الثلاثاء 22 آب/أغسطس 2017
TEXT_SIZE

كلمة ضياء السعداوي في تأبين الراحل طه جابر العلواني

بقلم: ضياء السعداوي – صاحب مكتبة الحكمة في ضواحي العاصمة الأمريكية واشنطن

إن القلب ليحزن، وأن العين لتدمع، لفقدان رجل في زمن عزّ فيه الرجال، وفارس ترجّل عن فرسه عبر رحلة لأكثر من ثلاثة أرباع القرن وهو يحمل مشعل الأسلامي المتنور ذو الفهم الصحيح والعميق والنقاء الأيماني.

نعم كنت أكبر من المدينة والعشيرة والمذهب والطائفة والتفكير القطري والعاطفة. كنت رجل عقل وعلم وفكر ناصع، رجل حكمة وايمان تعرف جيدا كيف تخرج الدر وتترك القشور من التراث وكيف تفصل الذهب عن النحاس، ولا يخدعك البريق عن المعدن الأصيل.

سوف لن أكرر ما قاله الكثير والعديد ممن عرفوا الراحل وقد وجدت كم من النادر أن نقرأ ونجد كل الصدق فيما نقرأ عنك بدون مجاملة. لكني سوف أسجل بعض مآثركم الجليلة عبر هذا السفر والتاريخ الناصع، وليس من خلال كبوات فرس أتعبها فارسها من صولات وجولات. أنت رجل بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى في مواقف سقط فيها العديد من الرجال.. لم تغرك الدنيا ببريقها بالرغم من أن الحياة بكل مباهجها كانت أمامك لكنك فضلت أن تقول لها لا .. وتنحاز للحق؛ وتتحمل نتائج هذا القرار سياسياً وفكرياً.

كانت السلطات الديكتاتورية الجائرة وزبانيتها من وعاظ السلاطين يحاولون منعك من التقدم بالتهميش والتعتيم. لكن هيهات أن يُحجب ضوء الشمس بغربال. وهكذا كانت الرحلة في كل محطة من مسيرتك ومنذ أن غادرت أرض الوطن العراق مجبراً وما تبعها في العديد من المحطات من دول العالم آخرها ارض المهجر امريكا... كنت من خلالها حامل مشعل النور لأضاءة أي مكان تحل فيه من خلال فكرك وعطاءك المعرفي، وكانت كتبك وطلابك ومدارسك وجامعاتك ومعاهدك والمراكز البحثية. لقد كنت المفكر الفقيه الشيخ المجتهد والمفتي والمعلم في أصعب المواقف والمشاكل والعقد، ولم تخش في قول كلمة الحق لومة لائم إلا الله الذي مّن عليك بهذه الخصال الجليلة.. مع ذلك كانت أحب الألقاب لك هو طالب علم. كم هي عظيمة هذه الحكمة فهي رسالة الى الأخرين ألاّ يغتروا بما لديهم، ولا يتوقفوا عن طلب العلم والمعرفة لأن المعرفة لا تتوقف فطلب العلم فريضة من المهد إلى اللحد.

فقيدنا الغالي.. كم كنت سبّاق في دعم أي مشروع خيّر متنور سواء كان ذو طابع أسلامي أو علمي معرفي أو ثقافي ومنها كانت لك بصمات خيّرة منذ تأسيس مركز الحوار العرابي وكذلك في دعمك لي شخصياً منذ تأسيس مكتبة الحكمة التي تفخر بكونها تحوي كتبك وكنوز فكرك المعرفي. إن الحديث في مآثرك ليطول ولن أوفيك حقك، لكن أقول لقد خسرك العراق، وطنك الأم والعالم العربي والأسلامي كأبن بار وأب عطوف. نعم خسرك العراق الجريح وهو بأمس الحاجة إلى طبيب مثلك يشهد له الجميع بتاريخ العراق الحديث بأنك كنت أكبر من الطائفية والمذهبية البغيضة، وكم العراق اليوم بحاجة إلى رجل يفهم الإسلام بنقاء إيماني عبرّت عنه من خلال العديد من الكتب والبحوث والمحاضرات والمئات من المواضيع المهمة والخطيرة منها أدب الأختلاف ومعالجة الأزمات الفكرية وأسلامية المعرفة. كم كنتُ أتمنى أن يكتمل أحد مشاريعك الجليلة في تنقية التراث وكتب تدوين الحديث من الأحاديث الموضوعة والضعيفة التي كانت ولا تزال تسبب للإسلام والمسلمين الفتنة والحرج والشبهات بما يتناقض مع العلم وتغييب العقل والحكمة والإستسلام للقدر وبالتالي السقوط في فخ الفتنة.

شيخنا الجليل رحمك الله، لقد حاربك الظلاميون والطائفيون والمتطرفون التكفيريون من كل الطوائف والفرق لأنهم ناقصي عقل ودين ومن أتباع الشيطان حيث حرموا العراق والمسلمين من الاستفادة منك ومن علمك وحكمتك لأنهم يدركون أنهم ليسوا سوى أحجار رديئة بجانب حجرك الكريم، وأن الناس بكل مستوياتهم يستطيعون أن يميزوا الغث من السمين بكل سهولة، الدر من الصدف والقشرة عند المقارنة. نعم خسرك العالم العربي والأسلامي وهو الذي يغرق اليوم في مستنقع الطائفية البغيضة وعدم فهم الأسلام الصحيح وأصوله نتيجة تغييب العقل والعدل والأخلاق والسقوط في فخ أعداء الأسلام والإعلام النفطي المشبوه بتأجيج نار الفتنة وحرف البوصلة عن اتجاهها الصحيح في خلق حالة نهضة عربية إسلامية لنكون امتداد لرجال أبرار نهلوا من سنّة الرسول المصطفى وآل بيته الطاهرين وأصحابه الصادقين وغيرهم من رجال علم وفقه وكلام وفلسفة أثرت الحضارة الأنسانية وتتجلى اليوم فيما وصل إليه الغرب في مجالات العلم والطب والفلسفة وحقوق الأنسان والكرامة الإنسانية.

ليس كما نراه اليوم من أشباه رجال أمثال داعش وأخواتها ورموز التكفير والإرهاب والظلام والفتنة والتطرف. رحمك الله يا شيخنا وحبيبنا وصديقنا وأخينا أبو الدكتور أحمد والدكتورة رقية والدكتورة زينب، ولتنم وتنتقل إلى الرفيق الأعلى لتنعم برحمته وعطفه وجناته، وترتاح بعد طول عناء وكفاح، وتقر عينك وتهنأ بما أنجزت والذي سيبقى مصابيح وهاجة للأمة. وأهنئك على هذه التربية الصالحة لأبنائك وبناتك وأحفادك وجميع عائلتك وطلابك... ابتداءاً بما اخترته لهم من أسماء وما تحمله من معنى ودلالة وما أورثتهم من تربية صالحة وعلم وخلق كريم وحكمة ومعرفة وهو العزاء الوحيد لنا في هذه الخسارة الفادحة برحيلك عنا. وأتمنى من عائلة الراحل الكريمة العمل على إنشاء مركز دراسات معرفي لتكملة الخط والرسالة الذي انتهجه المرحوم طيلة حياته لتكون صدقة جارية ينتفع بها المسلمون والباحثون عن الحقيقة وتكون منارة للجميع ... وكذلك تخليداً لأثر المرحوم وجليل عمله.

-----------------------------------------------

* ألقيت في تأبين المرحوم الدكتور الشيخ طه جابر العلواني في مركز الحوار العربي يوم الأربعاء 30 من آذار- مارس 2016