الأحد 25 حزيران/يونيو 2017
TEXT_SIZE

سد الموصل: خيارات المعالجة

د. حسن الجنابي*

قفز الاهتمام الشعبي بمخاطر سد الموصل الى مستويات غير مسبوقة دون تقديم دليل واحد على ان وضع السد وسلامته قد تدهورت عن السنوات السابقة بما يبرر حجم الاهتمام الاعلامي بهذا الامر. فقد انبرى كتّاب وصحفيون واعلاميون والمئات من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي الى كتابة مقالات وتوقعات واخبار وتعليقات، بعضها وصل حد التلفيق، وبعضها الآخر اتخد منحى سياسيا والاسوأ منها ألصِقت بالتعليقات الاعيب طائفية ومؤامرات مفترضة. وفي السياق نفسه تسربت معلومات عن اهتمام دولي، بما فيها على مستوى البيت الابيض والرئيس اوباما شخصيا، واتخذ مجلس الوزراء قرارا بمنح عقد صيانة وتأهيل السد لشركة تريفي الايطالية، واعتقد ان "موجة" الاهتمام المفاجئ ستخلي المكان لقضية اخرى، قد لا تقل جدلا في زحمة الاحداث التي تشهدها بلادنا.

لاشك فان هناك بعض الفوائد نتيجة الاهتمام بوضع سد الموصل تتمثل في امكانية تكوين "ضغط" شعبي على قضايا وطنية رئيسية، لكن تلك الفوائد تتلاشى أمام حجم الهلع والقلق الذين تخلقهما الاخبار الملفقة واللامسؤولة، وهنا يجب تأكيد حقيقة ان تزويد المواطنين بالمعلومات الصحيحة من قبل الجهات المعنية هو الطريق الأسلم، ليس فقط  لقطع الطريق أمام اختلاق الاكاذيب او الوقوع ضحية التكهنات والتلفيقات، بل لتعزيز ثقة المواطن وتحصين ولاءه الوطني وتحفيزه للتعاون في الشدائد، وبالطبع فان نشر الحقائق للمواطنين هو الآخر بحاجة الى مراجعة حقيقية للابتعاد عن الادعاءات والانكار والتسويق الاعلامي غير المبرر.

****

يعاني سد الموصل من مشكلات فنية شخصت منذ أيام التحريات الاولى ودراسات الجدوى وهي خطورة مستمرة منذ الانتهاء من تشييد السد لليوم. لاتنبع الخطورة من خلل في التصميم أو التنفيذ، فقد جرى التصميم والتنفيذ بدرجة عالية من المهارة والابداع الهندسي، وقد أشرف المهندسون العراقيون على تشغيل السد منذ دخوله مرحلة التشغيل، وهو منشأ مفصلي في منظومة الري في العراق يتحكم بجريان عمود نهر دجلة القادم من تركيا، الذي يمثل (40) بالمئة من معدل إيرادات نهر دجلة السنوية، ويخدم الاحتياجات الوطنية في الارواء وكذلك في توليد الطاقة الكهرومائية.

تنبع خطورة السد في كونه انشئ على طبقات ارضية تتآكل نتيجة لذوبانها في المياه، وهذا يخلق تجاويف وفراغات غير مرئية تحت الجسم الهائل للسد ويعرضه الى خطر الانهيار تحت ثقله وتحت ضغط عمود المياه في بحيرة السد، اي الخزين المائي الذي انشئ من اجله السد.

****

توجد وسائل فنية عديدة لمراقبة الوضع في موقع السد ومحيطه، ولا أجد مبررا في استعراضها لان بعضها من بديهيات علم الهيدروليك كقياس الرشح والضغط الهيدروساتيكي والمراقبة والتفتيش وغيرها، وبعضها الآخر في آليات النمذجة الرياضية الحديثة لاسس السد وتصويرها افتراضيا على شاشات الكمبيوتر، ودراسة تأثير المعالجات الجارية بما فيها حقن التجاويف المتكونة بمادة الاسمنت وماشابه. وفي كل الاحوال، فان المعطيات والمعلومات التي تتيحها الآليات المستخدمة في الموقع لايمكن الاستفادة منها الا اذا كان لدى المشغلين والمسؤولين عن الموقع القدرة على تحليلها بصورة شاملة، وتحويلها الى قرارات هندسية وبرنامج تشغيلية تؤمن أقصى درجة من السلامة مع تحقيق اقصى فائدة ممكنة من خزين السد، ولا أجد اي مسوغ في، بل لا احترم، اقتراحات غير المختصين المتداولة حول تفريغ السد او ملئه او انشاء كذا وكيت وماشابه من قصص لاتحصل إلا في العراق، حيث يكثر عدد العارفين بكل شيء، امام تراجع الاختصاص والحكمة والخبرة.

****

توجد أمام المسؤولين ثلاثة خيارات لمعالجة مخاطر انهيار سد الموصل وهي:

اولا: هو استمرار الوضع كما هو عليه.

ثانيا: بناء جدار قاطع تحت جسم السد.

ثالثا: اخراج سد الموصل من العمل واحالته على التقاعد!.

الخيار الاول ، ويعتبر مقاربة لادارة المخاطر وليس لمعالجة اسبابها، ويكون في الاستمرار بحقن الاسمنت تحت جسم السد وتحشية الفراغات والتجاويف، وبالطبع يمكن خلال ذلك تعزيز المعرفة بظروف الاسس وتطوير آليات المراقبة والتحليل وتعديل طرق التشغيل الى حين موعد ايقاف العمل بالسد(Decommissioning)، وهنا يمكن التذكير بان قرار استمرار الوضع كما هو عليه (وهو ما اتبعته وزارة الري سابقا وتتبعه وزارة الموارد المائية حاليا) يتميز بما يلي:

1. ابقاء درجة الخطورة نفسها قائمة مع احتمال تحسن طفيف في حال تحسين وتجديد آليات الحقن ونوعية الاسمنت ودقة النماذج الرياضية وموديلات الكمبيوتر وماشاكل.

2. ان التحشية بالاسمنت والبنتونايت تطيل عمر السد ولكنها لا تمثل حلا لمشكلة تآكل طبقات الارض تحت أسسه، وهي بالطبع عملية تتطلب تخصيصات مالية دائمة لتأمين فاعليتها وعدم المجازفة بايقافها.

3. أعتقد ان كلفة التحشية باهظة، ولا أغامر بتقديرها بل أودّ اقتباس رقم موثّق في تقرير كتب عام 2003 وهو انه في عام 1988-1989 تم حقن كميات من الاسمنت المخلوطة بالبنتونايت بلغت (20) الف طن تحت جسم السد، وقد تكون هذه الكمية زادت مع الزيادة في عدد الآليات التي تحقن هذه المادة مقارنة بما كان عليه الوضع قبل اكثر من ربع قرن، وبالطبع فان اسعار الاسمنت معروفة في الاسواق العالمية، اما البنتونايت فاسعاره مختلفة وبعضها غال جدا حسب الاستخدامات، ويمكن دعوة وزارة الموارد المائية للتكرم باعلان التفاصيل ان لم تكن خاضعة لمتطلبات السريّة.

4. ان هذا الخيار أو المقاربة لاتتطلب تغييرات جذرية في روتين تشغيل السد عدا الالتزام بمنسوب معين للخزن يبلغ 319 مترا مقارنة بالمنسوب الاعلى للخزن البالغ 330 مترا، مما يقلل حجم الخزين المائي في السد، وبالتالي التقليل من وظائف السد الاروائية وتقليل قدرته على انتاج الطاقة.

5. لايمكن الاستمرار بهذا الخيار دون انشاء سد بادوش شمال مدينة الموصل لتقليل مخاطر غرق المدينة في حال انهيار سد الموصل، وهذا المشروع بحد ذاته مغامرة اضافية في ظل اوضاع التهديدات الارهابية، فضلا عن الكلفة العالية لانجازه.

****

اما الخيار الثاني فيمكن اعتباره مقاربة لتجنب المخاطر (او تقليلها الى درجة تقترب من الصفر حسب اعتقاد البعض) وذلك باقتراح حل جذري لمشكلة تآكل الاسس عن طريق انشاء جدار قاطع من الكونكريت تحت جسم السد، لمنع تسرب المياه وتعريض سلامة السد للخطر، وهنا لا أجد بدّا من ذكر التفاصيل التالية:

1. ستكون ابعاد الجدار القاطع تقريبا (1.5) متر عرضا و(230) مترا عمقا، وبطول يبلغ (4000) متر اي اربعة كيلومترات وهو طول السد. وللعلم  والمقارنة فان أعمق جدار قاطع انشئ تحت سد يبلغ (130) مترا، اي ان الجدار المقترح تحت جسم سد الموصل سيكون غير مسبوق بل هو اول تجربة في العالم باستخدام تكنولوجيا يتم تطويرها لسد الموصل فقط من حيث تصميم وانتاج الحفارات الصالحة لهذا العمق وكذلك في حجم تطبيقها على مشروع قائم.

2. قدرت كلفة انشاء الجدار القاطع قبل سنوات بحوالي (2) مليار دولار. وللمقارنة فان كلفة انشاء سد اليسو التركي على نهر دجلة، وهو بحجم سد الموصل، قدرت بحوالي (1.7) مليار دولار قبل سنوات، اي اقل من الكلفة التخمينية للجدار القاطع، وربما زاد هذا الرقم بسبب الوضع الامني السائد حاليا في منطقة انشاء سد اليسو وعودة النشاطات العسكرية لحزب العمال الكردستاني التي سينتج عنها تأخير انجازه، ويصح الأمر في موقع سد الموصل الذي احتله تنظيم داعش وبالطبع فان الشركات العالمية تعتبر الوضع الامني فيه مقلقا، وقد اعلن مؤخرا نية ايطاليا بارسال قوات حماية لموقع السد.

3. هناك اربع شركات عالمية منخرطة في تكنولوجيا الجدران القاطعة ويمكنها القيام أو الاسهام بانشاء تلك لجدران وهي الشركة الالمانية باور(Bauer Maschinen) المشهورة بانتاج حفارات (هايدروميل)، وشركة تريفي(Trevi) وكاساكراندي(Casagrande) الايطاليتين، وشركة سولاتانشي-باشي الفرنسية(Soletanche-Bachy)، وقد اعلنت شركة تريفي وشركة باور اهتمامهما بالموضوع وجرت مفاوضات طويلة وصعبة مع الشركتين اللتين رفضتا التعاون بينهما لتشكيل شركة مشتركة لتصميم وانتاج الآليات وتنفيذ الجدار القاطع نظرا لحساسية الموقع وخطورة المشروع وريادته.

4. بغض النظر عن كلفة السد وخصائص الموقع سياسيا وأمنيا، فان التحديات الفنية أمام نجاح تنفيذ السد هائلة، منها عمق الحفر تحت جسم السد ودقة الصب وتماسك الجدار الكونكريتي ككتلة واحدة ونجاح أعمال التحشية السابقة او التحضيرية وغيرها، وهو إن انجز فسيعتبر اعجازا هندسيا بارعا، وارتقاءً بالتكنولوجيا والمخيلة الهندسية الى آفاق جديدة.

5. ترفض الشركات اعطاء ضمانات للعراق بعدم انهيار السد بعد انجاز الجدار لان انجاز المشروع حسب المواصفات المطلوبة شيء واحتمال انهيار السد لاسباب اخرى شيء آخر، رغم ان انجاز الجدار القاطع سيعزز سلامة السد ضد تآكل الأسس.

6. مع احترامي للخبرات العراقية، فان مشروعا بهذه الخطورة يحمل معه احتمالات الاخفاق في ادارة تنفيذه وانجازه اكثر من احتمالات النجاح، آخذين بنظر الاعتبار الوضع السياسي والامني، ولايمكن برأيي ادارة تنفيذه الا من قبل شركات عالمية مختصة بالاشراف على تنفيذ منشآت مماثلة في النوع، لانه لايوجد ما يماثله في حجم العمل.

7. ان متطلبات هذا الخيار كبيرة جدا. ففضلا عن الكلفة الباهظة، يجب اتخاذ قرارات صعبة اخرى منها احتمال افراغ السد تماما من خزينه المائي، وبالتالي ضرورة معالجة النقص في مياه الارواء ونقص الطاقة الكهرومائية خلال سنوات التنفيذ، التي لاتقل عن سنتين على افتراض وضع مثالي في الموقع، تتبعها سنوات ملء السد بعد اكمال بناء الجدار القاطع، واذا صادف ذلك مع حالة جفاف في حوض الرافدين لسنتين او اكثر وتزامن معه اكمال سد اليسو التركي على دجلة ستحل باعتقادي كارثة جفاف طويلة في حوض دجلة، علما ان مأخذ مياه الشرب لمدينة دهوك الواقعة الى الشمال من السد كان يقع على بحيرة السد مما يتطلب ابقاء المنسوب على حد معين، ولست متأكدا الآن من بقاء مدينة دهوك أسيرة لهذا الشرط، وهذا فضلا عن ضرورة ابعاد محور الحفر عن (غاليري) السد وقضايا عديدة اخرى.

****

الخيار الثالث يتعلق بإخراج السد من العمل بهدف التخلص نهائيا من مخاطر الانهيار وهو خيار له مبررات كثيرة اولها خلاص المدن من شبح الانهيار، وثانيها الكلف المالية الكبيرة للبدائل الاخرى ولكن قرارا حاسما بهذا الشأن يجب ان يأخذ بالاعتبار على الاقل مايلي:

1. ايجاد بدائل للوظائف التي يؤديها سد الموصل وهي الارواء والطاقة الكهرومائية وهي وظائف يمكن ان يؤديها سد بادوش على دجلة وسد بخمة على الزاب الاعلى في حال انشائهما. فالاول يمكن تحويل وظيفته من سد لصد موجة الفيضان المفترضة من انهيار سد الموصل الى سد اروائي بصورة كاملة، اما سد بخمة فسيعوض النقص الخزني ويسهم بتوليد كمية معقولة من الطاقة الكهرومائية (مع ادراك التحديات الامنية والاقتصادية والسياسية الكبرى التي تحيط بهذين السدين ومنها التحديات الارهابية في موقع بادوش واعتراض رئاسة اقليم كردستان على سد بخمة).

2. معالجة النقص المفاجئ في مياه الارواء في حوض دجلة نتيجة اخراج سد الموصل من العمل وبانتظار انشاء سدي بادوش وبخمة، وهذه مهمة غاية في الصعوبة اذ تتطلب تعويضات مادية للمزارعين الذين يتأثرون بهذا الاجراء اضافة الى مشكلات توفير مياه الشرب للمدن والقرى الواقعة على دجلة.

3. ينظر الى هذا الخيار(وفي الواقع الى الخيارين الآخرين بنفس الدرجة من الجدية) في ضوء تطور العلاقة المائية مع تركيا وبالذات مستجدات الوضع الهيدرولوجي بعد اكمال سد اليسو وتشغيله، فهذا هو الخطر الاكبر الذي يهدد بزوال وظيفة سد الموصل، اي ان الاجراءات التركية في تشغيل سد اليسو ان لم تكن عقلانية ومنسجمة مع القانون الدولي ومبادئ حسن الجوار والمنافع المشتركة، يمكنها قتل سد الموصل، وللاسف فان هذا الموضوع قد اختفى من الجدل القائم حول سد الموصل.****

جرت في الاسبوع الاخير احالة عقد صيانة سد الموصل الى شركة تريفي الايطالية، وحتى بدون معرفة تفاصيل العمل الذي ستقوم به الشركة، اعتقد انه اجراء سليم ويستحق الدعم ويجب العمل على انجاح مهمة هذه الشركة في موقع السد، وهي شركة هندسية عملاقة نفذت وتنفذ اعمالا كبرى في العالم، وعلى سبيل الطرافة فهي الشركة التي ثبتت برج بيزا الايطالي الشهير وأمّنت استقراره ومقاومته للانهيار، بحلول هندسية مبتكرة ورائعة.

ملاحظة اخيرة:

ان الافكار التي عرضت في هذا المقال هي آراء شخصية بحاجة الى تفاصيل هائلة، لكنها كتبت بغرض تقريب الصورة للمهتمين من غير المختصين، وهي تأكيد لما قلته في مقالات او حوارات سابقة او ما كتبت عنه في صفحتي على الفيسبوك مؤخرا، وأهمها القول بأن مشكلة سد الموصل بحاجة الى قرار سياسي-اقتصادي أكثر منه قرار فني. فالهندسة والابتكار والتكنولوجيا كفيلة بايجاد الحلول اذا اتخذت القرارات المناسبة من قبل الحكومة، وهنا لابد من تأكيد ان القرارات الحكومية المطلوبة يجب ان تستند الى دراسات حيادية تماما من قبل استشاريين دوليين، وليس تقارير صادرة من جهة عراقية وقطعا ليست تقاريرا او اعلانات من جهات عراقية غير مختصة مثل مجلس النواب او مجالس محافظات او تحالفات وائتلافات سياسية وغيرها.

------------------------------------------------------

*سفير العراق في اليابان ومختص بالموارد المائية، ونشر المقال على صحيفة المدى البغدادية

 

شاهد على تآلف قديم: مرقد النبيّ اليهوديّ عزرا تحوّل إلى مزار إسلاميّ

عدنان أبو زيد*

يقع مرقد النبيّ اليهوديّ عزرا في عمق الجنوب العراقيّ، في ناحية العزير، الّتي تبعد عن مدينة العمارة - مركز محافظة ميسان، نحو 70 كلم. وإنّ اسم العزير هو الاسم العربيّ لاسم عزرا اليهوديّ، بيد أنّ هذا المرقد أخذ أكثر من اسمه العربيّ، إذ تحوّل المكان كلّه إلى مزار إسلاميّ. ويعود بناء المرقد إلى عام 457 – 423 ميلاديّاً من قبل اليهود، ولقد ظلّ ماثلاً منذ ذلك الحين، حاملاً معه الكثير من العلامات والتّغييرات، وسنشاهد في هذا المكان تجاوراً مدهشاً بين الكتابات العبريّة والرموز اليهوديّة، وبين آيات قرآنيّة ونقوش إسلاميّة، بعد أن تحوّل إلى معلم إسلاميّ، بعد الهجرة الجماعيّة ليهود العراق إلى إسرائيل في خمسينيّات القرن الماضي.

ولقد وجد الصحافيّ والكاتب العراقيّ عبد الهادي مهودر في هذا التّجاور تناغماً رمزيّاً بين الديانتين الإسلاميّة واليهوديّة، وبحسب ما أشار إليه لـ"المونيتور" يعبّر هذا التّناغم "عن التّسامح الدينيّ والتّعايش العقائديّ بين الأديان والمذاهب في العراق." وقال: "نجد مثل هذا التّوافق في مرقد النبيّ اليهوديّ ذي الكفل، ببابل، الّذي ما زال يزار من قبل المسلمين".

ومثل هذا التّوافق الصريح، أثار أحد اليهود العراقيّين المقيمين في إقليم كردستان ضجّة في صحيفة "العربيّ الجديد"، في 11 فبراير/شباط من عام 2015، إذ عدّ "استيلاء ديوان الوقف الإسلاميّ الشيعيّ على مرقد النبيّ العزير وعلى معبد يهوديّ بجانبه، اضطهاداً لليهود من قبل المسلمين".

ولقد استعنّا لمعرفة الحقيقة برجل الدين الشيخ علي المحمّداوي، وهو أحد المشرفين على مرقد النبيّ العزير، فدحض تصريح هذا الشخص اليهوديّ الّذي لم تذكر الصحيفة اسمه، قائلاً لـ"المونيتور": "المسلمون هم من اهتمّوا بالمكان وأعادوا إعماره، بعد أن تحوّل إلى مكان مهجور، إثر هجرة يهود هذه المدينة في خمسينيّات القرن الماضي".

أضاف: "هذه الإتّهامات تدحضها حقيقة أنّ الإسلام يعدّ العزير نبيّاً سماويّاً، إذ ورد ذكره في القرآن. ولهذا، نقيم الطقوس الدينيّة في مرقده".

وتابع: "يستطيع اليهود أن يزوروا هذا المكان، فهم مرحّب بهم في كلّ وقت".

واستفسر "المونيتور" من علي المحمّداوي عن مدى صحّة بعض الأخبار المنشورة في وسائل الإعلام، والقائلة إنّ الجهات الإسلاميّة المشرفة على المكان قد أزالت عنه رموزاً يهوديّة عمداً، ووضعت محلّها عبارات إسلاميّة مثل "لفظ الجلالة"، فلم يجب المحمّداوي على استفسارنا بالكلام، بل قادنا إلى لوحة تعلو واجهة صالة كتب عليها نصّ باللّغة العبريّة. كما خطّت رموز يهوديّة أخرى على جدران القاعة. وقال: "لو أردنا إزالتها تماماً لما منعنا أحد، لكنّنا نحترم الديانات الأخرى"، غير أنّ المحمّداوي يعترف بأنّ "بعض الكتابات اليهوديّة، ومنها نجمة داود، قد أزيلت في ثمانينيّات القرن الماضي بصورة غير متعمّدة أثناء عمليّات الصيانة التي قامت بها وزارة الأوقاف وقتها في حقبة نظام الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين".

ولقد لاحظنا أنّ المكان يخلو من أيّ سرد لسيرة النبيّ العزير، إلاّ أنّه ممتلئ بالأدبيّات الإسلاميّة من كتب وأدعية وصور شخصيّات إسلاميّة شيعيّة، بيد أنّنا تعرّفنا على هذه السيرة من المصادر التاريخيّة الّتي أشارت إلى أنّ النبيّ عزرا أو العزير في لغة العرب عاش في زمن الدولة البابليّة في 458 ق.م.، وهو من وضع حجر الأساس لأمّة اليهود لما بعد السبي البابليّ. فقد قام ملك بابل نبوخذ نصّر بسبي آلاف اليهود واقتيادهم إلى بابل، بعد أن هدم معابدهم، فمكثوا هناك نحو قرن من الزمان، حتّى تمكّن عزرا من إقناع ملك الفرس، الّذي احتلّ بابل في ما بعد، بإطلاق سراحهم.

ما زالت ذكريات العراقيّين المسلمين عن اليهود الّذين سكنوا العراق نديّة، فالصراع السابق اختفى وحلّ محلّه السلام والتّعاون.

ولقد شرح المدرّس علي الساعدي (60 سنة) الّذي ولد في بلدة العزير واهتمّ بتاريخها لـ"المونيتور" كيف "يتذكّر أبناء المدينة من كبار السنّ أسماء العشرات من اليهود الّذين عاشوا معهم في سلام، وكانوا يقيمون طقوسهم الدينيّة بكلّ حريّة" ، حيث عاش اليهود في العراق منذ ما يزيد على 2500 عام، في مدن بابل وبغداد والموصل ومدن أخرى، لكنهم تعرّضوا خلال الأربعينات وأوائل الخمسينات من القرن الماضي إلى عمليات سلب وقتل واسعة أدت في النهاية الى هجرتهم من البلاد، لسببين الأول الاعتقاد بان انقلاب رشيد عالي الكيلاني في العراق تواطأ مع النازية المعادية لليهود في بداية أربعينات القرن الماضي،

ثاني إن الغضب تصاعد ضد اليهود العراقيين بعد الهجرة اليهودية العالمية إلى فلسطين لغرض قامة الدولة اليهودية هناك، حيث هُجّر معظمهم بين عامي 1949 و1950 بعد تأسيس دولة إسرائيل.

كاشفاً عن "وجود ممتلكات لليهود من بيوت وبساتين كانت تحيط بالمرقد لا تزال مسجّلة باسمهم رسميّاً في الدوائر العقاريّة، لكن لم يبق ولا يهودي واحد في العزير، وهذه البيوت امتازت بطرازها المعماريّ الخاص كالشناشيل والأعمدة الخشبيّة المزخرفة".

وفي جولة قمنا بها في المكان، بدا واضحاً أنّ مرقد النبيّ عزرا صمد طيلة قرون في منطقة سكنتها أغلبيّة شيعيّة شديدة التديّن، وقادتنا الجولة إلى مدرسة تقع بجانب المزار، قال عنها الساعدي: "كانت معبداً يهوديّاً تغيّرت معالمه تماماً، وكان يحتوي على سرداب تحت الأرض جرى ردمه في ثمانينيّات القرن الماضي في أثناء أعمال الصيانة التي نفذتها وزارة الأوقاف".

وأثناء الجولة، شاهدنا نقوشاً يهوديّة أثّر فيها التقادم، وبدت لا تستطيع الصمود طويلاً بسبب الإهمال والظروف الجويّة، ما لم يُسارع إلى إنقاذها. كما شاهدنا على قمّة المدخل الرئيسيّ لوحة قديمة متآكلة من الفضّة كتبت عليها عبارات باللّغة العبريّة، لم نعرف مدلولها بالضبط، في ما عدا هذا غطّت الرمزيّة الإسلاميّة على تعابير المكان تماماً. وتأكيداً على هذا، تعرّفنا على أمّ حسن الّتي كانت تزور المكان، وهي لا تعرف تاريخه اليهوديّ، لكنّها متيقّنة من أنّ له كرامات كثيرة في شفاء المرضى، وهذا ما يؤمن به الكثير من المسلمين هنا.

وعن هذا الإيمان، أشار الكاتب والباحث علي حسن الفوّاز لـ"المونيتور" إلى أنّ "الناس يزورون المكان بسبب علاقتهم المتينة بالمقدّسات الدينيّة"، مؤكّداً أنّ "النبيّ عزرا، وإن كان يهوديّاً، إلاّ أنّه جزء من المخيال الشعبيّ الباحث عن المخلّص الّذي تحتفي به الديانات السماويّة، ومنها الإسلام واليهوديّة".

إنّ المكان اليوم هو مقصد دينيّ، ويمكن تأهيله كمعلم سياحيّ ليكون نقطة جاذبة للسيّاح، لا سيّما يهود العراق الّذين هاجروا وينتابهم الحنين إلى التّواصل مع تاريخهم، فيما تستفيد مدينة العزير من ذلك بتحوّلها إلى منطقة تنتعش فيها السياحة الدينيّة، وهذا المعنى أكّده لـ"المونيتور" عضو مجلس محافظة ميسان وسام جلِيهم قائلاً: "أهالي المدينة يرحّبون بزيارة اليهود للمكان، رغم تحوّله إلى معلم إسلاميّ".

وتحدّث عن وجود خطّة إعمار للمكان تقوم بها الحكومة المحلية في العزير بالتنسيق مع مديرية الوقف الشيعي،لإنقاذ معالمه اليهوديّة والإسلاميّة من الضياع.

------------------------------------------------------

*كاتب من العراق، ونشر المقال على الرابط التالي:

http://www.al-monitor.com/pulse/en/originals/2016/02/iraq-tomb-jewish-prohet-ezra-turned-islamic.html#

البحث عن "مسارات بديلة" لمد أنبوب النفط العراقي للأردن

قال وزير الطاقة والثروة المعدنية الأردني إبراهيم سيف السبت، إن دراسات تجرى حاليا من أجل إيجاد "مسارات بديلة" بمحاذاة الحدود السعودية لمشروع مد أنبوب لنقل النفط العراقي إلى الأردن بعد سيطرة تنظيم "داعش" على مناطق شاسعة من محافظة الأنبار غربي العراق.
وقال الوزير الأردني، في تصريحات أوردتها وكالة الأنباء الأردنية الرسمية، إن "اللجان الفنية الأردنية شاركت في اجتماعات في بغداد بخصوص أنبوب النفط مع العراق وعادت إلى عمان قبل أيام"، مضيفا أن "الجانب العراقي يظهر مرونة عالية في موضوع تنفيذ الأنبوب الذي سينقل النفط عبر أراضي المملكة حتى ميناء العقبة ومنها للخارج".
وأوضح الوزير أن "الأنبوب يشكل مصلحة استراتيجية للبلدين، وأن الدراسات الفنية للمشروع أنجزت وتجري الآن دراسة المسارات البديلة للمشروع بمحاذاة الحدود مع السعودية".
ولم يعط الوزير المزيد من التفاصيل حول الأسباب التي دفعت مسؤولي البلدين للبحث عن مسارات بديلة للأنبوب الذي يبلغ طوله حوالى 1700 كلم وتقدر كلفته بنحو 18 مليار دولار ومن المفترض أن ينقل مليون برميل يوميا.
لكن يبدو أن الأوضاع الأمنية في محافظة الأنبار والمحاذية للأردن والتي يسيطر التنظيم على أجزاء واسعة منها هو السبب الرئيسي لهذا الأمر.
وكانت المرحلة الأولى من المشروع تتضمن مد الأنبوب من البصرة جنوب العراق حتى مدينة حديثة في غربي محافظة الأنبار، ثم الحدود الأردنية فيما تتضمن المرحلة الثانية مد الأنبوب من الحدود العراقية إلى ميناء العقبة (325 كلم جنوب الأردن).
وكان تنظيم "داعش" قد هدد منشآت وحقول نفطية عراقية أبرزها حقول حمرين وعجيل والقيارة (شمال)، كما حاصر التنظيم مصفاة بيجي (200 كلم شمال بغداد)، التي تعد أكبر مصفاة نفط في العراق والتي كانت تنتج 300 ألف برميل من النفط المكرر يوميا بما يلبي نصف احتياجات العراق من منتجات النفط، لمدة أشهر بعد هجوم التنظيم وسيطرته على مناطق شاسعة من العراق في حزيران- يونيو 2014.
وتم اختراق الحصار العام الماضي إلا أن التنظيم هاجم المصفاة مجددا في نيسان - إبريل وتمكن بعض مقاتليه من التمركز داخل مجمع المصفاة.
وكان العراق والأردن وقعا في التاسع من نيسان- إبريل 2013 اتفاق إطار لمد الأنبوب.
ومنذ ذلك الحين عقدت اللجان الفنية المشتركة اجتماعات عديدة لبحث انجاز المشروع.
ومن المفترض أن ينقل الأنبوب النفط الخام من حقل الرميلة العملاق في البصرة (545 كلم جنوب بغداد) إلى مرافئ التصدير في ميناء العقبة (325 كلم جنوب عمان).
ويأمل المسؤولون العراقيون في أن يبلغ الانتاج النفطي تسعة ملايين برميل في اليوم بحلول 2017، مقابل نحو 3 مليون برميل في اليوم كمعدل حالي، وهو هدف متفائل جدا بحسب صندوق النقد الدولي ووكالة الطاقة الدولية.
ويأمل العراق الذي يملك ثالث احتياطي نفطي في العالم يقدر بنحو 143 مليار برميل بعد السعودية وايران، في أن يؤدي بناء هذا الأنبوب إلى زيادة صادراته النفطية وتنويع منافذه، فيما تأمل المملكة التي تستورد 98% من احتياجاتها من الطاقة من الخارج، في أن يؤدي مد هذا الأنبوب إلى تأمين احتياجاتها من النفط الخام والبالغة حوالى 150 ألف برميل يوميا وبأسعار تفضيلية.
وكان العراق يزود الأردن بكميات من النفط بأسعار تفضيلية، وأخرى مجانية إبان حكم صدام حسين.
ومنذ الغزو الأميركي للعراق، رفع الأردن أسعار المشتقات النفطية أكثر من مرة.

 

الخسائر والهدر في قطاع الطاقة

أعدت وزارة النفط دراسه عن الخسائر الناجمه عن الهدر والاهمال وسوء الاداره في عمليات انتاج النفط، انجزت في 23/3/2015. وقدرت الوزارة تلك الخسائر قرابة ( 14,5) مليار دولار امريكي للفتره من 2011 الى نهاية 2014 .
وقد علق وزير النفط , السيد عادل عبد المهدي على هذه الخسائر بأن [هذا هو الفساد الحقيقي ... وهذه هي الخسائر الكبرى والهدر الحقيقي للأموال .وهذا هو الغياب الحقيقي للتخطيط والاداره الرشيدة] .
أثيرت حول هذه التصريحات نقاشات واسعه في الأوساط المختصه . وذهب البعض إلى أن تشخيص هذا التقصير يهدف لتبيان فشل نموذج (عقود الخدمه)، وبالتالي التفاوض على إلغائها واحلال عقود المشاركه ( p.s.c) محلها . ومع أن العبرة في أي عقد نفطي هو ليس في عنوانه بل في محتواه وتحليله الاقتصادي، وتحقيقه لأعلى المنافع الماديه للبلاد، ومدى انطباقه على الحقل أو الحقول المشموله فإن النقاش في هذا الموضوع ليس في محله، ويجب أن يجرى بمعزل عن تقييم الأضرار الناجمه عن الإهمال (المتعمد وغير المتعمد) وسوء الاداره وانعدام التخطيط في ظل أي نمط من أنماط العقود المعروفه في عالم النفط .
وللتقييم الحقيقي للأضرار والخسائر الناجمه عن سوء الاداره و(الفساد الاداري ) والاهمال خلال الفتره منذ عام 2006 ولحد الآن في مجال الطاقه (النفط ،الغاز،الكهرباء ) يفوق ماتوصلت إليه وزارة النفط بعشرات الأضعاف ويبلغ قرابه ترليون دولار .وهذه ربما كانت أخطر حاله فساد اداري في التاريخ الحديث . ولا اختلاف بين من يحرمك من دخل مؤكد قدره دولار واحد وبين من يسرق منك ذلك الدولار بعد تحصيلك عليه. فأن الأضرار الناجمه عن الفساد الاداري (الإهمال، سوء الاداره، الأضرار الناجمه عن عدم معالجه الخلل ...إلخ ) كلها تعتبر بعرف القانون التجاري والجنائي من جرائم الإهمال.
وقد قمنا بتقدير أولي لحجم الأضرار الناجمه عن سوء الاداره وانعدام التخطيط والفساد الاداري والإهمال الجنائي (criminal negligence) عدا السرقه والفساد المالي في مختلف أوجه صناعات الطاقه . وندرج فيما يلي موجزا بهذه الأضرارالماليه وغير النقديه :
في مجال النفط:
أولاً: تأخر تنفيذ زيادات الإنتاج:
كانت وزارة النفط قد وضعت خطة لزيادة الإنتاج إلى ستة ملايين برميل يومياً منذ ثمانينات القرن الماضي. ولم تنفذ الخطة بسبب الحرب العراقية – الإيرانية والحصار الذي فرض على العراق لاحقا .
وقد أعيدت دراسة الخطة عام 2004 في عهد الحكومة المؤقتة وعرضت في المجلس الأعلى للنفط والغاز من قبل وزير النفط آنذاك السيد ثامر الغضبان، وكانت المدة المتوقعة لتنفيذ الخطة هي سنتين أو ثلاث سنوات وبالتعاون مع شركات النفط العالمية. وعند ارتفاع أسعار النفط والذي بلغ حوالي (100) دولار للبرميل على مدى حوالي خمس سنوات، كان الدخل الضائع على العراق يعادل حوالي (100) مليار دولارسنوياً، وبما مجموعه حوالي نصف ترليون دولار فقدها العراق بسبب سوء الاداره وانعدام التخطيط .
ثانياً:تأخر إنتاج ومعالجة الغاز:
كان من المفروض أن تكون أهم أولويات قطاع البترول هي إيقاف حرق الغاز والعمل الفوري على معالجته لتوفيره لإنتاج الكهرباء والصناعات المحلية المختلفة، بالإضافة إلى تطوير حقول الغاز لضمان توازن الإستهلاك عند حصول أي تقلبات في إنتاج الغاز المصاحب للنفط. ولو بلغ إنتاج العراق من النفط الخام ستة ملايين برميل يومياً كان إنتاج الغاز سيبلغ أكثر من ضعف إنتاجه الحالي، ولأصبح يكفي (مع الغاز الحر) لوقود قرابة 30 ألف ميكاواط من الكهرباء التي كان المفروض أن يكون العراق مصدراً لها.كما أن هذه الحالة كانت ستوفر من السوائل البترولية ما يعادل (300,000) ألف برميل يومياً، وبقيمة تقارب 30 مليون دولار يومياً بالأسعار السابقة أو 15 مليون دولار يومياً بالأسعار الحالية. وعلى مدى السنوات الخمس الماضية كانت خسارة العراق من هذا الهدر أكثر من عشرة مليارات دولار سنوياً، إضافة إلى الأضرار الناجمة عن حرمان العراقيين والإقتصاد العراقي من الكهرباء.
ثالثاً:المصافي:
لم ينجز العراق بناء أي مصفى كبير جديد رغم أن مصفى الوسط كان جاهز التصاميم وبقربه مجمع للبتروكيمياويات، وكان بالإمكان إنجاز هذا المصفى وغيره بالإستثمار أو من خزينة الدولة. وقد تسبب هذا التأخير في إستيراد العراق للمشتقات البترولية بأكثر من خمسة مليارات دولار سنوياً. والضرر بالإقتصاد هو ليس فقط خسارة المال العام المصروف على الإستيرادات، بل ما توفره المصافي من عماله ومواد أولية للصناعة.
رابعاً:تأخر مشروع حقن الماء:
يحتاج إنتاج النفط إلى كميات هائلة من الماء بعد معالجته من الأملاح والشوائب للحفاظ على توازن الضغط في المكامن النفطية لأدامة الإنتاج. ومن القرارات البالغة الخطورة على مستقبل الإنتاج كان قرار سحب هذا المشروع من شركة (أكسون) العالمية وإناطته بشركة المشاريع النفطية التي لم تكن مؤهلة للقيام بهذا المشروع. وقد تسبب هذا القرار بتأخر المشروع لأكثر من ثلاث سنوات. ويعتقد بعض الخبراء أن هذا التأخير أضر ويضر بمكامن النفط في الجنوب بشكل قد يصعب تعويضه لاحقاً. ولا بد من دراسة فنية لمعالجة الموضوع وتقييم الأضرار.
خامساً:خزانات النفط:
تسبب تأخير إنشاء خزانات النفط الخام عند مجمعات التصدير بمعظم الضرر الذي أشار اليه السيد وزير النفط مؤخراً. فأن التصدير يتوقف عندما تتردى الأحوال الجوية قرب موانيء التصدير فيتوقف تحميل الناقلات الراسية على الموانيء. كما يتوقف التحميل عندما لا تكون أي ناقلة موجودة للتحميل بسبب عدم إنتظام وصول الناقلات. وفي الحالتين لا بد من وجود خزانات تكفي لإستلام الإنتاج لفترة لا تقل عن عشرة أيام، وقد تصل إلى أسبوعين من الإنتاج. وبسبب عدم وجود خزانات كافية كان الإنتاج يتوقف ويخسر التصدير ما يقارب 20 مليون دولار يومياً، بالإضافة إلى ما يسببه عدم إستقرار الإنتاج من أضرار بالمكامن، وانخفاض إنتاج الغاز المصاحب الذي يؤدي إلى توقف إنتاج الكهرباء في المحطات التي تعتمد في وقودها عليه.
في مجال الكهرباء
أولاً: نقص إنتاج الطاقة
قدرت جهات عدة الأضرار الاقتصادية المترتبة على نقص إنتاج الكهرباء. ومن هذه الجهات وكالة الطاقة الدولية (IEA) والإستشاريون الذين أعدوا دراسة إستراتيجية الطاقة (INES) لهيئة المستشارين في مجلس الوزراء وغيرهم. وتتراوح هذه التقديرات حول ما يقارب 40 مليار دولار سنوياً كأضرار للإقتصاد بسبب عدم توفر الكهرباء لقطاعات مهمة من الاقتصاد العراقي.
وبما أن توفير الكهرباء بالمولدات الغازية الحديثة لا يتطلب أكثر من سنتين، كان بالإمكان سد نقص الكهرباء عام 2006 أو بعده بقليل. ولا يتطلب توفير الطاقة الكهربائية الإعتماد على الخزينة العامة، إذ أن المستثمرين مستعدون لإنشاء هذه المحطات وبمدد زمنية معقولة. وهذا يعني أن سوء إدارة قطاع الكهرباء تسببت في خسارة الاقتصاد العراقي حوالي 300 مليار دولار خلال السنوات السبعة أو الثمانية المنصرمة، وستستمر هذه الخسارة لمدة سنة أو سنتين في أفضل الأحوال.
ثانياً: وقود محطات الكهرباء:
تخسر الكهرباء ما يعادل ألف ميكاوات بسبب عدم انتظام تجهيز الوقود أو إنخفاض ضغط الغاز. وتفقد الطوربينات الغازية ما يقارب ثلث قدرتها التصميمية بسبب استعمال النفط الخام أو زيت الوقود. كما أن تأخر الإستثمارفي الدوره المركبه (combined cycle) بالإستفادة من الحرارة الناجمة عن إحتراق الوقود يسبب خسائر إضافية. وعند إستغلال الدوره المركبة يمكن زيادة القدرة في الطوربينات الغازية بنسبة 50% دون الحاجة إلى وقود إضافي. ولو توفر الغاز (المصاحب والحر) لجميع المحطات الكهربائية ولو أضيفت الدوره المركبة لجميع المحطات الغازية لكان بالإمكان إنتاج خمسة آلاف ميكاواط إضافية من المحطات العاملة حالياً.
إن عدم توفر الغاز بشكل كامل ومستمر يتسبب بعدة أضرار منها:
1- استعمال نفط خام وسوائل بترولية أخرى بقيمة تصديرية تبلغ حوالي 20 مليون دولار يومياً.
2- فقدان قدرة كهربائية تقارب خمسة آلاف ميكاواط. وتقدر أضرار هذه الإدارة السيئة لوقود الكهرباء بحوالي عشرة ملايين دولار يومياً.
وتبلغ الأضرارالناجمة عن سوء ادارة الوقود في قطاع الكهرباء بما لا يقل عن عشرة مليارات دولار سنوياً... وهكذا تكون الأضرار المباشرة وغير المباشرة لسوء إدارة قطاع الكهرباء بما يقارب 50 مليار دولار سنوياً.
الأضرار غير النقديه
تسببت سياسه الإهمال والفساد الاداري بأضرار جسيمه غير نقديه ومن هذه الأضرار على سبيل المثال لا الحصر، مايلي:
أولا : الاستمرار في استعمال رابع اثيلات الرصاص (tetraethyl lead) السامه الممنوعه دوليا في البنزين لرفع الرقم الاوكتاني للبنزين (octane number ).ان المصافي الحديثه لا تنتج بنزين واطيء الاوكتان .كما أن المصافي القديمه تتجاوز هذه المشكله بإنشاء وحدات إضافيه للأزمره isomerisation) ) لانتاج البنزين الخالي من الرصاص .
ومما يؤسف له أن ماينتج من البنزين في العراق لا يزال يعالج بأضافه رابع اثيلات الرصاص السامه والمسرطنه، هذه جريمة صحيه وبيئيه لايمكن استمرارها حتى وإن اضطررنا إلى ايقاف الوحدات القديمه واستيراد البنزين المحسن من الخارج .فصحة المواطن أثمن من التوفيرات القليلة في انتاج البنزين. ومن المستغرب أن الإضافات والتوسعات الجديده في مصافي الجنوب سيكون من وحدات من دون أزمره وتحتاج إلى إضافة رابع اثيلات الرصاص لجعلها قابله للتسويق.
ثانيا : إن حرق الغاز لا يفقدنا قيمة الغاز المحروق فقط، بل يسبب تلوث هائل في البيئه. وحرق الغاز بهذه الكميات يجعل العراق من أكثر بلدان العالم تلوثا بالغازات المسببه للاحتباس الحراري. وبدل أن يكون استعمال الغاز من عوامل تخفيض التلوث الناشئ من حرق الوقود الاحفوري، أصبح حرق الغاز وبالا على العراق والعالم . ومن المعروف أن التلوث البيئي الناتج عن استعمال الغاز كوقود لانتاج الطاقه أو في الصناعه، أقل انتاجا للغازات المسببه للاحتباس الحراري والتلوث البيئي عموما من الأنواع الأخرى للوقود الاحفوري fossil fuels)).
ثالثا : مولدات الديزل التي نصبت مؤخرا من قبل وزاره الكهرباء يعتبرها الخبراء غير صالحه لانتاج الطاقه الكهربائيه للحمولات الأساسيه لارتفاع كلفتها وسرعه اندثارها. إنها تتسبب بمشكلتين إضافيتين، الأولى، إن استعمالها لزيت الوقود أو وقود الديزل الذي يسبب تلوثا غير قليل في البيئه. والاسوأ أن ايصال الوقود بالكميات المناسبه لهذه المولدات في مواقعها المنتشره أمر غايه في التعقيد ويسبب مشاكل عده . إن آلاف الصهاريج المتحركه على الطرقات تسبب مختلف الأضرار والاختناقات علاوة على تكدسها عند خزانات التجميع مما يخلق فوضى يصعب تصورها إلا عندما نرى بأعيينا ما يجري في مواقع هذه المولدات من إشكالات. وقد نجم عن هذه الفوضى فساد مالي واداري إضافي .
رابعا : المولدات الأهليه التي تكلف المستهلك أضعاف ما يمكن أن تتكلفه الطاقه المجهزه من المحطات الكبرى فضلا عن أن المولدات الأهليه تشوه الشوارع بشبكاتها العنكبوتيه، وقد تسببت بموت الكثيرين صعقا بالكهرباء التي غالبا ما تنجم عن التوصيلات غير النظاميه يضاف إلى ذلك ماتسببه هذه المولدات من تلوث بيئي وضوضائي .
-------------------------------------------------------------------
*عضو مجلس النواب العراقي، رئيس لجنة الطاقة النيابية السابق ومدير مركز البحوث والدراسات العراقية
                                                                          

الاقتصاد العراقي .. بالمقلوب

الاستقراء التاريخي منذ عقود خلت ، يؤكد وجود علاقة دالية Function relationship طردية وبمعنوية عالية بين حجم الإيرادات النفطية وحجم الإنفاق الحكومي ، ما يماثل هذه العلاقة السببية التي قد تبدو منطقية على صعيد الاقتصاد الجزئي (Microeconomic)، حيث كلما ازداد دخل الفرد ازداد انفاقه بنسبة اكبر من ادخاره في المراحل الأولى التي فيها حاجات غير مشبعة ، أي ان ميله الحدي للاستهلاك عالي، والعكس بالعكس ، ولكن حصول نفس هذا الميل الاستهلاكي على صعيد الاقتصاد الكلي ( Macroeconomic )، فهو يعني بكل بساطة ، أن هناك حكومات ساذجة لا تعرف تدابيرها، تجعل إنفاقها متغيراً تابعاً بالكامل لحجم إيراداتها النفطية ، وتتصرف كما لو ان سلوكها الاستهلاكي سلوك فرد ، وليس سلوكاً جمعياً يمثل تجميعاً حسابياً لسلوكيات الأفراد ، مضافاً اليه متغيرات أخرى لها علاقة بتقاطع المصالح الفردية التي لا يمكن ان تتواءم وتتناسق الا في إطار دولة ، تسلك سياسات اقتصادية في إطار الاقتصاد الكلي .
من هنا تأتي الكارثة الاقتصادية للعراق ، فالاقتصاد العراقي تعمل متغيراته الكلية بطريقة متغيراته الجزئية ، لان أصحاب القرار كانوا في الغالب غير مختصين واسرى سلوكهم الغرائزي الشعوري ، وعندما يضع قرارات للدولة تكون مدفوعة بقوى الفرد لا بقوى الكل علماً ان الكل لا يساوي حاصل جمع قوى الأفراد ، لان المتغيرات العشوائية Random variables والمتغيرات الوهمية Dummy variables والمتغيرات التي يتنازل بها الفرد عن نزعاته للكل لا تظهر الا عندما يفكر متخذ القرار بسلوك دالة كلية ، وعلية بقي الاقتصاد العراقي لعقود طويلة أسير هذه العلاقة الطردية بين إيرادات النفط وحجم الإنفاق الحكومي ، دون التفكير بإيجاد مخزون لأغراض التوازن ، وبما ان الإيرادات النفطية تتأثر بالمتغيرات الخارجية أكثر مما تتأثر بالمتغيرات الداخلية ، فأن الاقتصاد العراقي يبقى أسير أسواق النفط التي تتقاذفها المعطيات السياسية والإستراتيجية الدولية اكثر مما تؤثر فيها قوى العرض والطلب على النفط ، رغم ان الأخير صار مهما أيضا بعد اكتشاف بدائل للنفط يمكن استغلالها بمؤشرات تجارية ناجحة ، ومن يضع اقتصاده تابعاً لهذه المتغيرات الخارجية، عليه ان لا يتوقع اقتصاداً مستقراً ومستقلاً في يوم ما .
في ضوء نظريات الاقتصاد الكلي تعمل اقتصادات العالم على أساس ان الدولة حارسة ومنظمة وتدخلية، فهي حارسة لحقوق وملكيات القطاع الخاص، ومنظمة بكل يسر وشفافية لمتطلبات عمله، وتدخلية بشكل إيجابي لإنقاذ الاقتصاد من أي ازمة (لا استقرار) تمر عليه سواء كانت (تضخمية ام ركودية) ، الا في العراق، فالاقتصاد لدينا يعمل بالمقلوب تماماً خلاف كل أنظمة العالم الاقتصادية ، ومصاديق ذلك هو الأتي:
أولا: الدولة في العراق لازالت مالكة وليست حارسة:
يكفي انها تملك إيرادات النفط وهو خلاف الدستور ما لم توصلها او توصل منافعها للشعب ، لأن النفط هو ملك الشعب العراقي حسب المادة (111) من الدستور ، وكلما أتخمت جيوبها بالإيرادات النفطية أنفقت بكل طيش وهدر على مجالات استهلاكية ومظهرية ووضعت التخصيصات العالية وتركتها سائبة دون رقيب ولا حسيب ، حتى خلقت طبقة من الفاسدين المترفين قبالة شرائح فقيرة واسعة واحتياجات حقيقية غير مشبعة من السلع والخدمات العامة والخاصة ، واذا انفقتها في مجالات استثمارية فالمصيبة اعظم ، اذ يتسابق الفاسدون في مختلف جهات التعاقد على التلاعب في الأولويات فتخصص الأموال الطائلة للمشاريع التافهة وغير المهمة طالما إنها تتيح اكبر فرصة ممكنة للفساد ، ولذلك تجدهم يستحدثون مشاريع ارضائية غير حقيقية لكسب أصوات مناطقية توضع لها (أحجار الأسس) باحتفاليات استعراضية ، وتبقى تمول (بالقطارة) لان الأموال فتت على الاف المشاريع التي لم تنفذ او انها نفذت جزئياً لتبقى جرحاً نازفاً في جسد العراق ، وضرعاً يرضع منه الفاسدون من موظفي الدولة والمفسدون من المقاولين الطارئين ، وعبثت أيادي الفساد في مواصفات التنفيذ وفي كلفه وصارت المواقع الوظيفية ذات التماس المباشر بإبرام العقود وإحالتها وتنفيذها تباع وتشترى في بورصة الفساد ، وعجزت الدولة من أن يكون إنفاقها عقلانيا، وأوغلت في التبذير وهدر الأموال ولم تقرأ جيداً سوق النفط وتذبذباته ولم تحاول ان تخلق (صندوقاً للاستقرار) يوازن بين حجوم الإنفاق العام في فترات الرخاء و حجومه في فترات العسر ، ولو كان هذا الصندوق متاحاً لاستطاعت الحكومة اليوم من استعماله لاغراض استدامة التنمية والاعمار ، واستدامة دفع مستحقات الشركات عليها بدلا من التنصل عنها وسيادة حالة من اللاثقة بين الحكومة والمتعاملين معها وما تبع ذلك من رسائل سيئة يتلقفها المستثمرون العراقيون والأجانب وتجعلهم يتحسبون كثيرا في القدوم الى العراق والاستثمار فيه حاليا ومستقبلا ، ويكون العراق الخاسر الأكبر من إشاعة مثل هذه المؤشرات الطاردة .
ان التوسع في الإنفاق الحكومي في أوقات الركود والكساد لإخراج الاقتصاد من فخ الضغوط الانكماشية هو ما يجب ان يكون وليس العكس ، لان انكماش الأنفاق الحكومي متزامنا مع انكماش الاقتصاد يجعل الأثر مضاعفا ، والبطالة تستشري بمعدلات مضاعفة والانفجار المجتمعي يكون محتملا والحلول المتاحة تكون أصعب ، مثلما يكون تزامن توسع الإنفاق الحكومي مع التضخم الجامح ذا اثر مضاعف قد يجعل القوة الشرائية للأفراد تتآكل بشكل متسارع والقيم الاجتماعية أيضا تتآكل بشكل متسارع حتى تعصف بالطبقة الوسطى باتجاه الفقيرة وتدفع بالفقيرة الى ما دون خط الفقر ،وكل ذلك لان العلاج بالمقلوب ، وحتى متخذ القرار امام الخيارات المحدودة يصبح مجبرا على العلاجات التي بالمقلوب والتي تسارع في موت المريض دون ان تشفيه ، فلو استطاعت حكومة حكيمة ان تكبح جماح التضخم المرافق لتعاظم إيرادات النفط من خلال حجز قسم من قدراتها الانفاقية في (صندوق الاستقرار المقترح) وبذلك تمارس أثراً انكماشياً لإخراج الاقتصاد من فخ الضغوط التضخمية ، وبالتبعية فإنها سوف تستطيع السحب من (صندوق الاستقرار ) كي تزيد إنفاقها الحكومي في أوقات الانكماش ، وتكون قد مارست اثراً توسعياً لإخراج الاقتصاد من فخ الضغوط الانكماشية ، فإنها تكون حكومة حكيمة تعمل وفق المنطق الاقتصادي وتستخدم ادوات السياسات الاقتصادية بشكل صحيح ، ولان الحكومة لا تفكر بعقلية الاقتصاد الكلي فأنها لم تعتمد سياسات اقتصادية كلية مؤثرة في الاقتصاد ، هذا اذا كان هذا الفهم المنطقي متاح أصلا لدى متخذي القرار ، وهو الأمر الذي استبعده في إطار تسلق غير الاقتصاديين الى كل المواقع الاقتصادية في الدولة بحثا عن خرائط الكنوز المخبأة في تلك المواقع ، عليه فان الاقتصاد العراقي سيبقى بالمقلوب إلى ما شاء الله.
ثانيا: الدولة في العراق لازالت منظماً سيئاً للعملية الاقتصادية :
يأتي العراق ،للأسف الشديد، في ذيل قائمة الدول من بين (186) دولة في مجال تسهيلات الأعمال ، بمعنى انه أكثر البلدان سوءا في بيئة الأعمال والاستثمار، حسب تقارير البنك الدولي السنوية حيث يقيس تقرير ممارسة الأعمال الأنظمة التي تشجع أنشطة الأعمال أو تقيدها عبر 9 مجالات أو "مؤشرات" أساسية هي (بدء الأعمال، والتعامل مع إجازات البناء، وتسجيل الأملاك، والحصول على تسهيلات ائتمانية، وحماية المستثمرين، ودفع الضرائب، والتجارة عبر الحدود، وتنفيذ العقود، وإغلاق الأعمال) ، فكيف ندعو المستثمرين للاستثمار في العراق وهم مطلعون على مثل هذه التقارير ولكل صعوبة تواجههم هنالك كلفة وكلما تعاظمت الكلف صار الاستثمار غير مربح وغير مجدي وفق معايير (التكلفة /العائد) ، وإذا كان (الاستثمار الكلي = الاستثمار الحكومي + الاستثمار الخاص ) وحيث ان الاستثمار الحكومي قد تراجع بحدود 80% في الموازنة العامة لسنة 2015 التي تواجه نقصاً كبيراً في الإيرادات العامة ، فلا سبيل أمام الحكومة إلا زيادة الاستثمار الخاص إذا ما أرادت الحفاظ على مستوى معقول من النمو في الناتج المحلي الإجمالي يتبعه مستوى معقول من التشغيل لعناصر الإنتاج للحيلولة دون انحدار الاقتصاد الى ازمة كساد خانق ، وحيث ان الاستثمار لا يأتي إلا بتحسين بيئة الأعمال فان (الواجب البيتي) لحكومة العراق يتمثل بالتركيز على (تحسين بيئة الأعمال Improve the business environment) وسوف تأتي الاستثمارات المحلية والأجنبية لسد النقص في الاستثمار الحكومي ، وأي إصلاحات يتخذها العراق ينبغي مراقبتها وتمكين المستثمر من الوصول اليها بكل شفافية ، وهنا لابد من قمع الفساد بيد من حديد كي لا تمتد اذرعه القذرة الى آليات العمل الميسرة ويحاول تعقيدها مجددا لغرض الابتزاز، ان مراقبة أثر الإصلاح سوف يسلط الضوء على مجالات النجاح وكذلك على المجالات التي تحتاج إلى المزيد من الجهد على حد سواء، وفي الوقت ذاته، فإن توصيل الإصلاحات توصيلاً فعالاً إلى الوكالات المنفذة ومجتمع الأعمال والمجتمع القانوني وعامة الجمهور سوف يضمن قبول التغييرات ووضعها موضع التنفيذ، وسوف يظهر الاتصال الفعال أن حكومة العراق تتخذ خطوات إيجابية لزيادة قدرة البلد على التنافس وحرية الدخول والخروج من والى اسواق السلع والخدمات والأعمال.
ثالثا : الدولة في العراق تتدخل عكسيا في الاقتصاد:
لازال دور الدولة في العراق، بالمقلوب، عما هو عليه دور الدولة في اقتصاديات السوق، حيث تعمل الدولة في اقتصاد السوق على أساس التدخل الإيجابي بأضيق الحدود اللازمة لإعادة الاستقرار وحيث ان الطلب الكلي هو حاصل جمع الطلب الحكومي والطلب الخاص ، فعندما يتراجع الطلب الكلي نتيجة تراجع الطلب الخاص ، بسبب حصول ضغوط انكماشية Deflationary pressures وتراجع مستوى الإنتاج والتشغيل والدخول الموزعة لعناصر الإنتاج ، فأن الحكومة تتدخل من خلال زيادة الطلب الحكومي مدفوعاً بزيادة الإنفاق الحكومي ، مؤدياً الى تنظيم الموازنات العامة بعجز أي (النفقات العامة اكبر من الإيرادات العامة) لإخراج الاقتصاد من حالة عدم الاستقرار ومنعه من الانزلاق نحو الانكماش والكساد ، ويحصل العكس تماما عند حصول ضغوط تضخمية Inflationary pressures ، حيث يكون الطلب الخاص متزايد بمعدات كبيرة تضطر الحكومة الى تقليص الطلب الحكومي من اجل العودة الى الاستقرار المرغوب ، اما في العراق فان حجم الانفاق الحكومي وهو ممول من الإيرادات النفطية بنسبة 95% ، والموازنة العامة للدولة تمثل بحدود 45% من الناتج المحلي الإجمالي GDP في حين هذه النسبة لا تتجاوز 7% في مصر مثلا ، وهذا يعني هيمنة الإنفاق العام على الأداء الاقتصادي في العراق ، فيما يكون مع الأثر غير المباشر للإيرادات النفطية في خلق الناتج المحلي الإجمالي بحدود 80% ، وعلية فأن التراجع في الطلب الكلي يأتي في الغالب من التراجع في الطلب الحكومي الناتج عن تراجع الإنفاق الحكومي المتراجع بسبب تراجع أسعار النفط ، ثم ينكمش القطاع الخاص بوصفه مقاولاً لدى القطاع الحكومي في الغالب ، فيكون الوضع بالمقلوب، بدلاً من انكماش القطاع الخاص وتكون الحكومية تدخلية لإنقاذه، ينكمش القطاع الحكومي ويطلب من القطاع الخاص ان يكون ذا دور تدخلي لإنقاذها ، وهي مفارقة مضحكة ، وقواعد اللعبة إذن بالمعكوس، حيث تتغير معادلات التعامل مع القطاع الخاص ، من وضع معادلة التهميش عندما تكون جيوب الحكومة متخمة الى وضع التوسل والتودد لحثهم على الاستثمار وأقامه المشاريع واستكمالها بالدفع لأجل وبأساليب أخرى جميعها تصب في خانة ، إقراض الحكومة ، وهذا أمر عجيب تعجز النظريات الاقتصادية من التعاطي معه.
رابعاً: السياستان المالية والنقدية هي الأخرى.. بالمقلوب :
في الأدبيات الاقتصادية التي يعمل عليها العالم كله ، يجب ان تكون السياستان متناغمتين غير متناقضتين في الهدف والتوجه، فأما ان يكونا توسعيتين معاً ، في حالة الانكماش Deflation ، او تكونا انكماشيتين معاً في حالة التضخم Inflation ، إلا في العراق ، ففي الرخاء حيث الإيرادات النفطية كبيرة تتوسع الحكومة بالإنفاق العام وتنظم الموازنة بعجز كبير قد يكون تخطيطي ، ولكنه توجه نحو التوسع في الإنفاق والغاية منه إحداث التنمية ،وقد نبرر ذلك لان البلد يعاني من تخلف ويريد ان ينمو بخطى أوسع ويخلق عملية تنمية لتضيق فجوة التخلف ، ولكن غالبا ما تصاحب ذلك سياسه نقدية انكماشية تبتلع جزءً مهماً من الأثر التوسعي للسياسة المالية ، فنبقى ندور عند نفس المستوى المتخلف الذي كنا نرغب في الانطلاق منه نحو مستويات اعلى ، والعكس بالعكس ، في حالة شح الإيرادات النفطية لدى الحكومة ينكمش الانفاق الحكومي في مختلف الأنشطة ويحدث انكماش في الاقتصاد واضح المعالم والأثر ، ثم تتدخل السياسة النقدية بجرعات توسعية تحاول إنقاذ الإنفاق الحكومي المتراجع وتعيد الأمور الى نصابها في إطار حدود ومستويات روتينية هي (إدامة الإنفاق الحكومي التشغيلي بحدوده الدنيا ) ، وكأن نقطة الاستقرار المرغوبة لدى السياسات الاقتصادية المالية والنقدية هو ان تلغي كل منها أثر الأخرى التوسعي، ليبقى البلد عند مستوى من التخلف المرغوب .
خامسا: الدولة تعتمد إجراءات بوليسية وليست سياسات اقتصادية:
نجد ذلك بوضوح في ثقافة الموظف العراقي وثقافة متخذ القرار الاقتصادي ايضا ، في كثير من المفاصل التي لا يسع المقام الى سردها واكتفي بحالة شائعة ، حيث يطل علينا بين الحين والأخر مسؤولون يتحدثون عن تهريب النقد الاجنبي من العراق، ويقترحون المزيد المزيد من الاجراءات البوليسية لمنع الظاهرة ، يوغلون في التفاصيل ويغرقون بقصص الملاحقات وقصص التعجب وربما الاعجاب بقدرة المهربين في التحايل واجتياز كل العقبات التي وضعوها ، وربما التغني ببطولاتهم لانهم مسكوها ومنعوها من الخروج وربما يصبحون ابطال وطنيين .
والحقيقة مختلفة تماما عن تصور هؤلاء الابطال ، فلا توجد قضية اصلا في المفهوم الاقتصادي ، ولا داعي للاجراءات البوليسية المتخذة والبطولات الزائفة ، باختصار شديد ، (لان النقد الاجنبي يَهْرب من العراق ولا يُهَرب، أيها السادة ) ، وما تقومون به من اجراءات هو ايضا (بالمقلوب) .
 في كل العالم ونحن لسنا بمعزل عنه ، ولكل دولة ميزان مدفوعات The balance of payments يحتوي شقين :
1. الشق الأول : ميزان تجاري Balance of trade، وهو بالضرورة ولابد ان يقابل خروج النقد الأجنبي دخول سلع وخدمات بقيمته ، تدخل الى البلد لتساهم في العرض الكلي ، وهنالك آليات محكمة تتمثل بالاستيراد وفق اعتمادات مستندية ، وسميت مستندية لان النقد الأجنبي لا يطلق للمصدر الا بمقدار السلع والخدمات المثبتة في مستندات وتصل الى منفذ الاستلام وتقيد ويتم إشعار المصرف التجاري بالإطلاق.
2. الشق الثاني: حركة رؤوس الأموال Movement of capital من والى البلد ، وهي حركة مشروعة ولها أسس نظرية وتحميها قوانين محلية ودولية، وهي أموال تبحث عن فرص استثمارية مربحة، وتبرع الدول لإيجاد بيئة جاذبة لها ، حيث النافذة الواحدة وتهيئة دراسات جدوى رصينة وتهيئة الاراضي المخصصة والمخلصة من المشاكل وتسهيلات لوجستية هائلة ليأتي المستثمر بأمواله ويستثمر في البلد ، حيث عندما يكون البلد جاذباً ومربحاً تسجل حركة رؤوس الأموال من الخارج للداخل ، وعندما يكون البلد (مثل العراق ) طارداً وبيئة الاستثمار سيئة وتتقاذفها أهواء الفاسدين تهرب رؤوس الأموال ، اي يهرب النقد الأجنبي من البلد الى الخارج باحثا عن فرص مربحة وآمنة للاستثمار، بدليل ان العراقيين لديهم استثمارات كبيرة جدا في الخارج وهي جزء من الناتج القومي الإجمالي (GNP) الذي ينمو بمعدلات أسرع من (GDP) والفجوة بينهما تتسع ، ومعظم العراقيين يرغبون في الاستثمار في العراق ويتحسرون على عدم تمكنهم من ذلك لان العراق طارد أيها السادة ، فالقصة إذن ليس تهريب بل هو هروب ، ويضطر صاحبه الى تهريبه لأنكم وضعتم عراقيل أمام انسيابية حركة رؤوس الأموال بشكل طبيعي تضطره الى التحايل لكي يجتازها ، وعلية فأنكم تؤدون واجبا غير مقدس لأنه بالمقلوب ، الواجب المقدس هو ان تعرفوا مصادر الاموال التي بحوزة الناس ، هل جاءت من مصادر سليمة ام لا ، قبل ان تمنعوا خروجها ودخولها ، الواجب المقدس هو ان تقلبوا المعادلة ، حسنوا بيئة الأعمال هذا هو واجبكم البيتي، مكنوا المختصين من إدارة هيئات الاستثمار واعملوا على خلق حواضن للمستثمرين ، سوف يتدفق النقد الأجنبي من الخارج للداخل ويحقن في دورة الدخل والإنتاج المحلية وتحصل التنمية .
أشياء كثيرة أخرى عزيزي القارئ الكريم هي بالمقلوب في اقتصاد بوصلته لدى المختصين ولكن لا احد يطلبها ، ويتهافت عليه الآخرين تهافت الدبابير على سلة التمر.
------------------------------------------------------------------------------
(*) مستشار إقتصادي في هيئة المستشارين في الامانة العامة لمجلس الوزراء
حقوق النشر محفوظة لشبكة الإقتصاديين العراقيين. يسمح بالاقتباس واعادة النشر بشرط الاشارة الى المصدر
http://iraqieconomists.net/ar/

سوق الصرف في العراق منذ إقرار موازنة 2015

أولاً: مقدمة
أرتفع معدل الفجوة بين سعر الصرف الرسمي وسعر صرف السوق في النصف الأول من أيار 2015 إلى حوالي 12% بعد أن كان أقل من 5% في كانون ثان. فما الذي دفع لمثل هذا الاتساع في الفجوة؟ لنستطلع في هذه الورقة أهم العوامل الفاعلة التي أثرت في سوق الصرف الخارجي منذ إقرار قانون موازنة 2015، التي حُدِدَ في المادة 50 منه سقف لمبيعات البنك المركزي من الدولار للقطاع العائلي/الخاص.
ولكن من المناسب، قبل ذلك، اقتباس ما ورد في مقال لي نشر في 1 شباط (مرزا، 2015) من ضمن التبعات المتوقعة لتطبيق المادة 50: "إن تحديد سقف لمبيعات الدولار في مزاد العملة (75 مليون دولار يومياً،...) مع التزام البنك المركزي بهذا السقف، يطلق أشارة سيفسرها أغلب المتعاملون في السوق إلى أن السياستين المالية والنقدية غير ملتزمتان جدياً بالحفاظ على مستوى مستقر للأسعار وعن تأمين مستوى مستقر لسعر صرف الدينار تجاه الدولار. وسيؤثر ذلك سلباً في توقعاتهم ويدفعهم إلى اللجوء للتحوط من خلال زيادة الطلب على الدولار بأكثر من الحاجات التي يبررها مستوى الدخل والإنتاج (الطلب الاعتيادي). ويقود ذلك، من بين نتائج أخرى، إلى المضاربة وقلقلة التوازن في سوق الصرف...".
ثانياً: أهم العوامل الفاعلة في سوق الصرف منذ بداية 2015
بالرغم من تصاعد العمليات العسكرية في 2014، خاصة منذ حزيران، فإن سوق الصرف حافظ بصورة عامة على توازنه. ويمكن استقراء ذلك من عدم اتساع الفجوة بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق في 2014 عنها في 2012 و2013 (جدول 1). ولقد تطرقنا للعوامل المختلفة التي ساعدت على استمرار الاستقرار النسبي لسوق الصرف في مرزا (2014). ولكن منذ أوائل 2015 تفاعلت عوامل متعددة دفعت إلى اتساع الفجوة، لعل من أهمها:
• التدخل السياسي في سوق الصرف، من خلال تشريع المادة 50 في قانون الموازنة 2015.
• ضعف الثقة بنهاية منظورة للعمليات العسكرية.
• استمرار عدم اليقين من العملية السياسية.
• الانخفاض الملموس في العوائد النفطية وما يرافق ذلك من توقع استمرار انخفاض احتياطيات العملات الأجنبية.
• عدم اشباع كامل الطلب على الدولار بسعر الصرف الرسمي.
وقبل تلخيص محصلة تأثير هذه العوامل، لنلاحظ أولاً أن معدل الفجوة بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق في كانون ثان 2015 (4.7%) كان أقل من معدل السنوات 2012-2014 (5.1%).
ولكن يبدو أن تشريع المادة 50 أطلق موجة من التوقعات التي تفاعلت مع العوامل الأخرى لتؤدي تدريجياً إلى زيادة الطلب التحوطي أو/و المضاربي على الدولار، والذي أستمر حتى بعد أن تم "غض النظر" عن تطبيق هذه المادة بعد مضي ثلاثة أسابيع على تصديقها، ضمن قانون الموازنة.[1] وحتى ولو لم يفرض هذا السقف فإن عدم اليقين من مجرى العمليات العسكرية وغيرها من العوامل كان سيؤدي إلى الرغبة بامتلاك مبالغ إضافية من الدولار (والعملات الأجنبية الأخرى عموماً وربما الذهب أيضاً) تحوطاً لعدم اليقين.
في هذا الوقت لعب عاملان مترابطان دوراً أساسياً في تقييد المتوفر من الدولار وهما انخفاض عوائد تصدير النفط وانخفاض مستوى احتياطيات العملات الأجنبية. ولقد استعرضنا، في مرزا (2015)، شواهد انخفاض احتياطيات العملات الأجنبية ورصيد الحكومة في صندوق تطوير العراق. أما من ناحية عوائد تصدير النفط فلقد انخفضت هذه العوائد إلى النصف تقريباً خلال كانون-ثان/نيسان 2015 (15.9 مليار دولار) مقارنة بمستواها الذي بلغته خلال ذات الفترة من 2014 (30.2 مليار دولار). هذا بالرغم من أن معدل التصدير زاد بنسبة 13% بين الفترتين (من 2.48 م-ب-ي خلال كانون ثان-نيسان 2014 إلى 2.80 م-ب-ي خلال ذات الفترة في 2015)، الجدول (1) وموقع وزارة النفط الإلكتروني.
ولا شك أن انخفاض العوائد النفطية والرغبة في الحفاظ على مستوى مناسب من احتياطيات العملات الأجنبية كانا من العوامل الأساسية التي دفعت البنك المركزي إلى تقييد مبيعاته من الدولار ومن ثم تخلفها عن إشباع الطلب. فبالرغم من غض النظر عن تطبيق المادة 50 فإن معدل هذه المبيعات انخفض خلال الفترة كانون ثان-منتصف أيار 2015 إلى ثلثي مستواه تقريباً (126 م-د-ي) مقارنة مع ما بلغه خلال ذات الفترة في 2014 (187 م-د-ي).[2] لا بل أنه من ضمن مبيعات البنك المركزي من الدولار، فإن مبيعات النقد، وهي الأكثر تمثيلاً للطلب التحوطي والمضاربي، انخفضت بنسبة 62% بين الفترتين مقارنة مع انخفاض التحويلات بنسبة 22%، كما يمكن حسابه من الجدول (1).
لقد كانت محصلة تفاعل هذه العوامل (على جانبي العرض والطلب) توسع الفجوة بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق من 4.7% في كانون ثان إلى 6.3% في شباط وإلى 9.2% في آذار ثم إلى 11.7% في النصف الأول من أيار 2015، الجدول (1).
ثالثاً: تعدد اسعار الصرف
بالرغم من اتساعها التدريجي خلال الفترة 2009-2014، فلقد بقيت الفجوة بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق ضمن حدود يمكن في ظلها اعتبار سوق الصرف في حالة توازن نسبي في العراق خلال تلك الفترة. ولكن هذه الفجوة توسعت وعوامل إضافية طرأت منذ بداية 2015، كما اشير أليه أعلاه. وبالرغم من أن الفجوة لا زالت معتدلة، فأنه يمكن معها اعتبار سوق الصرف في العراق بأنها الآن على أعتاب التعدد (أي على أعتاب التخلخل في التوازن) أو أنها تحت ظل تعدد "معتدل" (أي اختلال معتدل) لأسعار الصرف. ويمكن في الوقت الحاضر تشخيص أسعار الصرف التالية:
(1) سعر الصرف الرسمي أو سعر صرف "نافذة" البنك المركزي أو ما كان، ولا زال، يطلق عليه سعر صرف المزاد؛ 1,166 دينار للدولار.[3] ويستخدم هذا السعر في التحويلات الرسمية المتعلقة بالميزانية العامة. مع العلم أن هذه التحويلات الرسمية لا تتم من خلال نافذة أو مزاد البنك المركزي وإنما مباشرة من خلال حسابات الدولة لدى البنك المركزي أو من صندوق تطوير العراق. ذلك أن نافذة أو مزاد البنك المركزي مخصص أساساً إن لم يكن حصراً لمبيعات الدولار إلى القطاع العائلي/الخاص.
(2) سعر الصرف الرسمي الفعلي لنافذة/مزاد البنك المركزي. ويساوي السعر الفعلي: سعر النافذة/المزاد زائداً رسوم البنك (21 دينار للتحويلات و24 دينار للنقد، لكل دولار)، أي أنه يساوي 1,187 دينار للدولار للتحويلات و1,190 دينار للدولار للمبيعات النقدية.
(3) سعر صرف السوق. وهذا هو السعر الذي يتحدد في السوق (شركات/محلات الصرافة، المصارف، الخ) بناء على تفاعل العرض والطلب. وهو في الحقيقة سوق متصل/متبقي للسوق الرسمية (أي نافذة/مزاد البنك المركزي). فهو يضيق ويتسع تبعاَ لكفاية أو عدم كفاية مبيعات البنك المركزي (للمصارف التجارية) في اشباع طلب القطاع العائلي/الخاص على الدولار، من ناحية، ومدى التزام هذه المصارف بالتحويل لزبائنها بالسعر الرسمي الفعلي، من ناحية أخرى. وفي النصف الأول من أيار، كما تمت الإشارة إليه، وصل معدل سعر السوق إلى 1,302 دينار للدولار.
(4) سعر صرف التحويلات "البديل". في أواخر آذار 2015 فرض البنك المركزي على المصارف استيفاء تأمينات، قابلة للاسترجاع، من زبائنها المستوردين عند التحويل من الدينار إلى الدولار، ويبلغ مجموعها 8% من مبلغ التحويلات.[4] ولقد فرض البنك المركزي جباية هذه التأمينات كوسيلة رقابية لمتابعة وضمان تحقق الاستيراد فعلاً. وفي حالة عدم القيام بالاستيراد سوف لن تُستَرجَعْ التأمينات. وبذلك يكون سعر الصرف، بالنسبة للمستورد الذي لا ينفذ عملية الاستيراد، مساوياً إلى 1,282 دينار للدولار، أي: [1.08× (1,166+21)]. وهذا يضيف سعراً ممكناً آخر لأسعار الصرف المبينة أعلاه، أطلقنا عليه أسم "سعر صرف التحويلات البديل". ويزداد احتمال ظهور هذا السعر عند توسع الفجوة بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق (وربما يساهم ظهوره بتوسع الفجوة نفسها). على سبيل المثال، فإن وصول سعر صرف السوق في النصف الأول من أيار إلى 1,302 دينار للدولار جعله يتخطى 1,282 دينار. ومن الواضح أن "المستورد" الذي لا يريد القيام بالاستيراد سوف لن يردعه دفع التأمينات طالما يستطيع الحصول على الدولار بسعر إجمالي قدره 1,282 دينار رسمياً والذي هو أرخص من سعر السوق (1,302 دينار للدولار). هذا إضافة للأهمية الكبيرة لسهولة التحويل إلى الخارج، عن طريق الجهاز المصرفي، وانخفاض أخطاره مقارنة باللجوء إلى السوق. ويمكن ان نستخلص مما تقدم ايضاً أن توسع الفجوة بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق سوف يقلل وبأغلب الظن سيلغي فعالية استيفاء التأمينات كوسيلة رقابية.
لقد تطرقت في مقالي، المشار أليه أعلاه، (مرزا، 2015)، إلى تبعات تعدد أسعار الصرف وما ينشأ عنها من انفصال الأسواق وتخلخل التوازن وتدني الكفاءة الاقتصادية. ويكفي أن نضيف، في هذا المجال، أن توسع الفجوة بين هذه الأسعار يزيد من أثر تلك التبعات والتي أخذت مظاهرها بالوضوح الآن.
رابعاًً: المستوى العام للأسعار
بالرغم من تصاعد واستمرار العمليات المسلحة خلال 2014 و2015 فإن معدل الزيادة في الرقم القياسي لأسعار المستهلك كان منخفضاً جداً في 2014 (2.3%). لا بل أن معدل أسعار المستهلك نفسه انخفض خلال الشهرين الأول والثاني لسنة 2015 (تضخم سالب!). بعد ذلك لا تتوفر بيانات من الجهاز المركزي للإحصاء. وبالرغم من صعوبة توقع مثل هذه الاتجاهات في الظروف التي يمر بها العراق إلا أنه يمكن أن يعود كما بينا في مرزا (2014) إلى تأمين استمرار العرض السلعي من الاستيرادات للمناطق خارج العمليات العسكرية وإيجاد منافذ بديلة للنقاط الحدودية المسيطر عليها من قبل الجماعات المسلحة. إضافة لذلك فإنه بعد حزيران 2014 لا يشمل الرقم القياسي العام لأسعار المستهلك في العراق الأرقام القياسية للأسعار في مناطق العمليات المسلحة كنينوى وصلاح الدين والأنبار وكركوك. وفي عام 2015 يبدو أنه بالرغم من انخفاض مبيعات البنك المركزي من الدولار عن عام 2014 فإن سياسة البنك المركزي، بالإضافة إلى تخطي السقف المحدد بالمادة 50، أنصبت على التمييز في التخفيض بين التحويلات والنقد. فكما لوحظ أعلاه كانت نسبة انخفاض النقد أكبر بكثير من نسبة انخفاض التحويلات في مبيعات البنك المركزي. وبالنتيجة بالرغم من انخفاض التحويلات فإن نسبتها إلى مجموع المبيعات ارتفعت من حوالي 74% في كانون ثان-النصف الأول من أيار 2014 إلى أكثر من 85% خلال ذات الفترة في 2015. وفي ضوء أن التحويلات هدفها حصراً تمويل استيرادات القطاع الخاص فربما ساهم ذلك في استمرار الاستيرادات الخاصة بدون تأثير سلبي جدي. هذا على افتراض أن التدقيق في وثائق الاستيرادات أدى إلى تقليل الاستيرادات الوهمية التي بينت شواهد عديدة على تكرر مستنداتها ووثائقها سابقاً (مع ملاحظة أننا أشرنا أعلاه إلى انخفاض فعالية استيفاء التأمينات كوسيلة رقابية لضمان تحقق الاستيراد).
---------------------------------------------------
* باحث وكاتب اقتصادي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
المصادر
مرزا، علي (2014) "آثار اقتصادية لوضع جيوسياسي متغير في العراق"، شبكة الاقتصاديين العراقيين، 14 تشرين أول.
______ (2015) "موازنة 2015 وتحدیدھا لسقف مبیعات الدولار في مزاد العملة: التبعات المحتملة للتطبیق"، شبكة الاقتصاديين العراقيين، 1 شباط.
* حقوق النشر محفوظة لشبكة الإقتصاديين العراقيين ويسمح بالاقتباس وإعادة النشر بشرط الإشارة إلى موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين.
_______________________
الهوامش
[1] لقد أضيفت المادة 50 لمشروع القانون في مجلس النواب، ولم تكن جزءً من المسودة التي احالتها وزارة المالية إلى المجلس.
[2] هذا بالرغم من ارتفاع معدل المبيعات اليومية من 86 مليون دولار في شباط تدريجياً إلى 165 مليون دولار في النصف الأول من أيار 2015.
[3] صدر في 8/2/2015 قرار من البنك المركزي باستخدام عبارة "نافذة بيع وشراء العملة الأجنبية" لوصف مبيعات البنك اليومية من الدولار. فيما عدا ذلك فإن إجراءات البيع وتسمياته استمرت كما هي، بعد ذلك، بما فيها استخدام كلمة مزاد (Auction) في التحميـل اليومي لنتائـج المبيعـات على الموقع الإلكتروني للبنك، والتي يحتويهـا ملف، باللغـة الإنكليزيـة، عنوانـه: C.B.I. FOREIGN EXCHANGE.pdf.
[4] في خطاب من البنك المركزي إلى "المصارف كافة" ورد ما يلي: "إلحاقاً بالضوابط المرسلة إليكم...، ولغرض تسهيل إجراءات الاستقطاع الضريبي من قبل المصارف (أمانات الرسم الكمركي والأمانات الضريبية) من زبائنكم المستوردين، تقرر أن تستقطع النسب أدناه من المستورد محسوبة على المبلغ بالدينار المعادل لقيمة الاستيراد بالدولار، وبصرف النظر إن كانت المواد المطلوب استيرادها معفاة من الضرائب والرسوم أو غير معفاة، على أن تجري تسويتها لاحقاً من قبل الهيئة العامة للكمارك والهيئة العامة للضرائب وفقاً للنسب المقررة ووفقاً للسياقات المعتمدة:
- 5% التأمينات الخاصة بالرسوم الجمركية.
- 3% التأمينات الخاصة بضريبة الدخل.
البنك المركزي العراقي، خطاب إلى "المصارف كافة" عدد 9/2/93 في 26/3/2015، الموقع الإلكتروني للبنك المركزي.