الإثنين 23 تشرين1/أكتوير 2017
TEXT_SIZE

انفصال أكراد العراق وانعكاساته على أكراد سورية والدول الإقليمية

 إعداد: نسرين عبود
 
(باحثة  في العلاقات الدولية ومتخصصة في شؤون الشرق الأوسط / مقيمة في باريس)
 
قبل الخوض في هذه الدراسة لابد لنا من التعريج على العديد من النقاط الشائكة التي تشكل بالنسبة لموضوعنا نقاط استفهام لابد من الإجابة عليها لفهم مايجري في سورية  والعراق وخاصة فيما يتعلق بالحرب ضد داعش ومسألة الفيدرالية التي ينادي الأكراد بها.
 
توجد أسئلة كثيرة سنحاول الإجابة عليها من خلال موضوع بحثنا هذا:
 
أسئلة البحث:
 
· من هم الأكراد ومن أين جاؤوا وماهي أصولهم ؟؟
· هل الأكراد المتواجدون في المنطقة المراد إنشاؤها بما يسمى كردستان  الكبرى هم قومية واحدة وشعب واحد وهل يتحدثون لغة واحدة ؟؟
· لماذا يطالب الأكراد بإستقلالهم عن الدول التي يعيشون فيها ؟؟
· ماهي انعكاسات مطالبة أكراد العراق بالاستقلال على أكراد الجوار ؟؟
· ماذا بعد دير الزور والرقة  في سورية و ماهو مصير  الأكراد في المناطق التي يسيطرون عليها فيما لو تم القضاء على داعش نهائياً؟
· ماهو مصير قوات سورية الديمقراطية ( قسد ) بعد داعش ؟ وإلى آين ستكون وجهتها الجديدة ؟
 
تحاول هذه الدراسة الإجابة عن كل هذه التساؤلات متوخين الحيادية الموضوعية قدر الإمكان .
 
توطئة:
 
من هم الأكراد وما هي أصولهم؟
 
أولاً :  نشأة الأكراد وأصولهم: تتفق العديد من المراجع التاريخية على أن  أصل الأكراد يعود إلى حركة الهجرة الثانية للآريين  (شعوب هندو جيرمانيين) في حوالي الألفين سنة قبل ميلاد المسيح في منطقة غرب إيران والتي أطلق عليها فيما بعد كردستان.
يتكون الشعب الكردي من عدة شعوب وقبائل - ولو أن أغلب ثقافتهم بحسب المراجع التاريخية المتوفرة تعود إلى الثقافة الإيرانية البدوية ( انظر كتاب د محمد أمين زكي في هذا الصدد).
 
ولو بحثنا جيداً في أصول الكرد لوجدنا ثلاثة نظريات حول أصولهم الثقافية واللغوية:
 
1- النظرية الأولى : هذه النظرية التي تتحدث عن تأسيس أجداد الهوريين( الحوريين) مملكة ميتاني (  ( mittani سنة 1500 قبل الميلاد، حيث أطلق على هذه المملكة أسم خوري ( هوري، حوري) chouri , churri ومنها أشتق فيما بعد الأسم الكوردي، ومنطقة استيطان هؤلاء الهوريين هي مطابقة تماماً مع حدود كردستان.
 
2- النظرية الثانية : والتي تدعي بأن منشأ الأكراد يعود إلى الميديين حيث اشتقت كلمة كورانج من كور/ كورد ومانج لميدي، حيث يدعي أغلب الأكراد أصولهم الميدية/ الميديين( الميدية في اللغة الكردية تعني القوة)
 
3- النظرية الثالثة : فترى هذه النظرية بأن أصولهم تعود للإسكيتيين ( Skythen)  حيث يذكر الفيلسوف " xenophon" فيلسوف إغريقي ولد في أثينا عام 444 قبل الميلاد وقد كان من تلاميذ سقراط)) حيث يذكر بحملته العسكرية من البحر إلى الأراضي الآسيوية المرتفعة والذي أصبح فيما بعد عملاً تاريخياً بعنوان " الصعود- الرقي حيث يذكر في هذا المجلد بأن أصولهم تعود إلى الكاردوخيين/  / carduschen إلا أن أغلب المؤرخين يشككون في صحة هذه المعلومة باعتبار أن أغلب " الإسكيتيين" سكنوها في المنطقة التي ظهر فيها الشعب الكردي لأن وطنهم أي الأسكيتيين كان في كازاخستان وفي جنوب روسيا وأوكرانيا وليس في منطقة كردستان المزعومة.
 
ثانياً : متى ظهر المصطلح الجغرافي لكردستان؟ بحسب المؤلف توماس بوا،  كردستان التي يحلم بها الأكراد تمتد من جبال زاغروس جنوب غرب إيران وحتى همدان شمالاً وإلى جبال طوروس في جنوب تركيا ومابين نهري سيمان وجيجان  ( دجلة والفرات)  حتى شمال العراق ، والمعنى الحرفي لكردستان هو بلاد الأكراد.
 
أما  المؤرخ الإنكليزي " ديفيد ماكدويل " الذي كتب أهم موسوعة تاريخية في العصر الحديث عن تاريخ الأكراد، حيث يعتبر فيها  بأن مصطلح الأكراد الذي أطلقه العرب لم يكن مصطلح عرقي أو قومي أو حتى قبائلي، بل هو مصطلح أطلق على بدو الهضبة الغربية من بلاد فارس حينها، وحتى أن بعض القبائل التي نزحت سواء عربية أم لا وسكنت منطقة الأكراد كان يطلق عليهم كورد، أو يتم تكريدهم ثقافياً، مثل قبيلة الروادية العربية التي انتقلت إلى مناطق البدو الكرد في بداية العصر العباسي وخلال 200 عام أصبحت  كردية الثقافة واللسان رغم عدم اختلاط أنسابهم بالكرد، ومع تطور الأوضاع السياسية تنقل هؤلاء الكرد إلى مناطق أوسع وسيطروا على بعض المناطق التي لم يسكنونها من قبل  بسبب ضعف الدولة العباسية آنذاك.
 
حيث ظهر حينها أول مرة مصطلح كردستان، وفيما بعد تطورت لدى الأكراد النزعة القومية في إنشاء دولة قومية لهم، وقد عزز  الاستعمار البريطاني هذا الشعور القومي لديهم مع تفكك الدولة العثمانية ورغبة الحلفاء المنتصرين في تقسيم تركيا بين الكرد والأتراك، إلا أن مصطفى كمال أتاتورك أستطاع أن يسقط مشروع قيام دولة كردستان بإعلانه إنشاء الجمهورية التركية.
 
ثالثاً : أكراد سورية والطريق إلى الفيدرالية بين الحلم وواقع الديموغرافيا والجغرافية السورية وانعكاسات قضية انفصال كردستان العراق: يشكل أكراد سورية نسبة6% من مجموع كرد العالم حيث يبلغ عددهم حوالي مليون وستمئة ألف نسمة ( 8% ) من مجموع سكان سورية، بعكس أكراد العراق. لا يقطن أكراد  سورية في بقعة جغرافية ممتدة وموحدة، بل يتوزعون مابين الجزيرة السورية ( الحسكة والقامشلي، المالكية) شمال شرق سورية  ومابين عفرين في ريف حلب الغربي الشمالي، وكما يتواجدون في عين العرب ( كوباني) على الحدود مع تركيا، ويفصل إقليم الجزيرة الممتد بين المالكية ورأس العين تجمع سكاني عربي على امتداد واسع عن الإقليم الثاني لتواجد الأكراد في عين العرب، حيث تتوسط هذا الإمتداد الجغرافي للأكراد مدينة "تل أبيض"  ذات الغالبية العربية، كما يفصل هذين الإقليمين حيث يتواجد الأكراد في شرق الفرات العديد من المدن العربية وصولاً إلى الإقليم الثالث لتواجد  الأكراد في مدينة عفرين شمال غرب حلب، وبالتالي فالأكراد وحسب الجغرافية السورية والتوزع الديمغرافي ليس لهم امتداد واحد بل يتناثرون على تلك الأقاليم الثلاثة المذكورة.
 
أولاً : أكراد سورية وبداية حلم الفيدرالية:
 
مع انطلاق الحراك السياسي في سورية عام 2011  حاول الأكراد انتهاز فرصتهم الذهبية للمطالبة باستقلالهم الذاتي وخاصةً مع تحول الأحداث وتصاعد العنف والحرب الدولية وتدخل الدول في سورية، مستغلين الفوضى وصعود الحركات الإسلامية المتطرفة كداعش للحصول على المزيد من المزايا والمكاسب السياسية والميدانية، فبدؤوا بتشكيل ما يسمى حزب الاتحاد الديمقراطي والذي يعد الجناح العكسري لحزب العمال الكردستاني المحظور تركيا، مع دخول الولايات المتحدة على الخط وإطلاقها شعار محاربة الإرهاب المتمثل في داعش في كل من العراق وسورية، تحالف حزب الاتحاد الديمقراطي مع الولايات المتحدة والتي مدته بالسلاح واستخدمته كأداة على الأرض بحجة محاربة داعش، تم الإعلان عن تشكيل " وحدات حماية الشعب"   ( الجناح العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي)  بمشاركة " المجلس الوطني الكردستاني" إلا أن الولايات المتحدة سرعان مااستغنت عن وحدات حماية الشعب، وخاصة بعد استيلاء حزب الاتحاد الديمقراطي على العديد من البلدات والمدن المحررة من قبضة داعش في شمال وشرق سورية، حيث قامت الولايات المتحدة الأمريكية بإعلان تشكيل قوات جديدة وهي قوات سورية الديمقراطية ( قسد) وهي تحالف يجمع كل من وحدات حماية الشعب والتحالف العربي السوري والذي يتألف من مجموعة من الفصائل المعارضة المسلحة  " كجيش الثوار و " جيش الصناديد " إلى جانب بعض المسيحين والآشوريين والسريان.
 
لماذا تخلت الولايات المتحدة الأمريكية عن حزب الاتحاد الديمقراطي وسعت إلى تشكيل قوات سورية الديمقراطية ؟ بحجة محاربة داعش قامت الولايات المتحدة الأمريكية كما أسلفنا باستخدام قوات حماية الشعب الجناح العسكري لحزب العمال الكردستاني والموضوع على لائحة الإرهاب، وعندما أنجزت هذه القوات مهامها المنوطة لها من قبل الولايات المتحدة وهي السيطرة على جميع القرى والبلدات الحدودية الشمالية والشرقية ذات الغالبية الكردية بالإضافة على السيطرة على مدينة تل أبيض ذات الأغلبية العربية المتاخمة للقرى والمدن ذات الغالبية الكردية، أرادت الولايات المتحدة قَص جناح حزب الاتحاد الديمقراطي الذي بدء نجمه يسطع وخاصة بتشكيله مجالس إدارة ذاتية في منتصف عام 2013  مثل بيت الشعب وقوات الشرطة الأسايش، كمقدمة للاستقلال الذاتي ضمن إدارة كردية، وبناءً على ما تقدم قامت الولايات المتحدة بالإعلان عن تشكيل قوات سورية الديمقراطية في عام 2015  كتمويه عن رغبتها في استغلال الكرد من جهة، ومن جهة ثانية نيتها  تقسيم سورية ضمن دولة  فيدرالية سورية ينال فيها الكرد استقلالهم الذاتي، تماماً مثلما فعلت أثناء احتلالها للعراق حيث قامت بفرض منطقة حظر جوي في أربيل، ليقوم فيما بعد الأكراد بإدارة هذا الإقليم ذاتياً وبشكل مستقل عن حكومة المركز في بغداد.
 
وبناءً عليه يمكن لنا أن نطرح التساؤل الآتي: هل ستساعد الولايات المتحدة الأكراد لنيل استقلالهم في سورية ضمن إدارة فيدرالية ترفضها سورية كما ترفضها الفصائل المعارضة قاطبةً باستثناء المجلس الوطني الكردي؟؟ هل سيستطيع الأكراد تحقيق حلمهم القومي في إقامة دولة كردستان والممتدة من جنوب العراق إلى حدود هاتاي؟ ( إقليم الإسكندرون السليب والذي اقتطعته فرنسا وأهدته لتركيا عام 1939عبر اتفاقية سرية في عصبة الأمم المتحدة ، رغم وجود العديد من الوثائق التي تبرهن على سورية اللواء، أولها معاهدة سيفر والتي فيها اعترفت الدولة العثمانية آنذاك بعروبة اللواء وقليقية( أضنة ومرسين) بالإضافة إلى اتباع اللواء للدولة السورية قبل الانتداب الفرنسي والذي سعى إلى تقسيم سورية لعدة دويلات ومن ثم تآمر الفرنسيون وسلخوا لواء سكندرون عن الوطن الأم سورية).
 
لماذا تحدثت عن لواء إسكندرون هنا، لان هذه النقطة مهمة بالنسبة للدراسة قيد البحث، فاقتطاع اللواء وتسليمه لتركيا، هو خير برهان عن حجم المؤامرات الي حيكت ومازالت تحاك ضد سورية، ومن بينها مسألة الفيدرالية والتي يزمع من خلالها السعي لتقسيم المقسم، بمعنى آخر سايكس بيكو ثاني بحجة إعطاء الأكراد استقلالهم الذاتي ضمن حكومة فيدرالية.
 
سوف نقوم الآن باستعراض مواقف الدول الإقليمية المساندة والمناهضة للفيدرالية ولاستقلال الأكراد في سورية كما سوف أعرج على مسألة الاستفتاء على إستقلال كردستان العراق ومدى انعكاساته على القضية الكردية في سورية وفي دول الجوار:
 
بادئ ذي بدئ يستحضرنا السؤال التالي : لماذا الاستفتاء لاستقلال كردستان العراق في هذا التوقيت بالذات ؟ وخاصة بعد تحرير الموصل من تنظيم داعش المتطرف ؟ والسؤال الثاني الذي يتبادر إلينا : ماذا لو تحررت الرقة  وتم القضاء نهائياً على تنظيم داعش وخاصة ً بعد تقدم الجيش السوري وحلفائه في دير الزور، ما هو مصير الرقة وخاصةً مع تصاعد الأنباء عن سيطرة قوات سورية الديمقراطية على جزء كبير من الرقة ؟؟ وما هو مصير هذه القوات وما هو مصير الفدرالية المزعومة ومطالب الأكراد بإدارتهم واستقلالهم الذاتي ؟
 
ثانياً : أكراد العراق وانفصال كردستان : المخاطر والتحديات:
 
لنعود قليلاً إلى الوراء  وبالذات إلى العراق وتحديداً إلى إقليم كردستان العراق، فيما يتعلق بالكرد في العراق يتراوح  عددهم ما بين 5  إلى 6   ملايين نسمة، ولقد قاموا بالعديد من حركات التمرد  عبر التاريخ بقيادة زعيمهم الأسطوري مصطفى البرزاني والد زعيم أقليم كردستان العراق الحالي " مسعود البرزاني" ،ففي  عام 1991 وبعد حرب الخليج الأولى استطاعت  قوات البيشمركة الكردية هزيمة الجيش العراقي بمساعدة الولايات المتحدة الأمريكية حيث قامت  بالسيطرة حينذاك على إقليم كردستان الحالي وذلك بعد حظر للطيران في كامل منطقة تواجد الكرد في شمال العراق، مما سهل عليهم فيما بعد إعلانهم قيام حكم ذاتي لهم وعاصمته أربيل، وبعد حرب العراق والاحتلال الأميركي له  عام 2003  تم توسيع الحكم الذاتي للكرد لينص عليه الدستور العراقي حيث تم أيضاً وفق الدستور العراقي الجديد  سن قانون المحاصصة الطائفية، ليكون الرئيس العراقي كردياً، وأعطي الشيعة منصب رئيس الحكومة، أما السنة فكان لهم منصب رئيس البرلمان، وبالتالي ووفقاً لهذا الدستور العراقي قد أعطي  جزءاً من ميزانية الحكومة لأقليم كردستان العراق، وبناء عليه فرض وبحسب الدستور منع دخول الجيش العراقي إلى إقليم كردستان حيث تقوم قوات البيشمركة بحماية مناطق الحكم الذاتي للكرد والتي تشمل مناطق السليمانية وأربيل ودهوك، ومعظم سكان هذه المنطقة هم أكراد بالإضافة إلى بعض الأقليات التركمانيين والآشورية والأزيدية.
 
طبعاً هناك مدن أخرى يتطلع أكراد العراق لضمها وهي كركوك ومحافظتي نينوى و صلاح الدين، مدينة كركوك المتنازع عليها بين الحكومة العراقية والكرد هي مدينة استراتيجية وتحتوي على آبار النفط والتي قامت حكومة أربيل بالسيطرة عليها بعد طرد تنظيم داعش الإرهابي منها وسيطرة قوات البيشمركة عليها، وقاموا فعلاً بتصدير النفط لتركيا التي وجدت مصلحة لها مع حگومة أربيل خوفاً من تحالف كرد العراق مع كرد تركيا وخاصةً حزب العمال الكردستاني المصنف على لائحة الإرهاب الأمريكية.
 
من كل ماتقدم نستطيع أن نستخلص بأن إصرار  إقليم كردستان  العراق بإجراء استفتاء لانفصال الإقليم عن الدولة الأم هو يأتي في ظروف استثنائية وخاصة التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط والمخطط الجديد الذي يحضر ويهندس لها في أروقة الأمم المتحدة وجنيف والأستانة، لقد شعر الكرد بأن هذه اي فرصتهم التاريخية لتحقيق حلمهم بإقامة دولتهم القومية كردستان الكبرى ولذلك كانت البداية من العراق ولكن الغريب في الأمر هو إصرارهم على الاستقلال والانفصال في هذا الظرف الحرج والتشرذم والضعف الذي تمر به الدول الأقليمية التي يتواجدون بها، فالاستفتاء الذي جرى فعلاً في الخامس والعشرين من شهر سبتمبر / أيلول لم توافق عليه الحكومة المركزية واعتبرته غير شرعي، ورغم الردود السلبية من دول الجوار الإقليمي وخاصة ذات التواجد الكردي على أراضيها كسورية وتركيا وإيران، فإن البرزاني قام بالاستفتاء على استقلال أربيل عن العراق، مما سيساهم في تقسيم العراق وفي تشجيع باقي الحركات الانفصالية والقوميات التي تطالب بانفصالها عن الجسد الأم ككتالونيا ولا نستغرب ربما كورسيكا مستقبلاً الخ، ما يهمنا نحن هنا هو انعكاسات انفصال كرد العراق على القضية الكردية ومطلب الاستقلال سواء في كل من  إيران أو تركيا  أو الفدرالية التي ينادون بها في سورية.
 
ثالثاً: انعكاسات انفصال كردستان على الكرد في  دول الجوار:
 
لابد لنا باستشراف بعض الأحداث التي قد تنجم جراء الانفصال الفعلي لكردستان العراق على دول الجوار الإقليمي وانعكاساته على تطلعات الأكراد في هذه الدول:
 
أولاً على إيران : لنبدأ من  إيران: فالأكراد فيها  قاموا بعدة محاولات لإقامة إقليم حكم ذاتي، لكن دون الانفصال عن جسد الدولة المركزية، حيث كانت المرة الأولى مابين عامي 1918/1922بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، حيث تشير الأحداث التاريخية إلى ثورة سمكو آغا الذي أراد إقامة دولة كردية  بدعم من الأتراك ضد حكم القاجاريون لإيران، وكانت المرة الثانية في أعقاب انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1946م وخاصة بعد الاحتلال السوفييتي للمناطق الواقعة في شمال غرب  إيران حيث شهدت  هذه الفترة محاولة انفصالية قام بها الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني الأول (  ( KDP-1 والجماعات الشيوعية لتأسيس حكومة حليفة للسوفييت في منطقة أكراد إيران حيث سميت بحكومة مهاباد إلى أنها هذه المحاولة أيضاً باءت بالفشل بعد انسحاب السوفييت من إيران.
 
أما بالنسبة للمحاولات الحديثة لأكراد إيران  بالاستقلال الذاتي عن الحكومة المركزية فكانت متمثلة بحزب الحياة الكردستاني حيث استمر هذا التمرد من عام 2004 لغاية عام 2011  حيث تم توقيع  اتفاقية وقف إطلاق النار في سبتمبر  بين حكومة طهران وحزب الحياة وبالتالي بذلك انتهت أنشطة حزب الحياة الكردستاني، كما شهدت أيضاً إيران الثورة الكردية في عام 1967 كجزء من التمرد الماركسي وذلك أيضاً بهدف إقامة استقلال ذاتي لكن هذه المحاولة باءت أيضاً بالفشل، كما حاول الكرد تحقيق استقلالهم الذاتي في إيران في أعقاب الثورة الإيرانية عام 1979 لكن الحرس الثوري الإيراني استطاع هزيمة الأكراد ومنعهم دون تحقيق حلمهم في الاستقلال الذاتي عن الحكومة الأم. إيران لن تسمح لا لأكراد العراق ولا سورية ولا إيران بالحصول على أي استقلال ذاتي لأنه باختصار هو مخطط أمريكي  إسرائيلي لتقسيم سورية والعراق وتركيا و إيران بحجة إعطاء الأكراد حقهم المسلوب.
 
مما تقدم نستطيع أن نستنتج بأن الأكراد لطالما استغلوا عبر التاريخ سواء ظروف الحرب أو حالة التخبط والضعف والتشرذم  التي تعصف بالدول التي يتواجدون بها لكي ينتغموا الفرص ويقوموا بالتمرد لنيل استقلالهم وحكمهم الذاتي، طبعاً وخير دليل كان حالياً الوضع في كل من سورية والعراق فكلا البلدين يمر بظروف صعبة وحرب تشن عليهما من قبل الدول الغربية بغية إضعافها والسعي لتفتيت هذه الدول والنيل من سيادتها من خلال مشروع الشرق الأوسط الجديد.
 
ثانياً: انعكاسات انفصال كردستان العراق على تركيا : ماذا عن تركيا وما هو موقفها من استقلال أكراد العراق وسورية على حدٍ سواء : بالنسبة لحكومة كردستان العراق كان لها تحالفاً استراتيجيا مع تركيا  والتي تمتعت بعلاقات جيدة مع حكومة أريبيل، رغم المشكلة الأساسية للأكراد في تركيا مع الحكومة المركزية، إلا أن أنقرة استطاعت وعبر تحالفها مع أكراد العراق بتغليب المصالح الاقتصادية على المصالح القومية، فتركيا تجيد جيداً سياسة التحالفات التكتيكية وليس الاستراتيجية، فبرغم تصدير النفط العراقي عبر حكومة أربيل إلا أن صديق الأمس أصبح عدو اليوم، فمسعود البرزاني الذي كان حليفاً لأردوغان  اليوم وبعد إعلانه إجراء استفتاء بانفصال  إقليم كردستان العراق أصبح اليوم كزعيم لأكراد العراق خطراً استراتيجيات وقومياً على تركيا، فتركيا لطالما عانت من المشكلة الكردية ما عانته وتوجد معارضة كردية سياسية لابأس بها متمثلة بحزب الشعوب الديمقراطي، أو المسلحة والمتمثلة بحزب العمال الكردستاني، ولطالما كان  استقلال أكراد تركيا يشكل كابوساً  لأنقرة ، ونحن لانستغزب بطبيعة الحال الموقف التركي من قضية استقلال أكراد العراق، فهذا  الانفصال يشكل خطراً على تركيا بعينها وعلى القضية الكردية فيها، فتركيا قد لا تتناهى عن التدخل العكسري المباشر كما فعلت في سورية لمنع قيام أي كيان كردي يهدد وجودها.
 
ثالثاً : ما هي الفرص المُحتملة لانفصال كردستان العراق ؟ وهل الظروف متاحة للقيام بذلك؟:   حتما وَمِمَّا لاريب فيه هو أن الطريق أمام انفصال كردستان العراق لن يكون معبداً بالورود،  وخاصةً اذا ما استعرضنا  مواقف دول الجوار قاطبةً  الرافضة لاستقلال وانفصال الإقليم عن العراق،  لما من تداعياته على الدول الإقليمية المجاورة  التي يتواجد بها الأكراد، رغم أن حكومة أربيل هي تكاد تكون الأوفر حظاً لنيل استقلالها، إلا أنها ستتصادم أيضاً بردات  فعل دولية وأقليمية مناهضة لها، هذا ناهيك عن التهديد الإيراني والتركي بالتدخل العسكري المباشر في حال حاولت حكومة أربيل الانفصال فعلياً، ولكن رغم حظوظ إقليم كردستان بالحصول على الاستقلال إلاّ أنه ستكون في انتظاره الكثير من التحديات وهي:
 
1- صعوبة الحصول على اعتراف رسمي من الدول الإقليمية المجاورة .
2- احتمالية الاعتراف بشرعية استقلال إقليم كردستان العراق في الأمم المتحدة.
3-  رفض الحكومة العراقية نتائج الاستفتاء والاعتراف باستقلال كردستان.
4-  قد تلجأ الدول الإقليمية إلى غلق حدودها البرية مع حكومة كردستان.
5- لجوء تركيا  بوقف تصدير نفط كردستان العراق إلى الدول الخارجية .
6-  تراجع الاقتصادفي حكومة إقليم كردستان جراء سياسة الحصار التي ستمارس عليها من قبل دول الجوار كإيران وتركيا.
7-  احتمال  شن حرب على إقليم كردستان  من قبل تركيا وإيران بغية منع انفصاله .
8-  احتمال استغلال تنظيم داعش حالة الفوضى مجدداً ليعود ويسيطر من جديد على المدن التي خسرها.
 
وبالتالي فليس من السهولة  بمكان لإقليم  كردستان العراق نيل استقلاله  ولن تكون الدول الإقليمية  متهاونة في هذه المسألة المصيرية التي تهدد استقرار دول الجوار وكيانها المستقل والموحد.
 
رابعاً: ما بعد الرقة و دير الزور:
 
وبالعودة لأكراد سورية رغم تحالفهم مع واشنطن وتقدم قوات سورية الديمقراطية في أكثر من منطقة وإعلان الأكراد عن ما يسمى روج آفا في مارس 2016  ( منطقة غرب كردستان ) كمنطقة للإدارة الذاتية بحكم الأمر الواقع حيث تضم ثلاثة أقاليم الجزيرة وكوباني وعفرين، طبعاً هذه المناطق لاتعتبر بها دمشق الحكومة المركزية وهي أصلاً فرضت بعد خروج تنظيم داعش منها، طبعا كما جوبهت روج آفا من قبل  تركيا والتي تعتبر قوات حماية الشعب الكردي وحزب الاتحاد الديمقراطي كامتداد لحزب العمال الكردستاني،طبعاً الأكراد وكما أسلفنا يسعون لاستغلال الفرص مهما كانت الثمن، طبعاً قد لانستغزب بأن يكون هناك ضوء أخضر أمريكي وروسي بإقامة فدرالية في سورية ينال من خلالها الأكراد حكمهم الذاتي في المناطق التي يسيطرون عليها وبالتالي قد نكون ربما أمام سيناريو جديد " سايكس بيكو 2  ولكن هذه المرة بهندسة أمريكية وروسية، طبعاً لا ننكر بأن الأكراد استطاعوا محاربة داعش وطرده من عدة مدن كان قد سيطر عليها ولكن ذلك بفضل الأمريكان ودعمهم اللامتناهي لقوات سورية الديمقراطية وقوات حماية الشعب العمود الفقري فيها، ولكن الأكراد كغيرهم سيطلبون مكاسب جراء تضحيات كانوا قد قدموها في سبيل تحرير مدن سورية من تنظيم داعش الإرهابي ولكن السؤال المطروح هنا ماذا لو تم طرد تنظيم داعش من مدينة الرقة ما هو مصير المدينة وهل سيقوم الأكراد بضم الرقة إلى إقليم غرب كردستان سورية ؟.
 
أهمية مدينة الرقة بالنسبة للجميع:
 
تتمتع محافظة الرقة بموقع متميز في الجغرافية السورية فهي تقع في حدود سورية الشرقية وطبعاً هي غنية بالثروة الزراعية والحيوانية والمائية هذا ناهيك عن قربها من الحدود العراقية، وبالتالي تشكل الرقة بالنسبة للأكراد نقطة استراتيجية، وهم لم يخفوا حلمهم بضم الرقة إلى غرب كردستان بغية إقامة حلمهم القومي الأكبر ووصل كردستان العراق بكردستان سورية عبر الرقة، ولكن الرقة ليست تلك المدينة ذات الغالبية الكردية فهي عبارة عن مدينة ذات غالبية عربية تنتمي لعشائر عربية، طبعا قوات قسد كانت تتسابق مع الولايات المتحدة من أجل السيطرة على الرقة لمنع سورية والدول الحليفة كأيران من الوصول لدير الزور، إلى أن فك الحصار عن مدينة دير الزور من قبل الجيش العربي السوري وحلفاءه قطع الطريق على قوات قسد ومن وراءها الولايات المتحدة للسيطرة على كامل الشروط الحدودي مع العراق، طبعاً الرقة مهمة للجميع، ومع أن المقارنة هنا مستحيلة، فالرقة مدينة سورية وليست ملك لأحد، ولا يعني تحريرها من تنظيم داعش بأن القوى التي ساهمت في ذلك سوف تكون هي لها كلمة الفصل في نظام الحكم فيها أو في استقلالها عن الوطن الأم، المخطط الأمريكي واضح، وهو تفتيت سورية إلى دويلات من خلال مايسمى بالفيدرالية والتي وعد فيها الكرد بدولة  مستقلة، الكرد في سورية هم سوريون كغيرهم من الأقليات الأخرى كالآشوريين والسيريان والأرمن والعلويين، وبالتالي تواجد أقلية معينة في منطقة ما لا يعطيها الحق بالاستقلال عن الدولة الأم على أساس عرقي بحت، ولو رجعنا إلى الوثائق التاريخية لوجدنا بأن أكراد سورية لايتجاوز عددهم المليون والنصف وأغلبهم كانوا قد هاجروا من جنوب تركيا إلى شمال وشرق سورية بعد إعلان كمال أتاتورك  تأسيس الجمهورية التركية عبر اتفاقية لوزان.
 
خاتمة: ماذا لو انفصلت كردستان العراق؟
 
من غير المستغرب أن نرى بأن إسرائيل تدعم استقلال كردستان العراق، فهي تريد قطع الحدود ما بين إيران والعراق، وبالتالي فإن استقلال إقليم كردستان العراق قد يكون البداية لتقسيم العراق، ومن ثم لتحريض وإشغال الإيرانيين بالقضية الكردية، كذلك لاستفزاز أنقرة وحملها على التدخل عسكرياً لمنع قيام كيان كردي مستقل قد يشجع أكراد تركيا الذين لطالما طالبوا باستقلالهم عن تركيا وخاصةً أنهم  كعديد  لابأس به مقارنة بسورية وإيران، وبالتالي نحن الأن أمام مشهد جديد يجتاح منطقة الشرق الأوسط وعنوانه الجديد سايكس بيكو " ملحق" أو ثاني  لما لم يتم تحقيقه في سايكس  بيكو الأول بحيث يكون هذه المرة الكرد قاطبة فيه عبارة عن  حجر الشطرنج الذي تستطيع من خلاله الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة بداية إعلان خارطة جديدة للشرق الأوسط تبدأ من كردستان العراق لتنتهي بفدرلة سورية وربما تقسيم تركيا لاحقاً.
=============================================
المراجع المعتمدة:
 
-      كتاب محمد أمين زكي نقله إلى العربية  الدكتور محمد أحمد عوني عام 1936 / طبع عام 93
-      كتاب الأكراد تاريخ شعب وقضية وطن/ الدار الثقافية للنشر 2002
·       مقال بقلم حنان أخميس / كانون الثاني / janvier 2004
·       كتاب آريا القديمة وكوردستان الأبدية ( الكرد من أقدم الشعوب) تأليف الكاتبة الروسية صلوات كولياموف ترجمه عن الروسية الدكتور اسماعيل حصاف/ الطبعة الأولى 2011 / صفحة 564
·       كتاب تاريخ الأكراد في سورية الحالية قديماً وحديثاً، بقلم آرباكسي/ 2017 أون لاين
·       كتاب تاريخ كردستان ( الجزء الأول) تأليف جكر خوين، ترجمة خالص مسور، المجلد الأول / استوكهولم 1985/ مطبعة آميرال بيروت/ لبنان طبعة أولى عام 1996.
·       مقال ، مستقبل الكورد في سورية بعد هزيمة داعش، زارا صالح،
·       www.Rudaw.net/26/04/2016
·       نظام فدرالي في سورية، مقال لسهام أشطو، 18/03/2016/ www.dw.com
·       فيدرالية كرد سورية ودولة كردستان،ياسين طه NRT/ / www.nrttv.com
·       اتفاق أمريكي كردي، موقع صحيفة رأي اليوم الالكترونية ، مريم حجاب.
 

الملف الكردي: رؤية لهذا الملف وطرق التعاطي معه

 
د. مخلص الصيادي
 
كشفت تطورات الوضع السوري وبشكل تدريجي عن الأبعاد الحقيقية للمشروع الكردي الذي يصنع على الأرض السورية، مدخلا لإنفاذ هذا المشروع على المستوى الاقليمي كله، ومعنى الإقليم هنا يضم، سوريا والعراق وتركيا وايران، وما سيؤدي ذلك الى انعكاسات على الجغرافيا السياسية لمنطقنا كلها: العربية والاسلامية.
 
وحتى يكون تعرضنا لهذه المسألة دقيق لا بد بداية من تحديد بعض المفاهيم:
 
** فنحن حين نتحدث عن الملف الكردي لا نتحدث عن المكون الكردي في بنية الأمة العربية، ولا على المكون الكردي في بنية الشعب أو المجتمع السوري، ذلك أن هذا المكون هو أصيل الوجود والأثر في هذه الأمة وهذا الشعب، بل إنه ساهم مساهمة فاعلة ليس في تاريخ الأمة، وإنما في وجودها، المادي والثقافي والجغرافي، والذي يريد أن يتلمس ذلك فالتاريخ الممتد منذ الفتح الاسلامي حتى يومنا هذا يقدم شواهد لا تحصى على ذلك، ويقدم أسماء لامعة ومبدعة لاتخفى على أحد، ولم يكن دور المكون الكردي في تاريخ الأمة العربية والشعب السوري وحيدا، أو استثناء، وإنما هو واحد من المكونات العديدة لهذه الأمة، ولهذا الشعب، شأنه في ذلك شأن المكونات الأخرى القومية والدينية والجهوية " الأمازيغية ، والإفريقية، والقبطية، والآشورية، والمملوكية، والتركمانية ..." التي بنى تفاعلها مع الحركة التاريخية للفتح الاسلامي، ومع الحضارة التي بناها هذا الفتح، وجود هذه الأمة، ومكنها من مواجهة الظروف والتحديات العنيفة التي واجهتها على امتداد خمسة عشر قرنا.
 
وفي هذا المستوى، فالمكون الكردي جزء منا ونحن جزء منه، اقتطاعه من جسد الأمة يكاد يكون مستحيلا، وذلك لأن من المستحيل عزل جزء من هذه الأمة والقول بأن هؤلاء هم الأكراد وغيرهم ليس كذلك، أو عزل جزء من الجغرافيا الوطنية أو القومية، والقول أن هذه أرض الأكراد وغيرها ليس كذلك، أو عزل جزء من تاريخ الأمة الوطني والقومي، واعتباره تاريخا للأكراد، وغيره تاريخا لغيرهم، ومثل هذا الأمر عبث لا يستطيع الإقدام عليه إلا أولئك المؤمنين بالنظرية العنصرية في تكوين الشعوب والأمم، والنظرية العنصرية، نظرية خاطئة علميا، ومزدراة أخلاقيا، وقدمت للتاريخ الإنساني أبشع صور السلوك الاجتماعي،  وأقرب هذه الصور وأكثرها حضوراً في الوقت الراهن: النازية، ونظم إفريقيا العنصرية البيضاء، والصهيونية.
 
إذن نحن لا نتحدث عن المكون الكردي في هذا الإطار الطبيعي التاريخي والحضاري للأمة العربية والشعب السوري.
 
حديثنا عن الملف الكردي حديث يخص ما يقوم به شطر مؤثر من القيادات السياسية الكردية لتخليق "مسألة كردية"، قائمة على إدعاء بمظلومية تاريخية، يرون أن لا حل لها  إلا بوجود كيان سياسي موحد لهذا المكون، ولأجل هذه الغاية سوغت هذه القيادات لنفسها مختلف أنواع التحالفات، والعلاقات، والمسالك.
 
** كذلك فإننا حين نتحدث عن الملف الكردي، لا نتحدث دحضا أو تأكيدا لوجود ظلم وقع على الأكراد من السلطات المختلفة التي مرت على الأقاليم العربية التي ينتشر فيها هذا المكون القومي، فالباحث لا يجد صعوبة في اكتشاف أن حديث القيادات الكردية الراهنة عن "الظلم الواقع على الأكراد"، هو حديث لاحق لنشاطهم في تخليق المسألة أو الملف الكردي.
 
ليس في تاريخ المنطقة ظلم وقع على الأكراد من حيث كونهم  أكراد، لسبب بسيط هو أنه لم يوجد في سوريا يوما ما نظام قومي عنصري، ومشاركة السوريين من أصل كردي في حكم سوريا، والسيطرة على مقدراتها: سياسيا، وثقافيا، ودينيا، واقتصاديا، أمر مشهود، والتدقيق في هذه المسألة يوصلنا إلى نتيجة واحدة، أن الظلم الذي وقع على المناطق الفقيرة ذات الأغلبية الكردية إنما وقع في إطار تفاعل عوامل محددة:
 
1ـ عامل سلطة مركزية ظلمت كل المناطق النائية أو الجبلية الفقيرة، بغض النظر عن المكون البشري لهذه المناطق، يستوي في ذلك ما إذا هذا المكون كردي أو علوي، أو درزي، أو آشوري، أو عربي، أو غير ذلك من المكونات الوطنية.
 
2ـ  عامل سلطة محلية تنتمي إلى المكون الاجتماعي السكاني نفسه، ظلمت هذه المناطق وأهلها، واعتاشت وبنت ثرواتها من نتائج هذا الظلم والاستغلال، فقد كان الأغوات الأكراد السوط الذي يجلد ظهور الفلاحين الأكراد، كما كان البكوات أدة قهر الفلاحين في الغاب وريف حلب وريف حماة، وكما كان شيوخ العشائر يعاملون الشوايا، وفقراء القبائل، في الجزيرة والحسكة والرقة.
 
وكان هؤلاء هم ممثلو السلطة المركزية وأدواتها في إيقاع الظلم والتخلف وتدني الخدمات المقدمة إلى هذه المناطق، بل إن وجوه هؤلاء انتقلوا إلى الحكومات المركزية مشاركين فيها، وفي المجالس النيابية، ودخلوا أجهزة الأمن والجيش لتوطيد هذا الظلم والتمكين لسلطانهم على الأرض.
 
الذين يريدون أن يُخَلقوا " المسألة الكردية " في سوريا يتناسون عامدين أن الظلم الذي وقع على الأكراد  في مسألة إحصاء 23 آب/ أغسطس  1962 الخاص بمحافظة الحسكة حين تم تجاهل تسجيل آلاف منهم، لم يحدث وقادة الأكراد في صفوف المعارضة، وإنما حدث تحت سمع وبصر ومعرفة هؤلاء القادة الذين كانوا يبسطون سيطرتهم في تلك المناطق، وكانوا يشاركون في السلطة المركزية بدمشق، وهي سلطة الانفصال التي أقيمت عقب جريمة فصل سوريا عن الجمهورية العربية المتحدة في 28 ايلول/ سبتمبر 1961. ولم يعرف لأي قائد كردي موقفا معترضا على ذلك الاحصاء، أو موقفا من السلطة التي أجرته.
 
والغريب أن هؤلاء يرجعون هذه الخطيئة الى فكر جمال عبد الناصر ويدّعون في دعايتهم الراهنة، أنه في سياساته "حرم الأكراد  من التعليم، ومن تقلَد المناصب، العمل في المؤسسات وحتى السفر خارج البلاد، "حسب وكالة أنباء هاوار الكردية السورية"،  وهذا كله محض افتراء، ولم يشأ هؤلاء أن يتنبهوا إلى حقيقة أنه في عهد الوحدة لم يكن لهذه التقسيمات أي قيمة مؤثرة على السياسات الاجتماعية والاقتصادية، وعلى التعيينات السياسية والعسكرية والأمنية والتعليمية والإدارية والقضائية، ولم يشأ هؤلاء أن ينتبهوا إلى أن عدداً من  قيادات الحركة الناصرية التي قاومت الانفصال منذ اليوم الأول كانت من الأصول كردية، وأن الجمهورية العربية المتحدة وقيادتها هي الدولة العربية الوحيدة التي فتحت اذاعة ناطقة بالكردية عام 1957، واستقبل جمال عبد الناصر القيادات الكردية العراقية في القاهرة، وفي مقدمتهم الملا مصطفى البرزاني عام 1958، وساهمت القاهرة مساهمة فاعلة في وقف المعارك التي كانت تجري بين المقاتلين الأكراد والسلطة المركزية في بغداد.كما ساهمت في جهود صوغ اتفاقية مصالحة وحكم ذاتي بين الأكراد وسلطة بغداد، وقد ذكر الزعيم الكردي جلال طالباني  الذي استقبله  جمال عبد الناصر في القاهرة عام 1963 أوجها عدة من مواقف وتوجيهات حمال عبد الناصر بشأن المسألة الكردية في العراق، وذلك فى كتابه "كردستان والحركة التحررية القومية الكردية".
 
3ـ وأن القيادات الكردية كانت حاضرة دائما في السلطة القائمة في دمشق،  السلطة السياسية والدينية والثقافية والاقتصادية، لم تغب عنها أبدا، بل إن قطاعات من هذه السلطة "مثل الافتاء والتوجيه الديني" كان شبه محتكر لهذا المكون، وفي سلطة البعث، وخصوصا حينما تسلم حافظ الأسد الحكم في دمشق كان للقيادات الكردية حضورها وتأثيرها في الحكومة وقطاعات الأمن والجيش والإعلام والتوجيه الديني.... الخ، نقول هذا دون أن نغفل أن سياسة البعث في هذه المراحل كانت في عمقها سياسات طائفية، تمييزية، وبمثل هذه السياسات لا بد ان يحدث صدام وظلم وضحايا من هذه الطائفة أو تلك، بما في ذلك المكون الطائفي الرئيسي للنظام، أي المكون العلوي، ذلك أن النظام الطائفي هو بطبيعته نظام استغلال واستبداد وتمييز.
 
**  ومن المهم أن نستحضر في هذا المقام  أن فكرة الوطنية، لا علاقة لها بالظلم والعدل، وإن حاولت جهات عديدة وفي مراحل متعددة من التاريخ، وإزاء أوضاع مختلفة أن تتخذ من مسألة "الظلم والاستبداد " متكأ للإنفكاك من الرابط الوطني، ذلك أن الظلم الاستبداد نتاج نظم قائمة، لا تلبث أن تزول، أما الوطنية فهي تعبير عن ارتباط وثيق بالأرض والشعب والتاريخ، بما يتضمنه ذلك من حضارة ودين وقيم، وهذه كلها ليست نتاج مرحلة معينة، ولا نتاج حكم معين، وبالتالي لا يجوز أن يمثل سلوك نظام أو نتائج مرحلة تبريراً  للتخلص من الانتماء الوطني.
 
كل الظلم الذي وقع على الأكراد في سوريا، والضحايا الذين سقطوا في المراحل المختلفة، لا يعادل شيئا بالقياس لما قاسته مدينة مثل حماة على يد النظام البعثي في الثمانينات، وأنا هنا لا أتحدث عن الصراع العسكري السياسي بين الاخوان المسلمين ونظام البعث، وإنما أتحدث عما أصاب المدينة والمدنيين من دمار وقتل بعشرات الالاف.
 
كل الضحايا والقتلى والدمار الذي حاق بالمناطق ذات الأغلبية الكردية، وبالسوريين من أصول كردية منذ تفجر الحراك الثوري السوري، سواء على يد النظام، أو على يد داعش وأمثالها، لا يعادل شيئا إزاء ما أصاب حمص أو درعا أو حلب أو دمشق وريفها، أو دير الزور، أو الرقة.
 
الظلم ليس مدعاة للتخلص والتحرر والانفكاك من الوطنية، والمواطنة ليست شراكة سياسية أو إدارية أو شراكة منفعة يمكن الفكاك منها في لحظة ما، إنها صناعة تاريخ طويل، وانتماء يتعدى الجزئيات ويذهب بعيداً في تكوين كل فرد، وكل جماعة.
 
وبسبب هذا المفهوم للوطنية كان هناك مفهوم الخيانة، وهو المقابل الموضوعي لمفهوم الوطنية، وليس بين المفهومين منطقة وسطى.
 
من طبائع الاجتماع الانساني أن توجد معارضة أو معارضات لأي حكم قائم، وأن تتنوع أشكال الصراع مع هذا الحكم وأدواته، من أشكال الصراع السياسي السلمي، إلى الصراع الدامي والعسكري، لكن هذا كله صراع مع نظام، يستهدف برامج إدارة الوطن والدولة،  وفي كل هذه الصراعات مهما بدت عنيفة ليس هناك خيانة لوطن ما دام الصراع ليس صراعا على الوطن نفسه،  وليس صراعا على الشعب نفسه، ولا صراعا على الأمة نفسها.
 
**  وإذا كان المكون الكردي جزءاً فاعلاً في بناء الأمة العربية ووجودها، شأنه في ذلك شأن المكونات الأخرى التي أشرنا إلى بعضها، فإن الفكاك من هذه العلاقة يحتاج إلى عملية تفكيك وتشويه، هو بتر للمكون نفسه أولا وقبل كل شيء، وللتاريخ والثقافة والواقع الاجتماعي والسياسي  للأمة والمنطقة.
 
المكون الكردي ساهم مع المكونات الأخرى بصناعة التاريخ الاسلامي: العربي أو العثماني أو الفارسي لهذه المنطقة، وبالتالي لا بد حتى يكون هناك تخليق لقومية كردية من تفكيك هذا التاريخ، وبالتالي النظر إليه من زاوية سيطرة استعمارية على"الشعب الكردي، والوطن الكردي" قام به العرب أو العثمانيون أو الفرس، ويصبح لزاما أن نقوم بعملية استلال للمساهمات الكردية في هذا التاريخ والعمل على إعادة ترتيبها في منظومة جديدة.
 
والمكون الكردي عامل رئيسي ـ شأنه شأن الكثير من المكونات الاخرى ـ للإسلام : العقيدة والشريعة والفقه والقيم، والتاريخ، الذي يبرز فيه دور خاص ومميز للعرب ولغتهم ووجودهم، ولا يستقيم بناء قومية كردية إلا بالتخلص من هذا العبء، لذلك فإن أصحاب الدعوات الأكثر تشددا في الصف السياسي الكردي، ويمثلها في سوريا  حزب الاتحاد الديموقراطي   "p y d" الشق أو النسخة السورية من حزب العمال الكردستاني في تركيا، يضعون الإسلام وراء ظهورهم، ويرفضون وجود أي من قيمه في حركتهم ورؤاهم.
 
وهذا الموقف  إزاء الإسلام  لا يقتصر على هؤلاء الأكراد، وإنما هو شأن كل الحركات التي قامت تريد تفتيت الأمة، ونذكر هنا تصريحا لزعيم الدعوة إلى إحياء البربرية في الجزائر سعيد سعدي زعيم "التجمع من أجل الثقافة والديموقراطية"، الذي نقلت الصحف الجزائرية عنه قوله: إن المشكلة الأصلية  ليست مع العرب في الجزائر، وإنما هي مع الاسلام، لأنه لولا الإسلام ما جاء العرب إلى الجزائر، وهو الذي أعلن أن حزبه اذا وصل إلى السلطة فسوف يغيّر بنود الدستور الجزائري، ومنها انتماء الجزائر إلى العالم العربي،  والبند الذي ينصّ على أن الاسلام هو دين الدولة في الجزائر،  والجميع يذكر أن قضية العروبة والاسلام كانت وجهين لقضية واحدة عمل لها الفرنسيون على مدى مائة وثلاثين عاما لمحو انتماء الجزائر شعبا وأرضا إلى أمته العربية وتاريخه الحضاري، أي أن موقف هذا الرجل يتطابق تماما مع موقف الاستعمار الفرنسي، ومع جهوده وسياساته المستمرة.
 
** كذلك فإن تخليق المسألة الكردية، على المنهج الذي نراه، يحتاج فيما يحتاج الى صناعة تاريخ خاص للمكون الكردي، يحمل في عمقه الصراع والتناقض مع التاريخ العام العربي والاسلامي للمنطقة، ويعمل على قطع هذا التاريخ ووصل ما قبل الفتح الاسلامي بما هو راهن الآن، وهذا يفرض بالتأكيد إعادة النظر جذريا بمساهمة هذا المكون في البناء الحضاري للأمة، وبتشويه تاريخ ونماذج القادة العظام الذين ساهموا مساهمة فاعلة في بناء هذا التاريخ سواء كان هؤلاء قادة سياسيون، أم علماء من مختلف الأصناف، أم قادة اجتماعيون، فإبقاء أنوار هؤلاء ساطعة في التاريخ العربي الإسلامي، وفي التاريخ المعاصر، مما يدحض العنصرية القومية التي استنادا إليها تبني هذه القيادات الكردية حركتها ومفاهيمها، هنا يصبح على درجة بالغة من الأهمية، تشويه صورة صلاح الدين الأيوبي وأمثاله، وصورة إبراهيم هنانو وأمثاله، وصورة المفكر والأديب السياسي محمد كرد علي وأمثاله، والقائمة لهؤلاء الأعلام طويلة يصعب حصرها،  وإعادة كتابة التاريخين القديم والحديث من هذا المنطلق، وتشويه صورة وعلاقة المكون الكردي مع حركة النهوض والوحدة العربية في العصر الحديث، وهو أمر بدأته قيادة "p y d"، عندما غيرت مناهج الدراسة في المناطق التي سيطرت عليها، ولعل الاحتجاجات التي خرجت في الحسكة ـ وهي مدينة نسبة العرب فيها تتجاوز 70 بالمائةـ يوم الجمعة  25 أغسطس / أب ضد فرض هذه المنهاج شاهد على ذلك. ولا تقتصر محاولة تشويه هذا التاريخ الممتد منذ الفتح الاسلامي إلى اليوم على  مثل هذه العنصرية الكردية، وإنما هو منهج متبع من قبل كل القوى العنصرية والطائفية في سوريا والعراق ومصر والجزائر والسودان، في إطار جهد ممنهج يستخدم العديد من وسائط التوجيه من محاولات إعادة كتابة التاريخ وبعض وقائعه، من انتاج الروايات والمسلسلات التي تستهدف تعزيز هذا الجهد، إلى الإتكاء على مراكز الأبحاث الغربية في تصدير تحليلات ورؤى لتاريخنا وراهننا، الى العديد من الذين يظهرون عبر الفضائيات كمحاضرين، أو محللين، أو باحثين، ليعلقوا على الأحداث المختلفة.
 
** وفي إطار التخلص من هذا الارتباط الحضاري والتلاحم السكاني كان لا بد أن يبحث هؤلاء عن حلفاء لهم، ومن الطبيعي أن يكون الحلفاء ممن يحملون النظرة نفسها إلى هذه الكتلة الحضارية والبشرية التي تغطي المنطقة كلها، نظرة العداء لها، والسعي إلى تفتيتها، والتصدي لأي محاولة نهوض تقوم فيها، وهنا يبرز دور الكيان الصهيوني، كحليف وكمثال يحتذى، ويبرز دور القوى الاستعمارية كلها.
 
ولم يعد خافيا دور قادة الكيان الصهوني، وأجهزة الاستخبارات الاسرائيلية في دعم الحركة الكردية منذ بداياتها زمن الملا مصطفى البرزاني، ثم خرج هذا الدعم إلى العلن حين أقيم إقليم كردستان العراق، بمساعدة مباشرة من الولايات المتحدة، والآن تبرز العلاقة بين هذه الكيانات الحزبية الكردية وبين الحركة الصهيونية في مجالات عدة، ويقيم هؤلاء مناطق سيطرتهم في سوريا بدعم مباشرة وحاسم من قوات الولايات المتحدة التي أقامت لها قواعد عسكرية في مناطق سيطرتهم.
 
إن لكل هذا نتيجة منطقية وهي تحويل " الكيان الاسرائيلي إلى صديق"، والتماهي معه في السياسات والأساليب والنظرة الى المحيط والجوار،  وهو أمر في أحد وجوهه استكمال لمنهج العداء لهذه الأمة، ولتاريخها وحاضرها ومستقبلها.
 
وقد يتوهم هؤلاء السياسيون الأكراد أن الأمريكيين والصهاينة أصدقاء فعليون لهم، لكن ذلك ليس حقيقيا، إنهم أعداء فعليون لأي قوة حقيقية تنبثق في المنطقة، لذلك فإن صداقتهم المقدمة لهؤلاء الساسة الأكراد ولمشروعهم لا تعدو أن تكون الصداقة المبنية على "واقع العداء لأمتنا ولمستقبلنا"، وهم على استعداد في أي وقت للتضحية بالأكراد جميعهم على مذبح مصالحهم، وهذا ما خلص إليه الكاتب العراقي الكردي نور الدين الجاف في مقالة  له في 24 / 8 / 2017  عن علاقة كردستان العراق مع الكيان الصهيوني.
 
المقالة تقطر ألما لمشاهد هذا التعاون "الكردي ـ الصهيوني" التي باتت منتشرة في مختلف وسائط التواصل الاجتماعي بعد أن كانت رهينة الوثائق المخفية، فبعد أن يستعرض مسيرة هذه العلاقة وكيف شكلت خيانة للعلاقة العربية الكردية، وللعراق: الكيان والمجتمع والدولة،  خلص إلى القول: "قد تؤسس دولة كرديه بمباركة (أسرائيل). (وأسرائيل)  لن تكون حليفا نداً لنا أبداً بل المحتل الذي ساعدناه ليدخل بلدنا وسيحتقرنا دوما ولن يأمن لنا وسيبيعنا بأول فرصة وبأرخص ثمن".
 
حجم المكون الكردي في سوريا:
 
من المهم ونحن نتحدث عن المشكلة الكردية أن نقدر حجم هذه المشكلة بالقياس للمكون الكردي العام، وبالقياس للمكون الكردي في سوريا، وإذا كان السكان من أصول كردية موزعين بين تركيا والعراق وايران وسوريا، فإنه يصبح من الضروري تكوين تصور أقرب ما يكون إلى الحقيقة للجغرافيا البشرية للمكون الكردي بين هذه الدول أو هذا الاقليم الممتد والواسع جغرافيا وبشريا، وكذلك لهذه الجغرافيا داخل سوريا على وجه الخصوص.
 
ولا شك فإن الوصول إلى تقديرات حقيقية جازمة لهذه الجغرافيا يعتبر أمرا صعبا لكن غير مستحيل،  وبعيدا عن التقديرات الموهومة والرغائبية، فإن تقديرات الإحصاء التي تعود على الغالب لعامي 2011، 2012  تشير إلى أن أعداد الأكراد في كل العالم تتراوح بين نحو 30 مليون و 38 مليون، وذهب موقع منتديات إقليم كردستان إلى رفع هذا الرقم في عدد الأكراد إلى55 مليون نسمة منهم 39 مليون نسمة في الأقاليم الأربعة المتجاورة تركيا والعراق وسوريا وإيران. والباقي مهاجرون.
وتتفق نسب توزيع الأكراد بين هذه الدول تقريبا، فالنسبة الكبرى للأكراد مستقرة في تركيا، وتصل إلى نحو 55 % من العدد الإجمالي للأكراد،أي أكثر من 21 مليون كردي، يلي ذلك إيران بنحو 12%  فالعراق 8%  فسوريا 6%، ووفق هذه النسب فإن عدد السكان من أصول كردية في سوريا  يتراوح بين مليون وسبعمائة ألف بتقدير عام 2012 في ويكيبيديا، ومليوني نسمة في موقع منتديات إقليم كردستان. وذلك من إجمالي عدد سكان سوريا المقدر عام 2012 بأكثر من 23 مليون نسمة. لكن دراسة موثقة ونقدية نشرها مهند الكاطع في موقع معهد العالم للدراسات بتاريخ 9 يوليو 2016 تحت عنوان "الجغرافيا البشرية للأكراد في سوريا" رصدت الوجود الكردي في مختلف مدن وأقضية وقرى سوريا، خلصت إلى نتيجة مفادها أن عدد السوريين من أصول كردية في سوريا لا يزيد عن  31،5% من عدد سكان سوريا أي أقل من 953 الف نسمة بحسب عدد سكان سوريا 18 مليون نسمة، أي نحو مليون وربع المليون من عدد سكان سوريا البالغ وفق احصاء 2012  أكثر من 23 مليون نسمة.
 
ومن هذا التعداد للأصول الكردية ما نسبته من السكان المحليين في محافظة الحسكة 28%  وتضم محافظة الحسكة ـ التي يبلغ عدد سكانها نحو مليون وستمائة الف نسمة ـ أقضية (الحكسة، القامشلي، راس العين، المالكية )، وفي محافظة حلب ـ وعدد سكانها يقترب من ستة ملايين نسمة ـ أكثر من 6% من السكان من أصول كردية، وذلك في ( حيي الأشرفية والشيخ مقصود بمدينة حلب، إضافة الى منطقتي عفرين، وعين العرب)، أما في دمشق فإن نسبة الأكراد لا تتجاوز  ثلاثة بالألف  من نسبة سكان مدينة دمشق.
 
ولا أورد تقديرات دراسة "الجغرافيا البشرية للأكراد في سوريا" تبنياً لها، ولكن لتوضيح حقيقة أن تعداد السكان من أصل كردي في سوريا هو بالتأكيد الأدنى بين الدول الأربع، ولتأكيد حقيقة عايشتها شخصياً في كل من القامشلي والرقة، حيث لم يكن الأكراد أكثر من حي في كل من المدينتين، وهم في الرقة مندمجون اندماجا كاملاً بمجتمع الرقة، ومتداخلون مع مكوناته بالمصاهرة، وبالتجارة، وبالعمل السياسي في الأحزاب المختلفة.
 
ومثل هذه الوجود الذي توضحه الاحصاءات للمكون الكردي في محافظتي الحسكة وحلب يعجز عن رسم خارطة جغرافية كردية متسقة في الجغرافيا السورية. إنهم جزر في قرى قليلة صغيرة العدد، أو أحياء متداخلة مع غيرها في المدن والأقضية الكبيرة، وإن ما يحدث الآن لخلق هذه الخارطة إنما يقوم على سياسة التهجير والعنف الذي تمارسه ميليشيا pyd   ضد المواطنين السوريين سواء كانت أصولهم عربية أو غير عربية. والتي من خلاله تحاول أن تقيم منطقة كردية تخضع لسيطرتها تمتد من حدود كردستان العراق الى البحر المتوسط.
 
نظرة إلى المستقبل:
 
هل يعني من كل ما سبق أنه لا توجد مشكلة كردية؟
 
بالتأكيد ليس من غايات هذا العرض الوصول إلى هذه النتيجة، فوجود مشكلة كردية في الإقليم الذي أشرنا إليه والذي يضم تركيا والعراق وإيران وسوريا، هو حقيقة ماثلة للعيان، ولها أسبابها المتشعبة، لكن وجود هذه المشكلة في سوريا ليست عميقة وليست عامة، وواقعها الشعبي والجغرافي محدود.
 
وتضخمت هذه المشكلة في الواقع السوري بفعل سياسات خاطئة للسلطات القائمة، وبفعل استغلال قيادات حزبية كردية لنتائج هذه السياسات، وبفعل تأثير الجوار الكردي في العراق وتركيا على المكون الكردي في سوريا.
 
إن حالة من السيولة الكردية كانت تموج في المنطقة، فكانت المناطق ذات الأغلبية الكردية في سوريا تستقبل أفواجا من أكراد العراق وتركيا كلما زاد الضغط عليهم في البلدين، وقد استخدم النظام السوري الورقة الكردية في صراعه مع النظامين التركي والعراقي، وفي إطار هذه السياسة آوى زعيم حزب العمال الكردستاني، منذ مطلع الثمانينات من القرن الماضي، ونمى ميليشياته المسلحة في معسكرات في البقاع اللبناني يوم أن كان هذا البقاع تحت السيطرة السورية أولا،  ثم في صحنايا ومواقع أخرى بريف دمشق، قبل أن يساهم في إيقاعه بأيدي المخابرات التركية في كينيا في  15 / 2 / 1999 بعد أن أخرجه من سوريا  في تشرين الأول/ أكتوبر 1998، وكان لهذا الاستغلال أثره في تضخيم هذه المشكلة، بل وفي إعطائها بعداً دراميا.
 
ويجب أن لا ننسى ونحن نتحدث عن تخليق مشكلة كردية أن نسلط الضوء على نظام الاستبداد الذي حكم وما زال سوريا منذ العام 1963، وتدعم بسياسات طائفية واضحة، وسياسات فساد غير مسبوقة ، وباستبداد متصاعد منذ العام 1970 حين تسلم حافظ الأسد السلطة في سوريا.
 
فبعد أن فعل ما فعل بالزعيم الكردي التركي عبد الله أوجلان، انقلب الى الداخل فبدأ التنكيل بالاكراد، اتقاء لردات فعلهم على ما حدث لزعيمهم، وظنا منه أنه بذلك يقدم دليلا للأتراك على التزامه باتفاقية أضنة التي أبرمهما معهم بهذا الشأن وبرعاية مباشرة من مصر.
 
وهناك اشارات استفهام قوية حول مسؤولية ودور النظام السوري إزاء أحداث القامشلي في مارس 12 مارس/ آذار 2004، حينما تفجرت اشتباكات عرقية على خلفية مباراة في كرة القدم، ما أسفر عن مقتل ستة من العرب واثنا عشر كرديا حسب التقديرات الرسمية، بعد أن انتشر العنف الى مناطق عدة في محافظة الحسكة وغيرها. وقد عمد النظام إلى افشال جهود أحزاب المعارضة السورية في إطفاء نار هذه الفتنة.
 
وحينما تصاعد الحراك الثوري في سوريا، واشتركت فيها العديد من الأحزاب الكردية، أعلن النظام السوري عن تجنيس عشرات الآلاف من الأكراد،  ما بدا واضحاً في حينه أنه بمثابة رشوة لهذه الأحزاب حتى تنأى بنفسها عن  المشاركة في الحراك الثوري الذي انطلق في 11 / 3 / 2011.
 
وفي تتبع دور النظام السوري في تخليق " المشكلة الكردية وتنميتها" لا بد من ملاحظة حالة التخادم الثابت والمتصاعد بين النظام السوري، وقوات pyd   الكردية منذ انطلاق ذلك الحراك الثوري، بحيث بات النظام يتنازل لمسلحي هذا التنظيم عن المناطق التي يزداد فيها ضغط قوى المعارضة السورية المسلحة عليه، والتخادم بين الطرفين موثق ميدانيا، وموثق بالتصريحات الرسمية للمسؤولين السوريين الأمنيين والسياسيين.
 
وفي إطار تخليق هذه المشكلة في سوريا يجب أن لاننسى أيضا الدور الأمريكي الذي كان منذ إحكام الحصار على العراق، ثم منذ احتلاله، يعمل جاهدا على تحريض الأحزاب الكردية لتكون خارج سياق النضال الوطني السوري، وقد فعل الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب ، وجورج بوش الإبن الكثير في هذا الإطار، وهما يسعيان إلى الضغط على النظام السوري لوقف مرور مقاتلي المقاومة العراقية عبر سوريا إلى العراق إثر احتلاله، ومنهم مقاتلو القاعدة.
 
قواعد النظر في الملف الكردي:
 
بعد هذا الاستعراض نشير الى أننا حين التعاطي مع الملف الكردي لا بد من الانطلاق من ثلاث مرتكزات:
 
المرتكز الأول  : التاريخ وما يؤكده من حقائق ويفرضه من مفاهيم.
 
المرتكزالثاني : الجغرافيا السياسية وما تسمح به من حدود و حلول.
 
المرتكز الثالث: العصر  وما يفرضه من حدود وأساليب وقيم.
 
 المسألة الكردية يجب أن تعالج آخذة بالاعتبار هذه الركائز الثلاثة، ويمكن أن نضرب أمثلة على بعض ما تعنيه هذه الركائز:
 
فالتاريخ: يفرض أن يكون أي حل للمسألة الكردية متفق مع كون تاريخ هذه المنطقة هو نتاج حركة وتفاعل مكونات شعوبها فهي مجتمعة صنعت حضارة المنطقة، واعتنقت الدين نفسه بكل قيمه ومفاهيمه وعقله الكلي، والدين المقصود هنا هو الدين الاسلامي الذي كان باستمرار دين الأغلبية العظمى لمكونات شعوب المنطقة، ولغة هذا الدين هي اللغة العربية التي كتب بها القسم الأكبر من النتاج الحضاري لهذه الامة، وحفظ بها القرآن الكريم الكتاب المقدس للمسلمين، وهو المكون الرئسي لتاريخهم وقيمهم.
 
كل حل للمسألة الكردية ـ أو أي مسألة أخرى من هذه الطبيعة ـ لا تأخذ في الاعتبار ما أشرنا إليه لايمكن أن يمثل حلا ذا قيمة لا للأكراد ولا لشعوب المنطقة ومصالحها. لأنه سيكون بالتأكيد حلا معاديا لموجبات هذا التاريخ، وهو حل لا يمكن الوصول إليه إلا باستخدام القوة المفرطة وإلا بالاعتماد على قوة خارجية ترى في فرض هذا الحل المعادي مصلحة لها.
 
الجغرافيا السياسية: لها أيضا فرائضها القاسية، وهذه الفرائض شديدة الوضوح فيما يتصل بالمسألة الكردية، فالمكون الكردي موزع  في أربع من دول المنطقة وهي : تركيا والعراق وايران وسوريا ، وهو داخل هذه الدول موزع على امتداد جغرافية هذه الدول، وبالتالي فإن أي محاولة لفرض ولادة دولة كردية مباشرة أو على مراحل تعني بدقة وبدون أي تزويق تفكيك هذه الدول وإعادة رسم خرائط جديدة للمنطقة.
 
ولما كان هذا مستحيل بجهود القوى السياسية الكردية التي تحمل هذه النظرة فإن تعاونها وتحالفها مع اعداء هذه المنطقة وشعوبها يصبح امرا  لا خيار فيه للوصول  للحل الكردي المستهدف.
 
لقد احتاج المشروع الكردي الانفصالي في العراق إلى غزو العراق واحتلاله وتدميره على نحو مانشهد، وإلى رعاية أمريكية إسرائيلية مباشرة كي يصل إلى ما وصل إليه.
 
واحتاج المشروع الكردي في سوريا إلى دمار هذا البلد، ونزول القوات الأمريكية على أرضه، ووصول الوضع فيه نتيجة التدخلات الخارجية ودموية نظامه واستبداده وفساده، إلى حدود التقسيم، كي يفصح أصحاب المشروع الكردي في سوريا عن أهدافهم الحقيقية.
 
وفي مخطط العقل السياسي الكردي أن استكمال هذا المشروع يستوجب الشيء نفسه في تركيا وفي ايران، ومثل هذه الرؤية تتناقض مع حقائق الجغرافيا السياسية، وهي تحتاج إلى تغييرات دموية صارخة في المنطقة كلها، واذا حدثت يوما ما فستكون على بحر من الدماء وعلى قاعدة من العداء للمنطقة وتاريخها لا سابق لها.
الجغرافيا السياسية تفرض أن تتحول المسألة الكردية إلى ملاط يشد دول المنطقة وشعوبها إلى بعضهم بعضا لتصنع منها وحدة عمل وبناء وتفاعل حضاري، لكن حين يراد أن تتحول هذه المسالة الى أداة تفتيت، فنحن أمام كارثة.
 
ولعل من المفيد للباحث والقائد السياسي الوقوف على ما انتهت إليه حركة الباسك الممتدة بين فرنسا واسبانيا، واقتناع قادتها بأن الانطلاق من فكرة الانفصال وتغيير جغرافية تلك المنطقة مما يخالف فروض الجغرافيا السياسية، ويخلق حالة توتر وعداء لا مبرر لها ولا ضرورة، وأن البديل الحقيقي هو العمل على توفير شروط التطور الديموقرطي لهذا المكون  داخل فرنسا وداخل اسبانيا.
 
والجغرافيا السياسية داخل كل دولة من الدول الأربعة تفرض أن يتحقق في الدولة الواحدة منطقة يتحقق فيها وجود هذا المكون بشكل طبيعي، وهو أمر مفتقد في سوريا على وجه التحديد، وذلك أن يكون قرار إنشاء كيان كردي أو إقليم كردي داخل الدولة قرارا للشعب كله، لكل مكونات هذه الشعب، وليس للمكون الكردي، مطلوب أن يولد كيان متصالح مع محيطه ومع تاريخه، وهذا لايتحقق إلا برؤية يتفق عليها أبناء هذا الوطن.
 
إقامة "اقليم كردي" لايمكن أن يأتي من قبيل " تحرير منطقة محتلة " وإنما هو من قبيل تطلع منطقة في جسم الدولة والوطن لإغناء مميزاتها وخصائص أبنائها، وتحقيق التنمية الأوفر لها، وهذا ما يجب أن يقرره أبناء الوطن كله.
 
إن إقامة إقليم على قاعدة ومفاهيم التحرير يعني مباشرة خلق حالة عداء، أما إقامة ذلك على قاعدة التميز والتسابق في التنمية وإغناء الخصائص فإن من شأن هذا أن يشد أطراف الوطن إلى بعضه بعضا ويجعله في سباق مع التقدم والعدل والديموقراطية.
 
أما الزمن : وما يفرضه من حدود لأي تحرك  فهو كثير، و يكفي أن نشير هنا إلى أن فكرة انتزاع التمثيل الشعبي بالقوة لم يعد لها نصيب في الحياة.
وفرض وجود مسألة كردية، وتصنيع تاريخ لها، ومحاولة عزلها عن محيطها، وادعاء أن هذه الرؤية أو تلك تمثل" الشعب الكردي"، فإن هذا سلوك عصبوي  استبدادي فات زمانه، ولأنه يخالف حقائق العصر فإنه لا يمكن فرضه على الأكراد أنفسهم إلا بالقوة القاهرة.
 
من قال إن حزب العمال الكردستاني في تركيا أو نظيره في سوريا يمثل الاكراد ؟!.
 
نحن نعاين ونتابع القهر الذي يمارس ضد الأكراد أنفسهم، كما نعاين ونتابع عمليات التهجير والتطهير  العرقي الذي يمارسه هؤلاء في المناطق التي سبطروا عليها في سوريا، ولا تقتصر هذه الممارسة على المدن والبلدات التي سيطروا علبها بالكامل، وإنما أيضا على الأحياء التي سيطروا عليها في المدن الكبرى مثل حلب.
هل أكراد حلب أو دمشق أو الرقة يريدون فعلا كيانا خاصا بهم ، ؟!
 
من أعطى هذا الحزب الكردي أو ذاك الحق في التحدث باسم المكون الكردي، من يقوم بهذا الآن إنما يتماهى في سلوكه مع سلوك النظام السوري، الذي قتل وشرد واعتقل ودمر ومع ذلك ما زال يقول إنه يمثل الشعب السوري، ومثل هذا السلوك ما عاد مقبولا.
 
خلاصة الرؤية للمسألة الكردية:
 
يجب تأكيد أن ولادة دولة كردية طبيعية لا يمثل من حيث المبدأ أي مشكلة للعروبيين في سوريا، ويجب أن لا يمثل أي مشكلة لدول المنطقة ذات الشأن، لكن لذلك شروطا لابد من توفرها:
 
1ـ لابد أن تأتي ولادة هذه الدولة في إطار الانتماء الى المنطقة: تاريخها، وشعوبها، ودولها،وتطلعاتها، وإلا فستكون منذ اللحظة الأولى دولة عدوة، فيها بعض من أوجه دولة الكيان الصهيوني.
 
الاسلام مكون رئيسي لشعوب المنطقة ودولها، لذاكرتها، وتاريخها، وحضارتها، وقيمها، لا يمكن العداء له، كما لا يمكن العداء للغة القرآن، للعربية، حاملة الوزن الأكبر من الناتج الحضاري العام للشعوب الاسلامية، ولمكونات هذه الشعوب، والمكون الكردي أحدها.
 
2ـ لا بد أن تقوم هذه الدولة على إرادة شعبية حرة ، إرادة متحققة للمكون الكردي، ولمكونات شعوب المنطقة الأخرى، وإلا فستمثل انسلاخا داميا لا يمكن توقع مدى ما سيحدثه من كوارث. والإرادة الحرة تعني في جوهرها عملية ديموقراطية يساهم فيها الجميع، لا بد أن يوافق السوريون ـ كما الأتراك والعراقيون والايرانيون ـ وبالارادة الحرة على أي شكل سيختاره المكون الكردي للعلاقة مع الوطن السوري، ليس هناك مشكلة في أن يقر السوريون جميعهم أن يكون هناك إقليم خاص أو مستقل للأكراد السوريين، على جزء محدد من الوطن والجغرافيا السورية.
 
دون هذه الإرادة الحرة الواضحة، سنكون أمام حالة اختطاف للمكون الكردي من جسد الأمة، وللإقليم الكردي المقام على جزء من جغرافية الوطن السوري، وهذا أمر فيه اعتداء صارخ على الأطراف الثلاثة: على المكون الكردي السوري، وعلى الشعب السوري، وعلى الوطن والجغرافيا السورية، ناهيك عن كونه اعتداء على الأمة العربية وأرضها.
 
3ـ لا بد أن تكون ولادة هذه الدولة أو هذا الاقليم، في إطار توافق مع الدول الأخرى ذات الشأن، خصوصا وأن القسم الأكبر من المكون الكردي لا يوجد في سوريا، وإنما في تركيا، ثم في العراق ، وفي ايران، وتأتي سوريا في آخر القائمة، ودون ذلك فإن مثل هذه الولادة في سوريا ستشكل تهديدا للأمن القومي للدول الأخرى,
إن هذه أحدى ضرورات ولادة دولة طبيعية للمكون الكردي في المنطقة، إنها فريضة الجغرافيا السياسية لهذا المكون، وهي نتاج التاريخ المشترك والحضاري للمنطقة، وهو تاريخ بقيت النظم والدول فيه  ولأكثر من أربعة عشر قرنا تأخذ مشروعيتها من الانتماء للإسلام، واستنادا لهذه الحقيقة لم يعتبر الفتح الاسلامي والدول المتعاقبة فيه: الراشدية، والأموية، والعباسية، والسلطنات المملوكية، والدول المتتابعة، والدولة العثمانية،  دول استعمارية، ما دامت منتمية لهذا الدين، وتريد خير وحماية هذه المجتمعات.
 
لا يجوز ولا يقبل التطلع إلى بناء دولة للمكون الكردي على أنقاض الدول القائمة، أو من خلال تفكيكها، فهذا مطمح استعماري صهيوني قديم جديد لا يمثل خيرا لأي مكون من مكونات شعوب وأمم المنطقة.
 
4ـ لا يمكن قبول ولادة كيان جديدة على قاعدة التطهير العرقي، والتهجير، واستلاب المناطق والأراضي بالقوة والعنف والدعم الخارجي، وذلك بغرض توفير مستلزمات الحياة والتواصل الجغرافي لهذا الإقليم، أو توفير ثروات باطن الأرض له.
 
إن القيادات السياسية الكردية المشار إليها تنهج هذا النهج في سوريا وفي العراق أيضا،  ومحاولة pyd   السيطرة على طول الحدود التركية السورية وفتح ممر يوصلهم الى البحر المتوسط، هو من هذا القبيل.
 
لكل ما سبق إذ نقول بأنه لا مشكلة في ولادة كيان كردي تتحقق فيه الشروط السابقة، نقول أيضا، إن كل ما خلقته القوى السياسية الكردية بشأن الكيان الكردي  لا يوفر مثل هذه الولادة، لا الآن ولا مستقبلا، وأن الحل الحقيقي للمسألة الكردية، هو في النظر إليها في إطار الدول والمجتمعات الأربع القائمة كلا على حدة، وبما يحافظ على الوحدة الجغرافية والسكانية لهذه المجتمعات، ويوفر في الوقت نفسه كل مجالات العمل والنمو الاجتماعي والثقافي، والتفاعل الديموقراطي، لكل مكونات هذه المجتمعات، وعلى قاعدة المواطنة المتساوية دون تمميز أو إقصاء أو غبن، وفي مقدمة هذه المكونات يأتي المكون الكردي، كما يوفر هذا الحل واستنادا الى توزع المكون الكردي قاعدة من الجغرافيا البشرية للتعاون والتعاضد بين هذه المجتمعات الأربع.
 
في هذا الإطار الحر الديموقراطي والطبيعي، المتسق مع التاريخ ومع الجغرافيا السياسية يمكن حل " المشكلة الكردية" وكل مشكلة أخرى من هذا القبيل.
الأكراد منا ونحن منهم، ولا يمكن قبول أي حل لا ينمي ويرسخ هذه العلاقة التاريخية الحضارية والروحية الوثيقة، وكل حل لا يحقق هذه العلاقة  هو في عمقه عدوان على المكون الكردي حاضره ومستقبله، بمثل ما هو عدوان على المكون العربي، حاضره ومستقبله.
============================= 
*الشارقة - 30 / 8 / 2017

الرهان على عودة الروح الى الجسد العربي

 
افتتحت مكتبة "الحكمة" في العاصمة الأميركية واشنطن الموسم الثقافي للعام الحالي بأمسية ثقافية فنية بالتعاون مع نقابة الفنانين العراقيين في أميركا. وهكذا يؤكد صاحب مكتبة "الحكمة" السيد ضياء السعداوي نهجه الثابت في دعم وتعزيز نشاطات الجالية العربية في مختلف المجالات الثقافية والفنية والأدبية لترسيخ تقاليد تهدف إلى المحافظة على الثقافة العربية في المغترب الأميركي فضلا عن التعريف بالتاريخ العربي والاسلامي ودورهما في الحضارة الإنسانية.
وأكد السيد السعداوي في كلمة الافتتاح اصراره على المضي قدما في مشروعه الثقافي والانساني ليسهم ولو بالنزر اليسير في مناقشة التحديات الخطيرة التي تمر بها البلدان العربية ومنطقة الشرق الأوسط. وأشار السعداوي في كلمته إلى أهمية التركيز على النقاط المضيئة في التاريخ والاستفادة منها في مواجهة حالة الاحباط والتراجع التي تشهدها الثقافة العربية، مشددا على ضرورة أن يكون للوعي والعقل الانساني الدور الأكبر في رسم ملامح المستقبل للبلدان العربية.   
وأرتأى موقع "صوت الحكمة" نشر كلمة السيد ضياء السعداوي للاستفادة مما ورد فيها من مضامين وأفكار وتصورات.
السلام عليكم أيها الأخوة والأخوات الأعزاء،
نلتقي اليوم مرة أخرى في مكتبة الحكمة ضمن فعالياتها وأنشطتها الثقافية والفكرية والأدبية في أمسية ثقافية وفنية وبالتعاون مع نقابة الفنانين العراقيين في امريكا حيث يشاركنا اليوم الفنان والممثل المسرحي القدير ريكاردوس يوسف حفيد الحضارة العراقية القديمة السريانية والأشورية والبابلية والكلدانية وكذلك مع أبن العراق أبن السماوة التي أنطلقت منها شرارة ثورة العشرين وبناء أستقلال العراق والدولة العراقية الحديثة المطرب والملحن رعد بركات. الفنانان هما ليسا من الرموز الفنية العراقية المتميزة فقط وكما أطلعتم على سيرتهم الذاتية من خلال الدعوة لهذه الأمسية الحافلة بالأعمال الكبيرة وكذلك بما يتميزان به من حس أنساني وبنبض عراقي أصيل كل منهما يعبر عنه بأسلوبه الخاص في أصالة نابعة عن وجدان وروح وألم المعاناة للأنسان بشكل عام والعراق بشكل خاص وبما لا يخلو من الأمل في المستقبل بما يصل ويُكمل حلقة البناء الحضاري والأنساني من خلال الأنسان العراقي عبر التاريخ الى يومنا الحاضر من سومر وأكد وبابل وأشور ورجال الفكر والفلسفة والعلم والأدب في بغداد في زمن المأمون العباسي والى يومنا الحاضر ليؤكدوا الى التاريخ أنه مهما كانت العاصفة الهوجاء التي تمر على العراق والظروف القاهرة التي يمر بها اليوم من موجات التطرف والأرهاب والفساد من الخارج والداخل لا ولن تحنيه وسوف يخرج منها كطائر العنقاء ويعود لدوره القدري الحضاري لأنه أول بناتها بل بدونه تكون الحضارة قد فقدت أحد أركانها.
نلتقي اليوم بمكتبة الحكمة وبنكهة جديدة وكلنا أمل في أستمرار مشروعها ليكون محفّزاً للمفكرين والمؤسسات ذات الإختصاص بعد أن وصلنا وأمتنا هذا اليوم من حالة الإحباط المعنوي والسبات المعرفي والذي لا نُحسد عليه وذلك بمقارنة تاريخنا بحاضرنا....وأين موقعنا من باقي الشعوب والأمم ليس في مجال العلوم والتكنلوجيا فقط بل بالعلوم الإنسانية والأداب والفلسفة والفنون. نعم أين كل هذا إذا لم نذهب بعيداً الى زمن بابل وأشور والفراعنة والدولة العباسية... بل في مرحلة القرن العشرين حيث أين عمالقة الفن العربي في الشعر والرواية والموسيقى والغناء والرسم والنحت والمسرح والغناء وغيرها والتي لم تسلم من يد قوى الأرهاب والظلام ليس بالقتل والتكفير فقط بل بهدم كل الآثار وتدمير ونهب المتاحف وسرقتها بكل همجية ومحاولتهم محو التاريخ الجميل الذي بقى لنا.
فكان لا بد من الرهان على عودة الروح الى الجسد العربي رغم إصرار العديد من الأطراف على موته. ابتداءاً في عودة شعور الفرد والجماعة أي المجتمع بالمشاعر والشعور الإنساني ....بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى ....ابتداءاً من الشعور بالحب بدلاً من الحقد والكراهية والشعور بالألم والوجع سواء عند الفرد أو عند الأخر من دون حدود الجغرافية والدين أو القومية والأثنية ....والشعور بالسعادة بما وهبنا الله من حواس خمس التي تكاد قد تحجرت وتكلست والتغلب على الغرائز الحيوانية والأنا وتهذيب وترويض النفس البشرية والعاطفة ...بما يليق بمكانتنا كبشر كرمنا الله بالعقل والمنطق المعرفي في تعاملنا مع الحياة وما تفرزها من مظاهر تجلت بالحضارة والتي ابتدأها الأنسان في وادي الرافدين وكذلك في وادي النيل وهي في حركة ....وبدون هذه الحركة والتقدم تفسد الحياة...مثلها مثل الماء أو حركة الأجرام السماوية بتحركها الى الأمام وليس في التوقف والركود...والذي به سوف تفسد وتنتهي الحياة وما أصاب الأنسان العربي من ضعف المناعة وغزو الفايروسات له من الخارج عندما فُرض عليه بتغييب العقل والإستسلام لنظرية الجبر والتي أعتبرته بمنزلة الجماد وهو بذلك حتى أقل من منزلة الحيوان ويجب أن يستسلم للقدر وعدم الإعتراض والتطلع للأمل والطموح كما تريد هذه المدرسة . ولكن الأبشع هو إصرار قوى الأرهاب والظلام بإعادة عجلة حياة الأنسان العربي والمسلم الى الوراء بمئات السنوات وما يعني ذلك من مخالفته لكل قوانين الطبيعة..طبيعة خلق الأنسان الذي كرمنا الله بها عن سوانا من الكائنات من خلال هبة العقل والتعلم والعلم ومن خلال حب الفضول والإستطلاع والإستفسار عن ما لا نعرف ونجهل ...ولكي نعرف ونتعلم والذي به تم تسلق الأنسان سلم الرقي والحضارة لذلك نحن اليوم هنا لكي نقول لا لكل من يريد أن يقول أن الأنسان العربي والمسلم قد فقد الشعور بالسعادة والحس الإنساني وأنه قد مات ولكن نقولها لا ما زلنا نقول الشعر ونكتب الرواية ونقدم المسرح والسينما والتمثيل والغناء والنحت والرسم, ولا زلنا نفكر بعقول مبدعة في كافة المجالات العلمية والإنسانية ويجب أن نثبت للعالم نحن قوم لا نتغنى بمقولة كان أبي بل ها أنذا.ويجب أن ندحض المقولة التي تُروج عنا بإننا شعب لا يقرأ... وإن قرأ لا يفهم. وإن فهم لا يعمل.والساحة العربية مليئة بالمبدعين الذين يحاربون كل قوى الظلام التي تسعى لتغييبهم عن الساحة. 
نلتقي هذا اليوم مع الفنانين العراقيين المبدعين في هذه الأمسية الثقافية والفنية والتي هي ليست فقط تذكرنا بالزمن الجميل الذي فقدنا طعمه منذ زمن بل لنؤكد بقوة على أيماننا بالمستقبل الواعد الجميل للأجيال القادمة وعودة الروح الى الأنسان العراقي والعربي بحضوره وعطاؤه وهذا لن يكون بالأحلام والأمل فقط بل بالعمل والتعاون الأيجابي من قبل الجميع لأن قدر العراقيين أن يكونوا كالورود مختلفة ألوانها وهي بهذا الأختلاف في الألوان تكمّل بعضها بعض كالضوء بأطيافه حيث لا يكتمل الا بأمتزاج الوان الطيف الشمسي وكباقة الورد الجميل وبعطرها وشذاها ولا فضل للون على أخر لأنها إرادة الله والحياة وأن أكتمال الجمال لن يتم الا بأجتماعها جميعاً في باقة واحدة. 
أترككم مع الأخ والأستاذ الأعلامي والفنان أحسان الخالدي لإدارة الندوة وللأبحار بنا لهذه الليلة الى شاطئ جميل أفتقدناه كثيراً.........   وشكرآ
ضياء السعداوي
 

الخيانة والتخوين في اللغة، الأقوال، السرد

بقلم : نبيل سليمان

من منا لا يذكر قصيدة بدر شاكر السياب "غريب على الخليج"، التي كتبها في الكويت سنة 1953، وبخاصة منها هذه السطور:

إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنون؟

أيخون إنسان بلاده؟

إن خان معنى أن يكون، فكيف يمكن أن يكون؟

أما أني جعلت هذه السطور فاتحة القول فلأن حديث التخوين قد فشا أقوى فأقوى، وأفحش فأفحش، سنة بعد سنة، منذ زلزلت الأرض العربية زلزالها سنة 2011، وبخاصة في العراق وسورية وليبيا واليمن.

هذا الوباء:

من أفدح آثار الديكتاتورية والاستبداد والطغيان: انتشار التخوين كما الوباء. ويتضاعف ذلك كلما طال الزمن حتى يبلغ ذلك الثلاثي شيخوخته وتعفّنه، مترافقاً مع تفاقم عجز المعارضة، أو المعارضات، عن التغيير، واستفحال العلل في جسدها. لكن انتشار الوباء ليس وقفاً على زمن ذلك الثلاثي، بل يحضر أيضاً بدرجات متفاوتة وأشكال شتى في زمن الثورة أو الانتفاضة أو العصيان، وبخاصة كلما تأخر الانتصار، أو بدأ التراجع، أو كرّت الهزائم، أو دبّ القنوط والوهن، أو تضاعفت الصعوبات والتحديات... ومن تجليات ذلك في سورية يمكن أن نعدد:

1-   التخوين المتبادل بين كثرة من الموالين للنظام ومن المعارضين.

2-   في الضفة الموالية كما في الضفة المعارضة من يخوّنون كثر أو أكثر ممن هم في الضفة الثالثة المختلفة مع تينك الضفتين بقدر أو أكبر.

3-   في الضفة الثالثة أيضاً من يخونون رهطاً من الموالين أو المعارضين.

4-   كما أن الخيانة قد تكون صريحة أو مواربة، هو أيضاً التخوين، يمكن أن يكون صريحاً أو موارباً، وهكذا تصبح المعادلة:

الاتهام الصريح بالخيانة الصريحة.

الاتهام الصريح بالخيانة المواربة.

الاتهام الموارب بالخيانة الصريحة.

الاتهام الموارب بالخيانة المواربة.

ومن صفات هذا الوباء البارزة: مجانية الاتهام، واستسهال الحكم المطلق، كما العودة عنه والتبرئة منه. كذلك هي العصبوية، واللغة الشتائمية حدّ الضرب تحت الزنار، واستخدام الأساليب التعبيرية للشبيحة وعباراتهم. وهكذا، يصير الاختلاف مدمِّراً بدلاً من أن يكون مخصِباً، وموطوءاً بالتخوين ومأسوراً بالاصطفاف، فهل يكفي ذلك كي نبدأ محاولات وعي فداحة الوباء ودرءه؟

في اللغة:

تجود القومسة العربية بالكثير في الخيانة. ومن ذلك أن تقول: خان/ يخون/ خَوْناً وخيانة وخانة ومخانة. والمخانة مصدر من الخيانة. ومن ذلك أيضاً أن تقول: رجل خائن، ورجل خائنه، وما من خطأ في التأنيث، باعتبار الهاء للمبالغة، مثلها مثل هاء: علّامه، نسّابه.. والخائنة تأتي أيضاً بمعنى الخيانة. ونقول هذا خوّان، وخؤون، والجمع: هؤلاء خانة، وهؤلاء خَوْنة بتسكين الواو، وهذه لفظة شاذة كما يحكم ابن منظور. ويقال: خوّن الرجل، أي نسبه إلى الخَوْن، والخَوْن: فترة من النظر، وأيضاً: المخانة. وأن نقول: خانه الدهر والنعيم خوناً، معناه أن حاله تغير إلى شر منها.

ويقال: خوّنه، وتخوّنه، وخوّن منه، أي: تنقّصه، كأن تقول: تخوّنني فلان حقّي، أي: تنقّصني حقّي، وتخوّنته الدهور: تنقّصته. كما يقال: خوّنه وتخوّنه: تعهّده، والتخوّن: التعهّد. والعرب تسمّي شهر ربيع الأول: خَوّاناً، وخُوّاناً، والخَوّانة هي الإست، والخوّان من أسماء الأسد الذي يقال له: خائن الأعين. وفي القرآن: "يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور"، وخائنة الأعين هي ما تُسارِقُ من النظر إلى ما لا يحلّ. أما القول خانه سيفه فالمعنى: نبا، ومنه: السيف أخوك وربما خانك.

وفي القرآن أيضاً: "علم الله أنكم تختانون أنفسكم" أما في الحديث النبوي فقد حضرت الخيانة ومتعلقاتها، ومنه: "المؤمن يطبع على كل شيء إلا الخيانة والكذب" ومنه النهي من أن يطرق الرجل أهله ليلاً لئلا يتخوّنهم، أي يطلب خيانتهم وعثراتهم ويتهمهم. ومنه أن الرسول رد شهادة الخائن والخائنة، كأنه قال: إياكم والخيانة فإنها بئست البطانة. وفي الحديث أيضاً: "ما كان لنبي أن تكون له خائنة الأعين، أي يضمر في نفسه غير ما  يظهره، فإذا كفّ لسانه وأومأ بعينه فقد خان".

في الأقوال:

وأبدأ مذكراً بكتاب إدوارد سعيد "خيانة المثقفين"، ثم أثنّي بقولة غيفارا: "لاشيء أسوأ من خيانة القلم، فالرصاص قد يقتل أفراداً، بينما يقتل القلم الخائن أمماً". ومن تراثنا أختار قولة أبي بكر الصديق: "أكذب الكذب الخيانة"، وهذا البيت الشعري اليائس لمحمد بن القاسم الهاشمي: "تولت بهجة الدنيا فكل جديدها خَلَقُ/ وخان الناس كلهم فما أدري بمن أثقُ". وللخيانة المواربة، هوذا قول معن بن أوس: "أعلّمه الرماية كل يوم/ فلما اشتدّ ساعده رماني". وقد قال الأعور الشني: "لا تأمنّن امرأً خان امرأً أبداً/ إنْ من الناس ذا وجهين خوّانا". أما أبو ذر الغفاري فقد قال لمعاوية حين رآه يبني قصراً باذخاً: "إذا كان هذا من مالك فهو الإسراف، وإن كان من مال الأمة، فهي الخيانة".

من بدايات أسطرة الخيانة التراثية ما يروى عن عمل أبي رغال كدليل للغزو الحبشي لمكة عام 570م؛ فغدا مضرب مثل ورمزاً للشيطان. كذلك هو تسليم يهوذا الإسخريوطي للمسيح مقابل ثلاثين قطعة من الفضة. وليس لواحدنا أن ينسى ابن العلقمي الذي سهّل للتتار دخول بغداد، وهو وزير الخليفة المستعصم بالله. كذلك هو شاور وزير الخليفة الفاطمي العاضد، الذي راسل الصليبيين وانضم إليهم، فشارك في حصار الإسكندرية. ومن المحدثين هوذا عباس محمود العقاد يقرر: "لا فرق بين خيانة الضمير وخيانة الواقع إلا التنفيذ". وهذا غسان كنفاني يقول: "إن الخيانة في حد ذاتها ميتة حقيرة"، ويقول عبده خال: "الخيانة كالهواء تدلف إلى منازلنا بمجرد فتح الباب". ويتلاقى صلاح خلف وناجي العلي في أخشى ما يخشيان من أن "تصبح الخيانة وجهة نظر"، وهي العبارة التي رددها طويلاً موالون للنظام في سورية.

في المثل الشعبي الجزائري يقال: "الدم ما يخون الدم ويا ويل من خانوا ذراعو"، و: "الحرب حكّاك والخاين شكّاك".

وفي المثل الشعبي الحضرمي (حضرموت): "الخيانة هيانة" أيْ من خان هان. وفي المثل الحجازي يقال: "الخيانة زي الموت لا رجعة فيها". وفي المثل الفرنسي: "الخيانة تُغفر ولا تنسى" وكذلك: "الخيانة أشد من القتل". وكانت (البيتانية) قد ظهرت في القاموس السياسي والشعبي الفرنسي، نسبة إلى الجنرال بيتان، بطل فرنسا في الحرب العالمية الأولى، و(الخائن) الذي تزعم حكومة فيشي كما شاء الألمان في الحرب العالمية الثانية.

في المثل الإيرلندي يقال: "من الأفضل أن يكون أمامك أسد مفترس على أن يكون خلفك كلب خائن". ومما أحفظ في الخيانة هذا المثل: "حرّض ولا تخون"، وقول عدنان مردم بك: "إن الخيانة ليس يغسلها/ من خاطئ دمعٌ ولا ندم" ومما نسيت قائله: "الخيانة كالموت، لا تسمح البتّة بالفوارق". وفي كل ما تقدم، يلتحم ويتناسل التخوين والخيانة.

في السرد:

من فيض سردي يتصل بالخيانة والتخوين، اخترت قصة (الخائن) لعبد السلام العجيلي (1918-2006). والقصة في مجموعة بالعنوان نفسه صدرت عام 1960. وقد اخترت القصة لأن بطلها الضابط الذي أعدم بتهمة الخيانة، هو صورة لأي ضابط رفض الأمر بقمع المظاهرات السلمية، ويعزز ذلك أن القصة اعتمدت استراتيجية اللاتعيين في المكان والزمان والشخصية. والقصة بالتالي، وكما يليق ويجدر بالإبداع أن يكون، تخترق حجب النسيان والديكتاتورية بين زمن كتابتها أو نشرها وزماننا.

أمام المحكمة العسكرية يلقي النقيب الشاب بمرافعته التي هي ردّه على النائب العام العسكري، وقد قرر أن يقول كل شيء، أي كل (الحقائق الصغرى) المتعلقة بالتهمة التي لا يراها تهمة تقتل، كما يخاطب رئيس المحكمة: "بل هي سبّة تلحق روحي بعد الموت". والتهمة هي عصيان الأوامر العسكرية "بقتل المواطنين الأبرياء" والتآمر على كيان الدولة والنظام القائم "وفوق ذلك كله أنا متهم بأني خائن".

في المرافعة التي هي القصة، يروي المتهم أنه قد أنيط بعاتقه الواجب الذي توسم القادة الأعلون كفاءته للقيام به، بينما مرض رئيسه، واستدعي رئيس رئيسه إلى مهمة في بلدة نائية، للملص من ذلك الواجب، وخلاصته أن ثورة على الثورة ستقوم في المنطقة التي تعسكر فيها فرقة الضابط الذي حسب أنها "فرصة ثورتنا العظيمة التي لا تعوض للخلاص من الانهزاميين والرجعيين والمخربين، ومن كل من يضع في عجلة التقدم والثورة عصا مجرمة".

من حقائق المتهم الصغرى أن ثمة ألواناً للثورة. وهو يدحض النائب العام الذي اكتفى بشهادة سلمى خطيبة المتهم وحبيبته التي يرى أنها قالت الحق، لكنها لم تقل الحق كله، إذ روت أنه خالف الأوامر الصريحة، ووجّه نار رشاشات وحدته العسكرية إلى المظاهرة التي حملت علم الثورة، وحبالاً للخنق وأعمدة للشنق وسواطير تفلق الهامات، أي إن سلمى روت انقلاب المتهم فجأة، لكنها لم تقل أي ثورة خان، ولا أحد يستطيع مثل سلمى أن يميز بين الثورة التي خانها، والثورة التي لا يزال مخلصاً لها: "الثورة الحقيقية لم أخنها ولن أخونها". ويسرد المتهم كيف أنه كان وسلمى قبل الثورة ممتلئين بمشاعر واحدة نحو أعداء الوطن، وكيف وحّد انتصار الثورة بين قلبيهما، وكيف اكتشفا التباين بينهما في معنى الثورة، فهو يراها ثورة الوطن، وهي تراها ثورة الشعب. والوطن بحسبان المتهم هو القيمة المعنوية للكمية المادية التي اسمها الشعب. ولأن للثورة في النفوس مثل أثر الخمرة في الرؤوس، فقد سكرت سلمى وتبدل سلوكها. ولأنها عضو مهمة في منظمة شعبية ذات نفوذ كبير، فقد كانت تتمكن من الحضور كل ليلة إلى مقر قيادة المتهم. وفي الليلة التي سبقت العصيان أطلعته على سرها: صباحاً سيقوم العصيان المبيت، وسوف يبدأ بمظاهرة سلمية ستنقلب بعد دقائق إلى تقتيل وتذبيح وتدمير. أما من دبّر ذلك – تفضح سلمى – فهم أولو الأمر، فالمظاهرة السلمية سيقوم بها نفر من الشرفاء ينادون بالولاء للثورة، لكنهم يستنكرون الإباحية وتحديات المتطرفين لعقائد الأمة وللمثل العليا للثورة. وسوف تتصدى للمظاهرة السلمية أخرى مسلحة، وستكون مجزرة يموت فيها أبناء الشعب لتحيا ثورة الشعب "فالثورة لا تحيا إذا لم تنقذ بالدماء"، ومهمة الضابط أن يترك حرية التصرف للمظاهرة القامعة. غير أن ما كان يحجب عن بصيرته النور والحق، تبدد عندما تكومت جموع السلمية كقطيع غنم هاجمته الذئاب فتلاشى سحر سلمى، وأمر الضابط جنوده بحصد جماعة الذئاب. وينهي الضابط المرافعة – القصة بأنه غير نادم، وبأنه فخور بالخيانة التي يُدان بها.

تلك واحدة من سرديات الخيانة، والخيانة قد تكون الخيانة الزوجية، وقد تكون خيانة الجاسوسية، وقد تكون خيانة من ظل يعمل سراً في مقاومة الطغيان، وإن يكن في الظاهر واحداً من أركان هذا الطغيان. وفي هذا النمط الأخير من الخيانة يكون التخوين أمضى وأمرّ، مما يتقاطع مع الجاسوسية المزدوجة، حيث يمكن ألا تظهر براءة المتهم إلا بعد موته. وفي هذا السياق، ومن فيض سردي – مرة أخرى – أشير إلى رواية لينا هويان الحسن "الذئاب لا تنسى"، وفيها: "الذئاب لا تنسى، أيضاً لا تخون بعضها. الخيانة ميزتنا نحن البشر. الخيانات لنا. السبب المفضل للأدب هو الخيانة. تبدو كناموس مرتجل يدفعنا لخيانة الأغلبية، الكل، الجميع. علينا أن نكون بالنسبة للآخرين خونتهم، لنكتب، لا أنتمي لعالم الإخلاص، لأن الأخلاق تفرضه علينا كمدرسة لها عسسها". وبالطبع، لا ينبغي أن يؤخذ بظاهر مثل هذا القول، أو أن يجري إسقاطه الحرفي على حالة مثل حالتنا، حيث أهل التخوين بالمرصاد، وبخاصة منهم من كان في أمس قريب عتلةً في آلة الديكتاتورية. وللحديث صلة.

===========================================

المصدر: ضفة ثالثة – منبر ثقافي عربي. لمزيد من الاطلاع تابع الرابط التالي:

https://www.alaraby.co.uk/diffah/herenow/2017/4/30/%D8%A8%D9%85%D9%86%D8%A7%D8%B3%D8%A8%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%8A%D8%A7%D9%86%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AE%D9%88%D9%8A%D9%86-1-2-%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%BA%D8%A9-%E2%80%93-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%82%D9%88%D8%A7%D9%84-%E2%80%93-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B1%D8%AF

السرطان يتقهقر أمام قوى المناعة

تقف البشرية بخوف أمام هيبة «إمبراطور الأمراض». هذا «الطاغية» الذي يهدد كل واحد منا، ولا يميز بين غني وفقير، أميركي وعربي. لكن الظلمة تتبدد ودائرة الضوء في آخر هذا النفق تكبر وتتسع.

 هل كنت جالساً إلى التلفزيون في 20كانون الثاني (يناير) تشاهد حفل تنصيب الرئيس الجديد للولايات المتحدة؟ وهل تعرفت إلى الرئيس السابق جيمي كارتر الذي كان يجلس إلى المنصة؟ هذا الرجل أصيب منذ أربع سنوات بسرطان الجلد Melanoma، وكان المرض قد انتشر إلى الدماغ. يومها لم يتوقع أحد أن يبقى كارتر على قيد الحياة. وها هو اليوم يتمتع بصحة جيدة وليس هناك ما يشير إلى بقايا المرض عنده. لم يكن ذلك أعجوبة. كان ذلك ثمرة البحث العلمي ونتيجة لإخضاع كارتر لعلاج جديد اسمه keytruda، وهو أحد العلاجات الحديثة التي تقوي وتدعّم جهاز المناعة في الجسم بحيث يصبح قادراً على التعرف إلى الخلية السرطانية وبالتالي قادراً على تدميرها. لقد وضع الخالق في جسد الإنسان وفي كل مخلوق حي، جهازاً يدعم الحياة ويحميها من أي اعتداء عليها. عندما يصاب المرء بالزكام نتيجة التهاب يسببه الفيروس، ترصد خلية المناعة الفيروس وتحدد هويته الغريبة، كما تحدد أيضاً أنه العدو المعتدي فتنقض عليه وتقتله، وبهذا يتم الشفاء. هذه المعركة تحدث مع معظم الأمراض، إلا أنها لا تحدث في الأمراض السرطانية، فالخلية السرطانية خلية ذكية وأول ما تقوم به هو شل جهاز المناعة وبناء حائط بينها وبينه كي لا يتمكن من التعرف إليها. وبهذا تنمو الخلية السرطانية وتتكاثر، ومن ثم تنتشر. وانطلاقاً من معرفتنا هذه، تركزت الأبحاث العلمية الحديثة على تطوير علاجات جديدة تدعم جهاز المناعة وتهدم الحائط بين الخلية المناعية والخلية السرطانية، وبذلك توفر الفرصة للخلية المناعية للتعرف إلى الخلية السرطانية بصفتها جسماً غريباً وخطراً، كما تعطيها القدرة على تدميرها. هذا المنحى الجديد هو أهم تطور في معالجة الأمراض السرطانية في السنوات الخمس الأخيرة. وها نحن اليوم نملك أدوية جديدة بالإضافة إلى دواء keytruda، مثل Ipilimumab, Nivolumab, Tecentriq. إن Tecentriqهو اليوم من أفضل الأدوية لعلاج سرطان المثانة. أما الأدوية الثلاثة الأخرى فهي ذات فاعلية عالية في معالجة سرطانات الجلد والرئة والكلى.

 في رحلتي الطويلة مع السرطان والتي ابتدأت في حزيران (يونيو) 1968في مدينة نيويورك، كنت شاهداً على تطور العلاج الكيماوي ثم شهدت تطور العلاج البيولوجي ومن ثم العلاج المستهدِف... وها نحن اليوم نشهد العلاج المناعي. هذه العلاجات المختلفة يكمل بعضها بعضاً ولا يلغي الواحد منها العلاجات الأخرى. ومن الخطأ الاعتقاد بأن العلاج الكيماوي أصبح من الماضي.

ويسألونك: بعد كل هذا التقدم، لماذا لا يزال الناس يموتون بهذه الأمراض الواحد تلو الآخر؟ هذا لأننا لم نتمكن بعد من وضع المعرفة العلمية التي نملكها في خدمة الناس والمرضى. كما أن الدراسات تشير إلى أن أقل من 7في المئة من المرضى المصابين يتلقون علاجات حديثة وفعالة، فالسواد الأعظم من المرضى لا يزال يتلقى علاجات خارج حدود العلم.

 في هذا اليوم بالذات، وفي خضم هذا العنف الذي يقبض على العالم، وهذا الجهل الذي يحدد الإنسان بانتمائه إلى بلد أو دين ما، أود أن أقول إن أهم ما تعلمته في الطب هو أن الإنسان واحد. لقد أثبتت الدراسات العلمية في مشروع رسم خريطة الجينات عند الإنسان، أن البشر متشابهون على مستوى الـDNA، المكون الاساسي للحياة، بنسبة 99.9في المئة، وأن أكبر اختلاف بين إنسان وآخر هو بنسبة تقل عن 0.1في المئة (كتاب «لغة الله» لمؤلفه فرانسيس كولينز).

إذاً، ليس هناك شك في أننا كلنا إخوة، وأن البشرية جمعاء هي عائلة واحدة. فتعالوا نخلع عنا هذه القشور التي تفرقنا ونرتفع إلى ما يجمعنا، نرتفع إلى إنسانيتنا. إن العدو للإنسان ليس هو الإنسان الآخر، فالعدو الحقيقي هو المرض. لذلك تعالوا في هذا اليوم نجدد دعمنا العلمَ للتغلب عليه. دعمنا العلمَ للتغلب على أنفسنا.

  -----------------------------------------------

* رئيس مركز سالم للسرطان في مدينة هيوستن في ولاية تكساس الأمريكية.

الصفحة 1 من 23