الأربعاء 18 كانون2/يناير 2017
TEXT_SIZE

المسيحيون في البلاد العربية.. ضحايا الشرق والغرب!

صبحي غندور*

المسيحيون العرب يتعرّضون في السنوات الأخيرة لحملات إساءة وتهجير في أكثر من بلدٍ عربي، وهناك جماعات تحمل رايات دينية إسلامية تقوم بأعمال قتل وتدمير وتهجير لقرى مسيحية عربية، كالذي حدث مؤخراً في العراق وسوريا.

فالمسيحيون العرب هم الآن ضحية في حالتين: أنّهم أولاً من مواطني هذه البلدان التي تشهد حروباً وتدميراً لكلّ ما فيها، وهم أيضاً مستهدَفون من قبَل جماعاتٍ متطرّفة، فقط لكونهم من أتباع الديانة المسيحية.

والتساؤل عن مستقبل الوجود المسيحي العربي ليس وليد الحاضر فقط، وما يتميّز به هذا الحاضر من ممارساتٍ إجرامية وتصاعدٍ في حدّة الطروحات العصبية الدينية بأكثر من بلد عربي، بل تعود جذوره إلى سنواتٍ بعيدة في الزمن، وقريبة في الاستحضار الذهني. فالمسيحي العربي يتذكّر ما قاله الأجداد عن سنوات الذلّ أيام حكم الأتراك العثمانيين.. والمسيحي العربي يتأثّر بالتحريض الحاصل من أجل تكريس الانفصال بين الأجزاء المكّونة لجسم الأمّة العربية.. والمسيحي العربي يسمع ويشاهد ويلمس وجود تيّارات دينية متطرّفة تطرح عليه إمّا تحدّي القتل أو التهجير.. فمن حقّ المسيحيين العرب الخوف على الحاضر وعلى المصير معاً.

وللأسف، هناك أيضاً مفاهيم وأفكار تتحدّث الآن عن المسيحيين العرب وكأنّهم غرباء عن هذه الأمّة وأوطانها، أو أنّ حالهم كحال الأقليات الدينية التي وفدت لبلدان العرب من جوارهم الجغرافي، مثل الأرمن، علماً بأنّ الوجود المسيحي العربي سابق لوجود الدعوة الإسلامية، وهم (أي المسيحيون العرب) أصل سكان هذه البلدان تاريخياً، كما هو حال مصر والعراق وبلاد الشام.

إنّ الوجود المسيحي على الأرض العربية تزامن مع الوجود الإسلامي لأكثر من ألفٍ وأربعمائة سنة. وذلك وحده كافٍ ليكون شهادةً للاثنين معاً ضدّ كل دعاة الانفصال أو التذويب أو التهجير.

إنّ ما هو قائمٌ الآن من ممارساتٍ سيّئة بحقِّ بعض المسيحيين العرب في عددٍ من البلدان العربية ليس حصيلةَ التدخّل الأجنبي والعملاء وأجهزة المخابرات فقط، بل هو أيضاً نتاج الفهم الخاطئ لدى غالبية العرب للدين وللعروبة ولمفهوم حقوق المواطنة.

والأمر لا يقتصر على سوء العلاقة بين المسلمين والمسيحيين العرب فقط، بل هو قائم بين المسلمين أنفسهم أيضاً بما هم عليه في عموم العالم الإسلامي من تعدّد في المذاهب والأعراق والإثنيات. فلو اقتصرت الظاهرة الانقسامية المرضية الموجودة الآن على مسألة العلاقة بين المسلمين والمسيحيين حصراً لَصحَّ الاعتقاد عندها بأنّها مشكلة "الوجود المسيحي العربي" فقط، لكن مرض الانقسام ينتشر الآن في كل خلايا جسم الأمّة العربية، وهو يعبّر عن نفسه بأشكال مختلفة بين الخيوط الملوّنة التي تؤلّف نسيج الأوطان العربية.

هي إذن بلا شك أسبابٌ متعدّدة لما نراه اليوم من خوف مسيحي عربي مشروع على الحاضر والمستقبل. بعض هذه الأسباب خارجي مفتعل، وبعضها الآخر عربي داخلي كانعكاسٍ لحال التخلّف الفكري والسياسي السائد في هذه المرحلة. وهي حتماً ليست مشكلة "حقوق المواطنة" للمسيحيين العرب فقط، بل هي مشكلة غياب "المواطنة السليمة" لكلّ العرب بمختلف تعدّدهم الديني والإثني.

لكن ربّما من المهمّ أن يدرك العرب كلّهم، بغضّ النظر عن ديانتهم وطائفتهم، أنّ المشروع الرامي إلى تقسيم الكيانات العربية الراهنة وإقامة دويلات جديدة في المنطقة على أساس ديني ومذهبي وإثني، يتطلّب الشروع أولاً بتهجير المسيحيين العرب، لما يعنيه ذلك على المستوى العالمي من "مشروعية" لفكرة وجود دول في "الشرق الأوسط" على أساس ديني، كما هو المطلب الإسرائيلي حالياً من العالم كلّه، ومن العرب والفلسطينيين خصوصاً، بأن يحصل الاعتراف بإسرائيل كدولة دينية يهودية. وهذا الأمر، لو آلت الأحداث إليه، فستكون المنطقة العربية عبارةً عن إمارات دينية وإثنية متصارعة فيما بينها، ولكن تدور كلّها في الفلك الإسرائيلي الأقوى والأفعل والأكثر استفادة من هكذا مشروع للخرائط الجديدة في المنطقة. وحتماً لن يكون هناك عندئذٍ حديثٌ عن دولة فلسطينية مستقلّة، ولا عن حقوق ملايين اللاجئين الفلسطيين بالعودة إلى أراضيهم، وسيكون العرب قبائل متناحرة لا شعوباً لأوطان واحدة متعدّدة الانتماءات الطائفية والإثنية.

لذلك، فإنّ التمييز بين ما تريده إسرائيل وبين ما تقوم به بعض الجماعات الإرهابية بأسماء إسلامية لم يعد ممكناً، بل إنّ هذا يطرح تساؤلاتٍ خطيرة عن طبيعة هذه القوى ومدى ارتباطها بأجهزة المخابرات الإسرائيلية التي سبق لها أن دسّت قيادات في العديد من المنظمات العربية والإسلامية، تماماً كما تفعل إسرائيل حتّى مع أصدقائها في العالم حيث شبكة العملاء الإسرائيليين تصل إلى مستوياتٍ عالية.

إنّ صيغة "المواطنة المشتركة" المتساوية في الحقوق والواجبات ليست "حقّاً" للمسيحيين العرب فقط، وليست "واجباً" على المسلمين العرب فقط، بل هي مسؤولية مشتركة فرضتها الإرادة الإلهية التي اختارت الأرض العربية لتكون مهد كلّ الرسل والرسالات السماوية؛ فالحفاظ على هذه الصيغة، امتحانٌ لكلّ العرب في كيفية الفهم الصحيح للدين وللهوية الثقافية المشتركة، وفي مدى الانتماء الوطني والحرص على أولوية المصالح الوطنية والعربية.

هو موضوعٌ حيويٌّ هام يمسّ وحدة المجتمع العربي، ويطال المداخلات الأجنبية التي سعت ماضياً وحاضراً إلى السيطرة على المنطقة العربية، وإلى تجزئتها ومصادرة ثرواتها وتغيير هُويّة بلدانها من خلال شعارات "الحماية الأجنبية للطوائف والأقلّيات".

وفي مثل هذه الأيام التي تشهد احتفالات عيد ميلاد السيّد المسيح، عليه السلام، يتكرّر استخدام قوله: "المجد لله في العُلى وعلى الأرض السلام". وهو قولٌ يجمع بين ما هو حتمي لا خيار إنسانياً فيه (المجد لله)، وبين ما هو واجب مستحق على البشر تنفيذه، أي تحقيق السلام على الأرض. لكن هناك مسافة شاسعة بين ازدياد عدد الممارسين للشعائر الدينية في كل العالم، وندرة من يطّبقون ما تدعو اليه الرسالات السماوية من قيم وأعمال صالحة، ومن واجب نشر روح المحبة وتحقيق السلام بين البشر.

ولعلّ المأساة تظهر الآن جليّةً من خلال حروب وفتن حدثت وتحدث تحت "شعارات دينية" في أكثر من مكان شرقاً وغرباً. بل إنّ كلَّ مُشعِلٍ الآن لحربٍ أو لفِتنة على الأرض يختبئ وراء مقولات تستند إلى ادّعاءات الوصل بالأديان، والأديان منها بُراء. الكلُّ يتحدّث عن "الإيمان بالله تعالى"، بينما على "الأرض الحرب" من فِعْل الباحثين عن مجدهم فيها.

الرسالات السماوية كلّها حضّت على العدل بين الناس وعلى رفض الظلم والطغيان والجشع والفساد والاستعباد للبشر، وعلى إقرار حقّ السائل والمحروم، بينما كم من حروبٍ وصراعاتٍ دموية حصلت وتحصل تحت شعاراتٍ دينية وطائفية وعرقية!! فهناك الآن ما هو سلبيٌّ مشترَك بين "الشرق الإسلامي" و"الغرب المسيحي".

إنّ المخاطر القائمة حالياً هي ليست على أتباع هذا الدين أو ذاك المذهب فقط، بل هي أخطار محدقة بحقّ الأوطان كلّها، بما فيها الشعوب والحكومات والمكوّنات الاجتماعية فيها. فضحايا العنف المسلّح الجاري الآن عربياً، من أيِّ جهةٍ كان مصدر هذا العنف، هم من أوطان ومناطق وأديان ومذاهب مختلفة.

لكن خطر جماعات التطرّف العنفي بأسماء "إسلامية" موجودٌ فعلاً ولا مجال لنكرانه، ولا يصحّ القول فقط إنّ هذه الجماعات هي "صناعة خارجية" يتمّ الآن توظيفها. فالمشكلة الأساس هي وجود بيئة مناسبة لنموّ مثل هذه الجماعات في الدول العربية والإسلامية، فلو لم يكن هناك فكر متخلّف ومُشوّه للمفهوم الصحيح للدين، ولو لم تكن "المواطنة السليمة" غائبة عن المجتمعات العربية، لما أمكن استقطاب هذا الحجم من أتباع هذه الجماعات المتطرّفة.

-------------------------------------------------------

*مدير "مركز الحوار العربي" في واشنطن

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. ">عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. 

نظرة عامة على حركات إصلاحية إسلامية

نظرة عامة على حركات إصلاحية إسلامية

أ.د. طه جابر العلواني

إنّ المتتبع للتاريخ الإسلاميّ القديم منه والحديث يجد ظاهرة عجيبة، خلاصتها: أنَّه على كثرة محاولات الإصلاح في المجالات المختلفة عبر العصور فإنَّه لم تحدث تراكمات قائمة على خبرات وتجارب تلك الحركات. بل نجد الحركات اللاحقة كثيرًا ما تتجاهل ما سبق، أو تنتقده وتستبعده وتبدأ من نقطة الصفر، لا من حيث انتهت إليه الحركات التي سبقتها، بحيث يبني اللّاحق على ما أسّس السابق لتحصل من الخبرات والتجارب ما يمكنها من بناء مشروع نهضويّ قادر على البقاء والاستمرار ومجابهة التحديّات. وفي الوقت نفسه يمتلك الآليّات القادرة على منحه إمكانات التجدّد بحسب تنوّع المراحل التاريخيّة  وبحسب ما تتطلبه من أدوات ووسائل، تمكن المشروع من النجاح.

فقد جاء الأنبياء بمشاريع إصلاح فلم يكونوا قادة ثورات ولا رواد انقلابات وتغييرات بل كل منهم كان يؤكد للناس الذين أرسل إليهم أنه لا يريد إلا الإصلاح. ولا يدّعي لنفسه أنه سيحقق ذلك الإصلاح ويستكمل مشروعه بقواه الذاتية وقدراته الشخصية، بل يؤكد دائمًا أنه إذا وفق في مشروعه الإصلاحي فما توفيقه إلا بالله عليه توكله وإليه ينيب ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (هود:88).

والمجددون المصلحون لهم مرجعيَّة توضح لهم مناهج الإصلاح وشرائعه ووسائله ومقاصده وغاياته ومستوياته وسائر ما يتعلق به، فهو على بينة من أمره؛ ولذلك كان المجددون يتحرون سنن الأنبياء في الإصلاح ومناهجهم في التجديد، فالشيخان أبي بكر وعمر ومن بعدهما عثمان وعليّ قد أقاموا خلافة على منهاج النبوة، ودعوا إليها وحملوا الناس عليها فما كان هناك مجال للزيغ عنها ولا للاختلاف، وما اختلف الناس عليه كان المرجع الهادي كتاب الله كفيلًا بتبيين وجه الحق والصواب فيه والقدرة على ردهم إليه ردًا جميلًا وحين وقعت بعض المخالفات من بعض حكام الأمويين قيض الله (تعالى شأنه) عمر بن عبد العزيز فهو على قصر خلافته، وقلة الفترة التي قضاها فيها استطاع أن يتقدم بمشروعه الإصلاحيّ التجديديّ الذي تألف في نظرنا من ثلاث.

فعلى سبيل المثال: قام الخليفة الأمويّ عمر بن عبد العزيز بمجموعة كبيرة من الإصلاحات في مجالات كثيرة منها:

1. العمل على إعادة بناء ووحدة الأمَّة بالاحتكام إلى الحوار والجدل بالتي هي أحسن للفئات التي كانت في عهود من سبقه من الخلفاء الأمويّين قد خرجت على الدولة، وحملت السلاح ضدها. وذلك يعني أنّه حاول تنبيه الأمَّة إلى أنّ الخلافات الداخليّة بين فصائل الأمَّة لا يسمح بأي حال بالاحتكام فيها إلى القوة، بل إلى الحوار، والجدل بالتي هي أحسن. لكن من جاء بعده من الخلفاء عادوا إلى الاحتكام إلى السيف داخليًّا وخارجيًّا.

2. لقد قام بعمليَّة رد المظالم، واستعادة المال العام من أولئك الذين استولوا عليه أو أقطعوه بطرق غير مشروعة. وأمر بأنّ تباع مقتنيات من سبقوه في مزادات علنيَّة، حتى إنّه رد إلى بيت المال العقود والجواهر التي أهداها والد زوجته إليها. وأراد بذلك أن يؤسّس مبدأ «المحافظة على المال العام» وعدم إباحة شيء من التصرّف فيه بدون وجه شرعيّ، وإخضاع الحكام والولاة لمحاسبة الأمَّة.

ومنذ ذلك التاريخ والعدل وإقامته بين الناس يعتبران أهم وسائل إعادة بناء السلم الأهليّ، والقضاء على منابع العنف في المجتمعات الداخلية، وإعدادها لمعالجة مشكلاتها سلميًا، وما من أمَّة يختل فيها حبل الأمن والاستقرار إلَّا وتبرز فيها الحاجة الماسة إلى العدل، فالعدل وحده في هذه الحالة هو الذي يعيد بناء اللحمة بين فصائل الناس، ويعطيها الإحساس بالأمان والاطمئنان والوصول إلى الحقوق من غير عنف ولا صراع.

3. حاول القيام بإصلاحات فقهيَّة بجمع السنن؛ لتكون هذه السنن فقهًا للأمَّة باعتبار السنن بيانًا للقرآن المجيد الذي هو المصدر المنشئ الوحيد للعقيدة والشريعة، والسنن الثابتة الصحيحة بيانه الملزم التوحيد؛ ولكن سرعان ما انحرف الناس بعده عن هذا السبيل القديم ليجعلوا من آيات القرآن المجيد وسنن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) شواهد معضّدة ومساندة لمذاهبهم الفقهيّة، وهذا خطأ في فهم المشروع الإصلاحيّ العمريّ الذي كان يريد أن يجعل من السُنَّة فقهًا بديلًا للكتاب الكريم تجتمع عليه كلمة الأمَّة.

وهنا نجد في مشروع عمر بن عبد العزيز نوعا من التكامل: ففيه إصلاح فكريّ، ومعرفيّ، ومنهجيّ، وقضائيّ، وسياسيّ.   

وحين نتجاوز هذه المحاولة بحثًا عن نموذج إصلاحيّ آخر في العصر العباسيّ، نجد المأمون نموذجًا لمن قام بعمليَّة مثاقفة انفتح فيها التراث الإنسانيّ كله؛ ولكن صحب ذلك نوع من المصادرة لحريّة الرأي، وحرمان المخالفين بالقوة من التعبير عن آرائهم المخالفة لرأي الخليفة ومشاريعه، واستمرت عمليات اضطهاد المخالفين ثمانية عشر عامًا، شملت ما بقي من فترة خلافته، وخلافة أخيه المعتصم وجزءًا من خلافة المتوكل الذي استطاع أن يدرك أهم جوانب الخلل في مشروع أخويه المأمون والمعتصم ألا وهو: فقدان المشروعين لخاصية التكامل وحرية التعبير، وأبطل ما أسس له سابقاه من بدعة القول "بخلق القرآن".

وتعد خطوته إصلاحيَّة من هذه الناحية، وإن لم تخل من الانتقام من بعض عناصر الاعتزال التي شايعت أخويه وأغرتهما باضطهاد المخالفين. وهو الذي أسّس لمذهب "أهل السنّة والجماعة". فإذا غضضنا الطرف عن بعض المخالفات، فإنَّ الرجل يمكن اعتباره إصلاحيًّا في إطار "القول بحريّة المخالف في إبداء رأيه" وحمايته من خصوم ذلك الرأي ومخالفيه، وكان عمله في إطار الرد إلى الأمر الأول الذي أسس القرآن المجيد له والتزم به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) طيلة حياته. والتزم به خلفاؤه الراشدون من بعده. والآثار في ذلك كثيرة.

ثم جاء من بعده أبو شامة المقدسي، وهو مؤرخ وفقيه وعالم لم تسلط عليه الأضواء كما سلطت على ابن خلدون ومشروعه، فأبو شامة المقدسي قادته ثقافته الواسعة وتأثره بالتاريخ وعلومه إلى وضع مشروعه الذي عنونه بـ "الرد إلى الأمر الأول" كما جاء في عنوان كتابه الذي يحمل ملامح مشروعه، فهو مشروع معرفي منهجي يرى ضرورة الرجوع إلى المرجعية الأولى والأساس، ورد الأمر إلى القرآن المجيد والاستنارة بمنهجية السُنَّة النبوية المطهرة. وقد قتل الرجل في محرابه قبل أن يتبلور مشروعه ويرى النور. وتتابعت المشاريع الإصلاحية فقدم الجوزي وعبدالقادر الجيلاني ولفيف آخر كبير من العلماء والمتصوفة مشروع الإصلاح التربوي. وهناك محاولات اصلاح أخرى لم نقف عندها طويلا بل تركناها للباحثين ينظرون نظرة متعمقة في تلك المشاريع.  

 ويمكن الاسترسال في ذكر كثير من المحاولات الإصلاحيَّة، ومنها ما قام به آل زنكي وصلاح الدين الأيوبي، وبعض سلاطين آل عثمان. هذا على مستوى المحاولات الإصلاحيّة التي بادر بها أئمة وعلماء كبار عرفوا بالمجددين، فالأئمة مالك وأبي حنيفة والشافعي والبخاري ومسلم وأحمد بن حنبل، وأسد بن الفرات والغزالي وشيخه إمام الحرمين وأبو الحسن الأشعريّ وغيرهم مرورًا بالإصلاحيين الذين عرفهم تاريخنا؛ أمثال عبد القادر الجيلاني، وابن تيمية ومدرسته حتى القرن التاسع عشر، الذي شهد أيضاً محاولات بعض مشايخ الأزهر، وبعض كبار العلماء في العالم الإسلاميّ مرورًا بالأفغاني والكواكب ومحمد عبده ورشيد رضا، والنائيتي والدهلوي والشوكاني وسواهم.

إن بين يدي الراغبين في الإصلاح في عصورنا هذه تجارب وتراث إصلاحي يستطيع ان يمدنا بكثير من الخبرات والتجارب التي يمكن الاستفادة من بعضها وتحويلها إلى رصيد فكري ومنهجي يثري خبرات الأجيال الطالعة ويقودها بعيدا عن اتجاهات العنف وثقافة التوحش المستوردة وما إليها، وقد يكون أساتذة التاريخ والعلماء القادرين على إبراز تلك الإضاءات وتعميق الاحساس بها وإيضاح ما فعله رجال الفكر والدعوة وقادة اتجاهات الإصلاح من آثار طيبة حققت كثيرا من الانجازات.

فلعل المتخصصين يوجهون شيئا من طاقاتهم لبحث هذه الجونب وإبراز النماذج المعرفية الكامنة وراءها فذلك من أكثر الأمور إعانة على إثراء خبرات الشباب المسلم وحسن توجيههم وانقاذهم من ثقافة التوحش والتمرد وما إليها.

-----------------------------------------

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.">عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أمين الريحاني والتجدّد العربي بعد مائة عام...!

كيف نقرأ رؤية الريحاني للتغيير في المجتمع العربي
الدكتورة نجمة حجّار*
أحب أولا أن أثني على جهود "مركز الحوار العربي" في العاصمة الأميركية، وعلى الاهتمام بدور الفكر والمفكرين في المجتمع العربي. أشكر بشكل خاص مي الريحاني وصبحي غندور للجهد الذي بذلاه لتنظيم لقاء الليلة. ويسعدني ويشرفني التحاور معكم حول رؤية أمين الريحاني في التجدد والتغيير العربي. فالريحاني كان كاتبًا ومفكرًا فعّالاً في عصره وبيئته. ولا شك أنه في حياته وأعماله وروحه وفكره وأدبه ما زال، حتى بعد مئة سنة، نموذجًا للمفكّرين الفاعلين الذين نتطلع اليهِم "لإعادة تصويب البوصلة" كما قال كلوفيس مقصود في كتابه من زوايا الذاكرة (ص13) وصبحي غندور في مقالته الأخيرة، ولإحداث التغيير المنشود في الوطن العربي.
من المفيد أن نقرأ رؤية الريحاني في التجدد العربي في سياق حياته وتكوّنه الفكري بين مؤثرات غربية وعربية استفاد منها وانتقدها في الوقف نفسه؛ وفي سياق عصره والبيئات التي كان يتحرك ويعمل فيها بين الشرق والغرب. وفي حوار الليلة، سأحاول التركيز على الأسئلة والآراء التي طرحها الريحاني، والتحديات التي استجاب لها. وطبعًا، لا بد لنا ونحن نواجه قضايا التغيير العربي، والأزمات المصيرية الوجودية، من أن نسأل أنفسنا، إلى أيّ حد يمكننا أن نتعلم من رؤية الريحاني وسيرته الفكرية لخدمة مجتمعاتِنا العربية والإنسانية في هذا العصر؟
"إنها بداية الربيع العربي" (أمين الريحاني، كتاب خالد، صدر سنة 1911).
هكذا منذ مائة عام أطلق أمين الريحاني حلمه بالتجدّد العربي. من قلب العالم العربي، في الجامع الأموي بدمشق، أعلن بطله "خالد" بداية التغيير لإحياء مجد العرب والإسلام. كفّروه. من أين لابن لبنان العائد من نيويورك أن يتكلم بلسان العروبة؟ ترك "خالد" الميدان. وبقي الريحاني على ثباته! ما لبث يكرر: "أنا لبناني متطوّع في خدمة البلاد العربية، وكلنا منها. وإني عربي متطوّع في خدمة الإنسانية، وكلنا منها" (التطرّف والإصلاح).
بهذه الحيوية والشجاعة والثبات، أعلن الريحاني انتماءه إلى الوطن العربي والوطن الإنساني معًا، والتزامه بخدمة العرب والإنسانية جمعاء. كلمة قالها مرارًا ودعا سائر العرب ليجعلوها شعارهم في الحياة. طبعًا لا يمكن أن نفهم كلمة الريحاني على أنها تناقض أو تذبذب في الانتماء، ولا بمعنى "أزمة الهوية" التي يعانيها الكثير من عرب اليوم، المغتربين والمستغربين والمغرَّبين (كل لفظة تعبر عن فئة من العرب الذين استوعبتهم بلاد الغربة، أو أولئك الذين تغرّبوا واغتربوا وهم في بلادهم).
إنما تعبر كلمة الريحاني عن اعتزازه بهويته الديناميكية وبإنسانيّته الفكرية. على الرغم من الهجرة، أو ربما بسبب الهجرة ومعاناة النفي عن الوطن (أو حتى داخل الوطن)، وبسبب الأحداث العالمية التي عاصرها وعاشها، ما تردد الريحاني يومًا في توكيد التزامه بقضايا الوطن العربي والمجتمع الإنساني. فكما أن حبه للبنان، أرض مولده، لم يتعارض أبدًا مع ولائه للوطن العربي الأكبر، كان هذا الولاء والحب أساس إخلاصه في خدمة الإنسانية.
قلت "الشجاعة والثبات" لأن الريحاني عاش في عالم لا يختلف كثيرًا عن عالمنا اليوم: عالم مقسّم بين قوي وضعيف، مسيطِر ومسيطَر عليه (وربما كانت حدود التقسيم كما يراها البعض اليوم)، بين عالم متمدّن وآخر بعيد وغريب عن الحضارة والتمدن (لا بل عالم متوحّش). ككثيرين منّا نحن العرب الذين نعيش في العالم الغربي اليوم، انتمى الريحاني إلى عالم الشرق وعالم الغرب في آن واحد دون تذبذب في انتمائه إلى أي منهما. بالعكس، رغم الأزمات الكثيرة، أو بسبب هذه الأزمات التي واجهت أهله ووطنه العربي، أصبحت هويته الديناميكية أكثر حضورًا وأصبح هو أكثر ثباتًا وإصرارًا على خدمة القضايا العربية والنضال في سبيل الحق العربي في المحافل الدولية، ومن موقعه كمفكِّر وناشط عربي، وإن كان يعتزّ بجنسيته الأميركية المكتسبة.
هذه الرؤية الإنسانية إنما هي ردّة فعل إيجابية على تشكّل شخصية الريحاني في عالمين وثقافتين مختلفتين. فحياته وتجربته الفكرية تعكس اجتهاده الثابت والعنيد لإقامة نوع من التوازن في انتمائه الشرقي-الغربي معًا في علاقة ديناميكية تهدف ليس فقط إلى الانشغال بقضايا الشرق والغرب ولكن أيضًا إلى تقريب هذين العالمين الواحد من الآخر وتفعيل علاقتهما لما فيه مصلحة شعوبـهما ومصلحة الإنسانية.
لم يكن الريحاني قد بلغ الثانية عشرة من عمره عندما هاجر إلى الولايات المتحدة سنة 1888، من بين أوائل اللبنانيين والسوريين الذين هاجروا بحثًا عن مساحة من الحرية وفرص لحياة أفضل في العالم الجديد. بدل اللجوء إلى حياة العزلة والانعزال، انخرط الريحاني في الثقافة العالمية لمدينة نيويورك، فانشغل بالفنون (التمثيل والرسم والكتابة)، بالإضافة إلى كل ما تقدمه نيويورك من وسائل اللهو والحياة الليلية الصاخبة. وفي نفس الوقت التزم ببرنامج صارم وضعه للتثقُّف بمطالعة الآداب العربية والغربية. هكذا وبعكس توقعات عائلته والتقاليد السائدة في أوساط المهاجرين العرب، خطّ الريحاني طريقه في عالم الكتابة والفنون في أميركا وأصبح أول مفكِّر عربي ثنائي اللغة وأول كاتب باللغتين العربية والإنكليزية في المهجر الأميركي. فهو ليس فقط مؤسس أدب المهجر، لكنه برأيي الأب الروحي والفكري للأدب الأميركي-العربي.
بعد أكثر من عشر سنوات على رحلته الأولى إلى نيويورك عاد الريحاني إلى وطنه الأول. وتكرّرت عوداته ورحلاته بين العالم الجديد والعالم القديم كان أهمها رحلته في الجزيرة العربية (1922-1923) لــ"تمهيد السبيل إلى التفاهم" فيما بين العرب، ورحلاته الأميركية (في السنوات 1929 و1939) دفاعًا عن حق العرب في فلسطين. وقد عززت رحلته العربية تحوّله من ماروني من جبل لبنان يخاف "بعبع" العرب إلى وطني قومي عربي في خدمة قضيتهم التي أصبحت "قضيته" (ملوك العرب). أما في رحلاته الأميركية فكان أول عربي يقف على منابر الجمعيات والجامعات الأميركية، الإنكليزية، محذرًا من "نكبة فلسطين بالصهيونية" (المغرب الأقصى)، قبل حوالي عشرين سنة من نكبة 1948.
أثناء تجواله في عوالم الشرق والغرب، نمت شخصية الريحاني في خطين متوازيين، انفتاح فاعِل على الثقافة الغربية، والتزام فعلي بالقضايا العربية. فتنته الحرية الأميركية فسألها: "متى تحولين وجهك نحو الشرق أيتها الحرية؟ . . . متى تدورين مع البدر حول الأرض لتنيري ظلمات الشعوب المقيدة والأمم المستعبدة؟" (الريحانيّات) لكن استبداد الرأسمالية ومساوئ الديمقراطية الليبرالية، كما خبرها في أميركا، أقلقته. فانتقد تمدن أهل الغرب المؤسَّس على "الاستئثار" و"روح التجارة الخبيثة"، لأن مثل هذا التمدن برأيه "لا يولد إلا الظلم والرذيلة" (الريحانيّات). في نفس الوقت، تفاعُل الريحاني مع المجتمعات العربية في الوطن والمهجر، نبّهه إلى مشكلات التخلّف والجهل والتعصّب في هذه المجتمعات، وإلى الهيمنة الاستعمارية الغربية على الثقافة ومصير الشعوب العربية. وهكذا التزم فكريًا وفعليًا ببرنامج للعمل والكفاح الجاد الدؤوب، فكتب المقالات في الصحف العربية والإنكليزية، وألقى المحاضرات في أميركا وأوروبا والعالم العربي، ونشر العديد من الكتب في فنون أدبية جديدة ومتعددة كالشعر والرواية والقصة القصيرة والمسرح والمقالة، وكتب باللغتين في مواضيع فكرية متنوعة كالنقد الأدبي والفني والتاريخ والفلسفة والفكر الاجتماعي والسياسي، بالإضافة إلى كتب الرحلات والسيرة والرسائل.
لا شك أن معاناة المهاجرة الدائمة وتحدياتها (مع كل ما تحمله عملية المهاجرة من آلام الانسلاخ عن الوطن والتأقلم في الوطن الآخر)، هي التي ميّزت الريحاني عن سائر أدباء المهجر في زمانه، ولا أبالغ بالقول في زماننا. ولا شك أيضًا أن تثقُّف الريحاني على كبار الأدباء والمفكِّرين في الشرق والغرب، ودخوله معهم في حوار وجدل فكري (في تعليقاته على هوامش مطالعاته وفي كتاباته)، أهّله لأن يكون المحاور الأول بين ثقافة العرب والغرب. تفاعلُه مع الثقافة الغربية (قراءة ونتاجًا)، وبشكل خاص ملكته للغة الإنكليزية مكّنته من التحاور مع جمهور غربي مثقَّف يجهل الكثير عن الثقافة العربية. وفي نفس الوقت، تعمقّه المعرفي بالثقافة العربية ونهله اللغة من ينابيعها الأولى أتاح للريحاني التحاور بلغته الأم مع فئات واسعة من العرب على مختلف المستويات والاهتمامات الفكرية والسياسية.
ربّما لكل هذه العوامل، ولحكمته ومعرفته الموسوعية لقّب الريحاني في زمانه بـ"فيلسوف الفريكة". طبعًا لم يكن الريحاني فيلسوفًا بالمعنى التقليدي للكلمة، لكنه كان بحق مفكِّرًا متعمقًا حكيمًا. لا شك أنه برؤيته الفكرية الواسعة وبتصوّره لمجتمع متكافئ قائم على أسس الحرية والحق والعدالة الانسانية، وجهادِه لتحقيق هذه الرؤية، ارتفع الريحاني إلى مصاف الفلاسفة والمفكّرين العالميين الذين أعجب بهم أمثال أبي العلاء المعري وتولستوي.
وضع الريحاني لنفسه شعار "قل كلمتك وامشِ" وعاش بموجبه. لم يكتفِ بالقول لأن الكلمة عنده هي بداية العمل الذي لا يكل.
في العام 1935، ردّ الريحاني على استفتاء أجرته مجموعة من شباب الجامعة الأميركية نصه، "ما هو هدفكم الأسمى من جهادكم، وكيف ترجون الوصول إلى هذا الهدف؟" بالمختصر المفيد كتب، "هدفي في الحياة: أن أبذل ما في طاقتي كتابة وخطابة وعملاً لتحرير الإنسان من قيود الجهل والفقر والخوف، وتخفيف الآلام البشرية وإزالة الأوهام والأضاليل في العقائد والتعاليم السياسية والاجتماعية والدينية. ووسيلتي إليه: الفكر الحر والبحث الحر والقول الحر مجردًا من كل تحزب وتعصب وأهواء شخصية" (الريحانيّات).
كما ناقشت في دراساتي عنه، أقول إن الريحاني مفكِّر عضوي ملتزم. في غايته لتحرير الإنسان من القيود الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وفي أسلوبه في معالجة القضايا التي شغلته تميّز الريحاني المفكِّر الفاعِل عن مفكِّري زمانه، وكثيرين من مثقَّفي عصرنا من حملة الشهادات الجامعية. ما يتفرّد به الريحاني أن رغبته الصادقة في خدمة البشرية أينما كانت رافقتها ثقة أكيدة بالنفس وشعور بالواجب بتوجيه الانتقاد لثقافتي ومجتمعي الغرب والشرق لكشف عيوبهما والاستفادة من حسنات كل منهما. هذا النقد المزدوج البنّاء هو المبدأ الذي قامت عليه فكرة التقدم عند الريحاني، وهي فكرة أساسية في تصوّره للتجدّد العربي والتغيير.
الجدير بالذكر أن النقد المزدوج والتبادل الحضاري (التبادل الثقافي والمعرفي على أسس حضارية كالتساهل والاحترام المتبادل)، من أهم الأفكار التي تطورت عند الريحاني مع ارهاصات التغيير في الوطن العربي في أوائل القرن العشرين، وهي من أكثر أفكاره ثباتًا واستمرارية. عام 1913 كتب من نيويورك لـ"صديق عزيز" في مصر، "إني في بلاد الغربة لا ارى حسنة من حسنات التمدن إلا وأتمناها لبلادي . . . وأعد نفسي سعيدًا إذا تمكنت وإياك وإخواننا المفكِّرين المخلصين من رفع نقاب الجهل الكثيف ليرى العرب شيئًا من نور العلم الذي هو أساس المدنية الجديدة. إني أتمثل دائمًا أمة عربية ناهضة عاملة مستيقظة، لا تنفر من الأوروبيين ولا تخشاهم، بل تقف أمامهم معتمدة على نفسها مستقلة بأمرها، . . . أمة أبيّة، كريمة، عزيزة، ظافرة، كسائر أمم الغرب صاحبات الصولة والاقتدار. وإننا لا نفوز بأمنيتنا هذه إلا إذا اقتدينا باليابانيين، فنأخذ عن أوروبا حسناتها فنضمها إلى حسناتنا، ونعززها بالسعي والعمل والجد والنشاط" (رسائل أمين الريحاني). لم يتخلَّ الريحاني عن فكرة التبادل الثقافي. بل بقي ثابتًا في إيمانه وتفاؤله بأن التبادل الحضاري هو السبيل الأضمن ليحقق العرب التقدم والتغيير المنشود والفوز في معركة الحضارة، معركتهم في الداخل والخارج، مع الذات ومع الأمم الشرقية الأخرى (إيران مثلاً) ومع الغرب (القوميّات).
من هذا المنطلق يجب أن نفهم نقده المزدوج لما في الثقافتين والمجتمعين من سيئات. والأهم من هذا أسلوبه الجريء والعنيد في انتقاد ما رآه معوّقًا لمسيرة التقدم الحضاري. في العالم العربي، انتقد الريحاني بشدة وثبات كل أشكال التعصب الديني والطائفي والمذهبي والقبلي والإقليمي. رفض الفينيقية اللبنانية والفرعونية المصرية والمارونية السياسية والوحدة الإسلامية السورية وفكرة الوحدة الإسلامية باعتبارها كلها أيديولوجيات انعزالية. في نفس الوقت هاجم الاستعمار الأوروبي واستعلاء الغرب، وانتقد خطاب الاستشراق (أو بعض مظاهره) ومدارس الإرساليات الأجنبية والمؤسسات الطائفية في الوطن العربي. كما استنكر تشرذم العرب ورضوخهم للسياسات الأوروبية الهادفة إلى التفرقة فيما بينهم لتعزيز سيادة الاستعمار والامبريالية في الوطن العربي.
لم يفوّت الريحاني أي فرصة لرفع صوته بالنقد البنّاء. الواقع الاجتماعي والسياسي، الظلم والجهل والتخلف والانشطارات في الوطن العربي كلها شددت من عزمه على الفعل والالتزام بالقضايا الوطنية. كتب وحاضر ونظّم جمعيات ثقافية وسياسية، وفاوض السياسيين والناشطين في العمل السياسي؛ نظم المظاهرات و"أيام الغضب" وشارك بالمقاومة السلمية والإضرابات والمقاطعة الاقتصادية. تعرّض للنفي والتهميش. أُحرقت كتبه وصودرت ومُنعت في عدد من البلدان العربية. ومع ذلك بقي هذا الناشط الحر والسياسي "غير المحترف" ثابتًا في مواقفه، مثابرًا على العمل لتحقيقها. لم ينتمِ إلى أي حزب أيديولوجي أو سلطة سياسية أو نظام حكم واستمر في طرح الأسئلة المحرجة والوقوف إلى جانب الحق في مواجهة ذوي السلطة أيًا كان شكلها دينية أو فكرية أو سياسية.
أود التوقف هنا عند موقف الريحاني من القضية الفلسطينية ودفاعه الشجاع عن حقوق الفلسطينيين في أرضهم، ومناشدته الملوك والرؤساء العرب للوقوف بوجه المخططات الصهيونية في فلسطين. صحيح أن الريحاني لم يعش ليرى النكبة التي حذّر منها. لكن ما يحصل في فلسطين والعالم العربي اليوم، يزيد من تقديرنا لجهد الريحاني الفكري والفعلي، خاصة فهمه المتعمق للأوضاع السياسية الداخلية والإقليمية والدولية، وتحذيره من انقسامات الفلسطينيين، ورؤيته الواضحة للسلام العالمي انطلاقا من السلام في فلسطين.
انشغل الريحاني بإشكاليات التغيير في الوطن العربي. لكنه تفرّد (عن معاصريه ومعاصرينا) برؤيته التقدمية (بالمعنيين تصوره لسبل التقدم وريادته الفكرية) للتجدّد العربي والتحرّر من قيود التخلّف واستعمار الغرب من جهة، وجهاده الفكري والسياسي لتفعيل العلاقة بين العرب فيما بينهم ومع العالم الغربي من جهة ثانية. عاش الريحاني في زمن وصل فيه استعمار الغرب للوطن العربي أقصى درجاته. أدرك بدقة ملاحظته أن أخطر العقبات التي تحول دون التغيير في المجتمع العربي هي حالة التخلّف والتشرذم والتجزئة السياسية التي سببتها الانقسامات الطائفية والقبلية والإقليمية، بتشجيع من سياسة "فرّق تسد" التي اعتمدتها القوى الأوروبية العظمى. وأيقن أن الروح العربية القومية هي خلاص العرب وأن الوحدة الوطنية هي السبيل الوحيد لمواجهة التحديات الداخلية والتحرر من استبداد الاستعمار وسياسات التوسع الغربي.
نادى الريحاني ببناء مجتمع عربي على أسس ديمقراطية (كالمساواة بين الطوائف والأديان وبين الرجال والنساء)، وبإقامة علاقات متكافئة للتعاون الثقافي والسياسي بين العالم العربي والغرب. وشدّد على أن تقوم علاقات العرب فيما بينهم ومع الغرب على مبادئ الحق والعدالة والاحترام المتبادل. حلم الريحاني بمجتمع عربي عَلماني موحد يقوم على مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص والحرية التي اعتبرها من حقوق الإنسان المشروعة، وعمل على بناء هذا المجتمع (لو أنه استخدم لفظة "عَلماني" و"عَلمانية" فقط في سياق الحديث عن التعليم والمدارس) (القوميّات). بذل جهدًا جبّارًا لمساعدة العرب في تحقيق التنمية الاجتماعية والتقدم الثقافي والاقتصادي والوحدة الوطنية. وحثهم في نفس الوقت على مباشرة حوار ثقافي فاعل وايجابي وبنّاء فيما بينهم اولاً ومع المجتمعات الغربية من جهة ثانية.
أصر الريحاني على أنه يستحيل على العرب تحقيق التغيير الحقيقي والتقدم ما لم يتوحدوا. والوحدة مستحيلة ما لم تحل الهوية الوطنية الشاملة محل الهويات المذهبية والمحلية الضيقة. لذا ناشد العرب بتنمية الروح الوطنية والقومية العربية غير الدينية لمواجهة الولاءات الطائفية والمحلية والقبلية. هذه الروح الجامعة الشاملة هي العروبة العلمانية. هي برأيه التي ستقود العرب إلى النصر في معركتهم من أجل التقدم والتحرر من الاستعمار، وهي التي ستعيد إليهم مجدهم ومكانتهم بين الأمم المتحضرة ليساهموا مجددًا في الحضارة الإنسانية العالمية.
على هذا الأساس أصر الريحاني على بناء دولة عربية عَلمانية يتساوى فيها كل المواطنين في الحقوق والواجبات. في الدولة الوطنية القائمة على فصل الدين عن الشؤون الزمنية والسياسة، رأى الريحاني الحل لمشكلة الأقليات التي استغلتها الدول الاوروبية لتثبيت الاستعمار في الوطن العربي. فالعروبة وحدها (وهي عنده فكرة ثقافية لا اثنية ولا عرقية)، يمكن أن تمنح المسيحيين والأقليات الأخرى حق المواطنة وتؤسس لدولة يتساوى فيها جميع المواطنين. هذا التركيز على الحرية والمساواة وتكافؤ الفرص كمبدأ أساسي للوحدة هو أهم ما يميز رؤية الريحاني الإنسانية للقومية العربية.
والجدير بالملاحظة أن مفهوم الريحاني للوحدة مفهوم عملي وديناميكي. فتصورّه للوحدة تطوّر خاصة بعد الحرب العظمى من الوحدة الوطنية الصغرى بين لبنان وسوريا (بما فيها فلسطين) من جهة، ووحدة الجزيرة العربية من جهة ثانية، إلى الوحدة القومية العربية الكبرى، أي الوحدة الثقافية والجغرافية والسياسية بين بلدان المشرق العربي. فالوحدة العربية القومية إذن تطور طبيعي وضروري لتحقيق مستقبل عربي أفضل. لذا يجب أن تتم تدريجيًا على أسس ديمقراطية تحترم حرية وإرادة كل الشعوب العربية المعنية بالوحدة، بالإضافة إلى احترام خصوصيات هذه الشعوب ومصالحها.
تجدر الإشارة هنا إلى براغماتية الريحاني وتصوره العملي للوحدة العربية. ففيما يخص نظام الحكم السياسي أصرّ على أن يتناسب مع ظروف البلدان العربية وخصوصياتها الثقافية والاجتماعية والسياسية (مثلاً الملكية الدستورية تتناسب مع أوضاع الجزيرة العربية بينما النظام الجمهوري البرلماني يناسب لبنان وسوريا). ومن الناحية العملية وضع الريحاني عددًا من الشروط اللازمة لتحقيق الوحدة. ففي الجزيرة العربية مثلاً حث على تطوير المؤسسات السياسية والبنى التحتية وتنمية الطاقات البشرية بالتربية والتعليم. وفي لبنان وسوريا أصر على ضرورة تأسيس حكم مدني ديمقراطي وعلى التنمية الاقتصادية والتحرر من الانتداب الفرنسي ومن الهيمنة الثقافية الغربية. هذه الشروط مرتبطة بشكل مباشر بفكرة التقدم عند الريحاني، وبمبادئ الحرية والعدالة والمساواة التي أصر على أنها شروط جوهرية بدونها لا يمكن بناء الأمة العربية الجديدة. وبرأيي، هذا الإصرار هو الذي يجعل من الريحاني رائد الديمقراطية وحقوق الإنسان في الخطاب العربي القومي المعاصر.
ليس فقط لريادتها ولكن ربّما أيضًا بسبب عمليتها وواقعيتها، ما زالت الأفكار التي طرحها الريحاني لمواجهة تحدّيات التغيير منذ مائة عام تتردّد في الأوساط الفكرية. ويرى فيها البعض حلولًا ممكنة لكثير من القضايا العربية المعاصرة خاصة في إطار حركات التغيير الديمقراطي والثورات والانتفاضات التحرّرية التي يشهدها الوطن العربي اليوم. ولا شك أن رؤية الريحاني العلمانية المنفتحة على الثقافات والشعوب الأخرى، خاصة في إطار البحث عن السلام في العالم، هي رؤية بديلة لأيديولوجيا التطرف سواء في الخطاب الديني والمذهبي والطائفي، أو خطاب "صراع الحضارات" الذي يروّج له بعض المستشرقين والاستراتيجيين في الغرب (ومنهم أولاد عرب!)
لا شك أن الشعوب العربية بدأت نضالها من أجل النهضة والتغيير منذ قرنين من الزمن. لكنها لم تصل إلى غايتها المنشودة بعد. رغم الحراك الشعبي والثورات، ومع العنف الذي يعيشه العالم العربي اليوم، تجد الشعوب العربية نفسها، أكثر من أي وقت مضى، عاجزة عن تقرير مصيرها في عالم يسيطر عليه الآخرون. ولا شك ايضًا أن "الأصدقاء" في الخارج مدّوا يد المساعدة، في أكثر من مناسبة، لـ"تحرير" الشعوب العربية. أثناء الإعداد الأميركي لغزو العراق بحجّة التحرير وإحلال الديمقراطية (سنة 2003)، انتقد المفكِّر الفلسطيني الأميركي إدوارد سعيد السياسة الأميركية قائلاً، "إنهم يجعلون من الديمقراطية مسألة تافهة عندما يدّعون أن هذا ما يفعلونه في الشرق الأوسط. لا أعتقد أنه حدث في التاريخ أن تحققت الديمقراطية بالقصف والغزو. لا شك أننا مقبلون على أوقات عصيبة" (E. W. Said, Culture and Resistance, 144).
سبق الريحاني إدوارد سعيد إلى مثل هذا التحذير بأكثر من سبعين سنة. في الثلاثينيات، خاصة بعد أن انكشفت نوايا الحليف الغربي على أرض الواقع العربي، وانقلبت المساعدة الصديقة إلى حماية ووصاية وانتداب واحتلال، حذّر الريحاني الدول الغربية من سياسة التدخل والهيمنة الثقافية والسياسية في العالم العربي. رغم اعتزازه بجنسيته الأميركية المكتسبة وما تقدمه أجواء الحرية في أميركا، حذّر من أنه لا يمكن فرض الحرية والديمقراطية بالقوة سواء بثورة من الداخل أو باحتلال من الخارج. كعربي عاش في الشرق والغرب، وكمواطن أميركي استفاد من الفرص التي أتاحتها الديمقراطية الأميركية، على سيئاتها، حلم الريحاني بتأسيس مجتمع عربي ديمقراطي بمساعدة غربية (خاصة في مجال العلوم والتكنولوجيا والإدارة). واجتهد فكرًا وفعلاً لمساعدة العرب شعوبًا وحكومات لبناء هذا المجتمع حتى يساهموا في الحضارة الإنسانية ويستعيدوا دورهم الفاعل بين الأمم. لكنه أصر على أن التغيير لا يمكن أن يفرض عليهم من الخارج بل يجب أن ينبع من الداخل وبالأخص من داخل ذواتهم.
في محاضرة ألقاها أمام جمهور أميركي مثقَّف في جامعة إلانوي سنة 1930، حذّر الريحاني الغربيين من فرض مفهومهم للحرية والديمقراطية على العرب والمسلمين، "ليس قبل أن تنمو قدراتهم الفكرية ... وعلى كل حال من الخطر فرض التغيير عليهم بالقوة." وشدّد على أن السبيل الوحيد لتحقيق التقدم والحفاظ على السلام العالمي هو "التفاهم والاحترام المتبادل" بين الشعوب والأمم "بغض النظر عن الطبقة أو الدين أو العرق أو اللون." بلغة إنكليزية بليغة وأسلوب ساخر قال لسامعيه، "إذا فرضتم علي وجهة نظركم بواسطة التشريع أو الدين ستجعلون مني عبدًا أو منافقًا أو حمارًا، هذا إذا قبلت تشريعكم أو دينكم. إما إذا لم أرضخ ولجأتم أنتم إلى القوة فستحصل اضطرابات وصراع وثورة وحرب" (Rihani, The White Way and the Desert, 21). باعتبار إيـمان الريحاني الراسخ بمبادئ الحرية والمساواة بين الشعوب، لا يمكن فهم قوله على أنه معاد للديمقراطية أو للحرية؛ ولا انتقاده للغرب كموقف معادٍ لأميركا كما قد يفسَّر في الأجواء الراهنة.
يجب ألا يغيب عن بالنا أن الريحاني عاش ذروة الزمن الامبريالي. معاينته للاستعمار بمختلف أشكاله، المكشوفة وغير المعلنة، زادت من قناعته بأن مبادئ العدالة الغربية التي أعجب بها لم تطبقها القوى العظمى على الأمم الصغرى (وهذا ما توصل إليه بعض المفكِّرين العرب أمثال إدوارد سعيد وكلوفيس مقصود وهشام شرابي وحليم بركات في أميركا، وأحمد الشبول في أستراليا، وغيرهم بعد أكثر من سبعين سنة).
عانت الشعوب العربية من الهيمنة الغربية على مقدراتها ومصيرها منذ أكثر من مائتي سنة. والريحاني كان المفكِّر الوحيد في عصره الذي جسّد في حياته وفكره ونشاطه عمق هذه المعاناة الجماعية على مستوى البلاد العربية كلها. من هذا المنطلق رأى أن الاستعمار الغربي (السيطرة السياسية والهيمنة الثقافية)، أعظم النكبات التي ألـمّت بالعرب في تاريخهم الحديث.
النضال ضد الحكم الأجنبي لم يصرف الريحاني عن معركة العرب الداخلية من أجل الحرية السياسية والعدالة الاجتماعية والاقتصادية والتقدم الثقافي والفكري. من هنا كان نقده المزدوج للامبريالية الغربية وللجمود والتخلّف العربي. بمعرفته الواسعة وخبرته العميقة أمل الريحاني في إحداث تقدّم على الصعيد الداخلي (في السياسة والاقتصاد والمجتمع)، وتغيير في النظرة المتبادلة والعلاقة بين العالمين الغربي والعربي.
طبعًا الريحاني ابن زمانه. كان يأمل بأن تأخذ التطورات العالمية مسارًا إيجابيًا خاصة في إطار علاقات العرب فيما بينهم ومع الدول الأوروبية، وما كان يرى أنه تدخل أميركي إيجابي على صعيد الاقتصاد والسياسة. بتفاؤل المفكِّر، رأى الريحاني أن العالم مقبل ليس على "صراع الحضارات" كما تنبأ صموئيل هانتنغتون فيما بعد، ولكن على حقبة جديدة من "حوار الثقافات"، يكون له فيها الدور الفاعل.
خبراته في كل من الشرق والغرب مكنته من تقدير نقاط القوة في كل من العالمين دون أن يجهل (أو يتجاهل) نقاط ضعفهما. فالتزم برسالة هادفة إلى تقريب العالمين الواحد من الآخر وتشجيع العلاقات الايجابية بينهما. خاطب القراء والمستمعين وأصحاب الرأي والقرار لحثهم على التلاقي حول الخير المشترك والعمل على التفاهم وتبادل القيم والخبرات على أسس التساهل وتبادل الاحترام. فانشغل بتفعيل الدور العربي في الحوار الثقافي، وهو الهم الرئيسي لكثير من المفكِّرين العرب اليوم المنتشرين في بلاد الشرق والغرب.
أود التشديد على أن خطاب الريحاني الرصين ودعوته للتحاور العقلاني بين الشرق والغرب يجب ألا يصرف انتباهنا عن شجاعته الأخلاقية والتزامه الفعلي بالدفاع عن الحقوق المشروعة وكرامة الشعوب الضعيفة التي تشمل العرب. صحيح أن فكره يكشف عن ملامح صوفية وبراغماتية في آن واحد، لكن دفاعه عن كرامة الشعوب العربية وحقوقها المهدورة لم يتزعزع أبدًا.
قلت في أكثر من مناسبة إن الريحاني هو رائد اتجاه الأنسنة في الفكر العربي الحديث. وما يميزه عن كثير من المفكِّرين المعاصرين هي تلك الثقة بالنفس والجرأة التي أعلن بها تمسّكه بهويته العربية وبرؤيته الإنسانية في زمن كان فيه العرب العنصر المغلوب. ربما لهذا استحقّ لقب "فيلسوف الفريكة". ويجب ألا ننسى أنه من هذا الموقع بالذات، كمفكِّر عربي إنساني أصبح الريحاني من أبرز المدافعين عن حركة التحرّر القومية في "البلدان العربية جمعاء"، على حد تعبيره، وأول عربي على الإطلاق يدافع عن الحقوق العربية في فلسطين من على المنابر وممرات السياسة والدبلوماسية الدولية. بثبات وجرأة دافع الريحاني عن حق الشعوب بتقرير مصيرها، لأنه "حق مقدس" من حقوق الإنسان الطبيعية (وصيّتي). فعمل في سبيل استقلال لبنان وسوريا من الانتداب الفرنسي وحاضر في أميركا للرد على الإدعاءات الصهيونية والدفاع عن حق العرب في فلسطين. دفاعه عن الفلسطينيين كان نابعًا من إيمانه الثابت بعدالة قضيتهم وحقهم بالحرية كحق أساسي من حقوق الإنسان، ومن إيمانه المخلص بأن "تحقيق السلام في العالم يتوقف بنحو أو بآخر على السلام في الأراضي المقدسة" (Rihani, The Fate of Palestine, 30).
قال الريحاني إنه "بطبعه رجل سلام" (Rihani, Letters to Uncle Sam, 12). ومع ذلك ناضل ضد الاستبداد والظلم: استبداد السلطنة العثمانية، واستبداد الحكومات الوطنية في ظل الانتداب، وظلم الحكام والملوك المستأثرين بالسلطة، والظلم الذي ألحقه الاستعمار بالعرب، خاصة في فلسطين حيث حذّر من النكبة قبل وقوعها سنة 1948. مع رؤيته المسالمة دافع الريحاني عن حق الشعوب في النضال لتقرير مصيرها. وقد ارتقى دفاعه عن هذا الحق إلى أرفع مستوياته في وصيته "الفكرية" التي خطّها بيده سنة 1931 لتتلى بعد موته.
قبل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بأكثر من خمس عشرة سنة، أعلن الريحاني أن الحرية حق إنساني "مقدّس"، وحثّ الأمم المستعبدة على الجهاد في سبيلها. طبعًا هذا لا يعني أنه أعلن "الحرب المقدسة" كما يفهم "الجهاد" المتطرفون الإسلاميون وبعض المدّعين من "خبراء الشرق الأوسط". فالريحاني استخدم لفظة جهاد بمعناها الصحيح اي بذل الجهد. إلا أنه رفع الجهاد الروحي والمقاومة السلمية فوق المقاومة المسلحة (باستثناء دعوته السوريين في الحرب العظمى للمشاركة بتحرير البلاد حتى لا يحرّرها ويحكمها الأجنبي). وقد تأكدت له هذه الحقيقة خاصة بعد أن تحققت مخاوفه من نوايا الحلفاء الغربيين وأدرك حقيقة "وعود الحرب اللماعة التي خدعت كثيرين" غيره من العرب (القوميّات).
طالب الريحاني بالتغيير الثوري. لكن الثورة كما فهمها يجب أن تنبثق من داخل الأمم والشعوب، رجالاً ونساء. آمن بأن التحرّر لا يكون بالتغيير السياسي وحده، فنبّه بعد إعلان الدستور العثماني سنة 1909 إلى أنه إذا لم يحرر الإنسان نفسه من "التقية والخوف والذلة والجبانة"، "فمئة قانون ومئة دستور لا تحرره." إنها "الثورة الخلقية" تلك التي تحدّث عنها وهي التي ستُحدث "الانقلاب العظيم" والتغيير الحقيقي وتساعد في "ارتقاء" الحياة العربية. "أناشدكم بالحرية"، قال في خطاب بعنوان "الثورة الخلقية"، "إخواني! أرفعوا أعلام الآداب في البلاد، شيّدوا صروح التهذيب، أسّسوا معاهد للفنون، فإن الآداب والتهذيب والفنون هي القوى المعنوية الروحية ... التي يتوقف عليها تحرير الإنسان، وتحرير الشعوب والأمم" (القوميّات).
مهما تغيرت الظروف بقي الريحاني ثابتًا في رأيه أن النهضة العربية تتوقف "على مقدمتين جوهريتين: الأولى تستوجب " تنقية الدين وتخليصه من السياسة" كـ"شرط جوهري للإصلاح الحقيقي الذي يبتدئ فيّ وفيكم ويتدرج ... إلى رؤسائنا وحكامنا." هذا يقود إلى المقدمة الثانية وهي التربية والتهذيب كشرط جوهري للتطور الهادئ والثابت ولتنمية الشعور الخالص للوطن (القوميّات).
عندما أعلن "بداية الربيع العربي" منذ مائة سنة، كان الريحاني واعيًا أن "الشرق الجديد قد بدأ ... يلهو بلعبته الجديدة - بتقرير المصير، والاستقلال، والبرلمان، والدستور." لكنه وهو "في حال التحول" كان بحاجة إلى "طريقة أخرى غير الثورة مثلاً، هي طريقة التطور الطبيعي" التي تقضي على "أسباب التقهقر، الجهل والكسل والادعاء." كان الريحاني يأمل بإصلاح الأمة قبل السياسة، وهذا لا يكون إلا بالتربية العصرية، "التربية الحقة" القائمة على عدة أصول اختصرها بـ: "الاعتماد على النفس، كرامة النفس، حسن الظن بالناس، حرية الإرادة، الجرأة الأدبية، نبذ العقائد والتقاليد القديمة البالية، الصراحة في الصدق والقول، الاستقامة في الرأي وفي العمل، حب العدل والإنصاف واللاطائفية في السياسة وفي الآداب" (التطرّف والإصلاح). "عشرة أصول في تكوين الأخلاق العالية" تخلّق الريحاني بها قولاً وفعلاً. وهي برأيه أكثر ما تحتاجه البلاد العربية للتحرّر، لا للرمح والسيف، ولا للمدافع والمدرعات، ولا للطائرات المدمرة، بل لــ"سلاح الفكر" إذا كان لا بد من السلاح، كما أكّد في مقالة "إصلاح الأمة" (نشرت في التطرّف والإصلاح).
انشغل الريحاني بالمستقبل العربي. منذ مائة سنة أعلن أن التجدّد العربي لا يمكن أن يقوم إلا على مبادئ العقلانية والحرية والديمقراطية العلمانية. لكنه أصرّ على أن التغيير الحقيقي لا يقوم بثورة مسلحة، لا حركات دينية أو مقاومة سياسية مسلحة في الداخل، ولا معارضة داخلية أو خارجية تدعمها القوات البحرية والجوية الآتية من الشرق أو الغرب. فالثورة الحقيقية مسؤولية المفكِّرين النساء والرجال. هم روّاد الثورة الطبيعية الثابتة في الأمم الشرقية والغربية، وهم كما يقول الريحاني، "مثقِّفونا جميعًا في الشرق كنا أم في الغرب" (Rihani, The White Way and the Desert, 31).
---------------------------
*أستاذة الأدب العربي في جامعة سيدني- أستراليا
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. ">عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
هذه الدراسة قدمت في مركز الحوار العربي بمنطقة العاصمة الأميركية الأربعاء 27 أيار - مايو 2015، وقد استندت هذه الدراسة على أبحاث ودراسات منشورة وغير المنشورة حول فكر وأدب أمين الريحاني.
فيما يلي لائحة بمؤلفات الدكتورة نجمة حجّار، المنشورة بالعربية والانكليزية:
• حجّار، نجمة (تحقيق)، أمين الريحاني والتجدّد العربي: تحدّيات التغيير في الأدب والفكر والمجتمع. بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2102.
• حجّار، نجمة، "أمين الريحاني والتجديد الفكري"، أمين الريحاني والتجدّد العربي. بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2102، ص 9-39.
• حجّار، نجمة، " رؤية أمين الريحاني في حقوقيّة المرأة بين الواقع والمتخيَّل"، أمين الريحاني والتجدّد العربي. بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2102، ص 172-184.
Hajjar, Nijmeh, The Politics and Poetics of Ameen Rihani: The Humanist Ideology of an Arab-American Intellectual and Activist, London & New York, I. B. Tauris, 2010. (Hardcover book) ISBN: 9781 1 84885 266 2; (e-Book 2011) ISBN: 1848852665.
Hajjar, Nijmeh, “A Feminist Reading of Juhan: Rihani’s Avant-garde Vision of Arab and Muslim Feminism”, in Ameen Rihani's Arab-American Legacy: From Romanticism to Postmodernism, Naji Oueijan (ed.), Louaize Lebanon, Notre Dame University Press, 2012, pp. 77-116.
Hajjar, Nijmeh, “Between Patriotism and Nationalism: Ameen Rihani’s Vision for Lebanon and Syria”, in The Origins of Syrian Nationhood, Adel Beshara (ed.), London, Routledge, 2011, pp. 163-189.
Hajjar, Nijmeh, “An Arab-American Intellectual: Engaging East and West”, in Literature and Aesthetics (Sydney), Vol. 17, No. 2, December 2008, pp. 120-137.
Hajjar, Nijmeh, “An Arab-American Intellectual Engaging East and West”.

http://ojs-prod.library.usyd.edu.au/index.php/LA/article/view/4975
Hajjar, Nijmeh, “Ameen Rihani’s Humanist Vision of Arab Nationalism”, in Ameen Rihani: Bridging East and West. A Pioneering Call for Arab-American Understanding, N. C. Funk & B. J. Sitka (eds), Lanbam, Boulder, New York, Toronto, Oxford, University Press of America, 2004, pp. 134-147.
Hajjar, Nijmeh, “Ameen Rihani’s Discourse on Progress, Justice and Democracy: Dynamics of Theory and Practice”, in Kahlil Gibran & Ameen Rihani: Prophets of Lebanese-American Literature, N. Oueijan, A. Eid, C. Kfoury & D. Salameh (eds), Beirut, Notre Dame University Press, 1999, pp. 133-173.
Hajjar, Nijmeh, “Immigrant Arabic Poets and Writers and the Modern Arab Renaissance”, in Voices (Canberra: National Library of Australia), Vol. III, Winter 1993, pp. 44-50.
كتب منشورة في مواضيع أخرى:
* حجّار، نجمة، مديح النبي في الشعر والغناء العربي، غاياته وأساليبه: دراسة فنيّة نقدية. بيروت، بيسان، 2012.
*حجّار، نجمة، العربيّة لغة وحياة. بيروت، بيسان، 2005
 

ما قصة الجزر المحتلة من إسرائيل...؟

الغالبية العظمى من الشعب "السعودي" لا يعرف أن هناك جزراً وممرات بحرية "سعودية" محتلة من قبل اسرائيل منذ 1967...!
والجزيرتان صنافير و تيران من بين تلك الجزر الواقعة على البحر الأحمر، بل وتعتبر حارستان للمنفذ الوحيد إلى البحر الأحمر.

جزيرة صنافير مساحتها: 33 كم مربع
http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AC%D8%B2%D9%8A%D8%B1%D8%A9_%D8%B5%D9%86%D8%A7%D9%81%D9%8A%D8%B1.org/wiki/%D8%AC%D8%B2%D9%8A%D8%B1%D8%A9_%D8%B5%D9%86%D8%A7%D9%81%D9%8A%D8%B1
 

جزيرة تيران مساحتها: 80 كم مربع

http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AC%D8%B2%D9%8A%D8%B1%D8%A9_%D8%AA%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86

الموقع...
كما هو واضح...الجزيرتان لهما موقع استراتيجي مهم للغاية بالنسبة لاسرائيل، لأنهما تحرسان منفذها الوحيد إلى البحر الأحمر. وتقيم إسرائيل في هاتين الجزيرتين محطة كبيرة للانذار المبكر. كما أن إسرائيل تحتاج إلى ممر بحري "آمن" لمرور السفن، الذي يمر إلى جانب هاتين الجزيرتين وصولاً إلى ميناء إيلات الإسرائيلي شمالاً..!
الجزيرة الكبرى هي تيران والصغرى هي صنافير ولو وضعت أي دولة فيها معدات عسكرية لتمكنت أن تشل حركة السفن الاسرائيلية عبر ميناء إيلات وخليج العقبة تماما. بينما تدعي "السعودية" أن الجزيرتين ، تيران وصنافير، بأنهما من الجزر المرجانية غير المهمة، وبأنهما غير مأهولتين بالسكان لذلك فهم لايأبهون بهما... ولكن يبدو أن ذلك موقف غير دقيق..! لأن أهميتهما بسبب الموقع الاستراتيجي الحساس حيث يقعان في بوابة مضيق تيران، وهذا الموقع يُسيطر على بوابة خليج العقبة وإيلات الإسرائيلية وهما يُعادلان في الأهمية بالنسبة للموقع كجزر حنيش التي استرجعتها اليمن من أرتيريا عبر التحكيم الدولي.
وعلى سبيل الفرض بأن "السعوديين" فعلاً غير آبهين في فرض سيادتهم على هاتين الجزيرتين لكونهما "مُجرد جزراً مُرجانيةً غير مأهولة، ولا توجد فيها ثروات معدنية أو بترولية"، فلماذا دخلوا في نزاع دامي مع اليمن على بعض الجزرالمُرجانية الصغيرة المُشابهة، ومن ضمنها جزيرة فرسان مع أنها لا تقع على أي منفذ بحري كما هي حال جزيرتي تيران وصنافير..؟

قصة الاحتلال...

احتلت إسرائيل هاتين الجزيرتين في عام 1967 ، في وقت كان الملك فيصل قد أعطى لمصر السيطرة على هاتين الجزيرتين خلال فترة حربها مع اسرائيل نظراً لأهميتهما الإستراتيجية والجغرافية وقطع مرور السفن إلى ميناء إيلات الإسرائيلي. أما بعد نكسة 67 واحتلال اسرائيل لأجزاء من عدة دول عربية من بينها هاتين الجزيرتين؛ صارت "السعودية" ومصر، ترمي كل منهما مسؤولية الجزر على الأخرى كي لا تتورط أي من الدولتين أما شعبيهما بملكية هاتين الجزيرتين المحتلتين. وكان الرئيس المصري الراحل أنور السادات قد قال عنهما: " لا ياعم الجزر مش بتاعتنا دول تبع أرض الحجاز"، ورفض ضمهما في اتفاقية كامب ديفيد...؟
إن الجزيرتين بالفعل أراضي تعود للحجاز "السعودية"، وإذا أردت البحث في الموضوع، فستجد أنهما جزيرتان تابعتان لأرض الحجاز"السعودية"، وتوضح الصورة على الرابط أدناه، أن ملكية جزيرة صنافير تعود للمملكة العربية السعودية:
http://up.g4z4.com/uploads/007b4bfcff.jpg

والناظر إلى خريطة المملكة العربية السعودية المعلقة في الدوائر الحكومية وكتب الجغرافيا السعودية يجد أن هاتين الجزيرتين تابعتين للسعودية وليس لمصر.

مصير الجزيرتين..؟

غادرت اسرائيل الجزيرتين عسكريا فقط بعد اتفاقية كامب ديفيد، ولكن بعد أن تم الاتفاق على حرية مرور السفن الإسرائيلية واعتبار مضيق تيران ممر دولي، فقدت السعودية سيادتها على هذا المرر الملاحي المهم، والذي يمثل عنق الزجاجة إلى ميناء إيلات الإسرائيلي عبر البحر الأحمر.
وبعد أن خرجت إسرائيل عسكريا من الجزر، يبدو أنها أرادت ضمان سلامة هذا المنفذ تماما بصورة لا تسبب لها أية متاعب في المستقبل، لذلك تم الاتفاق على أن تدار هاتان الجزيرتان من قبل الأمم المتحدة بقوة متعددة الجنسيات "تمثلها أمريكا ومصر حالياً" والتي تم فتح مكتب لها في الجزيرة لمراقبة التزام جميع الأطراف.
منذ ذلك الحين و حتى يومنا هذا، والسعودية لا تملك السيادة على هذه المنطقة الإستراتيجية على البحر الأحمر، بينما السيادة لإسرائيل التي استبدلت وجود جنودها على الجزر بقوات "متعددة الجنسية"، لمراقبة وحماية المنفذ تضمن تحقيق مطلبها وهو حرية إبحار سفنها في هذه المنطقة المائية وعلى مرمى حجر من الأراضي السعودية دون أن يجرؤ أحد على قول كلمة واحدة...!!!

الخلاصة، أن الجزيرتان أصبحتا ضمن حدود إسرائيل بإدارة أمريكية ومسمى عالمي لعدم لفت الإنتباه..!!؟
 

 

الوحدة العربيَّة الفريضة الغائبة

كتبت قبل أيام مقالة حول الوحدة العربيَّة، تحت عنوان: "الوحدة العربيَّة ضرورة حتميَّة"، واليوم أود أن أردف ذلك المقال بمقالة بهذا العنوان: "الوحدة العربيَّة الفريضة الغائبة". إي والله، بعد كل ما جرى ويجري في عالمنا العربي بدأت أدرك أنَّ الوحدة العربيَّة ضررة حتميَّة وفريضة غائبة، وواجب ديني، ومقصد شرعي، وغاية بحد ذاتها، لا يجوز التهاون بها بأي حال من الأحوال، إنِّي لأرى حرائق قادمة، تجري باتجاه العرب كافَّة دون استثناء ودون تمييز بين عربي وآخر، مسلم وغير مسلم، سني وشيعي، تكاد تلتهم الجميع، إنَّها تتنزل على أقاليمنا العربيَّة، وبيوتنا كما يتنزل المطر، ويصيب كلًا منا ما يصيبه من الصواعق، لا تستثني أحدًا، ولا تترك دارًا، ولا يحتمي منها ديار.
إنَّ من يظن من العرب أنَّه سينجو من تلك الفتن والحرائق بحنكته أو ما قد يسميها حكمته أو صداقاته أو علاقاته فإنَّه واهم واهم واهم، فلا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم، إنَّ الذي يظن أنَّ هناك بلدًا واحدًا من بلدان العرب أو عاصمة واحدة سوف تنجو من المصير الذي صارت إليه بغداد ودمشق وصنعاء وغيرها فإنَّه لا يقل جهلًا وعماية عن ابن نوح -عليه السلام-، الذي توهم أنَّه يمكن أن ينجو من الطوفان، وقال: ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ (هود:43)، فالفتن المحيطة بالعرب لا عاصم لأحد منها إلا الله، ومن لم يهلكه الطوفان فإنَّ الرذاذ والرطوبة والشهب كفيلة بتدميره، والقضاء عليه.
إنِّي أقول مثل ما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يودع هذه الحياة حيث: "استيقظ النبيُّ (صلَّى اللهُ عليهِ وآله وسلَّمَ) من النوم محمرًّا وجهُه يقول: (لا إله إلا اللهُ، ويلٌ للعربِ من شرٍّ قد اقترب، فتحَ اليومَ من ردمِ يأجوجَ ومأجوجَ مثلُ هذه). وعقد سفيان تسعينَ أو مائةً، قيل: أنهلِك وفينا الصالحون؟ قال: (نعم، إذا كثُر الخبثُ)"[1]، بقطع النظر عن كل ما قيل في يأجوج ومأجوج فإنَّ اسرائيل أخطر على العرب من يأجوج ومأجوج وأشد تدميرًا. لا يظنن أغنياء العرب أنَّ ما امتلكوه من بيوت أو قصور أو أسهم أو أموال أو شركات في كل بقاع الأرض سوف تحول بينهم وبين السقوط في الهاوية، فإنَّ ذلك كله لا يغني عنهم شيئًا.
لقد رأينا خلال الأسابيع الماضية كيف نزل سعر برميل البترول بين ليلة وفجرها ثمانين دولارًا، من مائة وخمسة وعشرين إلى خمسة وأربعين، وخبرنا الدورات الاقتصادية في أمريكا وأوروبا، وكيف تأكل المدخرات وتحيلها بين فترة وأخرى إلى مجرد أصفار بانهيار عملات أو أسهم أو بنوك أو أيَّة وسائل أخرى، إنَّنا في الزمن الذي يمسي الإنسان فيه غنيًا ويصبح فقيرًا، فما لم يعقل العرب ويدركوا أنَّ الغنى ليس بالمال وحده ولا بالمعادن النفيسة، ولكن بالإنسان، فيتجهوا للاستثمار بالإنسان العربي، وإنمائه، ونقل كل الخبرات الممكنة له وتعليمه وتربيته؛ وإلا فلن يكون إلا الطوفان.
إنَّنا في حاجة إلى أن يشعر أغنياؤنا أنَّ تفريطهم بالعراق وانضمامهم إلى خطة أعداء يجمعون بين العداوة والحماقة، لن يأتي إلا بالخسران، فأمثال هؤلاء جمعوا بين الجهل والغباء، وعمى القلوب وتفاهة العقول، فدمروا هذا البلد وجعلوه نهبًا مباحًا لأعدائه وأعدائهم، ولم يستبينوا النصح، ولا أظنهم قادرين على إدراكه والإحساس به لا في ضحى الغد ولا بعده، وفعلوا مثل ذلك في الشام، والآن يكرر الفعل في اليمن، وأشعر أنَّ كثيرًا من المتحكمين في الأمور في بلاد العرب لا يختلف موقفهم عن موقف الخليفة العباسي الأخير الذي ظل يردد: "بغداد تكفيني ولا يستكثرونها علي إن أنا تركت لهم الأطراف" فترك أطراف الدولة للمغول التتار، يفتكون بها، ويبتلعونها قطعة بعد أخرى، إلى أن وصلوا إلى قصره، لم يكن يسخوا على جنده، ولم يكن يقتني لهم صالح السلاح، بل كان يكنز الذهب في قصوره، ويحفر لها الخنادق ويضعها في صناديق، حتى وصل التتار إلى ما تحت قدمه وسلبوه كل شيء بعد أن سملوا عينيه، وعذبوه شر العذاب، وقتلوا أولاده، وانتهكوا عرضه بين يديه، ذلك مصير أولئك الغافلين الحالمين في النجاة وهم في عباب محيط هائج، موجه كأنَّه الجبال، لا يقوم لها أحد، ونار مشتعلة ملتهبة تنتقل من مكان لآخر بسرعة فائقة.
ماذا ننتظر لنشعر ولنسترد وعينا؟ أننتظر نفس المصير الذي صار إليه خليفة بغداد، ونردد معه وخلفه مقولته الفارغة: "بغداد تكفيني ولا يستكثرونها علي إن أنا تركت لهم الأطراف"، إنَّ هؤلاء يستكثرون على العربي الهواء الذي يتنفسه، والتراب الذي يسير عليه، والأسمال التي يرتديها، والله إنَّهم يستكثرون عليه حتى الفقر، وربما يستكثرون عليه الجهل، والمرض، ويتمنون لو وجدت أمراض أفتك من الأمراض التي تفتك به، وجهل أشد تدميرًا من الجهل الذي يتخبط فيه، وفقر أشد إيلامًا من الفقر الذي يتمرغ فيه؛ لما ترددوا في أن يدفعوه إلى تلك المضايق، لشدة حقدهم، إنَّهم يستكثرون أيَّة نعمة يرونها على عربي، مهما كان مواليًا لهم أو معاديًا. إنَّنا في حاجة إلى أن نتذكر وحدتنا، وأنَّها خشبة النجاة بالنسبة لنا، على طريقة الخنساء:
يُذَكّرُني طُلُوعُ الشمسِ صَخراً وأذكرُهُ لكلّ غُروبِ شَمْسِ
فما لم تكن الوحدة العربيَّة أمرًا نتذكره في الصباح وفي المساء، وفي الليل وفي النهار، ونحاول أن نعيد بناء الفاعليَّة في قلوبنا لتحقيقه، وتوفير الدافعيَّة التي تدفعنا إلى إعادة ذلك البناء المنهدم؛ فإنَّ النيران سوف تلتهم كل شيء، والطوفان لن بيقي على شيء، وليس هناك سيدنا نوح، ولا سفينة نوح –عليه السلام- التي يمكن أن تكون سفينة النجاة لأحد، فالكل غارقون والكل هالكون.
إنَّنا نتمنى أن تتجه مصر والسودان وليبيا بأسرع ما يمكن نحو اتحاد فدرالي، أو كونفدرالي، يهيئ لإقامة وحدة ولو بعد حين، ونتمنى على الدول المغاربيَّة: تونس والجزائر والمغرب وموريتانيا، أن تقيم فيما بينها اتحادًا كونفدراليًّا، وتهيئ نفسها بكل الوسائل للوصول إلى حالة وحدة، ولو بعد حين، ونتمنى على ما بقي من العراق وسوريا والأردن وفلسطين أن تقيم بينها اتحادًا كونفدراليًّا أو فدراليًّا تمهيدًا لوحدة. ودول مجلس التعاون تحتاج إلى أن تنتقل فورًا إلى حالة توحد فيما بينها، فلم يعد الأمر أمر مجرد تنسيق فوقي سطحي، بل لابد من اتخاذ كل ما يلزم إزالة العوائق أمام علائق تنتهي بوحدة، فلا مكانة للكيانات الصغيرة التي تحتمي بالغير في عالم اليوم، وإذا كانت الكيانات الكبرى والعملاقة اضطرت إلى التوحد تحت ضغط ظروف العصر فما بالنا نقف من وحدتنا موقف البلهاء، وأمامنا النماذج الكثيرة.
إنَّه لابد من ضم قطر مثل اليمن إلى مجلس التعاون، والدفاع عنها، وحمايتها من السقوط، وإعانة اليمنيين على أن يعيشوا بالمستوى الملائم، الذي يساعدهم على الولاء لأمتهم وإخوانهم، وكذلك الحال بالنسبة لبلدان أخرى، وأول الفرائض التي قد ترتقي إلى درجة فريضة الصلاة والصيام والزكاة والحج وترديد الشهادتين أن ترتبط هذه الكيانات كلها بأسرع ما يمكن بشبكة من المواصلات والاتصالات، التي تساعد في المستقبل على الإحساس بالفوائد، فوائد الوحدة وتجازو نفسيَّات الانفصال والتشرذم التي بنيت في العقول والقلوب عبر العصور، وبعد ذلك لابد من العمل على إيجاد تكافل وتضامن اقتصادي بين أغنياء العرب وفقرائهم، فمن العار أن نودع أموالنا في البنوك الأجنبيَّة في أمريكا وأوروبا وندفع بلداننا التي تحتاج ذلك المال إلى أن تقترضها بالفوائد المضاعفة، وهي أموال لفقيرنا حق معلوم فيها، لا يمكن تجاهله ولا يجوز تجاوزه.
إنَّ هناك أمورًا كثيرة لابد من البدء بها وعلى الفور، فهي لا تحتمل تأخير ولا تحتمل تأجيل، والنموذج الألماني والإسرائيلي من النماذج المتاحة التي يمكن دراستها، فأي يهودي أو صهيوني يصل إلى أرض فلسطين سرعان ما يقدم له العمل والهوية الجاهزة، والسكن، وما يساعده على التأقلم والانخراط في هذه البيئة الجديدة، فاتقوا الله أيُّها العرب في أنفسكم، ولا تجعلوا أنفسكم وقودًا لنار حامية، لا تبقي ولا تذر، أو طوفان مدمر لا عاصم لأحد منه.
اللهم هل بلغت اللهم فاشهد.
----------------------
• رئيس جامعة قرطبة سابقا ورئيس جامعة العلوم الإسلاميَّة والاجتماعيَّة سابقاً ورئيس المعهد العالمي للفكر الإسلامي سابقاً
الصفحة الخاصة بالدكتور طه جابر العلواني :
https://www.facebook.com/Dr.Alwani.T.J