الأربعاء 24 أيار 2017
TEXT_SIZE

السرطان يتقهقر أمام قوى المناعة

تقف البشرية بخوف أمام هيبة «إمبراطور الأمراض». هذا «الطاغية» الذي يهدد كل واحد منا، ولا يميز بين غني وفقير، أميركي وعربي. لكن الظلمة تتبدد ودائرة الضوء في آخر هذا النفق تكبر وتتسع.

 هل كنت جالساً إلى التلفزيون في 20كانون الثاني (يناير) تشاهد حفل تنصيب الرئيس الجديد للولايات المتحدة؟ وهل تعرفت إلى الرئيس السابق جيمي كارتر الذي كان يجلس إلى المنصة؟ هذا الرجل أصيب منذ أربع سنوات بسرطان الجلد Melanoma، وكان المرض قد انتشر إلى الدماغ. يومها لم يتوقع أحد أن يبقى كارتر على قيد الحياة. وها هو اليوم يتمتع بصحة جيدة وليس هناك ما يشير إلى بقايا المرض عنده. لم يكن ذلك أعجوبة. كان ذلك ثمرة البحث العلمي ونتيجة لإخضاع كارتر لعلاج جديد اسمه keytruda، وهو أحد العلاجات الحديثة التي تقوي وتدعّم جهاز المناعة في الجسم بحيث يصبح قادراً على التعرف إلى الخلية السرطانية وبالتالي قادراً على تدميرها. لقد وضع الخالق في جسد الإنسان وفي كل مخلوق حي، جهازاً يدعم الحياة ويحميها من أي اعتداء عليها. عندما يصاب المرء بالزكام نتيجة التهاب يسببه الفيروس، ترصد خلية المناعة الفيروس وتحدد هويته الغريبة، كما تحدد أيضاً أنه العدو المعتدي فتنقض عليه وتقتله، وبهذا يتم الشفاء. هذه المعركة تحدث مع معظم الأمراض، إلا أنها لا تحدث في الأمراض السرطانية، فالخلية السرطانية خلية ذكية وأول ما تقوم به هو شل جهاز المناعة وبناء حائط بينها وبينه كي لا يتمكن من التعرف إليها. وبهذا تنمو الخلية السرطانية وتتكاثر، ومن ثم تنتشر. وانطلاقاً من معرفتنا هذه، تركزت الأبحاث العلمية الحديثة على تطوير علاجات جديدة تدعم جهاز المناعة وتهدم الحائط بين الخلية المناعية والخلية السرطانية، وبذلك توفر الفرصة للخلية المناعية للتعرف إلى الخلية السرطانية بصفتها جسماً غريباً وخطراً، كما تعطيها القدرة على تدميرها. هذا المنحى الجديد هو أهم تطور في معالجة الأمراض السرطانية في السنوات الخمس الأخيرة. وها نحن اليوم نملك أدوية جديدة بالإضافة إلى دواء keytruda، مثل Ipilimumab, Nivolumab, Tecentriq. إن Tecentriqهو اليوم من أفضل الأدوية لعلاج سرطان المثانة. أما الأدوية الثلاثة الأخرى فهي ذات فاعلية عالية في معالجة سرطانات الجلد والرئة والكلى.

 في رحلتي الطويلة مع السرطان والتي ابتدأت في حزيران (يونيو) 1968في مدينة نيويورك، كنت شاهداً على تطور العلاج الكيماوي ثم شهدت تطور العلاج البيولوجي ومن ثم العلاج المستهدِف... وها نحن اليوم نشهد العلاج المناعي. هذه العلاجات المختلفة يكمل بعضها بعضاً ولا يلغي الواحد منها العلاجات الأخرى. ومن الخطأ الاعتقاد بأن العلاج الكيماوي أصبح من الماضي.

ويسألونك: بعد كل هذا التقدم، لماذا لا يزال الناس يموتون بهذه الأمراض الواحد تلو الآخر؟ هذا لأننا لم نتمكن بعد من وضع المعرفة العلمية التي نملكها في خدمة الناس والمرضى. كما أن الدراسات تشير إلى أن أقل من 7في المئة من المرضى المصابين يتلقون علاجات حديثة وفعالة، فالسواد الأعظم من المرضى لا يزال يتلقى علاجات خارج حدود العلم.

 في هذا اليوم بالذات، وفي خضم هذا العنف الذي يقبض على العالم، وهذا الجهل الذي يحدد الإنسان بانتمائه إلى بلد أو دين ما، أود أن أقول إن أهم ما تعلمته في الطب هو أن الإنسان واحد. لقد أثبتت الدراسات العلمية في مشروع رسم خريطة الجينات عند الإنسان، أن البشر متشابهون على مستوى الـDNA، المكون الاساسي للحياة، بنسبة 99.9في المئة، وأن أكبر اختلاف بين إنسان وآخر هو بنسبة تقل عن 0.1في المئة (كتاب «لغة الله» لمؤلفه فرانسيس كولينز).

إذاً، ليس هناك شك في أننا كلنا إخوة، وأن البشرية جمعاء هي عائلة واحدة. فتعالوا نخلع عنا هذه القشور التي تفرقنا ونرتفع إلى ما يجمعنا، نرتفع إلى إنسانيتنا. إن العدو للإنسان ليس هو الإنسان الآخر، فالعدو الحقيقي هو المرض. لذلك تعالوا في هذا اليوم نجدد دعمنا العلمَ للتغلب عليه. دعمنا العلمَ للتغلب على أنفسنا.

  -----------------------------------------------

* رئيس مركز سالم للسرطان في مدينة هيوستن في ولاية تكساس الأمريكية.

المدخل السياسي إلى الصحة

المدخل السياسي إلى الصحة ... السياق التاريخي لتشكّل المؤسّسات والممارسات الطبّية

بقلم: زكرياء الإبراهيمي 

ارتبط مفهوم الصحة بميشيل فوكو، بشكل كبير وغريب كذلك، فإلى جانب انتمائه إلى عائلة من الأطباء، وعيشه بين أسرة كانت ترغب في تحوّله إلى جرّاح يجيد تشريح الأجساد، وإلى جانب اعتياده لأكثر من مرّة مستشفى الأمراض العقلية، وموته متأثّراً بمرض السيدا، وارتباطه بممارسة غالباً ما كانت تعدّ مرضاً أي “المثلية الجنسية”، فإن ميشيل فوكو لم يكن فقط مؤرخاً لمفهوم المرض “تاريخ الجنون في العصر الوسيط، تاريخ الجنسانية، ولادة العيادة” يجري وراء حفريات هذا المفهوم وأثر وطريقة تشكله وتطوّره عبر تاريخ الممارسة العلمية وخاصة الطبّ، كما لم يكن إبيستمولوجياً، يعيد إنتاج أقدم إشكالية علمية في تاريخ المعرفة العلمية “النظرية والتجربة” لحظة بحثه في الظاهرة الطبية زمن تشكلها داخل العيادة، ولم يكن فقط باحثاً في أزمة بعض العلوم وعجزها عن تفسير عدد من الظواهر الإنسانية ذات الطبيعة المرضية “المرض العقلي والسيكولوجيا”.

لقد كان ميشيل فوكو فيلسوفاً وسوسيولوجياً للصحة تخترق أسئلته المجال المرئيّ والبسيط للممارسة الطبية والظاهرة الصحية، من خلال ربطه للبيولوجيا والمرض والمستشفى والجنس والجسد والمتعة…الخ، بالسلطة التي اعتبرها فوكو المسؤول الأوّل والوحيد عن صحة البشر وحياتهم وموتهم وولادتهم. وهنا تكمن فرادة أطروحة هذا الأخير، حيث أنّ اتجاهه نحو دراسة البعد الدولتي للبيولوجي، وإبداع مفاهيم جديدة من قبيل “دولنة البيولوجي” و“عنصرية الدولة” “السلطة الحيوية”، “السياسية الحيوية”، “إدارة الحياة” “النزولوجيا السياسية”، “الآليات الانضباطية، الآليات التنظيمية” “الحقّ في الإماتة” و“الحقّ في الإبقاء على قيد الحياة” “إدارة الأجساد” “التدبير الحسابي للحياة” “الاقتصاد السياسي للحياة”…الخ. ، هو ما جعل من الرجوع إلى ميشيل فوكو لدراسة الظاهرة الصحية ضرورة قصوى، لأنّ نزوع بعض الباحثين إلى دراسة تطوّر الممارسة الطبية والقضايا الصحّية المرتبطة بها بعيداً عن السلطة السياسية التي تحتضنها، والشروط السياسية والتاريخية والاجتماعية التي تولد داخلها هو ما أفقد هذا النوع من الدراسات جزءاً من كمالها[1]، ومنح لأعمال فوكو قيمة مضافة علمية تفتقدها العديد من الدراسات التي تدّعي لنفسها دراسة الصحّة والمرض داخل المجتمعات الإنسانية.

من جهة ثانية فإنّ ما يميّز مقاربة فوكو للظاهرة البيولوجية هو اهتمامه بالبعد التاريخي لتشكّل هذا النوع من الظواهر، وحرصه على الإحاطة بظروف ولادتها وظهورها، لأنّ فهم طبيعتها لا يتأتّى إلا من خلال الكشف عن طريقة تشكّلها وتطوّرها عبر التاريخ، لذلك فإنّ ما يفسّر اهتمام فوكو بتاريخ الجنون وكلّ ما يرتبط بالمرض سواء في صيغته العقلية أو العضوية، هو بحثه عن حقيقة هذا النوع من الظواهر.

عموماً يمكن القول إنّ مقاربة فوكو للمرض اتّخذت صورتين، أولى يمكن أن نسمّيها بالبعد السياسي للمرض، وارتبط ببداية تدخل الدولة في تدبير الحياة وجودة الحياة وطولها، وكيفية تحوّل هذه الوظيفية إلى عنصر أساسي لتقييم جودة الأنظمة السياسية، وكذا بظهور الرأسمالية التي أصبحت تحتاج كلّ إمكانيات البشر لتحقيق أكبر إنتاج ممكن، وثانية هي السياق التاريخي لتشكّل المؤسّسات والممارسات الطبّية.

أوّلا: البعد السياسي للصحّة:

إذا كانت بداية التكوين العلمي للطبّ قد اقترنت بالقرن الثامن عشر، فإنّ الاهتمام السياسي بالصحة والجسد يعود إلى ما قبل هذا التاريخ، فهو يعود إلى القرن السابع عشر وبداية القرن الثامن عشر، بل وإلى ما قبل هذا التاريخ مادام الموت والحياة اعتبرا داخل المجتمعات السابقة على القرن السابع عشر – يحيل ميشيل فوكو على الإمبراطورية الرومانية- “ليسا من الظواهر الطبيعية المباشرة والأصلية التي تكون خارج السلطة السياسية…، إننا نجد للعاهل حقّ الحياة والموت على الرعية وفقاً للقانون. وعليه فإنّ حياة وموت الرعية، لا يصبحان حقاً إلا بإرادة العاهل”[2].

إن هذه السلطة على الحياة التي تمثّلت داخل المجتمعين القديم والقروسطي في الحقّ في الإماتة و الإبقاء على قيد الحياة، ستستبدل داخل المجتمع الحديث في نظر ميشيل فوكو بسياسة حيوية Biopolitiqueجديدة، تتجسد في سلطة الإحياء بدل الحقّ في الإماتة، ورفض الموت بدل الحقّ في الإبقاء على قيد الحياة، وذلك بعد أن جعلت الدولة لنفسها مكاناً في التدخل “في الحياة وطريقة الحياة ومستوى الحياة ورفع مستوى الحياة، والتحكم في الأعراض والحوادث والنقائص”[3].

اتخذ تدخل الدولة في الحياة تكنولوجيات كثيرة جداً، وارتبط باستراتيجيات وسياسات ومخططات حيوية عديدة يعتقد ميشيل فوكو أنها تنخرط في آليتين رئيسيتين، أولى انضباطية، تبدو كشكل من أشكال الرقابة البوليسية العفوية، وتظهر في الاشتغال على “الجسد كآلة بترويضه والرفع من كفاءاته، وانتزاع قواه، والنمو المتوازن لمنفعته وانقياده واندماجه في منظومات للمراقبة فعالة واقتصادية، كل هذا قد أمنته إجراءات لسلطة تحدد”الانضباطات“[4]، وثانية تنظيمة تبدو داخل”أنظمة الضمان الصحي، والتقاعد والشيخوخة وقواعد المحافظة على الصحّة التي تضمن إطالة عمر السكان قدر الإمكان“[5].

لقد كانت الغاية الأساسية من خلق هذه السلطة على الحياة، هي التحكّم أوّلا في نسبة الولادة والوفاة وتجنب الموت الدائم الذي يهدد البشر، من خلال تجنب الأمراض القاتلة وأسباب وجودها، لأن هذه الظواهر (أي الولادة، ومعدّل الخصوبة والإنجاب، والأمراض) تهدد بشكل مباشر الإنتاج، وتساهم بوجودها في”ضعف الإنتاج وانخفاض وقت العمل وتدني الطاقة وارتفاع التكلفة الاقتصادية، إنها تتسبب في نقص الإنتاج والعلاج المكلف“[6].

غنيّ عن التوضيح إذن أنّ ظهور سلطة حيوية - خلال القرن الثامن عشر- تتغيا مراقبة الأجساد والحفاظ على جودتها، كان بدافعين اثنين، أول اقتصادي، كانت تسعى من خلاله الدولة إلى مطابقة الظواهر السكانية مع السيرورات الاقتصادية، كما أنها استحضرت دائما حجم المشاكل الاقتصادية والسياسية التي يطرحها الفرد على الجماعات السياسية والاجتماعية التي ينتمي إليها في حالة المرض، والأمر لا يرتبط بكلفة العلاج فقط، وإنما بالعجز عن الإنتاج كذلك فـ”المريض بدون شك غير قادر على العمل، إنه يوضع داخل المستشفى ويصبح حملا مزدوجاً“[7]، إن هذا الحمل المزدوج الذي يتحدث عنه فوكو، لا ينعكس سلباً على الدولة التي تصبح ملزمة بتوفير العلاج ومكان العلاج”المستشفيات“وأداة العلاج ووسائطه”الطبيب والأدوية“[8]، بل إنه ينعكس على الأسرة كذلك إذ بدل الاتجاه نحو مساعدة الأسرة التي تعيش حالة بؤس وفقر، سيمسي المريض هو الشخص الوحيد المستفيد من هذه الإعانة من خلال مجانية العلاج وإلزاميته.

من جهة ثانية يكشف ميشيل فوكو عن الدور الذي لعبته الرأسمالية في بناء السلطة البيولوجية، والتكنولوجيا السياسية للحياة، وبلورة تمثل جديد عن الجسد، يقول فوكو في هذا الصدد”غير أنّ ما حدث في القرن الثامن عشر في بعض البلاد الغربية، والذي تم ربطه بنمو الرأسمالية، هو ظاهرة أخرى تماماً وربما ذات مدى أكبر من الأخلاق الجديدة التي كانت تبدو أنها تحتقر الجسد، إنها لم تكن في شيء أقل من دخول الحياة في التاريخ - أعني ظهور الظواهر الخاصة بحياة النوع البشري في نظام المعرفة والسلطة- في حقل التقنيات السياسية. إن الأمر لا يتعلق بالزعم أنّ في هذه اللحظة بالذات وقع أول اتصال للحياة بالتاريخ. بل بالعكس، كان ضغط البيولوجي على التاريخ قد ظل، على امتداد آلاف السنين قوياً جداً؛ فالوباء والمجاعة شكّلا الشكلين المأساويين الكبيرين لهذه العلاقة التي ظلت على هذا النحو موضوعة تحت علامة الموت، وبسيرورة دائرية، سمح النمو الاقتصادي و الزراعي بوجه خاص للقرن الثامن عشر، وتزايد الإنتاجية والموارد الذي كان أسرع من النمو الديمغرافي الذي كان يساعد عليه، سمحا بأن تتراخى بعض الشيء هذه التهديدات العميقة: فعهد فتك الجوع والجذام، - عدا بعض الانبعاثات – انتهى قبل الثورة الفرنسية؛ وبدأ الموت يكفّ عن تطويق الحياة مباشرة. ولكن في ذات الوقت، كان تطور المعارف، المتعلقة بالحياة بصفة عامة، وتحسين التقنيات الزراعية، والملاحظات والتدابير التي تستهدف الحياة وبقاء البشر، كانت كلها تساهم في هذا الارتخاء: هكذا كان التحكم النسبي في الحياة يبعد البعض من وشكات الموت. على هذا النحو، تدخلت طرائق للسلطة والمعرفة لتنظيمه وتوسيعه، وأخذت بعين الاعتبار سيرورات الحياة واهتمت بمراقبتها و تغييرها. هكذا بدأ الإنسان الغربي يتعلم شيئا فشيئاً معنى أن يكونا نوعاً حياً في عالم حي، أن يكون له جسد وشروط وجود، واحتمالات حياة، وصحة فردية وجماعية، وقوى يمكن تغييرها وفضاء يمكن فيه توزيعها بطريقة أمثل“[9].

أما الدافع الثاني لتكون هذه السلطة -السلطة البيولوجية- وتشكّلها، وهو أكثر أهمية من الدافع الاقتصادي، فقد كان سياسياً محضا، ويمكن ووصفه بالاتجاه نحو دولنة الصحة، بعد أن أضحت سؤالا سياسياً واجتماعياً، تقاس من خلاله جودة الأنظمة السياسية وسوئها[10].

انطلق الاهتمام السياسي بالصحة في نظر ميشيل فوكو مع بداية القرن الثامن عشر من خلال مأسسة التدخل السياسي لتدبير الصحة ووضع قوانين وإصدار أظهرة، تدعو إلى إحداث مؤسسات طبية تهتم بكل جوانب الوجود الصحي للناس البدني منه والنفسي العقلي، بعدما كان تدخل الدولة في هذا المجال يتميز بخصائص عقابية وانتقامية، من قبيل السجن والنفي و القتل والإلقاء بالمرضى في البحار…الخ.

إن هذا الانتقال الاستراتيجي للدولة في التعاطي مع المرض،- من سفينة الحمقى إلى ميلاد المارستان، ومن الاعتقال الكبير إلى ظهور المستشفى- أملاه في نظر فوكو التحول الذي عرفته القيمة السياسية للصحة داخل المجتمعات الإنسانية، حيث تحولت الصحة من شأن فردي خاص، إلى أمر سياسي عام، فبعد أن كان المريض يجد في الأسرة مكانه الطبيعي الذي لا يمكن أن يستبدله بأي مجال أو مؤسسة أخرى، ظهرت المستشفى كمعنى حضاري جديد يمكن من خلاله للدولة أن تتدخل عبر الطب في إعادة التوازن للجسم المريض، وإعادة الحياة للمريض، وهكذا أصبح الطب يحمل كل خصائص الدولة”عنف، اصطناعية، مراقبة، نظام، ترتيب، مؤسسات…الخ“، وأضحت أهميته السياسية، تفوق بكثير نجاعته العلمية، فليس من المهم أن يكون الطب فعالاً طبياً، أي ليس من المهم أن يكون قادراً على مداواة الأمراض، وعلاج المرضى، بقدر ما يهم أن يكون فعالا سياسياً[11]. لذلك فإن الوظيفة الأولى للطبيب يجب أن تكون سياسية، لأن”محاربة الأمراض يجب أن تقوم أولا على الحرب ضد الحكومات الفاسدة“[12]. من الواضح إذن أن الملاحظة الأخير لفوكو تكشف عن جانب مهمّ من الاشتغال السوسيولوجي على الصحة وهو المرتبط أساساً، بارتباط المرض والوباء، والجوع والبؤس وكل أشكال العجز الطبيعي والاجتماعي بالأنظمة السياسية، فكلما كان النظام فاسداً كان المرض متفشياً ودائرة الألم أكثر اتساعاً، ومساحة الهشاشة والتهميش أكبر.

أما الطب وقد تماهى مع الدولة وأصبح جهازاً أساسياَ من أجهزتها التي تشتغل على المستوى المادي –اشتغال مباشر على الأجساد- والأدلوجي -”مواساة“ الأرواح-، فقد استثمرت الدولة كل إمكانياتها من أجل جعل الطب جهازاً يمكن أن يقوم بــ”دولنة الصحة“، من خلال مجانية العلاج وإلزاميته، فالطبيب لا يجب أن يطلب مقابلا من أولئك الذين يعالجهم، لأن مساعدة المرضى ستكون خدمة يجب أن تتكفل بها الدولة كواحدة من مهامها المقدسة، بالإضافة إلى تعيين أطباء وجرّاحين”من أجل تتبع الأوبئة التي يمكن أن تحدث في مجالاتهم“، وشرطة”تراقب المناجم والمقابر“، وهيئة من المراقبين الصحيين يمكن”توزيعهم على مختلف الأقاليم وينصب كل واحد على إقليم محدد، ويكلفون بملاحظة المجالات التي تمس الطبّ، ولكن أيضاً الكيمياء والتاريخ الطبيعي والطبوغرافيا وعلم الفلك“[13].

يشير ميشيل فوكو إلى وظيفة سياسية هامة للصحة، تشكل مبرراً جيداً تحتفي وراءه الدولة لاحتكار حقل تدبير الأجساد، ومسوغاً إضافياً يبرر خلقها لمؤسسات رقابية جديدة شبيهة بالسجن، حيث يصبح للجسد معنى آخر، واقتصاد سياسي آخر، وتاريخ آخر، وقابلية للخضوع للسلطة نفسها، سلطة الدولة. إن هذا المسوغ الجديد الذي يبدو أنه كان أكثر تأثيراً من غيره، من الناحية السياسية، هو حماية الأجساد ومراقبتها على الطريقة الانضباطية، فبعد نقاش طويل وسجال أطول بين اللجان الطبية والقائمين على الشأن العام تم الاهتداء”إلى ضرورة حلق مكان للمراقبة مستمر، ووجود مستشفى للمرضى بدون عائلات، وفي الحالات المعدية، ومن أجل الأمراض المعقدة والصعبة وغير العادية، التي يجد الطبّ العام نفسه أمامها عاجزاً. ويبدو على المستوى المحلي – المستشفى – حماية الأشخاص من المرضى، وحماية المرضى من ممارسات الجهلة، وحماية المرضى من أنفسهم، ومن بعضهم البعض“[14]. يبدو أن الوظيفة العلاجية في هذا المقام لم تكن الغاية الأولى من استحداث المؤسسة الصحية، لأنها لم تخلق كبقية مؤسسات الدولة إلا كــ”مراكز تدريب وتأهيل وتنميط. تشتغل جاهزياتها بأحدث العلوم من طب جسدي ونفسي وحقوق وسياسة واجتماع وقانون الخ… لكنها مع ذلك تظل لها استقلاليتها من حيث طرق تشغيلها وإنتاجها للجسد المنمط حسب المواصفات المعرفية التي يختص بها كل نوع من هذه الأبنية غير الحيادية أبداً، فالهندسة ليست علماً رياضياً خالصاً ولا فنا مجرداً، ولكنها في هذه المعارف والإبداعات الموظفة في خدمة مفاهيم الانضباط، وحسب التشكيل الفضائي المسموح به للفرد في ظل حداثة القرنين الماضيين وعقلنتها التشميلية الكليانية. وقد ترجمت العقلانية كممارسة إلى انضباطية استيعابية كاملة. وكلما انصبت على تأهيل الجسد باعتباره الوحدة المادية التي يتألف منها البنيان الاجتماعي الذي يجب تشغيله كآلية إنتاجية كبرى“[15].

زيادة على ذلك فإن تدخل الدولة في المجال الصحي، بعد أن أصبح هذا التدخل واجبا اجتماعياً وجماعياً للمساعدة، يتجسد كذلك حسب ميشيل فوكو في عمل الدولة منذ نهاية القرن الثامن عشر على إصلاح البنية الطبية، من خلال تشكيل إدارة مركزية تدير العلاج وتتحكم فيه، ومركزة العلاج، وخلق مؤسسات تأوي المرضى بدون أسر والفقراء منهم، وإصدار قوانين تأسيسية و تنظيمية للمؤسسات الاستشفائية، وتقنين الممارسة الطبية”كل فرد يمارس الطب دون اجتياز امتحانات المدارس، أو التقدم للجان المختصة سيعاقب بغرامة أو السجن في حالة العود“[16]، ومأسسة وتنظيم التعليم الطبي؛ عن طريق إصدار مراسيم لـ”تكوين الجيش الجمهوري من ممتهني الصحة“، ووضع برامج للتكوين تحوي كل ما يجب أن يعلمه الطبيب الطالب عن مهنة الطب، وكل ما يمكن أن يتعلمه هذا الطالب من علوم وتقنيات تسهل ممارسة الطب.

في نفس السياق يعتقد ميشيل فوكو أن الدولة استعملت الطب في تحديث المجتمع، وتحديث نفسها قبل ذلك، بفضل عملها على علمنة الصحة، بإقصاء الكنيسة من تدبير المجال الصحي، والتدخل في علمية العلاج، و استبعاد البعد الديني للمعالج، لأن الطبيب ليس ساحراً أو قساً وبالتالي فإنه لا يحتاج إلى تملك صفات الأول ولا قدرات الآخر، بل يمارس مهمته في إطار سياسي، لا ينتظم لنفس قوانين الحقل الديني، لكن دون القطع مع منهجيته في ترتيب هذا المجال، وتنظيم العلاج، ويمكن أن يلاحظ هذا الإجراء بشكل عملي في نظر فوكو، داخل إعادة إنتاج الدولة لنفس المنطق الديني، رغم تغير الاستراتيجيات وتبدل الآليات التي يشتغل بها كل حقل، وتباينها.

يظهر البعد السياسي للصحة داخل كل أعمال ميشيل فوكو، سواء التاريخية منها أو التحليلية في سعيه الدائم نحو إظهار المستشفى كحلقة في نظام اعتقالي كبير تتعدد خطاباته وهندساته، لكنه ظل محكوماً بنفس قواعد اللعب التي تبتدئ عادة بالاعتقال وتنتهي بالمراقبة، لقد كان الاعتقال والقتل من فنون التعامل مع”الجنون والجذام وكل أشكال المرض العادي منها والوبائي“قبل أن تصل الدولة إلى أن المجنون ومن خلاله المريض يحتاج إلى رعاية وحماية ومراقبة”المستشفى“، وهو الأمر نفسه الذي تكرر مع مخالف القانون و القواعد” المجرم“الذي كان مصيره القتل أو التعذيب في أحسن الأحوال، قبل أن يكتشف أن”المجرم“مريض يحتاج إلى إصلاح وتقويم” السجن“. غير أن تغير الاستراتيجيات التي انتهجتها الدولة في التعاطي مع ظواهر الجسد، الانتقال من الاعتقال والإعدام إلى العلاج والإصلاح، لا يعني كما سبق أن قلنا تغير المنطق السلطوي الذي حكم علاقة الدولة بـ”شواذها“.

ثانيا: البعد التاريخي والإبيستمولوجي لمفهوم الصحة:

لم يكن استناد ميشيل فوكو على التاريخ في أبحاثه وكتاباته الكبرى”تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي، ولادة العيادة، المراقبة والمعاقبة، تاريخ الجنسانية“اعتماداً مذهبياً قائما على تشبعه وإيمانه بقيم التاريخ وقيمة التاريخانية، لأنه أنكر أكثر من مرة طريقة اشتغال المؤرخين والمناهج التاريخية ونعتها بالتقليدية مع كل ما يحمله لفظ التقليد من دلالات قدحية داخل المخيال الفرنسي، فـ”الطريقة التقليدية التاريخية“تسبح في ممارسة خاطئة يجب مناهضتها على منوال البنيويين الذين ينتمي إليهم، من حيث شكل تفكيكها وتحليلها واهتمامها بالأسئلة الكبرى للمجتمع. وعليه فإن اهتمامه بالتاريخ كذلك لم يكن منهجياً، ففوكو انتقد في الممارسة التاريخية ميلها إلى”إغفال الأحداث المباغتة لصالح بنيات لا يمكن للإغفال أن يعرف طريقاً لها“[17]، ويعني بذلك أن الممارسة التاريخية لا تجنح إلا نحو دراسة التطورات والقوانين والانتظامات، مستعينة في ذلك بما أنتجته بعض العلوم الاجتماعية الأخرى من مناهج وأدوات ونماذج، فهي تستدعي من الاقتصاد مثلا”نماذج النمو الاقتصادي، والتحليل الكمي لسيل التبادلات“، ومن الديموغرافيا تستقي”منحى التغيرات الديموغرافية“وتستقبل من علم المناخ كيفية دراسة المناخ وتقلباته”[18]…الخ. إن سبب انتقاد ميشيل فوكو لهذا النوع من الفعل التأريخي هو رغبته الدائمة والأكيدة في نفي انتسابه إلى التيار التاريخي، وإيمانه بالنزعة التاريخية، ذلك أن ما يقوم به من أبحاث تاريخية وسياسية، ليست في الواقع، إلا دراسات جينيالوجية يرمي من خلالها وضع اليد على ما يسميه بسلطة الإثبات بما هي “سلطة إنشاء ميادين من الموضوعات يمكن أن تنفي قضايا صادقة وأخرى كاذبة” ويكفي في هذا الصدد أن نعود إلى الطريقة التي وصل من خلالها فوكو إلى كيفية تشكل الجنون كظاهرة مرضية، أو خلقت بها المستشفيات كوعاءات تحتضن المرضى، أو تحولت من خلالها المثلية الجنسية من ظاهرة عادية إلى مرضية.

إن ما دفعنا إلى العودة إلى “الممارسة التاريخية” لفوكو، هو اختزان هذه الممارسة لفعل إبيستمولوجي عميق جداً يكشف عن طبيعة الظاهرة الفزيولوجية والنفسية وكيفية انتقالها المستمر بين العادي و المرضي، بل إنها تتضمن كذلك مجموعة من الإجابات عن عدد من الأسئلة السوسيولوجية الكبرى في مجال الصحة، من قبيل السياسات الصحية، والعلاقات العلاجية، والمؤسسات الصحية، وطبيعة العلاقة بين الدولة والصحة، والخصائص السوسيولوجية للمريض، ونشأة المرض….الخ، وهذا ربما حاصل مجمل أعماله التاريخية المرتبطة بالجنون والعيادة والجنسانية والسجن.

1. الجنون أولا:

يعتبر البحث في الجنون أول أعمال ميشيل فوكو النظرية الكبرى، وأول بنية في واحد من أضخم المشاريع الفكرية التي سيعرفها القرن العشرون، وأكبر علامة على الطريق الذي سيتخذه فوكو في حياته الفكرية برمتها؛ سواء من حيث طبيعة الإشكالات التي سينزع إلى التفكير فيها، أو من حيث المنهج الذي سيختاره لكتابة تاريخ موضوعاته.

يحمل تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي سؤالا واحداً يختزن بين ظهرانيه عدداً لا محدوداً من الإشكالات النظرية الكبرى في تاريخ الممارسة العلمية و الإنسانية، وهو سؤال تخفي بساطته الواضحة : متى أصبح الجنون مرضاً عقلياً؟، تركيباً عميقاً، نظراً لارتباطه الشديد بجملة من الممارسات الاجتماعية والسياسية والعلمية التي كانت تنتج الجنون كشر يجب التخلص منه. إن سؤال مركب لأنه يعكس إن صح التعبير “انتقالا إيبديمولوجيا وتحولا اجتماعياً وسياسياً وعلمياً عرفته أوروبا عند نهاية القرون الوسطى، وهو انتقال وتحوّل كانت تتسع قبله دائرة الممنوع والمحرم ويتخذه في المرض بكل أصنافه شكلا من أشكال الشذوذ الذي يجب محاربته والإبحار به خارج المدينة، وإبعاده عبر النفي أو القتل أو الحبس والتعذيب والتهميش، غير أن تجربة القرون الوسطى والحديثة فضلت إعادة ترتيب حقل”اللاعقل والشذوذ“عبر استراتيجيات جديدة، وقواعد لعب مغايرة أظهرت فيها السلطة الحيوية كحد انضباطي، تصوراً جديداً للجنون يقوم على الرعاية والإصلاح والتطبيب والتمريض والحماية.

ليس سؤال الجنون هو أغرب ما يتضمنه تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي، بل إن فرادته الحقيقية تبدو في المنهج الذي اتبعه فوكو في كتابة تاريخ الجنون والعيادة والجنسانية والسجن، إن تاريخا يعتمد تأريخياً أنتربولوجيا، ويعتمد مفهوماً جديداً للوثيقة يتجاوز المعنى التقليدي لهذه الأخيرة، حيث استند فوكو على غير عادة المؤرخين على أرشيف مغاير يتضمن تاريخاً منسياً،”استقاه من كل الخبرات الإنسانية، من الطب الوضعي الحديث، ومن الأدب والفن والمسرح والفلسفة، ومن الشعوذة والخيمياء وكل الممارسات السحرية، ومن تاريخ الدولة ومؤسساتها، البرلمان والشرطة والجيش والأوامر الملكية والمستشفيات العامة والمارستان والسجن والدور الصغيرة دون أن ننسى مؤسسة الحجز وهي اختراع من اختراعات العصر الكلاسيكي العجيبة“[19].

لقد كان الغرض من هذه التجربة الجديدة في كتابة التاريخ أو التاريخ في ثوبه الجديد كما يقول ميشيل فوكو هو إخراج التاريخ من تجربته التقليدية، وتجاوز أساليبه العتيقة القائمة على معنى ذابل للأرشيف والوثيقة من كتب ونصوص وحكايات وسجلات وعقود ومنشآت ومؤسسات وقواعد وتقنيات وأشياء وعادات الخ، واستبدالها بأخرى. إن التاريخ الذي يروم فوكو تأسيسه يحول الوثائق إلى نصب أثرية، ويعرض كمية من العناصر التي يمكن عزلها والجمع بينها وإبرازها والروابط بينها وحصرها في مجموعات.”في هذه النقطة يتحدد المشروع _ يقول فوكو_ الذي حاولنا أن نرسم خطوطه العامة الأولية في الكلمات والأشياء وتاريخ الحمق

وميلاد العيادة. وهو مشروع نسعى فيه إلى قياس التحولات التي تحدث عامة في التاريخ؛ إنه مشروع يطرح موضع السؤال، المناهج والحدود والمضامين الخاصة التي يدور عليها تاريخ الأفكار“[20].

بعد أن تم بسط الأهمية النظرية الكبرى لتاريخ الجنون داخل متن ميشيل فوكو، يمكن الآن أن نقف عند الانفصالات والتحولات التي عرفتها تجربة الجنون داخل المجتمع الغربي وهي التجربة التي تشترك فيها كل الأمراض مع الجنون، ويمكن تلخيصها في ثلاث لحظات كبرى لكل واحدة خصوصياتها وإكراهاتها وتمثلاتها التي تجعلها متميزة عن الأخرى وهي:

1. لحظة السفينة والجنون المعتقل

2. لحظة الطب

3. لحظة الدولة

1. لحظة السفينة والجنون المعتقل:

نقصد بلحظة السفينة أول نماذج علاقة الإنسان مع المرض والجنون كما قدمها ميشيل فوكو، وهي علاقة تختزن بين ظهرانيها عنفاً كبيراً يتجسد في ممارسة كل أشكال العسف واستدعاء كل أجهزة السلطة الانضباطية داخل اقتصاد سياسي للجسد يرمي التحكم في البيولوجي ورسم خريطة للسواء الفيزيولوجي والنفسي، مرفقة بهوامش توضع عليها العناصر المرضية التي مثل الجذام والأمراض التناسلية والجنون والفقر والتسول أهمها. وقد كان الإبعاد والإقصاء الاجتماعي بمختلف تجلياته السمة المميزة لهذه اللحظة من تدبير المرض داخل المدينة وأول إجراءات السياسة البيولوجية للدولة، من خلال إعدام المجانين والمرضى وسجنهم ونفيهم وتهجيرهم وتعذيبهم وطردهم…الخ. وهذا ما يعني أن لحظة السفينة تضم في الواقع لحظات متعددة، ظهر أولها داخل نفي الحمقى وتهجيرهم، وتجسد ثانيها في تحول النفي إلى اعتقال بعد احتفاء الأدب و الفن بالجنون، وتمثل ثالثها في تحول الاعتقال إلى إصلاح.

إن ما يميز هذه اللحظة كذلك في نظر فوكو هو حضور الجنون بين مفهومين كبيرين، وهما الخوف والمرض، فالجنون يرتبط بالخوف، لأن كل التدابير التي اختارتها الدولة في تنظيم حقل الجنون كانت تخفي وراءها خوفاً من المرض، فالتهجير والتعذيب والاعتقال والعلاج والعلاج والقتل كلها مفاهيم تدل على أن عنف الدولة والمجتمع اتجاه المجنون، له ما يبرره وهو خوفهما من الجنون. أما ارتباط الجنون بالمرض، فمرد ذلك إلى اشتراك الجنون مع كل الأمراض واقع وجودها وشروط إنتاجها، إذ أن صورة المجنون كانت انعكاساً رمزياً لصورة المرض والمريض داخل المجتمعات الغربية بأكملها وخاصة ألمانيا وفرنساً.

إن مفهوم سفينة الحمقى ههنا كما استعمله فوكو، يشير إلى تعبير أدبي يرتبط بفن الرسم ( حيث اللوحة المشهورة لجيروم بوش Jerome Bosch) وبشكل أكثر بالرواية ( حيث الرواية المشهورة لسبستيان برانت Sébastien Brantسفينة الصحة وبلوي شوت blauwe schuteلجاكوب فان أستفورن jacob van oestaven، هذا دون إغفال سفينة الحمقى وزورق المجنونات لجوسي باد). معنى ذلك أن الجنون كان عبارة عن موضوع متخيل، ومصدراً من المصادر المتعددة للإبداع الإنساني التي انطلقت مع بداية تمجيد النزعة الإنسانية للجنون.

غير أن هذا الكائن المتخيل”سفينة الحمقى“، سرعان ما سيتضح مع فوكو على أنه كائن حقيقي فــ”سفينة الحمقى من بين هذه الأساطيل الروائية أو الهجائية، هي التي كان لها وجود حقيقي. فالسفن التي كانت تنقل حمولتها الجنونية من مدينة إلى أخرى وجدت حقاً. ولهذا فإن الحمقى كانوا يعيشون التيه. لقد كانت المدن تطردهم من جنباتها، ليلتحقوا بالبراري حيث يتيهون على وجوههم، هذا في الحالة التي لا يشحنون فيها مع بضائع تجار أو قافلة حجاج. وهذه ممارسة كانت سائدة في ألمانيا. فقد تم في نورينبورغ، في النصف الأول من القرن الخامس عشر، إحصاء 62 مجنوناً، 31 منهم تم طردهم من المدينة. وفي النصف الثاني من هذا القرن، تم تسجيل 21 حالة رحيل قسري. والأمر لا يتعلق سوى بالمجانين الذين يتم إحصاؤهم من طرف السلطات البلدية. وقد يحدث أن يعهد بهم إلى بعض العاملين في السفن: ففي فرانكفورت في 1399 كان يكلف بعض البحارة بتخليص المدينة من أحمق يتجول عارياً في شوارعها، وفي السنوات الأولى من القرن الخامس عشر تم التخلص من مجرم أحمق بنفس الطريقة. وأرسل إلى مايانس. وأحياناً كان البحارة يلقون بالحمقى خارج السفينة قبل نقطة الوصول“[21].

تعبر سفينة الحمقى إذن عن تدبير سياسي جديد للمرض ظهر مع بداية التخلص من الجذام الذي كان يعتبر المشكلة الأولى للعالم الغربي، ويكشف هذا التدبير الجديد عن طبيعته الإقصائية، لأن المجنون مثله مثل المجذوم أقصي من الحياة ومن العيش وسط الجماعة، لأن في إبعاده الاجتماعي عملا مقدساً يرضي الله. وهو قبل ذلك عمل مطهر، يغسل المدينة من أوحالها، أي من المجانين وأمثالهم. إن إقصاء المجانين من المجال الاجتماعي عن طريق تهجيرهم والرمي بهم في البحر أحياناً، كان نتيجة لفقدان تيمة الموت أهميتها داخل المخيال الاجتماعي بفعل القضاء على الجذام وأسباب الطاعون والحرب، ولكن وبشكل أكبر نتيجة لاستمحال الجنون موضع الموت، فـــالجنون هو”الحضور المسبق للموت“، وبالتالي فإن إبعاد المجنون، يعني إبعاداً للموت أو على الأقل تفاديه المؤقت مادام يشكل النهاية الحتمية للأفراد.

لم تكن سفينة الحمقى في الحقيقة إلا إجراءً وقائياً، ضمن إجراءات وقائية كثيرة، أملاها الخوف من الجنون باعتباره تجلياً من تجليات الموت، ما يميزها عن باقي الأفعال التحكمية الأخرى مثل القتل والاعتقال والإصلاح، هو الصورة التي كانت تحملها المجتمعات الغربية عن الجنون، وهي صورة أدى تغيرها لحظة دخول الفن والأدب والفلسفة والعلم مجال التفكير في الجنون، إلى تغير فكرة التهجير والنفي واستبدالها بفكرة العلاج والإصلاح، بعدما أضحى الجنون شكلا من أشكال الوجود المريض، الذي يلزم مدحه أحياناً، واستلهام مقدماته أحياناً أخرى، والبحث عنه في ذواتنا مادام الإنسان كائناً مجنوناً،”لقد ولدت التجربة الكلاسيكية للجنون، وخفت حدة التهديد المتصاعد الذي وصل مداه في القرن الخامس عشر، وفقدت القوى المقلقة التي استوطنت لوحات بوش عنفها. وظلت هناك أشكال، وهي الآن أشكال شفافة وغير عنيفة، تكون موكباً، هو الموكب الضروري للعقل. وكف الجنون عن أن يكون تجسيداً في محيط العالم والإنسان والموت، وصورة عن العالم الآخر، لقد تلاشت ظلمات تلك الليلة التي كانت العيون مشدودة إليها، والتي تنبع منها أشكال المستحيل، وجلل النسيان العالم الذي كانت تجوبه العبودية الحرة للسفينة، إنها لن تذهب، في رحلتها الغريبة، أبعد مما هو موجود، ولا دون ما هو موجود. إنها لن تكون أبداً تلك الحدود الهاربة المطلقة. هاهي ترسو بثبات وسط الأشياء والناس. لقد احتفظ بها وثبتت في مكانها، إنها لم تعد قارباً، بل أصبحت مستشفى“[22]

تلخص هذه العبارة الفوكونية في الواقع مجمل التغير الذي عرفته صورة الجنون داخل العصور الوسطى، ذلك أن الصورة القاتمة التي كان يحملها الناس عن الجنون، تغيرت شيئاً، حيث استبدلت السفينة بالمستشفى، وتحول التهجير إلى اعتقال كبير، إلا أن فوكو سيكتشف داخله أن عنف هذا الاعتقال”المستشفى“لا يقل عن عنف السفينة والإبحار. بل هو أعنف منها خاصة عندما ستتحول دور الحجز إلى مؤسسات سياسية تستجيب لرهانات السلطة المتمثلة في التحكم في حقل البؤس وترتيب عناصره.

إن تقنية الاعتقال التي يتحدث عنها ميشيل فوكو ترتبط بالقرن السابع عشر، تاريخ ظهور أول مستشفى عام بباريس، تنفيذا لمرسوم ملكي صدر سنة 1656. وتمثل لحظة جديدة من عمر الفهم والتدبير الإنساني للمرضي، خاصيته الأساسية تحول الجنون إلى شكل من أشكال البؤس الذي يعم المجتمع الغربي، وبالتالي لم يعد المرض ظاهرة توجب الإبعاد والتهجير، وإنما تحتاج مؤسسات طبية وبنيات قانونية قادرة على تدبير البؤس وهو ما شكلت دور الحجز والمستشفيات أول مظاهره:”المستشفى العام ليس مؤسسة طبية، بل هو بنية قانونية، ما يشبه الكيان الإداري الذي بالإضافة إلى سلطاته المعترف بها خارج المحاكم، يقرر ويحكم وينفذ“[23].

لقد جاء خلق دور الحجز والمستشفيات نتيجة لرغبة سياسية أولا ودينية بعد ذلك في القضاء على البؤس، لأنه نتاج فوضى وعائق أمام النظام، تحول من خلاله الفقر والمرض إلى خطيئة ضد النظام العام وهو ما جعل من هذه المؤسسات”بؤرة لصراعات متعددة، بين الاختبارات القديمة للكنيسة الخاصة بإغاثة الفقراء ضمن طقوس الضيافة، وبين طموحات البورجوازية في إعادة تنظيم البؤس: الرغبة في الإغاثة والحاجة إلى القمع، واجب الإحسان وإرادة التعسف“[24]

إن هذا المظهر الجديد الذي اتخذه البؤس داخل المجتمع، سيحول المرض إلى”مشكلة بوليسية“لها علاقة بنظام الأفراد داخل المدينة، وهذا ما سيجعل من المريض والمتشرد والمجرم والمتسول والوقح والجشع والعجوز والمومس والعاق والغبي والضال و…الخ، نماذج متماثلة تحتاج إلى الاعتقال لا إلى الإحسان، لأن في اعتقالها تطهيرا للفضاء الاجتماعي، وإبعادا للعناصر الطفيلية أو الضارة. وهو ما يفسر كيف أن”لا يحتوي على أي فكرة طبية، لا من حيث اشتغاله، ولا من حيث خطابه، إنه محفل من محافل النظام، النظام الملكي البرجوازي الذي كان منهمكاً في تنظيم أوضاعه“[25].

لقد أدى دخول الكنيسة إلى حقل تدبير المرض والبؤس على امتداد العصر الكلاسيكي، واستدعاء الدولة معظم البنيات التي نظمت من خلالها الكنيسة علاقتها بالمرض إلى”إحداث الانقلاب الكبير الذي قامت به الكلاسيكية في علاقات تربط الجنون بالتجربة الأخلاقية“[26]، فما الذي يقصده فوكو بالانقلاب الكبير؟

يعني أولا استبدال التقنيات القديمة لتدبير البؤس وتنظيمه، او على الأقل إعادة ترتيب عناصره، فكما أن الاستعاضة بالحجز على الكنيسة كان لتغير النظرة إلى الجنون والجذام والمرض بصفة عامة، فإن الانقلاب الذي يتحدث عنه فوكو في هذا المجال يتمثل في استبدال الوظيفة الكبرى للمستشفى العام من الاعتقال إلى الإصلاح والعلاج والعقاب، خاصة وأن ما كان يعرض على المستشفى العام من مصابين بأمراض تناسلية لم يعالجوا، وإنما عرضوا على الأطباء من أجل”تقويم سلوكهم أولا، ثم جلدهم ثانياً، وهو أمر تشهد عليه تذكرة إرسالهم. ولم يكن المصابون بالأمراض التناسلية في الأصل يعاملون معاملة تختلف عن تلك الخاصة بالمصابين بالأوبئة من قبيل الجوع والطاعون والجروح الأخرى“[27]

 تتميز اللحظة الثالثة من حياة السياسة الحيوية التي تشكلت عبر التاريخ، بخاصية أساسية تمثلت أساساً في اتساع دائرة المرض بعد أن أصبحت الصحة مرتبطة بالمقدس في شكله الديني أو الاجتماعي، فاللواط والإلحاد والخيانة الزوجية والشعوذة والممارسات السحرية والتنجيم …الخ، أصبحت أمراضاً، لأنها”خطابات وممارسات تقود إلى تدنيس ما في الدين من مقدسات“[28]، وتهدد قيم العائلة التي تشكل الركيزة الأساسية للنظام الاجتماعي. إنها لحظة لم تقص الحجز كما يمكن نتصور لكنها أفضت إلى حقيقة كبرى، وهي: أن الحجز ومن خلاله المستشفى لم يكن يشكل وحدة مؤسساتية، ولم يكن يتوفر على أي انسجام طبي أو سيكولوجي أو طبعقلي، ولم يكن موجهاً لفئة دون أخرى، حيث كان فضاءً يتسع دون أن يضيق. كما أنه لم يكن حقلاً للعلاج وحسب، بل امتد إلى ممارسة العقاب والتقويم والإصلاح.

-----------------------------------

المدخل السياسي إلى الصحة (2/2)

يتبين إذن من خلال ما سبق أن ميشيل فوكو يقدم اللحظة الأولى من عمر التدبير السياسي والاجتماعي للمرض، كلحظة عقابية، تحتوي على بنيات ومؤسسات طبية وقوانين صحية، لكنها لا تتجه نحو ممارسة العلاج والإشفاء، بقدر ما تستعمل في الإقصاء الاجتماعي وممارسة التعسف السياسي ضمن مقاربة لن نجد أحسن من تعبير ميشيل فوكو لوصفها، أي ضمن مقاربة بوليسية.

 لحظة الطب:

أما أن يكون العصر الكلاسيكي قد اعتقل المريض “المجذوم، المجنون، المريض جنسيا، الملحد، المتسول….الخ”، اعتقاداً منه، أن في اعتقاله خلاصاً وتطهير للفضاء الاجتماعي، وحماية لقيم المجتمع ومؤسساته، فذلك ما لا يمكن الشك فيه، وأما أن يكون الاعتقال والتعسف هو الحل الأخير الذي راهنت عليه الدولة والمجتمع لتدبير المرض، فذلك ما يسهل رفضه ورده. ويرجع ذلك إلى اتجاه العصر الكلاسيكي نحو وعي المرض“من خلال دراسة الجنون”، رغم كل ما ميز هذه التجربة من غموض وعدم قدرة على تحديد ماهية الجنون وأسبابه وأشكاله وحدوده، بل وعجز جعل من الجنون “معنى في حالة تشظي دائم”[1].

 إن هذا الوعي الذي ميز العصر الكلاسيكي لم يتخذ شكلا واحداً، وإنما اتخذ أنماطا مختلفة حددها فوكو في أربعة أساسية تشير كل واحدة منها إلى ممارسة علمية محددة، ترتبط فيما بينها لأنها تحتاج إلى بعضها البعض، رغم وجودها منفصلة، دون أن يستوعب بعضها البعض. فهناك أولا وعي نقدي خاصيته الأولى أنه “ينخرط كلية في حكمه، قبل بلورة مفاهيمه، وعي لا يحدد بل يدين”[2]، وهناك كذلك؛ وعي عملي للجنون، ميزته أنه “بقدر ماهو اجتماعي ومعياري، ومدعوم بشكل جيد منذ البداية، فإنه وعي درامي”[3]، بالإضافة إلى هذا يوجد وعي تلفظي بالجنون، ويتميز بـكونه “وعيا يمكن من القول، مباشرة دونما اعتماد على المعرفة: هذا مجنون”[4]، أخيراً وليس آخر، يظهر الوعي التحليلي للجنون “وليس الجنون داخله أكثر من كلية ظواهره… إن هذا الشكل من الوعي هو الذي يؤسس إمكانية معرفة موضوعية للجنون”[5].

 تعكس التجربة الطبية لحظة دخولها إلى حقل المرض، قطيعة جديدة وانفصالا مهماً، حيث تم التحول من المرض المقصي إلى المرض الموضوعي، وبالتالي من وعي عملي بالمرض إلى آخر نظري، وهي تجربة وجد الطب نفسها داخلها مع الفلسفة جنباً إلى جنب. إن ميزة الوعي الطبي للجنون ومن خلاله للمرض، هو “بحثه عن الجنون في الفضاء الطبيعي الذي يحتله، فالجنون مرض من بين أمراض أخرى، اضطرابات في الجسم و الروح، فهو ظاهرة من الطبيعة، يتطور في الطبيعة وضدها في الوقت دانه”[6].

 لقد بدأ الوعي الطبي للجنون حسب فوكو مع فييسنس Viessensالإبن، في إنتاج هذا النوع من التصورات حول الجنون باعتباره مرضاً “المركز البيضوي في الدماغ هو: بؤرة وظائف الذهن، لأن الدم الشرياني يتخذ شكلا دقيقاً ويتحول إلى ذهن حيواني، وبالتالي فإن صحة الذهن، في أبعادها المادية، محكومة بانتظام وتساوي حرية سير الأذهان في تلك القنوات الصغيرة”[7]، وقد استفاد الوعي بالجنون كثيراً من تطور المعرفة الطبية التي أضحت خلال القرن الثامن عشر أبعد من أي وقت مضى عن الفهم الميتافيزيقي للمرض، القائم على وجود جواهر موربيفية Morbifiqueوعلى مقولة عامة للمرض عقيمة. وهو ما يشير إلى أن ابتعاد التصور الجديد للمرض عن المقولات الميتافيزيقية، يعني الارتماء بين أحضان البراديغم التجريبي، الذي يعتبر الوجود الواقعي للظواهر، وقابليتها للملاحظة، هو ما يمنحها صفة العلمية، ويوجه العلم نحوها من أجل دراستها.

 إن ما يميز الاشتغال الطبي على المرض هو حمله لرهانات مغايرة، لتقنيات السلطة لحظة التفكير في المرض، فإذا كانت الثانية اتجهت بشكل عام نحو اعتقال المرض وإبعاده وإخفائه، فإن ما سميناه بلحظة الطب، نحت اتجاه “تحرير المرض”، تحريره أولا من النظرة الشمولية التي كانت تختزل في مفهوم المرض فئات اجتماعية واسعة، لا يجمع بينها إلا شيء واحد وهو جمع السلطة لها داخل قالب واحد. وتحريره كذلك من خلال إعادة تنظيم العالم الباتولوجي وفق معايير جديدة، استوحاها الطب من عالم النبات، وكما يقول بول سيدنام Paul Sydenham“علينا أن نجمع كل الأمراض في أنواع محددة بنفس حرص دقة عالم النبات”[8] وهو الأمر نفسه الذي انتهى إليه كل من غوبيوس Gaubiusودوسوفاج de sauvage…الخ، حيث تم تنظيم المرض وفق مقدمات جديدة، تختلف جذرياً عن الطريقة التي فهم بها المرض في الماضي، أهم معاملها الاتجاه التدريجي نحو علمنة المرض، أو بطريقة أصح إبعاد الطابع الديني عن الفهم الإنساني للمرض، بعدما كان يعتقد قديما أن المرض عقاب إلهي[9]. وفي الأخير يظهر الدور التحريري للطب داخل مساهمته في انفتاح الممارسة العلاجية من التصور الوحيد للمرض، حيث بدأ الجنون مثلا “المرض” يفقد طابعه الموحد لصالح، نماذج وأنواع جديدة وفق أعمال تصنيفية يقدم فوكو داخلها “بلاتر Plater، وجونستون jonston، وبواسيي دو سوفاج boissier de sauvageو ليني linnéو فييكار weickheird” كنماذج متقدمة لفهم المرض وخاصة المرض العقلي.

 بقي أن نشير إلى خاصية أخيرة أضافها الطب إلى حقل المرض أو حقل الصحة، وهي الانتقال بالمرض من عالم الاعتقال إلى عالم الشفاء مع كل ما ميز هذا الانتقال من خلق لمعايير وقيم ومبادئ ونماذج وآثار ومؤسسات…الخ، حولت المجنون والمريض من مذنب إلى إنسان أو على الأقل إلى جسد يحتاج العلاج لا العقاب، مع كل ما رافق هذا الانتقال من تحولات كبرى على مستوى الممارسة النظرية للطب التي لم يكن لها دائم تأثير مباشر على فعل العلاج. بالإضافة إلى المساهمة في تكون نظرة جديدة عن المرض مع علم النفس والتحليل النفسي.

 1. لحظة الدولة:

 تدخلت الدولة تاريخا في تنظيم البؤس عبر تقنيات كثيرة، تجسدت في مراسيم و ظهائر يصدرها الملك وقوانين وتشريعات يصدرها البرلمان، وتمثلت ثانيا في إحداث دور للحجز و المستشفيات و “الإصلاحيات”، تتخذ شكل مؤسسات للإبعاد والاعتقال و العلاج والإصلاح، وتشكلت كذلك من خلال ترتيب إجراءات وتدابير يمكن أن نصفها بلغة معاصرة باسم سياسات صحية. ويمكن القول أن الغاية الأساسية لهذا التدخل كان هو الوصول إلى دولنة الجسد و الصحة، من خلال نزع الطابع الفردي أو العائلي عنها. بالإضافة إلى سعيها، في إطار صراعها مع الكنيسة، إلى علمنة الصحة عن طريق نزع الطابع الديني عن الممارسة العلاجية.

 إن الحقيقة التي كشف عنها فوكو، ويمكن القول بنوع من الإحتراس، أن بعض تجلياتها ما تزال حاضرة إلى اليوم، وهي أن: المؤسسات العلاجية بكل أصنافها لا تقوم بأي وظيفة طبية، لأنها لا تتوفر على أي فكرة طبية. فمهمتها الأولى سياسية أولا، شبيهة بتلك التي يقوم بها السجن، ضمن سياسة انضباطية عامة، تقوم على “المراقبة و المعاقبة، للعناية والقمع، للمساعدة والاعتقال، الشيء الذي يجعل هذه المؤسسات السياسية،” مؤسسات غريبة يصعب أحياناً تحديد معناها ووضعها"[10].

 إن السؤال الأساسي الذي اتجه فوكو نحو الكشف عنه من خلال الوقوف على المظاهر الكبرى لتدبير المرض، هو ما هي المظاهر السياسية للمرض، وقبل ذلك متى بدأ الجنون يأخذ معنى المرض العقلي؟.

لقد ساهم اهتمام فوكو بتاريخ الجنون، بشكل كبير في اتساع رقعة اهتمامه بالجسد والصحة والطب، وهو ما بدا واضحاً في اتجاه فوكو نحو تفكيك بنيات جديدة، في الممارسة العلاجية والبحث في تفاصيلها الصغيرة وفي شكل القطائع و الهوامش التي تشكلت داخل بنية تكونها. وقد ارتبط هذا الاهتمام بسؤال جديد وهو " كيف تشكلت النظرة العيادية داخل النظرة الطبية؟

2. العيادة، والتشكل العلمي للممارسة الطبية:

 غني عن التأكيد أن فوكو لم يحبس نفسه للتفكير في تاريخ المؤسسة الطبية، كما قد يوحي بذلك عنوان ثاني كتبه “تاريخ العيادة”، إذ اتجه منذ بداية مؤلفه تحديد مسارات والتي حددها في ثلاث مفاهيم أساسية تشكل في نظره البنية الأولية لكل ممارسة طبية، يتعلق الأمر بمفهوم المجال ومجموع النقاشات التي أحاطت بها داخل الممارسة الطبية من حيث القدرة أو عدمها على توطين المرض، وهو نقاش يكشف ميشيل فوكو جزء منها داخل تاريخ الجنون، بالإضافة إلى مفهومي اللغة و الموت و ما يرتبط بهما من ممارسات علمية، تبدأ انطلاقاً مما يستعمله الطبيب من رموز في توصيف المرض وتقديمه، وصولا إلى التشريح، باعتباره العلمية التي جعلت الطب يكرس نفسه كعلم للفرد.

 إذا كان لابد من الإشارة أعلاه، فإن ما يهمنا في “ولادة العيادة” ليس تقديم ما انتهى إليه فوكو من خلاصات نظرية كبرى بخصوص تطور النظرة الطبية للمرض والجسد والموت، بقدر ما يشكل الحفر في المظاهر السوسيولوجية للممارسة الطبية والمجال الصحي و التي يعتبر الكتاب غني بها، أول هدف نتغيا الوصول، لاسيما وأن ميشيل فوكو، لم يلزم يوماً قراءه بنظرة واحدة دون غيرها.

 تستمد الممارسة الطبية كل مقوماتها في نظر ميشيل فوكو من العالم المحيط بها، فهي أولا تتأثر بعالم الحياة الذي عملت على إعادة إنتاج أطروحاته بخصوص طبيعة المرض وماهية الصحة “إن نظام المرض ليس إلا انعكاساً لعالم الحياة، نفس البنيات تسود هنا وهناك، ونفس أشكال التوزيع ونفس الانتظام، إن عقلانية الحياة تشبه مايهددها”[11]، كما أنها تأثرت وبشكل كبير بعالم السياسة، من حيث وجود أوغياب البنيات الصحية، فإذا كانت الثورة الفرنسية مثلا قد حملت فكرة إلغاء المستشفيات وجمعيات الأطباء Corporation، فإن هذا الفراغ المؤسساتي وتحول المستشفى إلى مجال جديد يتقاطع فيه التعليم و التعلم، المراقبة و الممارسة الطبية، وبكلمة أعم الخطاب التربوي والتدخل العلاجي.

 من جهة ثانية لم يفت ميشيل فوكو البحث في البعد العلائقي للظاهرة الصحية من خلال تفكيكه لبنية العلاقة التي تجمع الطبيب بمريضه، وبالتالي الطب بالمريض، وهو ما يجرنا إلى القول إن ميشيل فوكو لم يكن إبيستمولوجيا في ولادة العيادة فقط، وإنما كان سوسيولوجيا كذلك.

 تنبني علاقة المريض و الطبيب في نظر ميشيل فوكو على العنف والإقصاء، لأن معرفة المرض و الوصول إلى حقيقة الظاهرة الباثولوجية، لا تقوم داخل وجهة النظر الطبية إلا عندما يقوم الطبيب بتجريد المرض، وبالتالي إقصاء المريض من حلقة العلاج، فالطب“ لا يتجه نحو الجسد الملموس، نحو هذا الكل المرئي، نحو هذا الامتلاء الوضعي الذي يوجد أمامه، وإنه يتجه نحو فواصل طبيعية، نحو هفوات ومسافات تظهر سلبية، إنها العلامات التي تميز كل مريض عن آخر”[12].

 يقوم وصف ميشيل فوكو لعلاقة الطبيب بالمريض بالعنيفة، على كثير من المقدمات السوسيولوجية الكبرى، أولها أن الطبيب لا يشتغل على المرض إلا من موقع واحد، داخل ثنائية تقليدية، تتأسس على الجهل و المعرفة، فالطبيب يتخذ موقع العالم الذي لا يحتاج إلى ما يقوله المريض من أجل معرفة المرض، لأن المريض لا يمثل إلا تمظهراً خارجياً بالنسبة لما يعانيه، لذلك فإن القراءة الطبية لا تأخذ بعين الاعتبار ما يقوله المريض عن مرضه، إلا لكي تضعه بين مزدوجتين، لان ما يهم الطبيب يوجد في البنية الداخلية لأجسادنا لا فيما نقوله. ورغم ذلك، أي رغم إقصاء الطبيب للمريض، ورفض الثاني للصورة التي يتخذها تدخل الأول، فإنها ملزمان بالتعايش مع بعضهما البعض، إنها يتعايشان كما يقول فوكو كتشويش لا مجال لتجنبه.

 غني عن التوضيح أن ميشيل فوكو أولى اهتماماً خاصاً بالتاريخ السياسي للمؤسسات الصحية وما رفق نشأتها و غيابها من نقاشات سياسية كبرى داخل المجتمع الفرنسي، انتهى من خلاله إلى أن “المستشفى مثله مثل الحضارة، مجال اصطناعي يهدد داخله المرض بفقدان صورته الأساسية”[13]، وهي ملاحظة ما تزال تجلياتها موجودة داخل المجتمع المعاصر، ذلك أن معرفة الناس بأمراضهم وعلاقتهم مع هذه الأمراض غالباً ما تجد معنى آخر ووجوداً مغايراً داخل المستشفى.

 وإذا كانت المستشفى مؤسسة اصطناعية، يفقد فيها المرض صورته الأصلية، فإن الأسرة هي المجال الطبيعي للمرض، بما هي مجال طبيعي للحياة، حيث رقة العلاجات العفوية وقوة الارتباط، وحيث وجود رغبة جماعية في العلاج، من خلال تعبئة جماعية لمساعدة المريض على تجاوز مرضه. وهو الأمر بطبيعة الحال الذي لا يوجد داخل المستشفى.

 يعني وجود مجالين للمرض، وعجز المريض عن القيام بأدواره الاقتصادية، خلال القرن الثامن عشر، ظهور نقاش جديد حول صلاحية وجود المستشفى داخل المجتمع، حيث دعى أصحاب هذا السؤال إلى ضرورة استثمار الخيرات التي توجه نحو بناء المستشفيات إلى إعانة مباشرة للأسرة، التي سيصبح آنذاك من مهمتها مساعدة المريض على تجاوز مرضه، وهنا تكون الدولة قد قامت بإجراءين، مساعدة المريض على المرض، ومساعدة أسرته على البؤس والفقر. غير أن هذا النقاش انتهى لصالح توجه آخر يرى في بقاء المؤسسات الصحية ووجود هيئات لمراقبة الصحة العامة ومراقبة عمل الأطباء، بالإضافة إلى تنظيم الحقل الطبي من خلال إصدار تشريعات تقنن الممارسة الطبية، وتعاقب كل ممارسة لمهنة الطب لا يحمل تفويضاً مؤسساتياً لممارسة الطب، إما بغرامة أو بالسجن في حالة العود، لكن أهم توصية حملها دعاة هذا الاتجاه الذي اختارته الدولة هو مجانية العلاج، بحيث تقدم الخدمة الطبية للجميع، وتتكفل الدولة بتعويض الطبيب، ثم إلزامية العلاج، حيث لم يعد مسموحاً أم يترك أي مريض لحال سبيله.

 لم يكن ميشيل فوكو في خضم بحثه التاريخي عن المظاهر السياسية للصحة داخل المجتمعات الغربية، مستغرباً من الوصول إلى حقيقة سوسيولوجية وتاريخية أخرى تهم المرض، يتعلق الأمر بالطابع التاريخي والاجتماعي للمرض “فالأمراض تتنوع حسب الحقب والأماكن، ففي العصور الوسطى مثلا حيث الحروب والمجاعات. ارتبطت الأمراض بالخوف والإنهاك” سكتات دماغية، حمى الدق“لكن خلال القرن السابع عشر بدأت تضعف القيم الوطنية وكل ما يرتبط بها من التزامات، حيث انطوت الإنسانية على ذاتها، مقابل انتشار النهم والشبق” أمراض الزهري، الأمراض المعوية والدموية، وخلال القرن الثامن أدى البحث عن المنفعة من خلال الخيال، إلى الاهتمام بالمسرح و الرواية والحماس إلى نقاشات طويلة، يسهر الأفراد في الليل وينامون بالنهار، الشيء الذي أدى إلى الهستيريا والوسواس المرضي والأمراض العصبية"[14].

تركيب:

إذا كان إميل دوركايم قد أسس للبعد الاجتماعي للصحة والمرض، وكشف عن ملامح تدخل المجتمع في ترتيب المرض وتدبير الصحة، فإن ميشيل فوكو استطاع من خلال مشروع الأركيولوجي والجينيالوجي أن يبين الجانب السياسي والتاريخي للصحة والطب، من خلال أبحاثه التي استطاع من خلالها الكشف عن الجانب التاريخي والسياسي للمرض والطب والمؤسسات الطبية، فإما الجانب التاريخي فيبدو في ارتباط المرض بالتاريخ، بما هو وضع اجتماعي وسياسي وثقافي، إذ أن لكل فترة تاريخية أمراضها التي ترتبط بها، وهي خاصية يشترك مع فوكو في تأكيدها مختلف السوسيولوجيين والأنتربولوجيين الباحثين في الصحة بدءاً بمارك أوجي وروجي باستيد وكلودين هيرزليتش وصولا إلا رايمون ماسي ومارك ترومبلاي و ستودلر…الخ. أما البعد السياسي للصحة، فيبدو في نظر فوكو في تحول السلطة الحيوية القديمة، بما هي سلطة على الإماتة والإحياء والقتل والإبعاد والنفي، إلى الدولة الحديثة التي أنشأت المؤسسات الطبية للعقاب أولا وللإصلاح بعد ذلك، رغبة منها في الاستفادة من أرواح الناس وأجسادهم في العمل الإنتاجي.

 إن قيمة العمل الفوكوني المرتبطة بالصحة والمرض والمؤسسات الصحية، يجد تجلياته اليوم ليس داخل الكتابات التي تحتفي بما أنجزه فوكو فقط، وإنما يستمد مشروعيته كذلك من داخل الأسئلة التي طرحها فوكو، وما تزال إلى اليوم راهنة في سياقها الأم وفي سياقات اجتماعية مغايرة.

---------------------------------------------------------

هوامش الجزء الأول من البحث:

[1] يمكن أن نشير في الصدد إلى دراستين اثنتين، في سياقين مختلفين وإن كان المجال العلمي يحتضن بين ظهرانيه أكثر من ذلك، نقصد هنا جورج كانغليم، من خلال دراسته المهمة العادي و المرضي، حيث أن الشرط السياسي والتاريخي غير حاضر أبداً في دراسات الرجل كما لو أن تكون المفاهيم والنظريات العلمية ينشأ خارج سياقاتها التاريخية. بالإضافة إلى دراسة لوسيان لوكليرك حول تاريخ الطب العربي.

[2] فوكو، ميشيل، يجب الدفاع عن المجتمع، ترجمة الزواوي بغوره، دار الطليعة، الطبعة الأولى 2003 ص 233،234.

[3] نفس المرجع ص 240.

[4] فوكو، ميشيل، تاريخ الجنسانية إرادة العرفانI، ترجمة محمد هشام، إفريقيا الشرق2004 ص116

[5] فوكو، ميشيل، يجب الدفاع عن المجتمع، ص 242.

[6] نفس المرجع ص 236

[7] Foucault, Michel, Naissance de la Clinique, Cérès éditions, Tunisie, 1995 P24

[8] يعتبر ميشيل فوكو أن الطبيب ليس إلا أداة تستعمل الدولة ضمن تكنولوجياتها السياسية للحياة، ( سنعود إلى هذه النقطة لاحقاً”

[9] فوكو، ميشيل، تاريخ الجنسانية إرادة العرفانI 118

[10] اتجاه ميشيل فوكو نحو القول بتشكل البعد السياسي للصحة خلال القرن الثامن عشر، يعني أن الاهتمام السياسي بها ليس وليدة اللحظ الراهنة، أو مجال تدخل الدولة المعاصرة

[11] Foucault, Michel, naissance de la clinique, P44

[12] Ibidem

[13] IbidP32

[14] Ibid P55

[15] ميشيل فوكو، المراقبة و العقاب، ترجمة د. علي مقلد، مراجعة وتقديم د. مطاع صفدي، مركز الانماء القومي بيروت، 1990 ص35

[16] Ibid. P120

[17] فوكو، ميشيل، حفريات المعرفة، ترجمة سالم يافوت، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثالثة ص8

[18] نفس المرجع ص 5

[19] فوكو، ميشيل، تاريح الجنون في العصر الكلاسيكي، ترجمة سعيد بنكراد، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى 2006 ص14

]* يستعمل سالم يفوت تاريخ الحمق بدل تاريخ الجنون

[20] فوكو، ميشيل، حفريات المعرفة، ص15

[21] فوكو، ميشيل، تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي، ص ص 29/30

[22] فوكو ميشيل، المرجع السابق ، ص 63

[23] فوكو، ميشيل، المرجع السابق، ص71

[24] المرجع السابق ص75

[25] نفس المرجع ص72

[26] نفس المرجع ص108

[27] نفس المرجع، نفس الصفحة,

[28] نفس المرجع ص 120

-------------------------------------

  هوامش الجزء الثاني من البحث:

[1] نفسه ص185

[2] نفسه ص186

[3] نفسه ص 187

[4] نفسه ص 188

[5] نفسه ص 189

[6] نفسه ص 195

[7] نفسه 199

[8] نفسه ص 209

[9] هي ملاحظة سنكتشف داخل بعض الأطروحات الأنتربولوجية أن لم تختف أبدا، ويمكن في هذا الصدد العودة إلى إدمون دوتي وليفي برويل ومالينوفسكي و دوركايم…الح

[10] نفسه ص74

[11] IbidP8

[12] Ibid P10

[13] Ibid P21

[14] IbidP44

----------------------------------------------

قائمة المراجع باللغتين العربية والفرنسية:

1. فوكو، ميشيل، يجب الدفاع عن المجتمع، ترجمة الزواوي بغوره، دار الطليعة، الطبعة الأولى 2003

2. فوكو، ميشيل، تاريخ الجنسانية إرادة العرفانI، ترجمة محمد هشام، إفريقيا الشرق2004

3. فوكو، ميشيل، تاريخ الجنسانية إرادة العرفانI، ترجمة محمد هشام، إفريقيا الشرق2004

4. فوكو، ميشيل، تاريخ الجنسانية إرادة العرفانI، ترجمة محمد هشام، إفريقيا الشرق2004

5. فوكو، ميشيل ، المراقبة و العقاب، ترجمة د. علي مقلد، مراجعة وتقديم د. مطاع صفدي، مركز الإنماء القومي بيروت، 1990

6. فوكو، ميشيل، حفريات المعرفة، ترجمة سالم يافوت، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثالثة2001

7. فوكو، ميشيل، تاريح الجنون في العصر الكلاسيكي، ترجمة سعيد بنكراد، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى 2006

8. غرو، فريديريك، ميشال فوكو، ترجمة محمد وطفه، طريق المعرفة

9. Augé, marc , hérzlich, Claudine, le sens du mal, Éditions des archives contemporaines,1984

10. Foucault, Michel, Naissance de la Clinique, Cérès éditions, Tunisie, 1995

11. Foucault, Michel, Les Mots et les Choses. Une archéologie des sciences humaines, Paris, Gallimard, 1966

12. Foucault, Michel, Folie et Déraison. Histoire de la folie à l’âge Classique, Paris, Librairie Plon, 1961

https://modernitysite.wordpress.com/2016/08/19/%D9%85%D9%8A%D8%B4%D9%8A%D9%84-%D9%81%D9%88%D9%83%D9%88-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D8%AE%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%AD%D8%A9-%D8%A7/

التعامل مع تعددية الأديان والمذاهب....

 

التعامل مع تعددية الأديان والمذاهب، والرؤى الفكرية خارج أطر الأديان والمذاهب

صادق جواد سليمان*

مسقط  - سلطنة عمان

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 *أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن، أن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين – (القرآن الكريم: 16: 125)

*ولا تستوى الحسنة ولا السيئة، إدفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم – (القرآن الكريم: 41:34)

------------------

توطئة:

تكاثرُ المشاكل الإنسانية وتزايدُها طردا في التشعب والتعقيد يحفزنا جميعا على بلورة فهم أدق لطبيعة المشاكل التي نواجهها، أكان على الصعيد الوطني أو الإقليمي أو العالمي.  ينطبق هذا بالأخص على تلك المشاكل التي تكمن وراءها خلفيات قديمة لا يزال اجترار الاختلافات الموروثة منها تستثير  خصاما سياسيا-اجتماعيا في حراك هذا العصر.  أملي أن تساعد حوارات بناءة هادفة كحوارنا هنا اليوم في تكوين فهم معرفي أدق وأفسح لتلك الاختلافات: فهم ينمي فينا السعة لتفهم أكثر موضوعية للتنوع والتعدد الديني والمذهبي والفكري، في أوطاننا، إقليميا وعبر العالم، ومن ثم يمكّننا من التعايش مع التنوع والتعدد، وحتى التعارض، بوئام وطيد لا يصدر معه من أي دين أو مذهب أو منظور فكري، مسلك تعصبي إزاء دين أو مذهب أو منظور فكري مغاير.  

شاعر إنكليزي في القرن السابع عشر (جون دون) لاحظ أن لا شخص منفصل بذاته عن مجتمعه، كانفصال جزيرة وسط بحر.  اليوم، إذ نحن نعايش العولمة في جل المعطيات المعاصرة، نلاحظ أن هذا ينطبق أيضا على وضع كل مجتمع معاصر نسبة إلى المجتمع الأممي.  نلاحظ وضوحا أن لا مشكلة محلية  تبقى طويلا معزولة عن الشأن العالمي.  أي اضطراب أو عثار في الحال الإنساني، أينما يحدث في قريتنا العالمية، أكان جراء صراع سياسي، أو نزاع ديني، أو خصام مذهبي، أو هتك لحقوق الإنسان، أو تلويث للبيئة، أو جحود لحقوق المواطنة من قبل أنظمة حكم متعسفة، أو سوى ذلك...  إذا ما تفاقم سرعان ما يسري أثره مدار الأرض. خلاصةً، إذن، ما من شأن داخلي إلا إذا تعاظم، إيجابا أو سلبا، غدا شأنا خارجيا بامتياز. والعكس صحيح.

بإدراك  تكاثف هذا التشابك في الحال الإنساني تبرز  الحاجة أكثر إلحاحا من أي وقت سبق لأمم الأرض إلى أن تتواءم وتتعاون في إطار اعتماد متبادل لا غنى عنه لأيما دولة معاصرة.  بمثل ذلك، تبرز الحاجة إلى أن يتعامل المواطنون في أيما دولة ما بينهم بوئام وتعاون في إطار مواطنة متساوية، قائمة على أساس تكافؤ الحقوق من جهة، وتناسب الاستحقاقات والواجبات من الجهة الأخرى.  كذا إقليميا تبرز الحاجة إلى أن تتواءم وتتعاون الدول في إطار التكافؤ السيادي وحسن الجوار.  كذا عالميا تبرز الحاجة إلى أن تتواءم وتتعاون جميع المجتمعات الوطنية في إطار صداقة وتبادل مصالح.  كل ذلك بصرف النظر عما يوجد بين الشعوب، ومرارا ما بين الشعب الواحد، من تنوع الانتماء، فكرا ودينا ومذهبا وعرقا وسوى ذلك.  خلاصةً، إذن، تعددية الأديان والمذاهب والرؤى الفكرية والأعراق في أيما مجتمع معاصر لا تضر ولا تضير إذا هي انتظمت تحت وحدة الجامع الإنساني عالميا، وانضبطت تحت وحدة المواطنة المتساوية بين المواطنين، ذكور وإناث، في كل مجتمع.  

إزاء هذا التشابك في الواقع الإنساني في عصرنا، عالميا، إقليميا، ووطنيا، الإهتمام ببحث التنوع الديني والمذهبي، وأيضا التنوع الفكري خارج أطر الأديان ومذاهبها، بحثا معرفيا وعقلانيا، خلاف ما يجري مرارا من تراشق انفعالي بين المتطرفين من كل دين أو مذهب أو منظور فكري، أمر ضروري. هو ضروري لأجل نبذ التعصب مطلقا، ومن ثم اتقاء ما قد يفجر التعصب المتبادل من صراعات عنفية.  هو ضروري أيضا لأجل تمكيننا من بناء حياة كريمة آمنة، موفورة العطاء المنمي لأحوال الجميع.  خلاصةً، إذن، مع أن الغيرة على الدين أمر حميد، إلا أن التعصب من قبل أيما دين ضد دين آخر ليس كذلك.  كذا الغيرة على مذهب أو منظور فكري، إذا خامرها تعصب ضد مذهب أو منظور فكري آخر سرعان ما تتشوه وتؤدي إلى عواقب تغب وتحمق. 

 

التحاور إسلاميا – وليس سياسيا - بين المذاهب في الإسلام

 

في ضوء ما تقدم دعنا نتدارس الإطار الإسلامي والتعدد المذهبي ضمنه، تحديدا.  لأجل ذلك، دعنا ابتداء نرسم للإسلام رسما أساسيا كدين جامع، دعوته موجهة للناس كافة، ورسوله مبعوث رحمة للعالمين: دعوةُ قائمةً على منهاج الإقناع لا الإكراه، ومنضبطة بندب القرآن المجيد المسلمين كافة إلى أن يدعوا بالحكمة والموعظة الحسنة، ويدفعوا ويجادلوا بالتي هي أحسن.              

كجميع الأديان الكبرى التي لها أطر وسيعة، الإسلام يتكون من أربعة محاور: العقائد، الشعائر، الأحكام، الأخلاق.

على صعيد العقائد، يتمحور الإسلام في ثلاثة أصول: التوحيد، النبوة، المعاد.  مؤدى هذه الأصول هو 1) الإيمان بالله واحدا أحدا، فردا، صمدا، ليس كمثله شيئ.  2) الإيمان بأن الله مصدر هداية البشر، بواسطة أنبياء ورسل يبتعثهم من بين البشر، وأن محمدا خاتم  الأنبياء والمرسلين.  3)  الإيمان بالآخرة دارَ حساب وجزاء.

على صعيد الشعائر، الصلاة، الزكاة، الصوم، الحج وشهادة لا إله إلا الله، محمد رسول الله، تشكل أركان الإسلام الخمسة.

على صعيد الأحكام، يلزم الإسلام المسلمين بالتمسك بشريعته.  إلى جانب الشعائر التعبدية، تحدد الشريعة الأحوال الشخصية وأحكام المعاملات.  الزواج، الطلاق، الحضانة، النفقة، الميراث، التجارة، العقود ...أحكام كل تلك وأحكام أمورٍ جمة أخرى مبينة تفصيلا في الشريعة الإسلامية. 

أخيرا، على صعيد الأخلاق، يؤصل الإسلام السلامة والصلاح للأفراد والمجتمعات بسواء في الالتزام بمبادئ العدل، والمساواة، وكرامة الإنسان، والشورى في الحكم والحياة، معتبرا إياها مبادئَ جذريةً لاستقامة الشأن الإنساني، عمومه وخصوصه، في كل زمان ومكان. كذلك، يندب الإسلام إلى القيم المنمية للحياة: حاضا بالأخص على الصدق، الإحسان، الأمانة، التواضع، التعاون، إتقان العمل، الصفح، طلب العلم، حسن الجوار، إلى جانب خلائق أخرى من مكارم الأخلاق مشهودة الخير في إثراء خبرات سائر الأمم عبر التاريخ.  

ما سبق ذكره هو ما تتشكل منه أرومة الإسلام وتصطبغ به عموم مضامين رسالته العالمية. التزام كافة المذاهب الإسلامية بذلك كله بيّن وثابت بسواء: جميع المذاهب تقر بالقرآن كلامَ الله المنزلَ والمحفوظَ للأبد، وبالسنة النبوية منظومةَ أفعال وأقوال فضلى ملزم اتباعها  للمسلمين كافة.  بهذا المعنى، كأمر أساس، جميع المسلمين يحتكمون إلى مرجعية واحدة  لاستنباط أيما أمر حياتي أو أخروي له في الإسلام فهم صريح أو حكم محدد. 

مع رسوخ هذه الأرضية الأساسية المشتركة، ما هو إذن هذا الذي يُختلف عليه بين مذهب وآخر في الإسلام لدرجة أن الاختلاف مرارا ما يولد تشنجا بين المذاهب، وعندما يتفاقم يولد تعصبا متبادلا يؤدي إلى تخاصم فاحتراب؟  بنظري، لا يوجد ما يفسر ذلك سوى قصور  في فهم أصحاب مذهب للمذهب الآخر، قصور ناتج عن ضيق في الاستيعاب المعرفي لما لدى المذهب الآخر من نظر مستنبط باجتهاد منهجي مأثور لديه.  في مجال الحوار، عندما يشوب الحوار شحن تعصبي مسبق لدى المتحاورين، فإن مزيج قصور الفهم والتعصب سرعان ما يطلق  فورة انفعالية تفسد سلامته، ومرارا ما تؤدي إلى إفساد الود حتى بين خُلّص الأصحاب.  في حديثي، بقدر ما سيتاح من وقت، سوف استعرض نموذجا سليما، بل راقيا، للحوار بين المذاهب الإسلامية، بالأحرى بين السنة والشيعة على وجه التحديد، بقصد الحث على نبذ التعصب، والدعوة إلى توحيد الكلمة، وتوطيد الوئام الوطني في إطار المواطنة المتساوية بين جميع أتباع الديانات والمذاهب في كل موطن. 

نموذج جدير بالاقتداء

عام 1909، عالم شيعي بارز، يدعى عبدالحسين شرف الدين، حل بالقاهرة في زيارة لشيخ الجامع الأزهر، سليم البشري. كان شرف الدين من أصل لبناني، تحديدا من جبل عامل، لكن مولده كان في حي الكاظمية ببغداد، وتحصيله العلمي من الحوزة الشيعية بالنجف.  كان الباعث لزيارته شيخَ الأزهر إحساسه بأن السنة والشيعة يتباعدان عن بعضهما، وأن تباعدهما يضعف الإسلام... لذا وجب على علماء المذهبين تكثيف الجهود لأجل توطيد  الوحدة الإسلامية الحاضنة للجميع.  

في ذلك الوقت (مطلع القرن العشرين) كانت النخبة الثقافية العربية-الإسلامية قد أفاقت على حقيقة ما ساد العالم العربي-الإسلامي من تخلف مريع إزاء التقدم المشهود المنجز في العالم الغربي، ومن ذلك احتد بينهم نقاش غزير حول مسببات التخلف.  في مقابل الأطروحة العلمانية أن الموروث الإسلامي كان سبب التخلف، رد الإسلاميون أن على العكس، الابتعاد عن الإسلام كان السبب، وأن المطلوب موقف إسلامي موحد في وجه التحدي العلماني القادم من الغرب.   

كإسلامييْن راسخيْن، اتفق العالمان، السني الأزهري والشيعي النجفي، على أن الابتعاد عن الإسلام كان السبب الأعظم للتخلف، لذا على المسلمين أن يرتبطوا بشكل أوثق بتعاليم الإسلام. اتفقا أيضا على أن ما توجد من اختلافات  بين مذهبيهما لا تمس أي أمر أساس، وأن المذهبين متلاحمان وراسخان سويا في الإسلام.

مع ذلك، حاولا أن يحددا ويتعاملا مع ما يوجد بين مذهبيهما من اختلاف.  في معرض ذلك، وجدا أن المشترك بين المذهبين – السني والشيعي -  أعم كثيرا من المختلف عليه، وأنه يكاد لا يوجد أمر خلافي يذكر بين الجهتين  سوى مفهوم الإمامة.  وإذ أدركا أن موضوع الإمامة وما يتفرع عنه من تباينات مذهبية أخرى سيستغرق منهما وقتا طويلا للبحث، اتفقا على أن لا يختزلا البحث، بل أن يتناولاه على سعة وبمنهجية محكمة عن طريق مراسلة مرسلة. ما نتج  إثر ذلك، على مدى ستة شهور، هي 112 رسالة متبادلة بين العالمين الجليلين، وثقها العالم النجفي في كتاب سماه ب " المراجعات ".

قرأءة تلك الرسائل تعطي المرء ليس فقط فهما أوضح لنقاط التباين بين المذهبين، بل أيضا استيعابا أدق للأرضية الأوسع التي يلتقيان عليها حول الجوهر العقيدي في الإسلام.  فوق ذلك، هي تولد لدى القارئ إحساسا عميقا بضوابط الحوار وأدبه في التقليد الإسلامي.  هنا يلاحظ القارئ بإعجاب كم تتسم لغة الحوار بين العالمين بالوقار والإيجاز، وكم يتسم نهج الحوار بالتركيز على السمين دون الغث.  هنا يلاحظ باعتزاز مدى تقدير كل منهما لعلمية الآخر في معطيات دين منزل هما في الإيمان بثوابته العقيدية سواء.  هنا يلاحظ القارئ أيضا الرغبة الخالصة لدى المناظرين في التوصل إلى فهم موضوعي حقيق -  رغبة تسري في ثنايا كل عبارة يسطرها أحدهما في سياق عرض حجته واستظهار حجة  الآخر. (إزاء ذلك، وجب أن ألاحظ، ببالغ أسى وأسف، الفارق الفاحش بين سمو مستوى الحوار بين هذين العالمين، وهما من أقطاب هذه الأمة، ومن أدرى المسلمين بالإسلام، عمومه وخصوصه، وبين ما نشهد من رداءة المبارزات الكلامية عبر بعض الفضائيات العربية المستثيرة، بقصد على ما يبدو، لاختلافات لا تقدم ولا تؤخر إزاء رسوخ المذهبين سويا في الإسلام).

كشاهد على نقاء حوار العالمين، لعل من المفيد أن أورد هنا مقاطع من المقدمة التي صدّر بها العالم الشيعي النجفي كتابه (المراجعات) كي  يلمس القارئ مباشرة روح هذا الحوار النموذجي الذي جرى بينه ونظيره العالم السني الأزهري، والذي اختتم بتبادل أخلص عبارات المودة والتقدير:

يقول صاحب "المراجعات" في مقدمة الكتاب:

"وهناك (بالأزهر الشريف) على نعمى الحال، ورخاء البال، وابتهاج النفس، جمعني الحظ السعيد بعَلَم من أعلامها المبرزين، بعقل واسع، وخُلُق وادع، وفؤاد حي، وعلم عيلم، ومنزل رفيع، يتبوأه بزعامته الدينية، بحق وأهلية.  وما أحسن ما يتعارف به العلماء من الروح النقي، والقول الرضي، والخُلق النبوي، ومتى كان العالم بهذا اللباس الأنيق المترف، كان على خير ونعمة، وكان الناس منه في أمان ورحمة، لا يأبى أحد أن يفضي إليه بدخيلة رأيه، أو بثة ذات نفسه.  كذلك كان عَلَم مصر وإمامها، وهكذا كانت مجالسنا التي شكرناها شكرا لا انقضاء له ولا حد.

شكوت إليه وجدي، وشكى إليّ مثل ذلك وجدا وضيقا، وكانت ساعة موفقة أوحت إلينا فيما يجمع الله به الكلمة، ويلم به شعث الأمة، فكان مما اتفقنا عليه أن الطائفتين –  الشيعة والسنة -  مسلمون يدينون حقا بدين الإسلام الحنيف، فهم فيما جاء الرسول به سواء، ولا اختلاف بينهم في أصل أساسي يفسد التلبس بالمبدأ الأسلامي الشريف، ولا نزاع بينهم إلا ما يكون بين المجتهدين في بعض الأحكام، لاختلافهم فيما يستنبطونه من الكتاب أو السنة، أو الإجماع، أو الدليل الرابع، وذلك لا يقضي بهذه الشقة السحيقة، ولا بتجشم هذه المهاوي العميقة. إذن أي داع أثار هذه الخصومة المتطاير شررها منذ كان هذان الإسمان – سنة وشيعة – إلى آخر الدوران.

ونحن لو محصنا التاريخ الإسلامي، وتبينا ما نشأ فيه من عقائد وآراء ونظريات، لعرفنا أن السبب الموجب لهذا الاختلاف إنما هو ثورة لعقيدة، ودفاع عن نظرية، أو تحزب لرأي، وأن أعظم خلاف وقع بين الأمة اختلافهم في الإمامة، فإنه ما سل سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سل على الإمامة، فأمر الإمامة إذن من أكبر الأسباب المباشرة لهذا الاختلاف.  وقد طبعت الأجيال المختفلة في الإمامة على حب هذه العصبية.

وقد فرضنا على أنفسنا أن نعالج هذه المسألة بالنظر في أدلة الطائفتين، فنفهمهما فهما صحيحا، بحيث لا نحس إحساسنا المجلوب من المحيط والعادة والتفليد، بل نتعرى من كل ما يحوطنا من العواطف والعصبيات، ونقصد الحقيقة من طريقها المجمع على صحته، فنلمسها لمسا، فلعل ذلك يلفت أذهان المسلمين، ويبعث الطمأنيمة في نفوسهم بما يتحرر ويتقرر عندنا من الحق، فيكون حدا يُنتهى إليه، إن شاء الله." 

الاختلاف حول الإمامة

كما أسلفت، اتفق العالمان على أن أعظم خلاف وقع بين الأمة هو اختلافهم حول الإمامة، فما كنه هذا الاختلاف؟

السنة، وهم يشكلون الغالبية العظمى من المسلمين، قالوا أن النبي توفي دون أن يعين وصيا أو خليفة له، أنه ترك للأمة اختيار من توليه قيادتها من بعده.  بذلك أودع المذهب السني السلطة الدينية والسياسية معا في الأمة نفسها، بشرط أن تلتزم الأمة  في عموم اجتهادها ومسلكها التزاما صحيحا وصميما بالقرآن والسنة.

في المقابل، قالت الشيعة أن النبي سمى ابن عمه وصهره، علي ابن أبي طالب، ليكون وصيه، لكن كلام النبي إما أنه لم يفهم على حقيقته في وقته، أو أنه لم يؤخذ به بعد وفاته.

هذا الاختلاف لاحقا تجاوز كونه مجرد اختلاف تاريخي، إذ اكتسب، إضافة لذلك، بعداً ذا طابع عقيدي وآخر ذا طابع سياسي.  بذلك غدت الإمامة لدى الشيعة عقيديا وظيفة مقررة إلهيا، مكملة لمهمة النبوة.  في تأييد ذلك قالت الشيعة أن الله بواسع علمه وحكمته لم يكن ليترك دينا شاءه أبديا وكافة للناس من دون أن يعين مرجعا معتمدا لتبيان أحكامه بشكل صحيح ودقيق، جيلا إثر جيل: من هنا اللزوم المستدام لدور الإمام في حصانة الرسالة وضمان نقائها في كل عصر.  وإذن، ليس أن عليا، كإمام للمسلمين موصىً عليه من صاحب الرسالة، كان ينبغي أن يخلفه فحسب، بل أيضا أن يتولى الخلافة من بعده ابناه الإمامان، الحسن فالحسين، ومن بعد الحسين الأئمة من ذريته كان ينبغي أن يتعاقبوا على قيادة الأمة إبنا عن أب عن جد. 

بمثل هذا المنطق أضحى الإمام لدى الشيعة شخصا مجتبىً من الله وموهبا منه بعلم لدنّي يضفي عليه عصمة من الخطأ في قول أو فعل.  من هنا أضحت طاعة الإمام فرضا واتباع منهاجه واجبا، ولأجل ذلك حصرت الشيعة استقاء فهمهم للإسلام من آل البيت دون سائر المصادر الأخرى. سياسيا، بقدر ما فارق هذا البعد العقيدي بين المذهبين ولد بينهما أيضا خصومة سياسية.

في المقابل، لا يرى السنة ما يراه الشيعة في الإمامة.  لدى السنه، الإمام شخص قائد في أيما حقل يتميز فيه.  أهلية القيادة لديه مكتسبة بفضل صفات شخصية، وجدارته كقائد تظل محل تقييم مستمر، وهو بذلك يبقى رهن عزل له أو عصيان أو تجاهل، إن أساء.  وعلى ما يرون، من بعد الرجوع للقرآن والسنة، لا يحتاج المسلمون سوى إلى ممارسة اجتهاد مبصّر بالإجماع والقياس، وأحيانا أيضا بالاستصلاح والاستحسان،  لكي يتوصلوا إلى أحكام صائبة إسلاميا في كافة الأمور، دنيوية وأخروية.

نتيجة التباين العقيدي اتبع السنة الأشعري (القرن العاشر) في الأصول واتبعوا في فقة الفروع الأئمة الأربعة: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وابن حنبل. أما الشيعة، ففي الأصول وفقه الفروع سويا اتبعوا مذهب آل البيت والذي يشخص نسبة إلى إمامهم السادس، جعفر ابن محمد الصادق (القرن الثامن)، ومن ثم يعرف أيضا بالمذهب الجعفري.   

في مضمار الحديث النبوي يوجد أيضا قدر من اختلاف.  توجد أحاديث منسوبة للنبي يعتد بها أحد المذهبين ولا يعتد بها الآخر.  لدى السنة صحاح ستة، أبرزها صحيحا مسلم والبخاري (القرن التاسع الميلادي).  لدى الشيعة مراجع مماثلة، بما فيها كتاب الكافي للكليني (أيضا القرن التاسع الميلادي).  مع ذلك، مهم أن نشير أن جل الحديث النبوي متطابق أو متماثل في المروي لدى المذهبين، كما أن ترافد صحة السند وتوافق المتن مع القرآن المجيد شرط مشترك لاعتماد أي حديث. 

اختلاف آخر نرصد وجوده في مجال تقييم بعض الشخصيات  البارزة في التاريخ الإسلامي، الأمر الذي في طوره الحاد طالما أفرز حزازات مزعجة بين متطرفي المذهبين.  أما على الصعيد الأكثر سعة وموضوعية في قراءة التاريخ الإسلامي وتقييم شخصياته، وهو الصعيد الأعم لدى المذهبين، فلا نجد هناك حدة أو حزازة مخلة بالوئام المتبادل بين أتباع المذهبين جراء هذا الاختلاف.

أخيرا، لدى كلي المذهبين تنبؤٌ بظهور المهدي الذي سيحقق السلام والعدالة على الأرض في السنين الأخيرة قبل نهاية العالم.  إلا أن  الفكرة تأتي أكثر تبلورا  من عند الشيعة: المهدي لديهم هو عينا الإمام الثاني عشر، محمد ابن الإمام الحسن العسكري، الذي في سن الرابعة، عام 873م، فجأة تغيب عن الأنظار بمدينة سامراء بالعراق. منذئذ، المهدي حي يرزق، مصاحب للزمان على مضض، يرصد كل ما يجري في العالم، وينتظر، وهوعلى أهبة مستدامة، الأمر الإلهي له بالظهور، محملا تكليفَ القضاء على ما يكون قد تراكم من ظلم وفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس.  السنة لا ترى الأمر بمثل هذا  التحديد الشخصي للمهدي المنتظر، ولا في مثل هذا الإطار الغيبي لوضعه الساري على الأرض ريثما يحين ظهوره بإذن الله آخر الزمان.  

رسوخ المذهبين بسواء في الإسلام

رغم هذه الاختلافات، يبقى السنة والشيعة مذهبين متلاصقين في تجذرهما بسواء في الإسلام: الاختلافات بينهما، كما توافق عليه العالمان الجليلان من الأزهر بالقاهرة والحوزة بالنجف، طفيفية أو ثانوية قياسا إلى المشترك الأظهر والأعم بين المذهبين في أصول العقائد وتطبيق الشعائر التعبدية وأحكام فقه المعاملات. وفي الواقع، في آخر رسالة منه، أعرب شيخ الأزهر، بالتواضع المعهود لدى أمثاله من العلماء المتعمقين في الإسلام، والمتهذبين بتهذيبه، أن البحث المستفيض بالمراسلة مع نظيره النجفي يسّر له فهم مذهب التشيع بشكل أرحب.  وقد لخص هذا المعنى في آخر رساله له في العبارة التالية:

" وكنت - قبل أن أتصل بسببك – على لبس فيكم لما كنت أسمعه من إرجاف المرجفين، وإجحاف المجحفين، فلما يسر الله اجتماعنا، أويت منك على علم هُدى ومصباح دُجي، وانصرفت عنك مفلحا منجحا، فما أعظم نعمة الله بك عليّ، وما أحسن عائدتك لديّ، والحمد لله رب العالمين". 

أما العالم الشيعي فقد كتب مشيدا بنظيره السني في آخر رسالة اختتم بها الحوار:

" أشهد أنك مطلع لهذا الأمر ومقرن له (مقتدر عليه)، حسرت له عن ساق، وانصلت فيه أمضى من الشهاب.  أغرقت في البحث عنه، واستقصيت في التحقيق والتدقيق، تنظر في أعطافه وأثنائه، ومطاويه وأحنائه، تقلبه منقبا عنه ظهرا لبطن، تتعرف دخيلته، وتطلب كنهه وحقيقته، لا تستفزك العواطف القومية، ولا تستخفك الأغراض الشخصية، فلا تصدعُ صفات حلمك، ولا تُستثار قطاة رأيك، مغرقا في البحث بحلم أثبت من رضوى، وصدر أوسع من الدنيا، ممعنا في التحقيق، لا تأخذك في ذلك آصرة، حتى برح الخفاء وصرح الحق عن محضه، وبان الصبح لذي عينين، والحمد لله على هدايته لدينه والتوفيق لما دعا إليه من سبيله، وصلى الله على محمد وآله وسلم." 

استتباعا لهذا الحوار، وإن كان بعد تباطؤ مديد، أدخل الفقه الشيعي عام 1959 ضمن مناهج الدراسات الإسلامية بالجامع الأزهر.  الأزهر أسسه الفاطميون الشيعة عام 969، لكنه إثر انهيار الحكم الفاطمي عام 1171، غدا المجمعَ الأعظمَ لدراسات المذهب السني، وهو اليوم يقف شامخا كونه أعرقَ جامعة علمية إسلامية في العالم.  في المقابل، أهم حوزة لدراسات المذهب الشيعي لا تزال بالنجف الأشرف، وكما الجامع الأزهر، تغطي الحوزة الشيعية عموم الدراسات الفقهية لمختلف المذاهب في الإسلام.

تساؤل مشروع

هنا ينشأ تساؤل مشروع: إذا كان المستقر المشترك بين السنة والشيعة يفوق كثيرا المضطرب غير المشترك،  وإذا كان المذهبان متجذرين سويا في الإسلام، فلم هذا الخصام بين أتباعهما لدرجة تؤدي أحيانا إلى استعمال عنف؟  في استقرائي، المتخاصمون ليسوا عامة الناس من السنة والشيعة، وإنما هم فئات المتطرفين من الأتباع.  في عموم الحال، السنة والشيعة يتبادلون علاقات طبيعية، ويتخالطون اجتماعيا في مختلف مناحي الحياة.  المتطرفون وحدهم دأبا يزكون فائرة الخصام ويدفعونها دون اكتراث إلى إحداث صدامات عنفية مؤلمة.  الأكثرية الصامتة في المذهبين لطالما عانت من تصرفات متطرفيها دون أن تقوى تماما على كبح جماح هؤلاء بشكل ناجع. 

في العموم، ضمن أيما دين ذي نطاق شامل، الاختلافات المذهبية أمر شائع، وفي المعتاد لا هو أمر مضر ولا ضائر.  لكن عندما تستثار الاختلافات بشكل مستفز من قبل المتطرفين نراها تولد عصبية متبادلة عصية..  ثم إذا سيست الاختلافات نراها  تؤدي إلى توريط حتى المعتدلين من الأتباع في سجالات فظة مرارا ما تجر لمواجهات خشنة.  في واقع الحال، الاختلافات السنية - الشيعية في الإسلام ليست على غير غرار الاختلافات المذهبية في الأديان الأخرى التي، كما الإسلام، شهدت فترات ممتدة من الوئام تخللتها فترات احتراب.  تاريخيا، تعايشت المذاهب المختلفة ضمن أديانها بسلام، إلا حين زجت بينها إغراضات سياسية.  الدرس الجدير بالاعتبار هنا: حيثما يُسيّس الدين، أو تُديّن السياسة، لا يسلم أي منهما من تأثير الآخر سلبيا في غالب الحال.  أيضا، حيثما تُغلب الطائقية، أيا كان شكلها، على المواطنة، كلاهما يخسر آخر النهار.

ملحوظة خاتمة

إحساسنا بهشاشة عالمنا الإنساني المعاصر يستوجب منا أن نعي صميما عوامل هشاشته: أنه عالم كثيف السكن، مخطور البيئة، متأرجح على شفا دمار شامل لا ينتظر تفجره سوى ضغط أزرار جراء حماقة بشرية قد ترتكب من حالة عصبية فادحة في لحظة خاطفة ... أنه عالم معولم، متبادل الاعتماد، غزير التواصل: ما يطرأ على حال أي جزء منه سرعان ما يؤثر في حال جسم العالم كله ... أنه عالم متعارض المصالح، متصادم الغايات بين أممه الكبرى القليلة، وبين تلك مجتمعةً والأمم الصغرى العديدة التي تحررت حديثا وبدأت تسعى لتحقيق مكانة لائقة لها تحت الشمس. 

يستوجب منا أيضا أن نعي أننا نعيش عالما تتفتق فيه المعرفة العلمية وتبتكر التكنولوجيا المنبثقة عنها بوتيرة جد متسارعة.  لكن، في المقابل، النضج الإنساني الحضاري متباطئ، بل ومتعثر.  تزايد هذا التفاوت يعني أننا معشر البشر نزداد مكنة في التفعيل التكنولوجي، وفي الوقت نفسه نتراجع  في الحكمة المبصرة لمكنة التفعيل التكنولوجي من حيث توجيهها نحو إيجاد الأوفق من المعالجات والحلول، ومن ثم الارتقاء بنوعية الحياة للجميع دوما للأمثل.

ثم إلى جانب المشاكل الموضوعية التي نواجهها، نحن أيضا عالم متنوع الأديان والرؤى الفلسفية، ومتعدد المذاهب ضمن كل دين وضمن كل رؤيا فلسفية، الأمر الذي يعقد سعينا ويصعبه للتجرد من الأنانية والعصبيات الطائفية والعرقية، المعيقة جميعها توجهنا نحو إيجاد معالجات وحلول صحيحة عادلة وشاملة ... حلول تفي باستحقاقات التنمية الإنسانية وتوطيد السلام والوئام وطنيا، إقليميا وعبر العالم. 

إزاء هذا كله لا بد من أن ننمي  في أنفسنا استطاعة للتعامل الناجع مع هذا كله، وإلا غمرتنا الفوضى وأهلكنا العثار جراء استمرار التخاصم والاحتراب.  لأجل ذلك، لا بد من أن نرتقي  تهذبا في المسلك، توسعا في المعرفة، تعمقا في الفكر، وتساميا في الأخلاق ... كل ذلك بسعي فردي وجمعي دائب حثيث.  تحديدا، لا بد من أن نتجنب  التعصب الطائفي، وننبذ التطرف والغلو في جميع الأمور. على الوجه الآخر، لا بد من أن نتبنى المعرفة والمنطق العقلي ردفا كمنهاج قويم للتعامل مع قضايانا ضمن الوطن الواحد، وفي علاقات الوطن مع سائر الأوطان.  عكس ما تكون لنا من رؤى مبتورة من منظور طائفي، من المنظور الإنساني نمكن من رؤية القضايا بكافة أبعادها، كما نمكن من فهم  رؤى غيرنا وتفهم اسبابها الموضوعية ودوافعها النفسية.  بذلك يتوازن نظرنا وتعاملنا مع كافة  المشاكل والإشكاليات،  ضمن الوطن وخارجه، وينضبط بقسطاس مستقيم. 

من الموقع المعرفي المنطقي نستطيع أن نسمو إنسانيا، أن نرود حضاريا، أن نتعايش تعاونيا بوئام وطيد.  لا مشاكل عندئذ تستعصي على الحلول. عندئذ نستطيع أن نعالج كل تعارض في المصالح على القاعدة الإسلامية التي يعرفها السنة والشيعة جيدا بسواء، ويعيها العالم اليوم أكثر من أي وقت سبق: لا ضرر ولا ضرار.  عندئذ، في أيما نقاش شئنا خوضه، في الدين كان أو في السياسة، أو في معرض التفاوض حول أي نزاع حول أيما أمر ذي اهتمام مشترك، نتجنب الاستفزاز في الخطاب، نلتزم بأدب الحوار، ونحتكم إلى المعرفة والمنطق العقلي: نجادل بالتي هي أحسن، ندفع بالتي هي أحسن، وندعو إلى سبيل الله، الضامن سلامة البشر وصلاحهم، بالحكمة والموعظة الحسنة.

بذلك، نكون كأحسن ما يمكن أن نكون بميزان مكارم الأخلاق التي جاء رسول الإسلام ليتممها في الخبرة الإنسانية.  ذلك رشاد أبانه الله لنا في محكم كتابه لكي نتفادى الفتن والمحن، ونعتبر ونتعقل، فلا نرمي بإنفسنا إلى التهلكة جراء عصبيات غبية وحماقات قد ترتكب من حالات انفعال منفلت.  بذلك، نحيا حياة طيبة موفورة النعم، مطردة النماء للجميع. عندئذ نعيش إنسانيتنا الحقة، وفي رحابها، لا تنوع الأديان ولا تعدد المذاهب، ولا تعارض الرؤى الفلسفية يضر أو يضير. على العكس، كل ذلك يترافد في حراك ثقافي يثري الخبرة الإنسانية ويفيد.***   

------------------------------------------------------------------------------------

*ورقة مقدمة إلى ندوة التنوع المذهبي ودوره في مستقبل منطقة الخليج - منتدى العلاقات العربية والدولية، الدوحة،  دولة قطر --  نوفمبر 30 ديسمبر 1، 2011

الحوار.. الآن؟

لقد كتب السيد ضياء السعداوي، داعيا بإخلاص إلى الحوار المجدي وإحترام الرأي.

لقد شرح وأوفى  في عرضه  المفصل مما يشكر عليه، فأنا لم أكن أعرف الكثير مما  جاء في الموضوع  وقد عرض وجهات النظر المتباينة والمختلفة بموضوعية وحيادية، دون أن يتحيز لفئة ما مثلما يفعل كثيرون بجهل أو عصبية.

يا أستاذنا الكريم أنت تدعو للتحاور ممن أغرقونا منذ أكثر من عشر سنوات بفتاوى لا أول  لها ولا آخر ومن الجانبين، وأغرقونا بمزيد  من الفوضى والتعقيد والحيرة كأننا ناقصين ذلك. أريد أن أعرف إن كان المدعوين للحوار هم حقا من المتفقهين في الدين ومخلصين في التحاور المجدي لينقذوا البلاد من هذه الفتنة المشتعلة اليوم..؟ ولماذا سكتوا..؟ ومن سيقف ليستمع لحوارهم اليوم ويصفق لهم  ويلتزم به ؟ هل المستمعون للحوار هم هذه الأجيال التي يلتهمها الموت الجماعي في طول البلاد وعرضها أم هم من البعيدين عن مكان الصراع الغبي المستمر ممن يريدون أن يفلسفوا الكلام ويقولوا للتاريخ إننا لم نكن شياطين خرس، وإننا فعلنا مايجب وتحدثنا ونصحنا.

أرى أن المسألة لم تعد حوارا أبدا. إن الحوار لم يعد مجديا بين شعوب عاشت قرونا في تخلف وجهل مطبق، وجبن ونفاق للسلطة دائما،  وتصارع اليوم قوى الشر والتكفيرين. طبعا كان هناك  قليل ممن تصدوا للجهل ودعوا لتحكم العقل والتاريخ.. تحدث فيما حصل لهم كابن رشد والمعتزلة ومن محدثين قلائل كالذين ذكرهم الكاتب.

إن العراقيين الذين ضاعوا ويضيعون كل يوم في بقاع الأرض، وهم اليوم أجيال جديدة تكاد تكفر بكل معتقدات تربّت عليها إن لم تكن قد كفرت بعد، أجيال تقف على أبواب الدول تطلب الأمن والسلام والعيش البسيط الهاديء بعيدا عن القتل الجماعي على الهوية.

أرى أننا بحاجة ليد من حديد تعيد للبلد أمنه وسلامه وتكفل للمواطن البسيط أن يؤمن بما يريد ما دام لا يسيء لغيره ولا يعرض الوطن  للدمار. ولا أرى ذلك أبدا في هؤلاء الذين يقفون اليوم على قمة السلطة في العراق فقد عرف الداني والقاصي مدى فسادهم وبعدهم عن مصلحة البلاد... فهل سيجدي حوار المتحاورين معهم؟.

أتمنى أن يطلب العراقييون من الأمم المتحدة أن تتدخل بجدية وليس بتصريحات غير مجدية. وقد تجد عراقيون مخلصون، يعملون على إعادة ما تهدم من البنى التحتية. فقد يعود العراق ليعيش كخلق الله وليس بالضرورة أن يكون (قلعة للأسود) الذين عرف العالم، وشهد  كيف أنهم كانوا نمورا من ورق وكانوا أسودا على أهلهم فقط.

تحياتي للكاتب الكريم واعتذاري، فأنا مثقلة بغضب وألم وحسرة..!

ويعلق الأستاذ ضياء السعداوي على مقال السيدة نجاة بالآتي:

في مداخلة للكاتبة والأديبة والشاعرة نجاة نايف سلطان، موصلية المولد وعراقية الهوى والخطاب. في حالة تجلي وصدق مع النفس تعبر عن حال قطاع واسع وكبير من العراقيين وربما (السوريين واليمنيين والليبيين) من حالة الإحباط المعنوي وضيق شعاع الأمل في المستقبل وهو شعور طبيعي لكل من يجد نفسه في العاصفة والأعصار الذي تمر به الأمة وبعض البلدان العربية التي تمر بنفس الظروف. في حين يرى كاتب البحث، ضياء السعداوي، المعنون "الحوار الوسيلة الأمثل لتحقيق الهدف...أما الجدل البيزنطي فهو هدر للوقت والجهد وأنحراف للبوصلة" والتي تشير له الكاتبة في بحثه. أن لا خيار لنا وبديل للاستسلام والانتحار الذاتي إلا بالحوار، وأنه لابد من أن ننظر للمشكلة بنظرة الطبيب الفاحص والمشخص للمرض لمعرفة الأسباب والمسببات وبالتالي وصف العلاج والدواء، وأن لا يكون جزءاً من المشكلة ويصاب بالعدوى وفقدان الأمل حيث لا بديل لنا سوى الخروج من دائرة العاصفة والإعصار وتأثيرها الجاذب إلى الخارج حتى نرى أن بصيص الأمل قد كبر وتوسع إلى شعاع ساطع يضيء الحلول لعلاج المشكلة. وهذا يتضح من خلال رأي العديد من الكتّاب والمثقفين العرب من خارج البلدان العربية التي أشرنا لها حيث طالبوا كاتب البحث في تحويله إلى كتاب لأهميته وفي هذا الوقت بالذات.

ضياء السعداوي

 -------------------------------------------------------------

*كاتبة وأديبة عراقية تقيم في الولايات المتحدة الأمريكية

العالم... والمشكلة الأخلاقية المعاصرة

صادق جواد سليمان*

منشأ المشكلة وتفاقمها

منذ القرن السادس عشر، القرن الذي عُرّف لاحقا بعصر الاكتشاف جراء ما حصل خلاله في العالم الغربي من اكتشاف جازم للحقيقة الفلكية لوضع الأرض: أنها ليست مركز الكون، بل كوكباً من مجموعة كواكبَ دائرةٍ حول محاورها وسابحةٍ بانتظام في أفلاكَ متفاوتةٍ مدار الشمس...منذ ذاك، بدأ عالمنا الأرضي يرتسم في مُدرك أهل الغرب على نحو أدق وأوضح كجسم كروي سابح في فضاء شاسع، تتشاركه سكَنا - شرقا وغربا، شمالا وجنوبا، - أمم بشرية مختلفة الأعراق والديانات والثقافات واللغات.

اكتشاف هذا الشق من التشكل الكوني على وجه محقق سرعان ما استتبع حراكا بحثيا نشطا في الذهن الغربي حول منشأ الكون ككل، فتشكله تباعا في مجرات متباعدة عن بعضها باطراد، حول نشوء الحياة على الأرض، فتفرعها مع الزمن في أجناس مختلفة، وحول ظهور الإنسان لاحقا وتطور حاله جنساً حياتيا راقيا، مقتدرا على الاستهداء الصحيح في تنظيم شأنه، تحسين وضعه، والتكفل بتوفير متطلبات معيشيته بقدرات ذاتية، عقلية وعضوية.

لكن، عِوض أن يؤدي تبلور هذا المدرك العلمي الصميم، وما استتبع عبر القرون اللاحقة من معارفَ علميةٍ جديدة عرّضت فهم الإنسان لنفسه ولمحيطه الكوني ... عوضَ أن يؤدي إلى إطلاق سياق تضامني وتعاوني بين الأمم البشرية جميعها، في نسق يثري الخبرة الإنسانية عامة بما هو سليم ونافع ودافع مستقبل الإنسانية في اتجاه حضاري...عوضَ ذلك، أدى هذا التبلور العلمي لدى أهل الغرب إلى نزعة سلطوية سرعان ما تجسدت في ظاهرة الاستعمار.

بدل توجه  إنساني حضاري، انبرى العالم الغربي، ممكَنا بتفوق قدراته العلمية والعملية المستجدة، إلى بسط سيطرته على سائر أمم الأرض.  توازيا مع ذلك، شرع أهل الغرب في الابتعاد تدريجيا عن معطيات ديانتهم المسيحية، متبنين في المقابل إيديولوجيات علمانية قليلة الاكتراث بالشأن الإنساني ككل: إيديولوجيات متنافسة، بل ومتناقضة، ما بين بعضها، من وجه، ومتعارضة مع الديانة المسيحية، بل ومعاديةٍ الأديانَ عامة، من الوجه الآخر. 

استطرادا هكذا مع سياق تعاظم إمكاناته وتعزز ثقته بمكنته العلمية واقتدراه العملي،  ازداد الغرب، أكان في طابعه القومي الثقافي الموروث، أو في توجهه العلماني المستجد ... ازداد ازدراء بالديانات والثقافات الأخرى عبر العالم، فأقبل على محاولات لطمسها حينا، وتطويعها لمنظومته الإيدولوجية العلمانية، أو احتوائها ضمن أنساق طابعه القومي الثقافي، حينا آخر.

تلك المحاولات لم تفلح.  على النقيض، التمادي فيها، باللجوء لوسائل الترغيب حينا، ووسائل الترهيب حينا آخر، ولّد صلابة فيما أريد طمسه أو أضعافه.  أما الأثر الضخم الذي نتج عن التقدم الحداثي العظيم الذي حققه الغرب ونشره عبر العالم (العولمة)، فغير به عمقا وعرضا الأوضاع الحياتية للبشر عامة،  فهو بدوره ولّد بواعث قلق جديد لدى الإنسان في جميع مواطنه على هذا الكوكب. 

بالنتيجة، مع نهاية القرن العشرين، مع أنها اقتبست من علوم الغرب وتطبيقاته التكنولوجية كل ما أمكنها اقتباسه والاستفادة منه، دونما تحفظ يذكر، بل وبكثير من حماس ... رغم ذلك، بدت شعوب الشرق أكثر تمسكا بدياناتها وخصائص ثقافاتها عن ذي قبل.  فوق ذلك، هي بدأت تكتشف في دياناتها وثقافاتها، رغم كل ما اعتراها من نقص معرفي جراء ركود مديد، قابلياتٍ ذاتيةَ تمكينيةً لا تعوقها بالضرورة عن إحراز ما أحرزه أهل العالم الغربي من تقدم معرفي واقتدار تكنولوجي، إذا هي – شعوب الشرق - بدورها اجتهدت في أمرها كما اجتهدت شعوب الغرب... وإذن، لا ضير من أن تحتفظ بدياناتها وثقافاتها، بل الأجدر أن تصطحبها معززة،  بل ومعينة لمسعاها، على المسار التقدمي.  

في المقابل، استفاق الغرب على صدمة ذاتية بإدراك أنه بتغييبه التعالق بين التقدم العلمي والالتزام الخلقي كأمر أساس،  تسبب تقدمُهُ العلمي والعملي المتواصل على مدى عدة قرون، في سياق إحرازه وتفعيله، دونما تقصد من أهله، في كوارث غير مسبوقة هولاً: إنه جر إلى اقتتال مهول وتدمير كاسح ما بين أمم العالم الغربي ذاتها، إنه جلب مخاطر جسيمة على سلامة البيئة الطبيعية عالميا، وإنه ولد  اضطرابا مرهقا شديد النزوع لاستعمال العنف في عموم الحراك الإنساني.

استفاق الغرب على إدراك فظاعة الدمار الذي أحدثته الحربان العالميتان اللتان خاضتهما مجتمعاته الممكّنة بالعلم الحديث واقتداراته العملية.  بطواحينهما الفاتكة، في غضون 12 عاما (1914-1918 ثم 1939-1945)، أزهقت الحربان أرواح سبعين مليونا من الناس، وألحقتا دمارا واسعا ومنهكا بكافة مرافق الحياة، في أوروبا نفسها واليابان خاصة، وعامة عبر العالم.  هذا إلى جانب حروب طاحنة أخرى لاحقا، كالحرب الكورية (1950-1953)، حرب فيتنام (1959-1975) والحرب ضد نضال التحرر الوطني في الجزائر (1954-1958)،  تسببت في إشعالها دول الغرب، ممكَنة بالعلم الحديث ومبتكراته الحربية.  في كل ذلك، غياب الالتزام الخلقي أطلق العنان لأطماع  امبريالية ولدت سياسات تسلطية تجسدت في فروض قسرية أملتها دول الغرب على الشعوب المستضعفة مدار الأرض.

ثم مع انتهاء الحرب العالمية الثانية، أوصل الغرب البشرية إلى حافة احتمال نشوب حرب عالمية ثالثة بأسلحة ذات دمار شامل: نووية وأخرى كيماوية وأخرى بيولوجية، هي اليوم مكدسة بكميات مهولة في ترسانات محصنة، جاهزة للاستعمال بضغط أنامل على أزرار من داخل سرية غرف إلكترونية ... أسلحة إن أطلقت، أو أطلق بعضها يوما جراء خطأ أو حماقة من قبل فرد أو فريق، فإنها لن تبقى على كثير من أخضر أو يابس على هذا الكوكب الذي تتشاركه أمم الأرض من البشر وسائر الحيوان. 

من وجه آخر، جراء تصنيع متهافت بدأته أمم الغرب، وقلدته في ذلك، واستوردت منتجاته بشراهة، سائر الأمم عبر العالم، الكبرى منها بالأخص، كالصين والهند واليابان، والبرازيل، دون تحفظ، حدث إضرار خطير بالبيئة الطبيعية، إضرار بدأت آثاره الوخيمة تتكشف لنا فيما نشهد من تزايد التلوث على الأرض وفي الفضاء، وتباعا فيما بدأت تداهمنا مدار الأرض من اضطرابات مناخية متلفة ومكلفة.

ما العمل؟

إزاء سياق الانزلاق هكذا  إلى رمي النفس إلى تهلكة جماعية، إن كان باحتراب مدمر متكرر ما بين دول، أو بعمليات إرهابية من قبل جماعات تحدوها ردود فعل شديدة ضد ما هي تشعر من تعرضها لظلم أو غبن، ويمكّنها في عملياتها الإرهابية تلك انتشار أسلحة فتاكة أنتجها الغرب، أو إزاء اختناق بيئي مستشر لا يمايز بين الحدود الجغرافية للدول، ولا بين ديانات وثقافات الشعوب ... إزاء كل ذلك ألا يحق أن نتساءل: ترى ماذا بقي لنا أمم الأرض ما نلجأ له للحد من تفاقم هذا الانزلاق الوخيم؟ 

أيضا، إزاء ما نشهد من تزايد الاضطراب في الوضع البشري، سياسيا، اجتماعيا، اقتصاديا وثقافيا، لدرجة بدأ يصعب معه الحفاظ على الوئام الوطني ضمن عدد متكاثر من الدول، كما  بدأ يتصعب الحفاظ على السلم العالمي جراء التفاعل المتزايد المتسم بالسلبية في العلاقات ما بين الأمم ,,, ترى ألا يحق أن نتسائل: ماذا يتوجب علينا أمم الأرض جماعيا أن نعمل للحد من هذا وذاك؟ 

بتعبير آخر: في مجمل الحال، ما هو سبيلنا تضامنيا إلى منع تراجع مسالك الوئام في الأوطان، ومنع انهيار مسالك التعاون ما بين الدول، كي لا يستمر الوضع الإنساني في الانحدار للأدنى والأردأ باطراد، بل أن يُستدرك الخطأ والشطط، ويُتدارك ما ينتج عنهما من مخاطر تتهدد الحال والمآل، وبذلك تقوّم مسالكنا بالتصحيح والإصلاح، وتُولّى وجهة تطورنا، وطنيا وعالميا،  لما هو أسلم وأصح وأصلح؟ 

نحن نعلم أن القوام المشترك لسلامتنا وصلاحنا ويسرنا المعيشي جميعا أهل الأرض هو السلم والوئام والتعاون، وأن لا غنى لنا، بل لا بديل، عن تعزيز كل ذلك من منطلق الاعتماد المتبادل على أساس نفع مشترك.  إذن – نعود لنتساءل:  ترى ماذا يترتب علينا، كمجتمع إنساني واحد، وإن تعددنا أوطانا، وتباينا أعراقا وثقافاتٍ وأديانا ومذاهب فكرية ... ماذا يترتب علينا أن نعمل لدرء احتمالات تلك المخاطر الكارثية، الماثلة أمامنا، والمهددة سلامة حالنا، تلك التي تسببنا في خلقها بما كسبت أيدينا في غياب وعي رشيد، وبتهافت حداثي بدأنا ندرك أنه إذ جلب لنا منافع جمة في توفير وتيسير شتى أسباب الحياة، فقد ساق لنا في المقابل، على غفلة منا أو تغافل، وضعا خطرا وسياقا إن ترك حبله على غاربه أدى إلى عواقب مهلكة ... إلا ما رحم ربي.

من التاريخ نستخلص أنه قلما يخلو سجل أمة من إسهامات إيجابية وأخرى سلبية في الشأن البشري.  إذن، حيث نحن اليوم، لا يجدي كثيرا أن نقف طويلا عند تقاض أو تلاوم حول معاملات تاريخية خلت عانت منها أممنا بعضها من بعض، أو أن نتخاصم جراء تصرفات عانينا منها  بحماقات مشتركة في ماض قريب أو بعيد.  اليوم، أنى شئنا وضع الملامة التاريخية على ما صدر من مختلف أممنا من تفريط بحق الإنسانية، أو على العكس، أنى شئنا تسجيل الثناء على ما صدر منها من عطاء جدير، فإن ذلك لا يغنينا من أن نعي بعمق أننا، أممَ الأرض جميعا، في واقع الأمر، عبَرَة في سفينة واحدة، هي اليوم عرضة لمخاطر بيئية مشتركة، هي اليوم أمام احتمالات احترابية مهلكة، وهي اليوم رهن ظروف سياسية واقتصادية واجتماعية عالمية تتأثر بها جميع الأمم سلبيا جراء تخاصم مزمن متفاقم بين بعضها من بعض.

بنظري، من صميم هذا الوعي بالحال والمآل يجدر بنا، بل يتوجب علينا جميع أمم الأرض، عقلانيا، وبمنهاج  مشترك، أن نفرز فكرا ونتلمس طرقا، على الصعيدين الوطني والعالمي معا في آن، لتجنب التخاصم والاحتراب. في المقابل، لتعزيز السلم والوئام والتعاون، وبكل ذلك، لتحسين الوضع الإنساني معيشيا، وإعلاء الشأن الإنساني حضاريا، يتوجب علينا انتهاج ثقافة التعايش السلمي، مردفة بتفعيل التنمية الإنسانية مدار العالم: ثقافة مثرية  متوسعة، وتنمية مستدامة متراقية، تسري عبر تعاقب الأجيال.    

في عهود خلت كانت كل أمة، وهي محدودة التواصل مع الأمم الأخرى، تحسب أن كل الحق معها، كل الصواب فيما تعتقد، كل الرشد فيما أوتيت، كل الخير للإنسانية فيما هي تدعو له، لذا كان خطابها ينحصر في تأكيد ما هي لديها ذاتيا من موروث وحاضر، دون التفات يذكر إلى ما لدى الآخرين من موروث ومستجد.  لذا، كان خطاب كل أمة في جله حديثا يؤكد الذات أكثر منه تحاورا مع الآخر: مونولوجاً أكثر منه ديالوج. 

من الوجه الآخر، ضمن الوطن، كان صاحب السلطة المعضدة بالعسكر يعزف عن التحاور مع سواد الشعب، وعبر العالم، كان القوي من الأمم يرفض  التحاور مع الضعيف منها: بدل التحاور، كان المهيمن، في الحالتين، هو من يملي ويسيطر دون رادع أو وازع.  وكان الضعيف، في غياب فرصة للاعتراض بوسيلة الحوار، يُرغم إما على الرضوخ لوطأ العنف، أو على اللجوء لعنف مضاد.

طبيعة المشكلة

المشكلة العالمية المعاصرة بواقعها الراهن، بمخاطرها المصاحبة، وبخلفياتها التارخية الحديثة، على نحو ما عرضت، هي، بنظري، مشكلة أخلاقية في الصميم.  إنها تكمن في تغافلنا المشين، بل والغشيم، عن منظومة المبادئ والقيم التي نعيها نظريا كأساس لازم لسلامة الوضع الإنساني ونتجاهلها عمليا في التطبيق.  آية ذلك، مع أننا ثبتنا هذه المبادئ جليا في دساتيرنا الوطنية ومواثيقنا الدولية، فإننا  لا نزال نتراجع عن الالتزام بها عند ظهور أدنى تعارض لها مع ما نعتبرها، بتشخيص خاطئ،  "مصالحَ " وطنية أو شخصية.  

أقول "بتشخيص خاطئ" لأن في واقع الأمر، في التحليل الأخير، لا توجد مصلحة شخصية حقيقية بمعزل عن المصلحة الوطنية، ولا توجد مصلحة وطنية حقيقية بمعزل عن الصالح الإنساني العام. العلة الرئيسة لمشكلة تراجع الحال الإنساني هي، في فهمي، غياب التركيز على محورية "اللازم الخلقي" (The Categorical Imperative) في استمرار بناء التقدم، مقرونا بقصور الاعتناء بتوسيع وترسيخ الوعي حول الالتزام الخلقي باعتباره المرجعية العليا المشتركة إنسانيا، فوق مرجعيات الانتماءات الوطنية والدينية والإيديوليجية المتعددة للأمم عبر العالم. 

ما أعنيه هو أننا على صعيد المجتمعات الوطنية على انفراد، وعلى صعيد المجتمع الأممي كحال إنساني مشترك،   بحاجة لوضع منهاج خلقي نقره ونلتزم به في كافة ما نسن من قوانين ونبرم من اتفاقيات وعهود ومواثيق.  بتنظيم وتهذيب كافة مسالك التعامل والتفاعل الإنساني هكذا على أساس موحد وفي إطار مشترك نضمن ما أمكن سيادة اللازم الخلقي في كل ما نستنبط ونبدع في سبيل خدمة مصالح الأفراد بتناسق مع رعاية الصالح الوطني المشترك والصالح الإنساني العام. لا أنفي، بل أعترف بإشادة، أن سياقا حضاريا كهذا آخذ مجراه في اجتهادات عديد من الدول، وعموما في نشاطات المنظمات الدولية المعاصرة.  لكنه، بتقديري، سياق متباطئ، بل ومتعثر، لا أراه ناجعا تماما في استبعاد ما ذكرت من السلبيات المفسدة للحياة المعاصرة، والمستجلبة للأخطارعلى الصعيدين الوطني والعالمي بسواء.

وحدة المبادئ والقيم

لا يحدث تغيير - فيما هو مُتاح للإنسان أن يغير فيه للأصلح  - إلا أن يكون مسبقا بتفكير قويم.  ولا يستقيم فكر إلا أن يكون ملتزما بمبادئ وقيم تؤدي إلى اتساق الأمور وفق استحقاقات سعادة الأفراد وسلامة الصالح العام.  ولأن عوامل الصلاح والفساد والرفع والخفض والقوة والضعف في الحال الإنساني واحدة وثابتة، فإن المبادئ والقيم التي بها يتقدم حال الناس وبغيابها يتراجع، واحدة وثابتة أيضا:  بتعبير آخر، النفس الواحدة التي انبثق منها زوجها، وانبثت منهما نفوس كثيرة، ذكور وإناث، خُلقت لتحيا أو تهلك، تتقدم أو ترتكس، بذات الأسباب.  بفعل هذه السنة الجامعة لحال الإنسان، المهيمنة على مسيره ومصيره، سادت أمم حين عملت بالمبادئ والقيم الإنسانية فأوجدت بذلك معطيات حياة طيبة، وبادت حين تجاهلتها أو تنكرت لها من بعد علم، فنقضت غزلها وورث ما أنجزت قوم آخرون.

المبدأ، تعريفا، هو الفكرة الأولى التي منها يبدأ النظر العقلي في أيما أمر.  هو أيضا الفكرة التي يلتزم بها ويسعى لتحقيق مقصدها العقل في جميع الأمور.  بتعبير مرادف: المبدأ هو الفكرة الأم التي تستتبع أفكارا ثانوية متعددة تقاس جدارة أي منها بمدى اتساقها مع الفكرة الأم.  في أدبياتنا الإسلامية سمي المبدأ  أصلا،  باعتباره المنطلق الأول والمآل الأخير في التنظير:  لا شيئ يسبقه في النظر، كل  شيئ يلحقه، به يوجه مسار البحث، منه تستمد الحجة،  وإليه يُركن الحكم في أيما قضية آخر الأمر.

المبادئ إنسانية في ماهيتها، مداها، ومؤداها، بمعنى أنها تتصل  أصلا وفرعا، مسلكا ومضمونا، جملة وتفصيلا، بالشأن الإنساني.  إنها أصول فكرية أفرزتها خبرة البشر وذكّرت بها النبوآت في مختلف الثقافات والحضارات عبر العصور.  إنها أفكار جوهرية ميزها الإنسان من حيث لزومها الحيوي لصلاحه ونمائه، كفرد ومجتمع، بل كجنس حيواني متميز بوعي متفوق ومتطور.  هي أفكار يرتبط بها رقي الأفراد والأمم في كل عصر: أفكار تشكل قاسما مشتركا وكلمة سواء بين الناس كافة، لكونها مؤصلة في حال إنساني واحد يصلح ويفسد، يتقدم ويتخلف، يسمو ويتدني، عقلا وجسما، بذات العلل والأسباب.   

المبادئ والقيم هي ذاتها في وعي الناس كافة.  آية ذلك أننا، عالميا،  نشخص تحديدا:  العدل،  المساواة،  حرمة الإنسان وكرامته،  والشورى (الديمقراطية)  مبادئَ انسانيةً أصيلة وعامة.  لا نتصور شأنا من شؤون البشر إلا أنه يركن في سلامة مضمونه ومنهاجه إلى واحد أو أكثر من هذه المبادئ الأربعة.  لا نتصور معاملة ذات نفع مشترك بين اثنين أو أكثر من الأفراد أو المجتمعات إلا أن تتصف بعدالة المحتوى، بالتكافؤ أمام القانون، بصون حرمة وكرامة الجميع، وبالقيام على أساس الاختيار والمشاركة، لا الإكراه والإقصاء.  يستتبع هذا أنه بقدر ما يكون التزام أمة ما بهذه المبادئ الإنسانية كأمر أول وأساس، التزاما مثبتا في الدستور، مشرعا في القانون، ومحققا بحرص دائب في سائر فاعليات الحياة، الخاصة والعامة، يكون صلاح تلك الأمة على الصعيد الفردي والجماعي.  بذلك أيضا يكون إطلاق إمكاناتها وتفعيل قدراتها على مسار التقدم والازدهار.  على مرجعية المبادئ تتفق الناس كافة، أو على الأقل تجاهر بالاتفاق، حتى حيث تختلف في اجتهاداتها وتفسيراتها، أو حتى حيث  تتنكر للمبادئ في التطبيق.  بتعبير آخر، إلى مرجعية المبادئ يحتكم الأفراد والأمم مهما تعارضت ما بينهم النزوعات  أو تباينت الرؤى والرغبات، ويحتكمون إليها بإخلاص مرارا، وبنفاق أحيانا، لكنهم قلما يتنكرون لها جهارا أو يقابلونها برفض صريح.

مع المبادئ تأتي القيم، وكما للمبادئ كذا للقيم عمومية التأثير على أحوال الناس في أيما أمة.  القيمة حصيلة إنسانية تدر نفعا لحاصلها ومجتمعه، ومن بعد ذلك يعم نفعها الناس أجمعين.  هنا أيضا لا نختلف على أن العلم، مثلا، قيمة إنسانية، مع أننا قد نختلف حول مناهجه، أو مدى صحة بعض ما يُعرض علميا حتى نتأكد منه بمزيد تحقيق.  من القيم ما هي، كما المبادئ، مطلقة في مردودها الإيجابي، ومنها ما هي دون المبادئ لكونها نسبية المردود.  العلم، الصحة، الإيمان، التعاون، اليسر المعيشي قيم مطلقة النفع كما المبادئ، إذ لا يوجد سقف يحد ما تدر:  كلما زاد تحصيلها على صعيد فرد أو مجتمع ازداد وعم عطاؤها من الخير.  القيم النسبية، على الوجه الآخر، من بعد إدرار نفع لحد معين، قد ترتد فتضر:  الكرم، الشجاعة، الطموح  قيم نسبية من حيث أنها بتجاوز حد معقول  قد تنقلب إلى تبذير وتهور وطمع.

تشخيص المبادئ والقيم في المنظومة الخلقية المنشودة

لتشخيص أيما مبدأ أو قيمة مطلقة، بالأحرى لاستبيان ما إذا كانت فكرة ما نتناظرها ترقى لمبدأ أو قيمة مطلقة، لا بد من أن نشخص فيها أربعة عناصر تحديدا  تكون بها مجتمعة كذلك، وتكون في غياب أي منها دون ذلك.

أولا:  أن تكون الفكرة إنسانية أصيلة وعامة، بحيث تسري على الحال البشري إلحافا، بصرف النظر عن فوارق من أي نوع:  مثلا، العدل كمبدأ، والعلم كقيمة، يدران نفعا لأيما فرد أو مجتمع يمارس العدل ويقتنى العلم.

 

ثانيا: أن تكون الفكرة مطلقة النفع، فلا ترتد بضرر من بعد حين أو حد:  مثلا، المساواة كمبدأ، والتعاون كقيمة،  مطلقان في تطوير الخبرة الإنسانية للأفضل دون حد أو سقف.

ثالثا: أن تكون الفكرة مدركة في وعي الناس كافة بحيث لا تكون محل جدل:  مثلا، صون حرمة الإنسان وكرامته كمبدأ، وخلق اليسر في معايش الناس كقيمة، مستقران في خبرة البشر فلا ينكرهما أحد، ولا ينكرهما جهارا حتى من يتتكر لهما في السر.

رابعا: أن تكون الفكرة قابلة للتطبيق في الخبرة الإنسانية مطلقا، فلا يُعذر أحد على تجاهل أو تقصير:  مثلا، الشورى (بمعناها الديمقراطي) كمبدأ، والاعتناء بالصحة كقيمة، قابلان للتطبيق في سلوك أيما فرد أو مجتمع، ولا يكون الإعراض عن أيهما أو التقصير فيه إلا عن جهالة، أو عن جاهلية تؤثر الاستبداد والاستهتار.

بهذا التشخيص للمبادئ والقيم المطلقة نستبين أنها متواصلة متكاملة، أنها واحدة في الخبرة البشرية، وأنها هكذا شُخصت في الفكر الحضاري قديمه وحديثه، دينيه وفلسفيه.  آية ذلك  أن الناس لدى أي اختصام بين أفراد أو أمم يحتكمون إلى مبدأ العدل،  لدى أي تفاوت مجحف في الحقوق والواجبات يحتكمون إلى مبدأ المساواة،  في درء أو رفع أية إساءة أو إهانة يحتكمون إلى مبدأ حرمة الإنسان وكرامته.  ولأجل اتقاء مفاسد الاستبداد وشرورالتسلط تلجأ الأمم إلى مبدأ الشورى (الديمقراطية) الموجب للمشاركة العامة في صنع القرار العام، والموجب المساءلة العامة في تصريف المورد العام.  بالمنطق نفسه يقر الناس عامة بلزوم التمسك بالمبادئ والقيم، حتى حين يتجاهلونها أو يقصرون  إزاءها في الالتزام والتطبيق.

 أعود لأستدرك أن الخبرة الإنسانية، مع أنني أراها قد استقرت مدار الكوكب على إدراك وحدة المبادئ والقيم ومركزية دورها في الحال البشري على نحو ما عرضت، إلا أنني أراها قد استقرت نظريا، ولا يزال الالتزام العملي بها مشوبا بقصور سافر ومشين.  لا زلنا أفرادا وأمما ندرك وعيا ونزعم قولا أكثر جدا مما نطبق عملا في ترجمة المبادئ والقيم إلى سلوك شخصي واجتماعي: إخفاقٌ لا يفتأ يرهق نفوسا تطمح أن ترى تطورا نوعيا مطردا في الخبرة الإنسانية على الإطلاق.  قديما أشار أفلاطون في "جمهوريته" إلى هذا القصور المزمن لدى الإنسان  بقوله: إن صوت البشرية أبدا  يمجد العدالة والفضيلة، مع ذلك كثير من الناس يوقرون أشرارا لأجل ما يمتلك هؤلاء من  نفوذ ومال،  ويزدرون بالضعفاء مع علمهم بأن هؤلاء أحسن خُلقا من الأشرار.  وشجب القرآن الكريم الفجوة بين القول والفعل بإخباره: " كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون" (61:3).

 مسار التطور الحضاري

على مسار التطور الحضاري لا يُغني النفوذ والمال عن الفضيلة، لا تغني الشطارة عن الاستقامة، ولا الراحة البدنية والعيش الرغيد عن الرقي العقلي وسلامة الضمير.  إن الإنسان لا يعيش بالخبز وحده:  كلمة أوجز بها المسيح الإشارة إلى لزوم تأصيل البعد الخلقي في الحياة.  وقال نبي الإسلام ملخصا مهمته: بعثت لأتمم مكارم الأخلاق، وخوطب في القرآن المجيد: وإنك لعلى خلق عظيم.  أما في الفلسفة، فقد وازى إيمانيوءل كانط، أكثرُ فلاسفة الغرب تأثيرا في الفكر الحديث، بين القانون الطبيعي وآخر سماه ب " اللازم الخُلقي "  the categorical imperative: إذ بفهم الأول نهتدي إلى حقائق الوجود، وبفهم الآخر نستبين أسباب السلامة والصلاح في خبرة الإنسان.

 من كل ما جاءنا من الرشد في الوحي الموحى إلى الأنبياء، وفي الفكر الملهم للحكماء، نستخلص درسا أصيلا في فهم سنة التغيير في الحال البشري: أن إحداث تغيير في الخارج لا يؤدي تلقائيا إلى حدوث تغيير في الداخل، لكن العكس صحيح.  بمعنى آخر:  أن نروم تغيير محيطنا الخارجي من دون أن نحاول تغيير مستقرنا الداخلي عمل عقيم، فحتى حيث يتحسن الظرف الخارجي، بجهد منا أو بصدفة، أو بفضل جهود من آخرين، قد يبقى الحال الداخلي الآسن عاجزا عن الاستفادة من تحسن الظرف الخارجي.  أما حيث يتحسن الحال الداخلي فإنه تلقائيا، كنتيجة منطقية، ينضح بأداء مماثل  في الخارج.

أن ندرك ما يفيد ولا نستفيد منه، أن نعي ما يُقدّم ولا نَقدم عليه، أن نبصر ما يُصلح  ولا نعمل به:  ذلك هو البرزخ المعيق لرقي الأفراد والأمم عبر العصور.  في هذا البرزخ تعثرت خطى حضارات سبقت، ولمن لم تقم من عثارها ظل البرزخ دار قرار.  أن يؤثر امرؤ البقاء على خطأ من بعد علم، أو أن تستمر أمة على شطط من بعد أن يتبين لها الصواب، أشنع جدا من أن يظلا على خطأ أو شطط بجهالة:  في الأول خطورة وفي الآخر فرصة: في الأول دلالة على عوج في التفكير، على انفلات في المسلك، على عزوف متعمد عن الإصلاح، في الآخر مدعاة لإزالة الجهل المتسبب في الخطأ، وأمل لا يزال في التصحيح عندما بالعلم يظهر الصواب.  كما الأفراد كذا الأمم:  إذا ما تنكر فرد أو أمة للإصلاح من بعد ما تبينت الحاجة للإصلاح،  تنكرت له ولها الطبيعة العاملة بمشيئة الله النافذة صدقا وعدلا  في كل أمر.  من هنا ضرورة التأكيد دأبا على ترسيخ سيادة اللازم الخلقي في عموم الشأن الإنساني، مقوماً لكل ما نشرع ونطبق، دافعاً نحو كل ما يصلح ويفيد، ورادعاً عن كل ما يضر ويعوق ... تأكيدا نتواصاه ونمارسه أفرادا وأمما ومجتمعا إنسانيا مشترك الحال والمآل.***

-------------------------------------------------

*أعد المقال أصلا للعرض في ندوة المبادئ والقيم: دورها في رشاد الحكم والحياة التي كانت مزمعة من قبل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية (مسقط – عُمان) في أبريل 2012.  ألغيت الندوة، لكن نشر المقال في مجلة التفاهم الفصلية الصادرة عن الوزارة، عدد 36 - أغسطس 2012

*صادق جواد سليمان: كاتب ومفكر من عُمان، ودبلوماسي سابق

الصفحة 1 من 22