الجمعة 23 حزيران/يونيو 2017
TEXT_SIZE

الأديان ورسالة اللاّعنف

بقلم/ عبد الحسين شعبان

في رواية دستوفسكي الشهيرة «الأخوة كارامازوف» يتحاور إيفان وأليوشا وهما شقيقان، بخصوص عذاب الأطفال، فيقول إيفان لشقيقه ما معناه: القصاص أو العقاب عندي لا يساوي دمعة من عين طفل، أوَتقول لي إن الجلادين سوف يتعذّبون في الجحيم؟ ويتساءل ولكن ما جدوى ذلك؟ إنه يطلب الغفران وزوال العذاب.

استذكرتُ ذلك بمناسبة صدور كتاب الفيلسوف الفرنسي اللاّعنفي جان ماري مولير «نزع سلاح الآلهة: المسيحية والإسلام من منظور فريضة اللاّعنف» المترجم إلى اللغة العربية من قبل جامعة اللاّعنف وحقوق الإنسان في بيروت، وهو ما أعادني إلى حوار دار بين الزعيم اليساري الجزائري بشير الحاج علي وشاب معتقل معه، فيقول الحاج علي: كنت كلّما أفيق من المغطّس أسمع شاباً بجواري يقول سنعذّبهم مثلما عذّبونا، وسنستخدم جميع الوسائل لإذلالهم مثلما حاولوا إذلالنا، فما كان منه إلاّ أن يجيبه على الرغم من أنه خارج لتوّه من حفلة تعذيب: ولكن ما الفرق بيننا وبينهم إذا فعلنا ذلك؟ نحن نريد كنس التعذيب وإنهاءه كظاهرة لا إنسانية وإلى الأبد، وهو ما يسميه دستوفسكي «التناغم الأبدي».

عشية إطلاق كتاب «نزع سلاح الآلهة» اجتمع مؤلفه الفرنسي المسيحي مع رجلي دين مسلمين لبنانيين، فقال الشيخ حسين شحادة: لماذا اخترت عنواناً للكتاب «نزع سلاح الآلهة»، ألم يكن ممكناً اختيار عنوان «نزع سلاح الشياطين» بدلاً من الآلهة؟ فأجابه مولير على الفور ودون لحظة تأمل: ولكن الآلهة، هم الشياطين على الأرض، فالإله واحد، وهو الإله الحقيقي المنزوع السلاح، لأن الله محبة والمحبّة لا تجتمع مع العنف في قارب واحد.

أما إذا نسبنا محبتنا إلى الآلهة فهذا خطأ فظيع، لأن الآلهة هم من صنع البشر، أما الله فهو المطلق، الخير، السلام، التسامح، واللاّعنف. الله هو الذي خلق الإنسان ودوداً، عاقلاً، مسالماً، وحيثما وجد الإحسان وجد الله ووجدت المحبّة، وحيثما وجدت الطيبة حضر الله، وهدف جميع الأديان نشر الحب والرحمة والسلام، وليس العنف والغلظة والانتقام والقمع والإرهاب والحروب، وأضاف: إن الديانات ليست بالنصوص، بل بالعقيدة والمقاصد.

استكمل السيد علي فضل الله، هذا الحوار المعمّق، حول مفهوم اللاّعنف، حيث قال: إنه أقرب إلى الرفق، والرفق حسب القواميس يأتي من الرفقة، أي التواصل والمودّة والمشترك الإنساني، والشراكة، ومثل هذه المفاهيم وجدتها أيضاً، بخصوص مفهوم التسامح لدى الفيلسوف الفرنسي فولتير، الذي قال عنه بأنه الرفق والصبر، أما التعصّب فلا ينتج إلا منافقين وعصاة، وبما أن البشر خطّاؤون فعلينا أن نسامح بعضنا بعضاً.

لقد توصّلنا كل بطريقته إلى اللاّعنف، حتى وإن جئنا إلى فريضته أو فضيلته من مواقع ومنابع مختلفة بما فيها عنفية، لكننا اهتدينا إليه بعد تجارب مريرة عشناها وعانينا منها مثلما عانت منها شعوبنا وأوطاننا، وآن الأوان للبحث عن اللاّعنف في تراثنا وتعميمه، وليصبح هو القاعدة وليس الاستثناء، حتى وإنْ كنّا لا نستطيع إلغاء العنف من حياتنا.

وصديقنا الفيلسوف اللاّعنفي الذي يعتبر الأكثر شهرة في العالم المعاصر، ونعني به مؤلف الكتاب جان ماري مولير، انتقل إلى فريضة اللاّعنف، حين أريد له أن يقاتل في الجزائر، مع الجيش الفرنسي ضد الجزائريين الذين ذاقوا مرارة الاستعمار الاستيطاني الفرنسي ما يزيد على قرن وثلاثة عقود من الزمان، فرفض وامتنع وسجن (لمدة ستة أشهر) وأقصي، وهكذا تكوّنت لديه قناعات بأهمية الانخراط في العمل اللاّعنفي الذي كرّس له حياته منذ الستينات وحتى اليوم. إن كتابه «نزع سلاح الآلهة» هو دعوة للتأمل في ماهية الخير والشر، وقد جاء تتويجاً لعمل معرفي وحركية ديناميكية طوال ما يزيد على خمسة عقود ونصف من الزمان، وهو كتاب مرجعي تأسيسي، خصوصاً أنه شامل، لاسيّما بعد كتابه «قاموس اللاّعنف».

الفريضة أو الفضيلة التي يريد مولير تعميمها تمنحنا هذه القدرة الاستثنائية، من الحب والتطهّر والروحانية الإنسانية، وتقرّبنا من بعضنا على نحو يتّسم بتعزيز المشترك الإنساني، سواء كنّا من أتباع الديانة المسيحية أو من أتباع الديانة الإسلامية، وسواء كنّا مؤمنين أو غير مؤمنين، ومتدينين أو غير متدينين، لكننا نجتمع تحت خيمة اللاّعنف ذات الطبيعة الإنسانية.

وكان الروائي الروسي تولستوي، صاحب رواية «الحرب والسلام» المنشورة لأول مرة بين عامي 1865 و 1869، هو من دعا إلى عدم مقاومة الشر بالعنف، وأراد في كتابه «ما هو إيماني؟» الصادر عام 1884 القول: لا ترتكب عنفاً أبداً، بمعنى آخر، لا ترتكب أي فعلة مناقضة للمحبّة، أي أن الانتقام وسيلة سيئة مهما كانت المبررات. وقد تعزّزت أفكار اللاّعنف لدى تولستوي عندما حدثت الحرب الروسية- اليابانية في العام 1904 التي أدت إلى انتفاضة ثورية ضد حكم القيصر في العام 1905، لكنها لم تنجح وتمكّن القيصر من قمعها.

لقد كانت الحرب المتغير الكبير الذي استوحى منه تولستوي روايته الذائعة الصيت، وقد كانت مشاهد حرب الثلاثين عاماً في أوروبا بين الكاثوليك والبروتستانت، مقدمة للحرب الروسية - اليابانية، التي تحدّث عنها باعتبارها حرباً بين مسيحيين وبوذيين، يقتل أحدهما الآخر في حين أن المسيحية والبوذية، لا تدعوان للقتل وتحرّم ديانتهما قتل البشر، بل إن البوذية تحرّم حتى قتل الحيوانات.

لقد رفض تولستوي طاعة أوامر الدولة التي تفضي إلى العنف، لأنه غالباً ما يكون عنفاً ظالماً، وكان يقول لا للجيش الذي يلقّن العنف لقهر الشعب. وترك تولستوي تأثيراً كبيراً لدى المهاتما غاندي، وقد كتب الأخير عنه بمناسبة مئويته في العام 1928 نصاً مؤثراً حين قال: «كان أكثر رجال عصره صدقاً. اتّسمت حياته بجهد دؤوب محموم للبحث عن الحقيقة، ولوضعها موضع الممارسة بمجرد العثور عليها... إنه أعظم رُسل اللاّعنف الذين شهدهم عصرنا الحالي».

 إن تحقيق السلام حسب تولستوي لا ينبغي أن يفرض إلاّ بوسائل سلمية، ولا يريد من الأذلة المسحوقين (الضعفاء) سفك دماء الأقوياء. أراد لهم التمسّك بالتمرّد السالب، ورفض طاعة المتسلّطين الظالمين، وإذا تمكّن ملايين الفقراء من غير عنف، ومن غير محاكاة لبطش المتسلّطين، ومن غير ثورة مأساوية على الطريقة الغربية، من صرف قلوبهم وأذرعتهم عن فعلة الظلم والحرب والقتل، يومذاك سوف تنحلُّ سلطات الكذب والقهر البالية من تلقاء نفسها.

المراسلة بين غاندي وتولستوي عبّرت عن القناعة الأخلاقية المشتركة، لاسيّما أن تراث كل منهما غنيّ وعميق. وقد فهم تولستوي الأهمية العميقة بين عدم مقاومة الشر بالعنف، وبين الضمير والعصيان وعدم التعاون مع المؤسسات الرسمية التي تتحمل مسؤولية القهر، وقد استلهم حكيم روسيا ذلك من تراثه الديني المسيحي مثلما استلهم حكيم الهند ذلك من تراثه الديني البوذي.

 وإذا كان غاندي قد كتب عن تولستوي في مئويته، فقد كتب البابا بولس السادس رسالة إلى رئيس جمهورية الهند بمناسبة مئوية غاندي في 22 أغسطس/آب 1969 جاء فيها «كان لدى غاندي فكرة سامية عن الكرامة الإنسانية وحس ثاقب بالعدالة الاجتماعية، وبحماسة متّقدة وإدراك بصير بالخير المستقبلي لشعبه، عمل بلا هوادة للوصول إلى أهدافه غارساً دوماً في تلاميذه مبدأ اللاّعنف المثير للإعجاب». تلك هي رسالة الأب الروحي للمسيحيين إلى رمز الهند وحكمتها غاندي.

تلك دعوات رُسل اللاّعنف، أي المقاومة السلمية السلبية كما تسمّى، بمعنى عدم الرّد على العنف بالعنف وذلك ليس استسلاماً، بل مقاومة باللاّعنف، بالصمت والامتناع عن المشاركة في الحروب أو الانخراط في أعمال العنف أو التمرّد على أوامر الدولة ورفض دفع الضرائب والاحتجاج والتظاهر وصولاً للعصيان المدني، وهو ما اتبعه مارتن لوثر كنغ في حركته للمطالبة بالحقوق المدنية في الولايات المتحدة، وما قام به من نشاط تسامحي ولا عنفي نيلسون مانديلا زعيم جنوب إفريقيا.

إن المقاومة تلك حسب مولير قادرة على تغيير العالم الذي أراد فيه أن تكون «الآلهة» طيبة قبل أن تكون قويّة، وطالب بإلغاء ما يبرّر العنف والقطيعة ضد ما يدعو إليه، والدعوة إلى أخلاقيات موحّدة للعمل العالمي اللاّعنفي في المسيحية والإسلام، وفي ذلك دعوة ليس لقبول الحق في الاختلاف، بل لرفض التشابه والتماثل والتطابق، لأنه ليس من طبيعة الأشياء.

--------------------------------------------------------------

http://www.tahawolat.net/ArticleDetails.aspx?Id=7324&ArticleCategory=0

الكلدان العراقيون الأميركيون في ديترويت..

الكلدان العراقيون الأميركيون في ديترويت..        

المنجزات التاريخية والمشكلات الجديدة

د. سيّار الجميل*

الحياة الكلدانية الجديدة في مشيغان

عندما ازور  ديترويت دوما اكون موضع ترحيب من قبل الاخوات والاخوة الكلدان العراقيين فيها ، وهم يؤلفون جالية عراقية اميركية كبيرة تنتشر في عموم الولايات المتحدة وكندا ، وكان آباؤهم قد استقروا في ولاية مشيغان على امتداد تضاعيف القرن العشرين ، وكان اغلبهم قد تدفق بكثافة واستقر في ديترويت منذ عقد الستينات من القرن العشرين حتى فاق عددهم عبر هجرات متعاقبة اكثـر من 150 الف نسمة ، وفقا لما اعلمتني به مؤسستهم .. ويسعفنا الصديق جاكوب بكال من خلال كتابه بالإنكليزية الكلدانيون في ديترويت  Chaldeans in Detroit( نشر في الولايات المتحدة 2014 ، ص 11) عن معلومات مهمة وصور تاريخية تثبت وجود الكلدان العراقيين من الكاثوليك في ولاية مشيغان كمجموعات مهاجرة مبدعة على امتداد القرن العشرين ليتمتعوا بحرياتهم الاقتصادية والسياسية التي يعتبرون انهم كانوا محرومين منها في العراق ، وقد تكاثروا مستفيدين من القوانين التي صدرت عام 1965 ليزداد عدد المهاجرين الكلدان العراقيين اكثـر فاكثـر  .. ولقد تطورت ديترويت بفضل استثماراتهم ومؤسساتهم وفنادقهم واعلامياتهم ومشروعاتهم التنموية ، فضلا عن جمعياتهم الخيرية المتعددة .

واليوم ، يبلغ عددهم تقريبا 150000 كلداني يقطنون ديترويت وتوابعها ، وهناك ايضا 50000 استوطنوا كاليفورنيا ، والينويز ، وايروزونا ، وشيكاغو ومناطق اخرى في الولايات المتحدة ، ويضاف اليهم اكثر من 50000 كلداني آخر  في مجاميع تنتشر في مناطق وبلدان اخرى في العالم ، مثل : كندا واستراليا ونيوزيلندا واوروبا .. بمعنى ان اكثر من ربع مليون كلداني عراقي كان العراق قد فقدهم نهائيا ، وهم من ابنائه القدماء ، وقد اتوا جميعا في الاصل من الموصل وتوابعها في سهول الموصل الشرقية المزدحمة بالقرى والاديرة المسيحية ، وخصوصا من ناحية تلكيف  وقراها .

الكلدان : لم تزل هويتهم عراقية

لقد وجدت ان الكلدان في العالم يحملون العراق في وجدانهم وضمائرهم ، وقد حملوه معهم ، ولم تبق معهم الا ذاكرتهم التاريخية التي يريدون توريثها لأبنائهم واحفادهم بعد ان هاجروا او اجتثوا بالقوة من وطنهم الام لأسباب لا يمكن ان ينكرها اي عراقي منصف ، وهو يتابع ما يحدث في العراق منذ ستين سنة ، اذ تفاقم حجم الكراهية وتفوقت الاحقاد على قيم التسامح والتعايش المشترك ، فضلا عن انهم كانوا وما زالوا من مشارب سياسية مختلفة : شيوعيون وقاسميون وبعثيون وليبراليون وملكيون وغيرهم ، ولكنهم جميعا ضد النظام الرث الحالي الذي لم يجدوا في عهده اي امان ، ولا اية ثقة ، ولا اي احترام ، ويخشى المسيحيون العراقيون على من تبقى منهم في العراق ، فمشروع اضطهادهم وغيرهم من ابناء الطيف قائم حتى الان من قبل الاحزاب الدينية ومراكز القوى السياسية ورعاع السلطة ، وقد وصل الامر مؤخرا الى فرض الحجاب على بناتهم ونسوتهم ، فكان ذلك محل استنكار شديد من قبل بطريرك الكلدان لويس روفائيل الاول ساكو  في العراق  .

تعددت أسباب هجرة الكلدان من العراق الى ديترويت ، إلا أن معظمهم توجهوا الى " الحي الكلداني" لكي ينضموا الى الاسر الشريدة والبحث عن حياة جديدة لضمان كرامتهم فيها ، اذ كانوا يشعرون بالاضطهاد ليس السياسي ، بل الاجتماعي وكان يتفاقم خفية منذ سقوط العهد الملكي عام 1958 ، بالرغم من فسحة الحريات التي تمتعوا بها ، الا ان الصراعات السياسية قد عكست ظلالها على المسيحيين الكلدان والسريان والاثوريين والارمن ، وبالأخص الشيوعيين منهم ! لقد بدأ عشرات الآلاف من المهاجرين الكلدان حياتهم العراقية الجديدة فـي هذا الحي الاميركي  الذي كان جزءاً من منطقة بينروز. حتى يقال ان استقرار الكلدان في ديترويت قد اثر على طبيعة ديمغرافيتها السكانية ، اذ  عاش تقريباً ربع المهاجرين الكلدان فـي عموم منطقة ديترويت ضمن ذلك الحي الذي  قدرت مساحته بنحو نصف ميل مربع.

كانت العلاقات بين المهاجرين الكلدان قوية في وشائجها ، اذ التصق بعضهم بالآخر مع توفير الاجواء العراقية التي تجمعهم ، كما ساد التعاون فيما بينهم  على افضل درجاته .. وكان الكلدان من القدماء يعتنون بكل من يصل اليهم من الكلدان العراقيين كي يعينوه على مواجهة الحياة الجديدة  على مدى ستة اشهر ، ومن ثمّ يبدأ الاعتماد على نفسه في المأوى والعمل ، وبعد مرور اكثر من نصف قرن غدت الجالية الكلدانية في مشيغان قوة مؤثرة على مستوى المدينة والولاية معا ، بحيث امتلكوا اكبر قدر من الاستثمارات ولهم كنيستهم ووسائلهم الدعائية والمعنوية ومرافقهم الحيوية التي بدت لي انها تمتلك القيم العراقية في التعامل ، كما ان لها اعتزازها بالمواريث القديمة ولم تزل تعتز  بمواريث عراقية رائعة .

الحي الكلداني :  تطور مشيغان

عندما كثر توافد الكلدان فـي عقد الستينات من القرن العشرين ، بدأ المهاجرون الجدد يؤسسون محالهم واسواقهم ومطاعمهم ومخابزهم ومتاجرهم وفنادقهم واستثماراتهم ، وكانوا يوظفون ابناءهم واقاربهم للعمل في مؤسساتهم المربحة ..  وبحلول السبعينات ، عجّ بعشرات المخابز الصغيرة والمتاجر المتخصصة والمطاعم المتنوعة والقاعات الاجتماعية والمقاهي . واصبح الحي الكلداني نقطة جذب رئيسية للمهاجرين الجدد. وبلغت قوة الكلدان في ديترويت ومشيغان مداها بحيث سيطروا على اقتصاد الولاية الاميركية واسواقها ، وبدأوا يؤثرون في حياتها السياسية والمؤسساتية  ، وكانوا قد تميزوا بالتزامهم القوانين والمصداقية في العمل والتلاحم فيما بينهم .. وبالرغم من التحديات التي واجهتهم في ميشيغان ابان عقد الثمانينات بسبب هجرة البيض عنها ، وتفشي الجريمة والمخدرات وانهيار الشرطة ، فانتقل اغلبهم الى الضواحي فـي مقاطعتي ماكومب وأوكلاند.   وكان ان رافقهم النجاح التجاري ، ما جعلهم في مستوى معيشي أفضل فـي مدن مثل وورن وستيرلنغ هايتس وماديسون هايتس وصولا الى الضواحي الراقية فـي مقاطعة أوكلاند. ولكنها كانت تحديات صعبة لم تجعلهم يغادرون مكانهم حتى في السنوات التي انحدرت فيها الحياة بديترويت .  لقد عانى الكلدان فـي الثمانينات حين بدأت أحوال ديترويت تتدهور وزادت هجرة السكان البيض من المدينة على نطاق واسع، بعد تفشي الجريمة والمخدرات وانهيار الشرطة،

وكان المجلس العربي الاميركي والكلداني ،وهو منظمة غير ربحية، يقدم منذ ١٩٩٧ خدمات عامة للجالية مثل المشورة والرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية والتدريب المهني وفصول تعليم اللغة الانكليزية. وبعد مرور عشر سنوات، قام المجلس ببناء مركز آخر مجاور للتعليم. وهو يتقبل أي شخص من المنطقة، سواء أكان كلدانياً أم لا.

ما الانفع .. بناء صوامع ام تأسيس مصانع؟

اثيرت مؤخرا مشكلة من قبل الشيعة العراقيين في ديترويت والذين قدّموا طلبا رسميا للسلطات لبناء جامع او حسينية باسم "مركز  ديني" في منطقة سترلنك هايتس بالولاية ، وعندما سئل سكانها رفضوا ، وهم اميركان من اصول مختلفة ومنهم بعض الكلدان ، كونه  "مشروعا" له اهداف مبيتة ضدهم ، علما بأن عدد الشيعة قليل في هذه "المنطقة" مقارنة بمنطقة ديربورن التي ينتشرون فيها بكثافة ، اذ غدت منطقة سكن خاصة بهم ، وغدت تعد ذات كثافة واغلبية سكانية من المذهب الشيعي تصل الى اكثر من 70% وفيها جوامع وحسينيات ومراكز دينية شيعية وصحف ومكتبات واذاعات ومراكز تجارية وتسويق خاصة فيها وكلها تحمل يافطات بالعربية وعناوين شيعية، واغلب سكانها من المهاجرين الشيعة العراقيين واللبنانيين ..

وقد علمت من مصادر موثقة ومطلعة في مشيغان ان مساحة الارض التي سيتم بناء الجامع الشيعي عليها في منطقة سترلنك هايتس بالولاية تبلغ 20500 قدم مربع (عشرون الف وخمسمئة قدم مربع) ما يعادل 2000 متر مربع تقريبا (الفي متر مربع) وبكلفة بناء تقدر بين 4 - 6 مليون دولار امريكي .. ولقد تفاقمت المشكلة بين الطرفين الكلدان والشيعة العراقيين الى حد تبادل الاتهامات بين الطرفين في الصحف والاذاعات ، كما وانتقد الكلدان خطبة امام وخطيب مركز الزهراء الاسلامي الشيعي في ديترويت سيد حسن قزويني ، ووصفوها انها خطبة عنصرية واستفزازية وتطاول مرفوض جملة وتفصيلا تتناقض مع روح الدستور والقانون الامريكي وروح العصر ، وهي خطبة تحريض على العنصرية والتفرقة .. وردّت صحيفة شيعية على الكلدان بأقذع التعابير  كونهم عارضوا المشروع . ويقول الكلدان بأنهم ليسوا ضد بناء الحسينية او الجامع في أي مكان ، ولكنهم ضد تأسيسه في هذا المكان بالذات !

صحيح ، ان من حق اية جالية ان تتمتع بحريتها واختياراتها ضمن القانون ، ولكن لماذا هذه  "المنطقة" بالذات والتي يصر  الاخوة الشيعة على بناء مشروعهم فيها ؟  خصوصا وانهم كانوا قد عزلوا انفسهم عن بقية العراقيين في ديربورن منذ سنوات طوال .. انني احترم المبادئ التي يحملها الاخرون من أي طرف ، ولكن اليس من المنطق والعقل ان تبنى بمثل هذه المبالغ التي لا يعرف مصدرها مصانع توظف الناس العاطلين من الشيعة كي يحسنوا ظروفهم المعيشية بدل بناء جوامع وحسينيات وصوامع في ديترويت ؟

ان السلطات القانونية في الولاية بدأت بالاستفسار والتدقيق  عن مصدر هذا التمويل لبناء الجامع والجهة التي تقف خلفه علما ان محافظ مدينة سترلنك هايس السيد مايكل تيلر قال انه لا يشجع بناء الجامع في هذه المنطقة المزدهرة التي ستتحول بوجود جامع كبير الى منطقة رثة تسكنها الاشباح السوداء . ويبدو ان الصراع يستفحل الان بين الطرفين مع تفاقم الحرب الاعلامية عبر الاذاعات ، ويبدو ان القائمين على هذا "المشروع" يتلقون الدعم من مراكز قوى سياسية متنفذة في كل من بغداد وطهران . اتمنى مخلصا ان تحلّ هذه "المشكلة" بين العراقيين في مشيغان ، وان يلتفت كل العراقيين فيها الى تطوير انفسهم وحياتهم ومصالحهم ومنافعهم وعقولهم قبل التنازع  والاصرار  على بناء الجوامع والصوامع  !

-------------------------------------------------

* مؤرخ عراقي

نشرت في جريدة المدى - الاثنين 21 ديسمبر - كانون الاول 2015 

www.sayyaraljamil.com

المسيحيون في البلاد العربية.. ضحايا الشرق والغرب!

صبحي غندور*

المسيحيون العرب يتعرّضون في السنوات الأخيرة لحملات إساءة وتهجير في أكثر من بلدٍ عربي، وهناك جماعات تحمل رايات دينية إسلامية تقوم بأعمال قتل وتدمير وتهجير لقرى مسيحية عربية، كالذي حدث مؤخراً في العراق وسوريا.

فالمسيحيون العرب هم الآن ضحية في حالتين: أنّهم أولاً من مواطني هذه البلدان التي تشهد حروباً وتدميراً لكلّ ما فيها، وهم أيضاً مستهدَفون من قبَل جماعاتٍ متطرّفة، فقط لكونهم من أتباع الديانة المسيحية.

والتساؤل عن مستقبل الوجود المسيحي العربي ليس وليد الحاضر فقط، وما يتميّز به هذا الحاضر من ممارساتٍ إجرامية وتصاعدٍ في حدّة الطروحات العصبية الدينية بأكثر من بلد عربي، بل تعود جذوره إلى سنواتٍ بعيدة في الزمن، وقريبة في الاستحضار الذهني. فالمسيحي العربي يتذكّر ما قاله الأجداد عن سنوات الذلّ أيام حكم الأتراك العثمانيين.. والمسيحي العربي يتأثّر بالتحريض الحاصل من أجل تكريس الانفصال بين الأجزاء المكّونة لجسم الأمّة العربية.. والمسيحي العربي يسمع ويشاهد ويلمس وجود تيّارات دينية متطرّفة تطرح عليه إمّا تحدّي القتل أو التهجير.. فمن حقّ المسيحيين العرب الخوف على الحاضر وعلى المصير معاً.

وللأسف، هناك أيضاً مفاهيم وأفكار تتحدّث الآن عن المسيحيين العرب وكأنّهم غرباء عن هذه الأمّة وأوطانها، أو أنّ حالهم كحال الأقليات الدينية التي وفدت لبلدان العرب من جوارهم الجغرافي، مثل الأرمن، علماً بأنّ الوجود المسيحي العربي سابق لوجود الدعوة الإسلامية، وهم (أي المسيحيون العرب) أصل سكان هذه البلدان تاريخياً، كما هو حال مصر والعراق وبلاد الشام.

إنّ الوجود المسيحي على الأرض العربية تزامن مع الوجود الإسلامي لأكثر من ألفٍ وأربعمائة سنة. وذلك وحده كافٍ ليكون شهادةً للاثنين معاً ضدّ كل دعاة الانفصال أو التذويب أو التهجير.

إنّ ما هو قائمٌ الآن من ممارساتٍ سيّئة بحقِّ بعض المسيحيين العرب في عددٍ من البلدان العربية ليس حصيلةَ التدخّل الأجنبي والعملاء وأجهزة المخابرات فقط، بل هو أيضاً نتاج الفهم الخاطئ لدى غالبية العرب للدين وللعروبة ولمفهوم حقوق المواطنة.

والأمر لا يقتصر على سوء العلاقة بين المسلمين والمسيحيين العرب فقط، بل هو قائم بين المسلمين أنفسهم أيضاً بما هم عليه في عموم العالم الإسلامي من تعدّد في المذاهب والأعراق والإثنيات. فلو اقتصرت الظاهرة الانقسامية المرضية الموجودة الآن على مسألة العلاقة بين المسلمين والمسيحيين حصراً لَصحَّ الاعتقاد عندها بأنّها مشكلة "الوجود المسيحي العربي" فقط، لكن مرض الانقسام ينتشر الآن في كل خلايا جسم الأمّة العربية، وهو يعبّر عن نفسه بأشكال مختلفة بين الخيوط الملوّنة التي تؤلّف نسيج الأوطان العربية.

هي إذن بلا شك أسبابٌ متعدّدة لما نراه اليوم من خوف مسيحي عربي مشروع على الحاضر والمستقبل. بعض هذه الأسباب خارجي مفتعل، وبعضها الآخر عربي داخلي كانعكاسٍ لحال التخلّف الفكري والسياسي السائد في هذه المرحلة. وهي حتماً ليست مشكلة "حقوق المواطنة" للمسيحيين العرب فقط، بل هي مشكلة غياب "المواطنة السليمة" لكلّ العرب بمختلف تعدّدهم الديني والإثني.

لكن ربّما من المهمّ أن يدرك العرب كلّهم، بغضّ النظر عن ديانتهم وطائفتهم، أنّ المشروع الرامي إلى تقسيم الكيانات العربية الراهنة وإقامة دويلات جديدة في المنطقة على أساس ديني ومذهبي وإثني، يتطلّب الشروع أولاً بتهجير المسيحيين العرب، لما يعنيه ذلك على المستوى العالمي من "مشروعية" لفكرة وجود دول في "الشرق الأوسط" على أساس ديني، كما هو المطلب الإسرائيلي حالياً من العالم كلّه، ومن العرب والفلسطينيين خصوصاً، بأن يحصل الاعتراف بإسرائيل كدولة دينية يهودية. وهذا الأمر، لو آلت الأحداث إليه، فستكون المنطقة العربية عبارةً عن إمارات دينية وإثنية متصارعة فيما بينها، ولكن تدور كلّها في الفلك الإسرائيلي الأقوى والأفعل والأكثر استفادة من هكذا مشروع للخرائط الجديدة في المنطقة. وحتماً لن يكون هناك عندئذٍ حديثٌ عن دولة فلسطينية مستقلّة، ولا عن حقوق ملايين اللاجئين الفلسطيين بالعودة إلى أراضيهم، وسيكون العرب قبائل متناحرة لا شعوباً لأوطان واحدة متعدّدة الانتماءات الطائفية والإثنية.

لذلك، فإنّ التمييز بين ما تريده إسرائيل وبين ما تقوم به بعض الجماعات الإرهابية بأسماء إسلامية لم يعد ممكناً، بل إنّ هذا يطرح تساؤلاتٍ خطيرة عن طبيعة هذه القوى ومدى ارتباطها بأجهزة المخابرات الإسرائيلية التي سبق لها أن دسّت قيادات في العديد من المنظمات العربية والإسلامية، تماماً كما تفعل إسرائيل حتّى مع أصدقائها في العالم حيث شبكة العملاء الإسرائيليين تصل إلى مستوياتٍ عالية.

إنّ صيغة "المواطنة المشتركة" المتساوية في الحقوق والواجبات ليست "حقّاً" للمسيحيين العرب فقط، وليست "واجباً" على المسلمين العرب فقط، بل هي مسؤولية مشتركة فرضتها الإرادة الإلهية التي اختارت الأرض العربية لتكون مهد كلّ الرسل والرسالات السماوية؛ فالحفاظ على هذه الصيغة، امتحانٌ لكلّ العرب في كيفية الفهم الصحيح للدين وللهوية الثقافية المشتركة، وفي مدى الانتماء الوطني والحرص على أولوية المصالح الوطنية والعربية.

هو موضوعٌ حيويٌّ هام يمسّ وحدة المجتمع العربي، ويطال المداخلات الأجنبية التي سعت ماضياً وحاضراً إلى السيطرة على المنطقة العربية، وإلى تجزئتها ومصادرة ثرواتها وتغيير هُويّة بلدانها من خلال شعارات "الحماية الأجنبية للطوائف والأقلّيات".

وفي مثل هذه الأيام التي تشهد احتفالات عيد ميلاد السيّد المسيح، عليه السلام، يتكرّر استخدام قوله: "المجد لله في العُلى وعلى الأرض السلام". وهو قولٌ يجمع بين ما هو حتمي لا خيار إنسانياً فيه (المجد لله)، وبين ما هو واجب مستحق على البشر تنفيذه، أي تحقيق السلام على الأرض. لكن هناك مسافة شاسعة بين ازدياد عدد الممارسين للشعائر الدينية في كل العالم، وندرة من يطّبقون ما تدعو اليه الرسالات السماوية من قيم وأعمال صالحة، ومن واجب نشر روح المحبة وتحقيق السلام بين البشر.

ولعلّ المأساة تظهر الآن جليّةً من خلال حروب وفتن حدثت وتحدث تحت "شعارات دينية" في أكثر من مكان شرقاً وغرباً. بل إنّ كلَّ مُشعِلٍ الآن لحربٍ أو لفِتنة على الأرض يختبئ وراء مقولات تستند إلى ادّعاءات الوصل بالأديان، والأديان منها بُراء. الكلُّ يتحدّث عن "الإيمان بالله تعالى"، بينما على "الأرض الحرب" من فِعْل الباحثين عن مجدهم فيها.

الرسالات السماوية كلّها حضّت على العدل بين الناس وعلى رفض الظلم والطغيان والجشع والفساد والاستعباد للبشر، وعلى إقرار حقّ السائل والمحروم، بينما كم من حروبٍ وصراعاتٍ دموية حصلت وتحصل تحت شعاراتٍ دينية وطائفية وعرقية!! فهناك الآن ما هو سلبيٌّ مشترَك بين "الشرق الإسلامي" و"الغرب المسيحي".

إنّ المخاطر القائمة حالياً هي ليست على أتباع هذا الدين أو ذاك المذهب فقط، بل هي أخطار محدقة بحقّ الأوطان كلّها، بما فيها الشعوب والحكومات والمكوّنات الاجتماعية فيها. فضحايا العنف المسلّح الجاري الآن عربياً، من أيِّ جهةٍ كان مصدر هذا العنف، هم من أوطان ومناطق وأديان ومذاهب مختلفة.

لكن خطر جماعات التطرّف العنفي بأسماء "إسلامية" موجودٌ فعلاً ولا مجال لنكرانه، ولا يصحّ القول فقط إنّ هذه الجماعات هي "صناعة خارجية" يتمّ الآن توظيفها. فالمشكلة الأساس هي وجود بيئة مناسبة لنموّ مثل هذه الجماعات في الدول العربية والإسلامية، فلو لم يكن هناك فكر متخلّف ومُشوّه للمفهوم الصحيح للدين، ولو لم تكن "المواطنة السليمة" غائبة عن المجتمعات العربية، لما أمكن استقطاب هذا الحجم من أتباع هذه الجماعات المتطرّفة.

-------------------------------------------------------

*مدير "مركز الحوار العربي" في واشنطن

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. ">عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. 

نظرة عامة على حركات إصلاحية إسلامية

نظرة عامة على حركات إصلاحية إسلامية

أ.د. طه جابر العلواني

إنّ المتتبع للتاريخ الإسلاميّ القديم منه والحديث يجد ظاهرة عجيبة، خلاصتها: أنَّه على كثرة محاولات الإصلاح في المجالات المختلفة عبر العصور فإنَّه لم تحدث تراكمات قائمة على خبرات وتجارب تلك الحركات. بل نجد الحركات اللاحقة كثيرًا ما تتجاهل ما سبق، أو تنتقده وتستبعده وتبدأ من نقطة الصفر، لا من حيث انتهت إليه الحركات التي سبقتها، بحيث يبني اللّاحق على ما أسّس السابق لتحصل من الخبرات والتجارب ما يمكنها من بناء مشروع نهضويّ قادر على البقاء والاستمرار ومجابهة التحديّات. وفي الوقت نفسه يمتلك الآليّات القادرة على منحه إمكانات التجدّد بحسب تنوّع المراحل التاريخيّة  وبحسب ما تتطلبه من أدوات ووسائل، تمكن المشروع من النجاح.

فقد جاء الأنبياء بمشاريع إصلاح فلم يكونوا قادة ثورات ولا رواد انقلابات وتغييرات بل كل منهم كان يؤكد للناس الذين أرسل إليهم أنه لا يريد إلا الإصلاح. ولا يدّعي لنفسه أنه سيحقق ذلك الإصلاح ويستكمل مشروعه بقواه الذاتية وقدراته الشخصية، بل يؤكد دائمًا أنه إذا وفق في مشروعه الإصلاحي فما توفيقه إلا بالله عليه توكله وإليه ينيب ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (هود:88).

والمجددون المصلحون لهم مرجعيَّة توضح لهم مناهج الإصلاح وشرائعه ووسائله ومقاصده وغاياته ومستوياته وسائر ما يتعلق به، فهو على بينة من أمره؛ ولذلك كان المجددون يتحرون سنن الأنبياء في الإصلاح ومناهجهم في التجديد، فالشيخان أبي بكر وعمر ومن بعدهما عثمان وعليّ قد أقاموا خلافة على منهاج النبوة، ودعوا إليها وحملوا الناس عليها فما كان هناك مجال للزيغ عنها ولا للاختلاف، وما اختلف الناس عليه كان المرجع الهادي كتاب الله كفيلًا بتبيين وجه الحق والصواب فيه والقدرة على ردهم إليه ردًا جميلًا وحين وقعت بعض المخالفات من بعض حكام الأمويين قيض الله (تعالى شأنه) عمر بن عبد العزيز فهو على قصر خلافته، وقلة الفترة التي قضاها فيها استطاع أن يتقدم بمشروعه الإصلاحيّ التجديديّ الذي تألف في نظرنا من ثلاث.

فعلى سبيل المثال: قام الخليفة الأمويّ عمر بن عبد العزيز بمجموعة كبيرة من الإصلاحات في مجالات كثيرة منها:

1. العمل على إعادة بناء ووحدة الأمَّة بالاحتكام إلى الحوار والجدل بالتي هي أحسن للفئات التي كانت في عهود من سبقه من الخلفاء الأمويّين قد خرجت على الدولة، وحملت السلاح ضدها. وذلك يعني أنّه حاول تنبيه الأمَّة إلى أنّ الخلافات الداخليّة بين فصائل الأمَّة لا يسمح بأي حال بالاحتكام فيها إلى القوة، بل إلى الحوار، والجدل بالتي هي أحسن. لكن من جاء بعده من الخلفاء عادوا إلى الاحتكام إلى السيف داخليًّا وخارجيًّا.

2. لقد قام بعمليَّة رد المظالم، واستعادة المال العام من أولئك الذين استولوا عليه أو أقطعوه بطرق غير مشروعة. وأمر بأنّ تباع مقتنيات من سبقوه في مزادات علنيَّة، حتى إنّه رد إلى بيت المال العقود والجواهر التي أهداها والد زوجته إليها. وأراد بذلك أن يؤسّس مبدأ «المحافظة على المال العام» وعدم إباحة شيء من التصرّف فيه بدون وجه شرعيّ، وإخضاع الحكام والولاة لمحاسبة الأمَّة.

ومنذ ذلك التاريخ والعدل وإقامته بين الناس يعتبران أهم وسائل إعادة بناء السلم الأهليّ، والقضاء على منابع العنف في المجتمعات الداخلية، وإعدادها لمعالجة مشكلاتها سلميًا، وما من أمَّة يختل فيها حبل الأمن والاستقرار إلَّا وتبرز فيها الحاجة الماسة إلى العدل، فالعدل وحده في هذه الحالة هو الذي يعيد بناء اللحمة بين فصائل الناس، ويعطيها الإحساس بالأمان والاطمئنان والوصول إلى الحقوق من غير عنف ولا صراع.

3. حاول القيام بإصلاحات فقهيَّة بجمع السنن؛ لتكون هذه السنن فقهًا للأمَّة باعتبار السنن بيانًا للقرآن المجيد الذي هو المصدر المنشئ الوحيد للعقيدة والشريعة، والسنن الثابتة الصحيحة بيانه الملزم التوحيد؛ ولكن سرعان ما انحرف الناس بعده عن هذا السبيل القديم ليجعلوا من آيات القرآن المجيد وسنن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) شواهد معضّدة ومساندة لمذاهبهم الفقهيّة، وهذا خطأ في فهم المشروع الإصلاحيّ العمريّ الذي كان يريد أن يجعل من السُنَّة فقهًا بديلًا للكتاب الكريم تجتمع عليه كلمة الأمَّة.

وهنا نجد في مشروع عمر بن عبد العزيز نوعا من التكامل: ففيه إصلاح فكريّ، ومعرفيّ، ومنهجيّ، وقضائيّ، وسياسيّ.   

وحين نتجاوز هذه المحاولة بحثًا عن نموذج إصلاحيّ آخر في العصر العباسيّ، نجد المأمون نموذجًا لمن قام بعمليَّة مثاقفة انفتح فيها التراث الإنسانيّ كله؛ ولكن صحب ذلك نوع من المصادرة لحريّة الرأي، وحرمان المخالفين بالقوة من التعبير عن آرائهم المخالفة لرأي الخليفة ومشاريعه، واستمرت عمليات اضطهاد المخالفين ثمانية عشر عامًا، شملت ما بقي من فترة خلافته، وخلافة أخيه المعتصم وجزءًا من خلافة المتوكل الذي استطاع أن يدرك أهم جوانب الخلل في مشروع أخويه المأمون والمعتصم ألا وهو: فقدان المشروعين لخاصية التكامل وحرية التعبير، وأبطل ما أسس له سابقاه من بدعة القول "بخلق القرآن".

وتعد خطوته إصلاحيَّة من هذه الناحية، وإن لم تخل من الانتقام من بعض عناصر الاعتزال التي شايعت أخويه وأغرتهما باضطهاد المخالفين. وهو الذي أسّس لمذهب "أهل السنّة والجماعة". فإذا غضضنا الطرف عن بعض المخالفات، فإنَّ الرجل يمكن اعتباره إصلاحيًّا في إطار "القول بحريّة المخالف في إبداء رأيه" وحمايته من خصوم ذلك الرأي ومخالفيه، وكان عمله في إطار الرد إلى الأمر الأول الذي أسس القرآن المجيد له والتزم به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) طيلة حياته. والتزم به خلفاؤه الراشدون من بعده. والآثار في ذلك كثيرة.

ثم جاء من بعده أبو شامة المقدسي، وهو مؤرخ وفقيه وعالم لم تسلط عليه الأضواء كما سلطت على ابن خلدون ومشروعه، فأبو شامة المقدسي قادته ثقافته الواسعة وتأثره بالتاريخ وعلومه إلى وضع مشروعه الذي عنونه بـ "الرد إلى الأمر الأول" كما جاء في عنوان كتابه الذي يحمل ملامح مشروعه، فهو مشروع معرفي منهجي يرى ضرورة الرجوع إلى المرجعية الأولى والأساس، ورد الأمر إلى القرآن المجيد والاستنارة بمنهجية السُنَّة النبوية المطهرة. وقد قتل الرجل في محرابه قبل أن يتبلور مشروعه ويرى النور. وتتابعت المشاريع الإصلاحية فقدم الجوزي وعبدالقادر الجيلاني ولفيف آخر كبير من العلماء والمتصوفة مشروع الإصلاح التربوي. وهناك محاولات اصلاح أخرى لم نقف عندها طويلا بل تركناها للباحثين ينظرون نظرة متعمقة في تلك المشاريع.  

 ويمكن الاسترسال في ذكر كثير من المحاولات الإصلاحيَّة، ومنها ما قام به آل زنكي وصلاح الدين الأيوبي، وبعض سلاطين آل عثمان. هذا على مستوى المحاولات الإصلاحيّة التي بادر بها أئمة وعلماء كبار عرفوا بالمجددين، فالأئمة مالك وأبي حنيفة والشافعي والبخاري ومسلم وأحمد بن حنبل، وأسد بن الفرات والغزالي وشيخه إمام الحرمين وأبو الحسن الأشعريّ وغيرهم مرورًا بالإصلاحيين الذين عرفهم تاريخنا؛ أمثال عبد القادر الجيلاني، وابن تيمية ومدرسته حتى القرن التاسع عشر، الذي شهد أيضاً محاولات بعض مشايخ الأزهر، وبعض كبار العلماء في العالم الإسلاميّ مرورًا بالأفغاني والكواكب ومحمد عبده ورشيد رضا، والنائيتي والدهلوي والشوكاني وسواهم.

إن بين يدي الراغبين في الإصلاح في عصورنا هذه تجارب وتراث إصلاحي يستطيع ان يمدنا بكثير من الخبرات والتجارب التي يمكن الاستفادة من بعضها وتحويلها إلى رصيد فكري ومنهجي يثري خبرات الأجيال الطالعة ويقودها بعيدا عن اتجاهات العنف وثقافة التوحش المستوردة وما إليها، وقد يكون أساتذة التاريخ والعلماء القادرين على إبراز تلك الإضاءات وتعميق الاحساس بها وإيضاح ما فعله رجال الفكر والدعوة وقادة اتجاهات الإصلاح من آثار طيبة حققت كثيرا من الانجازات.

فلعل المتخصصين يوجهون شيئا من طاقاتهم لبحث هذه الجونب وإبراز النماذج المعرفية الكامنة وراءها فذلك من أكثر الأمور إعانة على إثراء خبرات الشباب المسلم وحسن توجيههم وانقاذهم من ثقافة التوحش والتمرد وما إليها.

-----------------------------------------

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.">عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أمين الريحاني والتجدّد العربي بعد مائة عام...!

كيف نقرأ رؤية الريحاني للتغيير في المجتمع العربي
الدكتورة نجمة حجّار*
أحب أولا أن أثني على جهود "مركز الحوار العربي" في العاصمة الأميركية، وعلى الاهتمام بدور الفكر والمفكرين في المجتمع العربي. أشكر بشكل خاص مي الريحاني وصبحي غندور للجهد الذي بذلاه لتنظيم لقاء الليلة. ويسعدني ويشرفني التحاور معكم حول رؤية أمين الريحاني في التجدد والتغيير العربي. فالريحاني كان كاتبًا ومفكرًا فعّالاً في عصره وبيئته. ولا شك أنه في حياته وأعماله وروحه وفكره وأدبه ما زال، حتى بعد مئة سنة، نموذجًا للمفكّرين الفاعلين الذين نتطلع اليهِم "لإعادة تصويب البوصلة" كما قال كلوفيس مقصود في كتابه من زوايا الذاكرة (ص13) وصبحي غندور في مقالته الأخيرة، ولإحداث التغيير المنشود في الوطن العربي.
من المفيد أن نقرأ رؤية الريحاني في التجدد العربي في سياق حياته وتكوّنه الفكري بين مؤثرات غربية وعربية استفاد منها وانتقدها في الوقف نفسه؛ وفي سياق عصره والبيئات التي كان يتحرك ويعمل فيها بين الشرق والغرب. وفي حوار الليلة، سأحاول التركيز على الأسئلة والآراء التي طرحها الريحاني، والتحديات التي استجاب لها. وطبعًا، لا بد لنا ونحن نواجه قضايا التغيير العربي، والأزمات المصيرية الوجودية، من أن نسأل أنفسنا، إلى أيّ حد يمكننا أن نتعلم من رؤية الريحاني وسيرته الفكرية لخدمة مجتمعاتِنا العربية والإنسانية في هذا العصر؟
"إنها بداية الربيع العربي" (أمين الريحاني، كتاب خالد، صدر سنة 1911).
هكذا منذ مائة عام أطلق أمين الريحاني حلمه بالتجدّد العربي. من قلب العالم العربي، في الجامع الأموي بدمشق، أعلن بطله "خالد" بداية التغيير لإحياء مجد العرب والإسلام. كفّروه. من أين لابن لبنان العائد من نيويورك أن يتكلم بلسان العروبة؟ ترك "خالد" الميدان. وبقي الريحاني على ثباته! ما لبث يكرر: "أنا لبناني متطوّع في خدمة البلاد العربية، وكلنا منها. وإني عربي متطوّع في خدمة الإنسانية، وكلنا منها" (التطرّف والإصلاح).
بهذه الحيوية والشجاعة والثبات، أعلن الريحاني انتماءه إلى الوطن العربي والوطن الإنساني معًا، والتزامه بخدمة العرب والإنسانية جمعاء. كلمة قالها مرارًا ودعا سائر العرب ليجعلوها شعارهم في الحياة. طبعًا لا يمكن أن نفهم كلمة الريحاني على أنها تناقض أو تذبذب في الانتماء، ولا بمعنى "أزمة الهوية" التي يعانيها الكثير من عرب اليوم، المغتربين والمستغربين والمغرَّبين (كل لفظة تعبر عن فئة من العرب الذين استوعبتهم بلاد الغربة، أو أولئك الذين تغرّبوا واغتربوا وهم في بلادهم).
إنما تعبر كلمة الريحاني عن اعتزازه بهويته الديناميكية وبإنسانيّته الفكرية. على الرغم من الهجرة، أو ربما بسبب الهجرة ومعاناة النفي عن الوطن (أو حتى داخل الوطن)، وبسبب الأحداث العالمية التي عاصرها وعاشها، ما تردد الريحاني يومًا في توكيد التزامه بقضايا الوطن العربي والمجتمع الإنساني. فكما أن حبه للبنان، أرض مولده، لم يتعارض أبدًا مع ولائه للوطن العربي الأكبر، كان هذا الولاء والحب أساس إخلاصه في خدمة الإنسانية.
قلت "الشجاعة والثبات" لأن الريحاني عاش في عالم لا يختلف كثيرًا عن عالمنا اليوم: عالم مقسّم بين قوي وضعيف، مسيطِر ومسيطَر عليه (وربما كانت حدود التقسيم كما يراها البعض اليوم)، بين عالم متمدّن وآخر بعيد وغريب عن الحضارة والتمدن (لا بل عالم متوحّش). ككثيرين منّا نحن العرب الذين نعيش في العالم الغربي اليوم، انتمى الريحاني إلى عالم الشرق وعالم الغرب في آن واحد دون تذبذب في انتمائه إلى أي منهما. بالعكس، رغم الأزمات الكثيرة، أو بسبب هذه الأزمات التي واجهت أهله ووطنه العربي، أصبحت هويته الديناميكية أكثر حضورًا وأصبح هو أكثر ثباتًا وإصرارًا على خدمة القضايا العربية والنضال في سبيل الحق العربي في المحافل الدولية، ومن موقعه كمفكِّر وناشط عربي، وإن كان يعتزّ بجنسيته الأميركية المكتسبة.
هذه الرؤية الإنسانية إنما هي ردّة فعل إيجابية على تشكّل شخصية الريحاني في عالمين وثقافتين مختلفتين. فحياته وتجربته الفكرية تعكس اجتهاده الثابت والعنيد لإقامة نوع من التوازن في انتمائه الشرقي-الغربي معًا في علاقة ديناميكية تهدف ليس فقط إلى الانشغال بقضايا الشرق والغرب ولكن أيضًا إلى تقريب هذين العالمين الواحد من الآخر وتفعيل علاقتهما لما فيه مصلحة شعوبـهما ومصلحة الإنسانية.
لم يكن الريحاني قد بلغ الثانية عشرة من عمره عندما هاجر إلى الولايات المتحدة سنة 1888، من بين أوائل اللبنانيين والسوريين الذين هاجروا بحثًا عن مساحة من الحرية وفرص لحياة أفضل في العالم الجديد. بدل اللجوء إلى حياة العزلة والانعزال، انخرط الريحاني في الثقافة العالمية لمدينة نيويورك، فانشغل بالفنون (التمثيل والرسم والكتابة)، بالإضافة إلى كل ما تقدمه نيويورك من وسائل اللهو والحياة الليلية الصاخبة. وفي نفس الوقت التزم ببرنامج صارم وضعه للتثقُّف بمطالعة الآداب العربية والغربية. هكذا وبعكس توقعات عائلته والتقاليد السائدة في أوساط المهاجرين العرب، خطّ الريحاني طريقه في عالم الكتابة والفنون في أميركا وأصبح أول مفكِّر عربي ثنائي اللغة وأول كاتب باللغتين العربية والإنكليزية في المهجر الأميركي. فهو ليس فقط مؤسس أدب المهجر، لكنه برأيي الأب الروحي والفكري للأدب الأميركي-العربي.
بعد أكثر من عشر سنوات على رحلته الأولى إلى نيويورك عاد الريحاني إلى وطنه الأول. وتكرّرت عوداته ورحلاته بين العالم الجديد والعالم القديم كان أهمها رحلته في الجزيرة العربية (1922-1923) لــ"تمهيد السبيل إلى التفاهم" فيما بين العرب، ورحلاته الأميركية (في السنوات 1929 و1939) دفاعًا عن حق العرب في فلسطين. وقد عززت رحلته العربية تحوّله من ماروني من جبل لبنان يخاف "بعبع" العرب إلى وطني قومي عربي في خدمة قضيتهم التي أصبحت "قضيته" (ملوك العرب). أما في رحلاته الأميركية فكان أول عربي يقف على منابر الجمعيات والجامعات الأميركية، الإنكليزية، محذرًا من "نكبة فلسطين بالصهيونية" (المغرب الأقصى)، قبل حوالي عشرين سنة من نكبة 1948.
أثناء تجواله في عوالم الشرق والغرب، نمت شخصية الريحاني في خطين متوازيين، انفتاح فاعِل على الثقافة الغربية، والتزام فعلي بالقضايا العربية. فتنته الحرية الأميركية فسألها: "متى تحولين وجهك نحو الشرق أيتها الحرية؟ . . . متى تدورين مع البدر حول الأرض لتنيري ظلمات الشعوب المقيدة والأمم المستعبدة؟" (الريحانيّات) لكن استبداد الرأسمالية ومساوئ الديمقراطية الليبرالية، كما خبرها في أميركا، أقلقته. فانتقد تمدن أهل الغرب المؤسَّس على "الاستئثار" و"روح التجارة الخبيثة"، لأن مثل هذا التمدن برأيه "لا يولد إلا الظلم والرذيلة" (الريحانيّات). في نفس الوقت، تفاعُل الريحاني مع المجتمعات العربية في الوطن والمهجر، نبّهه إلى مشكلات التخلّف والجهل والتعصّب في هذه المجتمعات، وإلى الهيمنة الاستعمارية الغربية على الثقافة ومصير الشعوب العربية. وهكذا التزم فكريًا وفعليًا ببرنامج للعمل والكفاح الجاد الدؤوب، فكتب المقالات في الصحف العربية والإنكليزية، وألقى المحاضرات في أميركا وأوروبا والعالم العربي، ونشر العديد من الكتب في فنون أدبية جديدة ومتعددة كالشعر والرواية والقصة القصيرة والمسرح والمقالة، وكتب باللغتين في مواضيع فكرية متنوعة كالنقد الأدبي والفني والتاريخ والفلسفة والفكر الاجتماعي والسياسي، بالإضافة إلى كتب الرحلات والسيرة والرسائل.
لا شك أن معاناة المهاجرة الدائمة وتحدياتها (مع كل ما تحمله عملية المهاجرة من آلام الانسلاخ عن الوطن والتأقلم في الوطن الآخر)، هي التي ميّزت الريحاني عن سائر أدباء المهجر في زمانه، ولا أبالغ بالقول في زماننا. ولا شك أيضًا أن تثقُّف الريحاني على كبار الأدباء والمفكِّرين في الشرق والغرب، ودخوله معهم في حوار وجدل فكري (في تعليقاته على هوامش مطالعاته وفي كتاباته)، أهّله لأن يكون المحاور الأول بين ثقافة العرب والغرب. تفاعلُه مع الثقافة الغربية (قراءة ونتاجًا)، وبشكل خاص ملكته للغة الإنكليزية مكّنته من التحاور مع جمهور غربي مثقَّف يجهل الكثير عن الثقافة العربية. وفي نفس الوقت، تعمقّه المعرفي بالثقافة العربية ونهله اللغة من ينابيعها الأولى أتاح للريحاني التحاور بلغته الأم مع فئات واسعة من العرب على مختلف المستويات والاهتمامات الفكرية والسياسية.
ربّما لكل هذه العوامل، ولحكمته ومعرفته الموسوعية لقّب الريحاني في زمانه بـ"فيلسوف الفريكة". طبعًا لم يكن الريحاني فيلسوفًا بالمعنى التقليدي للكلمة، لكنه كان بحق مفكِّرًا متعمقًا حكيمًا. لا شك أنه برؤيته الفكرية الواسعة وبتصوّره لمجتمع متكافئ قائم على أسس الحرية والحق والعدالة الانسانية، وجهادِه لتحقيق هذه الرؤية، ارتفع الريحاني إلى مصاف الفلاسفة والمفكّرين العالميين الذين أعجب بهم أمثال أبي العلاء المعري وتولستوي.
وضع الريحاني لنفسه شعار "قل كلمتك وامشِ" وعاش بموجبه. لم يكتفِ بالقول لأن الكلمة عنده هي بداية العمل الذي لا يكل.
في العام 1935، ردّ الريحاني على استفتاء أجرته مجموعة من شباب الجامعة الأميركية نصه، "ما هو هدفكم الأسمى من جهادكم، وكيف ترجون الوصول إلى هذا الهدف؟" بالمختصر المفيد كتب، "هدفي في الحياة: أن أبذل ما في طاقتي كتابة وخطابة وعملاً لتحرير الإنسان من قيود الجهل والفقر والخوف، وتخفيف الآلام البشرية وإزالة الأوهام والأضاليل في العقائد والتعاليم السياسية والاجتماعية والدينية. ووسيلتي إليه: الفكر الحر والبحث الحر والقول الحر مجردًا من كل تحزب وتعصب وأهواء شخصية" (الريحانيّات).
كما ناقشت في دراساتي عنه، أقول إن الريحاني مفكِّر عضوي ملتزم. في غايته لتحرير الإنسان من القيود الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وفي أسلوبه في معالجة القضايا التي شغلته تميّز الريحاني المفكِّر الفاعِل عن مفكِّري زمانه، وكثيرين من مثقَّفي عصرنا من حملة الشهادات الجامعية. ما يتفرّد به الريحاني أن رغبته الصادقة في خدمة البشرية أينما كانت رافقتها ثقة أكيدة بالنفس وشعور بالواجب بتوجيه الانتقاد لثقافتي ومجتمعي الغرب والشرق لكشف عيوبهما والاستفادة من حسنات كل منهما. هذا النقد المزدوج البنّاء هو المبدأ الذي قامت عليه فكرة التقدم عند الريحاني، وهي فكرة أساسية في تصوّره للتجدّد العربي والتغيير.
الجدير بالذكر أن النقد المزدوج والتبادل الحضاري (التبادل الثقافي والمعرفي على أسس حضارية كالتساهل والاحترام المتبادل)، من أهم الأفكار التي تطورت عند الريحاني مع ارهاصات التغيير في الوطن العربي في أوائل القرن العشرين، وهي من أكثر أفكاره ثباتًا واستمرارية. عام 1913 كتب من نيويورك لـ"صديق عزيز" في مصر، "إني في بلاد الغربة لا ارى حسنة من حسنات التمدن إلا وأتمناها لبلادي . . . وأعد نفسي سعيدًا إذا تمكنت وإياك وإخواننا المفكِّرين المخلصين من رفع نقاب الجهل الكثيف ليرى العرب شيئًا من نور العلم الذي هو أساس المدنية الجديدة. إني أتمثل دائمًا أمة عربية ناهضة عاملة مستيقظة، لا تنفر من الأوروبيين ولا تخشاهم، بل تقف أمامهم معتمدة على نفسها مستقلة بأمرها، . . . أمة أبيّة، كريمة، عزيزة، ظافرة، كسائر أمم الغرب صاحبات الصولة والاقتدار. وإننا لا نفوز بأمنيتنا هذه إلا إذا اقتدينا باليابانيين، فنأخذ عن أوروبا حسناتها فنضمها إلى حسناتنا، ونعززها بالسعي والعمل والجد والنشاط" (رسائل أمين الريحاني). لم يتخلَّ الريحاني عن فكرة التبادل الثقافي. بل بقي ثابتًا في إيمانه وتفاؤله بأن التبادل الحضاري هو السبيل الأضمن ليحقق العرب التقدم والتغيير المنشود والفوز في معركة الحضارة، معركتهم في الداخل والخارج، مع الذات ومع الأمم الشرقية الأخرى (إيران مثلاً) ومع الغرب (القوميّات).
من هذا المنطلق يجب أن نفهم نقده المزدوج لما في الثقافتين والمجتمعين من سيئات. والأهم من هذا أسلوبه الجريء والعنيد في انتقاد ما رآه معوّقًا لمسيرة التقدم الحضاري. في العالم العربي، انتقد الريحاني بشدة وثبات كل أشكال التعصب الديني والطائفي والمذهبي والقبلي والإقليمي. رفض الفينيقية اللبنانية والفرعونية المصرية والمارونية السياسية والوحدة الإسلامية السورية وفكرة الوحدة الإسلامية باعتبارها كلها أيديولوجيات انعزالية. في نفس الوقت هاجم الاستعمار الأوروبي واستعلاء الغرب، وانتقد خطاب الاستشراق (أو بعض مظاهره) ومدارس الإرساليات الأجنبية والمؤسسات الطائفية في الوطن العربي. كما استنكر تشرذم العرب ورضوخهم للسياسات الأوروبية الهادفة إلى التفرقة فيما بينهم لتعزيز سيادة الاستعمار والامبريالية في الوطن العربي.
لم يفوّت الريحاني أي فرصة لرفع صوته بالنقد البنّاء. الواقع الاجتماعي والسياسي، الظلم والجهل والتخلف والانشطارات في الوطن العربي كلها شددت من عزمه على الفعل والالتزام بالقضايا الوطنية. كتب وحاضر ونظّم جمعيات ثقافية وسياسية، وفاوض السياسيين والناشطين في العمل السياسي؛ نظم المظاهرات و"أيام الغضب" وشارك بالمقاومة السلمية والإضرابات والمقاطعة الاقتصادية. تعرّض للنفي والتهميش. أُحرقت كتبه وصودرت ومُنعت في عدد من البلدان العربية. ومع ذلك بقي هذا الناشط الحر والسياسي "غير المحترف" ثابتًا في مواقفه، مثابرًا على العمل لتحقيقها. لم ينتمِ إلى أي حزب أيديولوجي أو سلطة سياسية أو نظام حكم واستمر في طرح الأسئلة المحرجة والوقوف إلى جانب الحق في مواجهة ذوي السلطة أيًا كان شكلها دينية أو فكرية أو سياسية.
أود التوقف هنا عند موقف الريحاني من القضية الفلسطينية ودفاعه الشجاع عن حقوق الفلسطينيين في أرضهم، ومناشدته الملوك والرؤساء العرب للوقوف بوجه المخططات الصهيونية في فلسطين. صحيح أن الريحاني لم يعش ليرى النكبة التي حذّر منها. لكن ما يحصل في فلسطين والعالم العربي اليوم، يزيد من تقديرنا لجهد الريحاني الفكري والفعلي، خاصة فهمه المتعمق للأوضاع السياسية الداخلية والإقليمية والدولية، وتحذيره من انقسامات الفلسطينيين، ورؤيته الواضحة للسلام العالمي انطلاقا من السلام في فلسطين.
انشغل الريحاني بإشكاليات التغيير في الوطن العربي. لكنه تفرّد (عن معاصريه ومعاصرينا) برؤيته التقدمية (بالمعنيين تصوره لسبل التقدم وريادته الفكرية) للتجدّد العربي والتحرّر من قيود التخلّف واستعمار الغرب من جهة، وجهاده الفكري والسياسي لتفعيل العلاقة بين العرب فيما بينهم ومع العالم الغربي من جهة ثانية. عاش الريحاني في زمن وصل فيه استعمار الغرب للوطن العربي أقصى درجاته. أدرك بدقة ملاحظته أن أخطر العقبات التي تحول دون التغيير في المجتمع العربي هي حالة التخلّف والتشرذم والتجزئة السياسية التي سببتها الانقسامات الطائفية والقبلية والإقليمية، بتشجيع من سياسة "فرّق تسد" التي اعتمدتها القوى الأوروبية العظمى. وأيقن أن الروح العربية القومية هي خلاص العرب وأن الوحدة الوطنية هي السبيل الوحيد لمواجهة التحديات الداخلية والتحرر من استبداد الاستعمار وسياسات التوسع الغربي.
نادى الريحاني ببناء مجتمع عربي على أسس ديمقراطية (كالمساواة بين الطوائف والأديان وبين الرجال والنساء)، وبإقامة علاقات متكافئة للتعاون الثقافي والسياسي بين العالم العربي والغرب. وشدّد على أن تقوم علاقات العرب فيما بينهم ومع الغرب على مبادئ الحق والعدالة والاحترام المتبادل. حلم الريحاني بمجتمع عربي عَلماني موحد يقوم على مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص والحرية التي اعتبرها من حقوق الإنسان المشروعة، وعمل على بناء هذا المجتمع (لو أنه استخدم لفظة "عَلماني" و"عَلمانية" فقط في سياق الحديث عن التعليم والمدارس) (القوميّات). بذل جهدًا جبّارًا لمساعدة العرب في تحقيق التنمية الاجتماعية والتقدم الثقافي والاقتصادي والوحدة الوطنية. وحثهم في نفس الوقت على مباشرة حوار ثقافي فاعل وايجابي وبنّاء فيما بينهم اولاً ومع المجتمعات الغربية من جهة ثانية.
أصر الريحاني على أنه يستحيل على العرب تحقيق التغيير الحقيقي والتقدم ما لم يتوحدوا. والوحدة مستحيلة ما لم تحل الهوية الوطنية الشاملة محل الهويات المذهبية والمحلية الضيقة. لذا ناشد العرب بتنمية الروح الوطنية والقومية العربية غير الدينية لمواجهة الولاءات الطائفية والمحلية والقبلية. هذه الروح الجامعة الشاملة هي العروبة العلمانية. هي برأيه التي ستقود العرب إلى النصر في معركتهم من أجل التقدم والتحرر من الاستعمار، وهي التي ستعيد إليهم مجدهم ومكانتهم بين الأمم المتحضرة ليساهموا مجددًا في الحضارة الإنسانية العالمية.
على هذا الأساس أصر الريحاني على بناء دولة عربية عَلمانية يتساوى فيها كل المواطنين في الحقوق والواجبات. في الدولة الوطنية القائمة على فصل الدين عن الشؤون الزمنية والسياسة، رأى الريحاني الحل لمشكلة الأقليات التي استغلتها الدول الاوروبية لتثبيت الاستعمار في الوطن العربي. فالعروبة وحدها (وهي عنده فكرة ثقافية لا اثنية ولا عرقية)، يمكن أن تمنح المسيحيين والأقليات الأخرى حق المواطنة وتؤسس لدولة يتساوى فيها جميع المواطنين. هذا التركيز على الحرية والمساواة وتكافؤ الفرص كمبدأ أساسي للوحدة هو أهم ما يميز رؤية الريحاني الإنسانية للقومية العربية.
والجدير بالملاحظة أن مفهوم الريحاني للوحدة مفهوم عملي وديناميكي. فتصورّه للوحدة تطوّر خاصة بعد الحرب العظمى من الوحدة الوطنية الصغرى بين لبنان وسوريا (بما فيها فلسطين) من جهة، ووحدة الجزيرة العربية من جهة ثانية، إلى الوحدة القومية العربية الكبرى، أي الوحدة الثقافية والجغرافية والسياسية بين بلدان المشرق العربي. فالوحدة العربية القومية إذن تطور طبيعي وضروري لتحقيق مستقبل عربي أفضل. لذا يجب أن تتم تدريجيًا على أسس ديمقراطية تحترم حرية وإرادة كل الشعوب العربية المعنية بالوحدة، بالإضافة إلى احترام خصوصيات هذه الشعوب ومصالحها.
تجدر الإشارة هنا إلى براغماتية الريحاني وتصوره العملي للوحدة العربية. ففيما يخص نظام الحكم السياسي أصرّ على أن يتناسب مع ظروف البلدان العربية وخصوصياتها الثقافية والاجتماعية والسياسية (مثلاً الملكية الدستورية تتناسب مع أوضاع الجزيرة العربية بينما النظام الجمهوري البرلماني يناسب لبنان وسوريا). ومن الناحية العملية وضع الريحاني عددًا من الشروط اللازمة لتحقيق الوحدة. ففي الجزيرة العربية مثلاً حث على تطوير المؤسسات السياسية والبنى التحتية وتنمية الطاقات البشرية بالتربية والتعليم. وفي لبنان وسوريا أصر على ضرورة تأسيس حكم مدني ديمقراطي وعلى التنمية الاقتصادية والتحرر من الانتداب الفرنسي ومن الهيمنة الثقافية الغربية. هذه الشروط مرتبطة بشكل مباشر بفكرة التقدم عند الريحاني، وبمبادئ الحرية والعدالة والمساواة التي أصر على أنها شروط جوهرية بدونها لا يمكن بناء الأمة العربية الجديدة. وبرأيي، هذا الإصرار هو الذي يجعل من الريحاني رائد الديمقراطية وحقوق الإنسان في الخطاب العربي القومي المعاصر.
ليس فقط لريادتها ولكن ربّما أيضًا بسبب عمليتها وواقعيتها، ما زالت الأفكار التي طرحها الريحاني لمواجهة تحدّيات التغيير منذ مائة عام تتردّد في الأوساط الفكرية. ويرى فيها البعض حلولًا ممكنة لكثير من القضايا العربية المعاصرة خاصة في إطار حركات التغيير الديمقراطي والثورات والانتفاضات التحرّرية التي يشهدها الوطن العربي اليوم. ولا شك أن رؤية الريحاني العلمانية المنفتحة على الثقافات والشعوب الأخرى، خاصة في إطار البحث عن السلام في العالم، هي رؤية بديلة لأيديولوجيا التطرف سواء في الخطاب الديني والمذهبي والطائفي، أو خطاب "صراع الحضارات" الذي يروّج له بعض المستشرقين والاستراتيجيين في الغرب (ومنهم أولاد عرب!)
لا شك أن الشعوب العربية بدأت نضالها من أجل النهضة والتغيير منذ قرنين من الزمن. لكنها لم تصل إلى غايتها المنشودة بعد. رغم الحراك الشعبي والثورات، ومع العنف الذي يعيشه العالم العربي اليوم، تجد الشعوب العربية نفسها، أكثر من أي وقت مضى، عاجزة عن تقرير مصيرها في عالم يسيطر عليه الآخرون. ولا شك ايضًا أن "الأصدقاء" في الخارج مدّوا يد المساعدة، في أكثر من مناسبة، لـ"تحرير" الشعوب العربية. أثناء الإعداد الأميركي لغزو العراق بحجّة التحرير وإحلال الديمقراطية (سنة 2003)، انتقد المفكِّر الفلسطيني الأميركي إدوارد سعيد السياسة الأميركية قائلاً، "إنهم يجعلون من الديمقراطية مسألة تافهة عندما يدّعون أن هذا ما يفعلونه في الشرق الأوسط. لا أعتقد أنه حدث في التاريخ أن تحققت الديمقراطية بالقصف والغزو. لا شك أننا مقبلون على أوقات عصيبة" (E. W. Said, Culture and Resistance, 144).
سبق الريحاني إدوارد سعيد إلى مثل هذا التحذير بأكثر من سبعين سنة. في الثلاثينيات، خاصة بعد أن انكشفت نوايا الحليف الغربي على أرض الواقع العربي، وانقلبت المساعدة الصديقة إلى حماية ووصاية وانتداب واحتلال، حذّر الريحاني الدول الغربية من سياسة التدخل والهيمنة الثقافية والسياسية في العالم العربي. رغم اعتزازه بجنسيته الأميركية المكتسبة وما تقدمه أجواء الحرية في أميركا، حذّر من أنه لا يمكن فرض الحرية والديمقراطية بالقوة سواء بثورة من الداخل أو باحتلال من الخارج. كعربي عاش في الشرق والغرب، وكمواطن أميركي استفاد من الفرص التي أتاحتها الديمقراطية الأميركية، على سيئاتها، حلم الريحاني بتأسيس مجتمع عربي ديمقراطي بمساعدة غربية (خاصة في مجال العلوم والتكنولوجيا والإدارة). واجتهد فكرًا وفعلاً لمساعدة العرب شعوبًا وحكومات لبناء هذا المجتمع حتى يساهموا في الحضارة الإنسانية ويستعيدوا دورهم الفاعل بين الأمم. لكنه أصر على أن التغيير لا يمكن أن يفرض عليهم من الخارج بل يجب أن ينبع من الداخل وبالأخص من داخل ذواتهم.
في محاضرة ألقاها أمام جمهور أميركي مثقَّف في جامعة إلانوي سنة 1930، حذّر الريحاني الغربيين من فرض مفهومهم للحرية والديمقراطية على العرب والمسلمين، "ليس قبل أن تنمو قدراتهم الفكرية ... وعلى كل حال من الخطر فرض التغيير عليهم بالقوة." وشدّد على أن السبيل الوحيد لتحقيق التقدم والحفاظ على السلام العالمي هو "التفاهم والاحترام المتبادل" بين الشعوب والأمم "بغض النظر عن الطبقة أو الدين أو العرق أو اللون." بلغة إنكليزية بليغة وأسلوب ساخر قال لسامعيه، "إذا فرضتم علي وجهة نظركم بواسطة التشريع أو الدين ستجعلون مني عبدًا أو منافقًا أو حمارًا، هذا إذا قبلت تشريعكم أو دينكم. إما إذا لم أرضخ ولجأتم أنتم إلى القوة فستحصل اضطرابات وصراع وثورة وحرب" (Rihani, The White Way and the Desert, 21). باعتبار إيـمان الريحاني الراسخ بمبادئ الحرية والمساواة بين الشعوب، لا يمكن فهم قوله على أنه معاد للديمقراطية أو للحرية؛ ولا انتقاده للغرب كموقف معادٍ لأميركا كما قد يفسَّر في الأجواء الراهنة.
يجب ألا يغيب عن بالنا أن الريحاني عاش ذروة الزمن الامبريالي. معاينته للاستعمار بمختلف أشكاله، المكشوفة وغير المعلنة، زادت من قناعته بأن مبادئ العدالة الغربية التي أعجب بها لم تطبقها القوى العظمى على الأمم الصغرى (وهذا ما توصل إليه بعض المفكِّرين العرب أمثال إدوارد سعيد وكلوفيس مقصود وهشام شرابي وحليم بركات في أميركا، وأحمد الشبول في أستراليا، وغيرهم بعد أكثر من سبعين سنة).
عانت الشعوب العربية من الهيمنة الغربية على مقدراتها ومصيرها منذ أكثر من مائتي سنة. والريحاني كان المفكِّر الوحيد في عصره الذي جسّد في حياته وفكره ونشاطه عمق هذه المعاناة الجماعية على مستوى البلاد العربية كلها. من هذا المنطلق رأى أن الاستعمار الغربي (السيطرة السياسية والهيمنة الثقافية)، أعظم النكبات التي ألـمّت بالعرب في تاريخهم الحديث.
النضال ضد الحكم الأجنبي لم يصرف الريحاني عن معركة العرب الداخلية من أجل الحرية السياسية والعدالة الاجتماعية والاقتصادية والتقدم الثقافي والفكري. من هنا كان نقده المزدوج للامبريالية الغربية وللجمود والتخلّف العربي. بمعرفته الواسعة وخبرته العميقة أمل الريحاني في إحداث تقدّم على الصعيد الداخلي (في السياسة والاقتصاد والمجتمع)، وتغيير في النظرة المتبادلة والعلاقة بين العالمين الغربي والعربي.
طبعًا الريحاني ابن زمانه. كان يأمل بأن تأخذ التطورات العالمية مسارًا إيجابيًا خاصة في إطار علاقات العرب فيما بينهم ومع الدول الأوروبية، وما كان يرى أنه تدخل أميركي إيجابي على صعيد الاقتصاد والسياسة. بتفاؤل المفكِّر، رأى الريحاني أن العالم مقبل ليس على "صراع الحضارات" كما تنبأ صموئيل هانتنغتون فيما بعد، ولكن على حقبة جديدة من "حوار الثقافات"، يكون له فيها الدور الفاعل.
خبراته في كل من الشرق والغرب مكنته من تقدير نقاط القوة في كل من العالمين دون أن يجهل (أو يتجاهل) نقاط ضعفهما. فالتزم برسالة هادفة إلى تقريب العالمين الواحد من الآخر وتشجيع العلاقات الايجابية بينهما. خاطب القراء والمستمعين وأصحاب الرأي والقرار لحثهم على التلاقي حول الخير المشترك والعمل على التفاهم وتبادل القيم والخبرات على أسس التساهل وتبادل الاحترام. فانشغل بتفعيل الدور العربي في الحوار الثقافي، وهو الهم الرئيسي لكثير من المفكِّرين العرب اليوم المنتشرين في بلاد الشرق والغرب.
أود التشديد على أن خطاب الريحاني الرصين ودعوته للتحاور العقلاني بين الشرق والغرب يجب ألا يصرف انتباهنا عن شجاعته الأخلاقية والتزامه الفعلي بالدفاع عن الحقوق المشروعة وكرامة الشعوب الضعيفة التي تشمل العرب. صحيح أن فكره يكشف عن ملامح صوفية وبراغماتية في آن واحد، لكن دفاعه عن كرامة الشعوب العربية وحقوقها المهدورة لم يتزعزع أبدًا.
قلت في أكثر من مناسبة إن الريحاني هو رائد اتجاه الأنسنة في الفكر العربي الحديث. وما يميزه عن كثير من المفكِّرين المعاصرين هي تلك الثقة بالنفس والجرأة التي أعلن بها تمسّكه بهويته العربية وبرؤيته الإنسانية في زمن كان فيه العرب العنصر المغلوب. ربما لهذا استحقّ لقب "فيلسوف الفريكة". ويجب ألا ننسى أنه من هذا الموقع بالذات، كمفكِّر عربي إنساني أصبح الريحاني من أبرز المدافعين عن حركة التحرّر القومية في "البلدان العربية جمعاء"، على حد تعبيره، وأول عربي على الإطلاق يدافع عن الحقوق العربية في فلسطين من على المنابر وممرات السياسة والدبلوماسية الدولية. بثبات وجرأة دافع الريحاني عن حق الشعوب بتقرير مصيرها، لأنه "حق مقدس" من حقوق الإنسان الطبيعية (وصيّتي). فعمل في سبيل استقلال لبنان وسوريا من الانتداب الفرنسي وحاضر في أميركا للرد على الإدعاءات الصهيونية والدفاع عن حق العرب في فلسطين. دفاعه عن الفلسطينيين كان نابعًا من إيمانه الثابت بعدالة قضيتهم وحقهم بالحرية كحق أساسي من حقوق الإنسان، ومن إيمانه المخلص بأن "تحقيق السلام في العالم يتوقف بنحو أو بآخر على السلام في الأراضي المقدسة" (Rihani, The Fate of Palestine, 30).
قال الريحاني إنه "بطبعه رجل سلام" (Rihani, Letters to Uncle Sam, 12). ومع ذلك ناضل ضد الاستبداد والظلم: استبداد السلطنة العثمانية، واستبداد الحكومات الوطنية في ظل الانتداب، وظلم الحكام والملوك المستأثرين بالسلطة، والظلم الذي ألحقه الاستعمار بالعرب، خاصة في فلسطين حيث حذّر من النكبة قبل وقوعها سنة 1948. مع رؤيته المسالمة دافع الريحاني عن حق الشعوب في النضال لتقرير مصيرها. وقد ارتقى دفاعه عن هذا الحق إلى أرفع مستوياته في وصيته "الفكرية" التي خطّها بيده سنة 1931 لتتلى بعد موته.
قبل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بأكثر من خمس عشرة سنة، أعلن الريحاني أن الحرية حق إنساني "مقدّس"، وحثّ الأمم المستعبدة على الجهاد في سبيلها. طبعًا هذا لا يعني أنه أعلن "الحرب المقدسة" كما يفهم "الجهاد" المتطرفون الإسلاميون وبعض المدّعين من "خبراء الشرق الأوسط". فالريحاني استخدم لفظة جهاد بمعناها الصحيح اي بذل الجهد. إلا أنه رفع الجهاد الروحي والمقاومة السلمية فوق المقاومة المسلحة (باستثناء دعوته السوريين في الحرب العظمى للمشاركة بتحرير البلاد حتى لا يحرّرها ويحكمها الأجنبي). وقد تأكدت له هذه الحقيقة خاصة بعد أن تحققت مخاوفه من نوايا الحلفاء الغربيين وأدرك حقيقة "وعود الحرب اللماعة التي خدعت كثيرين" غيره من العرب (القوميّات).
طالب الريحاني بالتغيير الثوري. لكن الثورة كما فهمها يجب أن تنبثق من داخل الأمم والشعوب، رجالاً ونساء. آمن بأن التحرّر لا يكون بالتغيير السياسي وحده، فنبّه بعد إعلان الدستور العثماني سنة 1909 إلى أنه إذا لم يحرر الإنسان نفسه من "التقية والخوف والذلة والجبانة"، "فمئة قانون ومئة دستور لا تحرره." إنها "الثورة الخلقية" تلك التي تحدّث عنها وهي التي ستُحدث "الانقلاب العظيم" والتغيير الحقيقي وتساعد في "ارتقاء" الحياة العربية. "أناشدكم بالحرية"، قال في خطاب بعنوان "الثورة الخلقية"، "إخواني! أرفعوا أعلام الآداب في البلاد، شيّدوا صروح التهذيب، أسّسوا معاهد للفنون، فإن الآداب والتهذيب والفنون هي القوى المعنوية الروحية ... التي يتوقف عليها تحرير الإنسان، وتحرير الشعوب والأمم" (القوميّات).
مهما تغيرت الظروف بقي الريحاني ثابتًا في رأيه أن النهضة العربية تتوقف "على مقدمتين جوهريتين: الأولى تستوجب " تنقية الدين وتخليصه من السياسة" كـ"شرط جوهري للإصلاح الحقيقي الذي يبتدئ فيّ وفيكم ويتدرج ... إلى رؤسائنا وحكامنا." هذا يقود إلى المقدمة الثانية وهي التربية والتهذيب كشرط جوهري للتطور الهادئ والثابت ولتنمية الشعور الخالص للوطن (القوميّات).
عندما أعلن "بداية الربيع العربي" منذ مائة سنة، كان الريحاني واعيًا أن "الشرق الجديد قد بدأ ... يلهو بلعبته الجديدة - بتقرير المصير، والاستقلال، والبرلمان، والدستور." لكنه وهو "في حال التحول" كان بحاجة إلى "طريقة أخرى غير الثورة مثلاً، هي طريقة التطور الطبيعي" التي تقضي على "أسباب التقهقر، الجهل والكسل والادعاء." كان الريحاني يأمل بإصلاح الأمة قبل السياسة، وهذا لا يكون إلا بالتربية العصرية، "التربية الحقة" القائمة على عدة أصول اختصرها بـ: "الاعتماد على النفس، كرامة النفس، حسن الظن بالناس، حرية الإرادة، الجرأة الأدبية، نبذ العقائد والتقاليد القديمة البالية، الصراحة في الصدق والقول، الاستقامة في الرأي وفي العمل، حب العدل والإنصاف واللاطائفية في السياسة وفي الآداب" (التطرّف والإصلاح). "عشرة أصول في تكوين الأخلاق العالية" تخلّق الريحاني بها قولاً وفعلاً. وهي برأيه أكثر ما تحتاجه البلاد العربية للتحرّر، لا للرمح والسيف، ولا للمدافع والمدرعات، ولا للطائرات المدمرة، بل لــ"سلاح الفكر" إذا كان لا بد من السلاح، كما أكّد في مقالة "إصلاح الأمة" (نشرت في التطرّف والإصلاح).
انشغل الريحاني بالمستقبل العربي. منذ مائة سنة أعلن أن التجدّد العربي لا يمكن أن يقوم إلا على مبادئ العقلانية والحرية والديمقراطية العلمانية. لكنه أصرّ على أن التغيير الحقيقي لا يقوم بثورة مسلحة، لا حركات دينية أو مقاومة سياسية مسلحة في الداخل، ولا معارضة داخلية أو خارجية تدعمها القوات البحرية والجوية الآتية من الشرق أو الغرب. فالثورة الحقيقية مسؤولية المفكِّرين النساء والرجال. هم روّاد الثورة الطبيعية الثابتة في الأمم الشرقية والغربية، وهم كما يقول الريحاني، "مثقِّفونا جميعًا في الشرق كنا أم في الغرب" (Rihani, The White Way and the Desert, 31).
---------------------------
*أستاذة الأدب العربي في جامعة سيدني- أستراليا
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. ">عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
هذه الدراسة قدمت في مركز الحوار العربي بمنطقة العاصمة الأميركية الأربعاء 27 أيار - مايو 2015، وقد استندت هذه الدراسة على أبحاث ودراسات منشورة وغير المنشورة حول فكر وأدب أمين الريحاني.
فيما يلي لائحة بمؤلفات الدكتورة نجمة حجّار، المنشورة بالعربية والانكليزية:
• حجّار، نجمة (تحقيق)، أمين الريحاني والتجدّد العربي: تحدّيات التغيير في الأدب والفكر والمجتمع. بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2102.
• حجّار، نجمة، "أمين الريحاني والتجديد الفكري"، أمين الريحاني والتجدّد العربي. بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2102، ص 9-39.
• حجّار، نجمة، " رؤية أمين الريحاني في حقوقيّة المرأة بين الواقع والمتخيَّل"، أمين الريحاني والتجدّد العربي. بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2102، ص 172-184.
Hajjar, Nijmeh, The Politics and Poetics of Ameen Rihani: The Humanist Ideology of an Arab-American Intellectual and Activist, London & New York, I. B. Tauris, 2010. (Hardcover book) ISBN: 9781 1 84885 266 2; (e-Book 2011) ISBN: 1848852665.
Hajjar, Nijmeh, “A Feminist Reading of Juhan: Rihani’s Avant-garde Vision of Arab and Muslim Feminism”, in Ameen Rihani's Arab-American Legacy: From Romanticism to Postmodernism, Naji Oueijan (ed.), Louaize Lebanon, Notre Dame University Press, 2012, pp. 77-116.
Hajjar, Nijmeh, “Between Patriotism and Nationalism: Ameen Rihani’s Vision for Lebanon and Syria”, in The Origins of Syrian Nationhood, Adel Beshara (ed.), London, Routledge, 2011, pp. 163-189.
Hajjar, Nijmeh, “An Arab-American Intellectual: Engaging East and West”, in Literature and Aesthetics (Sydney), Vol. 17, No. 2, December 2008, pp. 120-137.
Hajjar, Nijmeh, “An Arab-American Intellectual Engaging East and West”.

http://ojs-prod.library.usyd.edu.au/index.php/LA/article/view/4975
Hajjar, Nijmeh, “Ameen Rihani’s Humanist Vision of Arab Nationalism”, in Ameen Rihani: Bridging East and West. A Pioneering Call for Arab-American Understanding, N. C. Funk & B. J. Sitka (eds), Lanbam, Boulder, New York, Toronto, Oxford, University Press of America, 2004, pp. 134-147.
Hajjar, Nijmeh, “Ameen Rihani’s Discourse on Progress, Justice and Democracy: Dynamics of Theory and Practice”, in Kahlil Gibran & Ameen Rihani: Prophets of Lebanese-American Literature, N. Oueijan, A. Eid, C. Kfoury & D. Salameh (eds), Beirut, Notre Dame University Press, 1999, pp. 133-173.
Hajjar, Nijmeh, “Immigrant Arabic Poets and Writers and the Modern Arab Renaissance”, in Voices (Canberra: National Library of Australia), Vol. III, Winter 1993, pp. 44-50.
كتب منشورة في مواضيع أخرى:
* حجّار، نجمة، مديح النبي في الشعر والغناء العربي، غاياته وأساليبه: دراسة فنيّة نقدية. بيروت، بيسان، 2012.
*حجّار، نجمة، العربيّة لغة وحياة. بيروت، بيسان، 2005