الجمعة 20 كانون2/يناير 2017
TEXT_SIZE

يوميات مهاجر: أصنام وأقلام

إن كتابة السيرة فن أدبي يتميز بخصائص وتقنيات أسلوبية عن أنماط سردية أخرى. شهوة الكتابة، تدفع البعض إلى الحديث عن وقائع وحالات كان قد عاشها في فترة من فترات حياته، ذلك حق متاح للجميع في ظل اتساع مساحة البياض عبر صفحات التواصل الاجتماعي ومواقع الكترونية لا تعتمد ضوابط أو معايير محددة في النشر. لكن حديث الذكريات، في الغالب، يتطلب الحد الأدنى من الموضوعية والوضوح، بل قد تكون الجرأة في طرح الموضوع مؤثرة ومثيرة لاسيما إذا كان شخوص الحادثة قد ماتوا أو أنهم غابوا عن مسرح الأحداث لأسباب مختلفة.

إن السرد لا يعني الاستطراد في الكتابة دون هدف أو غاية، ودون أن تحقق أدنى مستوى من المتعة والإثارة، ليس كتابة السيرة إعادة تدوين أو تدوير للحدث بقدر صياغة الحدث بلغة جديدة وصور معبّرة، تحمل بين ثناياها موقف الكاتب من تلك الحالة الماضية أو من شخوص تلك الحادثة، أو حتى من الحادثة ذاتها. فالكتابة بلا موقف صادق وقراءة مغايرة لواقع معاش، قد تكون صورة باهتة فقدت بريقها بهيمنة الذات - ذات الكاتب - على فسحة البياض، فتصبح الصورة رمادية تغطيها غمامة داكنة.

ما الذي يقود الكاتب إلى حالة اللاموقف أو تغييب الموقف في لحظة يُفترض أنّها لحظة حرية، هل ثمّة ما يعيق القلم من رسم خطوط الواقعة..؟! أم ثمّة مَنْ يغلق منافذ البوح بوجّه القلم..؟! أو ربّما ثمّة ما يُجبِرُ القلم على التردد..؟! أو قد يتهم الكاتب ذاته بكلّ ذلك..! إن بعض الأقلام تُصاب باليباس ويجفّ حِبرُها كلما حاولت الاقتراب من أمكنة الصنم وأزمنته..! إنها مرهونة بهواجس الخوف من الرقيب الذي عشعش في المحابر والمناضد وزوايا الغرف وأرفف المكتبات..!

يبدو أن لكلّ قلم صنم..! يكون عونا في التمجيد، وسوطا في التنديد..! وإلا كيف يمكن تفسير كتابة سيرة مؤطرة بالتبجيل للذات والحدث..؟! تلهث بلسان مثلوم ووجه شاحب وراء سراب؛ ماضي مزيّف وشائه،  أيديولوجيا مصنعّة وكراسي متهرئة تلاشت سريعا لتختبأ في حفر وأنفاق من صديد وعفن.

الكتابة رهان وجود، وقبلة معنى، لا تقبل التدليس أو التدنيس. الكتابة محراب دلالة، وصلاة دال. وإن لم تكن كذلك فلن تكون..! لذلك على الكاتب أن يمتطي عنقاء الحرية، ويرفع صخرة سيزيف، ويحمل نار أطلس، ويقف أمام مرآة الأيام، ليغسل وجّه الذكرى من أدران الذات، وينطق بعذابات حيوات ما زالت تطوف في سماء مشتعلة منذ سنين... أيّها الكاتب، كُن نفسك وإسع سعيك واحتكم للضمير، فسيشتمك القادمون، ويضرط عليك التاريخ..!