عندما أجرى البرلمان بعض التّعديلات عليهِ فهل تغيّرَ من أَدائهم شيئاً؟! ضعُفَ مثلاً؟! كما أن المكوّن الشّيعي زادت مقاعدهُ قليلاً عن الدّورة البرلمانيّة السّابقة، فما الذي تغيّر من أَدائهم المتواضع؟!.

إنّ العدد في الحال الحاضر لا ينفعُ شيئاً أَبداً، فأَمامَ المُحاصصةِ تنهارُ الأرقامِ! لأنّها نوعٌ من أنواعِ الفيتو الذي يُسقِطُ الأعداد عادةً بالضّربةِ القاضيةِ! كما هو الحال في مجلس الأمن الدّولي مثلاً الذي يُمثّلُ مصالح الكبار حصراً إلى جانب الصّغار الذين يحتمون في كنفهِم وتحتَ أجنحتهم، طبعاً حتّى حين!.

ولتغيير المعادلة برمّتها ينبغي أولاً تغيير قانون الانتخابات لضمان صعود نوّاب أقوياء برصيدِهم الشّخصي من خلال الفوز بصوتِ النّاخب وليس بالأصوات الإضافيّة التي يتصدّق بها الزّعيم على عناصر قائمتهِ، وبالتّالي يمكن الحديث وقتها عن التّعديل الدّستوري الذي يجري فيه الحديث كثيراً من دون رؤية أو طريقٍ وأسلوب!. 

٣/ إنّ لكلِّ قانونٍ من قوانين الانتخابات في العالم إِيجابيّات وسلبيّات، فليس في هذا العالم قانونٌ متكاملٌ أبداً، والعاقل هو الذي يختار القانون الذي إيجابياتهُ أَكثر من سلبيّاتهِ، وبرأيي فإن قانون الانتخابات الحالي ومن خلال تجربة استمرّت (١٣) عاماً ثبُت لنا جميعاً أنّ سلبيّاتَهُ أَكثر من إيجابيّاتهِ بفارقٍ كبيرٍ، وهو فارقٌ لمسناهُ لمسَ اليدِ كما يقولون، فاكتوينا بنيرانِ واقعهِ المرير! أمّا التّغيير المرجو فلا أَدعي إنّهُ خالٍ من السلبيّات وإنّما أكيدٌ فإنَّ إيجابيّاتهِ أَكثر من سلبيّاتهِ بفارقٍ كبيرٍ جداً، ولعلّ أَكبرُ دليلٍ على ذلك هو اختيار أعرق النُّظُم الديمقراطيّة لهُ دون سواهُ، كالولايات المتّحدة الأميركيّة وبريطانيا وفرنسا، فضلاً عن تَبنِّيه من قِبَلِ عددٍ من النُّظُم الديمقراطيّة حديثة العهد كدولة الكويت والجمهورية الإسلاميّة في إيران وغيرها.

فضلاً عن أنّ سلبيّاتهِ المتوقّعة هي نظريّة وليست ملموسة كما هو حالها في القانون الحالي!.

   *يتبع

العروبة في ذمة التاريخ

«يا خير جيش/ يا خير عسكر/ أنت الغضنفر/ في البحر فاظفر/ في اليد درع/ في اليد خنجر/ نحو الأعادي/ يا خير عسكر/ لو كل شيء/ في البحر يُنصر/ نحن ننادي/ الله أكبر الله أكبر الله أكبر/ جيشنا فليكن دوماً مظفر».

على وقع هذا النشيد العثماني الذي استعاده أردوغان، بعد عشرات السنين من إلغائه في عهد الجمهورية، غزا الجيش التركي شمال سورية لتحريره من «داعش» ومن الأكراد، وليحول دون انتقال الحرب الأهلية إلى أنقرة وإسطنبول. استعاد الرئيس السلطان أمجاد الرجل المريض عندما كان في عافيته. اقتحمت قواته «ولاية» تمردت عليه لتأديب سكانها وحاكمها، مستعيناً بعثمانيين من أبنائها. تماماً مثلما كان يفعل أسلافه.

لم يعد المشهد السوري من أنقرة عصياً على الفهم. الغزو التركي أوضح ما يريده «حلفاء» النظام وحلفاء «المعارضة»، بإرهابييها ومعتدليها، بأكرادها وعربها. أردوغان حقق ما أراده منذ اليوم الأول للمقتلة المستمرة من خمس سنوات، وبفضل هذه المقتلة. لم يعد يهمه بقاء الأسد أو رحيله. أصبح لديه من يدافع عن مصالحه. مهمته الآن دعم «جيوشه» السورية المتعددة الأسماء: نور الدين زنكي، السلطان مراد الرابع، أحرار الشام، الجيش الحر، صقور الجبل، إلى آخره من أسماء «الجيوش» الموالية له.

ليست لأردوغان أطماع في الأراضي السورية. كل همه وحدتها، على ما قال. الدليل أنه وضع حداً لـ»روج آفا» (كردستان الشرقية)، والدليل الآخر أن احتلاله جرابلس جرى بالتنسيق مع الولايات المتحدة. وتزامن مع وجود جو بايدن الذي عمل على "توحيد العراق" في السابق. والأهم من ذلك أنه طرد «داعش» من دون طلقة رصاص واحدة.

هل تذكرون شارون عندما غزا لبنان وأعلن أن لا أطماع له في شبر من الأرض، وأن هدفه طرد «المخربين الفلسطينيين»، وإعادة السيادة إلى لبنان؟ هل تذكرون «جيش لبنان الجنوبي» بقيادة سعد حداد، ثم أنطوان لحد؟ كان هذا «الجيش» لبنانياً «تبرعت» بتشكيله إسرائيل لحماية الشريط الحدودي (المنطقة الآمنة بلغة أردوغان) وإدارته بإشراف «الأصدقاء»؟ هل تذكرون كيف احتل «جيش الدفاع» بيروت بالتعاون مع الميليشيات المنادية بالاستقلال؟ يومها كان الغزو الإسرائيلي بغطاء أميركي كامل. أرسلت واشنطن قواتها لحماية الإنجازات العسكرية الإسرائيلية وترجمتها سياسياً. واستمرت الحرب الأهلية اللبنانية أكثر من 15 سنة. واليوم غزت تركيا سورية بغطاء عسكري وسياسي أميركي. وبالتفاهم مع طهران وموسكو وتل أبيب التي لديها أيضاً مشروعها في إقامة منطقة عازلة أو آمنة، سمّها ما شئت، على الحدود الجنوبية. وقد مهدت لذلك منذ بداية الحروب السورية. ولديها، مثل تركيا، من يتعاون معها من الميليشيات.

سوريون يحاصرون بلادهم من الداخل، والقبائل الإسرائيلية تحاصرها من الجنوب والعثمانيون الجدد من الشمال، أما من الشرق فعراق مقسم تحكمه الطوائف بإشراف الجيش الأميركي. أما شعارات العروبة والوحدة والحرية والاشتراكية والأمة ذات الرسالة الخالدة فأصبحت في ذمة التاريخ. ولا تسأل عن الروح الوطنية والقومية فقد أصبحتا من الماضي.

--------------------------------------------------------

المصدر: صحيفة "الحياة"

أي سوريا بعد الحرب؟

 

في مركز دمشق للأبحاث والدراسات، باحثة خمسينية العمر فقدت ابنها الوحيد في الحرب. تقول: «أنا سامحت إذا كان في المسامحة ما يوقف نزف الدم». قُتل وحيدها على مقاعد إحدى جامعات دمشق في آخر العام الأول للحرب. قرب المركز مقاهٍ ومطاعم مزدحمة بالشبان والشابات. هم على الأرجح من عمر ابنها يتناقشون ويتسامرون ويضحكون للحياة وربّما عليها. لا أحد داخل المركز ولا في دمشق الضاجة هذه الأيام بالحياة وزحمة السير يعرف متى ستنتهي الحرب ولا كيف، لكن الأسئلة صارت تذهب أبعد من السؤال عن ويلات ما حصل. هي تذهب الى معرفة مصير المجتمع والوطن والدولة لإعادة الناس الى بعضها البعض بعد أن تصمت المدافع ولغة الدمار والإرهاب.

في المجال التربوي مثلاً، هناك جيل من السوريين ينشأ على مناهج تعليمية مختلفة ومتنافرة ومتصادمة. فما الذي سيجمع الطالب اللاجئ في تركيا والذي يتربّى على تاريخ السلطنة العثمانية، مع ذلك الذي يتعلم في الرقة مناهج «داعش» و «النصرة» التي تعود الى بداية التاريخ الحديث او ما قبل التاريخ؟ ما الذي سيجمع التلميذ السوري الذي لجأ إلى مدارس لبنان أو الأردن، مع الفتى الذي لا يزال ينهل من معين التربية البعثية؟ الواقع أن جيلاً كاملاً من السوريين يتفتت على مذبح المناهج التربوية المتباغضة بعد أن فتتتها الحرب والفتن والمؤامرات.

يحاول عدد من الباحثين الموضوعيين والمحترمين في مركز دمشق للأبحاث والدراسات، التفكير بمشاريع كثيرة مبنية على إحصائيات دقيقة وعلى دراسات اجتماعية موثوقة، بغية إيجاد صيغة للوطن المقبل الذي عاجلاً أم آجلاً يجب ان يتسع لكل السوريين بعيداً عن الأحقاد التي تخلّفها الحروب.

وإذا كانت الفتن والمدافع والقصف والدمار، أمور تصمّ الآذان عن سماع أي شيء يتعلق بإعادة اللحمة الوطنية والقفز فوق الأحقاد، فإن ثمة ما يشجّع على التفكير بمشروع يزرع بعض الأمل عند الشبان الذين رمتهم الحرب في أتون القتال او الاقتتال او في مجاهل القلق او على سفن وطائرات الهجرة والرحيل.

ماذا في الأرقام؟

÷ آخر إحصائية يمكن الاستناد اليها في سوريا هي السجلات المدنية العائدة الى 1-1-2011. تؤكد الإحصائية أن عدد السوريين كان قد بلغ حتى تلك السنة، 23 مليوناً و100 ألف سوري مسجلين على اللوائح الرسمية. يضاف اليهم 3 ملايين و100 الف مواطن سوري كانوا أصلاً ولا يزالون يعيشون في الخارج كمهاجرين دائمين او موسميين. (في لبنان مثلاً، كانت العمالة السورية وغيرها تتراوح عادة ما بين 500 و600 الف وفق الإحصائيات السورية، طبعاً غير النازحين الى الخارج منذ بداية الحرب).

÷ الإحصائيات التقريبية حالياً تشير الى ان النزوح الداخلي الى المناطق التي تسيطر عليها الدولة السورية يتراوح ما بين 5 و6 ملايين نسمة، ما يعني أن مجمل السكان الذين يعيشون في كنف الدولة بعيداً عن مناطق المسلحين يصل إلى 16 مليون نسمة.

÷ لم تتغيّر كثيراً وجهة الهجرات الداخلية، فأهل حلب وأدلب معتادون منذ ما قبل الحرب على الذهاب الى الساحل وتحديداً اللاذقية، حيث للعديد منهم أملاك ومصالح. هم جاؤوا إليها بعد الحرب وبدأوا ببناء مصانع فيها وشراء بيوت ما شجّع الحركة الصناعية وحسّن ظروفها ورفع مستوى الإنتاج بالنسبة لأهل الساحل الذين لم يكن في عاداتهم أن يتّجهوا صوب الصناعات والحرف وإنما صوب الجيش والتعليم. أما أهل حمص وحماه فهم معتادون على الذهاب صوب طرطوس.

÷ وفق الإحصائيات التقريبية اليوم فإن عدد النازحين الى طرطوس فاق عدد السكان المحليين، بحيث وصل عدد النازحين إلى مليون و66 الفاً، بينما عدد أهالي المدينة هو 968 الفاً.

÷ تفيد الأرقام غير الرسمية ايضاً أن أهل حلب وادلب اشتروا مثلاً في اللاذقية وحدها أكثر من 78 الف شقة سكنية، واشتروا في طرطوس نحو 14 الف شقة.

ماذا تعني هذه الأرقام؟

تُشجِّع هذه الأرقام مسؤولي الدولة السورية ولكن أيضاً عدداً من المفكرين والباحثين على وضع دراسات للمستقبل السوري تستند الى الديموغرافيا الجديدة. يجري التفكير مثلاً في كيفية الإفادة من أسباب الفتن والأحقاد لوضع خطط بناء عمراني واجتماعي يتمّ فيها دمج الجماعات السورية بعيداً عن الاصطفافات المذهبية والعرقية وغيرها. فالهجرات السنية مثلاً صوب الساحل لا تقطن فقط في المناطق السنية وإنما تنتشر في المناطق الأخرى كلها ويحصل اندماج كبير مبني على معرفة السوريين لبعضهم البعض عن قرب، وكذلك على المصالح الاقتصادية التجارية التي صارت تؤسس لعلاقات مصلحية أفضل.

يسوق أحد الباحثين مثالاً على ذلك، فيقول إنه قبل فترة أقامت وزارة التربية فعالية اجتماعية في «مشتى الحلو»، جاء أبناء النازحين دون أمهاتهم المنقبات في معظمهن وغير المؤيّدات للدولة. ثم بدأت النساء يأتين شيئاً فشيئاً. وحين طُلب من بعض التلامذة رسم العلم السوري، كانت المفاجأة أن عدداً منهم رسم «علم الثورة» المثلث النجمات. وحين كان أحد التلامذة يُسأل عن مكان والده، يجيب: «أنه يجاهد ضد النظام». لكن مع الوقت تغيّرت الصورة وعاد التلامذة يرسمون علم بلادهم وصارت الأمهات أكثر اندماجاً بالمجتمع بعدما اكتشفن أن كل ما كان يُقال لهن عن المذاهب الأخرى، وتكفيرها غير صحيح.

تروي باحثة أجتماعية أخرى أن ابنتها طبيبة في مركز لمعالجة الأورام السرطانية. بعض النساء كنّ يأتين إليها للعلاج المجاني، وحين تطلب من إحداهنّ مثلاً أن يأتي زوجها لأخذ الوصفات الطبية كي لا تتكبّد هي عناء المجيء مرة أخرى نظراً لوضعها الصحي، كانت المريضة لا تتردد في الإجابة بأنه في الرقة او الشمال يقاتل مع الثوار والمجاهدين. لم يمنع ذلك من استمرار المريضة في تلقي العلاج المجاني، برغم التكاليف الباهظة لهذا النوع من العلاجات السرطانية.

يبدو أن الدولة السورية اعتمدت سياسة الاحتواء لهؤلاء النازحين ونجحت الى حد بعيد في ذلك، بالرغم من عدد من المشاكل. فهي تستمر في دفع الرواتب في المناطق التي يسيطر عليها المسلحون شرط أن يتولى المحاسب المُكّلف من قبل الدولة التعهّد بتحمّل مسؤولية كل من يقبض منه للتأكيد على أنه موجود فعلاً في المنطقة. لا تزال الدولة أيضاً ترسل الأدوية حتى الى المناطق التي تسيطر عليها «داعش» و «النصرة» وغيرهما. ثم إن الوزارات المعنية مستمرة حتى اليوم في شراء الإنتاج الزراعي من مناطق المسلحين. هي تعتبر الكثير من الناس في مناطق «داعش» و «النصرة» وغيرها «رهائن» لا «بيئة حاضنة».

في الحسابات بعيدة المدى، فإن هذا المخزون من النازحين، يُبقي كفة التوازن الشعبي راجحة لصالح الدولة. هذا يجعل المسؤولين الرسميين السوريين أكثر يقيناً بأنه لو حصلت أي انتخابات رئاسية وفي ظل مراقبة دولية فإن النتيجة ستكون لصالح الرئيس بشار الأسد، كما أن نتيجة أي استفتاء سيجري ستصب في صالح الدولة الحالية. أما على المدى البعيد، فان عائلات المسلحين الموجودة مثلا في مناطق الساحل وغيرها ستكون عاملاً مساعداً في جذب المسلحين وإقناعهم ولو بعد حين بتسليم سلاحهم، كما ان هذا الفرز السكاني الحاصل بسبب الحرب يسمح لاحقاً بوضع تخطيط سكاني وعمراني يساهم في دمج المجتمع السوري على نحو يمنع أي فتن أو حروب مقبلة ويقرّب السكان من بعضهم بعضاً.

لو أضيف كل ذلك إلى عمليات المصالحات المستمرة برغم الصعوبات والعراقيل الكثيرة، نفهم أكثر لماذا لا تعلق الدولة السورية كبير الأهمية على التفاوض مع معارضة الخارج التي تعتبر أن دورها بات عديم الفعالية، وأنه من الأفضل نسج خيوط تفاوضية وتصالحية مع الداخل حتى ولو تعلّق الأمر بمسلحين يقاتلون الدولة منذ سنوات.

هل في الأمر بعض المغالاة وسط عنف المعارك وموازين القوى العسكرية المعقدة على الأرض؟ ربما. لكن الأكيد أن الكفة بات تميل أكثر نحو الدولة، ذلك ان منطق الحروب يقول إنه حين يشتد وطيسها وتتسع بحور الدماء والدمار فيها، يعود الناس إلى منطق الجيش على اعتبار انه الكفيل بحمايتهم او أنه في جميع الأحوال أقل خطراً من الإرهاب والتكفير وأمراء الحروب.

كل هذا يشجع على وضع مشروع سياسي واضح المعالم لفترة ما بعد الحرب، بحيث يعطي أملاً للناس بما سيكون عليه مصيرهم وشكل الدولة والوطن حين تنتهي وظيفة الحرب. ربما هذا صعب الآن، لكنه مطلوب أكثر من أي وقت مضى.

--------------------------------------------------

*إعلامي لبناني يحمل الجنسية الفرنسية، ويقدم حاليا برنامج " لعبة الأمم " في قناة الميادين الفضائية.

بعض التأمُّل في أُبُوّة "داعش"

 

لم يحظَ تصريح المرشح الأميركي-الصّرْعة (وليس المصروع) للانتخابات الرئاسية الأميركية دونالد ترامب عن أن المؤسسَيْن الحقيقيّيْن لـ"داعش" هما باراك أوباما وهيلاري كلينتون باهتمام كافٍ في الشرق الأوسط وحتى في أوروبا سوى بما لا يتخطّى كثيراً التغطية الإخبارية البارزة. بينما في الولايات المتحدة، ورغم تجاوزه في السجال الانتخابي، حظيَ ببعض التأملات الجادة في تعليقات صحافية، أعني من حيث التحليل لا مجرّد الخبر.

لم تلعب خفة ترامب هذه المرة أيضاً لصالح جدية المحتوى الجوهري لتصريحه هذا حول "داعش" و"مؤسِّسَيْها"! فهذا المرشّح الذي يتمنى معظم العالم، ولا سيما نحن المسلمين، عدم وصوله إلى سدة الرئاسة الأميركية، يضع يده على واحدة من أخطر القضايا التي واجهت العالم في حوالي الأربعين عاماً المنصرمة.

فبمعزل عن المبالغة الواضحة في تسمية أوباما وكلينتون كمؤسسَين لـ"داعش"، وهو ما عاد واعتبره ترامب نفسه مجرد سخرية، فإن ما يبقى، بل ما يَجُدُّ (من جدّية) من هذه التهمة هي المسؤولية التاريخية للسياسة الأميركية المعاصرة عن ولادة التيار الإسلامي الجهادي بصيغه السلفية والتكفيرية المختلفة والمتشابهة بل عن كل علاقة واشنطن بتيارات الإسلام السياسي الأيديولوجي السنية والشيعية المعاصرة التي أحدثت، خلافاً لما تّدّعي هذه التيارات، تغييراً في عقائد الدين الإسلامي.

الشائع المعروف هو أن الرئيس رونالد ريغان في تحويله الغزو السوفياتي لأفغانستان عام 1979 إلى فخ لموسكو، شجّع علناً بشكل كثيف وعبر حلفائه العرب والمسلمين الحركات الجهادية. ولا تُنسى صورة استقباله الشهير لقادتهم الأفغان في البيت الأبيض أوائل الثمانينات.

لكن، حسب النقاش الذي أثاره ترامب، فإن "المؤسس" لتيار الجهادية السلفية في الاستراتيجية الأميركية هي إدارة الرئيس جيمي كارتر كما ورد في مقابلة لمجلة "النوفيل أوبسرفاتور" الفرنسية مع مستشار جيمي كارتر للأمن القومي زبيغنيو بريجنسكي عام 1998، وفيها يعترف أن دعم كارتر للمجاهدين الأفغان بدأ قبل الغزو السوفياتي وأنه كان موجَّهاً ضد النظام الموالي لموسكو في كابول. ويقول بريجنسكي إنه كتب وقتها تقريراً للرئيس كارتر يتوقّع فيه أن يستجر هذا الدعم غزواً سوفياتياً لأفغانستان.

إلا أن اللحظة الأهم في المقابلة كانت عندما سألته المجلة هل أصبح في ما بعد نادماً على ذلك القرار بسبب ما أدى إليه من ظهور حركة "طالبان" الأكثر تطرفا ومعها القاعدة؟

أجاب بريجنسكي:"أندم على ماذا؟ ... ماذا سيكون الأهم في التاريخ؟ ولادة حركة طالبان أم سقوط الاتحاد السوفياتي؟!".

كانت عملية ممتازة. قال، مستخدما تعبير : لقد أوقَعْنا السوفيات في الفخ الأفغاني (حرفياً) وخلقنا لهم فييتنامَ(هم).

لكن نحن العرب لدينا أيضا سوابقنا في بث الروح في التيارات الإسلامية. فهناك المعطى الشهير في سبعينات القرن المنصرم في عهد الرئيس أنور السادات عندما بدأ سياسة تحالف أو تنشيط غير مباشر لحركة "الإخوان المسلمين" المصرية في وجه المعارضة الناصرية واليسارية لحكمه بعد دخوله في خط الحل السلمي مع إسرائيل. ولماذ لا يكون ذلك بتشجيع من الإدارة الأميركية في عهد هنري كيسنجر؟

إذاً هنا وقياساً بالموضوع الذي أثاره دونالد ترامب:

"أُبُوّةُ" أو تأسيس التيار التكفيري مسألة ليست صالحة لكي تُنسَب إلى رئيس أميركي واحد أو وزير خارجية أميركي واحد لأنها سمة تاريخية للاستراتيجية الأميركية في منطقة الشرق الأوسط بدأت منذ ورثت واشنطن عن بريطانيا البعد الإسلاموي في السياسة العربية وظهر خلال المواجهة الكبرى بين الملك الفيصل والرئيس عبد الناصر في الستينات. وبهذا المعنى فإن سياسة تشجيع ضمني لـ"داعش" لم تكن مستبعدة عن الأميركيين منذ بدأت الأحداث في سوريا وخصوصا خلال العام 2014. التهمة على تركيا ثابتة سابقاً رغم الأثمان الغالية التي بدأت ترتد لاحقاً واليوم على الشعب التركي من هذا التنظيم. بل على أمكنة كثيرة في العالم من ضمنها أميركا وأوروبا.

إذن ترامب لم يخطِئ في الأساس حول نقطة "داعش" وإنما في تشخيص الموضوع ضد خصميه باراك أوباما، أحد أفضل الرؤساء الأميركيين ذكاءً وتغييراً، وهيلاري كلينتون المرأة "المقاتلة" الاستثنائية في التاريخ السياسي الأميركي.

ما يمكن قوله هنا إن "داعش" الذي شارف على نهايته على الأرجح لم يكن ليستمر من دون أن يخدم أهدافاً عديدة آخذة الآن بالاستنفاد.

نحن هنا وبما يتخطّى دونالد ترامب وعنصريته وخفّته أمام مفارقة:

الإسلام السياسي المعتدل والسلفي كان دائماً حليفاً للغرب في العصور الحديثة ما بعد الحرب العالمية الأولى.

أما الإسلام التكفيري الذي يكمل تدمير بلادنا وشعوبنا فقد دخل مرحلة جديدة كسرطان أمني هي تهديد مجتمعات الغرب.

هذا يكفي لنتوقع قرب نهايته السياسية.

-------------------------------------------

*إقرأ هذا الخبر على موقع النّهار:

http://newspaper.annahar.com/article/452700

للاتصال بالكاتب:

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

العروبة الحوارية

 

صفات عديدة يعطيها العروبيون للعروبة، بعضهم يطلق عليها "العروبة الحضارية" لاتصالها بالموروث الحضاري العميق للأمّة، والبعض الآخر "العروبة النهضوية" لارتباطها بالمشروع النهضوي للأمّة، والبعض الثالث يصفها "بالعروبة المؤمنة" تأكيداً على البعد الروحي للهوية القومية، والبعض الرابع يطلق عليها "العروبة الجامعة" في مواجهة الهويات المتناحرة، بعضنا يصفها "بالعروبة الديمقراطية" او "العروبة التقدمية" لابراز المضمون الديمقراطي للعروبة بعد ان ساد انطباع بانها مرادفة للاستبداد،ّ او ربطها بروح العصر بعد أن ظن البعض إنها مجرد حنين لزمن غابر.

بدون شك ، كل هذه الأوصاف صحيحة ودقيقة لكنني اريد اضافة وصف جديد للعروبة نطل من خلاله على كل وصف اخر لها  وهو  "العروبة الحوارية".

ففي أمّة متنوعة الأديان والمذاهب والأعراق، ومتعددة التيارات والأفكار والجماعات، لا يمكن لأي هوية أن تكون جامعة إلاّ إذا قامت على الحوار بين مكونات الأمّة، ولا يمكن أن تكون حضارية إلاّ إذا ارتكزت إلى حوار يحقق التراكم بين المراحل  الحضارية التي مرّت بها الأمّة، والتي تعتزّ بأنها وريثتها جميعاً منذ أقدم العصور، ولا تكون "العروبة مؤمنة" إلاّ إذا كانت تفاعلا حواريا بين مشكلات الأرض وقيم السماء، لاسيّما في أرضنا العربية حيث نزلت  رسالات السماء، ولا تكون "العروبة نهضوية" إلاّ إذا كانت متصلة بأُس نهضة الأمم والشعوب وهو الحرية ورأس الحرية الحوار...ولا تكون "العروبة ديمقراطية" اذا لم تنطلق من فكرة الحوار، ولا تكون "عروبة تقدمية" اذا لم تتصل بلغة العصر أي الحوار.

وحين نؤكّد مع البعض على أن العروبة هي هوية ثقافية "لكي نحصنها من هوس العرق والدم، ونجنبها مزالق العنصرية ومهاوي الفاشية، فإنما لنؤكّد على تلازم عميق بين الثقافة والحوار، فالأولى تتألق بالحوار، فيما الحوار يزدهر بالثقافة...

وبهذا المعنى لا يمكن "للعروبة الحوارية" أن تستقيم مع الإقصاء أو الإلغاء أو الاجتثاث أو بالطبع مع الاستبداد والغلو والتطرف والتوحش ولا مع الاحتراب الأهلي والحروب البينية بين ابناء الامة الواحدة، والذي يأخذ حيناً شكل "التخوين" باسم الوطنية، وحيناً آخر شكل "التكفير" باسم الدين.

أن "العروبة الحوارية" هي النقيض لكل نزعة إلغاء أو إقصاء او نحر باسم الدين، أو المذهب، أو الإيديولوجيا، أو حتى القومية إذا أخذت منحى عنصرياً.

بل بهذا المعنى لا تكتمل عروبة العربي، كفكرة تكامل وحدوي، وكهوية تنطوي على مشروع نهوض، إذا لم يكن العروبي حوارياً، أي قابلاً بوجود رأي آخر أو معتقد آخر، أو رؤية أخرى وقادراً على الحوار والتفاعل والتكامل معها...

وليس عروبياً، حسب هذا الوصف للعروبة، من لا يرى في غيره إلا السلبيات، ويتعامى عما فيه من إيجابيات، بل ان كثيرا من المصائب حلّت بعروبيين وغير عروبيين، أحزاباً وجماعات وأنظمة، حين وقعوا في أسر نهج التفرد بديلاً عن التشاور، وفي عقلية إلغاء الآخر بدلاً من منطق التكامل معه، فاحتدمت الصراعات البينية، واشتعلت الجبهات الداخلية، وتمزقت المجتمعات الوطنية...

وإذا كان متوقعاً من غير العروبيين أن يسقط في فخ التفرد وإلغاء الآخر، فليس مسموحاً لحملة راية العروبة الجامعة أن يسقطوا من حسابهم  أي فئة أو جماعة مهما كانت بعيدة عن العروبة ورافضة للانتماء العربي بمعناه الواسع... فالعروبي مسوؤل عن كل أبناء الوطن العربي الكبير حتى ولو رفضوا العروبة كهوية لهم، فلا اكراه في الهوية كما لا اكراه في الدين. بل ان العروبة الحوارية هي عروبة الانسان والإنسانية منطلقها الانسان وغايتها المساهمة في الحضارة الانسانية.

الحوار هنا ليس وسيلة للتخاطب مع الاخر فحسب، بل هو بالنسبة لنا كعرب مسألة تصب في جوهر تماسكنا المجتمعي، بل في صميم هويتنا العربية الجامعة...

قد يبدو هذا الكلام مثالياً وطوباوياً، لكن كل بديل آخر عن الحوار قاد ويقود إلى حال من المأساوية والكارثية، بل الى الاحتراب الذي لا نهاية له...

الحوار، حتى ولو لم يؤدِ إلى نتيجة، هو أفضل من اللاحوار، لأنك في الحالة الأولى، اي الحوار، تحافظ على الواقع الراهن في أسوأ الاحوال، فيما تذهب في الحالة الثانية إلى ما يشبه الجحيم...

في ظلّ "العروبة الحوارية" تجد نفسك في حوار مع كل صاحب رأي آخر أو عقيدة أخرى أو مذهب آخر، بينما في غياب الحوار تجد نفسك في حروب مستمرة حتى مع أقرب الناس إليك...

الحوار سبيل المجتمعات إلى الوحدة، وهو طريقها إلى الحرية، وبه ترسم الأمم دروبها إلى المشاركة الحقيقية بين كل أبنائها ومكوناتها...

الحوار يمكّننا من أن نعمل سوياً حول كل ما نتفق عليه، كما يمكّننا من أن نعذر بعضنا بعضاً فيما نختلف عليه... الحوار هو الذي يجعلك تعتبر أن رأيك صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيرك خطأ يحتمل الصواب، كما قال يوماً الإمام الشافعي.

ألسنا أمّة "جادلهم بالتي هي أحسن"؟!.

----------------------------------------

*معن بشور: الرئيس المؤسس للمنتدى القومي العربي، ورئيس المركز العربي الدولي للتواصل والتضامن/بيروت

البريد الالكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.   عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.