الجمعة 24 آذار/مارس 2017
TEXT_SIZE

نشاطات مكتبة الحكمة في العاصمة الأمريكية واشنطن

تستمر مكتبة الحكمة في منطقة العاصمة واشنطن بفعالياتها الثقافية والفنية التي اعتادت عليها منذ سنوات، حيث أقيمت في المكتبة في الرابع والعشرين من كانون الثاني – يناير ، أمسية للشاعر العراقي محمد حسين الطريحي ، حضرها نخبة من أبناء الجالية العربية في العاصمة الأمريكية.
وقد ألقى صاحب مكتبة الحكمة السيد ضياء السعداوي كلمة بالمناسبة، جاء فيها:
السلام عليكم أيها الأخوة والأخوات الأعزاء
نلتقي اليوم مرة أخرى في مكتبة الحكمة ضمن فعالياتها وأنشطتها الثقافية والفكرية والأدبية في أمسية وصلنا حديثاً بديوان شعري "البقاء للحب" للأخ والصديق الشاعر والإعلامي الدكتور محمد حسين الطريحي. نلتقي هذا اليوم مع بداية العام الجديد وبداية موسم مكتبة الحكمة الثقافي وفي نكهة جديدة وكلنا امل في إطلاق مشروع ليكون محفزاً للمفكرين والمؤسسات ذات الإختصاص بعد أن وصلنا وأمتنا هذا اليوم من حالة الإحباط المعنوي والسبات المعرفي والذي لا نُحسد عليه وذلك بمقارنة تاريخنا بحاضرنا....وأين موقعنا من باقي الشعوب والأمم ليس في مجال العلوم والتكنلوجيا فقط بل بالعلوم الإنسانية والأداب والفلسفة والفنون. نعم أين كل هذا إذا لم نذهب بعيداً الى زمن بابل وأشور والفراعنة والدولة العباسية... بل في مرحلة القرن العشرين حيث أين عمالقة الفن العربي في الشعر والرواية والموسيقى والغناء والرسم والنحت وغيرها والتي لم تسلم من يد قوى الظلام ليس بالقتل والتكفير فقط بل بهدم كل الآثار ومحاولتهم محو التاريخ الجميل الذي بقى لنا.
فكان لا بد من الرهان على عودة الروح الى الجسد العربي رغم إصرار العديد من الأطراف على موته. ابتداءاً في عودة شعور الفرد والجماعة أي المجتمع بالمشاعر والشعور الإنساني ....بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى ....ابتداءاً من الشعور بالحب بدلاً من الحقد والكراهية والشعور بالألم والوجع سواء عند الفرد أو عند الأخر من دون حدود الجغرافية والدين أو القومية والأثنية ....والشعور بالسعادة بما وهبنا الله من حواس خمس التي تكاد قد تحجرت وتكلست والتغلب على الغرائز الحيوانية والأنا وتهذيب وترويض النفس البشرية والعاطفة ...بما يليق بمكانتنا كبشر كرمنا الله بالعقل والمنطق المعرفي في تعاملنا مع الحياة وما تفرزها من مظاهر تجلت بالحضارة والتي ابتدأها الأنسان في الشرق وهي في حركة ....وبدون هذه الحركة والتقدم تفسد الحياة...مثلها مثل الماء أو حركة الأجرام السماوية بتحركها الى الأمام وليس في التوقف والركود...والذي به سوف تفسد وتنتهي الحياة وما أصاب الأنسان العربي من ضعف المناعة وغزو الفايروسات له من الخارج عندما فُرض عليه بتغييب العقل والإستسلام لنظرية الجبر والتي أعتبرته بمنزلة الجماد وهو بذلك حتى أقل من منزلة الحيوان ويجب أن يستسلم للقدر وعدم الإعتراض والتطلع للأمل والطموح كما تريد هذه المدرسة .... ولكن الأبشع هو إصرار قوى الظلام بإعادة عجلة حياة الأنسان العربي المسلم الى الوراء بمئات السنوات وما يعني ذلك من مخالفته لكل قوانين الطبيعة....طبيعة خلق الأنسان الذي كرمنا الله بها عن سوانا من الكائنات من خلال هبة العقل والتعلم والعلم ومن خلال حب الفضول والإستطلاع والإستفسار عن ما لا نعرف ونجهل ...ولكي نعرف ونتعلم والذي به تم تسلق الأنسان سلم الرقي والحضارة لذلك نحن اليوم هنا لكي نقول لا لكل من يريد أن يقول أن الأنسان العربي المسلم قد فقد الشعور بالسعادة والحس الإنساني وأنه قد مات ولكن نقولها لا زلنا نقول الشعر ونكتب الرواية ولا زلنا نفكر بعقول مبدعة في كافة المجالات العلمية والإنسانية ويجب أن نثبت للعالم نحن قوم لا نتغنى بمقولة كان أبي ...بل ها أنذا ....ويجب أن ندحض المقولة التي تُروج عنا بإننا شعب لا يقرأ... وإن قرأ لا يفهم... وإن فهم لا يعمل.. والساحة العربية مليئة بالمبدعين الذين يحاربون كل قوى الظلام التي تسعى لتغييبهم عن الساحة. هذا اليوم نلتقي مع الشاعر المبدع الدكتور محمد حسين الطريحي هو شاعر مبدع منذ الصبا حيث فاز بعدد من الجوائز منها الأول على ثانويات العراق في الإبداع الشعري عام 1979 وكذلك الأول على الجامعات الخليجية عام 1984 وهو سليل أسرة علم وفلسفة وتربى في مجالسها حيث نجد في شعره كما في قصيدته لامية الحب الكبرياء والتضحية في الهوى المذبوح كما ان شاعرنا أعطى للعيون أبعاد أخرى حيث لم تعد فقط بماديتها فقد تعدتها وأصبحت تأخذ أبعاد وجدانية أخرى يطل منها الى منابع الأنوثة والحياة إضافة الى جوانب الملاحم العربية الأصيلة. وعندما نقرأ شعره سنجده متنبي الشباب يعزف عن المديح ويعانق الغزل ...غزل المرأة والحبيبة ...والأرض والوطن والأنسان...وينسج الأمل من القلب من الحب من الكبرياء والشموخ من العنفوان والتمرد والطموح وهو صاحب الجديد في علم العروض وتدريسه شاعرنا تميز بتنوع تجاربه الثقافية والأدبية فهو كتب القصيدة العمودية الموزونة وكذلك التفعيلية ذات الموسيقى الشعرية والقصيدة النثرية وكذلك فهو فحل في علم اللغة والنقد وأشتغل في الصحافة الأدبية والسياسية والإعلام والعمل الأكاديمي الجامعي والتدريس والإشراف على مؤسسات ثقافية وفكرية نجد قصائده مفعمة بالمعاني الإنسانية الرائعة والنبيلة فيها الوجد والحب العذري والتاريخ والحكمة...قيل قديماً أعذب الشعر أكذبه...ولكننا اليوم نقول أعذب الشعر أصدقه وهكذا يجب أن تكون بوصلة حياتنا. حيث في ضمن هذا المفهوم الشعري نجد الدكتور الطريحي في الصف الأول من شعراء العرب هذا اليوم لأنه من رعيل شعراء الحياة والأمل....وريث أسرة عريقة بمجالسها في العلم والفلسفة والآداب وهو أبن عاصمة تاريخية عريقة بكل ما تحمله الكلمة من معاني فهي الحيرة....والكوفة...والنجف الأشرف....لأنها كلها موقع جغرافي واحد. نعم هذه الأرض العريقة في التاريخ والسياسة والدين ومدارسها في اللغة والشعر والفلسفة والعلوم ....كان بحق الأبن النجيب البار لها وأن يكون إمتداداً لإبن مدينته شاعر الدهر المتنبي..وكذلك الجواهري وأحمد الصافي وغيرهم وأن يكون متنبي الشباب هذا اليوم.
ضياء السعداوي - 24/1/2015
--------------------------------
تقرير قناة "العراقية" عن الأمسية الذي أعدته الاعلامية زينة إبراهيم، يمكن مشاهدته على الرابط التالي:

https://www.youtube.com/watch?x-yt-ts=1422579428&x-yt-cl=85114404&v=8fDvLS9shyk
 

أمسية "صدر حديثاً"

تدعوكم "مكتبة الحكمة" في منطقة العاصمة واشنطن إلى أمسية مع الدكتور محمد حسين الطريحي بمناسبة صدور ديوانه الجديد:
البقاء للحب

السبت 24-1-2015 - الساعة السادسة مساءً على قاعة "مكتبة الحكمة" العنوان:
5627 Columbia Pike, Falls Church, VA 22041

Tel: (703) 820-7500

www.hikmabookstore.com
------------------------------
الدكتور محمد حسين الطريحي
ولد في مدينة الكوفة في العراق عام 1960
تخرج من إعدادية النجف وأكمل البكالوريس والماجستير في بغداد ، واصل دراسته العليا بالدكتوراه في النقد ِالأدبي الحديث.
درّسَ في عدد ٍمنَ الجامعات ِالعربية ِمنها، بيروت، دمشق، سبها في ليبيا
له عددٌ من البحوثِ الاكاديمية ِوالاعلامية.
إعلامياً: عملَ مذيعا بقسم ِالأخبار بتلفزيون بغداد - البرنامج الأول - للفترة 87-91
أعدَّ وقدَّم َالعديدَ من البرامج ِالثقافية ِمنْ أهمِها، في مكتباتهم ِ الشخصية: مع علي الوردي ، عبد الرزاق الحسني، حسين علي محفوظ ، علي جواد الطاهر، مهدي المخزومي ، نعمان ماهرالكنعاني، كوركيس عواد وميخائيل عواد، راضي مهدي السعيد ، محمد صالح بحرالعلوم، أحمد مطلوب وخديجة الحديثي.
وأجرى لقاءات مع شخصيات مرموقة، في سوريا أجرى لقاء مع شاعرالعرب الاكبرمحمد مهدي الجواهري، وفي ليبيا مع مظفرالنواب ومحمد خليفة التليسي، وفي بيروت مع الشاعر أدونيس، سعيد عقل وغيرهم.
مدير لاذاعة صوت ِالعراق بدمشق 1991 -- صوت المعارضة العراقية انذاك.
عمل فترة ًقصيرة ًمذيعاً بالاذاعة ِالاردنية
عمل مذيعا في قناة الحرة للفترة من 2004 لغاية 2011
حصلَ على ابتكارٍحول تدريس ِعلم ِالعروض بطريقة جديدة ٍلقيت استحساناً في الجامعات ِوالمجامعِ اللغوية والعلمية ِالعربية.
حاليا مديرُالمركزِ الثقافي العراقي في واشنطن منذ ثلاث ِسنوات.
صدرت له عدة كتب منها:
1- البنية ُالموسيقية ُفي شعرِالمتنبي
2- معجم ُالألفاظ ِالاعلامية
3- الصورةُ الشعرية بين خليل حاوي وأدونيس،
4- العروضُ الصوتي
5- اللغة ُالعربية ُلغيرالمختصين 6 أجزاء (بالاشتراك مع مجموعة ٍمن الاساتذة)
وله دراساتٌ قيد الطبع: هذا أنا الجواهري ، بين كارل بروكلمان وفؤاد سزكين
أما مجموعاته الشعرية فهي: البقاء ُللحب، الشمس ُالممزقة، أتمنى أنْ لاأتمنى، عند َمنتصف ِالقلب، لها دون إلاّها، المعلقة ُ بغداد (قصيدة طويلة تجاوزت 700 بيت شعري).
 

كل عام وأنتم بخير

كل عام وأنتم بخير

من ألهمت أشهر قصائد بدرشاكر السياب..؟

إنعام كجه جي*
بمناسبة الذكرى الخمسين لرحيل بدر شاكر السياب (1926 - 1964)، يعود التساؤل عن الحبيبة التي ألهمت الشاعر العراقي المجدد مطلع قصيدته الأشهر «أنشودة المطر». إنها ليست قصيدة غزلية تماما، بل تبدأ، على عادة الشعراء القدامى، بالتشبيب والأسى الشخصي الشفاف لتتحول إلى نشيد سياسي هادر متصاعد، يستنكر جوع الفقراء ويبشر بالثورة وبهطول المطر.
«عيناك غابتا نخيل ساعة السحر». هل هما العينان السوداوان لزميلته في دار المعلمين العالية، الشاعرة لميعة عباس عمارة، اللتان تغشاهما العتمة عند المغيب؟ أم هما العينان الخضراوان للمعان البكري، الطالبة الجديدة في كلية الحقوق، اللتان يحيل لونهما إلى غابات النخيل؟
«عيناك حين تبسمان تورق الكروم». ففي تلك الأيام الملتهبة بالنشاط السياسي من أربعينات القرن الماضي، كان يكفي أن تبتسم طالبة جامعية لكي تجد أكثر من قصيدة طوع يديها، كتبها لها زميل من شعراء دار المعلمين العالية، وما أكثرهم. ولعل السياب، الطالب الريفي القادم من الجنوب، كان أشعرهم وأكثرهم استعدادا للوقوع في شراك نظرات وابتسامات بنات المدينة. لقد استلطف الكثيرات وكتب لهن القصائد. يكفي أن تقع عيناه على وجه صبوح فتولد القصيدة. وكانت بينهن من تتقبل القصيدة، لا صاحبها، ربما لأنه كان قليل الحظ من الوسامة، مهموم بالكتب والنضال، يحمل أوراقه في جيب سترته ويتوسط حلقات الرفاق والرفيقات لكي يقرأ عليهم ما ألهمه شيطان الشعر في الليلة السابقة. وممن كتب لهن، بالإضافة إلى لميعة ولمعان، زاهدة الدبوني وسعاد البياتي ولبيبة القيسي التي سماها «لبلاب»، وطالبة يهودية حسناء تدعى «بدر»، أيضا. وكان يتهكم على نفسه قائلا إنها تستحق اسمها فعلا، أما هو فلا.
ومن بين أوهام كثيرة، كانت العلاقة العاطفية التي ربطته بزميلته الشاعرة ذات العينين المتوهجتين كالجمر، حقيقة يشهد عليها زملاؤهما، وقد ورد ذكرها في أكثر من قصيدة من قصائده. لذلك فقد كان شائعا أن الأبيات الغزلية الواردة في مطلع «أنشودة المطر» هي من نصيب لميعة. لكن من عاصروا تلك الفترة يعرفون أن السياب كتب القصيدة وراح ووضعها في يد طالبة أخرى هي لمعان البكري. فماذا تقول لميعة، وما هي رواية لمعان؟
كنت قد التقيت السيدة لمعان، صيف العام الماضي، في لندن حيث تقيم منذ سنوات في إحدى ضواحيها. وهو اللقاء الذي سمح لي أن اتصل بها، مؤخرا، لأطرح عليها سؤالي عن بدر، وعن قصيدة «أنشودة المطر»، وتوقعت أن تتحرج في العودة إلى تلك الحكاية البعيدة. لكن المرأة التي حافظت على الكثير من ألقها، ردت بكل أريحية وأسعفتني ببعض الصور وبنسخ من القصائد التي أعطاها لها السياب. وكانت لمعان قد تزوجت وتركت الدراسة وهي في الصف الأول، ثم عادت لمواصلتها بعد أن رزقت بطفل، لتتخرج في الحقوق عام 1954 وتتدرج في الوظائف وتعمل في «وزارة الإعلام». صارت مديرة عامة تشرف على الكثير من المرافق الفنية في بغداد. ومثل الكثير من العراقيين، انتهى بها المطاف إلى الإقامة في إنجلترا.
قالت: «كنت طالبة في السنة الأولى حين تعرفت على بدر أثناء سفرة نظمها طلبة دار المعلمين العالية ودعيت لها. وما زلت أذكر أن الشاعر كان يدور بدفتر قصائده بيننا ويقرأ علينا بعض أشعاره، ثم أعطاني ذلك الديوان المخطوط وطلب مني أن أقرأه. وبالفعل بدأت بتقليب الصفحات والاطلاع على ما فيها ثم أعدته له وعدنا من السفرة وانتهى كل شيء. لكن الذي حصل هو أنه واصل تردده على كلية الحقوق، قرب الجسر الحديدي، غير بعيد عن دار المعلمين. وفي كل مرة يأتيني بمغلف يسلمني إياه باليد، أو يبعثه بيد أحد من الزملاء».
كانت المغلفات تحمل قصائد غزلية جديدة لسياب، مكتوبة بخط جميل معتنى به، منها «أنشودة المطر» و«يا هواي البكر» و«نشيد اللقاء». وفي بعضها سجل الشاعر مكان كتابتها، مثل «أبي الخصيب» في البصرة، أو تاريخ الكتابة، مثل «ذكرى مساء 7 نيسان 1946». وهناك، أحيانا، هوامش يشرح فيها مفردة أجنبية وردت في القصيدة مثل «نغمة خفاقة تفنى على صدر البيان»، حيث شرح الكلمة الأخيرة بأنها تعريب لكلمة «بيانو».
كيف كان انطباعها الأول عنه؟ لا تتأنى السيدة في الجواب ولا تحاول انتقاء كلماتها: «في ذلك الوقت لم نكن نتطلع للشعراء، فهم في الغالب معدمون، نراهم في المظاهرات ونصفق لقصائدهم، لا أكثر، وحتى في المظاهرات فقد كان طلاب الحقوق وكلية الطب أشطر في الهتافات من طلاب دار المعلمين العالية. لقد كان السياب، كما رأيته يومذاك، شابا قصير القامة، مؤدبا، ذا صوت خفيض جدا، تنسدل ثيابه عليه مثلما تنسدل على علاقة الملابس، يرتدي قميصا وبدلة كما في تمثاله الموجود على كورنيش شط العرب في البصرة».
فيما بعد، حين أودى به المرض وهو في عمر مبكر، سعت لمعان البكري، التي كانت مديرة عامة في وزارة الإعلام خلال السبعينات، لإقامة مهرجان في البصرة لتكريم ذكرى بدر شاكر السياب، رائد الشعر الحديث. وقد كلفت النحات نداء كاظم أن ينحت للشاعر تمثالا أزيح عنه الستار في الأول من (يناير «كانون الثاني») 1971. أما الذي أزاح الستار فكان شاعرا آخر هو الوزير شفيق الكمالي. وتروي لمعان أن الفنانة وجدان ماهر الكنعاني، وكانت تعمل في قسم التصميم في الوزارة، التفتت نحوها أثناء مراسم رفع الستار، وهمست في أذنها: «هل تكفّرين عن ذنوبك بحق السياب؟».
في ذلك الوقت، لم تكن تشعر بالزهو لأنه كتب لها القصائد. لقد سحرت غمازتاها شعراء كثيرين نظموا لها أحاسيسهم شعرا. ولعلها تدرك اليوم قيمة تلك الوريقات التي احتفظت ببعضها وراح البعض الآخر مع ما راح من موجودات بيتها في بغداد. ومن بين ما عرضته علينا مخطوطة «يا هواي البكر»، التي كتب السياب في الصفحة الأولى منها، تحت العنوان: «لم تكن أهواؤه الأولى غير نزوات تموت مع اليأس. أما حبه الجديد فهو باقٍ رغم اليأس والحرمان... فهو هواه الأول».
هل كان هواه للميعة عباس عمارة شغف عابر، أيضا؟ حين تزوجت لمعان ولم تستجب لمشاعره، حمل عليها في قصيدة «أحبيني» الشهيرة، وقال: «وتلك كأن في غمازتيها يفتح السحر عيون الفل واللبلاب / عافتني إلى قصر وسيارة». وهي القصيدة التي شكا فيها من سبعٍ أحبهن ولم يحببنه كما كان يشتهي، بينهن لميعة «شاعرتي التي كانت لي الدنيا وما فيها». فماذا تستذكر عنه، في ذكرى رحيله، وهي في عزلتها البعيدة بمدينة ساندييغو على الساحل الغربي للولايات المتحدة؟ إنها تحاول أن تتفادى الموضوع لأن هناك من يتوهم أنها تستفيد من تلك الحكاية لتلميع صورتها. كأن صورة لميعة الشاعرة المرهفة وملهمة الأدباء تحتاج إلى تلميع.
أسألها إن كانت قد أحبت بدرا، كما أحبها، فتقول: «من الأكيد أنني كنت أحبه، وقد كتبت له شعرا، وتأثرت كثيرا بصداقتنا التي لم تكن أكثر من علاقة بريئة ومحلقة ومبدعة. وهي قد كانت فترة غنية جدا في حياة بدر، توقفت تقريبا فيها عن كتابة الشعر، طيلة الفترة التي عرفته فيها، وكنت مكتفية بدور الملهم والمستمع والناقد والرفيق والصديق. كنت الأم والحبيبة، فكان إنتاجي قليلا وإنتاجه غزيرا. وكنت سعيدة بصداقته وراضية. لكنه كان شكوكا لا يثق في النساء ولم يصدق أنني أبادله مشاعره. وأنا لست مطالبة بأن أقسم له بالأيمان الغليظة أني أحبه. فقد كان لي غروري وكبريائي وثقتي بنفسي والدلال المعروف عن العراقية، المرأة التي يلهث وراءها الرجل فلا تبدي مكنون ضمير وتبقى المترفعة. ولعله تصور أنني أحب الشاعر فيه فحسب، وأنا أحببته كإنسان. وكنت أستمتع برفقته وبالنكتة التي كان يطلقها وبالذكاء اللماح الذي يلتقط به كلماتي وبالتفاهم العظيم بيننا. كنا نستخدم لغة خاصة في الحديث، مختصرة وعميقة وجد صادقة. وكان ما بيننا لعبة أذكياء وتواطؤ موهوبين. إنها فترة من أثرى فترات حياتي العاطفية، بقينا سنتين معا، وأثناءهما كنا نتراسل، وقد دعاني لزيارته في قريته جيكور ولبيت الدعوة بصحبة خالي عبد الرزاق جودت، وبقينا ضيوفا في بيتهم ليلة واحدة، وقمنا بجولة نهرية كان خلالها يقرأ لنا الشعر».
وصلت إلي من لميعة عباس عمارة، بالبريد، مجموعة مغلفات تضم أوراقا تخصها وصورا من حياتها الحافلة وكتابات بخط يدها، منها ما قد يكون منشورا ومنها ما لم أقرأه من قبل. وبين الأوراق عثرت على ما تؤرخ فيه لعلاقتها بالسياب، حيث كتبت: «كنت أتوقع أن ألتقي بشاعر. ليست نبوءة إنما أمنية. وكنت أظن، وأنا في الثانية عشرة من عمري، أن الشعراء يسكنون في الكتب ولا يسيرون على الأرض. وفجأة التقيته. يمشي مع الناس، نحيلا يحمل أزهاره الذابلة (في إشارة إلى ديوانه «أزهار ذابلة») ويشتم حبيبته السابقة وينتظر المجهولة الآتية. وقد جاهدت أن أكون صديقا (تستخدم صيغة المذكر ولا تقول صديقة) أشاركه إعجابه بالجميلات وأستمع لما يكتب فيهن. وقلت لأستاذنا في علم النفس، محمد النحاس، إن المريض شفي من تشاؤمه وكآبته ولكني أخشى عليه من مرض أشد. ابتسم أستاذي وقال إن هذا المرض هو ما يحتاج إليه الشاعر».
في قصاصة أخرى غير مؤرخة، نقرأ: «اليوم يمر خمسون عاما على لقائي ببدر. طالبة في الصف الأول من كلية دار المعلمين العالية، فرع اللغة العربية، وطالب في الصف الثالث فرع اللغة الإنجليزية، نحيف رقيق حساس هادئ وعصبي المزاج، أحيانا. يدخن ويشرب الشاي ويلقي شعره في حديقة الكلية، جالسا على المقاعد الخشبية محاطا بالطالبات والطلاب. يقرأ بصوت جهوري معبر وبتأثر شديد، تسعفه كفان من الجلد والعظم. عيناه صغيرتان وأذناه كبيرتان. له جبهة عريضة وشعر سبط بني يميل إلى السواد وأنف فيه شيء من الكبر (تشطب الكاتبة على هذه الكلمة الأخيرة) وذقن راجع إلى الخلف. وهو حين يبتسم تبدو أسنانه العريضة وشيء من اللثة الرمادية من أثر التدخين. بسيط نظيف في ملبسه. محط اهتمام زملائه. ينظر وكأنه لا يرى وهو يدقق في كل ما يراه وبخاصة الفتيات الجميلات السافرات من بنات الذوات، حيث الأسر المثقفة والمترفة تبادر بالسماح لبناتها بدخول الكلية المختلطة، بعكس الطلاب الذين تدفعهم الحاجة واستعجال الوظيفة لدخول هذه الكلية».
وعودة إلى السؤال حول «أنشودة المطر»، القصيدة التي اختارها عنوانا لديوانه الصادر عام 1962، من هي الملهمة؟ تجيب لميعة في حديث هاتفي معها، مؤخرا: «لقد قرأ علي بدر المقاطع الأولى (عيناك غابتا نخيل) ثم أكمل عليها، فيما بعد، (أنشودة المطر). وكان لقائي به بعد أن انتهت علاقته بلمعان البكري. وأذكر أنها كانت قد طلبت صياغة سوار جميل من الذهب، منقوش عليه مطلع القصيدة. لقد التقيت السياب بدرا بعد أن كان قد قطع علاقته بها وقسا عليها بقصيدته (لعنات)، وكنت أجادله فيها وأقول: لا يجوز أن تلعن المرأة التي أحببت وأوحت لك بأحلى القصائد. لا ترمِ حجرا في البئر التي شربت منها. وكان يحقد عليها لأنها اختارت أن تقترن برجل ميسور. وكنت أسعى لتخفيف ذلك الحقد لأنني أعرف طبعه وأعرف أنه من الممكن أن يحب أي طالبة تجلس بجانبه أو تستمع لقصيدة أو تصفق له، وبالتالي يتصور أنها تحبه ويجب أن تتزوجه. لم يفهم أن الحب لا علاقة له بالزواج. والفرق بيننا أنني كنت أبحث عن الحب وهو عن زوجة. وعقدته أنه فقير ولم يتقبل أن فتيات بغداد لم يكنّ يبحثن عن شاعر يكتب لهن القصائد بل عن زوج له مستقبل».
من يعُد إلى دواوين السياب ولميعة عباس عمارة يجد حوارات شعرية واضحة بينهما وأصداء تتردد في هذا البيت أو ذاك، فهو يكتب: «سوف أمضي / أسمع الريح تناديني بعيدا». ونقرأ في قصيدة «شهرزاد» للميعة: «ستمضي فمن لي بأن أمنعك؟ / ستمضي فهل لي أن أتبعك؟ / فقلبي وشعري وعمري سدى / إذا لم أمتع بعيشي معك». وقد كتب السياب قصيدة «نشيد اللقاء» التي نجد صداها في قصيدة «شهرزاد» ذاتها: «سأهواك حتى تجف الدموع / بعيني وتنهار هذي الضلوع / ملأت حياتي فحيث التفت / أريج بذكرك منها يضوع / وفي ليلة من ليالي الشتاء / وقد لفني وفتاتي غطاء / سأرنو إلى الباب مرتاعة / وأتلو عليها (نشيد اللقاء)». ثم يعود السياب في قصيدة بعنوان «نهاية» ويردد صدى قصيدة لميعة قائلا في أحد المقاطع: «سأهواك حتى... نداء بعيد / تلاشت على قهقهات الزمان / بقاياه في ظلمة في مكان / وظل الصدى في خيالي يعيد / سأهواك... ما أكذب العاشقين / سأهوا... نعم تصدقين».
الغريب أن مخطوطة «نشيد اللقاء» موجودة، اليوم، لدى لمعان البكري. كما أن أكثر من طالبة من زميلات السياب نسبت «أنشودة المطر» إلى نفسها بعد رحيله وذيوع شهرته. فهل كان الشاعر ماكرا أم أنه كان رحب القلب والقريحة، يلتقط إلهامه من كل وجه صبوح يلوح أمامه ولا يخلص إلا لربة الشعر؟
------------------------------------
*كاتبة وصحفية عراقية مقيمة قي باريس
 

كلمة عن المفكر الراحل إبراهيم الوزير

كلمة ضياء السعداوي، صاحب مكتبة "الحكمة"، في افتتاح الأمسية الفكرية لعرض خلاصات عن فكر إيراهيم الوزير 
السلام عليكم ايها الأخوة والأخوات الأفاضل الاعزاء
 أرحب بكم جميعاً وأخص بالذكر أستاذي وأخينا وصديقنا المفكّر المعرفي والباحث الأسلامي الأستاذ صادق سليمان الذي غاب عنا وعن الجالية العربية في واشنطن في وطنه الأم عُمان مدة ليست بالقصيرة.
ونلتقي مرة أخرى في مكتبة الحكمة ضمن أنشطتها الثقافية والفكرية وذلك للتعرف على خلاصات ومحطات في فكر المرحوم ابراهيم الوزير حيث ان المرحوم ابراهيم الوزير لم يكن فقط أحد مفكري اليمن المتنورين البارزين واحد رجالاتها المناضلين بل ايضا كان مفكرا ومناضلا للأمة كلها. فهو الفقيه والمجتهد في شؤون الدين....وهو الذي وهب نفسه للبحث عمّا ينفع المسلمين والناس عموماً، وكان مهموماً بشؤون الأمة العربية والأسلامية وبمسؤولية الجميع فيها حقوقاً وواجبات، وكذلك كان اهتمامه الكبير في الغربة والمهجر عن الأوطان، وحلمه في إقامة الدولة العادلة ونظام الشورى والديمقراطية.
المرحوم ابراهيم الوزير كان أيضاً مفكّراً إسلامياً مهتماً في امور الفقه والشريعة...وكان رجلاً حراً بكل معنى الكلمة في فكره ومنطلقاته وعمله مع التزامه التام بمبادئ الإسلام وبالحقوق الانسانية التي تشترك بالدعوة لتوفير الأمن والرخاء والعدالة الاجتماعية وتأكيد رقابة الشعب...بتطبيق الشريعة الحقة شريعة الله لا شريعة أهواء فرد أو عصابة....وكذلك بتأكيده على أهمية الوعي بالحقوق وبالواجبات معاً.
 الأخوة الاعزاء
هنالك العديد من الرموز والمفكرين الاسلاميين قد تركوا بصماتهم على الفكر الاسلامي الحديث ومنهم محمد باقر الصدر وعلي شريعتي ومحمد الغزالي وعبدالرحمن الشرقاوي والشعراوي ومالك بن نبي ومحمد عابد الجابري ومحمد شحرور وخليل عبدالكريم والسيد القمني ونصر حامد ابو زيد...وغيرهم الكثير ولكن المرحوم ابراهيم الوزير له بصمته الخاصة وهي العقلانية والاعتدال والربط بين السنن الآلهية الكونية وتأثيرها على حياتنا اليومية، حيث كم مر بنا في الحياة من ملايين البشر الذين لم يتركوا أي بصمة لهم في المجتمع أو في الفكر، لكن الأقسى والأبشع من ذلك هو من يترك بصمات مؤلمة في ذكرياتنا وتاريخنا ومن يساهم في تشويه الاسلام كدين وفي الضرر للإنسانية والأوطان.
لكن مهما كان حجم هولاء الذين يسيئون لشعوبهم ودينهم يبقى هنالك مصابيح وهاجة من أمثال المرحوم ابراهيم الوزير الذين تمسكّوا بالفهم الصحيح للأسلام على أساس العقلانية والإعتدال وكان محور إهتمامهم هو قضايا العدالة الاجتماعية والإستقامة بالمسؤولية بالشأن العام وفي تحسين مجتمعات المسلمين والسير بها الى الامام. فقد كان الوزير واحدا من النخبة الاسلامية القليلة الذين تُطلق عليهم صفة المفكّر الاسلامي المستنير العقلاني في بلادنا، والمتميز بوضوح الرؤية الفكرية الاسلامية والسياسية وبما يتناقض مع التيار السلفي المشوش الرؤية والذي يسير الى الخلف بعكس عقارب الساعة وبما يخالف سنّة الله والكون إذ ارادنا الله عزوجل أن نخلفه في الأرض وأن نسير الى الأمام نحو مستقبل أفضل في البناء والتعمير والحياة والحب لا القتل والهدم والحقد والكراهية والتكفير وإشاعة الظلم والظلام.
أخوتي الأفاضل....
رحمك الله أستاذنا ابراهيم الوزير وما أحوجنا جميعاً لك، وخصوصاً وطنك اليمن هذا اليوم، وكم نفتقدك ويفتقدك وطنك ونحن نرى إن الإسلام أو الفكر الإسلامي قد أُختطف من قبل عصابات التكفيريين من أمثال القاعدة والنصرة وداعش وغيرهم ومن يولدّهم ويغذيهم كل يوم ويشجعهم بالمال والإعلام والسلاح والفتاوى الظلامية التكفيرية بما يغري الجهلاء من العامّة بالوقوع بالفخ ومصيدة الإرهاب وبالتالي تكون الأوطان والأسلام كدين والأنسان بشكل عام والعربي المسلم بشكل خاص هو الضحية...هذا كله ناتج عن تغييب العقل والعلم والمعرفة بالكتاب الكريم اولاً وسيرة الرسول وسنتّه الصحيحة ثانياً، إذ بدون هذه الثوابت لا نستطيع أن نرى النور في نهاية النفق الذي نحن فيه. وما يعزيّنا وجود رجال مفكرين سبقونا الى وضع الأصبع على الجرح واضاؤا لنا بفكرهم النيّر من خلال كتبهم الدرب في هذا النفق حتى نستطيع الخروج نحو النور وشاطئ الأمان الإيماني والسلام الوجداني.
رحمك الله أستاذنا وأخينا المرحوم ابراهيم الوزير وأنا أكاد أراك اليوم مثلما رأيتك أول مرة وأنت تزورني عندما أفتتحت المكتبة منذ أكثر من عشرين عام وأنت فرح بإفتتاح هذه المكتبة العربية في منطقة واشنطن وأخذت تشجعني على الفكرة وتسند المكتبة في اجمل ما تملك وهي كتبك وعصارة تجربتك الإنسانية...
وسوف أترك للأخوة الأستاذ قاسم والأستاذ زيد الوزير السفر في بحر فكرك وعطاؤك الانساني.
وشكراً لكم جميعاً على وجودكم معنا اليوم