الخميس 23 شباط/فبراير 2017
TEXT_SIZE

العالم... والمشكلة الأخلاقية المعاصرة

صادق جواد سليمان*

منشأ المشكلة وتفاقمها

منذ القرن السادس عشر، القرن الذي عُرّف لاحقا بعصر الاكتشاف جراء ما حصل خلاله في العالم الغربي من اكتشاف جازم للحقيقة الفلكية لوضع الأرض: أنها ليست مركز الكون، بل كوكباً من مجموعة كواكبَ دائرةٍ حول محاورها وسابحةٍ بانتظام في أفلاكَ متفاوتةٍ مدار الشمس...منذ ذاك، بدأ عالمنا الأرضي يرتسم في مُدرك أهل الغرب على نحو أدق وأوضح كجسم كروي سابح في فضاء شاسع، تتشاركه سكَنا - شرقا وغربا، شمالا وجنوبا، - أمم بشرية مختلفة الأعراق والديانات والثقافات واللغات.

اكتشاف هذا الشق من التشكل الكوني على وجه محقق سرعان ما استتبع حراكا بحثيا نشطا في الذهن الغربي حول منشأ الكون ككل، فتشكله تباعا في مجرات متباعدة عن بعضها باطراد، حول نشوء الحياة على الأرض، فتفرعها مع الزمن في أجناس مختلفة، وحول ظهور الإنسان لاحقا وتطور حاله جنساً حياتيا راقيا، مقتدرا على الاستهداء الصحيح في تنظيم شأنه، تحسين وضعه، والتكفل بتوفير متطلبات معيشيته بقدرات ذاتية، عقلية وعضوية.

لكن، عِوض أن يؤدي تبلور هذا المدرك العلمي الصميم، وما استتبع عبر القرون اللاحقة من معارفَ علميةٍ جديدة عرّضت فهم الإنسان لنفسه ولمحيطه الكوني ... عوضَ أن يؤدي إلى إطلاق سياق تضامني وتعاوني بين الأمم البشرية جميعها، في نسق يثري الخبرة الإنسانية عامة بما هو سليم ونافع ودافع مستقبل الإنسانية في اتجاه حضاري...عوضَ ذلك، أدى هذا التبلور العلمي لدى أهل الغرب إلى نزعة سلطوية سرعان ما تجسدت في ظاهرة الاستعمار.

بدل توجه  إنساني حضاري، انبرى العالم الغربي، ممكَنا بتفوق قدراته العلمية والعملية المستجدة، إلى بسط سيطرته على سائر أمم الأرض.  توازيا مع ذلك، شرع أهل الغرب في الابتعاد تدريجيا عن معطيات ديانتهم المسيحية، متبنين في المقابل إيديولوجيات علمانية قليلة الاكتراث بالشأن الإنساني ككل: إيديولوجيات متنافسة، بل ومتناقضة، ما بين بعضها، من وجه، ومتعارضة مع الديانة المسيحية، بل ومعاديةٍ الأديانَ عامة، من الوجه الآخر. 

استطرادا هكذا مع سياق تعاظم إمكاناته وتعزز ثقته بمكنته العلمية واقتدراه العملي،  ازداد الغرب، أكان في طابعه القومي الثقافي الموروث، أو في توجهه العلماني المستجد ... ازداد ازدراء بالديانات والثقافات الأخرى عبر العالم، فأقبل على محاولات لطمسها حينا، وتطويعها لمنظومته الإيدولوجية العلمانية، أو احتوائها ضمن أنساق طابعه القومي الثقافي، حينا آخر.

تلك المحاولات لم تفلح.  على النقيض، التمادي فيها، باللجوء لوسائل الترغيب حينا، ووسائل الترهيب حينا آخر، ولّد صلابة فيما أريد طمسه أو أضعافه.  أما الأثر الضخم الذي نتج عن التقدم الحداثي العظيم الذي حققه الغرب ونشره عبر العالم (العولمة)، فغير به عمقا وعرضا الأوضاع الحياتية للبشر عامة،  فهو بدوره ولّد بواعث قلق جديد لدى الإنسان في جميع مواطنه على هذا الكوكب. 

بالنتيجة، مع نهاية القرن العشرين، مع أنها اقتبست من علوم الغرب وتطبيقاته التكنولوجية كل ما أمكنها اقتباسه والاستفادة منه، دونما تحفظ يذكر، بل وبكثير من حماس ... رغم ذلك، بدت شعوب الشرق أكثر تمسكا بدياناتها وخصائص ثقافاتها عن ذي قبل.  فوق ذلك، هي بدأت تكتشف في دياناتها وثقافاتها، رغم كل ما اعتراها من نقص معرفي جراء ركود مديد، قابلياتٍ ذاتيةَ تمكينيةً لا تعوقها بالضرورة عن إحراز ما أحرزه أهل العالم الغربي من تقدم معرفي واقتدار تكنولوجي، إذا هي – شعوب الشرق - بدورها اجتهدت في أمرها كما اجتهدت شعوب الغرب... وإذن، لا ضير من أن تحتفظ بدياناتها وثقافاتها، بل الأجدر أن تصطحبها معززة،  بل ومعينة لمسعاها، على المسار التقدمي.  

في المقابل، استفاق الغرب على صدمة ذاتية بإدراك أنه بتغييبه التعالق بين التقدم العلمي والالتزام الخلقي كأمر أساس،  تسبب تقدمُهُ العلمي والعملي المتواصل على مدى عدة قرون، في سياق إحرازه وتفعيله، دونما تقصد من أهله، في كوارث غير مسبوقة هولاً: إنه جر إلى اقتتال مهول وتدمير كاسح ما بين أمم العالم الغربي ذاتها، إنه جلب مخاطر جسيمة على سلامة البيئة الطبيعية عالميا، وإنه ولد  اضطرابا مرهقا شديد النزوع لاستعمال العنف في عموم الحراك الإنساني.

استفاق الغرب على إدراك فظاعة الدمار الذي أحدثته الحربان العالميتان اللتان خاضتهما مجتمعاته الممكّنة بالعلم الحديث واقتداراته العملية.  بطواحينهما الفاتكة، في غضون 12 عاما (1914-1918 ثم 1939-1945)، أزهقت الحربان أرواح سبعين مليونا من الناس، وألحقتا دمارا واسعا ومنهكا بكافة مرافق الحياة، في أوروبا نفسها واليابان خاصة، وعامة عبر العالم.  هذا إلى جانب حروب طاحنة أخرى لاحقا، كالحرب الكورية (1950-1953)، حرب فيتنام (1959-1975) والحرب ضد نضال التحرر الوطني في الجزائر (1954-1958)،  تسببت في إشعالها دول الغرب، ممكَنة بالعلم الحديث ومبتكراته الحربية.  في كل ذلك، غياب الالتزام الخلقي أطلق العنان لأطماع  امبريالية ولدت سياسات تسلطية تجسدت في فروض قسرية أملتها دول الغرب على الشعوب المستضعفة مدار الأرض.

ثم مع انتهاء الحرب العالمية الثانية، أوصل الغرب البشرية إلى حافة احتمال نشوب حرب عالمية ثالثة بأسلحة ذات دمار شامل: نووية وأخرى كيماوية وأخرى بيولوجية، هي اليوم مكدسة بكميات مهولة في ترسانات محصنة، جاهزة للاستعمال بضغط أنامل على أزرار من داخل سرية غرف إلكترونية ... أسلحة إن أطلقت، أو أطلق بعضها يوما جراء خطأ أو حماقة من قبل فرد أو فريق، فإنها لن تبقى على كثير من أخضر أو يابس على هذا الكوكب الذي تتشاركه أمم الأرض من البشر وسائر الحيوان. 

من وجه آخر، جراء تصنيع متهافت بدأته أمم الغرب، وقلدته في ذلك، واستوردت منتجاته بشراهة، سائر الأمم عبر العالم، الكبرى منها بالأخص، كالصين والهند واليابان، والبرازيل، دون تحفظ، حدث إضرار خطير بالبيئة الطبيعية، إضرار بدأت آثاره الوخيمة تتكشف لنا فيما نشهد من تزايد التلوث على الأرض وفي الفضاء، وتباعا فيما بدأت تداهمنا مدار الأرض من اضطرابات مناخية متلفة ومكلفة.

ما العمل؟

إزاء سياق الانزلاق هكذا  إلى رمي النفس إلى تهلكة جماعية، إن كان باحتراب مدمر متكرر ما بين دول، أو بعمليات إرهابية من قبل جماعات تحدوها ردود فعل شديدة ضد ما هي تشعر من تعرضها لظلم أو غبن، ويمكّنها في عملياتها الإرهابية تلك انتشار أسلحة فتاكة أنتجها الغرب، أو إزاء اختناق بيئي مستشر لا يمايز بين الحدود الجغرافية للدول، ولا بين ديانات وثقافات الشعوب ... إزاء كل ذلك ألا يحق أن نتساءل: ترى ماذا بقي لنا أمم الأرض ما نلجأ له للحد من تفاقم هذا الانزلاق الوخيم؟ 

أيضا، إزاء ما نشهد من تزايد الاضطراب في الوضع البشري، سياسيا، اجتماعيا، اقتصاديا وثقافيا، لدرجة بدأ يصعب معه الحفاظ على الوئام الوطني ضمن عدد متكاثر من الدول، كما  بدأ يتصعب الحفاظ على السلم العالمي جراء التفاعل المتزايد المتسم بالسلبية في العلاقات ما بين الأمم ,,, ترى ألا يحق أن نتسائل: ماذا يتوجب علينا أمم الأرض جماعيا أن نعمل للحد من هذا وذاك؟ 

بتعبير آخر: في مجمل الحال، ما هو سبيلنا تضامنيا إلى منع تراجع مسالك الوئام في الأوطان، ومنع انهيار مسالك التعاون ما بين الدول، كي لا يستمر الوضع الإنساني في الانحدار للأدنى والأردأ باطراد، بل أن يُستدرك الخطأ والشطط، ويُتدارك ما ينتج عنهما من مخاطر تتهدد الحال والمآل، وبذلك تقوّم مسالكنا بالتصحيح والإصلاح، وتُولّى وجهة تطورنا، وطنيا وعالميا،  لما هو أسلم وأصح وأصلح؟ 

نحن نعلم أن القوام المشترك لسلامتنا وصلاحنا ويسرنا المعيشي جميعا أهل الأرض هو السلم والوئام والتعاون، وأن لا غنى لنا، بل لا بديل، عن تعزيز كل ذلك من منطلق الاعتماد المتبادل على أساس نفع مشترك.  إذن – نعود لنتساءل:  ترى ماذا يترتب علينا، كمجتمع إنساني واحد، وإن تعددنا أوطانا، وتباينا أعراقا وثقافاتٍ وأديانا ومذاهب فكرية ... ماذا يترتب علينا أن نعمل لدرء احتمالات تلك المخاطر الكارثية، الماثلة أمامنا، والمهددة سلامة حالنا، تلك التي تسببنا في خلقها بما كسبت أيدينا في غياب وعي رشيد، وبتهافت حداثي بدأنا ندرك أنه إذ جلب لنا منافع جمة في توفير وتيسير شتى أسباب الحياة، فقد ساق لنا في المقابل، على غفلة منا أو تغافل، وضعا خطرا وسياقا إن ترك حبله على غاربه أدى إلى عواقب مهلكة ... إلا ما رحم ربي.

من التاريخ نستخلص أنه قلما يخلو سجل أمة من إسهامات إيجابية وأخرى سلبية في الشأن البشري.  إذن، حيث نحن اليوم، لا يجدي كثيرا أن نقف طويلا عند تقاض أو تلاوم حول معاملات تاريخية خلت عانت منها أممنا بعضها من بعض، أو أن نتخاصم جراء تصرفات عانينا منها  بحماقات مشتركة في ماض قريب أو بعيد.  اليوم، أنى شئنا وضع الملامة التاريخية على ما صدر من مختلف أممنا من تفريط بحق الإنسانية، أو على العكس، أنى شئنا تسجيل الثناء على ما صدر منها من عطاء جدير، فإن ذلك لا يغنينا من أن نعي بعمق أننا، أممَ الأرض جميعا، في واقع الأمر، عبَرَة في سفينة واحدة، هي اليوم عرضة لمخاطر بيئية مشتركة، هي اليوم أمام احتمالات احترابية مهلكة، وهي اليوم رهن ظروف سياسية واقتصادية واجتماعية عالمية تتأثر بها جميع الأمم سلبيا جراء تخاصم مزمن متفاقم بين بعضها من بعض.

بنظري، من صميم هذا الوعي بالحال والمآل يجدر بنا، بل يتوجب علينا جميع أمم الأرض، عقلانيا، وبمنهاج  مشترك، أن نفرز فكرا ونتلمس طرقا، على الصعيدين الوطني والعالمي معا في آن، لتجنب التخاصم والاحتراب. في المقابل، لتعزيز السلم والوئام والتعاون، وبكل ذلك، لتحسين الوضع الإنساني معيشيا، وإعلاء الشأن الإنساني حضاريا، يتوجب علينا انتهاج ثقافة التعايش السلمي، مردفة بتفعيل التنمية الإنسانية مدار العالم: ثقافة مثرية  متوسعة، وتنمية مستدامة متراقية، تسري عبر تعاقب الأجيال.    

في عهود خلت كانت كل أمة، وهي محدودة التواصل مع الأمم الأخرى، تحسب أن كل الحق معها، كل الصواب فيما تعتقد، كل الرشد فيما أوتيت، كل الخير للإنسانية فيما هي تدعو له، لذا كان خطابها ينحصر في تأكيد ما هي لديها ذاتيا من موروث وحاضر، دون التفات يذكر إلى ما لدى الآخرين من موروث ومستجد.  لذا، كان خطاب كل أمة في جله حديثا يؤكد الذات أكثر منه تحاورا مع الآخر: مونولوجاً أكثر منه ديالوج. 

من الوجه الآخر، ضمن الوطن، كان صاحب السلطة المعضدة بالعسكر يعزف عن التحاور مع سواد الشعب، وعبر العالم، كان القوي من الأمم يرفض  التحاور مع الضعيف منها: بدل التحاور، كان المهيمن، في الحالتين، هو من يملي ويسيطر دون رادع أو وازع.  وكان الضعيف، في غياب فرصة للاعتراض بوسيلة الحوار، يُرغم إما على الرضوخ لوطأ العنف، أو على اللجوء لعنف مضاد.

طبيعة المشكلة

المشكلة العالمية المعاصرة بواقعها الراهن، بمخاطرها المصاحبة، وبخلفياتها التارخية الحديثة، على نحو ما عرضت، هي، بنظري، مشكلة أخلاقية في الصميم.  إنها تكمن في تغافلنا المشين، بل والغشيم، عن منظومة المبادئ والقيم التي نعيها نظريا كأساس لازم لسلامة الوضع الإنساني ونتجاهلها عمليا في التطبيق.  آية ذلك، مع أننا ثبتنا هذه المبادئ جليا في دساتيرنا الوطنية ومواثيقنا الدولية، فإننا  لا نزال نتراجع عن الالتزام بها عند ظهور أدنى تعارض لها مع ما نعتبرها، بتشخيص خاطئ،  "مصالحَ " وطنية أو شخصية.  

أقول "بتشخيص خاطئ" لأن في واقع الأمر، في التحليل الأخير، لا توجد مصلحة شخصية حقيقية بمعزل عن المصلحة الوطنية، ولا توجد مصلحة وطنية حقيقية بمعزل عن الصالح الإنساني العام. العلة الرئيسة لمشكلة تراجع الحال الإنساني هي، في فهمي، غياب التركيز على محورية "اللازم الخلقي" (The Categorical Imperative) في استمرار بناء التقدم، مقرونا بقصور الاعتناء بتوسيع وترسيخ الوعي حول الالتزام الخلقي باعتباره المرجعية العليا المشتركة إنسانيا، فوق مرجعيات الانتماءات الوطنية والدينية والإيديوليجية المتعددة للأمم عبر العالم. 

ما أعنيه هو أننا على صعيد المجتمعات الوطنية على انفراد، وعلى صعيد المجتمع الأممي كحال إنساني مشترك،   بحاجة لوضع منهاج خلقي نقره ونلتزم به في كافة ما نسن من قوانين ونبرم من اتفاقيات وعهود ومواثيق.  بتنظيم وتهذيب كافة مسالك التعامل والتفاعل الإنساني هكذا على أساس موحد وفي إطار مشترك نضمن ما أمكن سيادة اللازم الخلقي في كل ما نستنبط ونبدع في سبيل خدمة مصالح الأفراد بتناسق مع رعاية الصالح الوطني المشترك والصالح الإنساني العام. لا أنفي، بل أعترف بإشادة، أن سياقا حضاريا كهذا آخذ مجراه في اجتهادات عديد من الدول، وعموما في نشاطات المنظمات الدولية المعاصرة.  لكنه، بتقديري، سياق متباطئ، بل ومتعثر، لا أراه ناجعا تماما في استبعاد ما ذكرت من السلبيات المفسدة للحياة المعاصرة، والمستجلبة للأخطارعلى الصعيدين الوطني والعالمي بسواء.

وحدة المبادئ والقيم

لا يحدث تغيير - فيما هو مُتاح للإنسان أن يغير فيه للأصلح  - إلا أن يكون مسبقا بتفكير قويم.  ولا يستقيم فكر إلا أن يكون ملتزما بمبادئ وقيم تؤدي إلى اتساق الأمور وفق استحقاقات سعادة الأفراد وسلامة الصالح العام.  ولأن عوامل الصلاح والفساد والرفع والخفض والقوة والضعف في الحال الإنساني واحدة وثابتة، فإن المبادئ والقيم التي بها يتقدم حال الناس وبغيابها يتراجع، واحدة وثابتة أيضا:  بتعبير آخر، النفس الواحدة التي انبثق منها زوجها، وانبثت منهما نفوس كثيرة، ذكور وإناث، خُلقت لتحيا أو تهلك، تتقدم أو ترتكس، بذات الأسباب.  بفعل هذه السنة الجامعة لحال الإنسان، المهيمنة على مسيره ومصيره، سادت أمم حين عملت بالمبادئ والقيم الإنسانية فأوجدت بذلك معطيات حياة طيبة، وبادت حين تجاهلتها أو تنكرت لها من بعد علم، فنقضت غزلها وورث ما أنجزت قوم آخرون.

المبدأ، تعريفا، هو الفكرة الأولى التي منها يبدأ النظر العقلي في أيما أمر.  هو أيضا الفكرة التي يلتزم بها ويسعى لتحقيق مقصدها العقل في جميع الأمور.  بتعبير مرادف: المبدأ هو الفكرة الأم التي تستتبع أفكارا ثانوية متعددة تقاس جدارة أي منها بمدى اتساقها مع الفكرة الأم.  في أدبياتنا الإسلامية سمي المبدأ  أصلا،  باعتباره المنطلق الأول والمآل الأخير في التنظير:  لا شيئ يسبقه في النظر، كل  شيئ يلحقه، به يوجه مسار البحث، منه تستمد الحجة،  وإليه يُركن الحكم في أيما قضية آخر الأمر.

المبادئ إنسانية في ماهيتها، مداها، ومؤداها، بمعنى أنها تتصل  أصلا وفرعا، مسلكا ومضمونا، جملة وتفصيلا، بالشأن الإنساني.  إنها أصول فكرية أفرزتها خبرة البشر وذكّرت بها النبوآت في مختلف الثقافات والحضارات عبر العصور.  إنها أفكار جوهرية ميزها الإنسان من حيث لزومها الحيوي لصلاحه ونمائه، كفرد ومجتمع، بل كجنس حيواني متميز بوعي متفوق ومتطور.  هي أفكار يرتبط بها رقي الأفراد والأمم في كل عصر: أفكار تشكل قاسما مشتركا وكلمة سواء بين الناس كافة، لكونها مؤصلة في حال إنساني واحد يصلح ويفسد، يتقدم ويتخلف، يسمو ويتدني، عقلا وجسما، بذات العلل والأسباب.   

المبادئ والقيم هي ذاتها في وعي الناس كافة.  آية ذلك أننا، عالميا،  نشخص تحديدا:  العدل،  المساواة،  حرمة الإنسان وكرامته،  والشورى (الديمقراطية)  مبادئَ انسانيةً أصيلة وعامة.  لا نتصور شأنا من شؤون البشر إلا أنه يركن في سلامة مضمونه ومنهاجه إلى واحد أو أكثر من هذه المبادئ الأربعة.  لا نتصور معاملة ذات نفع مشترك بين اثنين أو أكثر من الأفراد أو المجتمعات إلا أن تتصف بعدالة المحتوى، بالتكافؤ أمام القانون، بصون حرمة وكرامة الجميع، وبالقيام على أساس الاختيار والمشاركة، لا الإكراه والإقصاء.  يستتبع هذا أنه بقدر ما يكون التزام أمة ما بهذه المبادئ الإنسانية كأمر أول وأساس، التزاما مثبتا في الدستور، مشرعا في القانون، ومحققا بحرص دائب في سائر فاعليات الحياة، الخاصة والعامة، يكون صلاح تلك الأمة على الصعيد الفردي والجماعي.  بذلك أيضا يكون إطلاق إمكاناتها وتفعيل قدراتها على مسار التقدم والازدهار.  على مرجعية المبادئ تتفق الناس كافة، أو على الأقل تجاهر بالاتفاق، حتى حيث تختلف في اجتهاداتها وتفسيراتها، أو حتى حيث  تتنكر للمبادئ في التطبيق.  بتعبير آخر، إلى مرجعية المبادئ يحتكم الأفراد والأمم مهما تعارضت ما بينهم النزوعات  أو تباينت الرؤى والرغبات، ويحتكمون إليها بإخلاص مرارا، وبنفاق أحيانا، لكنهم قلما يتنكرون لها جهارا أو يقابلونها برفض صريح.

مع المبادئ تأتي القيم، وكما للمبادئ كذا للقيم عمومية التأثير على أحوال الناس في أيما أمة.  القيمة حصيلة إنسانية تدر نفعا لحاصلها ومجتمعه، ومن بعد ذلك يعم نفعها الناس أجمعين.  هنا أيضا لا نختلف على أن العلم، مثلا، قيمة إنسانية، مع أننا قد نختلف حول مناهجه، أو مدى صحة بعض ما يُعرض علميا حتى نتأكد منه بمزيد تحقيق.  من القيم ما هي، كما المبادئ، مطلقة في مردودها الإيجابي، ومنها ما هي دون المبادئ لكونها نسبية المردود.  العلم، الصحة، الإيمان، التعاون، اليسر المعيشي قيم مطلقة النفع كما المبادئ، إذ لا يوجد سقف يحد ما تدر:  كلما زاد تحصيلها على صعيد فرد أو مجتمع ازداد وعم عطاؤها من الخير.  القيم النسبية، على الوجه الآخر، من بعد إدرار نفع لحد معين، قد ترتد فتضر:  الكرم، الشجاعة، الطموح  قيم نسبية من حيث أنها بتجاوز حد معقول  قد تنقلب إلى تبذير وتهور وطمع.

تشخيص المبادئ والقيم في المنظومة الخلقية المنشودة

لتشخيص أيما مبدأ أو قيمة مطلقة، بالأحرى لاستبيان ما إذا كانت فكرة ما نتناظرها ترقى لمبدأ أو قيمة مطلقة، لا بد من أن نشخص فيها أربعة عناصر تحديدا  تكون بها مجتمعة كذلك، وتكون في غياب أي منها دون ذلك.

أولا:  أن تكون الفكرة إنسانية أصيلة وعامة، بحيث تسري على الحال البشري إلحافا، بصرف النظر عن فوارق من أي نوع:  مثلا، العدل كمبدأ، والعلم كقيمة، يدران نفعا لأيما فرد أو مجتمع يمارس العدل ويقتنى العلم.

 

ثانيا: أن تكون الفكرة مطلقة النفع، فلا ترتد بضرر من بعد حين أو حد:  مثلا، المساواة كمبدأ، والتعاون كقيمة،  مطلقان في تطوير الخبرة الإنسانية للأفضل دون حد أو سقف.

ثالثا: أن تكون الفكرة مدركة في وعي الناس كافة بحيث لا تكون محل جدل:  مثلا، صون حرمة الإنسان وكرامته كمبدأ، وخلق اليسر في معايش الناس كقيمة، مستقران في خبرة البشر فلا ينكرهما أحد، ولا ينكرهما جهارا حتى من يتتكر لهما في السر.

رابعا: أن تكون الفكرة قابلة للتطبيق في الخبرة الإنسانية مطلقا، فلا يُعذر أحد على تجاهل أو تقصير:  مثلا، الشورى (بمعناها الديمقراطي) كمبدأ، والاعتناء بالصحة كقيمة، قابلان للتطبيق في سلوك أيما فرد أو مجتمع، ولا يكون الإعراض عن أيهما أو التقصير فيه إلا عن جهالة، أو عن جاهلية تؤثر الاستبداد والاستهتار.

بهذا التشخيص للمبادئ والقيم المطلقة نستبين أنها متواصلة متكاملة، أنها واحدة في الخبرة البشرية، وأنها هكذا شُخصت في الفكر الحضاري قديمه وحديثه، دينيه وفلسفيه.  آية ذلك  أن الناس لدى أي اختصام بين أفراد أو أمم يحتكمون إلى مبدأ العدل،  لدى أي تفاوت مجحف في الحقوق والواجبات يحتكمون إلى مبدأ المساواة،  في درء أو رفع أية إساءة أو إهانة يحتكمون إلى مبدأ حرمة الإنسان وكرامته.  ولأجل اتقاء مفاسد الاستبداد وشرورالتسلط تلجأ الأمم إلى مبدأ الشورى (الديمقراطية) الموجب للمشاركة العامة في صنع القرار العام، والموجب المساءلة العامة في تصريف المورد العام.  بالمنطق نفسه يقر الناس عامة بلزوم التمسك بالمبادئ والقيم، حتى حين يتجاهلونها أو يقصرون  إزاءها في الالتزام والتطبيق.

 أعود لأستدرك أن الخبرة الإنسانية، مع أنني أراها قد استقرت مدار الكوكب على إدراك وحدة المبادئ والقيم ومركزية دورها في الحال البشري على نحو ما عرضت، إلا أنني أراها قد استقرت نظريا، ولا يزال الالتزام العملي بها مشوبا بقصور سافر ومشين.  لا زلنا أفرادا وأمما ندرك وعيا ونزعم قولا أكثر جدا مما نطبق عملا في ترجمة المبادئ والقيم إلى سلوك شخصي واجتماعي: إخفاقٌ لا يفتأ يرهق نفوسا تطمح أن ترى تطورا نوعيا مطردا في الخبرة الإنسانية على الإطلاق.  قديما أشار أفلاطون في "جمهوريته" إلى هذا القصور المزمن لدى الإنسان  بقوله: إن صوت البشرية أبدا  يمجد العدالة والفضيلة، مع ذلك كثير من الناس يوقرون أشرارا لأجل ما يمتلك هؤلاء من  نفوذ ومال،  ويزدرون بالضعفاء مع علمهم بأن هؤلاء أحسن خُلقا من الأشرار.  وشجب القرآن الكريم الفجوة بين القول والفعل بإخباره: " كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون" (61:3).

 مسار التطور الحضاري

على مسار التطور الحضاري لا يُغني النفوذ والمال عن الفضيلة، لا تغني الشطارة عن الاستقامة، ولا الراحة البدنية والعيش الرغيد عن الرقي العقلي وسلامة الضمير.  إن الإنسان لا يعيش بالخبز وحده:  كلمة أوجز بها المسيح الإشارة إلى لزوم تأصيل البعد الخلقي في الحياة.  وقال نبي الإسلام ملخصا مهمته: بعثت لأتمم مكارم الأخلاق، وخوطب في القرآن المجيد: وإنك لعلى خلق عظيم.  أما في الفلسفة، فقد وازى إيمانيوءل كانط، أكثرُ فلاسفة الغرب تأثيرا في الفكر الحديث، بين القانون الطبيعي وآخر سماه ب " اللازم الخُلقي "  the categorical imperative: إذ بفهم الأول نهتدي إلى حقائق الوجود، وبفهم الآخر نستبين أسباب السلامة والصلاح في خبرة الإنسان.

 من كل ما جاءنا من الرشد في الوحي الموحى إلى الأنبياء، وفي الفكر الملهم للحكماء، نستخلص درسا أصيلا في فهم سنة التغيير في الحال البشري: أن إحداث تغيير في الخارج لا يؤدي تلقائيا إلى حدوث تغيير في الداخل، لكن العكس صحيح.  بمعنى آخر:  أن نروم تغيير محيطنا الخارجي من دون أن نحاول تغيير مستقرنا الداخلي عمل عقيم، فحتى حيث يتحسن الظرف الخارجي، بجهد منا أو بصدفة، أو بفضل جهود من آخرين، قد يبقى الحال الداخلي الآسن عاجزا عن الاستفادة من تحسن الظرف الخارجي.  أما حيث يتحسن الحال الداخلي فإنه تلقائيا، كنتيجة منطقية، ينضح بأداء مماثل  في الخارج.

أن ندرك ما يفيد ولا نستفيد منه، أن نعي ما يُقدّم ولا نَقدم عليه، أن نبصر ما يُصلح  ولا نعمل به:  ذلك هو البرزخ المعيق لرقي الأفراد والأمم عبر العصور.  في هذا البرزخ تعثرت خطى حضارات سبقت، ولمن لم تقم من عثارها ظل البرزخ دار قرار.  أن يؤثر امرؤ البقاء على خطأ من بعد علم، أو أن تستمر أمة على شطط من بعد أن يتبين لها الصواب، أشنع جدا من أن يظلا على خطأ أو شطط بجهالة:  في الأول خطورة وفي الآخر فرصة: في الأول دلالة على عوج في التفكير، على انفلات في المسلك، على عزوف متعمد عن الإصلاح، في الآخر مدعاة لإزالة الجهل المتسبب في الخطأ، وأمل لا يزال في التصحيح عندما بالعلم يظهر الصواب.  كما الأفراد كذا الأمم:  إذا ما تنكر فرد أو أمة للإصلاح من بعد ما تبينت الحاجة للإصلاح،  تنكرت له ولها الطبيعة العاملة بمشيئة الله النافذة صدقا وعدلا  في كل أمر.  من هنا ضرورة التأكيد دأبا على ترسيخ سيادة اللازم الخلقي في عموم الشأن الإنساني، مقوماً لكل ما نشرع ونطبق، دافعاً نحو كل ما يصلح ويفيد، ورادعاً عن كل ما يضر ويعوق ... تأكيدا نتواصاه ونمارسه أفرادا وأمما ومجتمعا إنسانيا مشترك الحال والمآل.***

-------------------------------------------------

*أعد المقال أصلا للعرض في ندوة المبادئ والقيم: دورها في رشاد الحكم والحياة التي كانت مزمعة من قبل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية (مسقط – عُمان) في أبريل 2012.  ألغيت الندوة، لكن نشر المقال في مجلة التفاهم الفصلية الصادرة عن الوزارة، عدد 36 - أغسطس 2012

*صادق جواد سليمان: كاتب ومفكر من عُمان، ودبلوماسي سابق