الثلاثاء 22 آب/أغسطس 2017
TEXT_SIZE

جدار الرحمة لمساعدة الفقراء في العراق

 

العراق، بغداد -  "هذا لك خذ ما تحتاج"، كتبت هذه العبارة بحروف كبيرة على جدار علّقت فوقه أنواع مختلفة من الثياب، ووضعت في أسفله أجهزة كهربائيّة ومنزليّة ضمن مشروع خيريّ أطلقه نشطاء تحت عنوان جدار الرحمة. وهو مبادرة طوعيّة أطلقها نشطاء وميسورون بهدف مساعدة الفقراء والمحتاجين، يتمّ بموجبها جمع الثياب والملابس والأجهزة الكهربائيّة والمنزليّة الفائضة عن الحاجة، ووضعها تحت الجدار ليتسنّى للفقراء والمحتاجين أخذها. وقد أطلقت المبادرة منذ شهر حزيران/يونيو الماضي وتوسّعت سريعاً، حيث بلغ عددها في آب - أغسطس الحاليّ إلى سبعة جدران في مختلف

نشأت فكرة جدار الرحمة في مطلع العام الحاليّ حسب ما صرّح لـ"المونيتور" الناشط والصحافيّ المساهم في تأسيس الفكرة علي السوراوي (39عاماً)، لكنّها لم تواجه إقبالاً في بداية الأمر، بسبب غرابة الفكرة في المجتمع العراقيّ. ويتابع السوراوي حديثه قائلاً، أنّه وبعد شهر حزيران/يونيو، أنجزت الفكرة بإطلاق النموذج الأوّل لجدار الرحمة أمام مقرّ الجمعيّة في منطقة الصحّة في بغداد.

ومنذ شهر حزيران/يونيو، ازداد عدد النشطاء والمتبرّعين لهذا الجدار، واتّسع ليشمل مناطق متفرّقة من العاصمة بغداد، غالباً في الأحياء الراقية من العاصمة مثل الأعظميّة وساحة عنتر وساحة الحريّة والكرادة بسبب وجود الميسورين والمتبرّعين في هذه الأحياء. وقد بدأت الفكرة تنتشر في محافظات العراق، ومنها البصرة والسماوة والديوانيّة، ولقيت فكرة الجدار رواجاً على مواقع التواصل الاجتماعيّ.

ويقول السوراوي إنّ فكرة جدار الرحمة جاءت للحدّ من المفارقة الحادّة في مستوى العيش، حيث توجد في المجتمع العراقيّ أعداد كبيرة من الناس الذين يعيشون تحت خطّ الفقر، وهؤلاء لا يجدون ما يأكلون ويلبسون ولا يهتمّ بمصيرهم أحد. ويتابع أنّ فكرة الجدار محاولة طيّبة لمساعدة المحتاجين بعد إهمال الحكومة قطاعات واسعة من الشرائح الاجتماعيّة المعدمة، وعجز وزارة العمل والشؤون الاجتماعيّة عن استيعاب أعداد الفقراء وشمولهم بالمخصّصات الرمزيّة لشبكة الحماية الاجتماعيّة. وقد حصلت المبادرة على دعم من وزارة الداخليّة العراقيّة وترويج منها، وقد حثّ قسم محاربة الشائعات في وزارة الداخليّة العراقيّة في بيان له المواطنين على المبادرة وتوسيع التجربة.

ويقول خضر واعي (22عاماً)، وهو أحد المسؤولين عن هذه الحملة والذي كتب رقم هاتفه على اللافتة المعلّقة على الجدران، لـ"المونيتور" إنّ حملة جدار الرحمة المتواضعة تمكّنت من إكساء ما يزيد عن 20عائلة متعفّفة في منطقة واحدة من مناطق بغداد الفقيرة فقط. ويشير إلى أنّ بعض الفقراء والمتعفّفين يخجلون من أخذ الملابس والأجهزة المنزليّة في النهار.

ويتابع أنّ الميسورين يأتون كلّ يوم لوضع أشياء جديدة تحت الجدران، فيما يستمرّ الشباب النشطاء بحثّ الأغنياء على التبرّع لمساعدة الفقراء، ونشر العطف والرحمة بين الناس. ويأتي الفقراء من الناس ليلاً في الغالب كي يأخذوا ما يعلّق في الجدار أو يوضع تحته، وأمّا الأطفال فيأتون نهاراً لأخذها. ويأتي بعض النساء المسنّات ليلاً ليأخذن ما يحتجن إليه من ثياب لأولادهنّ أو أحفادهنّ اليتامى حسب مقاساتهم، ثمّ ينصرفن بسرعة خشية أن يراهنّ أحد، وذلك للحفاظ على ماء وجههنّ وكرامتهنّ أمام الآخرين.

يقول أحد حرّاس نقاط التفتيش الأمنيّة القريبة من جدار الرحمة في الأعظميّة لـ"المونيتور"، من دون أن يفصح عن اسمه، إنّ الأطفال الذين يبيعون قناني المياه والسجائر ويمسحون زجاج السيّارات في تقاطعات الشوارع يذهبون إلى الجدار قبل أن يتوجّهوا إلى بيوتهم مساء، ليأخذوا معهم ما يحتاجون إليه من ثياب أو أجهزة تركها الميسورون قرب الجدار.

وأعرب الحارس عن أمله في توسيع الفكرة، وأن يكون هناك مكان محدّد لهذا الجدار، ويشرف عليه نشطاء من أجل الحفاظ على الملابس والأجهزة من حرارة الشمس والغبار، مؤكّداً أنّ الكميّات من الملابس والأجهزة والأدوات التي تترك قرب الجدار أو تعلّق فوقه، تكفي لكسوة المئات من العوائل المتعفّفة وإعانتها.

يلقى جدار الرحمة تفاوتاً في الآراء من حيث القبول والرفض، بسبب تحفّظات المجتمع العراقيّ على الأنماط الاجتماعيّة السائدة، وكون الفكرة جديدة بالنسبة إليه، لكنّ اختلاف الآراء في شأن الجدار، زاده على ما يبدو مزيداً من النجاح من خلال إثارة الموضوع في الشارع العراقيّ.

وصف المواطن لطيف نصيف حسن (45عاماً)، فكرة جدار الرحمة بأنّها تبعث الأمل في النفوس، وهي مؤشّر إيجابيّ يدلّ على أنّ فعل الخير ما زال موجوداً في نفوس كثير من الناس، على الرغم ممّا يعانيه العراقيّون من أزمات وصعاب وهزّات عنيفة انعكست على سلوك الناس وأخلاقيّاتهم.

ويضيف أنّه يسعد، كما يسعد الكثير من المارّة، برؤية هذه المبادرة، حيث يطيلون النظر إلى الجدار وما وضع فوقه وفي أسفله من ثياب وأجهزة، ويحاولون توثيق المشهد وتصويره بكاميرات هواتفهم النقّالة. ويؤكّد أنّ فكرة جدار الرحمة أدخلت السرور إلى قلوب الفقراء.

ويضيف هذا المواطن أنّه في الظروف الصعبة وفي ظلّ الحروب والمصائب التي يمرّ بها العراق، هنالك من هم في حاجة إلى أبسط مقوّمات الحياة، وأنّ هنالك فقراء ومساكين وعدد كبير من الأيتام عليهم أن يساعدوهم ويساعدوا أنفسهم، مشيراً إلى ضرورة أن ينتشر العطف وتنتشر المحبّة والرحمة بين الناس لتجاوز الظروف الصعبة التي يمرّ بها العراق في الوقت الحاضر.

وعلى العكس، يصف المواطن علي العتابي (60عاماً)، جدار الرحمة بأنّه ظاهرة معيبة ووسيلة إذلال للفقراء وليس سبيلاً للرحمة والتعاطف معهم. وأوضح العتابي أنّه من المعيب وضع الملابس والأجهزة المنزليّة في الأماكن العامّة، ويأتي الفقراء لأخذها أمام الناس لأنّ ذلك يجرح كرامتهم.

واقترح هذا المواطن فكرة بديلة عن جدار الرحمة تتلخّص في جمع الملابس والأجهزة الكهربائيّة والمنزليّة، وإرسالها إلى بيوت الفقراء سرّاً، ليحقّق المشروع أهدافه الإنسانيّة، ولا يعرّض كرامة الفقراء إلى الانتهاك.

-------------------------------------------------------------------------

*كاتبة من العراق. ونشر المقال على الرابط التالي:

http://www.al-monitor.com/pulse/ar/originals/2016/08/iraq-compassion-charity-poor.html