الجمعة 20 كانون2/يناير 2017
TEXT_SIZE

حسابات الربح والخسارة في خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي

د. إبراهيم حمّامي

صوّت البريطانيون على الخروج من الاتحاد الأوروبي وقضي الأمر...

بعد حملات اختلط فيها الحابل بالنابل وشابها ضخ كميات هائلة من المعلومات المغلوطة بل والأكاذيب التي سرعان ما تراجع عنها اصحابها بعد اعلان النتائج...

أما المعلومات والآثار الحقيقية للتصويت فلم يتم نشرها إلا بعد النتائج يوم الجمعة الماضي، وهو ما سبب صدمة في معسكر المصوتين بالخروج لدرجة أن محرك البحث غوغل أعلن أن أعداد هائلة من البريطانيين دخلوا يوم الجمعة للبحث عن عبارة "الاتحاد الأوروبي"، الحديث هنا بعد التصويت وليس قبله!

لكن ما يهم هنا هو توضيح نقاط هامة عن آثار هذا التصويت على الاتحاد الأوروبي وعلى المواطن البريطاني، وليس الشركات الكبرى أو الحكومات كما يحلو للبعض تصوير الأمر.

الاتحاد الأوروبي:

لا نبالغ إن قلنا إن الاتحاد الأوروبي سيكون بوضع أفضل بكثير مع خروج بريطانيا، وهذه النظرة تخالف الكثير من التوقعات المتشائمة بانهيار الاتحاد الأوروبي بعد خروج بريطانيا. لذلك أسباب تاريخية وأخرى موضوعية نشر تفاصيله موقع المنصة ونقتبس هذه الأجزاء منه:

* عودة للخلف 40 سنة مضت ويزيد حين رفض الرئيس الفرنسي شارل ديغول انضمام بريطانيا للسوق الأوروبية المشتركة، وفي تفاصيل ذلك: في السابع والعشرين من نوفمبر عام 1967، وداخل قصر الإليزيه، قال الرئيس الفرنسي شارل ديجول أمام نحو ألف شخص من الدبلوماسيين وكبار رجال الدولة الفرنسية: "إن بريطانيا تملك "كراهية متجذرة" للكيانات الأوروبية. وحذّر من أن فرض بريطانيا كعضو في السوق الأوروبية المشتركة سوف يؤدي إلى تحطيمه".

*بريطانيا رفضت دائماً أن تكون عضواً على قدم المساواة مع باقي الدول وقاومت تاريخياً اي تجمع أوروبي حقيقي حيث أنها لم تكن عضوًا في التجارب الأولى للوحدة الأوروبية، مثل تجربة إنشاء تجمع للحديد والفحم عام 1952. كما لم توقع على اتفاقية روما عام 1957 والتي ضمت ست دول من أوروبا الغربية، وأسست لكيان اقتصادي لا يتم فيه فرض الجمارك على التجارة بين الدول الست.

* وبالعودة لقصة انضمام بريطانيا ورفض الرئيس الفرنسي ديغول ذلك لشكوكه بنوايا بريطانيا، عام 1961 تقدمت بريطانيا بطلب الانضمام إلى السوق الأوروبية المشتركة، وبعد ذلك بعامين رفض ديجول الموافقة على دخول بريطانيا.

*حاولت بريطانيا مرة أخرى وأعلن ديجول رفضه لانضمام بريطانيا في عام 1967 بالرغم من موافقة الدول الأخرى المنضمة للسوق.

*لم تستطع بريطانيا الانضمام للاتحاد إلا بعد أن ترك ديجول الحكم عام 1969، لتصبح عام 1973 دولة كاملة العضوية في السوق الأوروبية المشتركة، وجرى الاستفتاء الأول على عضوية بريطانيا في عام 1975.

*تبدو مشكلة بريطانيا أنها تريد أن تكون جزءًا من أوروبا، دون أن تكون عضوًا حقيقيًا فيها. فعندما اختار أعضاء الاتحاد الأوروبي الاشتراك في نظام موحد لتأشيرات الدخول، الشنجن، رفض البريطانيون الانضمام. وعندما تبنوا اليورو كعملةٍ موحدة لهم، اختار البريطانيون الاحتفاظ بالجنيه الاسترليني، والحفاظ على سلطة بنك انجلترا المركزي في تحديد أسعار الفائدة، وعدم الخضوع لقرارات البنك المركزي الأوروبي في تحديد سعر الفائدة في منطقة اليورو.

*رئيسة وزراء بريطانيا خلال الثمانينيات، مارجريت ثاتشر، لخصت علاقة بريطانيا بأوروبا من خلال قول "لا" ثلاث مرات في جلسة لمجلس العموم عام 1990. كانت ثاتشر معارضة شرسة لمنح بروكسل، حيث مقر المفوضية الأوروبية، أي سلطات مركزية أو تشكيل ما يعرف باسم "الولايات المتحدة الأوروبية".

*في أعقاب الأزمة المالية العالمية عام 2008، بدأ التململ يزداد في القاعدة الشعبية للمحافظين تجاه المهاجرين من دول أوروبا الشرقية التي انضمت للاتحاد عام 2004 و2007. لمواجهة هذا التململ والضغط الشعبي، قام رئيس الوزراء البريطاني دافيد كاميرون بالتعهد بإجراء استفتاء حول بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، في حال تم انتخاب المحافظين للحكم عام 2015.

حصل كاميرون خلال مفاوضات تحسين ظروف بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي على ما لم تحصل عليه أي دولة أخرى، الصفقة التي حصل عليها كاميرون شملت نقاطًا عدة؛ أهمها أن لا يحصل المهاجرون الأوروبيون إلى بريطانيا على مساعدات حكومية إلا بعد أن يحصلوا على وظائف في الأراضي البريطانية، ويساهموا في النظام الضريبي للبلاد. كما تشمل الصفقة عدم مسؤولية بريطانيا على إنقاذ الاقتصادات التي تتعثر في منطقة اليورو.

وهو ما حدا برئيس المفوضية الأوروبية جان كلود جونكر ليقول أن كاميرون "حصل على أقصى ما يستطيع ونحن قدمنا أقصى ما نستطيع، وبالتالي لن يكون هناك المزيد من التفاوض ولن تكون هناك صفقة جديدة غير تلك التي اتفقنا عليها في فبراير.. الخروج سوف يعني الخروج"!

كل ذلك لم يكن سبباً كافياً لاقناع معسكر الخروج للبقاء في الاتحاد الأوروبي وخاضوا حملة اتسمت بتأجيج النزعة القومية مع دعم من الصحف اليمينية التي غذت الكراهية لكل ما هو أجنبي لدرجة أن أحد الأسباب الرئيسية التي ركزوا عليها لـاجيج المشاعر انضمام تركيا (المسلمة) للاتحاد الأوروبي، بل بلغ الأمر ببعضهم لرفع شاعر أن يوم 23/06/2016 هو يوم "استقلال بريطانيا" الحقيقي.

صحيح أن ما حدث شكل "خضة" اقتصادية وسياسية وتحدً هو الأكبر للاتحاد الأوروبي، لكن لماذا يعتبر ذلك أفضل للاتحاد الأوروبي على المدى البعيد؟ في هذا الشأن كتبت الباحثة أماني السنوار وأوضحت التالي:

*"يبدو أن منظومة التكامل الأوروبية لا تريد الالتفات كثيرا إلى الخلف نحو معطِّلها التقليدي وهو يدير ظهره مقررًا الرحيل، وهو الذي طالما لم يرغب في مشاطرة أقرانه الأوروبيين نظرتهم نحو فلسفة الاتحاد.

*فعلى مدار العقود الأربعة الماضية، نظرت بريطانيا إلى أوروبا كسوق تجارية موحدة، أكثر من كونها مشروع تكامل يمتد نحو السياسي والثقافي والأمني، إذ كانت المملكة المتحدة في طليعة الدول التي قاومت نقل المزيد من الصلاحيات الوطنية إلى مؤسسات الاتحاد.

وقد دافعت بشراسة من أجل نقض فكرة التصويت بالإجماع مرسّخة مبدأ الأغلبية الذي فتح باب المناورة، كما دعمت موجات توسّع الاتحاد معوّلة على إنهاء فكرة تحوله يوما ما إلى فدرالية أوروبية، وقاومت حتى المصادقة على معاهدة "ماستريخت" التي كانت الجسر الذي نقل أوروبا من التكامل الاقتصادي نحو أبعاد أوسع من التعاون بمعانيه المختلفة.

هذا السلوك البريطاني الذي يوصَف بالمعطّل داخل مؤسسات الاتحاد يشكّل التحرر الأوروبي منه على المدى المتوسط والبعيد رافعة نحو مزيد من التكامل الأوروبي لا سيما على صعيد السياسة الخارجية والأمنية المشتركة، وهو مسار تدعمه كل من ألمانيا وفرنسا صاحبتي أقوى اقتصادين في الاتحاد، وأقوى كتلتين تصويتيتين في البرلمان، وأكثر دبلوماسية مسموعة الكلمة بين بقية الدول الأعضاء.

إذ إنّ أهمية تطوير سياسة خارجية وأمنية مشتركة ليست ترَفًا بالنسبة لأوروبا، لا سيما أن الأزمات الأخيرة كمشكلة أوكرانيا، والأزمة السورية، وصعود تنظيم الدولة، كشفت أنواعًا من القصور السياسي والأمني في التأثير السريع أو الفعال بأزمات وصل أثرها إلى قلب القارة وهدّد أمنها واقتصادها في العمق، مما أعاد التأكيد على عجز التكامل الاقتصادي وحده عن صيانة رفاهية وأمن أوروبا.

وفي السياق المتوسط والبعيد كذلك لا يبدو الانسحاب البريطاني مهددا حتميا لفكرة التكامل، إذ من غير المرجّح أن يقود تقدّم اليمين في فرنسا، حال حدوثه، إلى تنكر للمشروع الأوروبي، بل سيتركز أثره على تحقيق مكاسب وطنية، دون أن يمتد لضرب الاتحاد من العمق الفرنسي، وهي الدولة التي تنافس على المقعد الأول في ريادته، وتمتلك موروثا ونظرة تاريخية عريقة له على خلاف الحال في بريطانيا.

أما فرضية انسحاب بقية أعضاء الاتحاد كأحجار الدومينو فلا تبدو مرجّحة أيضا في ظل الفاتورة الباهظة للانسحاب، التي لا تقوى عليها العديد من الدول، لا سيما دول الشرق التي ما زالت بالمجمل تتلقى مساعدات مجدولة من الاتحاد الأوروبي، إذ لن تُسعف هذه الدول إرادُتها السياسية (أو الشعبية مشفوعة باستفتاء) من أجل الصمود في مفاوضات الانسحاب الصارمة مع الكتلة الأوروبية.

ختامًا، إن نجح الاتحاد في تقليص مرحلة عدم اليقين الاقتصادي والسياسي، والعبور سريعًا نحو مرحلة ما بعد بريطانيا، فسيتحرر من كثير من العصي في الدواليب، وسيحظى بفرص أوفر للوصول إلى سياسات خارجية وأمنية أكثر تكاملًا واتساقًا.

سيوفر الأوروبيون مليارات الدولارات المبّددة بسبب تشتت أو عدم اتساق سياساتهم الخارجية، وسيُمكنهم تحويلها نحو قنوات الرفاهية والرعاية الاجتماعية التي يُتهم الاتحاد دومًا بإهمالها، وبذلك ستكون أوروبا قد قطعت شوطًا هامًّا في حل لغز السياسة الخارجية والأمنية الذي استعصى لسنوات، مما سيساهم في ترسيخ الاتحاد الأوروبي كلاعب دولي مؤثر وفعال، عبر تثبيت رأس سياسي ذكي ومتّسق للجسد الاقتصادي الأضخم في العالم.

هذا بالنسبة للاتحاد الأوروبي ووضعيته بعد الخروج البريطاني...

في المقابل فإن وضع المواطن البريطاني (الذي صوّت للخروج من الاتحاد الأوروبي) ستتأثر سلباً وبشكل مباشر... الحديث هنا ليس عن الشركات الكبرى الاحتكارية... ولا عن المؤسسة الحاكمة أو دعايتها "التخويفية" التي نفرت الكثيرين وتسببت في كسب معسكر الخروج الكثير من الأصوات... بل جيب المواطن مباشرة..!؟

لابد هنا من التوضيح أن أية خسائر للشركات الكبرى أو للحكومة سيتم تعويضها من خلال اجراءات تقشف وزيادة ضرائب تُفرض على المواطن، أي أن الخاسر هو المواطن..!

الشركات الكبرى عادة لا تتأثر وإن تأثرت فإنها تعوض خسائرها من جيوب المواطنين... ولتوضيح الصورة أكثر لابد من لغة الأرقام ومن مصادر لا علاقة لها بالحكومة التي لا تتمتع بالمصداقية، على الأقل في هذا الموضوع.

*بعد ساعات من اعلان النتيجة خسرت البورصة البريطانية 250 مليار جنيه استرليني وهي أكبر خسارة في تاريحها بالمطلق، منها 100 مليار من صناديق التقاعد والمعاشات لكبار السن، وخسرت بورصات العالم بدورها 2 تريليون دولار.

*أوضح المعهد الوطني للبحوث الاقتصادية والاجتماعية في بريطانيا National Institute of Social & Economic Research وهي مؤسسة متخصصة بدراسة النواحي الاجتماعية والاقتصادية أن العجز المتوقع في موازنة صندوق الرعاية سيكون بين 28- 44 مليار جنيه استرليني وهو ما سينعكس مباشرة على العائلات التي تعتمد على مساعدات الدولة نقصاً في مدخولها بمتوسط 2771 جنيه استرليني.

*المعهد نفسه توقع انخفاض أجور المستهلكين الحقيقية بما يتراوح بين 2.2 و7% بحلول 2030 مقارنة بمستوياتها في حالة بقاء بريطانيا في الاتحاد.

*وزارة المالية تحدثت وبوضوح عن زيادة متوقعة على ضريبة الدخل بين 2 و5 سنت لكل جنيه من رواتب الموظفين لتصل ضريبة الدخل إلى 45% من الراتب على الشريحة الأكبر راتباً.

*معاشات المتقاعدين التي كانت تخضع لآلية تُسمى Triple Lock اي أنها تزيد سنوياً بحسب التضخم أو زيادة الرواتب أو بنسبة 2.5% لضمان معاش كريم للمتقاعدين ستُفقد بشكل كامل، وهو ما يعرض معاشات المتقاعدين للتآكل مع زيادة نسبة التضخم.

*خسارة ما يُقدر ب 1.3 مليون وظيفة تعتمد بشكل مباشر على التجارة مع الاتحاد الأوروبي، ناهيك عن 220 مليار جنيه استرليني هي عوائد تلك التجارة لصالح الخزينة البريطانية سنوياً، سيتم تعويض خسارتها من خلال اجراءات التقشف وتقليص الخدمات وزيادة الضرائب.

*غالبية المواطنين في بريطانيا يتملكون بيوتهم من خلال القروض العقارية التي تتأثر بسعر الفائدة الرسمي، هذه الفائدة التي وصلت لأدنى مستوياتها لسنوات (نصف بالمائة) ستزيد بحسب تقارير بنك انجلترا إلى أكثر من الضعف في المستقبل القريب جداً لتعويض هبوط سعر الجنيه الاسترليني وتأثر الاقتصاد سلباً، وهو ما سينعكس على جيب المواطن بشكل زيادة في القسط الشهري للقرض العقاري.

* كذلك ستتأثر ايجارات المنازل خاصة في المدن الكبرى والتي كانت تعتمد على الأوربيين بشكل كبير.

*أما الاستثمارات الأجنبية فبحسب توقعات المؤسسات المالية فإنها ستنخفض بشكل كبير، حيث ذكرت صحيفة فايننشال تايمز بعددها يوم 25/06/2016 أن فقدان الامتيازات بالتنقل وجوازات السفر سيدفع الشركات والمصارف لنقل مقارها خارج بريطانيا.

يساهم القطاع المالي بنسبة تتراوح بين 8 و12 في المئة من اجمالي الناتج المحلي لبريطانيا، ويمكن ان يمارس الخروج من الاتحاد الاوروبي تأثيرا خطيرا لأن مصارف كثيرة تستخدم فروعها في لندن للتعامل مع بلدان الاتحاد الاوروبي كلها. وسيتعين على هذه المؤسسات في حال خروج بريطانيا ان تنقل نشاطها بأكمله أو جزء منه الى بلدان أخرى في الاتحاد. وحذرت مصارف كبرى مثل غولدمان ساكس وجي. بي. مرورغان من مثل هذا السيناريو.

سيتمكن البنك المركزي الاوروبي من الحد من تجارة بريطانيا باليورو رغم انها ليست عضوا في منطقة العملة الاوروبية الموحدة. ويعتقد خبراء ماليون ان مخاطر اخرى ستظهر بالارتباط مع الخروج منها ان المصارف وشركات التأمين وصناديق التحوط ستجد صعوبة في تشغيل كوادر من القارة الاوروبية إذا توقفت حرية الاوروبيين في التنقل بين دول الاتحاد.

الشركات المحلية أيضاً أعلنت أنها ستعاني مشاكل مادية وربما تحتاج لإعادة هيكلة إدارية ومنها شركة الخطوط البريطانية وشركة JP Morgan والتي توظف 16 ألف موظف، وشركة Ford 14 ألف موظف، وشركة Airbus التي تنتج أجنحة طائراتها في مقاطعة ويلز وتوظف 15 ألف موظف، بينما أعلن نيك الويل من مكتب محاماة كلايد وشركاه أن مصير 360 ألف موظف يعملون في القطاع المصرفي بات مهدداً (الغارديان 24/06/2016). بل أن الصحف اليمينية التي قادت حملة الخروج من أوروبا بدأت بدورها في الصراخ، صحيفة التلغراف الصادرة يوم الجمعة 24/06/2016 نقلت عن د. آدم مارشال مدير الغرفة التجارية البريطانية بالوكالة المدير التنفيذي لمنظمة المصنعين البريطانية تيري سكولارمطالبهما لرئيس الوزراء البريطاني المستقيل ديفيد كاميرون "بتوضيح فوري للخطوات الواجب اتخاذها" لطأنة وتثبيت السوق الذي يتعرض لضربات اقتصادية، إضافة لمسؤولي الشركات الصغرى ومديري مؤسسات ونقابات.

استطلاع رأي سبق الاستفتاء أجرته مؤسسمة المانية هي the Bertelsmann Foundation أظهر أن ثلث الشركات البريطانية والأوروبية وفي حال التصويت بالخروج من الاتحاد الأوروبي ستنتقل لأوروبا أو تعيد هيكلة موظفيها في بريطانيا (الاستطلاع شمل 700 شركة ونشرت نتيجيته صحيفة الغارديان في 14/02/2016).

رئيس اتحاد الشركات اليابانية Sadayuki Sakakibara وفي تصريحات له نُشرت بتاريخ 15/06/2016 حذر من أن 1000 شركة يابانية مسجلة وتعمل في بريطانيا (منها هياشي ونيسان) ستعيد حساباتها في حال التصويت بالخروج من الاتحاد الأوروبي وهو ما ينعكس مباشرة على المواطن البريطاني الموظف والعامل في هذه الشركات.

صحيفة US Today في عددها ليوم الجمعة 24/06/2016 أوضحت ومن خلال سؤال الشركات الأمريكية العالمة في بريطانيا أنها ستدرس مغادرة بريطانيا لصالح السوق الأوروبية التي تشمل 500 مليون مواطن.

ضعف الجنيه الاسترليني (الذي فقد 10% من قيمته خلال دقائق) سيعني زيادة في أسعار المواد المستوردة من الخارج للمواطن وزيادة تكلفة سفره للخارج وكذلك اسعار المحروقات التي بدورها ستزيد سعر كل شيء.

سيفقد المواطن البريطاني حق العلاج المجاني في دول الاتحاد الأوروبي الذي يتمتع به الآن.

ما سبق ليس سوى قمة جبل الجليد وغيض من فيض ولا يعتمد على المصادر الحكومية كما يحلو للبعض من رافضي فكرة التأثير السلبي المباشر على المواطن القول في كل مناسبة... إضافة للخسائر المادية المباشرة للمواطن هناك التزامات حقوقية وقانونية لا يُستهان بها سعت وزير الداخلية الحالية تيريزا ماي للتنصل منها خلال السنوات الماضية وفشلت، لكنها الآن ستكون في حل منها مما ينعكس سلباً على حقوق المواطنين ومنها على سبيل المثال:

-          حقوق العمال وتحديد سقف العمل الأسبوعي أوروبياً ب 48 ساعة

-          حقوق الانسان المرتبطة بقوانين المحكمة الأوروبية لحقوق الانسان ECHR(هذه تحديداً حاولت تيريزا ماي مراراً وتكراراً الغاءها) والتي كانت تقيد الداخلية في اجراءاتها التي تعتدي على حقوق المتهمين أو الموقوفين

-           القوانين والمعايير الأوروبية الخاصة بالبيئة والسلامة

علاوة على ما سبق فإن المهدد بالتفكك ليس الاتحاد الأوروبي بقدر ما هو المملكة المتحدة نفسها بعد الاعلان رسمياً من قبل الوزيرة الأسكتلندية الأولى عن نيتها مناقشة تنظيم استفتاء ثانً لاستقلال اسكتلندا عن المملكة المتحدة، وهو أيضا ما أعربت عنه قوى في ايرلندا الشمالية.

لا شك أن نتيجة الاستفتاء لها ما بعدها، وحسابات الربح والخسارة فيها لا حد لها لكن تأثرها السلبي المباشر سيكون على المواطن البريطاني قبل غيره... المواطن الذي لم يتم تغذيته بالمعلومات الصحيحة طوال فترة التجهيز والاعداد للاستفتاء. لكنهم صدموه بعد ساعات من نتيجة التصويت عن آثار تصويته السلبية عليه.

المفارقة أن إجراءات الخروج قد تستمر ما بين 7- 10 سنوات تخضع خلالها بريطانيا لقوانين ومعايير الاتحاد الأوروبي دون أن يكون لها الحق في التصويت أو اتخاذ القرار... أي أن آمال المصوتين بالخروج بـ "التخلص" من المهاجرين لن تكون فورية، إن حدثت اصلاً!

سياسيا يمكن أن يكون الخروح أسوأ عاقبة لأن على البريطانيين أن يلتزموا بالعديد من أنظمة بروكسل لأسباب اقتصادية، مثلهم مثل النرويج وسويسرا، دون أن تكون لهم كلمة في وضع هذه القواعد والأنظمة. ويعني هذا تراجع أهمية بريطانيا دولياً.

من أسباب كون بريطانيا شريكاً مهماً للأميركيين أن لها صوتاً في الاتحاد الاوروبي، وحين يغيب هذا الصوت سيتوجه الرئيس الأميركي إلى التحدث مع نظرائه في باريس وبرلين.  

مقابل كل ذلك يعجز مؤيدو الخروج من الساسة عن تحديد الفوائد التي ستجنيها بريطانيا من خروجها من الاتحاد الأوروبي باستثناء شعارات الاستقلال واستعادة القرار والسيطرة على الحدود، وهي أمور حصلوا عليها بالأساس من الاتحاد الأوروبي الذي استثنى بريطانيا من أغلب إجراءاته. ويعجز أيضاً المؤيدون من المواطنين العاديين عن تحديد أسباب تصويتهم لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي أو الفائدة التي ستجني البلاد بصورة عامة أو هم بشكل مباشر، اللهم إلا الشعارات أيضاً بمستقبل أفضل وتوفر فرص العمل التي يستحوذ عليها الأوربيون الشرقيون، وهو ما دفع أحد النشطاء على صفحات تويتر UK Banter للقول إن المهاجر الذي يحمل شهادة عليا لا "يسرق" وظيفة من يحمل مادتين دراستين من الثانوية..!

لم يسجل التاريخ أن سياسياً أجرى استفتاء على أمر لا يريد تغييره كما فعل ديفيد كاميرون، إذ وصفه الكثيرون بعد هذه الخطوة الكارثية على بريطانيا بأنه "أغبى رئيس وزراء عرفته بريطانيا".

شخصياً لا أتفق مع هذا التوصيف، فكاميرون كان يعلم تماماً الاحتمالين الذين لا ثالث لهما للاستفتاء، ولم يُغامر أو يقامر، هو ببساطة حقق نبؤة الرئيس الفرنسي شارل ديغول، ومن ثم قفز من السفينة واستقال وكأنه لم يفعل شيئا..!

على صفحات صحيفة الغارديان يوم الأحد 26/06/2016 كان هناك تحليلاً مهماً لموقف كاميرون هذا، وبحسب ما كُتب فإنه تنصّل من وعده بانفاذ الفقرة 50 من اتفاقية لشبونة التي تنظم الخروج رسمياً من الاتحاد الأوروبي، أي أنه أبقى الحال على ما هو عليه، وألبس من يليه في قيادة الحزب والحكومة هذه المسؤولية، أي مسؤولية القرار الذي يضر بالبلاد.

كاميرون يعلم تماماً أن نتيجة الاستفتاء ليست ملزمة قانوناً، بل هي رأي استشاري شعبي، وأن الأمر والقرار النهائي بيد البرلمان الذي لايجرؤ أحد فيه هذه الأيام على اتخاذ قرار يعارض رغبة 52% من الشعب، لكنه قد يفعل بعد أشهر، أي بعد أن تتضح حجم الكارثة الاقتصادية التي ستحل بالبلاد نيجة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

على الهامش فإن من أيّد علناً خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي طرفان هما مرشح الرئاسة الأمريكي العنصري دونالد ترامب و"اسرائيل، وهنا نشير إلى ما ذكرته صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية (24/06/2016) أن تل أبيب ستكون أكبر المستفدين من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى، حيث أن خروج لندن سيؤدى بطبيعة الحال إلى إضعاف الاتحاد فى مواجهة إسرائيل.

وأضافت الصحيفة العبرية أن الاتحاد الأوروبى لن يتمكن من ممارسة ضغوطا على إسرائيل فيما يتعلق بالتوسعات الاستيطانية بالضفة الغربية والقدس، كما أن الضغوط الأوروبية على تل أبيب لتطبيق المبادرة الفرنسية سيزول بعد خروج بريطانيا لكونها قوى عظمى فى الاتحاد ولها تأثير كبير على قرارات الاتحاد.

وأوضحت الصحيفة أنه على الرغم من العلاقات القوية بين إسرائيل وبريطانيا إلا أنها كانت أولى الدول التى دعت إلى مقاطعة إسرائيل من خلال وضع علامات على منتجات المستوطنات، وحذى على حذوها دول الاتحاد، وهذا يعنى تراجع دول الاتحاد فيما يتعلق بـمقاطعة المنتجات الإسرائيلية.

وأشارت الصحيفة إلى أن خروج بريطانيا سيؤدى إلى ظهور قوى جديدة مثل المانيا التى تعد من أكبر الدول الأوربية التى تدعم إسرائيل عسكريا من خلال الغواصات النووية التى تم تسليمها إلى تل ابيب والبالغ عددها حتى الآن 4 غواصات.

نعم هي ديمقراطية تحترم المواطن ورأيه وصوته، وهذا لا جدال فيه، لكن من حق المواطن قبل أن يصوّت أن يعرف الحقائق والآثار لا أن يتم خداعه أو توجيهه أو تضليله أو استثارة النزعات العنصرية فيه مغلّفة بشعارات قومية برّاقة...

أوروبا بلا شك أفضل بدون بريطانيا وبريطانيا اسوأ سياسياً واقتصادياً على المدى القريب والمتوسط إن لم يكن على المدى البعيد.

--------------------------------------------------------

*كاتب وباحث سياسي. مدير مركز الشؤون الفلسطينية

https://drhamami.net