الأربعاء 18 كانون2/يناير 2017
TEXT_SIZE

المدخل السياسي إلى الصحة

المدخل السياسي إلى الصحة ... السياق التاريخي لتشكّل المؤسّسات والممارسات الطبّية

بقلم: زكرياء الإبراهيمي 

ارتبط مفهوم الصحة بميشيل فوكو، بشكل كبير وغريب كذلك، فإلى جانب انتمائه إلى عائلة من الأطباء، وعيشه بين أسرة كانت ترغب في تحوّله إلى جرّاح يجيد تشريح الأجساد، وإلى جانب اعتياده لأكثر من مرّة مستشفى الأمراض العقلية، وموته متأثّراً بمرض السيدا، وارتباطه بممارسة غالباً ما كانت تعدّ مرضاً أي “المثلية الجنسية”، فإن ميشيل فوكو لم يكن فقط مؤرخاً لمفهوم المرض “تاريخ الجنون في العصر الوسيط، تاريخ الجنسانية، ولادة العيادة” يجري وراء حفريات هذا المفهوم وأثر وطريقة تشكله وتطوّره عبر تاريخ الممارسة العلمية وخاصة الطبّ، كما لم يكن إبيستمولوجياً، يعيد إنتاج أقدم إشكالية علمية في تاريخ المعرفة العلمية “النظرية والتجربة” لحظة بحثه في الظاهرة الطبية زمن تشكلها داخل العيادة، ولم يكن فقط باحثاً في أزمة بعض العلوم وعجزها عن تفسير عدد من الظواهر الإنسانية ذات الطبيعة المرضية “المرض العقلي والسيكولوجيا”.

لقد كان ميشيل فوكو فيلسوفاً وسوسيولوجياً للصحة تخترق أسئلته المجال المرئيّ والبسيط للممارسة الطبية والظاهرة الصحية، من خلال ربطه للبيولوجيا والمرض والمستشفى والجنس والجسد والمتعة…الخ، بالسلطة التي اعتبرها فوكو المسؤول الأوّل والوحيد عن صحة البشر وحياتهم وموتهم وولادتهم. وهنا تكمن فرادة أطروحة هذا الأخير، حيث أنّ اتجاهه نحو دراسة البعد الدولتي للبيولوجي، وإبداع مفاهيم جديدة من قبيل “دولنة البيولوجي” و“عنصرية الدولة” “السلطة الحيوية”، “السياسية الحيوية”، “إدارة الحياة” “النزولوجيا السياسية”، “الآليات الانضباطية، الآليات التنظيمية” “الحقّ في الإماتة” و“الحقّ في الإبقاء على قيد الحياة” “إدارة الأجساد” “التدبير الحسابي للحياة” “الاقتصاد السياسي للحياة”…الخ. ، هو ما جعل من الرجوع إلى ميشيل فوكو لدراسة الظاهرة الصحية ضرورة قصوى، لأنّ نزوع بعض الباحثين إلى دراسة تطوّر الممارسة الطبية والقضايا الصحّية المرتبطة بها بعيداً عن السلطة السياسية التي تحتضنها، والشروط السياسية والتاريخية والاجتماعية التي تولد داخلها هو ما أفقد هذا النوع من الدراسات جزءاً من كمالها[1]، ومنح لأعمال فوكو قيمة مضافة علمية تفتقدها العديد من الدراسات التي تدّعي لنفسها دراسة الصحّة والمرض داخل المجتمعات الإنسانية.

من جهة ثانية فإنّ ما يميّز مقاربة فوكو للظاهرة البيولوجية هو اهتمامه بالبعد التاريخي لتشكّل هذا النوع من الظواهر، وحرصه على الإحاطة بظروف ولادتها وظهورها، لأنّ فهم طبيعتها لا يتأتّى إلا من خلال الكشف عن طريقة تشكّلها وتطوّرها عبر التاريخ، لذلك فإنّ ما يفسّر اهتمام فوكو بتاريخ الجنون وكلّ ما يرتبط بالمرض سواء في صيغته العقلية أو العضوية، هو بحثه عن حقيقة هذا النوع من الظواهر.

عموماً يمكن القول إنّ مقاربة فوكو للمرض اتّخذت صورتين، أولى يمكن أن نسمّيها بالبعد السياسي للمرض، وارتبط ببداية تدخل الدولة في تدبير الحياة وجودة الحياة وطولها، وكيفية تحوّل هذه الوظيفية إلى عنصر أساسي لتقييم جودة الأنظمة السياسية، وكذا بظهور الرأسمالية التي أصبحت تحتاج كلّ إمكانيات البشر لتحقيق أكبر إنتاج ممكن، وثانية هي السياق التاريخي لتشكّل المؤسّسات والممارسات الطبّية.

أوّلا: البعد السياسي للصحّة:

إذا كانت بداية التكوين العلمي للطبّ قد اقترنت بالقرن الثامن عشر، فإنّ الاهتمام السياسي بالصحة والجسد يعود إلى ما قبل هذا التاريخ، فهو يعود إلى القرن السابع عشر وبداية القرن الثامن عشر، بل وإلى ما قبل هذا التاريخ مادام الموت والحياة اعتبرا داخل المجتمعات السابقة على القرن السابع عشر – يحيل ميشيل فوكو على الإمبراطورية الرومانية- “ليسا من الظواهر الطبيعية المباشرة والأصلية التي تكون خارج السلطة السياسية…، إننا نجد للعاهل حقّ الحياة والموت على الرعية وفقاً للقانون. وعليه فإنّ حياة وموت الرعية، لا يصبحان حقاً إلا بإرادة العاهل”[2].

إن هذه السلطة على الحياة التي تمثّلت داخل المجتمعين القديم والقروسطي في الحقّ في الإماتة و الإبقاء على قيد الحياة، ستستبدل داخل المجتمع الحديث في نظر ميشيل فوكو بسياسة حيوية Biopolitiqueجديدة، تتجسد في سلطة الإحياء بدل الحقّ في الإماتة، ورفض الموت بدل الحقّ في الإبقاء على قيد الحياة، وذلك بعد أن جعلت الدولة لنفسها مكاناً في التدخل “في الحياة وطريقة الحياة ومستوى الحياة ورفع مستوى الحياة، والتحكم في الأعراض والحوادث والنقائص”[3].

اتخذ تدخل الدولة في الحياة تكنولوجيات كثيرة جداً، وارتبط باستراتيجيات وسياسات ومخططات حيوية عديدة يعتقد ميشيل فوكو أنها تنخرط في آليتين رئيسيتين، أولى انضباطية، تبدو كشكل من أشكال الرقابة البوليسية العفوية، وتظهر في الاشتغال على “الجسد كآلة بترويضه والرفع من كفاءاته، وانتزاع قواه، والنمو المتوازن لمنفعته وانقياده واندماجه في منظومات للمراقبة فعالة واقتصادية، كل هذا قد أمنته إجراءات لسلطة تحدد”الانضباطات“[4]، وثانية تنظيمة تبدو داخل”أنظمة الضمان الصحي، والتقاعد والشيخوخة وقواعد المحافظة على الصحّة التي تضمن إطالة عمر السكان قدر الإمكان“[5].

لقد كانت الغاية الأساسية من خلق هذه السلطة على الحياة، هي التحكّم أوّلا في نسبة الولادة والوفاة وتجنب الموت الدائم الذي يهدد البشر، من خلال تجنب الأمراض القاتلة وأسباب وجودها، لأن هذه الظواهر (أي الولادة، ومعدّل الخصوبة والإنجاب، والأمراض) تهدد بشكل مباشر الإنتاج، وتساهم بوجودها في”ضعف الإنتاج وانخفاض وقت العمل وتدني الطاقة وارتفاع التكلفة الاقتصادية، إنها تتسبب في نقص الإنتاج والعلاج المكلف“[6].

غنيّ عن التوضيح إذن أنّ ظهور سلطة حيوية - خلال القرن الثامن عشر- تتغيا مراقبة الأجساد والحفاظ على جودتها، كان بدافعين اثنين، أول اقتصادي، كانت تسعى من خلاله الدولة إلى مطابقة الظواهر السكانية مع السيرورات الاقتصادية، كما أنها استحضرت دائما حجم المشاكل الاقتصادية والسياسية التي يطرحها الفرد على الجماعات السياسية والاجتماعية التي ينتمي إليها في حالة المرض، والأمر لا يرتبط بكلفة العلاج فقط، وإنما بالعجز عن الإنتاج كذلك فـ”المريض بدون شك غير قادر على العمل، إنه يوضع داخل المستشفى ويصبح حملا مزدوجاً“[7]، إن هذا الحمل المزدوج الذي يتحدث عنه فوكو، لا ينعكس سلباً على الدولة التي تصبح ملزمة بتوفير العلاج ومكان العلاج”المستشفيات“وأداة العلاج ووسائطه”الطبيب والأدوية“[8]، بل إنه ينعكس على الأسرة كذلك إذ بدل الاتجاه نحو مساعدة الأسرة التي تعيش حالة بؤس وفقر، سيمسي المريض هو الشخص الوحيد المستفيد من هذه الإعانة من خلال مجانية العلاج وإلزاميته.

من جهة ثانية يكشف ميشيل فوكو عن الدور الذي لعبته الرأسمالية في بناء السلطة البيولوجية، والتكنولوجيا السياسية للحياة، وبلورة تمثل جديد عن الجسد، يقول فوكو في هذا الصدد”غير أنّ ما حدث في القرن الثامن عشر في بعض البلاد الغربية، والذي تم ربطه بنمو الرأسمالية، هو ظاهرة أخرى تماماً وربما ذات مدى أكبر من الأخلاق الجديدة التي كانت تبدو أنها تحتقر الجسد، إنها لم تكن في شيء أقل من دخول الحياة في التاريخ - أعني ظهور الظواهر الخاصة بحياة النوع البشري في نظام المعرفة والسلطة- في حقل التقنيات السياسية. إن الأمر لا يتعلق بالزعم أنّ في هذه اللحظة بالذات وقع أول اتصال للحياة بالتاريخ. بل بالعكس، كان ضغط البيولوجي على التاريخ قد ظل، على امتداد آلاف السنين قوياً جداً؛ فالوباء والمجاعة شكّلا الشكلين المأساويين الكبيرين لهذه العلاقة التي ظلت على هذا النحو موضوعة تحت علامة الموت، وبسيرورة دائرية، سمح النمو الاقتصادي و الزراعي بوجه خاص للقرن الثامن عشر، وتزايد الإنتاجية والموارد الذي كان أسرع من النمو الديمغرافي الذي كان يساعد عليه، سمحا بأن تتراخى بعض الشيء هذه التهديدات العميقة: فعهد فتك الجوع والجذام، - عدا بعض الانبعاثات – انتهى قبل الثورة الفرنسية؛ وبدأ الموت يكفّ عن تطويق الحياة مباشرة. ولكن في ذات الوقت، كان تطور المعارف، المتعلقة بالحياة بصفة عامة، وتحسين التقنيات الزراعية، والملاحظات والتدابير التي تستهدف الحياة وبقاء البشر، كانت كلها تساهم في هذا الارتخاء: هكذا كان التحكم النسبي في الحياة يبعد البعض من وشكات الموت. على هذا النحو، تدخلت طرائق للسلطة والمعرفة لتنظيمه وتوسيعه، وأخذت بعين الاعتبار سيرورات الحياة واهتمت بمراقبتها و تغييرها. هكذا بدأ الإنسان الغربي يتعلم شيئا فشيئاً معنى أن يكونا نوعاً حياً في عالم حي، أن يكون له جسد وشروط وجود، واحتمالات حياة، وصحة فردية وجماعية، وقوى يمكن تغييرها وفضاء يمكن فيه توزيعها بطريقة أمثل“[9].

أما الدافع الثاني لتكون هذه السلطة -السلطة البيولوجية- وتشكّلها، وهو أكثر أهمية من الدافع الاقتصادي، فقد كان سياسياً محضا، ويمكن ووصفه بالاتجاه نحو دولنة الصحة، بعد أن أضحت سؤالا سياسياً واجتماعياً، تقاس من خلاله جودة الأنظمة السياسية وسوئها[10].

انطلق الاهتمام السياسي بالصحة في نظر ميشيل فوكو مع بداية القرن الثامن عشر من خلال مأسسة التدخل السياسي لتدبير الصحة ووضع قوانين وإصدار أظهرة، تدعو إلى إحداث مؤسسات طبية تهتم بكل جوانب الوجود الصحي للناس البدني منه والنفسي العقلي، بعدما كان تدخل الدولة في هذا المجال يتميز بخصائص عقابية وانتقامية، من قبيل السجن والنفي و القتل والإلقاء بالمرضى في البحار…الخ.

إن هذا الانتقال الاستراتيجي للدولة في التعاطي مع المرض،- من سفينة الحمقى إلى ميلاد المارستان، ومن الاعتقال الكبير إلى ظهور المستشفى- أملاه في نظر فوكو التحول الذي عرفته القيمة السياسية للصحة داخل المجتمعات الإنسانية، حيث تحولت الصحة من شأن فردي خاص، إلى أمر سياسي عام، فبعد أن كان المريض يجد في الأسرة مكانه الطبيعي الذي لا يمكن أن يستبدله بأي مجال أو مؤسسة أخرى، ظهرت المستشفى كمعنى حضاري جديد يمكن من خلاله للدولة أن تتدخل عبر الطب في إعادة التوازن للجسم المريض، وإعادة الحياة للمريض، وهكذا أصبح الطب يحمل كل خصائص الدولة”عنف، اصطناعية، مراقبة، نظام، ترتيب، مؤسسات…الخ“، وأضحت أهميته السياسية، تفوق بكثير نجاعته العلمية، فليس من المهم أن يكون الطب فعالاً طبياً، أي ليس من المهم أن يكون قادراً على مداواة الأمراض، وعلاج المرضى، بقدر ما يهم أن يكون فعالا سياسياً[11]. لذلك فإن الوظيفة الأولى للطبيب يجب أن تكون سياسية، لأن”محاربة الأمراض يجب أن تقوم أولا على الحرب ضد الحكومات الفاسدة“[12]. من الواضح إذن أن الملاحظة الأخير لفوكو تكشف عن جانب مهمّ من الاشتغال السوسيولوجي على الصحة وهو المرتبط أساساً، بارتباط المرض والوباء، والجوع والبؤس وكل أشكال العجز الطبيعي والاجتماعي بالأنظمة السياسية، فكلما كان النظام فاسداً كان المرض متفشياً ودائرة الألم أكثر اتساعاً، ومساحة الهشاشة والتهميش أكبر.

أما الطب وقد تماهى مع الدولة وأصبح جهازاً أساسياَ من أجهزتها التي تشتغل على المستوى المادي –اشتغال مباشر على الأجساد- والأدلوجي -”مواساة“ الأرواح-، فقد استثمرت الدولة كل إمكانياتها من أجل جعل الطب جهازاً يمكن أن يقوم بــ”دولنة الصحة“، من خلال مجانية العلاج وإلزاميته، فالطبيب لا يجب أن يطلب مقابلا من أولئك الذين يعالجهم، لأن مساعدة المرضى ستكون خدمة يجب أن تتكفل بها الدولة كواحدة من مهامها المقدسة، بالإضافة إلى تعيين أطباء وجرّاحين”من أجل تتبع الأوبئة التي يمكن أن تحدث في مجالاتهم“، وشرطة”تراقب المناجم والمقابر“، وهيئة من المراقبين الصحيين يمكن”توزيعهم على مختلف الأقاليم وينصب كل واحد على إقليم محدد، ويكلفون بملاحظة المجالات التي تمس الطبّ، ولكن أيضاً الكيمياء والتاريخ الطبيعي والطبوغرافيا وعلم الفلك“[13].

يشير ميشيل فوكو إلى وظيفة سياسية هامة للصحة، تشكل مبرراً جيداً تحتفي وراءه الدولة لاحتكار حقل تدبير الأجساد، ومسوغاً إضافياً يبرر خلقها لمؤسسات رقابية جديدة شبيهة بالسجن، حيث يصبح للجسد معنى آخر، واقتصاد سياسي آخر، وتاريخ آخر، وقابلية للخضوع للسلطة نفسها، سلطة الدولة. إن هذا المسوغ الجديد الذي يبدو أنه كان أكثر تأثيراً من غيره، من الناحية السياسية، هو حماية الأجساد ومراقبتها على الطريقة الانضباطية، فبعد نقاش طويل وسجال أطول بين اللجان الطبية والقائمين على الشأن العام تم الاهتداء”إلى ضرورة حلق مكان للمراقبة مستمر، ووجود مستشفى للمرضى بدون عائلات، وفي الحالات المعدية، ومن أجل الأمراض المعقدة والصعبة وغير العادية، التي يجد الطبّ العام نفسه أمامها عاجزاً. ويبدو على المستوى المحلي – المستشفى – حماية الأشخاص من المرضى، وحماية المرضى من ممارسات الجهلة، وحماية المرضى من أنفسهم، ومن بعضهم البعض“[14]. يبدو أن الوظيفة العلاجية في هذا المقام لم تكن الغاية الأولى من استحداث المؤسسة الصحية، لأنها لم تخلق كبقية مؤسسات الدولة إلا كــ”مراكز تدريب وتأهيل وتنميط. تشتغل جاهزياتها بأحدث العلوم من طب جسدي ونفسي وحقوق وسياسة واجتماع وقانون الخ… لكنها مع ذلك تظل لها استقلاليتها من حيث طرق تشغيلها وإنتاجها للجسد المنمط حسب المواصفات المعرفية التي يختص بها كل نوع من هذه الأبنية غير الحيادية أبداً، فالهندسة ليست علماً رياضياً خالصاً ولا فنا مجرداً، ولكنها في هذه المعارف والإبداعات الموظفة في خدمة مفاهيم الانضباط، وحسب التشكيل الفضائي المسموح به للفرد في ظل حداثة القرنين الماضيين وعقلنتها التشميلية الكليانية. وقد ترجمت العقلانية كممارسة إلى انضباطية استيعابية كاملة. وكلما انصبت على تأهيل الجسد باعتباره الوحدة المادية التي يتألف منها البنيان الاجتماعي الذي يجب تشغيله كآلية إنتاجية كبرى“[15].

زيادة على ذلك فإن تدخل الدولة في المجال الصحي، بعد أن أصبح هذا التدخل واجبا اجتماعياً وجماعياً للمساعدة، يتجسد كذلك حسب ميشيل فوكو في عمل الدولة منذ نهاية القرن الثامن عشر على إصلاح البنية الطبية، من خلال تشكيل إدارة مركزية تدير العلاج وتتحكم فيه، ومركزة العلاج، وخلق مؤسسات تأوي المرضى بدون أسر والفقراء منهم، وإصدار قوانين تأسيسية و تنظيمية للمؤسسات الاستشفائية، وتقنين الممارسة الطبية”كل فرد يمارس الطب دون اجتياز امتحانات المدارس، أو التقدم للجان المختصة سيعاقب بغرامة أو السجن في حالة العود“[16]، ومأسسة وتنظيم التعليم الطبي؛ عن طريق إصدار مراسيم لـ”تكوين الجيش الجمهوري من ممتهني الصحة“، ووضع برامج للتكوين تحوي كل ما يجب أن يعلمه الطبيب الطالب عن مهنة الطب، وكل ما يمكن أن يتعلمه هذا الطالب من علوم وتقنيات تسهل ممارسة الطب.

في نفس السياق يعتقد ميشيل فوكو أن الدولة استعملت الطب في تحديث المجتمع، وتحديث نفسها قبل ذلك، بفضل عملها على علمنة الصحة، بإقصاء الكنيسة من تدبير المجال الصحي، والتدخل في علمية العلاج، و استبعاد البعد الديني للمعالج، لأن الطبيب ليس ساحراً أو قساً وبالتالي فإنه لا يحتاج إلى تملك صفات الأول ولا قدرات الآخر، بل يمارس مهمته في إطار سياسي، لا ينتظم لنفس قوانين الحقل الديني، لكن دون القطع مع منهجيته في ترتيب هذا المجال، وتنظيم العلاج، ويمكن أن يلاحظ هذا الإجراء بشكل عملي في نظر فوكو، داخل إعادة إنتاج الدولة لنفس المنطق الديني، رغم تغير الاستراتيجيات وتبدل الآليات التي يشتغل بها كل حقل، وتباينها.

يظهر البعد السياسي للصحة داخل كل أعمال ميشيل فوكو، سواء التاريخية منها أو التحليلية في سعيه الدائم نحو إظهار المستشفى كحلقة في نظام اعتقالي كبير تتعدد خطاباته وهندساته، لكنه ظل محكوماً بنفس قواعد اللعب التي تبتدئ عادة بالاعتقال وتنتهي بالمراقبة، لقد كان الاعتقال والقتل من فنون التعامل مع”الجنون والجذام وكل أشكال المرض العادي منها والوبائي“قبل أن تصل الدولة إلى أن المجنون ومن خلاله المريض يحتاج إلى رعاية وحماية ومراقبة”المستشفى“، وهو الأمر نفسه الذي تكرر مع مخالف القانون و القواعد” المجرم“الذي كان مصيره القتل أو التعذيب في أحسن الأحوال، قبل أن يكتشف أن”المجرم“مريض يحتاج إلى إصلاح وتقويم” السجن“. غير أن تغير الاستراتيجيات التي انتهجتها الدولة في التعاطي مع ظواهر الجسد، الانتقال من الاعتقال والإعدام إلى العلاج والإصلاح، لا يعني كما سبق أن قلنا تغير المنطق السلطوي الذي حكم علاقة الدولة بـ”شواذها“.

ثانيا: البعد التاريخي والإبيستمولوجي لمفهوم الصحة:

لم يكن استناد ميشيل فوكو على التاريخ في أبحاثه وكتاباته الكبرى”تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي، ولادة العيادة، المراقبة والمعاقبة، تاريخ الجنسانية“اعتماداً مذهبياً قائما على تشبعه وإيمانه بقيم التاريخ وقيمة التاريخانية، لأنه أنكر أكثر من مرة طريقة اشتغال المؤرخين والمناهج التاريخية ونعتها بالتقليدية مع كل ما يحمله لفظ التقليد من دلالات قدحية داخل المخيال الفرنسي، فـ”الطريقة التقليدية التاريخية“تسبح في ممارسة خاطئة يجب مناهضتها على منوال البنيويين الذين ينتمي إليهم، من حيث شكل تفكيكها وتحليلها واهتمامها بالأسئلة الكبرى للمجتمع. وعليه فإن اهتمامه بالتاريخ كذلك لم يكن منهجياً، ففوكو انتقد في الممارسة التاريخية ميلها إلى”إغفال الأحداث المباغتة لصالح بنيات لا يمكن للإغفال أن يعرف طريقاً لها“[17]، ويعني بذلك أن الممارسة التاريخية لا تجنح إلا نحو دراسة التطورات والقوانين والانتظامات، مستعينة في ذلك بما أنتجته بعض العلوم الاجتماعية الأخرى من مناهج وأدوات ونماذج، فهي تستدعي من الاقتصاد مثلا”نماذج النمو الاقتصادي، والتحليل الكمي لسيل التبادلات“، ومن الديموغرافيا تستقي”منحى التغيرات الديموغرافية“وتستقبل من علم المناخ كيفية دراسة المناخ وتقلباته”[18]…الخ. إن سبب انتقاد ميشيل فوكو لهذا النوع من الفعل التأريخي هو رغبته الدائمة والأكيدة في نفي انتسابه إلى التيار التاريخي، وإيمانه بالنزعة التاريخية، ذلك أن ما يقوم به من أبحاث تاريخية وسياسية، ليست في الواقع، إلا دراسات جينيالوجية يرمي من خلالها وضع اليد على ما يسميه بسلطة الإثبات بما هي “سلطة إنشاء ميادين من الموضوعات يمكن أن تنفي قضايا صادقة وأخرى كاذبة” ويكفي في هذا الصدد أن نعود إلى الطريقة التي وصل من خلالها فوكو إلى كيفية تشكل الجنون كظاهرة مرضية، أو خلقت بها المستشفيات كوعاءات تحتضن المرضى، أو تحولت من خلالها المثلية الجنسية من ظاهرة عادية إلى مرضية.

إن ما دفعنا إلى العودة إلى “الممارسة التاريخية” لفوكو، هو اختزان هذه الممارسة لفعل إبيستمولوجي عميق جداً يكشف عن طبيعة الظاهرة الفزيولوجية والنفسية وكيفية انتقالها المستمر بين العادي و المرضي، بل إنها تتضمن كذلك مجموعة من الإجابات عن عدد من الأسئلة السوسيولوجية الكبرى في مجال الصحة، من قبيل السياسات الصحية، والعلاقات العلاجية، والمؤسسات الصحية، وطبيعة العلاقة بين الدولة والصحة، والخصائص السوسيولوجية للمريض، ونشأة المرض….الخ، وهذا ربما حاصل مجمل أعماله التاريخية المرتبطة بالجنون والعيادة والجنسانية والسجن.

1. الجنون أولا:

يعتبر البحث في الجنون أول أعمال ميشيل فوكو النظرية الكبرى، وأول بنية في واحد من أضخم المشاريع الفكرية التي سيعرفها القرن العشرون، وأكبر علامة على الطريق الذي سيتخذه فوكو في حياته الفكرية برمتها؛ سواء من حيث طبيعة الإشكالات التي سينزع إلى التفكير فيها، أو من حيث المنهج الذي سيختاره لكتابة تاريخ موضوعاته.

يحمل تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي سؤالا واحداً يختزن بين ظهرانيه عدداً لا محدوداً من الإشكالات النظرية الكبرى في تاريخ الممارسة العلمية و الإنسانية، وهو سؤال تخفي بساطته الواضحة : متى أصبح الجنون مرضاً عقلياً؟، تركيباً عميقاً، نظراً لارتباطه الشديد بجملة من الممارسات الاجتماعية والسياسية والعلمية التي كانت تنتج الجنون كشر يجب التخلص منه. إن سؤال مركب لأنه يعكس إن صح التعبير “انتقالا إيبديمولوجيا وتحولا اجتماعياً وسياسياً وعلمياً عرفته أوروبا عند نهاية القرون الوسطى، وهو انتقال وتحوّل كانت تتسع قبله دائرة الممنوع والمحرم ويتخذه في المرض بكل أصنافه شكلا من أشكال الشذوذ الذي يجب محاربته والإبحار به خارج المدينة، وإبعاده عبر النفي أو القتل أو الحبس والتعذيب والتهميش، غير أن تجربة القرون الوسطى والحديثة فضلت إعادة ترتيب حقل”اللاعقل والشذوذ“عبر استراتيجيات جديدة، وقواعد لعب مغايرة أظهرت فيها السلطة الحيوية كحد انضباطي، تصوراً جديداً للجنون يقوم على الرعاية والإصلاح والتطبيب والتمريض والحماية.

ليس سؤال الجنون هو أغرب ما يتضمنه تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي، بل إن فرادته الحقيقية تبدو في المنهج الذي اتبعه فوكو في كتابة تاريخ الجنون والعيادة والجنسانية والسجن، إن تاريخا يعتمد تأريخياً أنتربولوجيا، ويعتمد مفهوماً جديداً للوثيقة يتجاوز المعنى التقليدي لهذه الأخيرة، حيث استند فوكو على غير عادة المؤرخين على أرشيف مغاير يتضمن تاريخاً منسياً،”استقاه من كل الخبرات الإنسانية، من الطب الوضعي الحديث، ومن الأدب والفن والمسرح والفلسفة، ومن الشعوذة والخيمياء وكل الممارسات السحرية، ومن تاريخ الدولة ومؤسساتها، البرلمان والشرطة والجيش والأوامر الملكية والمستشفيات العامة والمارستان والسجن والدور الصغيرة دون أن ننسى مؤسسة الحجز وهي اختراع من اختراعات العصر الكلاسيكي العجيبة“[19].

لقد كان الغرض من هذه التجربة الجديدة في كتابة التاريخ أو التاريخ في ثوبه الجديد كما يقول ميشيل فوكو هو إخراج التاريخ من تجربته التقليدية، وتجاوز أساليبه العتيقة القائمة على معنى ذابل للأرشيف والوثيقة من كتب ونصوص وحكايات وسجلات وعقود ومنشآت ومؤسسات وقواعد وتقنيات وأشياء وعادات الخ، واستبدالها بأخرى. إن التاريخ الذي يروم فوكو تأسيسه يحول الوثائق إلى نصب أثرية، ويعرض كمية من العناصر التي يمكن عزلها والجمع بينها وإبرازها والروابط بينها وحصرها في مجموعات.”في هذه النقطة يتحدد المشروع _ يقول فوكو_ الذي حاولنا أن نرسم خطوطه العامة الأولية في الكلمات والأشياء وتاريخ الحمق

وميلاد العيادة. وهو مشروع نسعى فيه إلى قياس التحولات التي تحدث عامة في التاريخ؛ إنه مشروع يطرح موضع السؤال، المناهج والحدود والمضامين الخاصة التي يدور عليها تاريخ الأفكار“[20].

بعد أن تم بسط الأهمية النظرية الكبرى لتاريخ الجنون داخل متن ميشيل فوكو، يمكن الآن أن نقف عند الانفصالات والتحولات التي عرفتها تجربة الجنون داخل المجتمع الغربي وهي التجربة التي تشترك فيها كل الأمراض مع الجنون، ويمكن تلخيصها في ثلاث لحظات كبرى لكل واحدة خصوصياتها وإكراهاتها وتمثلاتها التي تجعلها متميزة عن الأخرى وهي:

1. لحظة السفينة والجنون المعتقل

2. لحظة الطب

3. لحظة الدولة

1. لحظة السفينة والجنون المعتقل:

نقصد بلحظة السفينة أول نماذج علاقة الإنسان مع المرض والجنون كما قدمها ميشيل فوكو، وهي علاقة تختزن بين ظهرانيها عنفاً كبيراً يتجسد في ممارسة كل أشكال العسف واستدعاء كل أجهزة السلطة الانضباطية داخل اقتصاد سياسي للجسد يرمي التحكم في البيولوجي ورسم خريطة للسواء الفيزيولوجي والنفسي، مرفقة بهوامش توضع عليها العناصر المرضية التي مثل الجذام والأمراض التناسلية والجنون والفقر والتسول أهمها. وقد كان الإبعاد والإقصاء الاجتماعي بمختلف تجلياته السمة المميزة لهذه اللحظة من تدبير المرض داخل المدينة وأول إجراءات السياسة البيولوجية للدولة، من خلال إعدام المجانين والمرضى وسجنهم ونفيهم وتهجيرهم وتعذيبهم وطردهم…الخ. وهذا ما يعني أن لحظة السفينة تضم في الواقع لحظات متعددة، ظهر أولها داخل نفي الحمقى وتهجيرهم، وتجسد ثانيها في تحول النفي إلى اعتقال بعد احتفاء الأدب و الفن بالجنون، وتمثل ثالثها في تحول الاعتقال إلى إصلاح.

إن ما يميز هذه اللحظة كذلك في نظر فوكو هو حضور الجنون بين مفهومين كبيرين، وهما الخوف والمرض، فالجنون يرتبط بالخوف، لأن كل التدابير التي اختارتها الدولة في تنظيم حقل الجنون كانت تخفي وراءها خوفاً من المرض، فالتهجير والتعذيب والاعتقال والعلاج والعلاج والقتل كلها مفاهيم تدل على أن عنف الدولة والمجتمع اتجاه المجنون، له ما يبرره وهو خوفهما من الجنون. أما ارتباط الجنون بالمرض، فمرد ذلك إلى اشتراك الجنون مع كل الأمراض واقع وجودها وشروط إنتاجها، إذ أن صورة المجنون كانت انعكاساً رمزياً لصورة المرض والمريض داخل المجتمعات الغربية بأكملها وخاصة ألمانيا وفرنساً.

إن مفهوم سفينة الحمقى ههنا كما استعمله فوكو، يشير إلى تعبير أدبي يرتبط بفن الرسم ( حيث اللوحة المشهورة لجيروم بوش Jerome Bosch) وبشكل أكثر بالرواية ( حيث الرواية المشهورة لسبستيان برانت Sébastien Brantسفينة الصحة وبلوي شوت blauwe schuteلجاكوب فان أستفورن jacob van oestaven، هذا دون إغفال سفينة الحمقى وزورق المجنونات لجوسي باد). معنى ذلك أن الجنون كان عبارة عن موضوع متخيل، ومصدراً من المصادر المتعددة للإبداع الإنساني التي انطلقت مع بداية تمجيد النزعة الإنسانية للجنون.

غير أن هذا الكائن المتخيل”سفينة الحمقى“، سرعان ما سيتضح مع فوكو على أنه كائن حقيقي فــ”سفينة الحمقى من بين هذه الأساطيل الروائية أو الهجائية، هي التي كان لها وجود حقيقي. فالسفن التي كانت تنقل حمولتها الجنونية من مدينة إلى أخرى وجدت حقاً. ولهذا فإن الحمقى كانوا يعيشون التيه. لقد كانت المدن تطردهم من جنباتها، ليلتحقوا بالبراري حيث يتيهون على وجوههم، هذا في الحالة التي لا يشحنون فيها مع بضائع تجار أو قافلة حجاج. وهذه ممارسة كانت سائدة في ألمانيا. فقد تم في نورينبورغ، في النصف الأول من القرن الخامس عشر، إحصاء 62 مجنوناً، 31 منهم تم طردهم من المدينة. وفي النصف الثاني من هذا القرن، تم تسجيل 21 حالة رحيل قسري. والأمر لا يتعلق سوى بالمجانين الذين يتم إحصاؤهم من طرف السلطات البلدية. وقد يحدث أن يعهد بهم إلى بعض العاملين في السفن: ففي فرانكفورت في 1399 كان يكلف بعض البحارة بتخليص المدينة من أحمق يتجول عارياً في شوارعها، وفي السنوات الأولى من القرن الخامس عشر تم التخلص من مجرم أحمق بنفس الطريقة. وأرسل إلى مايانس. وأحياناً كان البحارة يلقون بالحمقى خارج السفينة قبل نقطة الوصول“[21].

تعبر سفينة الحمقى إذن عن تدبير سياسي جديد للمرض ظهر مع بداية التخلص من الجذام الذي كان يعتبر المشكلة الأولى للعالم الغربي، ويكشف هذا التدبير الجديد عن طبيعته الإقصائية، لأن المجنون مثله مثل المجذوم أقصي من الحياة ومن العيش وسط الجماعة، لأن في إبعاده الاجتماعي عملا مقدساً يرضي الله. وهو قبل ذلك عمل مطهر، يغسل المدينة من أوحالها، أي من المجانين وأمثالهم. إن إقصاء المجانين من المجال الاجتماعي عن طريق تهجيرهم والرمي بهم في البحر أحياناً، كان نتيجة لفقدان تيمة الموت أهميتها داخل المخيال الاجتماعي بفعل القضاء على الجذام وأسباب الطاعون والحرب، ولكن وبشكل أكبر نتيجة لاستمحال الجنون موضع الموت، فـــالجنون هو”الحضور المسبق للموت“، وبالتالي فإن إبعاد المجنون، يعني إبعاداً للموت أو على الأقل تفاديه المؤقت مادام يشكل النهاية الحتمية للأفراد.

لم تكن سفينة الحمقى في الحقيقة إلا إجراءً وقائياً، ضمن إجراءات وقائية كثيرة، أملاها الخوف من الجنون باعتباره تجلياً من تجليات الموت، ما يميزها عن باقي الأفعال التحكمية الأخرى مثل القتل والاعتقال والإصلاح، هو الصورة التي كانت تحملها المجتمعات الغربية عن الجنون، وهي صورة أدى تغيرها لحظة دخول الفن والأدب والفلسفة والعلم مجال التفكير في الجنون، إلى تغير فكرة التهجير والنفي واستبدالها بفكرة العلاج والإصلاح، بعدما أضحى الجنون شكلا من أشكال الوجود المريض، الذي يلزم مدحه أحياناً، واستلهام مقدماته أحياناً أخرى، والبحث عنه في ذواتنا مادام الإنسان كائناً مجنوناً،”لقد ولدت التجربة الكلاسيكية للجنون، وخفت حدة التهديد المتصاعد الذي وصل مداه في القرن الخامس عشر، وفقدت القوى المقلقة التي استوطنت لوحات بوش عنفها. وظلت هناك أشكال، وهي الآن أشكال شفافة وغير عنيفة، تكون موكباً، هو الموكب الضروري للعقل. وكف الجنون عن أن يكون تجسيداً في محيط العالم والإنسان والموت، وصورة عن العالم الآخر، لقد تلاشت ظلمات تلك الليلة التي كانت العيون مشدودة إليها، والتي تنبع منها أشكال المستحيل، وجلل النسيان العالم الذي كانت تجوبه العبودية الحرة للسفينة، إنها لن تذهب، في رحلتها الغريبة، أبعد مما هو موجود، ولا دون ما هو موجود. إنها لن تكون أبداً تلك الحدود الهاربة المطلقة. هاهي ترسو بثبات وسط الأشياء والناس. لقد احتفظ بها وثبتت في مكانها، إنها لم تعد قارباً، بل أصبحت مستشفى“[22]

تلخص هذه العبارة الفوكونية في الواقع مجمل التغير الذي عرفته صورة الجنون داخل العصور الوسطى، ذلك أن الصورة القاتمة التي كان يحملها الناس عن الجنون، تغيرت شيئاً، حيث استبدلت السفينة بالمستشفى، وتحول التهجير إلى اعتقال كبير، إلا أن فوكو سيكتشف داخله أن عنف هذا الاعتقال”المستشفى“لا يقل عن عنف السفينة والإبحار. بل هو أعنف منها خاصة عندما ستتحول دور الحجز إلى مؤسسات سياسية تستجيب لرهانات السلطة المتمثلة في التحكم في حقل البؤس وترتيب عناصره.

إن تقنية الاعتقال التي يتحدث عنها ميشيل فوكو ترتبط بالقرن السابع عشر، تاريخ ظهور أول مستشفى عام بباريس، تنفيذا لمرسوم ملكي صدر سنة 1656. وتمثل لحظة جديدة من عمر الفهم والتدبير الإنساني للمرضي، خاصيته الأساسية تحول الجنون إلى شكل من أشكال البؤس الذي يعم المجتمع الغربي، وبالتالي لم يعد المرض ظاهرة توجب الإبعاد والتهجير، وإنما تحتاج مؤسسات طبية وبنيات قانونية قادرة على تدبير البؤس وهو ما شكلت دور الحجز والمستشفيات أول مظاهره:”المستشفى العام ليس مؤسسة طبية، بل هو بنية قانونية، ما يشبه الكيان الإداري الذي بالإضافة إلى سلطاته المعترف بها خارج المحاكم، يقرر ويحكم وينفذ“[23].

لقد جاء خلق دور الحجز والمستشفيات نتيجة لرغبة سياسية أولا ودينية بعد ذلك في القضاء على البؤس، لأنه نتاج فوضى وعائق أمام النظام، تحول من خلاله الفقر والمرض إلى خطيئة ضد النظام العام وهو ما جعل من هذه المؤسسات”بؤرة لصراعات متعددة، بين الاختبارات القديمة للكنيسة الخاصة بإغاثة الفقراء ضمن طقوس الضيافة، وبين طموحات البورجوازية في إعادة تنظيم البؤس: الرغبة في الإغاثة والحاجة إلى القمع، واجب الإحسان وإرادة التعسف“[24]

إن هذا المظهر الجديد الذي اتخذه البؤس داخل المجتمع، سيحول المرض إلى”مشكلة بوليسية“لها علاقة بنظام الأفراد داخل المدينة، وهذا ما سيجعل من المريض والمتشرد والمجرم والمتسول والوقح والجشع والعجوز والمومس والعاق والغبي والضال و…الخ، نماذج متماثلة تحتاج إلى الاعتقال لا إلى الإحسان، لأن في اعتقالها تطهيرا للفضاء الاجتماعي، وإبعادا للعناصر الطفيلية أو الضارة. وهو ما يفسر كيف أن”لا يحتوي على أي فكرة طبية، لا من حيث اشتغاله، ولا من حيث خطابه، إنه محفل من محافل النظام، النظام الملكي البرجوازي الذي كان منهمكاً في تنظيم أوضاعه“[25].

لقد أدى دخول الكنيسة إلى حقل تدبير المرض والبؤس على امتداد العصر الكلاسيكي، واستدعاء الدولة معظم البنيات التي نظمت من خلالها الكنيسة علاقتها بالمرض إلى”إحداث الانقلاب الكبير الذي قامت به الكلاسيكية في علاقات تربط الجنون بالتجربة الأخلاقية“[26]، فما الذي يقصده فوكو بالانقلاب الكبير؟

يعني أولا استبدال التقنيات القديمة لتدبير البؤس وتنظيمه، او على الأقل إعادة ترتيب عناصره، فكما أن الاستعاضة بالحجز على الكنيسة كان لتغير النظرة إلى الجنون والجذام والمرض بصفة عامة، فإن الانقلاب الذي يتحدث عنه فوكو في هذا المجال يتمثل في استبدال الوظيفة الكبرى للمستشفى العام من الاعتقال إلى الإصلاح والعلاج والعقاب، خاصة وأن ما كان يعرض على المستشفى العام من مصابين بأمراض تناسلية لم يعالجوا، وإنما عرضوا على الأطباء من أجل”تقويم سلوكهم أولا، ثم جلدهم ثانياً، وهو أمر تشهد عليه تذكرة إرسالهم. ولم يكن المصابون بالأمراض التناسلية في الأصل يعاملون معاملة تختلف عن تلك الخاصة بالمصابين بالأوبئة من قبيل الجوع والطاعون والجروح الأخرى“[27]

 تتميز اللحظة الثالثة من حياة السياسة الحيوية التي تشكلت عبر التاريخ، بخاصية أساسية تمثلت أساساً في اتساع دائرة المرض بعد أن أصبحت الصحة مرتبطة بالمقدس في شكله الديني أو الاجتماعي، فاللواط والإلحاد والخيانة الزوجية والشعوذة والممارسات السحرية والتنجيم …الخ، أصبحت أمراضاً، لأنها”خطابات وممارسات تقود إلى تدنيس ما في الدين من مقدسات“[28]، وتهدد قيم العائلة التي تشكل الركيزة الأساسية للنظام الاجتماعي. إنها لحظة لم تقص الحجز كما يمكن نتصور لكنها أفضت إلى حقيقة كبرى، وهي: أن الحجز ومن خلاله المستشفى لم يكن يشكل وحدة مؤسساتية، ولم يكن يتوفر على أي انسجام طبي أو سيكولوجي أو طبعقلي، ولم يكن موجهاً لفئة دون أخرى، حيث كان فضاءً يتسع دون أن يضيق. كما أنه لم يكن حقلاً للعلاج وحسب، بل امتد إلى ممارسة العقاب والتقويم والإصلاح.

-----------------------------------

المدخل السياسي إلى الصحة (2/2)

يتبين إذن من خلال ما سبق أن ميشيل فوكو يقدم اللحظة الأولى من عمر التدبير السياسي والاجتماعي للمرض، كلحظة عقابية، تحتوي على بنيات ومؤسسات طبية وقوانين صحية، لكنها لا تتجه نحو ممارسة العلاج والإشفاء، بقدر ما تستعمل في الإقصاء الاجتماعي وممارسة التعسف السياسي ضمن مقاربة لن نجد أحسن من تعبير ميشيل فوكو لوصفها، أي ضمن مقاربة بوليسية.

 لحظة الطب:

أما أن يكون العصر الكلاسيكي قد اعتقل المريض “المجذوم، المجنون، المريض جنسيا، الملحد، المتسول….الخ”، اعتقاداً منه، أن في اعتقاله خلاصاً وتطهير للفضاء الاجتماعي، وحماية لقيم المجتمع ومؤسساته، فذلك ما لا يمكن الشك فيه، وأما أن يكون الاعتقال والتعسف هو الحل الأخير الذي راهنت عليه الدولة والمجتمع لتدبير المرض، فذلك ما يسهل رفضه ورده. ويرجع ذلك إلى اتجاه العصر الكلاسيكي نحو وعي المرض“من خلال دراسة الجنون”، رغم كل ما ميز هذه التجربة من غموض وعدم قدرة على تحديد ماهية الجنون وأسبابه وأشكاله وحدوده، بل وعجز جعل من الجنون “معنى في حالة تشظي دائم”[1].

 إن هذا الوعي الذي ميز العصر الكلاسيكي لم يتخذ شكلا واحداً، وإنما اتخذ أنماطا مختلفة حددها فوكو في أربعة أساسية تشير كل واحدة منها إلى ممارسة علمية محددة، ترتبط فيما بينها لأنها تحتاج إلى بعضها البعض، رغم وجودها منفصلة، دون أن يستوعب بعضها البعض. فهناك أولا وعي نقدي خاصيته الأولى أنه “ينخرط كلية في حكمه، قبل بلورة مفاهيمه، وعي لا يحدد بل يدين”[2]، وهناك كذلك؛ وعي عملي للجنون، ميزته أنه “بقدر ماهو اجتماعي ومعياري، ومدعوم بشكل جيد منذ البداية، فإنه وعي درامي”[3]، بالإضافة إلى هذا يوجد وعي تلفظي بالجنون، ويتميز بـكونه “وعيا يمكن من القول، مباشرة دونما اعتماد على المعرفة: هذا مجنون”[4]، أخيراً وليس آخر، يظهر الوعي التحليلي للجنون “وليس الجنون داخله أكثر من كلية ظواهره… إن هذا الشكل من الوعي هو الذي يؤسس إمكانية معرفة موضوعية للجنون”[5].

 تعكس التجربة الطبية لحظة دخولها إلى حقل المرض، قطيعة جديدة وانفصالا مهماً، حيث تم التحول من المرض المقصي إلى المرض الموضوعي، وبالتالي من وعي عملي بالمرض إلى آخر نظري، وهي تجربة وجد الطب نفسها داخلها مع الفلسفة جنباً إلى جنب. إن ميزة الوعي الطبي للجنون ومن خلاله للمرض، هو “بحثه عن الجنون في الفضاء الطبيعي الذي يحتله، فالجنون مرض من بين أمراض أخرى، اضطرابات في الجسم و الروح، فهو ظاهرة من الطبيعة، يتطور في الطبيعة وضدها في الوقت دانه”[6].

 لقد بدأ الوعي الطبي للجنون حسب فوكو مع فييسنس Viessensالإبن، في إنتاج هذا النوع من التصورات حول الجنون باعتباره مرضاً “المركز البيضوي في الدماغ هو: بؤرة وظائف الذهن، لأن الدم الشرياني يتخذ شكلا دقيقاً ويتحول إلى ذهن حيواني، وبالتالي فإن صحة الذهن، في أبعادها المادية، محكومة بانتظام وتساوي حرية سير الأذهان في تلك القنوات الصغيرة”[7]، وقد استفاد الوعي بالجنون كثيراً من تطور المعرفة الطبية التي أضحت خلال القرن الثامن عشر أبعد من أي وقت مضى عن الفهم الميتافيزيقي للمرض، القائم على وجود جواهر موربيفية Morbifiqueوعلى مقولة عامة للمرض عقيمة. وهو ما يشير إلى أن ابتعاد التصور الجديد للمرض عن المقولات الميتافيزيقية، يعني الارتماء بين أحضان البراديغم التجريبي، الذي يعتبر الوجود الواقعي للظواهر، وقابليتها للملاحظة، هو ما يمنحها صفة العلمية، ويوجه العلم نحوها من أجل دراستها.

 إن ما يميز الاشتغال الطبي على المرض هو حمله لرهانات مغايرة، لتقنيات السلطة لحظة التفكير في المرض، فإذا كانت الثانية اتجهت بشكل عام نحو اعتقال المرض وإبعاده وإخفائه، فإن ما سميناه بلحظة الطب، نحت اتجاه “تحرير المرض”، تحريره أولا من النظرة الشمولية التي كانت تختزل في مفهوم المرض فئات اجتماعية واسعة، لا يجمع بينها إلا شيء واحد وهو جمع السلطة لها داخل قالب واحد. وتحريره كذلك من خلال إعادة تنظيم العالم الباتولوجي وفق معايير جديدة، استوحاها الطب من عالم النبات، وكما يقول بول سيدنام Paul Sydenham“علينا أن نجمع كل الأمراض في أنواع محددة بنفس حرص دقة عالم النبات”[8] وهو الأمر نفسه الذي انتهى إليه كل من غوبيوس Gaubiusودوسوفاج de sauvage…الخ، حيث تم تنظيم المرض وفق مقدمات جديدة، تختلف جذرياً عن الطريقة التي فهم بها المرض في الماضي، أهم معاملها الاتجاه التدريجي نحو علمنة المرض، أو بطريقة أصح إبعاد الطابع الديني عن الفهم الإنساني للمرض، بعدما كان يعتقد قديما أن المرض عقاب إلهي[9]. وفي الأخير يظهر الدور التحريري للطب داخل مساهمته في انفتاح الممارسة العلاجية من التصور الوحيد للمرض، حيث بدأ الجنون مثلا “المرض” يفقد طابعه الموحد لصالح، نماذج وأنواع جديدة وفق أعمال تصنيفية يقدم فوكو داخلها “بلاتر Plater، وجونستون jonston، وبواسيي دو سوفاج boissier de sauvageو ليني linnéو فييكار weickheird” كنماذج متقدمة لفهم المرض وخاصة المرض العقلي.

 بقي أن نشير إلى خاصية أخيرة أضافها الطب إلى حقل المرض أو حقل الصحة، وهي الانتقال بالمرض من عالم الاعتقال إلى عالم الشفاء مع كل ما ميز هذا الانتقال من خلق لمعايير وقيم ومبادئ ونماذج وآثار ومؤسسات…الخ، حولت المجنون والمريض من مذنب إلى إنسان أو على الأقل إلى جسد يحتاج العلاج لا العقاب، مع كل ما رافق هذا الانتقال من تحولات كبرى على مستوى الممارسة النظرية للطب التي لم يكن لها دائم تأثير مباشر على فعل العلاج. بالإضافة إلى المساهمة في تكون نظرة جديدة عن المرض مع علم النفس والتحليل النفسي.

 1. لحظة الدولة:

 تدخلت الدولة تاريخا في تنظيم البؤس عبر تقنيات كثيرة، تجسدت في مراسيم و ظهائر يصدرها الملك وقوانين وتشريعات يصدرها البرلمان، وتمثلت ثانيا في إحداث دور للحجز و المستشفيات و “الإصلاحيات”، تتخذ شكل مؤسسات للإبعاد والاعتقال و العلاج والإصلاح، وتشكلت كذلك من خلال ترتيب إجراءات وتدابير يمكن أن نصفها بلغة معاصرة باسم سياسات صحية. ويمكن القول أن الغاية الأساسية لهذا التدخل كان هو الوصول إلى دولنة الجسد و الصحة، من خلال نزع الطابع الفردي أو العائلي عنها. بالإضافة إلى سعيها، في إطار صراعها مع الكنيسة، إلى علمنة الصحة عن طريق نزع الطابع الديني عن الممارسة العلاجية.

 إن الحقيقة التي كشف عنها فوكو، ويمكن القول بنوع من الإحتراس، أن بعض تجلياتها ما تزال حاضرة إلى اليوم، وهي أن: المؤسسات العلاجية بكل أصنافها لا تقوم بأي وظيفة طبية، لأنها لا تتوفر على أي فكرة طبية. فمهمتها الأولى سياسية أولا، شبيهة بتلك التي يقوم بها السجن، ضمن سياسة انضباطية عامة، تقوم على “المراقبة و المعاقبة، للعناية والقمع، للمساعدة والاعتقال، الشيء الذي يجعل هذه المؤسسات السياسية،” مؤسسات غريبة يصعب أحياناً تحديد معناها ووضعها"[10].

 إن السؤال الأساسي الذي اتجه فوكو نحو الكشف عنه من خلال الوقوف على المظاهر الكبرى لتدبير المرض، هو ما هي المظاهر السياسية للمرض، وقبل ذلك متى بدأ الجنون يأخذ معنى المرض العقلي؟.

لقد ساهم اهتمام فوكو بتاريخ الجنون، بشكل كبير في اتساع رقعة اهتمامه بالجسد والصحة والطب، وهو ما بدا واضحاً في اتجاه فوكو نحو تفكيك بنيات جديدة، في الممارسة العلاجية والبحث في تفاصيلها الصغيرة وفي شكل القطائع و الهوامش التي تشكلت داخل بنية تكونها. وقد ارتبط هذا الاهتمام بسؤال جديد وهو " كيف تشكلت النظرة العيادية داخل النظرة الطبية؟

2. العيادة، والتشكل العلمي للممارسة الطبية:

 غني عن التأكيد أن فوكو لم يحبس نفسه للتفكير في تاريخ المؤسسة الطبية، كما قد يوحي بذلك عنوان ثاني كتبه “تاريخ العيادة”، إذ اتجه منذ بداية مؤلفه تحديد مسارات والتي حددها في ثلاث مفاهيم أساسية تشكل في نظره البنية الأولية لكل ممارسة طبية، يتعلق الأمر بمفهوم المجال ومجموع النقاشات التي أحاطت بها داخل الممارسة الطبية من حيث القدرة أو عدمها على توطين المرض، وهو نقاش يكشف ميشيل فوكو جزء منها داخل تاريخ الجنون، بالإضافة إلى مفهومي اللغة و الموت و ما يرتبط بهما من ممارسات علمية، تبدأ انطلاقاً مما يستعمله الطبيب من رموز في توصيف المرض وتقديمه، وصولا إلى التشريح، باعتباره العلمية التي جعلت الطب يكرس نفسه كعلم للفرد.

 إذا كان لابد من الإشارة أعلاه، فإن ما يهمنا في “ولادة العيادة” ليس تقديم ما انتهى إليه فوكو من خلاصات نظرية كبرى بخصوص تطور النظرة الطبية للمرض والجسد والموت، بقدر ما يشكل الحفر في المظاهر السوسيولوجية للممارسة الطبية والمجال الصحي و التي يعتبر الكتاب غني بها، أول هدف نتغيا الوصول، لاسيما وأن ميشيل فوكو، لم يلزم يوماً قراءه بنظرة واحدة دون غيرها.

 تستمد الممارسة الطبية كل مقوماتها في نظر ميشيل فوكو من العالم المحيط بها، فهي أولا تتأثر بعالم الحياة الذي عملت على إعادة إنتاج أطروحاته بخصوص طبيعة المرض وماهية الصحة “إن نظام المرض ليس إلا انعكاساً لعالم الحياة، نفس البنيات تسود هنا وهناك، ونفس أشكال التوزيع ونفس الانتظام، إن عقلانية الحياة تشبه مايهددها”[11]، كما أنها تأثرت وبشكل كبير بعالم السياسة، من حيث وجود أوغياب البنيات الصحية، فإذا كانت الثورة الفرنسية مثلا قد حملت فكرة إلغاء المستشفيات وجمعيات الأطباء Corporation، فإن هذا الفراغ المؤسساتي وتحول المستشفى إلى مجال جديد يتقاطع فيه التعليم و التعلم، المراقبة و الممارسة الطبية، وبكلمة أعم الخطاب التربوي والتدخل العلاجي.

 من جهة ثانية لم يفت ميشيل فوكو البحث في البعد العلائقي للظاهرة الصحية من خلال تفكيكه لبنية العلاقة التي تجمع الطبيب بمريضه، وبالتالي الطب بالمريض، وهو ما يجرنا إلى القول إن ميشيل فوكو لم يكن إبيستمولوجيا في ولادة العيادة فقط، وإنما كان سوسيولوجيا كذلك.

 تنبني علاقة المريض و الطبيب في نظر ميشيل فوكو على العنف والإقصاء، لأن معرفة المرض و الوصول إلى حقيقة الظاهرة الباثولوجية، لا تقوم داخل وجهة النظر الطبية إلا عندما يقوم الطبيب بتجريد المرض، وبالتالي إقصاء المريض من حلقة العلاج، فالطب“ لا يتجه نحو الجسد الملموس، نحو هذا الكل المرئي، نحو هذا الامتلاء الوضعي الذي يوجد أمامه، وإنه يتجه نحو فواصل طبيعية، نحو هفوات ومسافات تظهر سلبية، إنها العلامات التي تميز كل مريض عن آخر”[12].

 يقوم وصف ميشيل فوكو لعلاقة الطبيب بالمريض بالعنيفة، على كثير من المقدمات السوسيولوجية الكبرى، أولها أن الطبيب لا يشتغل على المرض إلا من موقع واحد، داخل ثنائية تقليدية، تتأسس على الجهل و المعرفة، فالطبيب يتخذ موقع العالم الذي لا يحتاج إلى ما يقوله المريض من أجل معرفة المرض، لأن المريض لا يمثل إلا تمظهراً خارجياً بالنسبة لما يعانيه، لذلك فإن القراءة الطبية لا تأخذ بعين الاعتبار ما يقوله المريض عن مرضه، إلا لكي تضعه بين مزدوجتين، لان ما يهم الطبيب يوجد في البنية الداخلية لأجسادنا لا فيما نقوله. ورغم ذلك، أي رغم إقصاء الطبيب للمريض، ورفض الثاني للصورة التي يتخذها تدخل الأول، فإنها ملزمان بالتعايش مع بعضهما البعض، إنها يتعايشان كما يقول فوكو كتشويش لا مجال لتجنبه.

 غني عن التوضيح أن ميشيل فوكو أولى اهتماماً خاصاً بالتاريخ السياسي للمؤسسات الصحية وما رفق نشأتها و غيابها من نقاشات سياسية كبرى داخل المجتمع الفرنسي، انتهى من خلاله إلى أن “المستشفى مثله مثل الحضارة، مجال اصطناعي يهدد داخله المرض بفقدان صورته الأساسية”[13]، وهي ملاحظة ما تزال تجلياتها موجودة داخل المجتمع المعاصر، ذلك أن معرفة الناس بأمراضهم وعلاقتهم مع هذه الأمراض غالباً ما تجد معنى آخر ووجوداً مغايراً داخل المستشفى.

 وإذا كانت المستشفى مؤسسة اصطناعية، يفقد فيها المرض صورته الأصلية، فإن الأسرة هي المجال الطبيعي للمرض، بما هي مجال طبيعي للحياة، حيث رقة العلاجات العفوية وقوة الارتباط، وحيث وجود رغبة جماعية في العلاج، من خلال تعبئة جماعية لمساعدة المريض على تجاوز مرضه. وهو الأمر بطبيعة الحال الذي لا يوجد داخل المستشفى.

 يعني وجود مجالين للمرض، وعجز المريض عن القيام بأدواره الاقتصادية، خلال القرن الثامن عشر، ظهور نقاش جديد حول صلاحية وجود المستشفى داخل المجتمع، حيث دعى أصحاب هذا السؤال إلى ضرورة استثمار الخيرات التي توجه نحو بناء المستشفيات إلى إعانة مباشرة للأسرة، التي سيصبح آنذاك من مهمتها مساعدة المريض على تجاوز مرضه، وهنا تكون الدولة قد قامت بإجراءين، مساعدة المريض على المرض، ومساعدة أسرته على البؤس والفقر. غير أن هذا النقاش انتهى لصالح توجه آخر يرى في بقاء المؤسسات الصحية ووجود هيئات لمراقبة الصحة العامة ومراقبة عمل الأطباء، بالإضافة إلى تنظيم الحقل الطبي من خلال إصدار تشريعات تقنن الممارسة الطبية، وتعاقب كل ممارسة لمهنة الطب لا يحمل تفويضاً مؤسساتياً لممارسة الطب، إما بغرامة أو بالسجن في حالة العود، لكن أهم توصية حملها دعاة هذا الاتجاه الذي اختارته الدولة هو مجانية العلاج، بحيث تقدم الخدمة الطبية للجميع، وتتكفل الدولة بتعويض الطبيب، ثم إلزامية العلاج، حيث لم يعد مسموحاً أم يترك أي مريض لحال سبيله.

 لم يكن ميشيل فوكو في خضم بحثه التاريخي عن المظاهر السياسية للصحة داخل المجتمعات الغربية، مستغرباً من الوصول إلى حقيقة سوسيولوجية وتاريخية أخرى تهم المرض، يتعلق الأمر بالطابع التاريخي والاجتماعي للمرض “فالأمراض تتنوع حسب الحقب والأماكن، ففي العصور الوسطى مثلا حيث الحروب والمجاعات. ارتبطت الأمراض بالخوف والإنهاك” سكتات دماغية، حمى الدق“لكن خلال القرن السابع عشر بدأت تضعف القيم الوطنية وكل ما يرتبط بها من التزامات، حيث انطوت الإنسانية على ذاتها، مقابل انتشار النهم والشبق” أمراض الزهري، الأمراض المعوية والدموية، وخلال القرن الثامن أدى البحث عن المنفعة من خلال الخيال، إلى الاهتمام بالمسرح و الرواية والحماس إلى نقاشات طويلة، يسهر الأفراد في الليل وينامون بالنهار، الشيء الذي أدى إلى الهستيريا والوسواس المرضي والأمراض العصبية"[14].

تركيب:

إذا كان إميل دوركايم قد أسس للبعد الاجتماعي للصحة والمرض، وكشف عن ملامح تدخل المجتمع في ترتيب المرض وتدبير الصحة، فإن ميشيل فوكو استطاع من خلال مشروع الأركيولوجي والجينيالوجي أن يبين الجانب السياسي والتاريخي للصحة والطب، من خلال أبحاثه التي استطاع من خلالها الكشف عن الجانب التاريخي والسياسي للمرض والطب والمؤسسات الطبية، فإما الجانب التاريخي فيبدو في ارتباط المرض بالتاريخ، بما هو وضع اجتماعي وسياسي وثقافي، إذ أن لكل فترة تاريخية أمراضها التي ترتبط بها، وهي خاصية يشترك مع فوكو في تأكيدها مختلف السوسيولوجيين والأنتربولوجيين الباحثين في الصحة بدءاً بمارك أوجي وروجي باستيد وكلودين هيرزليتش وصولا إلا رايمون ماسي ومارك ترومبلاي و ستودلر…الخ. أما البعد السياسي للصحة، فيبدو في نظر فوكو في تحول السلطة الحيوية القديمة، بما هي سلطة على الإماتة والإحياء والقتل والإبعاد والنفي، إلى الدولة الحديثة التي أنشأت المؤسسات الطبية للعقاب أولا وللإصلاح بعد ذلك، رغبة منها في الاستفادة من أرواح الناس وأجسادهم في العمل الإنتاجي.

 إن قيمة العمل الفوكوني المرتبطة بالصحة والمرض والمؤسسات الصحية، يجد تجلياته اليوم ليس داخل الكتابات التي تحتفي بما أنجزه فوكو فقط، وإنما يستمد مشروعيته كذلك من داخل الأسئلة التي طرحها فوكو، وما تزال إلى اليوم راهنة في سياقها الأم وفي سياقات اجتماعية مغايرة.

---------------------------------------------------------

هوامش الجزء الأول من البحث:

[1] يمكن أن نشير في الصدد إلى دراستين اثنتين، في سياقين مختلفين وإن كان المجال العلمي يحتضن بين ظهرانيه أكثر من ذلك، نقصد هنا جورج كانغليم، من خلال دراسته المهمة العادي و المرضي، حيث أن الشرط السياسي والتاريخي غير حاضر أبداً في دراسات الرجل كما لو أن تكون المفاهيم والنظريات العلمية ينشأ خارج سياقاتها التاريخية. بالإضافة إلى دراسة لوسيان لوكليرك حول تاريخ الطب العربي.

[2] فوكو، ميشيل، يجب الدفاع عن المجتمع، ترجمة الزواوي بغوره، دار الطليعة، الطبعة الأولى 2003 ص 233،234.

[3] نفس المرجع ص 240.

[4] فوكو، ميشيل، تاريخ الجنسانية إرادة العرفانI، ترجمة محمد هشام، إفريقيا الشرق2004 ص116

[5] فوكو، ميشيل، يجب الدفاع عن المجتمع، ص 242.

[6] نفس المرجع ص 236

[7] Foucault, Michel, Naissance de la Clinique, Cérès éditions, Tunisie, 1995 P24

[8] يعتبر ميشيل فوكو أن الطبيب ليس إلا أداة تستعمل الدولة ضمن تكنولوجياتها السياسية للحياة، ( سنعود إلى هذه النقطة لاحقاً”

[9] فوكو، ميشيل، تاريخ الجنسانية إرادة العرفانI 118

[10] اتجاه ميشيل فوكو نحو القول بتشكل البعد السياسي للصحة خلال القرن الثامن عشر، يعني أن الاهتمام السياسي بها ليس وليدة اللحظ الراهنة، أو مجال تدخل الدولة المعاصرة

[11] Foucault, Michel, naissance de la clinique, P44

[12] Ibidem

[13] IbidP32

[14] Ibid P55

[15] ميشيل فوكو، المراقبة و العقاب، ترجمة د. علي مقلد، مراجعة وتقديم د. مطاع صفدي، مركز الانماء القومي بيروت، 1990 ص35

[16] Ibid. P120

[17] فوكو، ميشيل، حفريات المعرفة، ترجمة سالم يافوت، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثالثة ص8

[18] نفس المرجع ص 5

[19] فوكو، ميشيل، تاريح الجنون في العصر الكلاسيكي، ترجمة سعيد بنكراد، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى 2006 ص14

]* يستعمل سالم يفوت تاريخ الحمق بدل تاريخ الجنون

[20] فوكو، ميشيل، حفريات المعرفة، ص15

[21] فوكو، ميشيل، تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي، ص ص 29/30

[22] فوكو ميشيل، المرجع السابق ، ص 63

[23] فوكو، ميشيل، المرجع السابق، ص71

[24] المرجع السابق ص75

[25] نفس المرجع ص72

[26] نفس المرجع ص108

[27] نفس المرجع، نفس الصفحة,

[28] نفس المرجع ص 120

-------------------------------------

  هوامش الجزء الثاني من البحث:

[1] نفسه ص185

[2] نفسه ص186

[3] نفسه ص 187

[4] نفسه ص 188

[5] نفسه ص 189

[6] نفسه ص 195

[7] نفسه 199

[8] نفسه ص 209

[9] هي ملاحظة سنكتشف داخل بعض الأطروحات الأنتربولوجية أن لم تختف أبدا، ويمكن في هذا الصدد العودة إلى إدمون دوتي وليفي برويل ومالينوفسكي و دوركايم…الح

[10] نفسه ص74

[11] IbidP8

[12] Ibid P10

[13] Ibid P21

[14] IbidP44

----------------------------------------------

قائمة المراجع باللغتين العربية والفرنسية:

1. فوكو، ميشيل، يجب الدفاع عن المجتمع، ترجمة الزواوي بغوره، دار الطليعة، الطبعة الأولى 2003

2. فوكو، ميشيل، تاريخ الجنسانية إرادة العرفانI، ترجمة محمد هشام، إفريقيا الشرق2004

3. فوكو، ميشيل، تاريخ الجنسانية إرادة العرفانI، ترجمة محمد هشام، إفريقيا الشرق2004

4. فوكو، ميشيل، تاريخ الجنسانية إرادة العرفانI، ترجمة محمد هشام، إفريقيا الشرق2004

5. فوكو، ميشيل ، المراقبة و العقاب، ترجمة د. علي مقلد، مراجعة وتقديم د. مطاع صفدي، مركز الإنماء القومي بيروت، 1990

6. فوكو، ميشيل، حفريات المعرفة، ترجمة سالم يافوت، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثالثة2001

7. فوكو، ميشيل، تاريح الجنون في العصر الكلاسيكي، ترجمة سعيد بنكراد، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى 2006

8. غرو، فريديريك، ميشال فوكو، ترجمة محمد وطفه، طريق المعرفة

9. Augé, marc , hérzlich, Claudine, le sens du mal, Éditions des archives contemporaines,1984

10. Foucault, Michel, Naissance de la Clinique, Cérès éditions, Tunisie, 1995

11. Foucault, Michel, Les Mots et les Choses. Une archéologie des sciences humaines, Paris, Gallimard, 1966

12. Foucault, Michel, Folie et Déraison. Histoire de la folie à l’âge Classique, Paris, Librairie Plon, 1961

https://modernitysite.wordpress.com/2016/08/19/%D9%85%D9%8A%D8%B4%D9%8A%D9%84-%D9%81%D9%88%D9%83%D9%88-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D8%AE%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%AD%D8%A9-%D8%A7/

التعامل مع تعددية الأديان والمذاهب....

 

التعامل مع تعددية الأديان والمذاهب، والرؤى الفكرية خارج أطر الأديان والمذاهب

صادق جواد سليمان*

مسقط  - سلطنة عمان

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 *أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن، أن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين – (القرآن الكريم: 16: 125)

*ولا تستوى الحسنة ولا السيئة، إدفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم – (القرآن الكريم: 41:34)

------------------

توطئة:

تكاثرُ المشاكل الإنسانية وتزايدُها طردا في التشعب والتعقيد يحفزنا جميعا على بلورة فهم أدق لطبيعة المشاكل التي نواجهها، أكان على الصعيد الوطني أو الإقليمي أو العالمي.  ينطبق هذا بالأخص على تلك المشاكل التي تكمن وراءها خلفيات قديمة لا يزال اجترار الاختلافات الموروثة منها تستثير  خصاما سياسيا-اجتماعيا في حراك هذا العصر.  أملي أن تساعد حوارات بناءة هادفة كحوارنا هنا اليوم في تكوين فهم معرفي أدق وأفسح لتلك الاختلافات: فهم ينمي فينا السعة لتفهم أكثر موضوعية للتنوع والتعدد الديني والمذهبي والفكري، في أوطاننا، إقليميا وعبر العالم، ومن ثم يمكّننا من التعايش مع التنوع والتعدد، وحتى التعارض، بوئام وطيد لا يصدر معه من أي دين أو مذهب أو منظور فكري، مسلك تعصبي إزاء دين أو مذهب أو منظور فكري مغاير.  

شاعر إنكليزي في القرن السابع عشر (جون دون) لاحظ أن لا شخص منفصل بذاته عن مجتمعه، كانفصال جزيرة وسط بحر.  اليوم، إذ نحن نعايش العولمة في جل المعطيات المعاصرة، نلاحظ أن هذا ينطبق أيضا على وضع كل مجتمع معاصر نسبة إلى المجتمع الأممي.  نلاحظ وضوحا أن لا مشكلة محلية  تبقى طويلا معزولة عن الشأن العالمي.  أي اضطراب أو عثار في الحال الإنساني، أينما يحدث في قريتنا العالمية، أكان جراء صراع سياسي، أو نزاع ديني، أو خصام مذهبي، أو هتك لحقوق الإنسان، أو تلويث للبيئة، أو جحود لحقوق المواطنة من قبل أنظمة حكم متعسفة، أو سوى ذلك...  إذا ما تفاقم سرعان ما يسري أثره مدار الأرض. خلاصةً، إذن، ما من شأن داخلي إلا إذا تعاظم، إيجابا أو سلبا، غدا شأنا خارجيا بامتياز. والعكس صحيح.

بإدراك  تكاثف هذا التشابك في الحال الإنساني تبرز  الحاجة أكثر إلحاحا من أي وقت سبق لأمم الأرض إلى أن تتواءم وتتعاون في إطار اعتماد متبادل لا غنى عنه لأيما دولة معاصرة.  بمثل ذلك، تبرز الحاجة إلى أن يتعامل المواطنون في أيما دولة ما بينهم بوئام وتعاون في إطار مواطنة متساوية، قائمة على أساس تكافؤ الحقوق من جهة، وتناسب الاستحقاقات والواجبات من الجهة الأخرى.  كذا إقليميا تبرز الحاجة إلى أن تتواءم وتتعاون الدول في إطار التكافؤ السيادي وحسن الجوار.  كذا عالميا تبرز الحاجة إلى أن تتواءم وتتعاون جميع المجتمعات الوطنية في إطار صداقة وتبادل مصالح.  كل ذلك بصرف النظر عما يوجد بين الشعوب، ومرارا ما بين الشعب الواحد، من تنوع الانتماء، فكرا ودينا ومذهبا وعرقا وسوى ذلك.  خلاصةً، إذن، تعددية الأديان والمذاهب والرؤى الفكرية والأعراق في أيما مجتمع معاصر لا تضر ولا تضير إذا هي انتظمت تحت وحدة الجامع الإنساني عالميا، وانضبطت تحت وحدة المواطنة المتساوية بين المواطنين، ذكور وإناث، في كل مجتمع.  

إزاء هذا التشابك في الواقع الإنساني في عصرنا، عالميا، إقليميا، ووطنيا، الإهتمام ببحث التنوع الديني والمذهبي، وأيضا التنوع الفكري خارج أطر الأديان ومذاهبها، بحثا معرفيا وعقلانيا، خلاف ما يجري مرارا من تراشق انفعالي بين المتطرفين من كل دين أو مذهب أو منظور فكري، أمر ضروري. هو ضروري لأجل نبذ التعصب مطلقا، ومن ثم اتقاء ما قد يفجر التعصب المتبادل من صراعات عنفية.  هو ضروري أيضا لأجل تمكيننا من بناء حياة كريمة آمنة، موفورة العطاء المنمي لأحوال الجميع.  خلاصةً، إذن، مع أن الغيرة على الدين أمر حميد، إلا أن التعصب من قبل أيما دين ضد دين آخر ليس كذلك.  كذا الغيرة على مذهب أو منظور فكري، إذا خامرها تعصب ضد مذهب أو منظور فكري آخر سرعان ما تتشوه وتؤدي إلى عواقب تغب وتحمق. 

 

التحاور إسلاميا – وليس سياسيا - بين المذاهب في الإسلام

 

في ضوء ما تقدم دعنا نتدارس الإطار الإسلامي والتعدد المذهبي ضمنه، تحديدا.  لأجل ذلك، دعنا ابتداء نرسم للإسلام رسما أساسيا كدين جامع، دعوته موجهة للناس كافة، ورسوله مبعوث رحمة للعالمين: دعوةُ قائمةً على منهاج الإقناع لا الإكراه، ومنضبطة بندب القرآن المجيد المسلمين كافة إلى أن يدعوا بالحكمة والموعظة الحسنة، ويدفعوا ويجادلوا بالتي هي أحسن.              

كجميع الأديان الكبرى التي لها أطر وسيعة، الإسلام يتكون من أربعة محاور: العقائد، الشعائر، الأحكام، الأخلاق.

على صعيد العقائد، يتمحور الإسلام في ثلاثة أصول: التوحيد، النبوة، المعاد.  مؤدى هذه الأصول هو 1) الإيمان بالله واحدا أحدا، فردا، صمدا، ليس كمثله شيئ.  2) الإيمان بأن الله مصدر هداية البشر، بواسطة أنبياء ورسل يبتعثهم من بين البشر، وأن محمدا خاتم  الأنبياء والمرسلين.  3)  الإيمان بالآخرة دارَ حساب وجزاء.

على صعيد الشعائر، الصلاة، الزكاة، الصوم، الحج وشهادة لا إله إلا الله، محمد رسول الله، تشكل أركان الإسلام الخمسة.

على صعيد الأحكام، يلزم الإسلام المسلمين بالتمسك بشريعته.  إلى جانب الشعائر التعبدية، تحدد الشريعة الأحوال الشخصية وأحكام المعاملات.  الزواج، الطلاق، الحضانة، النفقة، الميراث، التجارة، العقود ...أحكام كل تلك وأحكام أمورٍ جمة أخرى مبينة تفصيلا في الشريعة الإسلامية. 

أخيرا، على صعيد الأخلاق، يؤصل الإسلام السلامة والصلاح للأفراد والمجتمعات بسواء في الالتزام بمبادئ العدل، والمساواة، وكرامة الإنسان، والشورى في الحكم والحياة، معتبرا إياها مبادئَ جذريةً لاستقامة الشأن الإنساني، عمومه وخصوصه، في كل زمان ومكان. كذلك، يندب الإسلام إلى القيم المنمية للحياة: حاضا بالأخص على الصدق، الإحسان، الأمانة، التواضع، التعاون، إتقان العمل، الصفح، طلب العلم، حسن الجوار، إلى جانب خلائق أخرى من مكارم الأخلاق مشهودة الخير في إثراء خبرات سائر الأمم عبر التاريخ.  

ما سبق ذكره هو ما تتشكل منه أرومة الإسلام وتصطبغ به عموم مضامين رسالته العالمية. التزام كافة المذاهب الإسلامية بذلك كله بيّن وثابت بسواء: جميع المذاهب تقر بالقرآن كلامَ الله المنزلَ والمحفوظَ للأبد، وبالسنة النبوية منظومةَ أفعال وأقوال فضلى ملزم اتباعها  للمسلمين كافة.  بهذا المعنى، كأمر أساس، جميع المسلمين يحتكمون إلى مرجعية واحدة  لاستنباط أيما أمر حياتي أو أخروي له في الإسلام فهم صريح أو حكم محدد. 

مع رسوخ هذه الأرضية الأساسية المشتركة، ما هو إذن هذا الذي يُختلف عليه بين مذهب وآخر في الإسلام لدرجة أن الاختلاف مرارا ما يولد تشنجا بين المذاهب، وعندما يتفاقم يولد تعصبا متبادلا يؤدي إلى تخاصم فاحتراب؟  بنظري، لا يوجد ما يفسر ذلك سوى قصور  في فهم أصحاب مذهب للمذهب الآخر، قصور ناتج عن ضيق في الاستيعاب المعرفي لما لدى المذهب الآخر من نظر مستنبط باجتهاد منهجي مأثور لديه.  في مجال الحوار، عندما يشوب الحوار شحن تعصبي مسبق لدى المتحاورين، فإن مزيج قصور الفهم والتعصب سرعان ما يطلق  فورة انفعالية تفسد سلامته، ومرارا ما تؤدي إلى إفساد الود حتى بين خُلّص الأصحاب.  في حديثي، بقدر ما سيتاح من وقت، سوف استعرض نموذجا سليما، بل راقيا، للحوار بين المذاهب الإسلامية، بالأحرى بين السنة والشيعة على وجه التحديد، بقصد الحث على نبذ التعصب، والدعوة إلى توحيد الكلمة، وتوطيد الوئام الوطني في إطار المواطنة المتساوية بين جميع أتباع الديانات والمذاهب في كل موطن. 

نموذج جدير بالاقتداء

عام 1909، عالم شيعي بارز، يدعى عبدالحسين شرف الدين، حل بالقاهرة في زيارة لشيخ الجامع الأزهر، سليم البشري. كان شرف الدين من أصل لبناني، تحديدا من جبل عامل، لكن مولده كان في حي الكاظمية ببغداد، وتحصيله العلمي من الحوزة الشيعية بالنجف.  كان الباعث لزيارته شيخَ الأزهر إحساسه بأن السنة والشيعة يتباعدان عن بعضهما، وأن تباعدهما يضعف الإسلام... لذا وجب على علماء المذهبين تكثيف الجهود لأجل توطيد  الوحدة الإسلامية الحاضنة للجميع.  

في ذلك الوقت (مطلع القرن العشرين) كانت النخبة الثقافية العربية-الإسلامية قد أفاقت على حقيقة ما ساد العالم العربي-الإسلامي من تخلف مريع إزاء التقدم المشهود المنجز في العالم الغربي، ومن ذلك احتد بينهم نقاش غزير حول مسببات التخلف.  في مقابل الأطروحة العلمانية أن الموروث الإسلامي كان سبب التخلف، رد الإسلاميون أن على العكس، الابتعاد عن الإسلام كان السبب، وأن المطلوب موقف إسلامي موحد في وجه التحدي العلماني القادم من الغرب.   

كإسلامييْن راسخيْن، اتفق العالمان، السني الأزهري والشيعي النجفي، على أن الابتعاد عن الإسلام كان السبب الأعظم للتخلف، لذا على المسلمين أن يرتبطوا بشكل أوثق بتعاليم الإسلام. اتفقا أيضا على أن ما توجد من اختلافات  بين مذهبيهما لا تمس أي أمر أساس، وأن المذهبين متلاحمان وراسخان سويا في الإسلام.

مع ذلك، حاولا أن يحددا ويتعاملا مع ما يوجد بين مذهبيهما من اختلاف.  في معرض ذلك، وجدا أن المشترك بين المذهبين – السني والشيعي -  أعم كثيرا من المختلف عليه، وأنه يكاد لا يوجد أمر خلافي يذكر بين الجهتين  سوى مفهوم الإمامة.  وإذ أدركا أن موضوع الإمامة وما يتفرع عنه من تباينات مذهبية أخرى سيستغرق منهما وقتا طويلا للبحث، اتفقا على أن لا يختزلا البحث، بل أن يتناولاه على سعة وبمنهجية محكمة عن طريق مراسلة مرسلة. ما نتج  إثر ذلك، على مدى ستة شهور، هي 112 رسالة متبادلة بين العالمين الجليلين، وثقها العالم النجفي في كتاب سماه ب " المراجعات ".

قرأءة تلك الرسائل تعطي المرء ليس فقط فهما أوضح لنقاط التباين بين المذهبين، بل أيضا استيعابا أدق للأرضية الأوسع التي يلتقيان عليها حول الجوهر العقيدي في الإسلام.  فوق ذلك، هي تولد لدى القارئ إحساسا عميقا بضوابط الحوار وأدبه في التقليد الإسلامي.  هنا يلاحظ القارئ بإعجاب كم تتسم لغة الحوار بين العالمين بالوقار والإيجاز، وكم يتسم نهج الحوار بالتركيز على السمين دون الغث.  هنا يلاحظ باعتزاز مدى تقدير كل منهما لعلمية الآخر في معطيات دين منزل هما في الإيمان بثوابته العقيدية سواء.  هنا يلاحظ القارئ أيضا الرغبة الخالصة لدى المناظرين في التوصل إلى فهم موضوعي حقيق -  رغبة تسري في ثنايا كل عبارة يسطرها أحدهما في سياق عرض حجته واستظهار حجة  الآخر. (إزاء ذلك، وجب أن ألاحظ، ببالغ أسى وأسف، الفارق الفاحش بين سمو مستوى الحوار بين هذين العالمين، وهما من أقطاب هذه الأمة، ومن أدرى المسلمين بالإسلام، عمومه وخصوصه، وبين ما نشهد من رداءة المبارزات الكلامية عبر بعض الفضائيات العربية المستثيرة، بقصد على ما يبدو، لاختلافات لا تقدم ولا تؤخر إزاء رسوخ المذهبين سويا في الإسلام).

كشاهد على نقاء حوار العالمين، لعل من المفيد أن أورد هنا مقاطع من المقدمة التي صدّر بها العالم الشيعي النجفي كتابه (المراجعات) كي  يلمس القارئ مباشرة روح هذا الحوار النموذجي الذي جرى بينه ونظيره العالم السني الأزهري، والذي اختتم بتبادل أخلص عبارات المودة والتقدير:

يقول صاحب "المراجعات" في مقدمة الكتاب:

"وهناك (بالأزهر الشريف) على نعمى الحال، ورخاء البال، وابتهاج النفس، جمعني الحظ السعيد بعَلَم من أعلامها المبرزين، بعقل واسع، وخُلُق وادع، وفؤاد حي، وعلم عيلم، ومنزل رفيع، يتبوأه بزعامته الدينية، بحق وأهلية.  وما أحسن ما يتعارف به العلماء من الروح النقي، والقول الرضي، والخُلق النبوي، ومتى كان العالم بهذا اللباس الأنيق المترف، كان على خير ونعمة، وكان الناس منه في أمان ورحمة، لا يأبى أحد أن يفضي إليه بدخيلة رأيه، أو بثة ذات نفسه.  كذلك كان عَلَم مصر وإمامها، وهكذا كانت مجالسنا التي شكرناها شكرا لا انقضاء له ولا حد.

شكوت إليه وجدي، وشكى إليّ مثل ذلك وجدا وضيقا، وكانت ساعة موفقة أوحت إلينا فيما يجمع الله به الكلمة، ويلم به شعث الأمة، فكان مما اتفقنا عليه أن الطائفتين –  الشيعة والسنة -  مسلمون يدينون حقا بدين الإسلام الحنيف، فهم فيما جاء الرسول به سواء، ولا اختلاف بينهم في أصل أساسي يفسد التلبس بالمبدأ الأسلامي الشريف، ولا نزاع بينهم إلا ما يكون بين المجتهدين في بعض الأحكام، لاختلافهم فيما يستنبطونه من الكتاب أو السنة، أو الإجماع، أو الدليل الرابع، وذلك لا يقضي بهذه الشقة السحيقة، ولا بتجشم هذه المهاوي العميقة. إذن أي داع أثار هذه الخصومة المتطاير شررها منذ كان هذان الإسمان – سنة وشيعة – إلى آخر الدوران.

ونحن لو محصنا التاريخ الإسلامي، وتبينا ما نشأ فيه من عقائد وآراء ونظريات، لعرفنا أن السبب الموجب لهذا الاختلاف إنما هو ثورة لعقيدة، ودفاع عن نظرية، أو تحزب لرأي، وأن أعظم خلاف وقع بين الأمة اختلافهم في الإمامة، فإنه ما سل سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سل على الإمامة، فأمر الإمامة إذن من أكبر الأسباب المباشرة لهذا الاختلاف.  وقد طبعت الأجيال المختفلة في الإمامة على حب هذه العصبية.

وقد فرضنا على أنفسنا أن نعالج هذه المسألة بالنظر في أدلة الطائفتين، فنفهمهما فهما صحيحا، بحيث لا نحس إحساسنا المجلوب من المحيط والعادة والتفليد، بل نتعرى من كل ما يحوطنا من العواطف والعصبيات، ونقصد الحقيقة من طريقها المجمع على صحته، فنلمسها لمسا، فلعل ذلك يلفت أذهان المسلمين، ويبعث الطمأنيمة في نفوسهم بما يتحرر ويتقرر عندنا من الحق، فيكون حدا يُنتهى إليه، إن شاء الله." 

الاختلاف حول الإمامة

كما أسلفت، اتفق العالمان على أن أعظم خلاف وقع بين الأمة هو اختلافهم حول الإمامة، فما كنه هذا الاختلاف؟

السنة، وهم يشكلون الغالبية العظمى من المسلمين، قالوا أن النبي توفي دون أن يعين وصيا أو خليفة له، أنه ترك للأمة اختيار من توليه قيادتها من بعده.  بذلك أودع المذهب السني السلطة الدينية والسياسية معا في الأمة نفسها، بشرط أن تلتزم الأمة  في عموم اجتهادها ومسلكها التزاما صحيحا وصميما بالقرآن والسنة.

في المقابل، قالت الشيعة أن النبي سمى ابن عمه وصهره، علي ابن أبي طالب، ليكون وصيه، لكن كلام النبي إما أنه لم يفهم على حقيقته في وقته، أو أنه لم يؤخذ به بعد وفاته.

هذا الاختلاف لاحقا تجاوز كونه مجرد اختلاف تاريخي، إذ اكتسب، إضافة لذلك، بعداً ذا طابع عقيدي وآخر ذا طابع سياسي.  بذلك غدت الإمامة لدى الشيعة عقيديا وظيفة مقررة إلهيا، مكملة لمهمة النبوة.  في تأييد ذلك قالت الشيعة أن الله بواسع علمه وحكمته لم يكن ليترك دينا شاءه أبديا وكافة للناس من دون أن يعين مرجعا معتمدا لتبيان أحكامه بشكل صحيح ودقيق، جيلا إثر جيل: من هنا اللزوم المستدام لدور الإمام في حصانة الرسالة وضمان نقائها في كل عصر.  وإذن، ليس أن عليا، كإمام للمسلمين موصىً عليه من صاحب الرسالة، كان ينبغي أن يخلفه فحسب، بل أيضا أن يتولى الخلافة من بعده ابناه الإمامان، الحسن فالحسين، ومن بعد الحسين الأئمة من ذريته كان ينبغي أن يتعاقبوا على قيادة الأمة إبنا عن أب عن جد. 

بمثل هذا المنطق أضحى الإمام لدى الشيعة شخصا مجتبىً من الله وموهبا منه بعلم لدنّي يضفي عليه عصمة من الخطأ في قول أو فعل.  من هنا أضحت طاعة الإمام فرضا واتباع منهاجه واجبا، ولأجل ذلك حصرت الشيعة استقاء فهمهم للإسلام من آل البيت دون سائر المصادر الأخرى. سياسيا، بقدر ما فارق هذا البعد العقيدي بين المذهبين ولد بينهما أيضا خصومة سياسية.

في المقابل، لا يرى السنة ما يراه الشيعة في الإمامة.  لدى السنه، الإمام شخص قائد في أيما حقل يتميز فيه.  أهلية القيادة لديه مكتسبة بفضل صفات شخصية، وجدارته كقائد تظل محل تقييم مستمر، وهو بذلك يبقى رهن عزل له أو عصيان أو تجاهل، إن أساء.  وعلى ما يرون، من بعد الرجوع للقرآن والسنة، لا يحتاج المسلمون سوى إلى ممارسة اجتهاد مبصّر بالإجماع والقياس، وأحيانا أيضا بالاستصلاح والاستحسان،  لكي يتوصلوا إلى أحكام صائبة إسلاميا في كافة الأمور، دنيوية وأخروية.

نتيجة التباين العقيدي اتبع السنة الأشعري (القرن العاشر) في الأصول واتبعوا في فقة الفروع الأئمة الأربعة: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وابن حنبل. أما الشيعة، ففي الأصول وفقه الفروع سويا اتبعوا مذهب آل البيت والذي يشخص نسبة إلى إمامهم السادس، جعفر ابن محمد الصادق (القرن الثامن)، ومن ثم يعرف أيضا بالمذهب الجعفري.   

في مضمار الحديث النبوي يوجد أيضا قدر من اختلاف.  توجد أحاديث منسوبة للنبي يعتد بها أحد المذهبين ولا يعتد بها الآخر.  لدى السنة صحاح ستة، أبرزها صحيحا مسلم والبخاري (القرن التاسع الميلادي).  لدى الشيعة مراجع مماثلة، بما فيها كتاب الكافي للكليني (أيضا القرن التاسع الميلادي).  مع ذلك، مهم أن نشير أن جل الحديث النبوي متطابق أو متماثل في المروي لدى المذهبين، كما أن ترافد صحة السند وتوافق المتن مع القرآن المجيد شرط مشترك لاعتماد أي حديث. 

اختلاف آخر نرصد وجوده في مجال تقييم بعض الشخصيات  البارزة في التاريخ الإسلامي، الأمر الذي في طوره الحاد طالما أفرز حزازات مزعجة بين متطرفي المذهبين.  أما على الصعيد الأكثر سعة وموضوعية في قراءة التاريخ الإسلامي وتقييم شخصياته، وهو الصعيد الأعم لدى المذهبين، فلا نجد هناك حدة أو حزازة مخلة بالوئام المتبادل بين أتباع المذهبين جراء هذا الاختلاف.

أخيرا، لدى كلي المذهبين تنبؤٌ بظهور المهدي الذي سيحقق السلام والعدالة على الأرض في السنين الأخيرة قبل نهاية العالم.  إلا أن  الفكرة تأتي أكثر تبلورا  من عند الشيعة: المهدي لديهم هو عينا الإمام الثاني عشر، محمد ابن الإمام الحسن العسكري، الذي في سن الرابعة، عام 873م، فجأة تغيب عن الأنظار بمدينة سامراء بالعراق. منذئذ، المهدي حي يرزق، مصاحب للزمان على مضض، يرصد كل ما يجري في العالم، وينتظر، وهوعلى أهبة مستدامة، الأمر الإلهي له بالظهور، محملا تكليفَ القضاء على ما يكون قد تراكم من ظلم وفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس.  السنة لا ترى الأمر بمثل هذا  التحديد الشخصي للمهدي المنتظر، ولا في مثل هذا الإطار الغيبي لوضعه الساري على الأرض ريثما يحين ظهوره بإذن الله آخر الزمان.  

رسوخ المذهبين بسواء في الإسلام

رغم هذه الاختلافات، يبقى السنة والشيعة مذهبين متلاصقين في تجذرهما بسواء في الإسلام: الاختلافات بينهما، كما توافق عليه العالمان الجليلان من الأزهر بالقاهرة والحوزة بالنجف، طفيفية أو ثانوية قياسا إلى المشترك الأظهر والأعم بين المذهبين في أصول العقائد وتطبيق الشعائر التعبدية وأحكام فقه المعاملات. وفي الواقع، في آخر رسالة منه، أعرب شيخ الأزهر، بالتواضع المعهود لدى أمثاله من العلماء المتعمقين في الإسلام، والمتهذبين بتهذيبه، أن البحث المستفيض بالمراسلة مع نظيره النجفي يسّر له فهم مذهب التشيع بشكل أرحب.  وقد لخص هذا المعنى في آخر رساله له في العبارة التالية:

" وكنت - قبل أن أتصل بسببك – على لبس فيكم لما كنت أسمعه من إرجاف المرجفين، وإجحاف المجحفين، فلما يسر الله اجتماعنا، أويت منك على علم هُدى ومصباح دُجي، وانصرفت عنك مفلحا منجحا، فما أعظم نعمة الله بك عليّ، وما أحسن عائدتك لديّ، والحمد لله رب العالمين". 

أما العالم الشيعي فقد كتب مشيدا بنظيره السني في آخر رسالة اختتم بها الحوار:

" أشهد أنك مطلع لهذا الأمر ومقرن له (مقتدر عليه)، حسرت له عن ساق، وانصلت فيه أمضى من الشهاب.  أغرقت في البحث عنه، واستقصيت في التحقيق والتدقيق، تنظر في أعطافه وأثنائه، ومطاويه وأحنائه، تقلبه منقبا عنه ظهرا لبطن، تتعرف دخيلته، وتطلب كنهه وحقيقته، لا تستفزك العواطف القومية، ولا تستخفك الأغراض الشخصية، فلا تصدعُ صفات حلمك، ولا تُستثار قطاة رأيك، مغرقا في البحث بحلم أثبت من رضوى، وصدر أوسع من الدنيا، ممعنا في التحقيق، لا تأخذك في ذلك آصرة، حتى برح الخفاء وصرح الحق عن محضه، وبان الصبح لذي عينين، والحمد لله على هدايته لدينه والتوفيق لما دعا إليه من سبيله، وصلى الله على محمد وآله وسلم." 

استتباعا لهذا الحوار، وإن كان بعد تباطؤ مديد، أدخل الفقه الشيعي عام 1959 ضمن مناهج الدراسات الإسلامية بالجامع الأزهر.  الأزهر أسسه الفاطميون الشيعة عام 969، لكنه إثر انهيار الحكم الفاطمي عام 1171، غدا المجمعَ الأعظمَ لدراسات المذهب السني، وهو اليوم يقف شامخا كونه أعرقَ جامعة علمية إسلامية في العالم.  في المقابل، أهم حوزة لدراسات المذهب الشيعي لا تزال بالنجف الأشرف، وكما الجامع الأزهر، تغطي الحوزة الشيعية عموم الدراسات الفقهية لمختلف المذاهب في الإسلام.

تساؤل مشروع

هنا ينشأ تساؤل مشروع: إذا كان المستقر المشترك بين السنة والشيعة يفوق كثيرا المضطرب غير المشترك،  وإذا كان المذهبان متجذرين سويا في الإسلام، فلم هذا الخصام بين أتباعهما لدرجة تؤدي أحيانا إلى استعمال عنف؟  في استقرائي، المتخاصمون ليسوا عامة الناس من السنة والشيعة، وإنما هم فئات المتطرفين من الأتباع.  في عموم الحال، السنة والشيعة يتبادلون علاقات طبيعية، ويتخالطون اجتماعيا في مختلف مناحي الحياة.  المتطرفون وحدهم دأبا يزكون فائرة الخصام ويدفعونها دون اكتراث إلى إحداث صدامات عنفية مؤلمة.  الأكثرية الصامتة في المذهبين لطالما عانت من تصرفات متطرفيها دون أن تقوى تماما على كبح جماح هؤلاء بشكل ناجع. 

في العموم، ضمن أيما دين ذي نطاق شامل، الاختلافات المذهبية أمر شائع، وفي المعتاد لا هو أمر مضر ولا ضائر.  لكن عندما تستثار الاختلافات بشكل مستفز من قبل المتطرفين نراها تولد عصبية متبادلة عصية..  ثم إذا سيست الاختلافات نراها  تؤدي إلى توريط حتى المعتدلين من الأتباع في سجالات فظة مرارا ما تجر لمواجهات خشنة.  في واقع الحال، الاختلافات السنية - الشيعية في الإسلام ليست على غير غرار الاختلافات المذهبية في الأديان الأخرى التي، كما الإسلام، شهدت فترات ممتدة من الوئام تخللتها فترات احتراب.  تاريخيا، تعايشت المذاهب المختلفة ضمن أديانها بسلام، إلا حين زجت بينها إغراضات سياسية.  الدرس الجدير بالاعتبار هنا: حيثما يُسيّس الدين، أو تُديّن السياسة، لا يسلم أي منهما من تأثير الآخر سلبيا في غالب الحال.  أيضا، حيثما تُغلب الطائقية، أيا كان شكلها، على المواطنة، كلاهما يخسر آخر النهار.

ملحوظة خاتمة

إحساسنا بهشاشة عالمنا الإنساني المعاصر يستوجب منا أن نعي صميما عوامل هشاشته: أنه عالم كثيف السكن، مخطور البيئة، متأرجح على شفا دمار شامل لا ينتظر تفجره سوى ضغط أزرار جراء حماقة بشرية قد ترتكب من حالة عصبية فادحة في لحظة خاطفة ... أنه عالم معولم، متبادل الاعتماد، غزير التواصل: ما يطرأ على حال أي جزء منه سرعان ما يؤثر في حال جسم العالم كله ... أنه عالم متعارض المصالح، متصادم الغايات بين أممه الكبرى القليلة، وبين تلك مجتمعةً والأمم الصغرى العديدة التي تحررت حديثا وبدأت تسعى لتحقيق مكانة لائقة لها تحت الشمس. 

يستوجب منا أيضا أن نعي أننا نعيش عالما تتفتق فيه المعرفة العلمية وتبتكر التكنولوجيا المنبثقة عنها بوتيرة جد متسارعة.  لكن، في المقابل، النضج الإنساني الحضاري متباطئ، بل ومتعثر.  تزايد هذا التفاوت يعني أننا معشر البشر نزداد مكنة في التفعيل التكنولوجي، وفي الوقت نفسه نتراجع  في الحكمة المبصرة لمكنة التفعيل التكنولوجي من حيث توجيهها نحو إيجاد الأوفق من المعالجات والحلول، ومن ثم الارتقاء بنوعية الحياة للجميع دوما للأمثل.

ثم إلى جانب المشاكل الموضوعية التي نواجهها، نحن أيضا عالم متنوع الأديان والرؤى الفلسفية، ومتعدد المذاهب ضمن كل دين وضمن كل رؤيا فلسفية، الأمر الذي يعقد سعينا ويصعبه للتجرد من الأنانية والعصبيات الطائفية والعرقية، المعيقة جميعها توجهنا نحو إيجاد معالجات وحلول صحيحة عادلة وشاملة ... حلول تفي باستحقاقات التنمية الإنسانية وتوطيد السلام والوئام وطنيا، إقليميا وعبر العالم. 

إزاء هذا كله لا بد من أن ننمي  في أنفسنا استطاعة للتعامل الناجع مع هذا كله، وإلا غمرتنا الفوضى وأهلكنا العثار جراء استمرار التخاصم والاحتراب.  لأجل ذلك، لا بد من أن نرتقي  تهذبا في المسلك، توسعا في المعرفة، تعمقا في الفكر، وتساميا في الأخلاق ... كل ذلك بسعي فردي وجمعي دائب حثيث.  تحديدا، لا بد من أن نتجنب  التعصب الطائفي، وننبذ التطرف والغلو في جميع الأمور. على الوجه الآخر، لا بد من أن نتبنى المعرفة والمنطق العقلي ردفا كمنهاج قويم للتعامل مع قضايانا ضمن الوطن الواحد، وفي علاقات الوطن مع سائر الأوطان.  عكس ما تكون لنا من رؤى مبتورة من منظور طائفي، من المنظور الإنساني نمكن من رؤية القضايا بكافة أبعادها، كما نمكن من فهم  رؤى غيرنا وتفهم اسبابها الموضوعية ودوافعها النفسية.  بذلك يتوازن نظرنا وتعاملنا مع كافة  المشاكل والإشكاليات،  ضمن الوطن وخارجه، وينضبط بقسطاس مستقيم. 

من الموقع المعرفي المنطقي نستطيع أن نسمو إنسانيا، أن نرود حضاريا، أن نتعايش تعاونيا بوئام وطيد.  لا مشاكل عندئذ تستعصي على الحلول. عندئذ نستطيع أن نعالج كل تعارض في المصالح على القاعدة الإسلامية التي يعرفها السنة والشيعة جيدا بسواء، ويعيها العالم اليوم أكثر من أي وقت سبق: لا ضرر ولا ضرار.  عندئذ، في أيما نقاش شئنا خوضه، في الدين كان أو في السياسة، أو في معرض التفاوض حول أي نزاع حول أيما أمر ذي اهتمام مشترك، نتجنب الاستفزاز في الخطاب، نلتزم بأدب الحوار، ونحتكم إلى المعرفة والمنطق العقلي: نجادل بالتي هي أحسن، ندفع بالتي هي أحسن، وندعو إلى سبيل الله، الضامن سلامة البشر وصلاحهم، بالحكمة والموعظة الحسنة.

بذلك، نكون كأحسن ما يمكن أن نكون بميزان مكارم الأخلاق التي جاء رسول الإسلام ليتممها في الخبرة الإنسانية.  ذلك رشاد أبانه الله لنا في محكم كتابه لكي نتفادى الفتن والمحن، ونعتبر ونتعقل، فلا نرمي بإنفسنا إلى التهلكة جراء عصبيات غبية وحماقات قد ترتكب من حالات انفعال منفلت.  بذلك، نحيا حياة طيبة موفورة النعم، مطردة النماء للجميع. عندئذ نعيش إنسانيتنا الحقة، وفي رحابها، لا تنوع الأديان ولا تعدد المذاهب، ولا تعارض الرؤى الفلسفية يضر أو يضير. على العكس، كل ذلك يترافد في حراك ثقافي يثري الخبرة الإنسانية ويفيد.***   

------------------------------------------------------------------------------------

*ورقة مقدمة إلى ندوة التنوع المذهبي ودوره في مستقبل منطقة الخليج - منتدى العلاقات العربية والدولية، الدوحة،  دولة قطر --  نوفمبر 30 ديسمبر 1، 2011

الحوار.. الآن؟

لقد كتب السيد ضياء السعداوي، داعيا بإخلاص إلى الحوار المجدي وإحترام الرأي.

لقد شرح وأوفى  في عرضه  المفصل مما يشكر عليه، فأنا لم أكن أعرف الكثير مما  جاء في الموضوع  وقد عرض وجهات النظر المتباينة والمختلفة بموضوعية وحيادية، دون أن يتحيز لفئة ما مثلما يفعل كثيرون بجهل أو عصبية.

يا أستاذنا الكريم أنت تدعو للتحاور ممن أغرقونا منذ أكثر من عشر سنوات بفتاوى لا أول  لها ولا آخر ومن الجانبين، وأغرقونا بمزيد  من الفوضى والتعقيد والحيرة كأننا ناقصين ذلك. أريد أن أعرف إن كان المدعوين للحوار هم حقا من المتفقهين في الدين ومخلصين في التحاور المجدي لينقذوا البلاد من هذه الفتنة المشتعلة اليوم..؟ ولماذا سكتوا..؟ ومن سيقف ليستمع لحوارهم اليوم ويصفق لهم  ويلتزم به ؟ هل المستمعون للحوار هم هذه الأجيال التي يلتهمها الموت الجماعي في طول البلاد وعرضها أم هم من البعيدين عن مكان الصراع الغبي المستمر ممن يريدون أن يفلسفوا الكلام ويقولوا للتاريخ إننا لم نكن شياطين خرس، وإننا فعلنا مايجب وتحدثنا ونصحنا.

أرى أن المسألة لم تعد حوارا أبدا. إن الحوار لم يعد مجديا بين شعوب عاشت قرونا في تخلف وجهل مطبق، وجبن ونفاق للسلطة دائما،  وتصارع اليوم قوى الشر والتكفيرين. طبعا كان هناك  قليل ممن تصدوا للجهل ودعوا لتحكم العقل والتاريخ.. تحدث فيما حصل لهم كابن رشد والمعتزلة ومن محدثين قلائل كالذين ذكرهم الكاتب.

إن العراقيين الذين ضاعوا ويضيعون كل يوم في بقاع الأرض، وهم اليوم أجيال جديدة تكاد تكفر بكل معتقدات تربّت عليها إن لم تكن قد كفرت بعد، أجيال تقف على أبواب الدول تطلب الأمن والسلام والعيش البسيط الهاديء بعيدا عن القتل الجماعي على الهوية.

أرى أننا بحاجة ليد من حديد تعيد للبلد أمنه وسلامه وتكفل للمواطن البسيط أن يؤمن بما يريد ما دام لا يسيء لغيره ولا يعرض الوطن  للدمار. ولا أرى ذلك أبدا في هؤلاء الذين يقفون اليوم على قمة السلطة في العراق فقد عرف الداني والقاصي مدى فسادهم وبعدهم عن مصلحة البلاد... فهل سيجدي حوار المتحاورين معهم؟.

أتمنى أن يطلب العراقييون من الأمم المتحدة أن تتدخل بجدية وليس بتصريحات غير مجدية. وقد تجد عراقيون مخلصون، يعملون على إعادة ما تهدم من البنى التحتية. فقد يعود العراق ليعيش كخلق الله وليس بالضرورة أن يكون (قلعة للأسود) الذين عرف العالم، وشهد  كيف أنهم كانوا نمورا من ورق وكانوا أسودا على أهلهم فقط.

تحياتي للكاتب الكريم واعتذاري، فأنا مثقلة بغضب وألم وحسرة..!

ويعلق الأستاذ ضياء السعداوي على مقال السيدة نجاة بالآتي:

في مداخلة للكاتبة والأديبة والشاعرة نجاة نايف سلطان، موصلية المولد وعراقية الهوى والخطاب. في حالة تجلي وصدق مع النفس تعبر عن حال قطاع واسع وكبير من العراقيين وربما (السوريين واليمنيين والليبيين) من حالة الإحباط المعنوي وضيق شعاع الأمل في المستقبل وهو شعور طبيعي لكل من يجد نفسه في العاصفة والأعصار الذي تمر به الأمة وبعض البلدان العربية التي تمر بنفس الظروف. في حين يرى كاتب البحث، ضياء السعداوي، المعنون "الحوار الوسيلة الأمثل لتحقيق الهدف...أما الجدل البيزنطي فهو هدر للوقت والجهد وأنحراف للبوصلة" والتي تشير له الكاتبة في بحثه. أن لا خيار لنا وبديل للاستسلام والانتحار الذاتي إلا بالحوار، وأنه لابد من أن ننظر للمشكلة بنظرة الطبيب الفاحص والمشخص للمرض لمعرفة الأسباب والمسببات وبالتالي وصف العلاج والدواء، وأن لا يكون جزءاً من المشكلة ويصاب بالعدوى وفقدان الأمل حيث لا بديل لنا سوى الخروج من دائرة العاصفة والإعصار وتأثيرها الجاذب إلى الخارج حتى نرى أن بصيص الأمل قد كبر وتوسع إلى شعاع ساطع يضيء الحلول لعلاج المشكلة. وهذا يتضح من خلال رأي العديد من الكتّاب والمثقفين العرب من خارج البلدان العربية التي أشرنا لها حيث طالبوا كاتب البحث في تحويله إلى كتاب لأهميته وفي هذا الوقت بالذات.

ضياء السعداوي

 -------------------------------------------------------------

*كاتبة وأديبة عراقية تقيم في الولايات المتحدة الأمريكية

العالم... والمشكلة الأخلاقية المعاصرة

صادق جواد سليمان*

منشأ المشكلة وتفاقمها

منذ القرن السادس عشر، القرن الذي عُرّف لاحقا بعصر الاكتشاف جراء ما حصل خلاله في العالم الغربي من اكتشاف جازم للحقيقة الفلكية لوضع الأرض: أنها ليست مركز الكون، بل كوكباً من مجموعة كواكبَ دائرةٍ حول محاورها وسابحةٍ بانتظام في أفلاكَ متفاوتةٍ مدار الشمس...منذ ذاك، بدأ عالمنا الأرضي يرتسم في مُدرك أهل الغرب على نحو أدق وأوضح كجسم كروي سابح في فضاء شاسع، تتشاركه سكَنا - شرقا وغربا، شمالا وجنوبا، - أمم بشرية مختلفة الأعراق والديانات والثقافات واللغات.

اكتشاف هذا الشق من التشكل الكوني على وجه محقق سرعان ما استتبع حراكا بحثيا نشطا في الذهن الغربي حول منشأ الكون ككل، فتشكله تباعا في مجرات متباعدة عن بعضها باطراد، حول نشوء الحياة على الأرض، فتفرعها مع الزمن في أجناس مختلفة، وحول ظهور الإنسان لاحقا وتطور حاله جنساً حياتيا راقيا، مقتدرا على الاستهداء الصحيح في تنظيم شأنه، تحسين وضعه، والتكفل بتوفير متطلبات معيشيته بقدرات ذاتية، عقلية وعضوية.

لكن، عِوض أن يؤدي تبلور هذا المدرك العلمي الصميم، وما استتبع عبر القرون اللاحقة من معارفَ علميةٍ جديدة عرّضت فهم الإنسان لنفسه ولمحيطه الكوني ... عوضَ أن يؤدي إلى إطلاق سياق تضامني وتعاوني بين الأمم البشرية جميعها، في نسق يثري الخبرة الإنسانية عامة بما هو سليم ونافع ودافع مستقبل الإنسانية في اتجاه حضاري...عوضَ ذلك، أدى هذا التبلور العلمي لدى أهل الغرب إلى نزعة سلطوية سرعان ما تجسدت في ظاهرة الاستعمار.

بدل توجه  إنساني حضاري، انبرى العالم الغربي، ممكَنا بتفوق قدراته العلمية والعملية المستجدة، إلى بسط سيطرته على سائر أمم الأرض.  توازيا مع ذلك، شرع أهل الغرب في الابتعاد تدريجيا عن معطيات ديانتهم المسيحية، متبنين في المقابل إيديولوجيات علمانية قليلة الاكتراث بالشأن الإنساني ككل: إيديولوجيات متنافسة، بل ومتناقضة، ما بين بعضها، من وجه، ومتعارضة مع الديانة المسيحية، بل ومعاديةٍ الأديانَ عامة، من الوجه الآخر. 

استطرادا هكذا مع سياق تعاظم إمكاناته وتعزز ثقته بمكنته العلمية واقتدراه العملي،  ازداد الغرب، أكان في طابعه القومي الثقافي الموروث، أو في توجهه العلماني المستجد ... ازداد ازدراء بالديانات والثقافات الأخرى عبر العالم، فأقبل على محاولات لطمسها حينا، وتطويعها لمنظومته الإيدولوجية العلمانية، أو احتوائها ضمن أنساق طابعه القومي الثقافي، حينا آخر.

تلك المحاولات لم تفلح.  على النقيض، التمادي فيها، باللجوء لوسائل الترغيب حينا، ووسائل الترهيب حينا آخر، ولّد صلابة فيما أريد طمسه أو أضعافه.  أما الأثر الضخم الذي نتج عن التقدم الحداثي العظيم الذي حققه الغرب ونشره عبر العالم (العولمة)، فغير به عمقا وعرضا الأوضاع الحياتية للبشر عامة،  فهو بدوره ولّد بواعث قلق جديد لدى الإنسان في جميع مواطنه على هذا الكوكب. 

بالنتيجة، مع نهاية القرن العشرين، مع أنها اقتبست من علوم الغرب وتطبيقاته التكنولوجية كل ما أمكنها اقتباسه والاستفادة منه، دونما تحفظ يذكر، بل وبكثير من حماس ... رغم ذلك، بدت شعوب الشرق أكثر تمسكا بدياناتها وخصائص ثقافاتها عن ذي قبل.  فوق ذلك، هي بدأت تكتشف في دياناتها وثقافاتها، رغم كل ما اعتراها من نقص معرفي جراء ركود مديد، قابلياتٍ ذاتيةَ تمكينيةً لا تعوقها بالضرورة عن إحراز ما أحرزه أهل العالم الغربي من تقدم معرفي واقتدار تكنولوجي، إذا هي – شعوب الشرق - بدورها اجتهدت في أمرها كما اجتهدت شعوب الغرب... وإذن، لا ضير من أن تحتفظ بدياناتها وثقافاتها، بل الأجدر أن تصطحبها معززة،  بل ومعينة لمسعاها، على المسار التقدمي.  

في المقابل، استفاق الغرب على صدمة ذاتية بإدراك أنه بتغييبه التعالق بين التقدم العلمي والالتزام الخلقي كأمر أساس،  تسبب تقدمُهُ العلمي والعملي المتواصل على مدى عدة قرون، في سياق إحرازه وتفعيله، دونما تقصد من أهله، في كوارث غير مسبوقة هولاً: إنه جر إلى اقتتال مهول وتدمير كاسح ما بين أمم العالم الغربي ذاتها، إنه جلب مخاطر جسيمة على سلامة البيئة الطبيعية عالميا، وإنه ولد  اضطرابا مرهقا شديد النزوع لاستعمال العنف في عموم الحراك الإنساني.

استفاق الغرب على إدراك فظاعة الدمار الذي أحدثته الحربان العالميتان اللتان خاضتهما مجتمعاته الممكّنة بالعلم الحديث واقتداراته العملية.  بطواحينهما الفاتكة، في غضون 12 عاما (1914-1918 ثم 1939-1945)، أزهقت الحربان أرواح سبعين مليونا من الناس، وألحقتا دمارا واسعا ومنهكا بكافة مرافق الحياة، في أوروبا نفسها واليابان خاصة، وعامة عبر العالم.  هذا إلى جانب حروب طاحنة أخرى لاحقا، كالحرب الكورية (1950-1953)، حرب فيتنام (1959-1975) والحرب ضد نضال التحرر الوطني في الجزائر (1954-1958)،  تسببت في إشعالها دول الغرب، ممكَنة بالعلم الحديث ومبتكراته الحربية.  في كل ذلك، غياب الالتزام الخلقي أطلق العنان لأطماع  امبريالية ولدت سياسات تسلطية تجسدت في فروض قسرية أملتها دول الغرب على الشعوب المستضعفة مدار الأرض.

ثم مع انتهاء الحرب العالمية الثانية، أوصل الغرب البشرية إلى حافة احتمال نشوب حرب عالمية ثالثة بأسلحة ذات دمار شامل: نووية وأخرى كيماوية وأخرى بيولوجية، هي اليوم مكدسة بكميات مهولة في ترسانات محصنة، جاهزة للاستعمال بضغط أنامل على أزرار من داخل سرية غرف إلكترونية ... أسلحة إن أطلقت، أو أطلق بعضها يوما جراء خطأ أو حماقة من قبل فرد أو فريق، فإنها لن تبقى على كثير من أخضر أو يابس على هذا الكوكب الذي تتشاركه أمم الأرض من البشر وسائر الحيوان. 

من وجه آخر، جراء تصنيع متهافت بدأته أمم الغرب، وقلدته في ذلك، واستوردت منتجاته بشراهة، سائر الأمم عبر العالم، الكبرى منها بالأخص، كالصين والهند واليابان، والبرازيل، دون تحفظ، حدث إضرار خطير بالبيئة الطبيعية، إضرار بدأت آثاره الوخيمة تتكشف لنا فيما نشهد من تزايد التلوث على الأرض وفي الفضاء، وتباعا فيما بدأت تداهمنا مدار الأرض من اضطرابات مناخية متلفة ومكلفة.

ما العمل؟

إزاء سياق الانزلاق هكذا  إلى رمي النفس إلى تهلكة جماعية، إن كان باحتراب مدمر متكرر ما بين دول، أو بعمليات إرهابية من قبل جماعات تحدوها ردود فعل شديدة ضد ما هي تشعر من تعرضها لظلم أو غبن، ويمكّنها في عملياتها الإرهابية تلك انتشار أسلحة فتاكة أنتجها الغرب، أو إزاء اختناق بيئي مستشر لا يمايز بين الحدود الجغرافية للدول، ولا بين ديانات وثقافات الشعوب ... إزاء كل ذلك ألا يحق أن نتساءل: ترى ماذا بقي لنا أمم الأرض ما نلجأ له للحد من تفاقم هذا الانزلاق الوخيم؟ 

أيضا، إزاء ما نشهد من تزايد الاضطراب في الوضع البشري، سياسيا، اجتماعيا، اقتصاديا وثقافيا، لدرجة بدأ يصعب معه الحفاظ على الوئام الوطني ضمن عدد متكاثر من الدول، كما  بدأ يتصعب الحفاظ على السلم العالمي جراء التفاعل المتزايد المتسم بالسلبية في العلاقات ما بين الأمم ,,, ترى ألا يحق أن نتسائل: ماذا يتوجب علينا أمم الأرض جماعيا أن نعمل للحد من هذا وذاك؟ 

بتعبير آخر: في مجمل الحال، ما هو سبيلنا تضامنيا إلى منع تراجع مسالك الوئام في الأوطان، ومنع انهيار مسالك التعاون ما بين الدول، كي لا يستمر الوضع الإنساني في الانحدار للأدنى والأردأ باطراد، بل أن يُستدرك الخطأ والشطط، ويُتدارك ما ينتج عنهما من مخاطر تتهدد الحال والمآل، وبذلك تقوّم مسالكنا بالتصحيح والإصلاح، وتُولّى وجهة تطورنا، وطنيا وعالميا،  لما هو أسلم وأصح وأصلح؟ 

نحن نعلم أن القوام المشترك لسلامتنا وصلاحنا ويسرنا المعيشي جميعا أهل الأرض هو السلم والوئام والتعاون، وأن لا غنى لنا، بل لا بديل، عن تعزيز كل ذلك من منطلق الاعتماد المتبادل على أساس نفع مشترك.  إذن – نعود لنتساءل:  ترى ماذا يترتب علينا، كمجتمع إنساني واحد، وإن تعددنا أوطانا، وتباينا أعراقا وثقافاتٍ وأديانا ومذاهب فكرية ... ماذا يترتب علينا أن نعمل لدرء احتمالات تلك المخاطر الكارثية، الماثلة أمامنا، والمهددة سلامة حالنا، تلك التي تسببنا في خلقها بما كسبت أيدينا في غياب وعي رشيد، وبتهافت حداثي بدأنا ندرك أنه إذ جلب لنا منافع جمة في توفير وتيسير شتى أسباب الحياة، فقد ساق لنا في المقابل، على غفلة منا أو تغافل، وضعا خطرا وسياقا إن ترك حبله على غاربه أدى إلى عواقب مهلكة ... إلا ما رحم ربي.

من التاريخ نستخلص أنه قلما يخلو سجل أمة من إسهامات إيجابية وأخرى سلبية في الشأن البشري.  إذن، حيث نحن اليوم، لا يجدي كثيرا أن نقف طويلا عند تقاض أو تلاوم حول معاملات تاريخية خلت عانت منها أممنا بعضها من بعض، أو أن نتخاصم جراء تصرفات عانينا منها  بحماقات مشتركة في ماض قريب أو بعيد.  اليوم، أنى شئنا وضع الملامة التاريخية على ما صدر من مختلف أممنا من تفريط بحق الإنسانية، أو على العكس، أنى شئنا تسجيل الثناء على ما صدر منها من عطاء جدير، فإن ذلك لا يغنينا من أن نعي بعمق أننا، أممَ الأرض جميعا، في واقع الأمر، عبَرَة في سفينة واحدة، هي اليوم عرضة لمخاطر بيئية مشتركة، هي اليوم أمام احتمالات احترابية مهلكة، وهي اليوم رهن ظروف سياسية واقتصادية واجتماعية عالمية تتأثر بها جميع الأمم سلبيا جراء تخاصم مزمن متفاقم بين بعضها من بعض.

بنظري، من صميم هذا الوعي بالحال والمآل يجدر بنا، بل يتوجب علينا جميع أمم الأرض، عقلانيا، وبمنهاج  مشترك، أن نفرز فكرا ونتلمس طرقا، على الصعيدين الوطني والعالمي معا في آن، لتجنب التخاصم والاحتراب. في المقابل، لتعزيز السلم والوئام والتعاون، وبكل ذلك، لتحسين الوضع الإنساني معيشيا، وإعلاء الشأن الإنساني حضاريا، يتوجب علينا انتهاج ثقافة التعايش السلمي، مردفة بتفعيل التنمية الإنسانية مدار العالم: ثقافة مثرية  متوسعة، وتنمية مستدامة متراقية، تسري عبر تعاقب الأجيال.    

في عهود خلت كانت كل أمة، وهي محدودة التواصل مع الأمم الأخرى، تحسب أن كل الحق معها، كل الصواب فيما تعتقد، كل الرشد فيما أوتيت، كل الخير للإنسانية فيما هي تدعو له، لذا كان خطابها ينحصر في تأكيد ما هي لديها ذاتيا من موروث وحاضر، دون التفات يذكر إلى ما لدى الآخرين من موروث ومستجد.  لذا، كان خطاب كل أمة في جله حديثا يؤكد الذات أكثر منه تحاورا مع الآخر: مونولوجاً أكثر منه ديالوج. 

من الوجه الآخر، ضمن الوطن، كان صاحب السلطة المعضدة بالعسكر يعزف عن التحاور مع سواد الشعب، وعبر العالم، كان القوي من الأمم يرفض  التحاور مع الضعيف منها: بدل التحاور، كان المهيمن، في الحالتين، هو من يملي ويسيطر دون رادع أو وازع.  وكان الضعيف، في غياب فرصة للاعتراض بوسيلة الحوار، يُرغم إما على الرضوخ لوطأ العنف، أو على اللجوء لعنف مضاد.

طبيعة المشكلة

المشكلة العالمية المعاصرة بواقعها الراهن، بمخاطرها المصاحبة، وبخلفياتها التارخية الحديثة، على نحو ما عرضت، هي، بنظري، مشكلة أخلاقية في الصميم.  إنها تكمن في تغافلنا المشين، بل والغشيم، عن منظومة المبادئ والقيم التي نعيها نظريا كأساس لازم لسلامة الوضع الإنساني ونتجاهلها عمليا في التطبيق.  آية ذلك، مع أننا ثبتنا هذه المبادئ جليا في دساتيرنا الوطنية ومواثيقنا الدولية، فإننا  لا نزال نتراجع عن الالتزام بها عند ظهور أدنى تعارض لها مع ما نعتبرها، بتشخيص خاطئ،  "مصالحَ " وطنية أو شخصية.  

أقول "بتشخيص خاطئ" لأن في واقع الأمر، في التحليل الأخير، لا توجد مصلحة شخصية حقيقية بمعزل عن المصلحة الوطنية، ولا توجد مصلحة وطنية حقيقية بمعزل عن الصالح الإنساني العام. العلة الرئيسة لمشكلة تراجع الحال الإنساني هي، في فهمي، غياب التركيز على محورية "اللازم الخلقي" (The Categorical Imperative) في استمرار بناء التقدم، مقرونا بقصور الاعتناء بتوسيع وترسيخ الوعي حول الالتزام الخلقي باعتباره المرجعية العليا المشتركة إنسانيا، فوق مرجعيات الانتماءات الوطنية والدينية والإيديوليجية المتعددة للأمم عبر العالم. 

ما أعنيه هو أننا على صعيد المجتمعات الوطنية على انفراد، وعلى صعيد المجتمع الأممي كحال إنساني مشترك،   بحاجة لوضع منهاج خلقي نقره ونلتزم به في كافة ما نسن من قوانين ونبرم من اتفاقيات وعهود ومواثيق.  بتنظيم وتهذيب كافة مسالك التعامل والتفاعل الإنساني هكذا على أساس موحد وفي إطار مشترك نضمن ما أمكن سيادة اللازم الخلقي في كل ما نستنبط ونبدع في سبيل خدمة مصالح الأفراد بتناسق مع رعاية الصالح الوطني المشترك والصالح الإنساني العام. لا أنفي، بل أعترف بإشادة، أن سياقا حضاريا كهذا آخذ مجراه في اجتهادات عديد من الدول، وعموما في نشاطات المنظمات الدولية المعاصرة.  لكنه، بتقديري، سياق متباطئ، بل ومتعثر، لا أراه ناجعا تماما في استبعاد ما ذكرت من السلبيات المفسدة للحياة المعاصرة، والمستجلبة للأخطارعلى الصعيدين الوطني والعالمي بسواء.

وحدة المبادئ والقيم

لا يحدث تغيير - فيما هو مُتاح للإنسان أن يغير فيه للأصلح  - إلا أن يكون مسبقا بتفكير قويم.  ولا يستقيم فكر إلا أن يكون ملتزما بمبادئ وقيم تؤدي إلى اتساق الأمور وفق استحقاقات سعادة الأفراد وسلامة الصالح العام.  ولأن عوامل الصلاح والفساد والرفع والخفض والقوة والضعف في الحال الإنساني واحدة وثابتة، فإن المبادئ والقيم التي بها يتقدم حال الناس وبغيابها يتراجع، واحدة وثابتة أيضا:  بتعبير آخر، النفس الواحدة التي انبثق منها زوجها، وانبثت منهما نفوس كثيرة، ذكور وإناث، خُلقت لتحيا أو تهلك، تتقدم أو ترتكس، بذات الأسباب.  بفعل هذه السنة الجامعة لحال الإنسان، المهيمنة على مسيره ومصيره، سادت أمم حين عملت بالمبادئ والقيم الإنسانية فأوجدت بذلك معطيات حياة طيبة، وبادت حين تجاهلتها أو تنكرت لها من بعد علم، فنقضت غزلها وورث ما أنجزت قوم آخرون.

المبدأ، تعريفا، هو الفكرة الأولى التي منها يبدأ النظر العقلي في أيما أمر.  هو أيضا الفكرة التي يلتزم بها ويسعى لتحقيق مقصدها العقل في جميع الأمور.  بتعبير مرادف: المبدأ هو الفكرة الأم التي تستتبع أفكارا ثانوية متعددة تقاس جدارة أي منها بمدى اتساقها مع الفكرة الأم.  في أدبياتنا الإسلامية سمي المبدأ  أصلا،  باعتباره المنطلق الأول والمآل الأخير في التنظير:  لا شيئ يسبقه في النظر، كل  شيئ يلحقه، به يوجه مسار البحث، منه تستمد الحجة،  وإليه يُركن الحكم في أيما قضية آخر الأمر.

المبادئ إنسانية في ماهيتها، مداها، ومؤداها، بمعنى أنها تتصل  أصلا وفرعا، مسلكا ومضمونا، جملة وتفصيلا، بالشأن الإنساني.  إنها أصول فكرية أفرزتها خبرة البشر وذكّرت بها النبوآت في مختلف الثقافات والحضارات عبر العصور.  إنها أفكار جوهرية ميزها الإنسان من حيث لزومها الحيوي لصلاحه ونمائه، كفرد ومجتمع، بل كجنس حيواني متميز بوعي متفوق ومتطور.  هي أفكار يرتبط بها رقي الأفراد والأمم في كل عصر: أفكار تشكل قاسما مشتركا وكلمة سواء بين الناس كافة، لكونها مؤصلة في حال إنساني واحد يصلح ويفسد، يتقدم ويتخلف، يسمو ويتدني، عقلا وجسما، بذات العلل والأسباب.   

المبادئ والقيم هي ذاتها في وعي الناس كافة.  آية ذلك أننا، عالميا،  نشخص تحديدا:  العدل،  المساواة،  حرمة الإنسان وكرامته،  والشورى (الديمقراطية)  مبادئَ انسانيةً أصيلة وعامة.  لا نتصور شأنا من شؤون البشر إلا أنه يركن في سلامة مضمونه ومنهاجه إلى واحد أو أكثر من هذه المبادئ الأربعة.  لا نتصور معاملة ذات نفع مشترك بين اثنين أو أكثر من الأفراد أو المجتمعات إلا أن تتصف بعدالة المحتوى، بالتكافؤ أمام القانون، بصون حرمة وكرامة الجميع، وبالقيام على أساس الاختيار والمشاركة، لا الإكراه والإقصاء.  يستتبع هذا أنه بقدر ما يكون التزام أمة ما بهذه المبادئ الإنسانية كأمر أول وأساس، التزاما مثبتا في الدستور، مشرعا في القانون، ومحققا بحرص دائب في سائر فاعليات الحياة، الخاصة والعامة، يكون صلاح تلك الأمة على الصعيد الفردي والجماعي.  بذلك أيضا يكون إطلاق إمكاناتها وتفعيل قدراتها على مسار التقدم والازدهار.  على مرجعية المبادئ تتفق الناس كافة، أو على الأقل تجاهر بالاتفاق، حتى حيث تختلف في اجتهاداتها وتفسيراتها، أو حتى حيث  تتنكر للمبادئ في التطبيق.  بتعبير آخر، إلى مرجعية المبادئ يحتكم الأفراد والأمم مهما تعارضت ما بينهم النزوعات  أو تباينت الرؤى والرغبات، ويحتكمون إليها بإخلاص مرارا، وبنفاق أحيانا، لكنهم قلما يتنكرون لها جهارا أو يقابلونها برفض صريح.

مع المبادئ تأتي القيم، وكما للمبادئ كذا للقيم عمومية التأثير على أحوال الناس في أيما أمة.  القيمة حصيلة إنسانية تدر نفعا لحاصلها ومجتمعه، ومن بعد ذلك يعم نفعها الناس أجمعين.  هنا أيضا لا نختلف على أن العلم، مثلا، قيمة إنسانية، مع أننا قد نختلف حول مناهجه، أو مدى صحة بعض ما يُعرض علميا حتى نتأكد منه بمزيد تحقيق.  من القيم ما هي، كما المبادئ، مطلقة في مردودها الإيجابي، ومنها ما هي دون المبادئ لكونها نسبية المردود.  العلم، الصحة، الإيمان، التعاون، اليسر المعيشي قيم مطلقة النفع كما المبادئ، إذ لا يوجد سقف يحد ما تدر:  كلما زاد تحصيلها على صعيد فرد أو مجتمع ازداد وعم عطاؤها من الخير.  القيم النسبية، على الوجه الآخر، من بعد إدرار نفع لحد معين، قد ترتد فتضر:  الكرم، الشجاعة، الطموح  قيم نسبية من حيث أنها بتجاوز حد معقول  قد تنقلب إلى تبذير وتهور وطمع.

تشخيص المبادئ والقيم في المنظومة الخلقية المنشودة

لتشخيص أيما مبدأ أو قيمة مطلقة، بالأحرى لاستبيان ما إذا كانت فكرة ما نتناظرها ترقى لمبدأ أو قيمة مطلقة، لا بد من أن نشخص فيها أربعة عناصر تحديدا  تكون بها مجتمعة كذلك، وتكون في غياب أي منها دون ذلك.

أولا:  أن تكون الفكرة إنسانية أصيلة وعامة، بحيث تسري على الحال البشري إلحافا، بصرف النظر عن فوارق من أي نوع:  مثلا، العدل كمبدأ، والعلم كقيمة، يدران نفعا لأيما فرد أو مجتمع يمارس العدل ويقتنى العلم.

 

ثانيا: أن تكون الفكرة مطلقة النفع، فلا ترتد بضرر من بعد حين أو حد:  مثلا، المساواة كمبدأ، والتعاون كقيمة،  مطلقان في تطوير الخبرة الإنسانية للأفضل دون حد أو سقف.

ثالثا: أن تكون الفكرة مدركة في وعي الناس كافة بحيث لا تكون محل جدل:  مثلا، صون حرمة الإنسان وكرامته كمبدأ، وخلق اليسر في معايش الناس كقيمة، مستقران في خبرة البشر فلا ينكرهما أحد، ولا ينكرهما جهارا حتى من يتتكر لهما في السر.

رابعا: أن تكون الفكرة قابلة للتطبيق في الخبرة الإنسانية مطلقا، فلا يُعذر أحد على تجاهل أو تقصير:  مثلا، الشورى (بمعناها الديمقراطي) كمبدأ، والاعتناء بالصحة كقيمة، قابلان للتطبيق في سلوك أيما فرد أو مجتمع، ولا يكون الإعراض عن أيهما أو التقصير فيه إلا عن جهالة، أو عن جاهلية تؤثر الاستبداد والاستهتار.

بهذا التشخيص للمبادئ والقيم المطلقة نستبين أنها متواصلة متكاملة، أنها واحدة في الخبرة البشرية، وأنها هكذا شُخصت في الفكر الحضاري قديمه وحديثه، دينيه وفلسفيه.  آية ذلك  أن الناس لدى أي اختصام بين أفراد أو أمم يحتكمون إلى مبدأ العدل،  لدى أي تفاوت مجحف في الحقوق والواجبات يحتكمون إلى مبدأ المساواة،  في درء أو رفع أية إساءة أو إهانة يحتكمون إلى مبدأ حرمة الإنسان وكرامته.  ولأجل اتقاء مفاسد الاستبداد وشرورالتسلط تلجأ الأمم إلى مبدأ الشورى (الديمقراطية) الموجب للمشاركة العامة في صنع القرار العام، والموجب المساءلة العامة في تصريف المورد العام.  بالمنطق نفسه يقر الناس عامة بلزوم التمسك بالمبادئ والقيم، حتى حين يتجاهلونها أو يقصرون  إزاءها في الالتزام والتطبيق.

 أعود لأستدرك أن الخبرة الإنسانية، مع أنني أراها قد استقرت مدار الكوكب على إدراك وحدة المبادئ والقيم ومركزية دورها في الحال البشري على نحو ما عرضت، إلا أنني أراها قد استقرت نظريا، ولا يزال الالتزام العملي بها مشوبا بقصور سافر ومشين.  لا زلنا أفرادا وأمما ندرك وعيا ونزعم قولا أكثر جدا مما نطبق عملا في ترجمة المبادئ والقيم إلى سلوك شخصي واجتماعي: إخفاقٌ لا يفتأ يرهق نفوسا تطمح أن ترى تطورا نوعيا مطردا في الخبرة الإنسانية على الإطلاق.  قديما أشار أفلاطون في "جمهوريته" إلى هذا القصور المزمن لدى الإنسان  بقوله: إن صوت البشرية أبدا  يمجد العدالة والفضيلة، مع ذلك كثير من الناس يوقرون أشرارا لأجل ما يمتلك هؤلاء من  نفوذ ومال،  ويزدرون بالضعفاء مع علمهم بأن هؤلاء أحسن خُلقا من الأشرار.  وشجب القرآن الكريم الفجوة بين القول والفعل بإخباره: " كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون" (61:3).

 مسار التطور الحضاري

على مسار التطور الحضاري لا يُغني النفوذ والمال عن الفضيلة، لا تغني الشطارة عن الاستقامة، ولا الراحة البدنية والعيش الرغيد عن الرقي العقلي وسلامة الضمير.  إن الإنسان لا يعيش بالخبز وحده:  كلمة أوجز بها المسيح الإشارة إلى لزوم تأصيل البعد الخلقي في الحياة.  وقال نبي الإسلام ملخصا مهمته: بعثت لأتمم مكارم الأخلاق، وخوطب في القرآن المجيد: وإنك لعلى خلق عظيم.  أما في الفلسفة، فقد وازى إيمانيوءل كانط، أكثرُ فلاسفة الغرب تأثيرا في الفكر الحديث، بين القانون الطبيعي وآخر سماه ب " اللازم الخُلقي "  the categorical imperative: إذ بفهم الأول نهتدي إلى حقائق الوجود، وبفهم الآخر نستبين أسباب السلامة والصلاح في خبرة الإنسان.

 من كل ما جاءنا من الرشد في الوحي الموحى إلى الأنبياء، وفي الفكر الملهم للحكماء، نستخلص درسا أصيلا في فهم سنة التغيير في الحال البشري: أن إحداث تغيير في الخارج لا يؤدي تلقائيا إلى حدوث تغيير في الداخل، لكن العكس صحيح.  بمعنى آخر:  أن نروم تغيير محيطنا الخارجي من دون أن نحاول تغيير مستقرنا الداخلي عمل عقيم، فحتى حيث يتحسن الظرف الخارجي، بجهد منا أو بصدفة، أو بفضل جهود من آخرين، قد يبقى الحال الداخلي الآسن عاجزا عن الاستفادة من تحسن الظرف الخارجي.  أما حيث يتحسن الحال الداخلي فإنه تلقائيا، كنتيجة منطقية، ينضح بأداء مماثل  في الخارج.

أن ندرك ما يفيد ولا نستفيد منه، أن نعي ما يُقدّم ولا نَقدم عليه، أن نبصر ما يُصلح  ولا نعمل به:  ذلك هو البرزخ المعيق لرقي الأفراد والأمم عبر العصور.  في هذا البرزخ تعثرت خطى حضارات سبقت، ولمن لم تقم من عثارها ظل البرزخ دار قرار.  أن يؤثر امرؤ البقاء على خطأ من بعد علم، أو أن تستمر أمة على شطط من بعد أن يتبين لها الصواب، أشنع جدا من أن يظلا على خطأ أو شطط بجهالة:  في الأول خطورة وفي الآخر فرصة: في الأول دلالة على عوج في التفكير، على انفلات في المسلك، على عزوف متعمد عن الإصلاح، في الآخر مدعاة لإزالة الجهل المتسبب في الخطأ، وأمل لا يزال في التصحيح عندما بالعلم يظهر الصواب.  كما الأفراد كذا الأمم:  إذا ما تنكر فرد أو أمة للإصلاح من بعد ما تبينت الحاجة للإصلاح،  تنكرت له ولها الطبيعة العاملة بمشيئة الله النافذة صدقا وعدلا  في كل أمر.  من هنا ضرورة التأكيد دأبا على ترسيخ سيادة اللازم الخلقي في عموم الشأن الإنساني، مقوماً لكل ما نشرع ونطبق، دافعاً نحو كل ما يصلح ويفيد، ورادعاً عن كل ما يضر ويعوق ... تأكيدا نتواصاه ونمارسه أفرادا وأمما ومجتمعا إنسانيا مشترك الحال والمآل.***

-------------------------------------------------

*أعد المقال أصلا للعرض في ندوة المبادئ والقيم: دورها في رشاد الحكم والحياة التي كانت مزمعة من قبل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية (مسقط – عُمان) في أبريل 2012.  ألغيت الندوة، لكن نشر المقال في مجلة التفاهم الفصلية الصادرة عن الوزارة، عدد 36 - أغسطس 2012

*صادق جواد سليمان: كاتب ومفكر من عُمان، ودبلوماسي سابق

الحوار الوسيلة الأمثل لتحقيق الهدف ...أما الجدل البيزنطي فهو هدر للوقت والجهد وانحراف عن البوصلة

بقلم: ضياء السعداوي

قبل أن أبدأ في طرح رؤيتي وايماني بالحوار ممزوجة بأراء الكثير من المفكرين والمثقفين والكتّاب الذين اشاطرهم هذه الأفكار بكل ايمان حول الحوار وأهميته.

كما يعرف الجميع اليوم، تمر أمتنا العربية والأسلامية في واحدة من أسوأ الفترات المظلمة التي مرت بها بعد ضعف الدولة العباسية وانهيارها وبروز دول المماليك والغزو الإفرنجي، وثم استيلاء العثمانيين على الأمر وما تبعه من دخول العرب والمسلمين في فترة من السبات المعرفي والظلام الفكري والحضاري إلى فترة طالت أكثر من خمسة قرون من السنين العجاف القاحلة والعرب والمسلمين في غياب معرفي في حين باقي الشعوب والأمم في تقدم إلى الأمام. وجاءت الحرب العالمية الأولى وتقاسمونا كما تتقاسم الذئاب النعاج، وزرعوا فينا سرطان قاتل في فلسطين ولكي يتمدد هذا السرطان وينهش جسد الأمة كلها. ربما كانت هنالك صحوة متواضعة في بداية القرن العشرين ثم في فترة الخمسينيات والستينيات وبداية السبعينيات حتى وفاة جمال عبد الناصر لكن بعد ذلك حصلت معاهدة كامب ديفيد ثم الحرب العراقية الأيرانية وإذا بالبوصلة تتغير إلى التدمير الذاتي والانتحار الجماعي والرجوع من جديد إلى إلغاء العقل وتغليب الغرائز العاطفية والحيوانية على السلوك الأنساني. نحن أمة مبتلاة بقادة وملوك سيئون وما يتبعهم من وعاظ السلاطين ومرتزقة وتجار اختطفوا الدين وخطابه، وأشباه رجال محسوبين على الفكر والإعلام والسياسة والثقافة الذين يقتاتون على فتات موائد أعداء العروبة والأسلام، وحكّام سيئون أمعنوا جميعاً في اختطاف الخطاب الديني وحرفه عن الإسلام الصحيح بل تمادوا في اختطاف الخطاب العربي والعلماني أحياناً مستغلين عجز الأمة وضعفها وذلك بشلّ حركتها وتوقفها، بل تحريك العجلة إلى الخلف بعكس حركة الطبيعة والحياة والحضارة. هنا مفترق الطرق حيث الكفاءة والأحترافية بدون أخلاق وأمانة وحكمة ومسؤولية تصبح أخطر ما يواجه الأنسانية، وكما نرى اليوم في الإعلام النفطي والقنوات الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي وما يروج من أفكار هدامة لفكر الجبر وإفرازاته في التكفير والإرهاب وإلغاء العقل وهدم الإنسان والحجر. إن قيم الإنسانية والحرية والمساوات والعدل ولغة الحوار ليست شعارات ومصطلحات للترف الفكري بل هي حجر الأساس لبناء الإنسان فالمجتمعات الصالحة تبدأ بالفرد الصالح والأسرة. لابد من عودة ترتيب سلّم الأوليات من خلال ربط جدلي بين شعور الفرد والجماعة أي المجتمع بالمشاعر والشعور الانساني بكل ما تحمله الكلمة من معنى أبتداءاً الشعور بالحب بدلاً من الحقد والكراهية، والشعور بالألم والوجع سواء عند الفرد أو عند الآخر من دون حدود الجغرافيا والدين أو القومية والأثنية، والشعور بالسعادة كما وهبنا الله الحواس الخمس التي قد تحجرت وتكلست، والتغلب على الغرائز الحيوانية والأنا وتهذيب وترويض النفس البشرية والعاطفة بما يليق بمكانتنا كبشر كرمنّا الله بالعقل والحكمة والمنطق المعرفي في تعاملنا مع الحياة لكي نعرف ونتعلم. نحن اليوم هنا لكي نقول لا لكل من يريد أن يقول إن الانسان العربي المسلم قد فقد الشعور بالسعادة والحس الانساني، وإنه قد مات، لا بل لا زلنا نقول الشعر ونكتب الرواية ولا زلنا نفكر بعقول مبدعة في المجالات العلمية والإنسانية. يجب أن نثبت للعالم بأننا قوم لا يتغنى بمقولة كان أبي، بل ها أنا ذا... يجب أن ندحض المقولة التي تروج عنا بأننا شعب لا يقرأ، وإن قرأ لا يفهم، وإن فهم لا يعمل.

إن الساحة العربية مليئة بالكفاءات والمبدعين الذين يحاربون كل قوى الظلام التي تسعى لتغيبهم عن الساحة. وحتى يعود العربي المسلم إلى سلم الحضارة والفهم الصحيح للإسلام لابد من تصحيح العقائد التي تحولت إلى شعائر وذلك برفع الوعي وتحرير العقل، والاجتهاد من النقل، وكل القيود التي كُبّل بها لأكثر من ألف عام منذ أغلاق العقل والاجتهاد، وحصر الفقه بمدارس محددة لأسباب سياسية محضة ليس لها سند شرعي في النصوص القرآنية أو السنّة أو حتى مضامين العقل والمنطق وتجاوز الأمر بشأن الشريعة إلى الاقتصاد والعلم والسياسة وأساليب الحكم وحقوق الأنسان وكل ما يسبب أذى للعرب والمسلمين ويسبب تخلفهم وجهلهم وهزيمتهم تاريخياً وفكرياً وثقافياً وكذلك الاهتمام بمشاكل العرب والمسلمين في الداخل والمهجر وأخيراً مستقبل الأمة العربية والإسلامية من خلال أجيال المستقبل الطفل والشاب العربي والمسلم.

لما كان العرب والمسلمون غير راضين عن هذا الواقع المزري، ورافضين له لكن مع الأسف ذلك لا يُترجم إلى فعل وعمل، وحتى ومضة الربيع العربي الذي انتظرناه طويلاً حولوه إلى شتاء قارس، وسرقوا الأمل وشوهوه بتأجيج نار الفتنة والعاطفة والأنا والطائفية والإثنية البغيضة. ليس أمام العرب والمسلمين من مهرب وخيار وخلاص إلا في سلوك طريق لغة الحوار وبتقارب الأفكار والسلوك ولتكون منسجمة غير متصارعة وهي عملية صعبة تحتاج الى العمل بإيمان وبعقل فاعل من خلال الحوار البنّاء كأحد شروط النهوض الذي تفتقده الأمة في ثقافتها وسلوكها وبغيابه يقودنا إلى التسليم إلى ثقافة التسلّط، نحن بحاجة إلى ثقافة الحوار البنّاء لا الجدل العقيم. فالحوار يجب أن يكون مبني على العقل والحجة والعلم والبرهان من خلال تبادل الأفكار والإجابة عليها بهدوء دون تشنّج وعصبية، ومهما كانت نقاط الإختلاف ما دام الطرف الآخر لديه النيّة الحسنة في العمل والبناء الإيجابي لا الهدم والتدمير والإرهاب والقتل والتكفير ولديه الأخلاص للقيم الأخلاقية والمُثل. أذاً الرغبة في البناء مثلها الرغبة المشتركة في بناء صرح والإختلاف على الخارطة الأفضل للبناء وكذلك المواد الأجود المستخدمة فيه. لابد بالنهاية - ضمن الآليات العلمية للحوار - من الوصول إلى قواسم مشتركة على عكس الجدل العقيم (الجدل البيزنطي) لأنه لا يعتمد على الدليل والبرهان والحجة والعلم ولا يملك مادة غير العناد والمكابرة وعدم رؤية وقبول الحقيقة وقوانينها في الوقت الذي نرى الله عز وجل والرسول (ص) قد قبلوا بالحوار مع الآخر حيث الله حاور الشيطان وأمهله لكنه رفض جدل نبيّه إبراهيم بأن يغفر لقوم لوط. نرى في حالات معينة يمكن التعامل بالجدل على شرط التعامل بالحسنى، ونرى بوضوح في الوقت الذي يصل بنا الجدل العقيم غير المستند إلى العلم والدليل، إلى التجريح والإساءة، نجد الحوار الإيجابي يكون مستنداً إلى العلم والبرهان والعقل لأنه العملية الأساسية لأنجاز التقدم وحل المشاكل الموروثة والمستجدة وحل أخطر أمراض الأمة وهو الإختلاف المؤدي للفتنة والصراع، ونجد أن هناك من يتهرب من الحوار لقلة الدليل والحجة والبرهان أو لغطرسة الأنا والغرور أو السلطة والنفوذ. لهذا فأننا لن نتحرر من الواقع البائس دون حوار حر بنّاء يسعى إلى التغيير من حالة الفشل إلى الإنجاز والنجاح، ومن واقع الهدم إلى البناء والعمران، ومن حالة الإنحدار والإنهيار الثقافي والعلمي والاجتماعي والسياسي والفكري والفهم الخاطئ للدين إلى حالة النهوض والتقدم ولأجل تحقيق ذلك لابد من شروط في المتحاورين منها الشجاعة والتحرر من المتسلطين على الخطاب والمتمسكين بقشور العادات والتقاليد البالية والأفكار الجامدة الموروثة والفهم الديني الخاطئ أو تجاره ووعاظ السلاطين والجهلة من العامّة والخاصّة، وأن نرتفع بمستواه من الجزئيات إلى الكليات مثل تقصير الثياب ونقاب المرأة والجن وتحريم الصور وغيرها. نعمل بالكليات كملكية الأمة للأحوال العامة وقرارها بانتخاب الحاكم وعزله ومحاسبة الفساد ومن وراثة واستغلال واحتكار وغش وتقديم العاطفة السلبية على الحق، وتقديم المدينة والعشيرة والتمذهب ووهم احتكار الحق والحقيقه كلها. لكي ينجح الحوار لابد من تربية النفس على الخُلق والمُثل والمبادئ والعلم والحق والصدق وأن يكون العقل والعلم هو المعيار والفيصل. نعلم أن تربية النفس والنقد الذاتي هي عملية شاقة لذلك سميّت بالجهاد الأكبر. هذه القيم تخلق معدناً صلداً وأرضاً خصبة ومناعة عالية لتقبل الحقيقة ورفض زيغها ويكون من شروط الحوار العلمي أيضاً هو ربط الأسباب بالمسببات وتقديم الأدلة والبراهين على صحة الرأي المبني على المعرفة بالواقع والوعي بكل أبعاد الصورة ولذلك الحوار الذي نصبو إليه لنهوض الأمة هو حوار العقل والعقلانية والعلم والمعرفة والشجاعة والخبرة والمسؤولية والمرونة والصدق مع النفس ومع الآخرين، هو احترام الآخر بغض النظر عن الإختلاف الذي يبني ثقافة تقطع الاستبداد ويحّول الجدل والإختلاف إلى وحدة تعاون لا ذوبان، وحدة الحق والعدل والعقل لا وحدة الجبناء المنهزمين للظلم والتسلط والمستسلمين للهزيمة. إنه حوار يحطم الخوف ويحارب الباطل للوصول إلى الحقيقة سواء كانت سياسية أم أجتماعية وثقافية أم دينية. بذلك نجيب على سؤال العصر الذي نعيشه، أين مكان أمتنا العربية والإسلامية على خارطة الحاضر والمستقبل ؟ التي فيها شعوب الأرض تنطلق متسابقة إلى الأمام همّها الرقي في الغد والمستقبل وسلاحها العقل والعلم والحركة والإبداع ونرى العرب والمسلمون مع الأسف ينبشون القبور وينقبون عن در وذهب خلّفه الأجداد ليبيعونه أو من يدمر ما تركه الأجداد من حجر وأثر بحجة غباء الشرك، وفريق مشغول بالنقل واللفظ. يتحدث الجميع عن صحوة وربيع ونهضة وهي كلمات حق لا يمكن أن نأخذ الخطوة الأولى فيها ما لم نتجاوز ثقافة الجمود على الموجود والكفر والإنقطاع من وإلى الماضي وبهذه وتلك نرى قوى الشر تتقن اللعبة في سرقة الأمل والبقاء محلك سر في حين أصحاب العقول يرفضون هذا وذاك، أصحاب الجمود أو التفريط ومن يحسن الهدم ولا يحسن البناء، كذلك لابد من غلبة المنطق في المحافظة على الهوية الحضارية وقيمها العربية والإسلامية الأخلاقية لا الشكلية لأن العروبة والإسلام هي سماحة ويسر وتوسط واعتدال ورحمة ومغفرة، ولأنه في النهاية هي أزمة فكر أنساني لا أزمة دين سماوي والفكر لابد له من تجاوز جمود الشريعة إلى التجديد والإبداع والإجتهاد والمواصلة بالحياة من خلال الخُلق والقيم العليا والمبادئ في السلوك بالحوار وأدبه وهو ضرورة لأن الحقيقة واحدة ولكن تعددت زواياها وما دام الفهم مبني على العلم وبعفة اللسان وصون الكرامة وحُسن الخُلق إلا الذي أصطف مع الشيطان والقاتل والهادم والمكفّر حيث وجدت أن أرقى المجتمعات الديمقراطية قد حظرت الحوار مع فكر النازية والعنصرية والإرهاب وغيرها من أفكار عنصرية مجرمة لا حق لها في الحوار حيث التشدد يقود إلى التطرف، والتطرف يقود إلى الجريمة والطاعة العمياء والإنعزال من المجتمع وتقسيم الإنسانية إلى دار حرب ودار سلم، واللعب بمقولة الحاكمية لله لأنها كلمة حق يُراد بها باطل لتجريد المجتمع من المشاركة البنّاءة والفاعلة. من مهازل القدر أن الأمة العربية والإسلامية ليس لديها ما تفخر به أمام أمم الأرض إلا علماء وفلاسفة الحضارة العربية والإسلامية أمثال الرازي وابن الهيثم والكندي وابن سينا وابن رشد والجاحظ وغيرهم الذين أُضطهدوا في حياتهم أو بعد مماتهم وحُرقت كتبهم من قبل المتشددين حيث أتهموهم بالكفر والزندقة إلا ما تسرب من كتبهم إلى الغرب.

أولا :الحوار كحل للتعامل مع الأزمات المزمنة ( الإختلاف بين أهل السنة والجماعة والشيعة نموذجآ)

لابد من الحوار كلغة تؤكد انسانيتنا في مناحي الحياة كافة، ولأن العالم أصبح قرية صغيرة ولسنا في جزيرة منعزلة أو خيمة في صحراء قاحلة، وأن الحياة في تطور ونحو ازدهار فلابد من الحوار مع الآخر. في حوار الحضارات لاصراعها والثقافات والمجتمعات بكل أعراقها وقومياتها وفي السياسة أو مع الدين الآخر أو ضمن مدارس وطوائف الدين الواحد وهنا سوف نأخذ الدين الإسلامي كنموذج حيث كان ولايزال أن من أهم نقاط الخلاف التي واجهت الأمة الإسلامية وسببت الجروح والفتن هو الخلاف بين السنّة وأهل الجماعة والشيعة . كما تعارف الخطاب العام عليهم لكن الأصح هو بين أهل الجماعة والشيعة لأن الجميع هم سنة إذا كان مفهوم السنّة هي سنّة النبي محمد (ص) وذلك الخلاف في نظرة الطرفين إلى التاريخ وبعض المواقف السياسية والفقهيه بالرغم من اشتراك الطرفين وإيمانهم في معظم الأصول التي تحدد الهوية الإسلامية منها الإيمان بالله وملائكته واليوم الآخر، وأن الرسول محمد (ص) هو آخر الرسل والأنبياء والإيمان بجميع الأنبياء والرسل وكتبهم، الإيمان بالعدل الذي هو الفيصل للإلتزام بباقي الأصول. وبالرغم من تجنب العديد من الكتّاب والمفكرين الخوض في هذا الموضوع  لحساسيته لتجنب سهام الإتهامات لمن يخوض فيه من جميع الأطراف. مع ذلك نرى آخرين من فضّل قول كلمة الحق كل حسب ظرفه حيث نرى منهم علي سبيل المثال ابن قتيبة وابن الأثير والبلآذري والطبري والرازي والترمذي واليعقوبي والمسعودي في قراءتهم للتاريخ بشكل محايد أو من المحدثين مثل الشيخ محمد عبده وشيوخ الأزهر محمد حسين هيكل والشيخ محمد أبو زهرة والشيخ الجليل أمام الأزهر محمود شلتوت والدكتور طه حسين والدكتور طه جابر العلواني والدكتور عدنان إبراهيم ود. أحمد الكبيسي ود. علي شريعتي ومحمد باقر الصدر ود. أحمد الوائلي والمرجع محمد حسين فضل لله وكمال الحيدري وغيرهم، إنهم بالتأكيد عمالقة في التاريخ والتدوين والفقه واللغة ومنهم من واصل حتى وفاته ومنهم من أصابه الإحباط وانعزل كل حسب ظرفه. سوف أخذ من هؤلاء الأعلام الجراءة ولكني اتناوله من جانب مبدأ الحوار والرغبة في وحدة الأمة وليس من جانب الفقه والإجتهاد وهو ما يهمني في هذا البحث مستندآ بما أقرته مؤسسة الأزهر الشريف بفتوي إمام الأزهر الجليل محمود شلتوت في عقد الخمسينات والستينيات من القرن الماضي وذلك بجواز التعبد والتدريس في سبع مذاهب فقهية في مؤسسات وجامعات الأزهر باعتبارها مشتركة في الأصول والتي تحدد الهوية الإسلامية، وأن جواز التعبد بها يشمل حق الإنتقال فيما بينها أوالأخذ من أيآ منها لكن مع الأسف نجد الذين جاءوا بعده لم يسلطوا الضوء بحماس للإلتزام بها نصآ وروحأ وذلك لأسباب سياسية صرفة بسبب ضغوط من دول الخليج النفطية وبالتالي فقد الأزهر صفة  الآستقلالية وكونه يمثل الأمل والحصن الأخير للإسلام بوسطيته واعتداله والذي نرجو من الله أن يستعيد هذا الصرح موقعه،  ودور مصر الطبيعي في وحدة الأمة العربية والإسلامية حيث لو عمل بفتواه ونهجه لوفر وحقن  دماء وأرواح الملايين من العرب والمسلمين وغيرهم. كذلك تجنبنا هدم أوطان عربية كثيرة مثل العراق وسوريا واليمن وليبيا وغيرها من أوطان عربية أخري هي في طريق الفتنة.... أذا لم نستيقظ من الفتنة التي وضعونا بها ونسير علي خطي النظرة الإسلامية العاقلة للأمام وشيخ الأزهر محمود شلتوت باعتماد منهج العقل والعلم والحوار في الإختلاف ببعض الأمور الإجتهادية بين المدارس الأربعة مع بعض أو مع المدارس الأخرى مثل الجعفرية والزيدية والظاهرية آخذين بالحقيقة أن الفقه الجعفري أو الزيدي هو أقرب إلى أي مدرسة من المدارس الأربعة بما فيها من إختلاف مع بعض لأن الواجب الشرعي والأخلاقي والعقل والمنطق والإيمان يتوجب العمل والنداء للوحدة. ولابد من هذا اليوم للخروج من حلقة الجدل البيزنطي العقيم إلى لغة الحوار العاقل لرأب الصدع وتآلف القلوب وتضييق دائرة الخلاف لأن الجميع مسلمون ومؤمنون بمنهج التوحيد والسنّة والأصول التي هي الأصل والأساس وأي كلام وإختلاف آخر سوف لن يكون أكثر من فرعي وثانوي، وهي آراء واجتهادات بشرية قابلة للصح والخطأ خصوصآ ونحن نرى ما آل إليه هذا الإختلاف والجدل والشقاق من وهن وضعف للأمة ومما سبب فقدان المناعة وقابلية الجسد لكل الأمراض مع طمع الآخرين في تدمير ونهش هذه الأمة جميعآ بلا استثناء وأخراجها من سلم الحضارة في الوقت الذي نرى هنالك من يتذبذ وينقب في مخلفات التراث والتاريخ ليجعل منه وقودآ لنار الفتنة وينفخ فيه كما يريده أعداء الأمة... هذا سبب أضافي يجعلنا نبحث عن كل ما شأنه أن يطفئ هذه النار غير  المقدسة  (نار الفتنة) من خلال البحث عن صفحات ايجابية مشرقة ومشتركة لبعث روح الوحدة والقوة الإسلامية والنظر إلى التاريخ بالعقل والمنطق والدليل والتفهم للظروف والأسباب والمسببات. في النهاية نحن نتحدث عن بشر وليعذر بعضنا البعض، والابتعاد عن لغة العاطفة والمذهبية والطائفية البغيضة ونجعل من الإختلاف مصدر للتنوع والإثراء وليس الخلاف والصراع من خلال لغة الحوار والعقل والمنطق. ولما كان من أكبر الأسباب لعدم تجاوز المشكلة هو الجهل المشترك بعقائد بعض والإعتماد علي تخرصات ومؤججي الفتنة وجهل العامة كمصادر لمعرفة الآخر لذلك كان لابد من التعرف علي أهم المحطات الفكرية لدى الطرفين من خلال الحقائق العلمية والأكاديمية، ولما كان فقه أهل الجماعة والمدارس الأربعة وهو الأعم ومتوفر ومتاح بسهولة للجميع في المكتبات والمؤسسات المعرفية علي عكس توفر الكتب التي تتحدث عن الشيعة وعقائدهم كما هي من مصادر محايدة فنجد بالتالي أن الشيعة يعرفون عقائد أهل الجماعة والسنّة أكثر مما يعرف أهل الجماعة عن الشيعة من مصادر موثوقة سواء بما يتناقل من مصادر ليست ذات شأن أو العامة مثلآ إن الشيعة قد أسرفوا وبالغوا حبآ وحزنآ لعلي وبنيه وأنهم يرون أنه أولى بالخلافة عن من تقدمه من الخلافاء الراشدين وكذلك أنهم أصحاب بدع يخالفهم عليها مذهب الجماعة والمدارس الأربعة. لذلك لابد من دراسة محطات مهمة في نشؤ طائفة الشيعة أو أهل السنّة والجماعة، وسوف نبدأ في نشوء الشيعة للأسباب التي ذكرناها في المقدمة ضمن السياق التاريخي والزمني مع العلم أن كلمة الشيعة عائمة وعامة ولا تعني شئ وقد ذكرت في القرآن أولآ مثل شيعة ابراهيم وهي تعني المحبة والموالاة وهي طائفة وليست مذهب واحد أو فرقة..... ومايهمنا هنا الذي يشترك مع أهل الجماعة والسنّة في الأصول ويختلف معهم في بعض الفروع والنظرة التاريخية للخلافة وهم يشكلون أكثر من 95% من شيعة العالم أو نسبة 25% من اجمالي عدد المسلمين من أشهرهم عبر التاريخ الأمامية الأثنى عشرية أو الزيدية أما الباقي فمعظمها غير مقر بهم أصلآ من هذه الغالبية الشيعية الذين يشتركون مع أهل الجماعة في رفض بدعهم وخروجهم عن بعض الأصول والفرائض.

محطات في نشوء التشيع وفق السياق التاريخي:

أولآ: لقدأظهر الشيعة منذ حياة الرسول (ص) الحب للأمام علي (ر) وفضّلوه علي بقية الصحابة لكونه الوحيد من الصحابة الذي لم يسجد لصنم، وبذلك حصل علي لقب منفرد عن الجميع بكرم الله وجهه. إن عليا أول من آمن بالنبي كرسول لله والإسلام من شباب وفتيان قريش بعد خديجة الكبرى، ولقد اختاره النبيّ من أبناء عمه أبو طالب ليربيه ويرعاه كأبن له، وكان خليفته في فراشه وأول فدائي في الإسلام عندما قررت قريش أغتيال الرسول حين قرار الهجرة إلى يثرب. وعلي هو الوحيد الذي أختاره الرسول ليكون أخ له بعد الهجرة عندما آخا بين المهاجرين والأنصار، وعلي حامل راية المسلمين وأول السباقين في المبارزة للدفاع عن النبي والإسلام في جميع المعارك، بالإضافة إلى أنه ابن عمه فضله واختاره زوجآ لبنته فاطمة رغم طلبها من العديد من الصحابة. وعن أم المؤمنين أم سلمة رواه أحمد وصحيح البخاري( 4830 )، طلب الرسول من بنته فاطمة أن تستدعي عليا وولداها الحسن والحسين وكان الرسول في فراشه، واجلسهم جميعا معه والتحف بهم بكساء فراشه معا، فنزلت الآية الكريمة 33 من سورة الأحزاب ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت وطهركم تطهيرا )  حيث رفع الرسول يده إلى السماء مرددا عدة مرات، اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي فذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، فجاءت له أم سلمة بعد أن رفعت جزء من الكساء وقالت: أنا معكم يارسول الله، فرفع الرسول يده الكريمة لتبقى مكانها وقال لها: أنت بخير)، هذا وغيره العديد من المواقف والأحاديث النبوية بفضل عليّ ومنزلته، جعلت له محبة خاصة في نفوس الصحابة والإنحياز العاطفي له والتشيع له.

ثانيآ: يرى الشيعة بعد وفاة الرسول، أن عليا له الأفضلية والسبق والاستحقاق للأمامة. حسب رأي جمهور كبير من الصحابة الإعتراض على من تقدم عليه حيث لم يذهب الكثير منهم إلى سقيفة بني ساعدة التي حسم فيها أمر الخلآفة وبينهم العباس عم النبي وأولاده والزبير والمقداد وسلمان وعمار وغيرهم. ويعد ذلك موقفا سياسيا وفكريا للتعاطف مع علي والتشيع له والتي قال عنها كل من الخليفة الراشد أبوبكر وعمر ( رضي الله عنهما) إنها فلته وقى الله المسلمين شرّها.

ثالثآ:انحياز جماعي لعلي من قبل المسلمين بعد وفاة الخليفة عثمان وانتخابه من جميع المسلمين خليفة لهم، وكانت سابقة بهذا الإجماع والعدد، وبعد فخ مسألة التحكيم وما تم فيها من غش ومؤامرة وخروج فصيل الخوارج عن أمامته، وما صدر منهم من أقوال وأفعال مخالفة لجوهر الدين، وكذلك ماصدر من معاوية من حروب مع ولي الأمر وخليفة المسلمين الإمام علي، فتنة ذهب ضحيتها أكثر من سبعين ألفا من الصحابة والسابقين. بعد أن أخذ معاوية زمام الحكم بعد اغتيال الإمام علي بإبتداعه سب الإمام علي في الصلاة وخطبة الجمعة وقتل ومطاردة كل شيعته وأنصاره والإنتقام منهم إلى أن جاء الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز وصحح هذه الأخطاء والخطايا بحق الإسلام والمسلمين.

رابعآ: أساس نفسي، في أعقاب فاجعة ومأساة كربلاء وما تعرض له الأمام الحسين وبنيه وعائلة النبي محمد من ظلم وقتل وتمثيل بالجثث وسبي نسائهم وأعتبر ذلك ماهو إلا خسارة جولة لابد من الثأر لها أو التقيه في حالة الخشية من الإباده، وهكذا استمر الحال حتى اكتملت معالم الملامح  الفكرية في عهد الإمام جعفر الصادق وهو سادس الأئمة الاثنا عشرية. ولما يتمتع به الصادق من شخصية فذه ونبوغ علمي واجتهادي حيث أخذ عنه العلم والفقه الإمام مالك والإمام أبو حنيفه وتتلمذا على يديه . أما الإمام الشافعي فقد كان منحازا حبا لأهل البيت إضافة إلى أن الإمام أحمد بن حنبل لم يبخس الإمام علي قدره وحقه ومنزلته وكان أول من فرضه على ثقافة أهل السنة والجماعة بلقب الخليفة الراشد الرابع . في الوقت الذي قلنا أن كلمة الشيعه عامة وعائمة إذا اخذنا مفهومها اللغوي هو محبة أهل البيت وإجلالهم وتقديرهم فلا أجد أي مسلم مؤمن مهما كان فضله سواء من كان محسوب على أهل السنة والجماعه أو أهل التشيع من لا يؤمن بذلك . فمحبة آل بيت النبي من محبة النبي وهي سنّة وهي ليست قسرا على طرف واحد وذلك من ناحية المصطلح وبالتالي إذا كانت الشيعة هي محبة آل البيت فجميع أهل السنة والجماعة هم شيعة ومحبين لأهل بيت النبي وخير مثال موقف الإمام الشافعي وهو أحد أئمة الفقه الأربعة، إذ يقول في إحدى قصائده، وله  منها الكثير في محبة أهل بيت النبي

     إذا كان رفضا حب آل محمد            فليشهد الثقلان أني رافضي

كذلك باقي أئمة الفقه مثل ابن مالك وأبو حنيفة والإمام أحمد ابن حنبل والسلف من الصحابة والتابعين وعلماء وفقهاء الإسلام من أهل السنة والجماعة. أما بشأن الأمور الفقهية والاجتهادية فهي في النهاية رأي بشري وانساني يحتمل الخطأ والصواب ورحم الله الإمام مالك عندما قال: إن الاجتهاد لا يلزم إلا صاحبه وبرفضه طلب الخليفة العباسي المنصور أن يحصر القضاء بفقهه لأنه يرى هنالك اجتهادات أخرى لها الحق في ذلك. أما بشان معالم الاختلاف الفقي والاجتهادي والتي هي رأي بشري كما قلنا بين الشيعة الإمامية الاثنا عشرية وأهل السنّة والجماعه لا تتعدى الإختلاف الموجود بين المدارس الأربعة منها:

أولا : الإمامة

يرى الشيعة أن الإمام منصّب بأمر إلاهي حسب تفسيرهم، وإنه نص قراني وكذلك وصية الرسول في خطبة الوداع . في حين يرى أهل السنّة والجماعة أن الخلافه، إمرة وترؤس الناس والحكم فهي رئاسة عامة تأتي بالشورى من قِبل الناس.

ثاثيا : عصمة الإمام

يرى أهل الشيعة أن العصمة لها تعريفان منها عدم ارتكاب المعصية أوهو من اعتصم بحبل الله (القران) ولا يفترقان عن بعض إلى يوم القيامه. ويتم الانتقال بالإمامه بالتثبيت لها بنص من السابق إلى اللاحق. في حين يعتبر أهل السنّة والجماعة العصمه خاصة بالأنبياء فقط. بينما ينظر الشيعه للإمام، ويعتبرونه دون النبي وفق البشر ضمن أدلة نقليه وعقليه ويعتمدوها حسب مصادرهم، وكذلك بتأويل النص ( يا أيها الرسول بلّغ ما أُنزل إليك من ربّك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس) سورة المائده  67، وجاء ذلك أيضا في حجة وخطبة الوداع والحديث النبوي في خطبة الوداع ( يا  أيها الناس إن الله مولاي وأنا مولاى المؤمنين وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم والي من والاه وعادي من عاده وانصر من ونصره واخذل من خذله.... ) ورد في الصحاح بعد أن أبلغ الرسول ذلك نزلت آخر آية من القران ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتمت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) سورة المائده اية  3 . وورد أيضا في حديث المنزلة للرسول (ص) فقال: (أنت منى بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي) كما نقله سعيد بن المسيب عن سعد بن أبي وقاص وذلك عندما طلب النبي من الإمام علي أن يخلفه في ادارة المدينة المنورة في غزوة تبوك والبقاء فيها، وكانت رغبة الإمام الذهاب معه للمشاركة في الجهاد، وهي المرة الوحيدة التي لم يشارك الرسول في غزوة وحسب طلب الرسول رواه مسلم ( 15 / 174 ) وكذلك الفتح الرباني ( 21 / 204).

وبالرغم من ذلك إذا كانت هذه الولاية إلاهيه في الإمام علي بتبليغ من الرسول فهي لا تعني الوراثه بها، وإن الحقيقة الثابته أن الائمة الاثناعشر كانو مثال الخلق والعلم والإيمان، وتميزوا بالأفضليه عن معاصريهم وهذه كلها خصال مجيده تحلّوا بها وهي وحدها من جعلتهم متميزين وليست الوراثه والدليل على ذلك نرى بالرغم من منزلة وعظمة الإمام الحسن بن علي وقربه كحفيد لرسول الله والقائل عنه وعن أخيه الحسين بأنهما سيدي شباب أهل الجنه، عندما حضرت الوفاة الإمام علي سأله المسلمون هل يوصي بالخلافة إلى ولده الحسن فكان رده وهو أكثر المسلمين علما وفقها ( بأني لا أأمركم ولا أنهاكم )، إنها منتهى الديمقراطية والشورى، فهو لم يفضله لقربه له، ولم يحرمه حقه إذا ارتضو المسلمين ذلك. وهذا ما ينطبق على الأئمة الاثنا عشر  اللاحقين فقد تميزوا عن أقرانهم بالعلم والخلق والإيمان وليس بالوراثة والنص وحدهما وكانوا محل محبة واحترام كل المسلمين منهم أهل السنّة والجماعه والشيعة بلا استثناء فيما عدى الحاكم ورجال السلطه الذين كانوا يخشون من هذه المحبة والاحترام والمنزله لتجعلهم منافسين لهم هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية يرى علماء أهل الجماعه صحة الحديث بشأن خطبة الوداع والولاية ولكنهم يقرأونه على أن الموالاه هي الفضل والمرجعية في العلم والفقه وليس في الإمامه والرئاسة السياسيه ( الخلافه محتجين إذا كانت كذلك لماذا لم يحاجج ويطعن ويقاتل الإمام علي ليأخذ حقه بالقوه إلا أن هنالك آراء وتفسير لذلك عند علماء الشيعه لهذا الموقف والقراءة وهو أن الإمام علي اتخذ هذا الموقف لدرء الفتنه ومصلحة الإسلام ووحدته ... وإذا كانت هذه الأسباب وهي صحيحه فهي لا تزال قائمة وموجوده إلى يومنا هذا، وعلينا أن نكون واقعيين بقراءة التاريخ أن الاسلام عندها كان حديث العهد ولا يزال لم يستطع أن يغيّر بالانسان بكل شئ منها النظره الأبوية والعصبية القبليه والتي لا تزال موجوده إلى يومنا هذا، وإذا ما قارنا بين أعمار الخلفاء الراشدين المقاربه لعمر الرسول وعمر الإمام علي والذي كان في عمر أولادهم ربما نتفهم النظرة الأبويه السائده في ذلك الحين وما أفرزته من اتخاذ قرارات مهمه ومصيريه.

ثالثا : غيبة الإمام المهدي

لقد اختلف المسلمون سنة وشيعة بين مؤيد ومعارض، فمنهم من احتج بحديث أو تراث، وتعلل بأسباب ومشابهة الأمر بعمر النبي نوح إنه قارب ألاف عام أو ببقاء الخضر لحد الآن في الوقت الذي يرى فيه ابن تيمية وبالرغم من بغضه للشيعة فأنه يقّر بذلك، بينما الزيديه وهم احد فرق الشيعة ترفضه، في حين يرى هنالك فقهاء من أهل السنة والجماعة بصحة الرواية بوجود المهدي لكنه سوف يولد في المستقبل.

رابعا : ولاية الفقيه والحكومة الإسلامية

فيما نرى من الشيعه من يفضل التقية والابتعاد عن السياسه اقتداءا بموقف الإمام الحسن، وبينهم من اقتدى بالتصدي للمسؤولية مثل الإمام الحسين. وهكذا بقي الابتعاد عن السياسه عند الشيعه فترة طويلة نسبية أكثر من ألف عام إلى أن جاء الخميني واجتهد وطالب بتولي المسؤولية إلى الفقيه العالم الذي تجتمع لديه خصلة العلم والعدل ليكون نائبا للإمام لتولي زمام الحكم والسلطه والمسؤولية إذ أخذ برأي علماء السنّه والجماعه بعدم فصل الدين عن السياسه.

خامسا : اختلاف مصدر الحديث

كذلك الاختلاف في مصدر الحديث الذي يصل إليهم، إذ يرى الشيعه لابد من اخذه منقولا عن النبي عن طريق أهل بيته، في حين يأخذ السنّة والجماعه الحديث عبر قنوات الصحابه والتابعين والعنعنه وكذلك باستقطاع سهم الخمس إضافة إلى الزكاة للتبرع بها للمؤسسات الدينية لتصرف على الأمور الشرعيه.

سادسا : يختلف علماء المسلمين على سؤالين حول أصحاب النبي:

السؤال الأول : من هو الصحابي ؟ يرى الكثير من علماء السنّة والجماعه إن كل من أسلم في زمن الرسول ورأه وصلى معه صاحبا له، لكن الرسول لا يرى ذلك كما ورد في الطبري الجزء الثالث صفحة 68 وذلك لما كان بين خالد ابن الوليد والصحابي عبد الرحمن بن عوف في جدل حول ما ارتكبه خالد في بني خزيمة حينما أرسله النبي داعيا لهم إلى الإسلام لا مقاتلا لكن خالد تجاوز أمر النبي وقتل منهم العدد الكبير من الرجال بعد أن أعطاهم أمان الله والرسول، لأن هنالك ثأر عائلي قبل الإسلام، فكان الخزومين قد قتلوا عم خالد الفاكه ابن المغيره وقتلوا عوف والد الصحابي عبد الرحمن، فقد قال عبد الرحمن لخالد عملت بأمر الجاهلية في الإسلام  فقال له خالد: إنما ثأرت لأبيك، فقال له الصحابي عبد الرحمن كذبت، فقد قتلت قاتل أبي لكنك ثأرت لعمك الفاكه بن المغيره، فتجادلا وسب خالد الصحابي عبد الرحمن، وأراد به شرا، وصل الأمر إلى الرسول محمد فقال إلاّ أصحابي يا خالد، دع عنك أصحابي، فو الله لو كان لك أحد ذهبا ثم انفقته في سبيل الله ما ادركت غدوة رجل من أصحابي ولا روحته)- رواه ابن هشام الجزء الثاني صفحه 421. من الواضح أن الرسول لم يعتبر خالد  صاحبا له، وأن هذا الكلام صدر من الرسول بعد فتح مكه أي بعد اسلام خالد بسنتين لأنه أسلم بعد صلح الحديبيه. ولقد أسلم الآلاف قبل وبعد ذلك من دخل الاسلام في زمن الرسول ورأوه وصلوا خلفه.

السؤال الثاني: هل الأصحاب كلهم عدول؟ واحدة من النقاط الخلافيه بشأن عدالتهم وثقاتهم، وهل أن الصحابه كلهم متساوون؟ يرى نسبة كبيرة من علماء  الجماعه أن جميع الأصحاب ثقاة وعدول ويخالفهم في ذلك علماء الشيعه إذ يحتجون بأن صفاة الصحابه العدول موجوده في سورة الفتح - الآية 29،( محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفّار رحماء بينهم .... الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة واجرا عظيما)، إنها صفات غير متوافره عند جميع الصحابه، ولم تتوافر عند العديد من الذين يعدون صحابة إذ كانوا سببا في الفتنه والحروب التي وقعت بين المسلمين وراح ضحيتها عشرات الآلاف من الصحابه والتابعين.

وهذه أهم المنطلقات التاريخية والعقائدية التي انطلق منها مذهب التشيع، ويتفق عليها معظم جمهور الشيعه وليس هنالك اعتراض على الكثير منها من قبل السنّة المعتدلين لكن هنالك مدارس اجتهادية وفقهية لدى بعض علماء الشيعه، وكلها آراء اجتهادية بشرية، ربما يكون هنالك اتفاق عليها أم لا... مثل مسألة الشعائر والمبالغه في الحب لأهل بيت النبي والحزن عليهم، وبعض الفرعيات الأخرى. قد نجد بعض المغالات في ذلك لدى جمهور العامه وليس العلماء لأسباب عديده، وتصدى لها بعض علماء الشيعه الكبار مثل محمد حسين كاشف الغطاء والمرجع فضل الله والشيخ الدكتور الوائلي والدكتور محمد باقر الصدر والدكتور علي شريعتي وكمال الحيدري وغيرهم. وهنالك ايضا بعض تجار الدين الذين يستغلون عاطفة وجهل العامه ليبتزوهم ماديا في المبالغه في مشاعر الحزن والحب ولتأجيج روح الثأر.

دعوة للتأمل والقراءة بين الدين والسياسة

الحل: دعوة الطرفين وعلى الأخص علماء السنّة، للتعرف على عقائد الشيعه من علماءهم المتنورين ومفكريهم وكتبهم،..( وليس من تجار الدين والمرتزقه). وأن يتفهموا الأبعاد التاريخية والنفسية والاجتماعية والسياسية التي احاطت بالتشيع، وبذلك نقطع نصف الطريق للتعايش الإسلامي، ونقضي على الفتنه. ويتعامل به كفقه يضاف إلى بقية المدارس الأربعه كما افتى إمام الأزهر محمود شلتوت، مستندين إلى الإمامين مالك وأبو حنيفه، وأخذ منهم الإمام الشافعي الكثير وصدح بمحبة أهل بيت الرسول، وكان الامامان مالك وأبو حنيفه طلبة علم لدى الإمام جعفر الصادق سادس أئمة الشيعه وأخذا عنه الكثير. ويقول الشيخ الأزهري محمد أبو زهره: ما أجمع علماء المسلمين على اختلاف مذاهبهم وطوائفهم مثل اجتماعهم على الإمام جعفر الصادق، بعلمه وصدقه وفقهه، فأئمة الفقه أخذوا منه مثل مالك وسفيان الثوري وأبي حنيفه والإمام الشافعي وغيرهم.

أما علماء الشيعه فعليهم تجاوز الرواسب الزمنية، وتجاوز التطرف في النظر إلى الإمامة والتقيه واجترار الأحزان والرغبه في الانتصار للظلم الذي لحق بهم. حال وهم اليوم مختلف عن الامس فقد مضى عليه الزمن، وهم اليوم مشترك عند الجميع، والجميع بأمّس الحاجه إلى معالجته بالحوار الايجابي فلا بديل للحوار في إذابة جليد الفرقه، ورواسب الماضي من أجل عدم انتهاء الأمة بخلافات وصراعات وجدل لا مخرج منه. لابد من النظر إلى التاريخ بعين العقل لا العاطفه، ولا بد التحرر من بذور الفتنه وعدم تحمل المسؤولية عن أخطاء تاريخية لم نرتكبها، ولسنا مسؤولين عنها، وبالتالي الدفاع عنها. النظر إلى التاريخ نظرة الطبيب إلى المرض لمعرفة الأسباب والمسببات وتحديد العلاج، وأن لا نكون جزءا من المشكله ونصاب بالعدوى. وكما أسلفت، هنالك دين سماوي ونص قرآني ونبي مرسل، لا يختلف حول ذلك اثنين، فيما عدى ذلك هنالك بشر وليس ملائكة تحكمت في شخصيتهم العديد من الظروف الاجتماعيه والعلمية والنفسية، وجبلوا على شخصية وهوية في النهاية في التدرج من النقاء الاخلاقي والايماني ونحن أمام شخصيات متفاوته، منها من نجله ونحترمه لكن هذا لا يجعلنا نتعاطف معه إلى مرحلة الغلو، ونسقط عليه صفة الملائكة لأن النقاء والنية الحسنة هي المعيار في النهاية، وبالتالي تنطبق المقوله على أصحاب النية الحسنه بالنقاء الايماني مثل الخلفاء الراشدين عندما يجتهدون فإن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطئوا فلهم أجر واحد.

لقد اختلفت الصورة تماما بعد مرحلة الرشد والخلافة الراشدة، يضاف لهم حالات نادرة فبعض الاشخاص ساروا على ذات النهج، مثل عمر بن عبد العزيز. بعد وفاة آخر الخلفاء الراشدين، تحولت الخلافة إلى مُلك عضوض وإلى سياسة بدون نقاء ولا أخلاق، ولذلك عندما نرى ونتعرف على بعض الصفحات من التاريخ لنأخذ منها العبرة ونتجنب الأخطاء التي دفعنا وندفع ثمنها غاليا إلى يومنا هذا، إذ نرى معاوية وبطانته في عالم غير عالم الخلفاء الراشدين بحسابه للماده والسلطه وبناء دولة أسرة، واستغلاله للسلطه بجمع الأموال والتسلط مما سبب بذور الفتنه في أمور مختلفة تماما عن نهج الاسلام النبوي وما تبعه من سنة راشدة بخلفائها ولديه مشروعه الخاص به للاستئثار بالمال العام والسلطه، إذ حلل ذلك بأن المال مال الله يأخذ منه ما يشاء، بينما قال الصحابي الجليل أبو ذرالغفاري هو مال الله ومال المسملين ولا يحق لك يا معاوية باكتناز الذهب والفضه والعقار . بالإضافة إلى أن معاوية أول من ابتدع فكرة تحويل الجيش الإسلامي إلى جيش خاص لحمايته وليس للدولة وعندما فاحت رائحته ووصلت إلى الخليفه عمر (رض) وأراد محاسبته عدة مرات وهو القائل له ما سألتك عن شئ إلا وخرجت منه، وعلى الرغم من دهائه وذكائه إلا أن عمر(رض) لم يعفه ولم يبرئه. كان يخشى عدل عمر لذلك لم يجاهر بأطماعه وأحلامه لكن ذلك ظهر في آخر سنوات حكم عثمان مستغلا صلة القربى فكانت تصرفاته مع بطانته هي سبب بذور الفتنة الكبرى الأولى والتي ذهب ضحيتها الخليفة الراشد عثمان ورغم كونه السبب والمسبب لها لم يسع الى نجدته بما يملك من جيش وقوة لأنه كان يعرف ما سوف تؤول إليه الأمور وبالتالي يقفز إلى أعلى قمة السلطه لكن الأحلام لم تكتمل حيث انتخب الأمام علي من جميع المسلمين قاطبة وهنا لم يستسلم لذلك ابتدع قصة قميص عثمان واشعال حروب اسلامية اسلامية ذهب ضحيتها 70 ألف من الصحابة والتابعين، وابتدع رفع المصاحب للهرب وكسب الوقت وحصر الرأي في عصبة قليلة وليس للأمة،  وهو أول من ابتدع شيعة له وبعدها حولها  إلى أهل الجماعة لأنه أدرك أن حصن النص القرآني لايمكن اختراقه لكونه محفوظ وثابت ولذلك جعل النص موجّه للناس وليس له وللأمويين. وجد حاجة لخلق نظام شرعي يثبت له احتكار السلطه واحتكار الثروه واحتكار المعرفه واحتكار الجيش والسلاح وهي افكار بيزنطينية مميته، إنه خروج وانحراف عن سنّة النبي والمتبعه من قبل الخلفاء الراشدين، ولكي يفرض هذه الانحرافات على السنّة النبوية كان عليه أن يصادر القرآن، ولما كان معروفا عنه الذكاء والدهاء والسياسه وهو ليس بأحمق فقد ترك القرآن وشأنه  وعمل على ابتداع قنوات ونصوص جديده توصف بالشرعيه، منها النظرية الجبرية التي محتواها أن الإنسان مسير بكل أعماله وأفعاله وأقواله بشكل مطلق وليس للعقل أي دور في ذلك بالتالي وضع الإنسان في أدنى مرتبة من الحيوان إلى الجماد ، فكلمة الجبر والتي معناها اللغوي الاستبداد والقهر وسلب الاراده والاختيار وبالتالي وصوله إلى القبول بالرضوخ لسلطة الحاكم لأنه في هذا المكان هو بارادة الله وقضاءه ولا يجوز الاعتراض عليه مهما استبد في حكمه وعمله، وهذا افتراء وحاشى لله والرسول أن قالا بذلك لأنه يتناقض مع عدل الله يوم الحساب إذ كيف يحاسب القاتل والسارق والمخطئ إذا كان الله هو من جعله وخلقه في هذه الحاله . لا بل الله منحه العقل والشرائع والرسالات السماوية عبر الرسل والأنبياء في الكتب المقدسة والتي تحدد له ماهو الخير والشر وبالتالي هو المسئول عن اتخاذ قرارته وأفعاله وحق عليه الحساب على ضوء عمله . وكذلك ابتدع معاوية شرعنة فتنة الحديث بل تمادى احيانا الى امكانية ان ينسخ الحديث النص وكذلك فتنة التفسير وما حمله من تراث الاسرائيليات من خلال كعب الاحبار وهكذا تم التغاضي عن الوضع بالحديث ضمن شرعنته من قبل بعض وعاض السلاطين بالافتاء بجوازه من خلال الية التواتر المعنوي او الية ما تقبلته الأمه بالقبول . والذي كان من اخطرها حديث (افتراق الأمة) وما سببه من جروح مزق به الأمة. حيث ان  الحديث الذي لم يعتمده الرسول بجملة من الاسباب المنطقية حيث قال الرسول ( لا تكتبوا عني غير القران ومن كتب عني شئ غير القران فليمحه )ولذا من هذه الثغره حاول معاوية  ان يجد منفذا يوصف بالشرعيه وهو ليس محصن لعدم حفظه كالقران ولذا يمكن الاضافه اليه و الحذف منه وتحريفه الى اخره ... وفق الحاجه , كما استخدم اسلوب العصبيه القبليه والبطش وخلق بطانة ووعاظ السلاطين والمرتزقه لاضفاء الشرعيه على القرارات الجديده في الوقت الذي نرى الامام مالك رفض زواج وطلاق الاكره وكذلك البيعة بالقوة والاكره ومن هنا تشعبت الطرق بين من يمسك بالحق كأنه جمره وبين من ارتضى النفاق او من استكن وفضل الاعتزال حيث في الوقت الذي نرى الفقه قد ازدهر في ادق وابعد المسائل الفرعيه لكنه لم يقترب ويلاحظ ويصمت عن الخرق العلني لمبادئ الاسلام في نظام الحكم والاستيلاء على بيت مال المسلمين وفرض الوراثه والظلم لذا نجد ان الاسلام صار لغة الناس وليس واقعهم وذلك بخلق انسان تحكمه الغرائز الحيوانية وليس الانسان الذي يحكمه العقل والعدل والمعرفة ولان افضل وسيلة لمجابهة خطر المجهول هو تعلم اسراره من خلال دراسة الظواهر وقوانينها وليس بخداع الناس بكلمات حق يراد بها باطل مثل شعار السلف الصالح وكما نلاحظ  الانتقائية بالاخذ في القشور مثل المأكل والملبس وبعض الحركات وترك جوهر السلف في النقاء والايمان والصدق والعدل والايثار وكل الجوانب الاخلاقية بما يسئ الى السلف والى العقل وفطرته وارادة الله في البناء والتطور لأنها سلطة الله وقوانينه الطبيعية..

 وكما اسلفنا اذا كانت السنه هي الايمان برسالة النبي محمد (ص) وقوله الصحيح وفعله فجميع المسلمين بجميع طوائفهم ومدارسهم وفقههم الاجتهادي هم سنه ولما كان الاجتهاد والفقه رأي بشري لا يلزم الا صاحبه فبالتالي اين المشكله ولماذا هذا الخصام والحروب والفتنه طيلت هذه القرون لا والف لا  ليس هنالك مشكله وشرخ في الدين والايمان والاصول والسنه ومحبة اهل بيت النبي بل هي مشكله سياسية وسوف تبقى كذلك يتم تأجيج نارها و وقودها من ارواح المسلمين ودمائهم ويأكل اكلها الحرام الحكام والسياسيين وذلك كله عندما نغيب العقل ونحكم بالعوطف والعصبيه الجاهليه . والجدل سوف يبقى كذلك حتى نصحو ونغلب العقل والمنطق ويكون منهجنا الحوار البناء وليس الجدل البيزنطي.

مواقف سياسيه وقع المسلمون في فخها :

لقد تجاوز الاختلاف الى صراع جنوني وهستيري نجده في العقول بين السنة والشيعه في العراق وسوريا واليمن ودول الخليج او ما بين ابناء السنة والمذهب الواحد كما حدث في ليبيا ومصر ونحن اليوم في القرن 21 حيث العلم والمنطق والعقل بلغ اقصى مدى في سلم الحضاره واليه التواصل والحوار والديمقراطية وحقوق الانسان والرأي والرأي الاخر وهو مايميز الانسان عن سواه كما اسلفنا في بداية البحث ولكن نرى العكس تماما في تغليب العواطف و الأهواء بدل العقل والمنطق .. في جدل بيزنطي مضى عليه اكثر من 1500 سنه وايآ كان المنتصر فهو لا يكسب شئ ولن يستطيع ان يغير التاريخ والحقائق وحيث الاختلاف في الرؤيا استغل سياسيا بأبشع صوره عبر التاريخ والذي لا يقرأ التاريخ والماضي ويتعلم منه فسوف يكررون نفس الاخطاء . فهذا الامام علي لم يكن همه السلطه بل همه الاسلام ورفعته وكان خير عون وناصح مخلص للخلفاء الراشدين وما قول عمر(ر) ( لولا علي لهلك عمر ) وهو الذي سمى اولاده باسماء الخلفاء الراشدين وتصاهره معهم ورفض سب معاوية بكل ما فيه من خطايا وذلك في معركة صفين من بعض عوام الاتباع فما بالك بالاخرين ولم يكن علماء وائمة السنة الكبار ومنهم الاربعة التي سميت المدارس باسمائهم ضد اهل البيت مطلقا بل تحملوا الكثير من المعانات والسجن لمناصرتهم لأهل البيت ضد خصومهم واولاد عمهم الامويين والعباسيين وكانت علاقتهم مع الائمة المعاصرين لهم مثل الامام جعفر الصادق والامام موسى بن جعفر من أمتن الصلات وان الامام ابوحنيفه يعد بمواقفه امام الطرفين وكذلك الاخرين في مواقفهم الرائعة ولكن مع الاسف لم يركز عليها كثيرا في كتب التاريخ لاسباب سياسية صرفه حيث لو امعنا النظر باستخدام العقل لا العاطفة نرى مما تقدم ليس هنالك مشكلة في الدين والعقيدة والاصول وبكل ماهو الهي بل ومنذ الحظة الاولى لوفاة الرسول بدأت السياسة تفرض نفسها وبكل ما افرزته من مشاكل وعقبات الى يومنا هذا حيث سوف نسلط ومضات على بعض المواقف وان لكل صاحب منطق لابد ان يرى ان

السياسة والسياسة وحدها كانت وراء ذلك :

اولا : لقد لعبت السياسة منذ اللحظة الاولى لوفاة النبي محمد (ص ) حيث اجتمع الانصار لكي يختاروا خليفة للمسلمين منهم واسرع المهاجريين والقرشيين عند سماعهم للاعتراض على ذلك وان يكون الامر لهم وهكذا حسم الأمر للمهاجريين والقرشيين بعد ما كان من التجاذب والصراع ما بين الانصار من الاوس والخزرج ، وانتقل التنافس بين المهاجريين والقرشيين انفسهم ايهما احق بالاسبقيه ولكل لديه حجته الى ان حسم سياسيا بالقصة التاريخية التي يعرفها الجميع وهذا كله والنبي محمد ( ص ) لم يسجى الثرى بعد ! اليست هذه سياسة ؟

  ثانيا : مشكلة سياسية اخرى حسمها عمر ( رض ) الخليفة الراشد الثاني العادل وان لا نضع رأسنا في التراب ونغمض اعيننا عن الحقيقة التاريخية عندما اعلنها صرخة مدوية ضد الظلم واصبحت حكمة عبر العصور ( متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم احرارا ) الم تكن ضد عمرو بن العاص وولده في استغلالهم للسلطه .. ولو عمل بها الحكام والمسلمين بعده لما حدثت الفتن والاضطرابات عبر التاريخ الاسلامي وخصوصا في الفتنة الكبرى اثناء السنوات الاخيرة لحكم عثمان ( رض ) ومن استغلال السلطه من قبل اقاربة الامويين وحملوه مسئوليتها . ألم يكن ضمن المعترضين اصحاب وتابعين ؟! وكذلك عوام المسلمين المعانين من الظلم في كافة الامصار الاسلامية من ولاة غير أهل للموقع وذلك طمعا منهم بعدالة عمر التي لم يجدوها بعد وفاته .. الم يكن منهم طلحة والزبير وعمرو بن العاص وبقية عوام  المسلمين كل له سببه حيث ان عمرو بن العاص كان محرضا لها بسبب عزله عن امارة مصر وتعيين الاخ غير الشقيق للخليفة عثمان بدلا منه .. اليست هذه سياسة ؟!

ثالثا :الم تكن لعبة معاوية بقميص عثمان واثارته الحروب الاسلامية الاسلامية وذهب ضحيتها 70 الف من خيرة الصحابة والتابعين من المسلمين من اجل الحكم والسلطة ، اليست هذه سياسه؟!

رابعا :ثورة بني العباس على الامويين والحصول على الحكم والسلطه ، اليست هذه سياسة ؟! دفع ثمنها المسلمين من ارواحهم ودمائهم بحلم عدل النبوه والخلافه الراشده والذي لم يتحقق ، اليست هذه سياسة ؟!

خامسا :لعبة المتوكل بالتخلص من خصومه في اغلاق باب العقل والاجتهاد وقضاءه على أهم مدرسة فكرية اسلاميه سنيه في الاسلام وهي مدرسة العقل والعدل والتي هي مدرسة الاعتزال التي ازدهرت في عصر المأمون العباسي والذي شهد الاسلام والحضارة الاسلامية اوجها والتي لم تتكرر بعد ، وما خسرناه من اغلاق الاجتهاد ومدرسة العقل وحصر الفقه في مدارس محدده . اليست هذه سياسة؟!

سادسا :الم يبدأ صراع العثمانيون ( الاتراك ) مع فقه الشيعة الذين لا يجيزون الخلافة الا في قريش اي العرب . اليست هذه سياسة ؟!

سابعا :تفجر الصراع التركي التركي بين العثمانيين والصفويين حول السلطه والخلافة . حيث تحول الصفويين الى مذهب التشيع واجبروا الشعب الايراني على التشيع لأغراض سياسية لكي يدعموهم ويبرروا مواقفهم بغطاء شرعي دفع المسلمون والشعب العراقي عبر مئات السنين ثمنا غاليا له كلما اقتضت السياسة ذلك .

ثامنآ :الم يتحالف سياسيا محمد بن سعود مع محمد بن عبدالوهاب في تقاسم السلطه والنفوذ بوجهها السياسي لأل سعود وغطاءها الديني لال الشيخ محمد عبدالوهاب لتشكيل دولة ونتيجة لثقافة الصحراء والغزو لقلة الموارد المالية حيث كانت الحروب الداعشية الأولى من القتل والتدمير والاغتصاب نحو المجتمع المدني والحضري شمالا نحو العراق ومدنه الغنية مثل كربلاء والنجف وغرب الجزيرة العربية بمدنها مثل جده ومكة والمدنية المنورة وباقي ارجاء الجزيرة حيث تم باسلوب وحشي تحويل المسلمين السنة بالقتل والدمار من المذهب الشافعي والحنفي الذين كانا سائدا انا ذاك الى المذهب الوهابي بحجة كلمة حق يراد بها باطل ولم يكتفوا بذلك حيث تم عرقلة الحج وقطعه على المسلمين مما اجبر الدولة العثمانية بالتعاون مع والي مصر محمد علي باشا بشن حروب عليهم انتهت بانتصاره واسر الحاكم السعودي عبدالله بن سعود وابنين لمحمد بن عبدالوهاب سنة 1819م واخذهم اسرى الى العاصمة العثمانية (الاستانه) وتم اعدامهم على الجرائم التي اقترفت بحق المسلمين في ذلك الوقت وبقي الحال حتى جاء الانجليز ولأغراض سياسية ايضا بتبنيهم مرة اخرى وغيرهم... وتأليبهم ضد الدولة العثمانية لغرض القضاء على الرجل المريض ( الدولة العثمانية ) و وراثتها ، وكان اكتشاف النفط سبب اخر في هذا التحالف الجديد وبالتقاسم مع دول كبرى اخرى .اليست هذه سياسة ؟!

تاسعا : ويتأجج هذا الصراع سياسيا مرة اخرى في منحى خطير بعد الثورة الايرانية عام 1979م و وقوفها مع الثورة الفلسطينية مما اثار مخاوف اسرائيل فدفعوا بدول الخليج لتوريط صدام بالحرب العراقية الايرانية لمدة 8 سنوات اهلكت الحرث والنسل ودفع ثمنها حياة الملايين من العراقيين والايرانيين مع دمار وخراب اقتصاد البلدين ، وكانت بداية النهاية لدولة العراقية الحديثة التي أنشئت منذ مطلع القرن العشرين. اليست هذه سياسة ؟!

عاشرا : استطعم التطرف الاسرائيلي اللعبة والطبخة واثاروا الفتنة من جديد عبر استفزاز محسوب لصديق الامس صدام بسرقة النفط والتلاعب باسعاره وتقديم فاتورة ديون الحرب لصدام الذي لم يكن مستعد لها وقد حسبها هبة مثل ما قال له احد امراء الخليح ( منا المال ومنكم الرجال ) وبالتالي انجر لها صدام وباقي العرب في هذا الفخ الطائفي بحرب الخليج الثانية وضياع البوصلة واتجاهها من فلسطين الى الصراع مع الشيعة وايران. اليست هذه سياسة ؟!

احدى عشر :  تتكرر اللعبة مرة اخرى سياسيا بحرب افغانستان واندفاع سعودي بخطاب سلفي اسلامي خلق القاعده بصراع مع السوفيت وبعدها هجوم الحادي عشر من ايلول الارهابي في امريكا وما اعقبها من الحروب والتي جعلت من القاعده وحشا ولد داعش ومشروعها في تدمير الدول المحيطه في اسرائيل وما جاورها وان تدخل المنطقة في صراعات وحروب عبثيه طائفية مقيته لعشرات السنين تكون اسرائيل قادرة على تحقيق حلمها ومشروعها بدولة اسرائيل الكبرى من الفرات الى النيل . اليست هذه سياسة ؟!.

ثانيا : الحوار كحل لتعامل مع الازمات المزمنه ( الاختلاف بين الحضارات والثقافات والاديان السماوية نموذجا )

كما ان من اهم العقبات التي تواجه الانسانية والحضارة وتقدمها ورفعتها هو بروز قيادات متطرفه تريد ان تختطف خطاب العقل من كل الاديان وعندما يترك لها العنان نراها تشعل الحرائق والنيران ويذهب ضحيتها الابرياء من كل الاطراف مع دمار للحضارات والمجتمعات والمؤمنين من كل الاديان. وعندما نغلب صوت العقل وننظر بكل تمهل الى التراث والدين نجد ان المشتركات اكبر كثيرا من الاختلافات لأنه في الاخير  جاءت الديانات رحمه من الله الى البشرية وليس العكس وهكذا نرى ان جميع الديانات السماوية تشترك في الايمان ان الله وحده هو الذي خلق الكون والسماوات والارض وادم ابوالبشر وكذلك بالملائكة والجنة والنار واليوم الاخر والذي فيه العدل والحساب وانه ارسل جميع الانبياء والرسل كمعلمين ومدرسين للبشر في انارتهم الى الحق والايمان بالله وسننه في الخلق وفي استخلاف البشر في الحياة للبناء وعمل الخير لا للهدم وعمل الشر ومن يخرج عن هذا القانون الهي سوف يكون مصيره يوم الحساب العقاب ومن سار وفق القانون له الثواب والجنه .

 نعم هذا التراث هو المشرك عند الجميع اضافة الى أن جميع الرسل والديانات السماوية الحالية خرجت من نسل النبي ابراهيم فجميع انبياء اليهود من ابراهيم وكذلك السيدة مريم العذراء وولدها النبي عيسى وال عمران من نسل ابراهيم والنبي محمد من نسل ابراهيم والكل بشروا بنفس الحقائق والاصول ( في الايمان بالله وملائكته واليوم  الاخر ولابد من عمل الخير والبناء لا الشر والهدم ).

وكما ان من المنطق ان الحياة في تتطور وتقدم عبر الزمن فكان لابد لكل مرحلة زمنية من نبي ورسالة ضمن ظروف اجتماعية وعلمية وفق السياق التاريخي ولأن الرسالات هي حقيقة واحده وكتاب واحد من الله ولكن تعددت فصوله وهو الايمان بالله الخالق وارادته لنا بالعمل الصالح والخير والبناء والتعمير لا اقتراف الشر والهدم وبالتالي مهما كان المعلم النبي والرسول فأن الحقيقة واحده والتي يجب ان تتبع في النهاية حيث قال الله تعالى في سورة ال عمران اية 34( ان الله اصطفى ادم ونوحا وال ابراهيم وال عمران ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم ). وكذلك في سورة البقرة اية 62 ( ان اللذين امنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين ومن امن بالله واليوم الاخر وعمل صالحا فلهم اجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) . واية اخرى ( لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم امة واحده ولكن ليبلوكم فيما اتاكم فستبقوا الخيرات  الى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ) المائدة  48 وفي اية اخرى ( قل يا اهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم الا نعبد الا  الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا اربابا من دون الله ) ال عمران 64.

لابد من تصحيح الفكرة الخاطئة ان الاسلام دين الخوف بل هو دين الحق والرحمة كما في الحديث ( حب لأخيك ما تحب لنفسك ) وكذلك حديث الامام علي ( الناس صنفان اما اخ لك في الدين او نظير لك في الخلق ) نهج البلاغه . وكذلك له ( استمع الى ما يقال قبل ان ترى من يقول ) . وكذلك له ( اعرف الحق تعرف اهله ) . وكذلك له ( لا يعرف الحق بالرجال بل يعرف الرجال بالحق ) . وكذلك ( ان الحكيم من يضع الكلام في موضعه ) ومن اقول غاندي ( يوجد سبعة  اشياء تدمر الانسان : السياسة بلا مبادئ ، المتعه بلا ضمير ، الثروة بلا عمل ، المعرفه بلا قيم ، التجارة بلا اخلاق ، العلم بلا انسانية واخيرا العبادة بلا تضحية ) .

 ان الحقيقة المطلقة عصية على المعرفة وان كل انسان ينظر اليها من زاوية معينة تحددها خبراته المتراكمة و واقعه الحاضر وتوجهاته للمستقبل .. منها الحقيقة والصواب وهو ما يتفق عليه الغالبية .. غير مفروض عليهم من قوة جبرية غاشمة تتوسل الى القوة والتكفير .. ومثلها كالناظر الى السماء الصافية وفيها تتلألأ  مليارات من النجوم فهو لا يستطيع ان يركز نظره اليها جميعا بل هو يركز نظره على نجمة او مساحة معينة وبعدها ينتقل الى الرؤية الى زواية اخرى في المناطق المجاورة .

ان افضل الاديان هو ما يحول الانسان الى الافضل بعلمه و اخلاقه ونفعه وكرمة وعدله وخلقه وسلوكه وعقله .. فأي دين شربت منه ذلك فأهلا وسهلا لأن الدين ليس وراثه بالولاده انما هو معاملة واخلاق وسلوك وايمان بالله الخالق الواحد لذا الفرقة الناجحه في النظر بالالتزام بالاخلاق الفاضله وليس قشور الهوية مهما كانت التسمية حيث اختلاف الوان الورود والازهار يزيدها جمالا.

ولكن نرى تناقض في الحديث الموضوع ( امرت ان اقاتل الناس حتى يشهدوا ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله فاذا فعلوا ذلك عصموا مني دمائهم واموالهم ) وهو ما يستند اليه كل الغزاة والطامعين بالثروة والسلطه على حساب جوهر الدين وقيمه عبر التاريخ .. ابتداء من  معاوية واخرهم الفكر الوهابي المتطرف والذي انتج القاعده التي ولدت داعش . فهو حديث موضوع مهما افتري عليه من اسناد لأنه يتناقض مع ايات القران الكريم كما ذكرنا ذلك سابقا واحاديث ومواقف تاريخية للرسول محمد لا يختلف عليها اثنان حيث لا يعقل ويجوز فيها التناقض وكما نعلم ان اهم صفات  الرسول المصطفى محمد هو  الصادق الامين قبل النبوة وبعدها طيلة حياته ، فهل يعقل وهو القائل لقريش الغير مسلمة بعد فتح مكة كما دونت ذلك كل كتب التاريخ والصحاح ( ماذا ترون اني فاعل بكم فقالوا له : اخ كريم وابن اخ كريم فقال لهم : اذهبوا فأنتم الطلقاء ) متجاوزا كل ما اقترفوه بحقه وبحق المسلمين من اذى .... وبالرغم من  انهم في تلك اللحظه لم يؤمنوا اويسلموا بما جاء به من عند الله .. فأعطاهم الحرية والعتق وهو عكس شرعة ذلك الزمان ما بين المنتصر والمهزوم ، لا خوفا ولا عجزا عن فرض ارادته بالقوة واجبارهم على الاسلام ولكنه كان اكثر الناس علما بالقران واياته بعدم اجبار الناس على الاسلام بالقوة لأن الايمان هو قناعه ذاتية لا تأتي بالقوة والقهر لانها سوف تتحول الى نفاق وكذب .

ومن الاستشهادات القرانية كما قال الله تعالى ( لو شاء ربك لأمن من في الارض كلهم جميعا . أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ) يونس  99 واية اخرى ( ما انت عليهم بمسيطر انما انت مذكر ) الغاشية 28 واية اخرى ( لا اكره في الدين قد  تبين الرشيد من الغي ) البقرة 256 واية اخر ( ادعوا الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي احسن ) النحل 125 .. وهنالك العديد من الايات التي تؤكد هذا المعنى .

حاشى الرسول ان يقول مثل هذا القول بعد هذه الموقف التاريخي والانساني بتعامله مع اهل مكة وان يضع نفسه في موقف متناقض وعكس خلقه وصفاته التي جبل عليها كل حياته والتي اصطفاه الله لرسالته وهو الصادق الامين انما وضع هذا الحديث و كغيره ايام معاوية لتبرير الغزو واستلاب خيرات الأمم باسم الاسلام كما فعله الطغاة بعده واخرها الحركات التكفيرية مثل داعش واخواتها .

وهذا يعد طعنة بالحق الهي والحقيقة الايمانية الساطعه والتي تتقبلها الفطرة السليمة والعقل والمنطق واستنارة العقول والقلوب بها وليس بالقوة والسيف والدم فكان الاسلام نور الحق لا يمكن حجبه كان ولا يزال ينتشر عبر قارات العالم بدون سيف ودماء كما انتشر في افريقيا واوربا وامريكا واسيا من الهند وماليزيا واندونيسيا هذه الاعداد لو حسبت اليوم لهي اكثر من العرب والبلدان التي فتحت بالسيف واخيرا قال الله تعالى ( انا خلقناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم ) وذلك لتعارف وليس للتقاتل والحروب الفتن وان نمد ايدينا بالحب والتعاون لبناء الحضارة وقيمها الانسانية لا القتل والسلب والدماء والانتحار والهدم ... ولأنه في النهاية لا بد من الرجوع الى كلمة الحق لأن الله خلق الانسان وجلعه خليفة له في الارض للبناء وعمل الخير لا للهدم والشر والذي هو عكس ارادة الله وما بشر به جميع انبياءه ورسله .

أمراض وعقبات ابتليت بها الامة لابد من تجاوزها والشفاء منها

 اولا: العقده الجاهليه وعاطفة العصبية القبليه البغيضه في الحكم بالتعميم حيث نرى الجميع من طرفنا انا وعشيرتي وعرقي وديني وطائفتي ومذهبي  جميعا ملائكه والجميع من الطرف الاخرشياطين وهذا منتهى الافلاس الفكري والاخلاقي حيث لا يجب التعميم على الاخر الا من خلال العمل والفعل والله عز وجل هو القائل , ( اعملوا فسيرى الله عملكم ) ,

ثانيا : عقدة الأزدواجية حيث في الوقت الذي نشكو من ظلم الاقوى منا والاكثر عددا عندما نكون اصحاب حق .. ولكننا مع الاسف نمارس نفس الظلم والخطيئة على الاخر الاضعف منا والأقل عددا عندما نكون اقوى منه واكثر عددا وهو تمييزا عنصري وطائفي وتكفيري.

ثالثا : عقدة عدم التمييز حيث يجب التفريق بين ما هو الهي ودين ووحي معصوم وبين ما هو اجتهاد بشري قابل للخطأ والصواب في انزال قيم الوحي على حياة الناس. فالفكر والاجتهاد البشري لا يحملان قدسية الوحي وهما قابلان للخطأ والصواب بنسب متفاوته وان المشكلة هي ان بعض المسلمين يدافعون عن التراث كله على انه دين الهي .

رابعا : عقدة التبرير والتذرعحيث هنالك سلبيات لا بد من اعادة النظر فيها, ومنها الأستسلام لنظرية الجبروشيوع العقلية التبريرية التذرعية ومحاولة اعفاء الذات من المسئولية ورميها على الاخر والخارج وهنالك احاديث تؤكد على قدرة الانسان واردته في تحمل المسئولية والاختيار وان التوكل ليس باهمال الاسباب بل هي جزء منه كما في حديث الناقه ( اعقلها وتوكل ) وكذلك في ضمان توفر رزق الطير ولكن ذلك لم يمنعه عن البحث والسعي وان منهج النقل واصوله بحفظ تديون القران  وان الرسول محمد ( ص ) نهى عن تدوين السنة والحديث لكي لا يلتبس منها شئ مع النص.

 ( لا تكتبوا عني غير القران ومن كتب عني شئ غير القران فليمحه ) لكي لا تشغلهم الرواية عن القران وفهمه وتدبره فتضعف قابلية الفهم والتدبر لإياته ويتكل الناس على الرواية ويستغنون عن القران كما حدث بعد ذلك عبر العصور التاليه حيث استغنى بعض الناس ابتداء عن القران بالسنه ثم استغنوا بالفقه عن السنه وبعدها بالشروح والمتون من الكتاب والمشايخ عن علماء وائمة الفقه وهذا لا يمنعنا من اخذ الحديث مهما كانت قوته اذا كان ذو طابع اخلاقي وبناء و وحده وتفسير وعلم وليس عكس ذلك او بما يتناقض مع النص وكما روى الترمذي وبقية الصحاح عن زيد بن الارقم عن الرسول قال ( اني تارك فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدي ابدا هما كتاب الله وهو حبل ممدود من السماء الى الارض وعترتي اهل بيتي وهما لن يفترقا حتى تردوا علي الحوض ،فانظروا كيف تخلفوني فيهما ) . وكما يقول الترمذي وغيره بإنه يدل بان الرسول يأمر المسلمين ان يتبعوا تعاليم اهل بيته في الشريعه لأنها تتفق مع القران وانهم لا يفترقان الى يوم القيامه . واذا كان هنالك جدل في شأن استخلاف الرسول في الخلافه فاين المنطق في الجدل بالاخذ بتعاليمهم لذا فان اقل ماينبغى بوضع تعاليمهم على قدم المساواة مع فقه المذاهب الاربعه وكما افتى امام الازهر الجليل محمود شلتوت ، ان هذه الحقائق لا اجد فيها اي اختلاف او اعتراض كبير لدى معظم فقهاء ومشايخ وثقاة اهل السنة والجماعة .

خامسا :عقدة أمتلاك الحق والحقيقة كاملةحيثان الادعاء بالكمال وامتلاك الحق والحقيقة كاملة لهو واحد من جنون العظمه لان الله وحده عز وجل من يتملكها ولاننا كلنا بشر ولدينا في حياتنا جملة من نسب الحسن والقبيح والخير والشر وان نراعي الدقة والحيادية وفق معايير العلم والمنطق وان لا ننظر ونرى في اخطاء الاخر حتى البعوضه ولا نرى في انفسنا الفيل من الاخطاء ولكن المهم في النهاية ماهي المحصله وما نسبة الخير والشر الجميل والقبيح في اي فرد منا فالمعيار في ذلك وفق اساس الذي يتبع في تقييم عادل من سلم النسبة المئوية فاذا تجاوز الخمسون في المائة كان مقبولا ومتوسط وجيد وممتاز واذا انخفض عن الخسمون في المائة كان الفشل والسوء والسقوط .. ولكن الاهم في هذه المعادله هو عدم الوقوف عندها انما هو معيار لمراجعة الذات والاداء نحو الافضل وليس نحو الاسوء نحو الرقي والارتفاع وليس الانحطاط والسقوط وبالتالي يجب عدم فقدان الامل والنظر في تقييم الأمر وفق النظر الى ما موجود في القدح من ماء فمنا من يصفه بانه نصف فارغ وهو السلبي المتشائم اومن يصفه بانه نصف ممتلئ وهو الايجابي المتفائل  ولكن في كلتا الحالتين العمل هوالمعيار من يعمل على ملئ النصف الاخر اوتفريغ القدح الى النهاية .

سادسا :يجب التحرر من عقدة من ليس معنافهو ضدنا بل الادق هو من ليس ضدنا فهو اقرب لنا  حيث في التاريخ اقطاب عدم الانحياز نهرو الهند وتيتو يوغسلافيا وجمال عبدالناصر مصر وسكارنوا اندونيسيا ونكيروما افريقيا لنرى اليوم ماذا خسر العالم والبشرية باختفاء هذه القوى من نادي عدم الانحياز وما ال اليه العالم من سياسية القطب الواحد وما يؤشر من تباشير الانتحارالذاتي لهذا القطب او ذاك في بروز تيارات شوفونية متطرفه والتي لا تبتعد كثيرا عن خطاب النازيين قبل الحرب العالمية الثانية وسيطرت هتلر بعد ذلك يجب ان نؤمن ان العروبة هي مواطنه ولغة وثقافه ومصالح مشتركة قبل ان تكون بقعه جغرافية ودين ومذهب وطائفه وعرق وهكذا عندما ننظر الى رموز كبيره ومحط اهتمام واحترام عبر التاريخ وحتى يومنا هذا بما انعكس ذلك على المجتمع حيث نرى ان جريمة الانظمة الاستبدادية والدكتاتورية في فسخ حقوق المواطنه يجب ان لا تضفي الشرعية على الاصوات النكره في مطالبتها بتجزئة الاوطان والانقسامات السرطانية والشريطية على الجسد العربي لان الحقيقة ان جميع االمواطنين هم مستباحين وليس فقط عرق وجنس واحد ولأن المواطنه في النهاية هي حرية ومساواة بين الجميع ابتداء من الرجل والمرأة في التنمية الاقتصادية والبشرية والثقافية والفكرية مقارنة بالانظمة الديمقراطية وما وفرته لشعوبها من ازدهار و مساواة وحرية ورخاء وتقدم وعلم.

واخيرا نحن امام حقائق لا يمكن تجاهلها :

1. أن المستقبل لا يمكن تأمينه بدون تخطيط أستراتيجي لكافة الجوانب والمناحي الفكرية والسياسية والأجتماعية والعلمية والأقتصادية والثقافية يكون فيها حجر الأساس هو الأنسان وحقوقه وكرامته.

2. إن حجر الأساس للحوار هو المنهج الموضوعي حيث أن الدين كمثال يدعو الى العقيدة والتي جوهرها الأخلاق الفاضلة لتنظيم المجتمع وأن النص القرآني له قراءات متعددة وتأويل حسب الزمان والمكان بما يتلائم مع تطور المجتمع والعلم ولذلك كان الأجتهاد مخرج وحاجة وضرورة لأن الدين في النهاية هو رحمة لحاجات الناس في أمور خلافية كثيرة مثل الخلافة وتطورها كنظام حكم وكذلك الشورى الى ديمقراطية والعلمانية والعلمية والأسلام والعروبة والأصلاح والثورة.

3. يجب تجاوز المعوقات التالية حيث أن تغييب العقل يولّد نقص المعرفة وفساد الفكر والجهل ولابد من التحرر من الخرافة ووهم الوصول بدون جهد أو على حساب جهود الأخرين وكذلك وهم امتلاك الحقيقة كاملة .

4. يجب الأيمان بقيمة العمل والأنتاج والزمن والعلم والعقل والأخلاق والمُثل والحكمة.

5. التغلب على فساد النفس بتغليب العواطف والغرائز والأنا والدخول في صراعات تؤدي الى الأنتحار الذاتي والجماعي وأن نبدأ بأنفسنا قبل أن نطلب من الأخرين ذلك.

6. رفض تهميش وتقزيم التجارب الناجحة وعدم الأستفادة منها سواء كانت عربية أسلامية أو أنسانية من حضارات أخرى.

7. تجاوز أحادية التفكير والتسلّط والتكفير والأنا والعنصرية وتغليب العاطفة على  العقل.

8. التغلب على غياب الأبداع ولابد لذلك أن نخلق له قنوات ونهيأ له التربة الصالحة والمناخ الملائم.

9. العمل على ردم الفجوة العلمية بيننا وبين العالم المتحضر بمد الجسور وتحطيم الجدران للوصول الى العلم أينما كان.

10. لابد من النهوض والصحوة بعد غياب الأهداف وضياع البوصلة لأنها هي من سيوصلنا الى التقدم والرقي المنشود.

وفي الختام وعبر هذا الاستعراض حاولت كل جهدي ان اختزل ما استطعت دون تشويه الفكرة ومن اراد المزيد من التفاصيل يمكنه الرجوع الى المصادر التي اعتمدتها في البحث للاستزادة.

---------------------------------------------------------------

المصادر والمراجع 

1-      ثقافة الحوار للدكتور ابراهيم القويل

2-      الحوار شروط النهضه الاسلامية الدكتور سلامه النسور مع نبيل علقم

3-      حوار لا مواجهه الدكتور احمد كمال ابو المجد

4-      ادب الحوار والمناظره المستشار الدكتور علي جريشه

5-      ادب الاختلاف في الاسلام الدكتور طه جابر العلواني

6-      ازمة العقل المسلم الدكتور عبدالحميد احمد ابوسليمان

7-      الديمقراطيه وحوار الثقافات السيد ياسين

8-      في شرعة الاختلاف علي اوميل

9-      حوار الحضارات هاني ادريس

10-  حوار ومطارحات احمد صدقي

11-  نحن والاخر صراع وحوار ناصر الدين الاسد

12-  الانسان والحضارة جدليت الماده والوعي عبدالمجيد عبدالمك

13-  العقل في الاسلام خليل احمد خليل

14-  اصلاح الفكر الاسلامي طه جابر العلواني

15-  العراق الحديث بين الثوابت والمتغيرات الدكتور طه جابر العلواني

16-  الفتنة الكبرى طه حسين

17-  ديوان الامام الشافعي

18-  سلسلة كتب ومقالات للدكتور علي شريعتي

19-  عروبة الاسلام واسلام العروبة محمد خالد عمر

20-  سلسلة مقالات الدكتور عبدالخالق حسين

21-  الوهابية مقالة نقدية الدكتور حامد الكار منشورات الجمل

22-  الشيعة في قفص الاتهام محمد جواد شري

23-  القران الكريم – الصحاح – البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه

24-  تاريخ الامم والملوك للطبري

25-  حياة محمد الدكتور محمد حسنين هيكل

26-  السيرة النبوية لابن هشام

27-  شرح نهج البلاغه لابن حديد ولمحمد عبده

28-  الامام الصادق للشيخ ابو زهره المعاصر- دار الفكر مصر

29-  اضواء على السنة المحمدية للاستاذ محمود ابورية – دار المعارف مصر

30-  انساب الاشراف للبلاذري المتوفي سنة 279هجري القدس

31-  التفسير الكبير للامام فخر الدين الرازي- طبعة الشرقية

32-  الطبقات الكبرى للمؤرخ محمد بن سعد الزهري المتوفي سنة 230 هجري طبعة دار صادق

33-  الكامل في التاريخ لابن اثير المتوفي ا 670 هجري

34-  المستدرك على الصحيحين للامام محمد النيسابوري المعروف بالحاكم المتوفي سنة 405 هجري

35-  التوراة والانجيل والقران والعلم للكاتب الفرنسي موريس بوكاي ترجمة الشيخ حسن خالد

 

الصفحة 1 من 22