الثلاثاء 22 آب/أغسطس 2017
TEXT_SIZE

تجديد الدَور العربي المسيحي

تجديد الدَور العربي المسيحي

د. فائز عزيز أسعد*

تمهيد

لم يُكتَب الكثيرُ عن التاريخ العربي المسيحي، والذي كُتِبَ لم يرقَ إلى المستوى العلمي التاريخي المطلوب، باستثناء القليل من الكتّاب العرب، ربَّما، منهم الأب لويس شيخو اليسوعي والأب د. جورج شحاتة قنواتي، وهذا امتدادٌ للنقص في كتابة التاريخ العربي كله. إلا أنَّ هناك طمساً لا يخلو من غرابة للتاريخ العربي المسيحي، يُضاف إلى النقص العام للتاريخ العربي، سواء في كُتب التاريخ العربي أو مناهج الدراسة العربية أو حتّى في الدراما العربية، التاريخية منها والمعاصرة.

إنَّ أية كتابة علمية عن تاريخ العرب المسيحيين ينبغي أن تحدِّد، بدقّة مقبولة، أصولهم ومواقع سكناهم وانتشارهم، والتواريخ الصحيحة لقبولهم الإيمان المسيحي، والكيانات السياسية التي أوجدوها عبرَ المراحل التاريخية، ودورَهم في الحياة العامة، ومصيرهم الحالي. لقد وجدتُ خبطاً غير مقبول في تحديد من هو "العربي المسيحي"، ووجدتُ في الكتابات التي تطالعنا على مواقع "الإنترنت"، تسرُّعاً وخلطاً لا يمكن قبوله. فمِن رافض لفكرة الوجود العربي المسيحي، وكأنه يرفض التاريخ نفسه، إلى مغالٍ في وصف هذا الوجود، وكأنَّ كلَّ من وجِدَ على الأرض العربية، كان عربياً مسيحياً في الأصل.

لذلك سأحاول أن أُعطي صورة أقرب إلى الواقع، بالقدر الذي توفره المراجع العربية، المسيحية منها والإسلامية، والمراجع اليونانية والرومانية والسريانية التي استندت إليها المراجع العربية، والتي تتسم بدقة أكثر من المراجع العربية نفسها، وهذه هي المفارقة الغريبة.

إنَّ مدخلاً سيكون ضرورياً للحديث عن مَن هُم العرب وأين قطنوا، وما هي عقائدهم وما مستوى حضارتهم.

وإنَّ البداية تتناول العرب المسيحيين قبل الإسلام وكيف دخلوا المسيحية، ومتى، وما هي مذاهبهم، وما هي مناطق انتشارهم، وما حضارتهم وما هي الكيانات السياسية التي أسسوها.

وبعد هذا ما هو مصيرهم، وما هو دَورهم في مرحلة المَد الإسلامي حتى سقوط دولة الخلفاء الراشدين، ومن ثَمَّ، ما كان واقعهم في ظل الدولتين الأُموية والعباسية.

ثم ما آل إليه مصيرهم في ظل الحكم الإسلامي غير العربي حتى بداية القرن العشرين.

ثم ما هو دَورُهم في النهضة العربية الحديثة وظهور الحكم العربي الوطني.

وأخيراً ما هو واقعهم الحالي وما ذا ينبغي أن يكون.

من هنا سيتناول هذا البحث المسائل الآتية:

المدخل: موطن العرب وانتشارهم.

البند الأول: العرب المسيحيون قبل الإسلام.

البند الثاني: العرب المسيحيون في العهد العربي الإسلامي.

البند الثالث: العرب المسيحيون في العهد الإسلامي غير العربي.

البند الرابع: العرب المسيحيون والنهضة العربية.

الخاتمة:

***

 المدخـل: موطن العرب وانتشارهم.

اختلف الجغرافيون في تحديد الأقسام التي تشتمل عليها ما يمكن تسميتها "الأراضي العربية". ولكن طبقاً للاتجاه العام فإنَّ الأراضي العربية الأصلية تحتل مساحة شاسعة مركزها "شبه جزيرة العرب" التي تزيد على مليون ميل مربع، وتمتد من بحر العرب جنوباً حتى أقصى حدود ما يسمى حالياً المملكة العربية السعودية. ويغلب على تكوينها الصحارى والسهول الرملية التي تجرى تحت سطحها المياه، ومنها بادية الشام وبادية العراق "1". وعلى هذا فالأراضي العربية تشمل صحارى نجد والحجاز واليمن وحضرموت ومهرة والبحرين وعمان والجوف واليمامة والاحساء وأجزاء من العراق ومن بلاد الشام وباديتها إلى حوران واللجا والصفا والبلقاء والجولان وإلى برية طور سيناء "2".

ولكن من هم العرب؟.

يكاد يُجمِع الباحثون على أنَّ العرب هم من اكثر الشعوب اقترابا وتمثيلا للجنس السامي، الذي ظهر حوالي الألف الرابع قبل الميلاد، وصفاته: الشعر الأسود والوجه البيضاوي والأنف المستقيم أو المحدَّب "3". وهناك تقسيم للعرب قد لا يتفق عليه المؤرخون ولكنه يبدو وكأنه هو السائد، وهو التقسيم الثلاثي: العرب البائدة الذين لم يصلنا من آثارهم شيء ومنهم قيدار وميديان وعاد وثمود، والعرب العاربة وهم عرب شمال وجنوب الجزيرة العربية ويعرفون بالقحطانيين، وهم سكّان اليمن وحضرموت، وهم العرب المتحضِّرون الذين أنشأوا دول معين وسبأ وحمير وتدمر والبتراء والرها. وكان الحميريون في اليمن يكتبون بالخط المسند وهو أقدم الخطوط العربية، ومن قبائلهم: جرهم والأوس والخزرج والغساسنة وقضاعة وأياد وتغلب وعذرة. وسنرى أن العرب المسيحيين، في غالبيتهم، من العرب العاربة، وأخيراً العرب المستعربة وهم عرب وسط الجزيرة العربية، ويُعرفون بالعدنانيين، وهم سكان الحجاز وتهامة ونجد، وهم العرب البدو الرحل"4".

ديانات العرب

لقد توزَّع العرب في عقائدهم الدينية، ولكنَّ الغالب عليهم كان عبادة آلهة متعددة أُخذ بعضها من عبادات الشعوب المجاورة بعد تعريب أسمائها، كهُبل وإساف ونائلة وود وسواع والعزّى والفُلس وذو الكعبات واللات ومناة ، بل عبَد بعضهم الظواهر كالشمس والقمر والزهرة، ومنهم من عبَد الجماد كالحجارة البيضاء والسوداء، والنبات كالنخل، والحيوان كالنسر. وكانت القبائل تختص كل منها في عبادة إله بعينه، وكان البدو الرحَّل يعبدون آلهتهم في الهواء الطلق، أما الحَضر كالحميريين والنبطيين والحيرة وكندة وغسان فكانوا يقيمون لها أماكن ثابتة دعيت مساجد وكعبات ولها حرَم. وكانت هناك عبادات دخيلة كالمجوسية والصابئية الحرانية والمندائية والمانوية "5".

ومع ذلك كانت عقيدة "التوحيد" أي الإيمان بالله الواحد، قد تسرَّبت إليهم ربما عن طريق اليهود الذين دخلوا شمال الجزيرة العربية واستوطنوا وسط الجزيرة العربية، وفي مناطق من الحجاز بخاصة بعد هجرتهم من فلسطين بسبب القرار الروماني بطردهم بعـد فشل ثورتهم على السلطة الرومانية والتي بلغت ذروتها في

السنة السبعين للميلاد، وعن طريق الاحتكاك التجاري بمسيحيي الشام والحبشة والبيزنطيين. ومن هنا، ربّما، جاءت عقيدة (الشرك) التي جمعت بين الإيمان بالله والإيمان بآلهة وثنية تختص كل قبيلة بواحد منها، كعامل تمييز.

البند الأول: العرب المسيحيون قبل الإسلام

يختلف المؤرخون في تحديد تاريخ دخول المسيحية كعقيدة إيمانية إلى بلاد العرب. ولكنَّ الكتاب المقدس في العهد الجديد يشير إلى أنَّ بعضاً من العرب الأدوميين وما وراء نهر الأردن تقاطروا لسماع تعاليم السيد المسيح (متى 4/24 ومرقس 3/7) كما أنَّ السيد المسيح عَبر نهر الأردن وتجوَّل في المدن العشر (متى 8/31) وفيهم العرب من أهل المدر. وفي سفر أعمال الرسل (2/41) تحديداً، يذكر وجود عرب بين المجتمعين في أورشليم (القدس) يوم "العنصرة" أي يوم حلول الروح القدس على تلاميذ السيد المسيح في اليوم الخمسين بعد ارتفاعه بحسب وعده لهم، ما يعني احتمال أن يكون هؤلاء أو بعضاً منهم أول مَن نقل الإيمان المسيحي إلى العرب، ويعني دخول المسيحية بلاد العرب منذ القرن الأول الميلادي، وفي القرن الرابع كانت المسيحية قد انتشرت بينهم "6"

وتُشير المراجع التاريخية إلى أنَّ التبشير بالمسيحية لدى القبائل العربية تمَّ، أساساً، على يد كنائس المشرق في بلاد وادي الرافدين التي تعتمد اللغة السريانية وكنائس بلاد الشام التي تعتمد بعضها اللغة اليونانية وهي كنائس الروم وبعضها اللغة السريانية وهي كنائس أنطاكيا. كما لا يمكن إنكار دور كنائس الحبشة أيضاً. ومن هنا نجد أنَّ العرب الذين دخلوا المسيحية لم يؤسسوا "كنيسة عربية" برغم وجود أُسقفيات عربية، بمعنى أنهم لم يعتمدوا اللغة العربية كلغة طقسية خاصة بهم، وقد يكون هذا واحداً من العوامل التي أضعفت الوجود العربي المسيحي، فلقد اعتمدوا اللغتين السريانية واليونانية في كنائسهم التي هي امتداد للكنائس ذات الطقس السرياني واليوناني ولحد الآن، برغم تعريب طقوسهم لاحقاً. وهذا ما يقود إلى التساؤل عن سبب عدم اعتماد اللغة العربية في كنائسهم، فهل هو بسبب هيمنة الكنائس السريانية واليونانية أم بسبب أنَّ اللغة العربية لم تكن قد ثبتت كلغة كتابة حين دخل العرب في المسيحية؟. ولكن لماذا استمر الحال حتى بعد انتشار الكتابة العربية التي كان للمسيحيين قصب السبق في نشأتها؟.

وعلى أية حال فإنَّ دخول المسيحية إلى أرض العرب كان دخولاً متقدماَ، أي

في وقت يرجع إلى القرن الميلادي الأول، وبطرق مختلفة وعلى يد مبشرين من كنائس مختلفة وبلغات مختلفة، وهذا ما كان سبباً في انتشار المذاهب المسيحية المختلفة بين العرب المسيحيين كالنسطورية التي وصلت إلى مسيحيي اليمن، في نجران بخاصة، واليعقوبية والمونوفيزية في الشام، إضافة إلى الهرطقات والبدع كالآريوسية والأبيونية وبدعة المريميين التي كان لها وجود لدى بعض نصارى وسط الجزيرة العربية، برغم تحريمها من المجامع الكنسية المسكونية "7".

القبائل العربية المسيحية وانتشارها

بالرجوع إلى المصادر نجد أنَّ المسيحية انتشرت بين العديد من القبائل العربية، بمستوى أوسع مما يعتقد الكثيرون، وكان انتشارها قد شمل بلاد الشام في دمشق وتدمر وحمص وحماة وحلب والبوادي حتى نهر الفرات، ومن بين سكانها العرب النبطيون وقبائل بادية الشام وأغلبهم انحدروا من اليمن ومنهم: قضاعة وسُليم وغسان وطي وبهراء وتنوخ ولخم وكندة وأياد وتغلب، وانتشروا في الغور والسلط والبلقاء والكرك وغزة وصحارى موأب، وشمل مصر في النجب وجبل موسى وفاران وشبه جزيرة سيناء. وفي اليمن في الجنوب الشرقي من جزيرة العرب ومنها عسير ومهرة وحضرموت والشمر ومأرب وظفار وصنعاء ونجران واليمامة والبحرين وقطر وزبيد ودمار وعدن وعُمان.

أما في العراق، فقد انتشرت المسيحية بين عربها منذ القرن الأول عن طريق القوافل في الجزيرة والموصل وأرض السواد، فقد دخلتها القبائل اليمنية من الأزد وأياد ولخم وتغلب وبنو الحارث بن كعب وربيعة والمناذرة وأسسوا دولة المناذرة واستقروا في الأنبار ثم في الحيرة وبابل والسواد وعاقولا (الكوفة لاحقاً) والجزيرة والموصل والمناطق الواقعة بين بادية الشام والعراق كجزيرة بن عمر وديار بكر بن وائل حيث عُثر على كتابات ورموز ونقوش عربية مسيحية منحوتة تعود للقرن الأول الميلادي"8".

أما في الحجاز، أي وسط الجزيرة العربية، فقد وجد المسيحيون العرب في مكة والمدينة وأيلة وتيماء والطائف وتبوك ومعان ووادي القرى، وهم مـن قبائل جرباء

وأذرح وقضاعة وبني الحرث وبني شظية والأوس والخزرج وجُرهم وأسد، إلا أنَّ هذا الوجود كان ضعيفاً. ووجدوا في بلاد نجد، وأكبر مراكزهم في دومة الجندل، وهم من قبائل طي والسكون والسكاسك وبني كلب وتغلب وتنوخ وكندة "9".

التكوين السياسي العربي المسيحي

بسبب توزُّع العرب المسيحيين جغرافياً وتنوّع انتمائهم القبلي، لا يمكن القول بوجود تكوين سياسي بارز وجامع، إضافة إلى الهيمنة الرومانية في الشام والهيمنة الفارسية في العراق التي حالت دون بروز العرب كقوة سياسية متحدة وفاعلة. وكل ما يمكن قوله هو وجود كيانات صغيرة يغلب عليها الطابع القبلي في بادية الشام بوجه خاص وهي التي كانت تحت رعاية الدولة الرومانية. لقد ظهرت كيانات يقودها زعماء محليون أُطلق عليهم لقب "فيلارك" وهو أقرب ما يكون إلى شيخ أو مقدَّم وإن سموا أنفسهم، تجاوزاً، ملوكاً أو أمراء، ولعل من أبرز هذه الكيانات القبلية مملكة كندة وإمارة دومة الجندل بين الشام والحجاز، إضافة إلى مملكة اليمن.

إلا إنَّ العرب المسيحيين استطاعوا أن يوجدوا ما يمكن تسميته "دولة"، واحدة في الشام وهي دولة الغساسنة وعاصمتها "بُصرى"، وأُخرى في العراق وهي دولة المناذرة وعاصمتها "الحيرة". ولكن يجب ملاحظة أن هاتين الدولتين تكونتا قبل تحول ملوكها إلى المسيحية في القرن السادس على الأرجح، كما أنَّ رعاياها لم يكونوا كلهم من العرب بل فيهم السريان من السكان الأصليين وفيهم جماعات من أُصول رومانية ويونانية.

ولقد كان للرومان في الشام وللفرس في العراق مصلحة في تكوين هاتين الدولتين ومدهما بالدعم والرعاية وهي أن تتولى الدولتان حماية الأراضي الواقعة تحت النفوذ الروماني والفارسي من أية هجمات بدوية تأتي من داخل الجزيرة العربية، ولهذا كانت دولة الغساسنة تحت النفوذ الروماني البيزنطي ودولة المناذرة تحت النفوذ الفارسي "10".

إلا أنَّ المفارقة الكبرى هي أنه في الوقت الذي برزت قوة أهل نجد والحجاز بظهور الإسلام بداية القـرن السابع، كانـت الإمبراطورية الرومانية قد قللت مـن

دعمها لدولة الغساسنة بسبب خلافات مذهبية، وكانت الإمبراطورية الفارسية قد خلخلت دولة المناذرة بسبب تمرّد الملك النعمان بن المنذر عليها، فكان هذان السببان من عوامل نجاح الفتح العربي الإسلامي القادم من وسط الجزيرة العربية لبلاد الشام والعراق من جهة، وإضعاف النفوذ البيزنطي وتراجعه في المنطقة وسقوط الإمبراطورية الفارسية من جهة أُخرى. وكان سقوط دولتي الغساسنة في الشام والمناذرة في العراق بدايةً لضمور الدَور العربي المسيحي.

التكوين الحضاري العربي المسيحي

ظلَّ العرب المسيحيون في هذه المرحلة، كباقي العرب، يتوزعون بين البداوة والحضارة. ولهذا كان قسم كبير منهم يعيش حياة البداوة والترحال في باديتي الشام والعراق وأطراف الجزيرة العربية. ولكنَّ القسم الآخر دخل الحضارة واعتاد حياة المدينة ومارس المهن المستقرة من زراعة وتجارة وحِرَف أبدعوا فيها بعد أن خبروها من البيزنطيين والفرس بشكل رئيس، سواء في حواضر الشام والعراق واليمن وبعض مناطق الحجاز ونجد كدومة الجندل.

ومع ذلك لا يمكن القول أنَّ العرب المسيحيين من سكان الحواضر قد برزوا في العلوم، ولا يمكن القول أنهم ساهموا بوضوح في تطوير هذه العلوم، ولكنهم هضموها واستفادوا منها وطوروا حياتهم في ظل الحضارة المستوردة. ولهذا ظلوا يعتبرون الشعر والخطابة مناخهم الثقافي الأول، برغم تراجع هذا المجال في دولتي الغساسنة والمناذرة بسبب احتكاكهم اليومي باللغتين السريانية واليونانية اللتين كانتا لغتي الحضارة والكنيسة في ذلك الوقت، إلى الحد الذي جعل بعض العرب المسيحيين يتحولون إلى السريانية أي "تسرينوا" على حد وصف الأب قنواتي "11".

لقد برز شعراء وخطباء مجيدون، ومن غير المغالاة في اعتبار أكثر شعراء هذه المرحلة، التي سبقت الإسلام، من المسيحيين، بمن فيهم أكثر شعراء المعلقات، فإنه يمكن القول بلا تردد أنهم تأثروا بالمسيحية بدليل احتواء أشعارهم على ذكر للرموز المسيحية ووصف لدور عبادتهم من كنائس وأديرة ورهبانهم، بل والتأثر بعقائدهم، كأمية بن أبي الصلت وأمروء القيس والنابغة الذبياني وعمرو بن كلثوم وكثيرون آخرون. إلا أننا نذكر ثلاثة من فحول الشعر العربي لا مجال للشك في نصرانيتهم: الأول قس بن ساعدة الأيادي، أسقف نجران، فهو

أخطب خطباء العرب قبل الإسلام وأكبر شعرائهم، والثاني عَدي بن زيد وزير النعمان ملك المناذرة الأخير في العراق وزوج ابنته هند، والثالث عثمان بن الحويرث بن أسد من قريش .

إلا أنَّ الدَور الأكبر الذي برز فيه العرب المسيحيون في هذه المرحلة، ويمكن اعتباره إنجازاً تاريخياً ومفصلاً بارزاً في التاريخ العربي، بل والحضارة العربية، هو "اختراع" الحرف العربي الحديث، الذي نقل اللغة العربية نقلةً نوعية من لغة مَحكيَّة إلى لغة كتابة، ففتح أمام العرب أفقاً جديداً لجعل اللغة العربية لغة رائدة، وهذا ما أثبته التاريخ اللاحق.

لقد كان عرب الجنوب في اليمن يستخدمون نوعاً من الكتابة يسمونها "المُسند"، وحروفها منفصلة وتصويرية بدائية قريبة من الحرف الحبشي، ويمكن كتابتها من اليمين إلى اليسار ومن الأعلى إلى الأسفل، وهي التي عرفها العرب الجنوبيون "الحميريون" حتى القرن السادس، ولم تنتشر بين العرب الآخرين إلا بقدرٍ محدود لا يكاد يذكر.

وفي وقت لاحق، بدأ النصارى العرب في شمال الجزيرة العربية يستخدمون حرفاً جديداً اصطنعوه من الحرف السرياني الآرامي، الذي كان سائداً لدى "النبط" وهم حلقة الوصل بين العرب والسريان. وقد نُسب الحرف الجديد الذي  سُمي "الجَزم" إلى رجال مسيحيين ثلاثة من "بولان" من قبيلة طي، يسكنون "الأنبار" في العراق، وهم "مرامر بن مرّة وأسلم بن سدرة وعامر بن جدرة"، فقد وضع هؤلاء الخط الجديد، وقاسوا هجاء العربية على هجاء السريانية، وعلَّموه أهلَ الأنبار وانتقل إلى الحيرة، وبعدها إلى داخل الجزيرة العربية. (وفي الكوفة تمَّ تطويره لاحقاً بعد الإسلام). فهو خطٌ وحرفٌ وكتابةٌ من صُنع العراقيين العرب المسيحيين، وقد أكدتَّ هذا الكثير من المصادر والمراجع العربية، كالسيوطي في المزهر، والفهرست عن أبن عباس، والعقد الفريد عن أبن عبد ربه، والبلاذري في فتوح البلدان، كما أنَّ المعلقات كتبت بالحرف العربي الجديد ووضعت على أستار الكعبة في مكة. ووجد أقدم أثرين لهذه الكتابة، يرجع الأول إلى سنة 512 ميلادية في جوار الفرات، والثاني إلى سنة 568 للميلاد في حرّان. ولقد أكد علماء مستشرقون هذا الرأي ومنهم المستشرق "دي سي"  الذي أثبت أنَّ فنَّ الكتابة العربية هو من صنع نصارى العرب العراقيين "12".

البند الثاني: العرب المسيحيون في العهد العربي الإسلامي

يمكن تقسيم هذا العهد إلى مراحلَ تاريخية ثلاث هي: مرحلة صدر الإسلام وتشمل عهد الدعوة حتى وفاة الرسول وعهد الخلفاء الراشدين، ومرحلة الخلافة الأُموية، ومرحلة الخلافة العباسية.

مرحلة صدر الإسلام

في بداية الدعوة الإسلامية في "مكة"، كان عديد العرب المسيحيين فيها قليلاً، وكان صاحب الدعوة "محمد بن عبد الله" يمتد بالنَسَب إلى جدِّه الخامس "قصي بن كلاب" الذي كان على علاقة طيبة بالغساسنة والروم من خلال عيشه جزءً من حياته بينهم في الشام وإسنادهم له في تولي سدانة الكعبة من خزاعة، وبالتالي الزعامة الأدبية على مكة، وهو في الوقت نفسه الجدُّ الرابع لكلِّ من: القس ورقة بن نوفل الذي كان على علاقة وثيقة بصاحب الدعوة الإسلامية، ولخديجة بنت خويلد زوجة الرسول محمد صاحب الدعوة. ومن هذه القاعدة بُنيت علاقة طيبة مع نصارى مكة، ولهذا السبب، ربَّما، لم يتخذ نصارى مكة موقفاً عدائياً من محمد رسول الإسلام ولا من دعوته، وقد يضاف سببٌ آخر هو عدم ظهور تعارض واضح بين الدعوة الجديدة والعقيدة المسيحية القائمة على التوحيد والإيمان بالله وباليوم الأخر. وكانت الآيات المكّية من القرآن تدعو إلى المودة مع النصارى (المائدة: 82) والجدال معهم بالتي هي أحسن (العنكبوت: 46) وتوقير القسيسين والرهبان (المائدة:82) وتبجيل عيسى بن مريم وتكريم أمه والإقرار بمولده المُعجزي، ولهذا لا يذكر التاريخ في هذه المرحلة أيَّ صدام من أيِّ نوع بين النصارى في مكة والمسلمين.

وبعد الهجرة إلى المدينة تطورت الدعوة وقويت واستقطبت شخصيات قوية ومتشددة، وفي الوقت نفسه وجد المسلمون أنَّ هناك تجمعات مسيحية تكاد تكون أشبه بالإمارات، كدومة الجندل في نجد على طريق الشام، ونجران في اليمن، لذلك حصل احتكاك معها، ودعيت هذه التجمعات إلى الدخول في الإسلام، فأسلم القليل منها، ولكنَّ غالبيتها طلبت أن تبقى على مسيحيتها، وانتهى الأمر بعقد معاهدة مع رسول الإسلام بأن تبقى على دينها وتدفع جزية معلومة، وقد أقرت هذه التجمعات (الإمارات) بزعامته السياسية "13". ولهذا يمكن القول أنَّ المسالمة بين المسلمين والمسيحيين في جزيرة العرب كانت هي الغالبة حتى وفاة الرسول.

ولكن بعد تولَّى "أبو بكر الصديق" شؤون المسلمين كخليفة أول، وبسبب "الردّات" التي حدثت بعد وفاة الرسول، بدأت تحصل مصادمات مع هذه التجمعات، فقد توجه خالد بن الوليد سنة 12 هجرية إلى قبيلة بني كلب في دومة الجندل، برغم المعاهدة التي كانت قد أبرمت في عهد الرسول، وحصلت مواجهة عسكرية انتهت بقتل الكثير من المسيحيين من بني كلب ومَن ناصرهم من قبائل مسيحية أتت من الشام. وكانت هذه أول مواجهة بين عرب مسلمين وعرب مسيحيين.

وفي خلافة عمر بن الخطاب، وفي العام 13 للهجرة، تمَّ طرد مسيحيي نجران في اليمن وتوزعوا بين الشام والعراق، وقام الخليفة عثمان بي عفان بتخفيف الجزية عنهم، وحين طلبوا من الخليفة علي بن أبي طالب إعادتهم إلى موطنهم في اليمن رفض طلبهم، فبدءوا يتجهون شمالاً داخل العراق.

أما في عُمان، فقد دخل مسيحيوها الإسلام للتخلص من الجزية التي كانت تعادل نصف ثروتهم.

وفي العراق، توجه خالد بن الوليد نحو الحيرة سنة 12 هجرية، وعرض على أهلها الإسلام أو الجزية أو المنابذة، فاختاروا الجزية. ولكنَّ مسيحيي بكر بن وائل يساندهم بعض عرب الضاحية في الحيرة واجهوا خالد بن الوليد، وحين خسروا المعركة قام بقتل من تمَّ أسره منهم. أما بقية العرب من مسيحيي العراق فقد قاتلوا إلى جانب المسلمين العرب ضد الفرس في معركتي الجسر والبويب سنة 13 هجرية، ومنهم فرسان من قبيلتي النمر وتغلب، وكان مقتل "مهران" قائد الفرس على يد غلام تغلبي.

أما في بلاد الشام، فقد انقسم العرب المسيحيون بين محارب للمسلمين الفاتحين وبين مساند لهم. فجماعات من قبائل بهراء وكلب وسليح وتنوخ ولخم وجذام وغسان حاربوا إلى جانب الروم، في حين ساندت قبائل عاملة والقيس وقضاعة وجماعات أُخرى من لخم وجذام وغسان العرب المسلمين بدافع قومي. ويمكن القول أنَّ وضع مسيحيي الشام من العرب كان معقَّداً، وقد انتهى قسم منهم إلى الهجرة وقسم آخر دفع الجزية والقسم الثالث دخل في الإسلام "14".

ونخلص من هذا إلى أنَّ الوجود العربي المسيحي قد تضعضع في عهد الخلفاء الراشدين في أنحاء الجزيرة العربية واليمن والعراق والشام، وتفرقت القبائل عن كنائسها، ولكن بقيت لهم بعض القوّة في بلاد الشام أكثر من باقي الأقطار العربية.

مرحلة الخلافة الأُموية

 أدى استيلاء معاوية بن أبي سفيان على الخلافة، إلى تأسيس دولة إسلامية ذات توجّه "عروبي"، وتحوّل الحكم إلى ما يمكن وصفه بالملكي الوراثي. فالخلافة انحصرت بالأُمويين يتناقلونها باختيار الخليفة لولي عهده من الأُسرة الأُموية، وتأتي المبايعة من الناس لاحقاً بعد تولي الخلافة، فأصبحت مبايعة شكليّة. وجاء اختيار "دمشق" عاصمة للدولة الجديدة ليخلق أوضاعاً جديدة. فدمشق مركز حضاري ومفتاح الاتصال بالعالم الخارجي وبالحضارة الغربية وبالتراث اليوناني بالذات. وفي دمشق اتصل المسلمون، للمرة الأُُولى، بالفكر المسيحي وبالمسيحية الحقيقية غير المشوَّهة بالبدع والهرطقات التي سادت جزيرة العرب "15".

لقد جاء التوجه العروبي للدولة الجديدة، والطبيعة البراغمتية لمعاوية، ورغبته في تأسيس دولة على النمط الحديث المتعارف عليه آنذاك والذي تمثله الدولة الرومانية، لينصبَّ في اتجاه مريحٍ للعرب المسيحيين، بل وللمسيحيين السريان أيضاً، خاصة بعد استقرار الأوضاع السياسية وتوقف هذه الدولة عن الحملات والفتوحات. فقد تمَّ توفير قدر من الحرية الدينية، برغم تحديد عدد الكنائس، وأخذت السلطة الجديدة تقرِّب المسيحيين وبدأ بعضهم يتولى مسؤوليات في الدولة، فطبيب معاوية الأول كان مسيحياً، وكان وزير ماليته "يوحنا الدمشقي" الجَد مسيحياً، وكان "الأخطل" الشاعر الرسمي لبني أُمية مسيحياً. وعلى الصعيد الديني حصل تلاقح وتواصل بين الفكر المسيحي والإسلامي، وحصلت مناظرات دينية، وتأثر المتصوفة المسلمون بالنسّاك المسيحيين "16".

وفي هذه المرحلة بدأت اللغة العربية تنتشر بين المسيحيين من غير العرب على حساب اللغة السريانية (بلهجتيها الشرقية والغربية)، ويمكن القول أنَّ بعض السريان بدأ " يستعرب" إي يتحولون إلى العربية، على عكس ما كان حاصلاً في عهد الدولة الغسانية. وعاد الشعر العربي يزدهر، وكان من بين الشعراء العرب مسيحيون، أبرزهم الأخطل (غياث التغلبي) الذي اعتبروه شاعر بني أُمية كما ذكرنا، وكان من أبرز الشعراء العرب، حتّى أنّ جرير الشاعر الكبير قال عنه للتدليل على فحولته الشعرية: "أدركته وله ناب ولو كان له نابان لأكلني"، وكـان يتمتع بمكانة اجتماعية

مرموقة بين المسلمين. وكذلك نذكر الشاعر أعشى بني تغلب وهدبة بن الخشرم وشمعلة التغلبي وهناك غيرهم كثيرون "17".

أما من الناحية السياسية، فلا يمكن القول أنَّ عموم المسيحيين تمتعوا بمراكز مرموقة في الدولة، ولهذا فقد اتجهوا إلى التجارة والزراعة والحرَف والمهن والعلوم "18"، والترجمة من اليونانية والسريانية إلى العربية. وحتّى المناصب القليلة التي حصل بعضهم عليها تمَّ سحبها منهم في عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز، الذي أصدر أمرين: الأول منع غير المسلمين من تولي الوظائف العامة، مما أدى إلى تخلي وزيره "يوحنا الدمشقي" الحفيد عن منصبه، والثاني مضاعفة الجزية عليهم مما أُضطرَّ الكثير من فقرائهم إلى الدخول في الإسلام.

    والخلاصة أن العرب المسيحيين لم يواجهوا مصادمات خلال المرحلة الأُموية، باستثناء عملية القضاء على "المقاومين"، الذين رفضوا القبول بالحكم الإسلامي بعد انتصار العرب المسلمين في معركة اليرموك، فانسحبوا إلى السواحل اللبنانية وشكَّلوا قوّة مقاومة كانت تتألف من أثني عشر ألف رجل تحت اسم "المَرَدة"،  وقائدهم "الياس"، وكانت نهايتهم المأساوية، بقتل قادتهم وتشريد عناصرهم، نتيجة اتفاق "سياسي" بين الخليفة عبد الملك بن مروان وقيصر الروم آنذاك.

مرحلة الخلافة العباسية

أدى سقوط الدولة الأُموية أو إسقاطها على يد العباسيين إلى انتقال مركز الخلافة الإسلامية إلى العراق. وفي وقت لاحق أنشأ الخليفة أبو جعفر المنصور مدينة بغداد لتكون عاصمة الخلافة الجديدة. وبما أنَّ العباسيين اعتمدوا على المسلمين غير العرب في تحقيق انتصار دعوتهم، فقد حصل تحوُّل في سياسة الدولة الإسلامية أضعف الدّور العربي لحساب القوى الإسلامية غير العربية، والفرس بخاصة.

لقد انعكس هذا سلباً على العرب المسيحيين، وكان العباسيون ينظرون إليهم بحذر باعتبارهم موالين للأُمويين، أو هكذا صوِّر لهم. ومن هنا تم استبعاد العرب المسيحيين وتقريب المسيحيين من غير العرب، ومن الذين يقطنون الأراضي الفارسية، فلم يبرز عرب مسيحيون في المرحلة العباسية باستثناء القليل منهم.

ومن الناحية الدينية، تعرَّض المسيحيون لبعض المضايقات بتأثير آراء بعض الفقهاء الذين قويت شوكتهم في المرحلة العباسية، وكانت أوضاعهم تتأرجح بين التسامح والتشديد بحسب تأثر الخلفاء بهذه الآراء أو الفتاوى. لقد وصل الأمـر إلى 

حدِّ فرض بعض القيود على نشاطهم الكنسي، وإجبارهم على ارتداء أزياء خاصة بهم تميزهم عن المسلمين، وتحديد تنقلاتهم وإقامتهم، إلا أنَّ هذا لم يطبَّق بصورة دائمة "19".

إلا أنَّ التشدد الأكبر الذي واجه العرب المسيحيين كان في عهد الخليفة العباسي "المهدي"، فقد تمكن من تحويل الرجال من نصارى تنوخ المقيمين في حلب إلى الإسلام بعد أن ضرب عنق سيدَّهم "ابن محطة" ثم هدم كنائسهم، حسب رواية ابن الكلبي، وهربت نساؤهم إلى الغرب. وفي عهده أيضاً تم تحويل بني سليح المقيمين في "قنسرين" إلى الإسلام . ولهذا ما أن انتهى القرن العاشر الميلادي حتى كانت التجمعات القبلية العربية المسيحية قد تفرقت واندمج من بقي منها بمسيحيي الشام والعراق باستثناء بعض العشائر في حوران وشرق الأردن "20" التي ينتسب إليها الكثير من مسيحيي الأردن الآن.

وبتشتت القبائل العربية المسيحية تشتت الأسقفيات العربية، فقد لجأ من تبقى منهم إلى الكنائس القائمة في العراق والشام وانتسبوا إليها، وهي الكنيسة اليعقوبية وكنيسة المشرق النسطورية، اللتين تمتعتا بقدر من الحرية تجاه الدولة بسبب عدم ارتباطهما بكنائس خارجية، وكذلك كنيسة الروم الملكيين التي تعتبر كنيسة العرب الأصليين ومازالت، ومعها الكنيسة المارونية لاحقاً. ومن خلال هذه الكنائس مارس العرب المسيحيون شعائرهم، وكانوا ما يزالون يحتفظون ببعض أبرشياتهم العربية في العراق من خلال الكنيسة النسطورية والكنيسة اليعقوبية ومنها: أبرشية التغالبة وأبرشية نجران والكوفة وأبرشية القبائل وأبرشية الحيرة وأبرشية الأنبار. إلا أن هذه الأبرشيات بدأت تختفي مرحلة بعد مرحلة حتى لم يعد لها وجود فعلي بعد القرن العاشر الميلادي"21".

ومع ذلك، ساهم العرب المسيحيون في تحقيق النهضة العلمية والأدبية في العهد العباسي، حين أصبحت بغداد منارة الحضارة، وكان عدد المسيحيين المستعربين من أُصولٍ آرامية وآشورية، قد ازداد واندمجوا بالعرب المسيحيين الأصليين، وقد ساهم العرب المسيحيون في نقل التراث اليوناني إلى العربية ومنهم: يحي بن عَدي وعيسى بن علي ويحيي بن البطريق وثابت بن قرّة. وبرز فيهم أطباء منهم: حنين بن اسحق العبادي وأبو الحسن عيسى وعيسى بن يحي وعيسى بن العطار وأبو الفرج بن القف وغيرهم كثيرون، وبرز شعراء مُجيدون منهم: أبو قابوس عمرو بن سليمان وبشر بن هارون، ومثلهم فعل المسيحيون المستعربون، بل فاقوهم في النقل والترجمة "22".

البند الثالث: العرب المسيحيون في العهد الإسلامي غير العربي

المرحلة المغولية

إنَّ العامل الأساس في نجاح الحركة العباسية وتأسيس الخلافة العباسية، هو العامل نفسه الذي ساهم في تفتيت وإنهاء هذه الخلافة، أعني به العنصر غير العربي، والفارسي تحديداً. لقد لعب المسلمون غير العرب دوراً كبيراً في إضعاف الخلافة العباسية من خلال محاولاتهم المتكررة للسيطرة على الحكم، مباشرةً أو مداورة. ومن أهم الأساليب التي اُستخدمت تأجيج الصراع بين بني العباس أنفسهم، والذي بلغ أوجَه بين الأمين والمأمون. ولهذا فإنَّ سلطة الخلافة كانت قد ضعفت بعد هذا الصراع وسيطرت جماعات غير عربية على السلطة في مناطق متعددة من دولة الخلافة، وانتهى الأمر بأن فقد الخليفة سلطته الفعلية ولم يبق له، فعلياً، سوى بغداد، ودعاءٌ باسمه على المنابر في المساجد.

في هذا الجو المشحون، كانت قوة عظيمة وغاشمة وطامعة، هي المغول،   تتحرك باتجاه بغداد، بعد أن احتلَّت مناطق شاسعة من أراضي الخلافة. وفي العام 1258 طوَّق "هولاكو" القائد المغولي غير المسلم وحفيد "جينكيزخان" مدينة بغداد ودخلها في 10 شباط 1258 وقتل الخليفة "المستعصم" ناكثاًً عهد الأمان الذي أُعطي له، واستُبيحت بغداد وأُبيد ما يقرب من ثمانمائة ألف من أهلها. وبرغم دخول أكثرية المغول في الإسلام إلا أنهم بقوا على خشونتهم وغلظتهم وأخذوا يتنازعون على السلطة وانقسمت البلاد إلى دويلات وتعاقبت السلالات الحاكمة، وسادت الصراعات، وبهذا دخل العالم العربي كلّه عهد الظلام "23".

هناك زعم بأنَّ "هولاكو" لم يتعرَّض للمسيحيين عند دخوله بغداد وطيلة حكمه تأثراً بوالدته وزوجته المسيحيتين، ولكنَّ الحكم القاسي لا يستطيع أن يستثني فئة من ظلمه، فهو حكم غاشم بطبيعته. وعلى أية حال فإنه باستلام السلطان المسلم "غازان خان" الحكم السنة 1295، حدث انقلاب في التعامل مع المسيحيين ( وهنا لا يمكن فرز المسيحيين العرب عن غيرهم من المسيحيين لأنَّ السلطة الجديدة تميّز على أساس العرق المغولي من غيره فقط، وعلى أساس الدين) إذ بدأ هو خلفاؤه من بعده، عملية اضطهاد سافرة بهدم الكنائس، واعتقال الرؤساء من المسيحيين، وطمغ الوجوه بعلامات مميَّزة، وإزالة اللحى، بل وقلع العين وغير هذا من أعمال الاضطهاد، فهاجر الكثيرون إلى شمال العراق وتركيا. وحين احتل "تيمورلنك" بغداد في العام 1400، أتى على البقية الباقية من سكانها المسيحيين. ولقد انتهى الحكم المغولي على يد الفاتح العثماني في العام 1516. "24" وكان هذا عهداً مظلماً على العرب، المسلمين والمسيحيين.

المرحلة العثمانية

عندما تقع بلادٌ ما فريسة لغاصب شرس، وعندما تفقد القدرة على التخلص منه، فإنَّ الطريق الوحيد الباقي هو إطاحته من غاصب أقوى منه. وهذا ما حصل للبلاد العربية والعراق منها. فقد توجهت قوة غاشمة أُخرى وطردت الحكّام المغول الذين انشغلوا بصراعاتهم، وحلَّت محلهم. هذه القوّة كانت "بني عثمان" الذين قويت شوكتهم وسيطروا، تدريجيا،ً على مناطق شاسعة ومنها بلاد العرب، وكانوا قد دانوا بالإسلام، واستخدموا الدين غطاءً لنواياهم السياسية، فمنحوا سلطانهم صفة خليفة المسلمين ليكسبوا ودَّ المسلمين، واعتبروا أنفسهم امتداداً للخلافة الإسلامية، فأسسوا الدولة العثمانية، وكان السلطان العثماني خليفة المسلمين.

لقد أحدث العثمانيون تغييرات مهمة في النظام السياسي والاجتماعي، فقسموا السلطنة إلى ولايات، وبات العراق، مثلاً، ولايات ثلاث هي بغداد والموصل والبصرة، وقسَّموا شعبهم والشعوب التي أخضعوها على أساس ديني: مسلمين وذميين (مسيحيين ويهود)، الذين طبِّق عليهم نظام "الملَّة أو الطائفة". أما القومية فلم تكن محل اعتبار من الناحية النظرية، ولهذا فقَدَ العرب، المسلمون والمسيحيون، أهم عنصر من عناصر الهوية التاريخية وجذور الشخصية، وضَعف معها الاهتمام باللغة العربية التي هي الخاصية الأولى للقومية. ولكن من الناحية الواقعية سيطر العنصر التركي على كلِّ مفاصل السلطة والإدارة والجيش، ثمَّ تحوَّلت الناحية الواقعية إلى نظام مكشوف بسيطرة حزب تركيا الفتاة على السلطة في العام 1908 حين أُعلنت سياسية التتريك، وكانت الشرارة الأخيرة التي انطلقت منها حركة التحرر العربية كردِّ فعلٍ مضاد، وبعد إعدام كوكبة كبيرة من العرب في ساحات دمشق وبيروت بخاصّة.

لقد تعرَّض المسيحيون إلى تقلبات في التعامل معهم من السلطات العثمانية والولاة. ولم يسلموا من جور التعصب الديني في الكثير من المراحل، ونُعتوا بالكفار، وتعرضوا للإهانات الشخصية، والتضييق في ممارسة الشعائر الدينية وتقييد بناء وترميم الكنائس والأديرة، ومضاعفة الجزية، والمنع من ركوب الخيل، وتقلّد السيوف، وارتداء اللباس الملون، وغيرها من الموانع الغريبة "25"، إضافة إلـى الاضطهادات الدامية التي تعرَّض لها المسيحيون من الأرمن والسـريان والآشوريين "26" "، مما حدا ببعض الفقهاء المسلمين المستنيرين إلى استنكار هذه الممارسات.

ولكن في المرحلة التي تولى فيها محمد على باشا الكبير الحكم في مصر والشام، لقي المسيحيون في هذين القطرين معاملة جديدة اتسمت برفع القيود الكثيرة عنهم وتمكينهم من ممارسة حياتهم بصورة مشَّرفة وطبيعية، وقد سار ابنه إبراهيم باشا على نهجه "27"، فكانت هذه مرحلة إيجابية من مراحل التاريخ العثماني، ولكنَّ هذا بفضل انفتاح هذا الوالي وابنه وقدرتهما على ممارسة سلطة فيها قدر من الاستقلال عن الباب العالي. ويمكن إضافة الحرية الجزئية التي مارسها أهالي جبل لبنان من خلال نظام "المتصرفية" الذي طُبِّق هناك. 

ولكن عموماً، لم يكن للعرب المسيحيين خاصيَّة معينة، ودمجوا بالمسيحيين من القوميات الأُخرى، فهم ذميون لهم حقوق أهل الذمة وعليهم واجباتها، وبهذا كانت خسارتهم مزدوجة، فقوميتهم ليس لها اعتبار (وفي هذا يشتركون مع العرب المسلمين) فهم "رعايا" من الدرجة الثانية، ولكن بما أنهم ذميون بحكم انتمائهم الديني، فهم كنتيجة فعلية "رعايا" من الدرجة الثالثة. ومن هنا كانوا يحسّون بالغبن أكثر من غيرهم. ممّا ساعد في أن يكون دَورهم رائداً في حركة التحرر العربية التي توِّجت بالثورة العربية الكبرى وانتهت بانسلاخ البلاد العربية عن الدولة العثمانية عقب الحرب العالمية الأولى، بل وسقوط الدولة العثمانية نفسها لأسباب أكبر أهمها الهزيمة في هذه الحرب ورغبة الأتراك أنفسهم بالتغيير.

البند الرابع: العرب المسيحيون والنهضة العربية

ريادة حركة النهضة العربية

إنَّ الغبن الذي لحق العرب المسيحيين في حقوقهم الدينية والقومية والاجتماعية والسياسية كان عاملاُ رئيساً، كما رأينا، في التفكير في التحرر من الحكم العثماني، ولكنّه كان عاملاً مشتركاً مع المسيحيين الآخرين ومع العرب المسلمين.

إلا أن عاملاً آخر، بالغ الأهمية، ساهم في قدرتهم على ريادة حركة النهضة العربية والتحرر العربي فكرياً وثقافياُ، وفي أن تكون هذه الريادة مبكِّرة وسبّاقة، وهي اتصالهم بالثقافة الغربية وبالأفكار القومية التي سادت الغرب في القرن التاسع عشر. وقد لعب المثقفون السوريون واللبنانيون الدور الأكبر في هذا المجال، ومنهم الأُدباء والشعراء المغتربون كجبران خليل جبران وإيليا أبي ماضي وميخائيل نعيمة، والكتّاب الذين كانوا من دعاة القومية العربية بمنظور حضاري وثقافي نهضوي وليس من منظور عنصري، ودعاة للوحدة العربية وللإصلاح السياسي والاجتماعي والتوجه الليبرالي ومنهم: أديب اسحق وسليم سركيس وشبلي شميل ونجيب عازوري وغيرهم.

ولم يقتصر الأمر على النشاط الفردي بل تعداه إلى تأسيس الجمعيات الفكرية والثقافية والعلمية، في بلاد الشام بخاصة، التي لعبت دوراُ بارزاً في النهضة العربية منذ العام 1846 وما بعده ومنها: مجمع التهذيب والجمعية السورية لاكتساب العلوم والفنون والجمعية المشرقية والجمعية العلمية السورية.

وفي مجال اللغة العربية، كان للمسيحيين العرب القدح المعلّى، بلا مبالغة، في الدعوة إلى الحفاظ والترويج للغة العربية وإحياء التراث العربي، بل اعتبروا التراث العربي الإسلامي جزءً مهماً منه. ولقد برع آل اليازجي وآل البستاني في هذا المجال، ولا يمكن نسيان قصائدهم الداعية إلى نهضة العرب ومنها القصيدة البائية لناصيف اليازجي التي فيها: (تنبَّهوا واستفيقوا أيها العربُ    فقد طمى السيلُ حتى غاصت الرُكَب) "28". كما لعبت الرهبانيات اللبنانية دوراً مهماً في الحفاظ على اللغة العربية والعناية بها. ولا يمكن نسيان الأب أنستاس ماري الكرملي في العراق الذي كان علَماً من أعلام اللغة العربية ومدافعاً قوياً عن سلامتها".

أما في مجال الفكر فقد برز مفكرون كثيرون من العرب المسيحيين منهم: قسطنطين زريق وسلامة موسى وفرح أنطون ونقولا زيادة وإدوارد سعيد. وفي مجال الصحافة والفنون والمسرح والسينما أيضاً كان العرب المسيحيون رواداً بارزين فيها في سوريا ولبنان ومصر والعراق، ففي الصحافة أنطوان الجميل وجرجي زيدان في مصر وروفائيل بطي وتوفيق السمعاني وآل جبران في العراق وآل تويني في لبنان، وفي المسرح والسينما جورج أبيض ودولت أبيض ونجيب الريحاني (الموصلي الأصل) وآسيا داغر وهنري بركات ويوسف شاهين في الإنتاج والإخراج السينمائي، والرواد والمبدعون كثيرون في العراق وبلاد الشام (سوريا ولبنان والأردن وفلسطين) وفي مصر. ولعل من المفيد التذكير بأنَّ الموصل في العراق كانت السباقة في ظهور الفن المسرحي تأليفاً وإخراجاً وتمثيلاً، فبإشراف كنائس الموصل والمدارس التابعة لها قدمت مسرحيات عديدة ابتداء من العام 1882. "29"

وفي مجال الطباعة كانت الموصل في العراق هي السبّاقة أيضاً. ومن المفارقات أن تكون أول مطبعة باللغة العربية تدخل الموصل في بداية النصف الثاني من القرن التاسع عشر على يد الآباء الدومينيكان الفرنسيين، فكانت عاملاً مهماً من عوامل إحياء اللغة العربية.

أما في مجال السياسة، فقد برز سياسيون كبار من نتاج النهضة العربية، ومنهم فارس الخوري في سوريا الذي تقلَّد رئاسة مجلس النواب وربمّا رئاسة الوزارة، وبشارة الخوري وأميل أدة وكميل شمعون وآل فرنجية وآل الجميل في لبنان، ويوسف غنيمة وحنا خياط في العراق، وبطرس غالي الجد الذي تولى رئاسة الوزارة ومكرم عبيد سكرتير حزب الوفد في مصر.

والخلاصة إنَّ هذا الدور الريادي المبَّكر لحركة النهوض العربي لدى العرب المسيحيين يسمح لنا بالقول بأنه: إذا كان العرب المسلمون قد قادوا الثورة العربية والنهضة العربية عسكرياً، فإنَّ العرب المسيحيين كانوا روادَّ هذه النهضة فكرياً وثقافياً.

ضمور الدور الريادي

دام هذا الدور الريادي للعرب المسيحيين منذ منتصف القرن التاسع عشر حتى خمسينيات القرن العشرين، حين بدأ يضمر ويتضاءل. لقد دخلت عوامل عديدة لتقود العرب المسيحيين إلى هذه النتيجة، لعلَّ من أبرزها: تولّي النخب العسكرية للسلطة السياسية في بعض البلدان وفرضهم نظماً شمولية تتعارض والفكر الليبرالي الذي قامت عليه أفكار النهضة العربية، وتنامي الفكر القومي المنغلق الذي يتعارض والفكر القومي عند النهضويين العرب القائم على اعتبار "العروبة" انتماءً فكرياً وحضارياً، وتنامي الفكر الإسلامي المتشدد الذي لا يتعامل بروح المساواة مع الآخرين. وكانت النتيجة إن أُهملَ العرب المسيحيون في الميدان السياسي، وقابله خوف من جانب العرب المسيحيين من طغيان هذا المَد الجديد فعزلوا أنفسهم، وكان هذا خطأً كبيراً. إنَّ رجلاً وسياسياً بارزاً مثل "كميل شمعون"  رئيس جمهورية لبنان الأسبق، والذي كان يوصف بفتى العرب الأغر، والذي كان قد جعل لبنان محطة تصالح العرب في خلافاتهم، قد دُفع دفعاً إلى التحوَّل في فترة الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي.

الأديان ورسالة اللاّعنف

بقلم/ عبد الحسين شعبان

في رواية دستوفسكي الشهيرة «الأخوة كارامازوف» يتحاور إيفان وأليوشا وهما شقيقان، بخصوص عذاب الأطفال، فيقول إيفان لشقيقه ما معناه: القصاص أو العقاب عندي لا يساوي دمعة من عين طفل، أوَتقول لي إن الجلادين سوف يتعذّبون في الجحيم؟ ويتساءل ولكن ما جدوى ذلك؟ إنه يطلب الغفران وزوال العذاب.

استذكرتُ ذلك بمناسبة صدور كتاب الفيلسوف الفرنسي اللاّعنفي جان ماري مولير «نزع سلاح الآلهة: المسيحية والإسلام من منظور فريضة اللاّعنف» المترجم إلى اللغة العربية من قبل جامعة اللاّعنف وحقوق الإنسان في بيروت، وهو ما أعادني إلى حوار دار بين الزعيم اليساري الجزائري بشير الحاج علي وشاب معتقل معه، فيقول الحاج علي: كنت كلّما أفيق من المغطّس أسمع شاباً بجواري يقول سنعذّبهم مثلما عذّبونا، وسنستخدم جميع الوسائل لإذلالهم مثلما حاولوا إذلالنا، فما كان منه إلاّ أن يجيبه على الرغم من أنه خارج لتوّه من حفلة تعذيب: ولكن ما الفرق بيننا وبينهم إذا فعلنا ذلك؟ نحن نريد كنس التعذيب وإنهاءه كظاهرة لا إنسانية وإلى الأبد، وهو ما يسميه دستوفسكي «التناغم الأبدي».

عشية إطلاق كتاب «نزع سلاح الآلهة» اجتمع مؤلفه الفرنسي المسيحي مع رجلي دين مسلمين لبنانيين، فقال الشيخ حسين شحادة: لماذا اخترت عنواناً للكتاب «نزع سلاح الآلهة»، ألم يكن ممكناً اختيار عنوان «نزع سلاح الشياطين» بدلاً من الآلهة؟ فأجابه مولير على الفور ودون لحظة تأمل: ولكن الآلهة، هم الشياطين على الأرض، فالإله واحد، وهو الإله الحقيقي المنزوع السلاح، لأن الله محبة والمحبّة لا تجتمع مع العنف في قارب واحد.

أما إذا نسبنا محبتنا إلى الآلهة فهذا خطأ فظيع، لأن الآلهة هم من صنع البشر، أما الله فهو المطلق، الخير، السلام، التسامح، واللاّعنف. الله هو الذي خلق الإنسان ودوداً، عاقلاً، مسالماً، وحيثما وجد الإحسان وجد الله ووجدت المحبّة، وحيثما وجدت الطيبة حضر الله، وهدف جميع الأديان نشر الحب والرحمة والسلام، وليس العنف والغلظة والانتقام والقمع والإرهاب والحروب، وأضاف: إن الديانات ليست بالنصوص، بل بالعقيدة والمقاصد.

استكمل السيد علي فضل الله، هذا الحوار المعمّق، حول مفهوم اللاّعنف، حيث قال: إنه أقرب إلى الرفق، والرفق حسب القواميس يأتي من الرفقة، أي التواصل والمودّة والمشترك الإنساني، والشراكة، ومثل هذه المفاهيم وجدتها أيضاً، بخصوص مفهوم التسامح لدى الفيلسوف الفرنسي فولتير، الذي قال عنه بأنه الرفق والصبر، أما التعصّب فلا ينتج إلا منافقين وعصاة، وبما أن البشر خطّاؤون فعلينا أن نسامح بعضنا بعضاً.

لقد توصّلنا كل بطريقته إلى اللاّعنف، حتى وإن جئنا إلى فريضته أو فضيلته من مواقع ومنابع مختلفة بما فيها عنفية، لكننا اهتدينا إليه بعد تجارب مريرة عشناها وعانينا منها مثلما عانت منها شعوبنا وأوطاننا، وآن الأوان للبحث عن اللاّعنف في تراثنا وتعميمه، وليصبح هو القاعدة وليس الاستثناء، حتى وإنْ كنّا لا نستطيع إلغاء العنف من حياتنا.

وصديقنا الفيلسوف اللاّعنفي الذي يعتبر الأكثر شهرة في العالم المعاصر، ونعني به مؤلف الكتاب جان ماري مولير، انتقل إلى فريضة اللاّعنف، حين أريد له أن يقاتل في الجزائر، مع الجيش الفرنسي ضد الجزائريين الذين ذاقوا مرارة الاستعمار الاستيطاني الفرنسي ما يزيد على قرن وثلاثة عقود من الزمان، فرفض وامتنع وسجن (لمدة ستة أشهر) وأقصي، وهكذا تكوّنت لديه قناعات بأهمية الانخراط في العمل اللاّعنفي الذي كرّس له حياته منذ الستينات وحتى اليوم. إن كتابه «نزع سلاح الآلهة» هو دعوة للتأمل في ماهية الخير والشر، وقد جاء تتويجاً لعمل معرفي وحركية ديناميكية طوال ما يزيد على خمسة عقود ونصف من الزمان، وهو كتاب مرجعي تأسيسي، خصوصاً أنه شامل، لاسيّما بعد كتابه «قاموس اللاّعنف».

الفريضة أو الفضيلة التي يريد مولير تعميمها تمنحنا هذه القدرة الاستثنائية، من الحب والتطهّر والروحانية الإنسانية، وتقرّبنا من بعضنا على نحو يتّسم بتعزيز المشترك الإنساني، سواء كنّا من أتباع الديانة المسيحية أو من أتباع الديانة الإسلامية، وسواء كنّا مؤمنين أو غير مؤمنين، ومتدينين أو غير متدينين، لكننا نجتمع تحت خيمة اللاّعنف ذات الطبيعة الإنسانية.

وكان الروائي الروسي تولستوي، صاحب رواية «الحرب والسلام» المنشورة لأول مرة بين عامي 1865 و 1869، هو من دعا إلى عدم مقاومة الشر بالعنف، وأراد في كتابه «ما هو إيماني؟» الصادر عام 1884 القول: لا ترتكب عنفاً أبداً، بمعنى آخر، لا ترتكب أي فعلة مناقضة للمحبّة، أي أن الانتقام وسيلة سيئة مهما كانت المبررات. وقد تعزّزت أفكار اللاّعنف لدى تولستوي عندما حدثت الحرب الروسية- اليابانية في العام 1904 التي أدت إلى انتفاضة ثورية ضد حكم القيصر في العام 1905، لكنها لم تنجح وتمكّن القيصر من قمعها.

لقد كانت الحرب المتغير الكبير الذي استوحى منه تولستوي روايته الذائعة الصيت، وقد كانت مشاهد حرب الثلاثين عاماً في أوروبا بين الكاثوليك والبروتستانت، مقدمة للحرب الروسية - اليابانية، التي تحدّث عنها باعتبارها حرباً بين مسيحيين وبوذيين، يقتل أحدهما الآخر في حين أن المسيحية والبوذية، لا تدعوان للقتل وتحرّم ديانتهما قتل البشر، بل إن البوذية تحرّم حتى قتل الحيوانات.

لقد رفض تولستوي طاعة أوامر الدولة التي تفضي إلى العنف، لأنه غالباً ما يكون عنفاً ظالماً، وكان يقول لا للجيش الذي يلقّن العنف لقهر الشعب. وترك تولستوي تأثيراً كبيراً لدى المهاتما غاندي، وقد كتب الأخير عنه بمناسبة مئويته في العام 1928 نصاً مؤثراً حين قال: «كان أكثر رجال عصره صدقاً. اتّسمت حياته بجهد دؤوب محموم للبحث عن الحقيقة، ولوضعها موضع الممارسة بمجرد العثور عليها... إنه أعظم رُسل اللاّعنف الذين شهدهم عصرنا الحالي».

 إن تحقيق السلام حسب تولستوي لا ينبغي أن يفرض إلاّ بوسائل سلمية، ولا يريد من الأذلة المسحوقين (الضعفاء) سفك دماء الأقوياء. أراد لهم التمسّك بالتمرّد السالب، ورفض طاعة المتسلّطين الظالمين، وإذا تمكّن ملايين الفقراء من غير عنف، ومن غير محاكاة لبطش المتسلّطين، ومن غير ثورة مأساوية على الطريقة الغربية، من صرف قلوبهم وأذرعتهم عن فعلة الظلم والحرب والقتل، يومذاك سوف تنحلُّ سلطات الكذب والقهر البالية من تلقاء نفسها.

المراسلة بين غاندي وتولستوي عبّرت عن القناعة الأخلاقية المشتركة، لاسيّما أن تراث كل منهما غنيّ وعميق. وقد فهم تولستوي الأهمية العميقة بين عدم مقاومة الشر بالعنف، وبين الضمير والعصيان وعدم التعاون مع المؤسسات الرسمية التي تتحمل مسؤولية القهر، وقد استلهم حكيم روسيا ذلك من تراثه الديني المسيحي مثلما استلهم حكيم الهند ذلك من تراثه الديني البوذي.

 وإذا كان غاندي قد كتب عن تولستوي في مئويته، فقد كتب البابا بولس السادس رسالة إلى رئيس جمهورية الهند بمناسبة مئوية غاندي في 22 أغسطس/آب 1969 جاء فيها «كان لدى غاندي فكرة سامية عن الكرامة الإنسانية وحس ثاقب بالعدالة الاجتماعية، وبحماسة متّقدة وإدراك بصير بالخير المستقبلي لشعبه، عمل بلا هوادة للوصول إلى أهدافه غارساً دوماً في تلاميذه مبدأ اللاّعنف المثير للإعجاب». تلك هي رسالة الأب الروحي للمسيحيين إلى رمز الهند وحكمتها غاندي.

تلك دعوات رُسل اللاّعنف، أي المقاومة السلمية السلبية كما تسمّى، بمعنى عدم الرّد على العنف بالعنف وذلك ليس استسلاماً، بل مقاومة باللاّعنف، بالصمت والامتناع عن المشاركة في الحروب أو الانخراط في أعمال العنف أو التمرّد على أوامر الدولة ورفض دفع الضرائب والاحتجاج والتظاهر وصولاً للعصيان المدني، وهو ما اتبعه مارتن لوثر كنغ في حركته للمطالبة بالحقوق المدنية في الولايات المتحدة، وما قام به من نشاط تسامحي ولا عنفي نيلسون مانديلا زعيم جنوب إفريقيا.

إن المقاومة تلك حسب مولير قادرة على تغيير العالم الذي أراد فيه أن تكون «الآلهة» طيبة قبل أن تكون قويّة، وطالب بإلغاء ما يبرّر العنف والقطيعة ضد ما يدعو إليه، والدعوة إلى أخلاقيات موحّدة للعمل العالمي اللاّعنفي في المسيحية والإسلام، وفي ذلك دعوة ليس لقبول الحق في الاختلاف، بل لرفض التشابه والتماثل والتطابق، لأنه ليس من طبيعة الأشياء.

--------------------------------------------------------------

http://www.tahawolat.net/ArticleDetails.aspx?Id=7324&ArticleCategory=0

الكلدان العراقيون الأميركيون في ديترويت..

الكلدان العراقيون الأميركيون في ديترويت..        

المنجزات التاريخية والمشكلات الجديدة

د. سيّار الجميل*

الحياة الكلدانية الجديدة في مشيغان

عندما ازور  ديترويت دوما اكون موضع ترحيب من قبل الاخوات والاخوة الكلدان العراقيين فيها ، وهم يؤلفون جالية عراقية اميركية كبيرة تنتشر في عموم الولايات المتحدة وكندا ، وكان آباؤهم قد استقروا في ولاية مشيغان على امتداد تضاعيف القرن العشرين ، وكان اغلبهم قد تدفق بكثافة واستقر في ديترويت منذ عقد الستينات من القرن العشرين حتى فاق عددهم عبر هجرات متعاقبة اكثـر من 150 الف نسمة ، وفقا لما اعلمتني به مؤسستهم .. ويسعفنا الصديق جاكوب بكال من خلال كتابه بالإنكليزية الكلدانيون في ديترويت  Chaldeans in Detroit( نشر في الولايات المتحدة 2014 ، ص 11) عن معلومات مهمة وصور تاريخية تثبت وجود الكلدان العراقيين من الكاثوليك في ولاية مشيغان كمجموعات مهاجرة مبدعة على امتداد القرن العشرين ليتمتعوا بحرياتهم الاقتصادية والسياسية التي يعتبرون انهم كانوا محرومين منها في العراق ، وقد تكاثروا مستفيدين من القوانين التي صدرت عام 1965 ليزداد عدد المهاجرين الكلدان العراقيين اكثـر فاكثـر  .. ولقد تطورت ديترويت بفضل استثماراتهم ومؤسساتهم وفنادقهم واعلامياتهم ومشروعاتهم التنموية ، فضلا عن جمعياتهم الخيرية المتعددة .

واليوم ، يبلغ عددهم تقريبا 150000 كلداني يقطنون ديترويت وتوابعها ، وهناك ايضا 50000 استوطنوا كاليفورنيا ، والينويز ، وايروزونا ، وشيكاغو ومناطق اخرى في الولايات المتحدة ، ويضاف اليهم اكثر من 50000 كلداني آخر  في مجاميع تنتشر في مناطق وبلدان اخرى في العالم ، مثل : كندا واستراليا ونيوزيلندا واوروبا .. بمعنى ان اكثر من ربع مليون كلداني عراقي كان العراق قد فقدهم نهائيا ، وهم من ابنائه القدماء ، وقد اتوا جميعا في الاصل من الموصل وتوابعها في سهول الموصل الشرقية المزدحمة بالقرى والاديرة المسيحية ، وخصوصا من ناحية تلكيف  وقراها .

الكلدان : لم تزل هويتهم عراقية

لقد وجدت ان الكلدان في العالم يحملون العراق في وجدانهم وضمائرهم ، وقد حملوه معهم ، ولم تبق معهم الا ذاكرتهم التاريخية التي يريدون توريثها لأبنائهم واحفادهم بعد ان هاجروا او اجتثوا بالقوة من وطنهم الام لأسباب لا يمكن ان ينكرها اي عراقي منصف ، وهو يتابع ما يحدث في العراق منذ ستين سنة ، اذ تفاقم حجم الكراهية وتفوقت الاحقاد على قيم التسامح والتعايش المشترك ، فضلا عن انهم كانوا وما زالوا من مشارب سياسية مختلفة : شيوعيون وقاسميون وبعثيون وليبراليون وملكيون وغيرهم ، ولكنهم جميعا ضد النظام الرث الحالي الذي لم يجدوا في عهده اي امان ، ولا اية ثقة ، ولا اي احترام ، ويخشى المسيحيون العراقيون على من تبقى منهم في العراق ، فمشروع اضطهادهم وغيرهم من ابناء الطيف قائم حتى الان من قبل الاحزاب الدينية ومراكز القوى السياسية ورعاع السلطة ، وقد وصل الامر مؤخرا الى فرض الحجاب على بناتهم ونسوتهم ، فكان ذلك محل استنكار شديد من قبل بطريرك الكلدان لويس روفائيل الاول ساكو  في العراق  .

تعددت أسباب هجرة الكلدان من العراق الى ديترويت ، إلا أن معظمهم توجهوا الى " الحي الكلداني" لكي ينضموا الى الاسر الشريدة والبحث عن حياة جديدة لضمان كرامتهم فيها ، اذ كانوا يشعرون بالاضطهاد ليس السياسي ، بل الاجتماعي وكان يتفاقم خفية منذ سقوط العهد الملكي عام 1958 ، بالرغم من فسحة الحريات التي تمتعوا بها ، الا ان الصراعات السياسية قد عكست ظلالها على المسيحيين الكلدان والسريان والاثوريين والارمن ، وبالأخص الشيوعيين منهم ! لقد بدأ عشرات الآلاف من المهاجرين الكلدان حياتهم العراقية الجديدة فـي هذا الحي الاميركي  الذي كان جزءاً من منطقة بينروز. حتى يقال ان استقرار الكلدان في ديترويت قد اثر على طبيعة ديمغرافيتها السكانية ، اذ  عاش تقريباً ربع المهاجرين الكلدان فـي عموم منطقة ديترويت ضمن ذلك الحي الذي  قدرت مساحته بنحو نصف ميل مربع.

كانت العلاقات بين المهاجرين الكلدان قوية في وشائجها ، اذ التصق بعضهم بالآخر مع توفير الاجواء العراقية التي تجمعهم ، كما ساد التعاون فيما بينهم  على افضل درجاته .. وكان الكلدان من القدماء يعتنون بكل من يصل اليهم من الكلدان العراقيين كي يعينوه على مواجهة الحياة الجديدة  على مدى ستة اشهر ، ومن ثمّ يبدأ الاعتماد على نفسه في المأوى والعمل ، وبعد مرور اكثر من نصف قرن غدت الجالية الكلدانية في مشيغان قوة مؤثرة على مستوى المدينة والولاية معا ، بحيث امتلكوا اكبر قدر من الاستثمارات ولهم كنيستهم ووسائلهم الدعائية والمعنوية ومرافقهم الحيوية التي بدت لي انها تمتلك القيم العراقية في التعامل ، كما ان لها اعتزازها بالمواريث القديمة ولم تزل تعتز  بمواريث عراقية رائعة .

الحي الكلداني :  تطور مشيغان

عندما كثر توافد الكلدان فـي عقد الستينات من القرن العشرين ، بدأ المهاجرون الجدد يؤسسون محالهم واسواقهم ومطاعمهم ومخابزهم ومتاجرهم وفنادقهم واستثماراتهم ، وكانوا يوظفون ابناءهم واقاربهم للعمل في مؤسساتهم المربحة ..  وبحلول السبعينات ، عجّ بعشرات المخابز الصغيرة والمتاجر المتخصصة والمطاعم المتنوعة والقاعات الاجتماعية والمقاهي . واصبح الحي الكلداني نقطة جذب رئيسية للمهاجرين الجدد. وبلغت قوة الكلدان في ديترويت ومشيغان مداها بحيث سيطروا على اقتصاد الولاية الاميركية واسواقها ، وبدأوا يؤثرون في حياتها السياسية والمؤسساتية  ، وكانوا قد تميزوا بالتزامهم القوانين والمصداقية في العمل والتلاحم فيما بينهم .. وبالرغم من التحديات التي واجهتهم في ميشيغان ابان عقد الثمانينات بسبب هجرة البيض عنها ، وتفشي الجريمة والمخدرات وانهيار الشرطة ، فانتقل اغلبهم الى الضواحي فـي مقاطعتي ماكومب وأوكلاند.   وكان ان رافقهم النجاح التجاري ، ما جعلهم في مستوى معيشي أفضل فـي مدن مثل وورن وستيرلنغ هايتس وماديسون هايتس وصولا الى الضواحي الراقية فـي مقاطعة أوكلاند. ولكنها كانت تحديات صعبة لم تجعلهم يغادرون مكانهم حتى في السنوات التي انحدرت فيها الحياة بديترويت .  لقد عانى الكلدان فـي الثمانينات حين بدأت أحوال ديترويت تتدهور وزادت هجرة السكان البيض من المدينة على نطاق واسع، بعد تفشي الجريمة والمخدرات وانهيار الشرطة،

وكان المجلس العربي الاميركي والكلداني ،وهو منظمة غير ربحية، يقدم منذ ١٩٩٧ خدمات عامة للجالية مثل المشورة والرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية والتدريب المهني وفصول تعليم اللغة الانكليزية. وبعد مرور عشر سنوات، قام المجلس ببناء مركز آخر مجاور للتعليم. وهو يتقبل أي شخص من المنطقة، سواء أكان كلدانياً أم لا.

ما الانفع .. بناء صوامع ام تأسيس مصانع؟

اثيرت مؤخرا مشكلة من قبل الشيعة العراقيين في ديترويت والذين قدّموا طلبا رسميا للسلطات لبناء جامع او حسينية باسم "مركز  ديني" في منطقة سترلنك هايتس بالولاية ، وعندما سئل سكانها رفضوا ، وهم اميركان من اصول مختلفة ومنهم بعض الكلدان ، كونه  "مشروعا" له اهداف مبيتة ضدهم ، علما بأن عدد الشيعة قليل في هذه "المنطقة" مقارنة بمنطقة ديربورن التي ينتشرون فيها بكثافة ، اذ غدت منطقة سكن خاصة بهم ، وغدت تعد ذات كثافة واغلبية سكانية من المذهب الشيعي تصل الى اكثر من 70% وفيها جوامع وحسينيات ومراكز دينية شيعية وصحف ومكتبات واذاعات ومراكز تجارية وتسويق خاصة فيها وكلها تحمل يافطات بالعربية وعناوين شيعية، واغلب سكانها من المهاجرين الشيعة العراقيين واللبنانيين ..

وقد علمت من مصادر موثقة ومطلعة في مشيغان ان مساحة الارض التي سيتم بناء الجامع الشيعي عليها في منطقة سترلنك هايتس بالولاية تبلغ 20500 قدم مربع (عشرون الف وخمسمئة قدم مربع) ما يعادل 2000 متر مربع تقريبا (الفي متر مربع) وبكلفة بناء تقدر بين 4 - 6 مليون دولار امريكي .. ولقد تفاقمت المشكلة بين الطرفين الكلدان والشيعة العراقيين الى حد تبادل الاتهامات بين الطرفين في الصحف والاذاعات ، كما وانتقد الكلدان خطبة امام وخطيب مركز الزهراء الاسلامي الشيعي في ديترويت سيد حسن قزويني ، ووصفوها انها خطبة عنصرية واستفزازية وتطاول مرفوض جملة وتفصيلا تتناقض مع روح الدستور والقانون الامريكي وروح العصر ، وهي خطبة تحريض على العنصرية والتفرقة .. وردّت صحيفة شيعية على الكلدان بأقذع التعابير  كونهم عارضوا المشروع . ويقول الكلدان بأنهم ليسوا ضد بناء الحسينية او الجامع في أي مكان ، ولكنهم ضد تأسيسه في هذا المكان بالذات !

صحيح ، ان من حق اية جالية ان تتمتع بحريتها واختياراتها ضمن القانون ، ولكن لماذا هذه  "المنطقة" بالذات والتي يصر  الاخوة الشيعة على بناء مشروعهم فيها ؟  خصوصا وانهم كانوا قد عزلوا انفسهم عن بقية العراقيين في ديربورن منذ سنوات طوال .. انني احترم المبادئ التي يحملها الاخرون من أي طرف ، ولكن اليس من المنطق والعقل ان تبنى بمثل هذه المبالغ التي لا يعرف مصدرها مصانع توظف الناس العاطلين من الشيعة كي يحسنوا ظروفهم المعيشية بدل بناء جوامع وحسينيات وصوامع في ديترويت ؟

ان السلطات القانونية في الولاية بدأت بالاستفسار والتدقيق  عن مصدر هذا التمويل لبناء الجامع والجهة التي تقف خلفه علما ان محافظ مدينة سترلنك هايس السيد مايكل تيلر قال انه لا يشجع بناء الجامع في هذه المنطقة المزدهرة التي ستتحول بوجود جامع كبير الى منطقة رثة تسكنها الاشباح السوداء . ويبدو ان الصراع يستفحل الان بين الطرفين مع تفاقم الحرب الاعلامية عبر الاذاعات ، ويبدو ان القائمين على هذا "المشروع" يتلقون الدعم من مراكز قوى سياسية متنفذة في كل من بغداد وطهران . اتمنى مخلصا ان تحلّ هذه "المشكلة" بين العراقيين في مشيغان ، وان يلتفت كل العراقيين فيها الى تطوير انفسهم وحياتهم ومصالحهم ومنافعهم وعقولهم قبل التنازع  والاصرار  على بناء الجوامع والصوامع  !

-------------------------------------------------

* مؤرخ عراقي

نشرت في جريدة المدى - الاثنين 21 ديسمبر - كانون الاول 2015 

www.sayyaraljamil.com

المسيحيون في البلاد العربية.. ضحايا الشرق والغرب!

صبحي غندور*

المسيحيون العرب يتعرّضون في السنوات الأخيرة لحملات إساءة وتهجير في أكثر من بلدٍ عربي، وهناك جماعات تحمل رايات دينية إسلامية تقوم بأعمال قتل وتدمير وتهجير لقرى مسيحية عربية، كالذي حدث مؤخراً في العراق وسوريا.

فالمسيحيون العرب هم الآن ضحية في حالتين: أنّهم أولاً من مواطني هذه البلدان التي تشهد حروباً وتدميراً لكلّ ما فيها، وهم أيضاً مستهدَفون من قبَل جماعاتٍ متطرّفة، فقط لكونهم من أتباع الديانة المسيحية.

والتساؤل عن مستقبل الوجود المسيحي العربي ليس وليد الحاضر فقط، وما يتميّز به هذا الحاضر من ممارساتٍ إجرامية وتصاعدٍ في حدّة الطروحات العصبية الدينية بأكثر من بلد عربي، بل تعود جذوره إلى سنواتٍ بعيدة في الزمن، وقريبة في الاستحضار الذهني. فالمسيحي العربي يتذكّر ما قاله الأجداد عن سنوات الذلّ أيام حكم الأتراك العثمانيين.. والمسيحي العربي يتأثّر بالتحريض الحاصل من أجل تكريس الانفصال بين الأجزاء المكّونة لجسم الأمّة العربية.. والمسيحي العربي يسمع ويشاهد ويلمس وجود تيّارات دينية متطرّفة تطرح عليه إمّا تحدّي القتل أو التهجير.. فمن حقّ المسيحيين العرب الخوف على الحاضر وعلى المصير معاً.

وللأسف، هناك أيضاً مفاهيم وأفكار تتحدّث الآن عن المسيحيين العرب وكأنّهم غرباء عن هذه الأمّة وأوطانها، أو أنّ حالهم كحال الأقليات الدينية التي وفدت لبلدان العرب من جوارهم الجغرافي، مثل الأرمن، علماً بأنّ الوجود المسيحي العربي سابق لوجود الدعوة الإسلامية، وهم (أي المسيحيون العرب) أصل سكان هذه البلدان تاريخياً، كما هو حال مصر والعراق وبلاد الشام.

إنّ الوجود المسيحي على الأرض العربية تزامن مع الوجود الإسلامي لأكثر من ألفٍ وأربعمائة سنة. وذلك وحده كافٍ ليكون شهادةً للاثنين معاً ضدّ كل دعاة الانفصال أو التذويب أو التهجير.

إنّ ما هو قائمٌ الآن من ممارساتٍ سيّئة بحقِّ بعض المسيحيين العرب في عددٍ من البلدان العربية ليس حصيلةَ التدخّل الأجنبي والعملاء وأجهزة المخابرات فقط، بل هو أيضاً نتاج الفهم الخاطئ لدى غالبية العرب للدين وللعروبة ولمفهوم حقوق المواطنة.

والأمر لا يقتصر على سوء العلاقة بين المسلمين والمسيحيين العرب فقط، بل هو قائم بين المسلمين أنفسهم أيضاً بما هم عليه في عموم العالم الإسلامي من تعدّد في المذاهب والأعراق والإثنيات. فلو اقتصرت الظاهرة الانقسامية المرضية الموجودة الآن على مسألة العلاقة بين المسلمين والمسيحيين حصراً لَصحَّ الاعتقاد عندها بأنّها مشكلة "الوجود المسيحي العربي" فقط، لكن مرض الانقسام ينتشر الآن في كل خلايا جسم الأمّة العربية، وهو يعبّر عن نفسه بأشكال مختلفة بين الخيوط الملوّنة التي تؤلّف نسيج الأوطان العربية.

هي إذن بلا شك أسبابٌ متعدّدة لما نراه اليوم من خوف مسيحي عربي مشروع على الحاضر والمستقبل. بعض هذه الأسباب خارجي مفتعل، وبعضها الآخر عربي داخلي كانعكاسٍ لحال التخلّف الفكري والسياسي السائد في هذه المرحلة. وهي حتماً ليست مشكلة "حقوق المواطنة" للمسيحيين العرب فقط، بل هي مشكلة غياب "المواطنة السليمة" لكلّ العرب بمختلف تعدّدهم الديني والإثني.

لكن ربّما من المهمّ أن يدرك العرب كلّهم، بغضّ النظر عن ديانتهم وطائفتهم، أنّ المشروع الرامي إلى تقسيم الكيانات العربية الراهنة وإقامة دويلات جديدة في المنطقة على أساس ديني ومذهبي وإثني، يتطلّب الشروع أولاً بتهجير المسيحيين العرب، لما يعنيه ذلك على المستوى العالمي من "مشروعية" لفكرة وجود دول في "الشرق الأوسط" على أساس ديني، كما هو المطلب الإسرائيلي حالياً من العالم كلّه، ومن العرب والفلسطينيين خصوصاً، بأن يحصل الاعتراف بإسرائيل كدولة دينية يهودية. وهذا الأمر، لو آلت الأحداث إليه، فستكون المنطقة العربية عبارةً عن إمارات دينية وإثنية متصارعة فيما بينها، ولكن تدور كلّها في الفلك الإسرائيلي الأقوى والأفعل والأكثر استفادة من هكذا مشروع للخرائط الجديدة في المنطقة. وحتماً لن يكون هناك عندئذٍ حديثٌ عن دولة فلسطينية مستقلّة، ولا عن حقوق ملايين اللاجئين الفلسطيين بالعودة إلى أراضيهم، وسيكون العرب قبائل متناحرة لا شعوباً لأوطان واحدة متعدّدة الانتماءات الطائفية والإثنية.

لذلك، فإنّ التمييز بين ما تريده إسرائيل وبين ما تقوم به بعض الجماعات الإرهابية بأسماء إسلامية لم يعد ممكناً، بل إنّ هذا يطرح تساؤلاتٍ خطيرة عن طبيعة هذه القوى ومدى ارتباطها بأجهزة المخابرات الإسرائيلية التي سبق لها أن دسّت قيادات في العديد من المنظمات العربية والإسلامية، تماماً كما تفعل إسرائيل حتّى مع أصدقائها في العالم حيث شبكة العملاء الإسرائيليين تصل إلى مستوياتٍ عالية.

إنّ صيغة "المواطنة المشتركة" المتساوية في الحقوق والواجبات ليست "حقّاً" للمسيحيين العرب فقط، وليست "واجباً" على المسلمين العرب فقط، بل هي مسؤولية مشتركة فرضتها الإرادة الإلهية التي اختارت الأرض العربية لتكون مهد كلّ الرسل والرسالات السماوية؛ فالحفاظ على هذه الصيغة، امتحانٌ لكلّ العرب في كيفية الفهم الصحيح للدين وللهوية الثقافية المشتركة، وفي مدى الانتماء الوطني والحرص على أولوية المصالح الوطنية والعربية.

هو موضوعٌ حيويٌّ هام يمسّ وحدة المجتمع العربي، ويطال المداخلات الأجنبية التي سعت ماضياً وحاضراً إلى السيطرة على المنطقة العربية، وإلى تجزئتها ومصادرة ثرواتها وتغيير هُويّة بلدانها من خلال شعارات "الحماية الأجنبية للطوائف والأقلّيات".

وفي مثل هذه الأيام التي تشهد احتفالات عيد ميلاد السيّد المسيح، عليه السلام، يتكرّر استخدام قوله: "المجد لله في العُلى وعلى الأرض السلام". وهو قولٌ يجمع بين ما هو حتمي لا خيار إنسانياً فيه (المجد لله)، وبين ما هو واجب مستحق على البشر تنفيذه، أي تحقيق السلام على الأرض. لكن هناك مسافة شاسعة بين ازدياد عدد الممارسين للشعائر الدينية في كل العالم، وندرة من يطّبقون ما تدعو اليه الرسالات السماوية من قيم وأعمال صالحة، ومن واجب نشر روح المحبة وتحقيق السلام بين البشر.

ولعلّ المأساة تظهر الآن جليّةً من خلال حروب وفتن حدثت وتحدث تحت "شعارات دينية" في أكثر من مكان شرقاً وغرباً. بل إنّ كلَّ مُشعِلٍ الآن لحربٍ أو لفِتنة على الأرض يختبئ وراء مقولات تستند إلى ادّعاءات الوصل بالأديان، والأديان منها بُراء. الكلُّ يتحدّث عن "الإيمان بالله تعالى"، بينما على "الأرض الحرب" من فِعْل الباحثين عن مجدهم فيها.

الرسالات السماوية كلّها حضّت على العدل بين الناس وعلى رفض الظلم والطغيان والجشع والفساد والاستعباد للبشر، وعلى إقرار حقّ السائل والمحروم، بينما كم من حروبٍ وصراعاتٍ دموية حصلت وتحصل تحت شعاراتٍ دينية وطائفية وعرقية!! فهناك الآن ما هو سلبيٌّ مشترَك بين "الشرق الإسلامي" و"الغرب المسيحي".

إنّ المخاطر القائمة حالياً هي ليست على أتباع هذا الدين أو ذاك المذهب فقط، بل هي أخطار محدقة بحقّ الأوطان كلّها، بما فيها الشعوب والحكومات والمكوّنات الاجتماعية فيها. فضحايا العنف المسلّح الجاري الآن عربياً، من أيِّ جهةٍ كان مصدر هذا العنف، هم من أوطان ومناطق وأديان ومذاهب مختلفة.

لكن خطر جماعات التطرّف العنفي بأسماء "إسلامية" موجودٌ فعلاً ولا مجال لنكرانه، ولا يصحّ القول فقط إنّ هذه الجماعات هي "صناعة خارجية" يتمّ الآن توظيفها. فالمشكلة الأساس هي وجود بيئة مناسبة لنموّ مثل هذه الجماعات في الدول العربية والإسلامية، فلو لم يكن هناك فكر متخلّف ومُشوّه للمفهوم الصحيح للدين، ولو لم تكن "المواطنة السليمة" غائبة عن المجتمعات العربية، لما أمكن استقطاب هذا الحجم من أتباع هذه الجماعات المتطرّفة.

-------------------------------------------------------

*مدير "مركز الحوار العربي" في واشنطن

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. ">عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. 

نظرة عامة على حركات إصلاحية إسلامية

نظرة عامة على حركات إصلاحية إسلامية

أ.د. طه جابر العلواني

إنّ المتتبع للتاريخ الإسلاميّ القديم منه والحديث يجد ظاهرة عجيبة، خلاصتها: أنَّه على كثرة محاولات الإصلاح في المجالات المختلفة عبر العصور فإنَّه لم تحدث تراكمات قائمة على خبرات وتجارب تلك الحركات. بل نجد الحركات اللاحقة كثيرًا ما تتجاهل ما سبق، أو تنتقده وتستبعده وتبدأ من نقطة الصفر، لا من حيث انتهت إليه الحركات التي سبقتها، بحيث يبني اللّاحق على ما أسّس السابق لتحصل من الخبرات والتجارب ما يمكنها من بناء مشروع نهضويّ قادر على البقاء والاستمرار ومجابهة التحديّات. وفي الوقت نفسه يمتلك الآليّات القادرة على منحه إمكانات التجدّد بحسب تنوّع المراحل التاريخيّة  وبحسب ما تتطلبه من أدوات ووسائل، تمكن المشروع من النجاح.

فقد جاء الأنبياء بمشاريع إصلاح فلم يكونوا قادة ثورات ولا رواد انقلابات وتغييرات بل كل منهم كان يؤكد للناس الذين أرسل إليهم أنه لا يريد إلا الإصلاح. ولا يدّعي لنفسه أنه سيحقق ذلك الإصلاح ويستكمل مشروعه بقواه الذاتية وقدراته الشخصية، بل يؤكد دائمًا أنه إذا وفق في مشروعه الإصلاحي فما توفيقه إلا بالله عليه توكله وإليه ينيب ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (هود:88).

والمجددون المصلحون لهم مرجعيَّة توضح لهم مناهج الإصلاح وشرائعه ووسائله ومقاصده وغاياته ومستوياته وسائر ما يتعلق به، فهو على بينة من أمره؛ ولذلك كان المجددون يتحرون سنن الأنبياء في الإصلاح ومناهجهم في التجديد، فالشيخان أبي بكر وعمر ومن بعدهما عثمان وعليّ قد أقاموا خلافة على منهاج النبوة، ودعوا إليها وحملوا الناس عليها فما كان هناك مجال للزيغ عنها ولا للاختلاف، وما اختلف الناس عليه كان المرجع الهادي كتاب الله كفيلًا بتبيين وجه الحق والصواب فيه والقدرة على ردهم إليه ردًا جميلًا وحين وقعت بعض المخالفات من بعض حكام الأمويين قيض الله (تعالى شأنه) عمر بن عبد العزيز فهو على قصر خلافته، وقلة الفترة التي قضاها فيها استطاع أن يتقدم بمشروعه الإصلاحيّ التجديديّ الذي تألف في نظرنا من ثلاث.

فعلى سبيل المثال: قام الخليفة الأمويّ عمر بن عبد العزيز بمجموعة كبيرة من الإصلاحات في مجالات كثيرة منها:

1. العمل على إعادة بناء ووحدة الأمَّة بالاحتكام إلى الحوار والجدل بالتي هي أحسن للفئات التي كانت في عهود من سبقه من الخلفاء الأمويّين قد خرجت على الدولة، وحملت السلاح ضدها. وذلك يعني أنّه حاول تنبيه الأمَّة إلى أنّ الخلافات الداخليّة بين فصائل الأمَّة لا يسمح بأي حال بالاحتكام فيها إلى القوة، بل إلى الحوار، والجدل بالتي هي أحسن. لكن من جاء بعده من الخلفاء عادوا إلى الاحتكام إلى السيف داخليًّا وخارجيًّا.

2. لقد قام بعمليَّة رد المظالم، واستعادة المال العام من أولئك الذين استولوا عليه أو أقطعوه بطرق غير مشروعة. وأمر بأنّ تباع مقتنيات من سبقوه في مزادات علنيَّة، حتى إنّه رد إلى بيت المال العقود والجواهر التي أهداها والد زوجته إليها. وأراد بذلك أن يؤسّس مبدأ «المحافظة على المال العام» وعدم إباحة شيء من التصرّف فيه بدون وجه شرعيّ، وإخضاع الحكام والولاة لمحاسبة الأمَّة.

ومنذ ذلك التاريخ والعدل وإقامته بين الناس يعتبران أهم وسائل إعادة بناء السلم الأهليّ، والقضاء على منابع العنف في المجتمعات الداخلية، وإعدادها لمعالجة مشكلاتها سلميًا، وما من أمَّة يختل فيها حبل الأمن والاستقرار إلَّا وتبرز فيها الحاجة الماسة إلى العدل، فالعدل وحده في هذه الحالة هو الذي يعيد بناء اللحمة بين فصائل الناس، ويعطيها الإحساس بالأمان والاطمئنان والوصول إلى الحقوق من غير عنف ولا صراع.

3. حاول القيام بإصلاحات فقهيَّة بجمع السنن؛ لتكون هذه السنن فقهًا للأمَّة باعتبار السنن بيانًا للقرآن المجيد الذي هو المصدر المنشئ الوحيد للعقيدة والشريعة، والسنن الثابتة الصحيحة بيانه الملزم التوحيد؛ ولكن سرعان ما انحرف الناس بعده عن هذا السبيل القديم ليجعلوا من آيات القرآن المجيد وسنن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) شواهد معضّدة ومساندة لمذاهبهم الفقهيّة، وهذا خطأ في فهم المشروع الإصلاحيّ العمريّ الذي كان يريد أن يجعل من السُنَّة فقهًا بديلًا للكتاب الكريم تجتمع عليه كلمة الأمَّة.

وهنا نجد في مشروع عمر بن عبد العزيز نوعا من التكامل: ففيه إصلاح فكريّ، ومعرفيّ، ومنهجيّ، وقضائيّ، وسياسيّ.   

وحين نتجاوز هذه المحاولة بحثًا عن نموذج إصلاحيّ آخر في العصر العباسيّ، نجد المأمون نموذجًا لمن قام بعمليَّة مثاقفة انفتح فيها التراث الإنسانيّ كله؛ ولكن صحب ذلك نوع من المصادرة لحريّة الرأي، وحرمان المخالفين بالقوة من التعبير عن آرائهم المخالفة لرأي الخليفة ومشاريعه، واستمرت عمليات اضطهاد المخالفين ثمانية عشر عامًا، شملت ما بقي من فترة خلافته، وخلافة أخيه المعتصم وجزءًا من خلافة المتوكل الذي استطاع أن يدرك أهم جوانب الخلل في مشروع أخويه المأمون والمعتصم ألا وهو: فقدان المشروعين لخاصية التكامل وحرية التعبير، وأبطل ما أسس له سابقاه من بدعة القول "بخلق القرآن".

وتعد خطوته إصلاحيَّة من هذه الناحية، وإن لم تخل من الانتقام من بعض عناصر الاعتزال التي شايعت أخويه وأغرتهما باضطهاد المخالفين. وهو الذي أسّس لمذهب "أهل السنّة والجماعة". فإذا غضضنا الطرف عن بعض المخالفات، فإنَّ الرجل يمكن اعتباره إصلاحيًّا في إطار "القول بحريّة المخالف في إبداء رأيه" وحمايته من خصوم ذلك الرأي ومخالفيه، وكان عمله في إطار الرد إلى الأمر الأول الذي أسس القرآن المجيد له والتزم به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) طيلة حياته. والتزم به خلفاؤه الراشدون من بعده. والآثار في ذلك كثيرة.

ثم جاء من بعده أبو شامة المقدسي، وهو مؤرخ وفقيه وعالم لم تسلط عليه الأضواء كما سلطت على ابن خلدون ومشروعه، فأبو شامة المقدسي قادته ثقافته الواسعة وتأثره بالتاريخ وعلومه إلى وضع مشروعه الذي عنونه بـ "الرد إلى الأمر الأول" كما جاء في عنوان كتابه الذي يحمل ملامح مشروعه، فهو مشروع معرفي منهجي يرى ضرورة الرجوع إلى المرجعية الأولى والأساس، ورد الأمر إلى القرآن المجيد والاستنارة بمنهجية السُنَّة النبوية المطهرة. وقد قتل الرجل في محرابه قبل أن يتبلور مشروعه ويرى النور. وتتابعت المشاريع الإصلاحية فقدم الجوزي وعبدالقادر الجيلاني ولفيف آخر كبير من العلماء والمتصوفة مشروع الإصلاح التربوي. وهناك محاولات اصلاح أخرى لم نقف عندها طويلا بل تركناها للباحثين ينظرون نظرة متعمقة في تلك المشاريع.  

 ويمكن الاسترسال في ذكر كثير من المحاولات الإصلاحيَّة، ومنها ما قام به آل زنكي وصلاح الدين الأيوبي، وبعض سلاطين آل عثمان. هذا على مستوى المحاولات الإصلاحيّة التي بادر بها أئمة وعلماء كبار عرفوا بالمجددين، فالأئمة مالك وأبي حنيفة والشافعي والبخاري ومسلم وأحمد بن حنبل، وأسد بن الفرات والغزالي وشيخه إمام الحرمين وأبو الحسن الأشعريّ وغيرهم مرورًا بالإصلاحيين الذين عرفهم تاريخنا؛ أمثال عبد القادر الجيلاني، وابن تيمية ومدرسته حتى القرن التاسع عشر، الذي شهد أيضاً محاولات بعض مشايخ الأزهر، وبعض كبار العلماء في العالم الإسلاميّ مرورًا بالأفغاني والكواكب ومحمد عبده ورشيد رضا، والنائيتي والدهلوي والشوكاني وسواهم.

إن بين يدي الراغبين في الإصلاح في عصورنا هذه تجارب وتراث إصلاحي يستطيع ان يمدنا بكثير من الخبرات والتجارب التي يمكن الاستفادة من بعضها وتحويلها إلى رصيد فكري ومنهجي يثري خبرات الأجيال الطالعة ويقودها بعيدا عن اتجاهات العنف وثقافة التوحش المستوردة وما إليها، وقد يكون أساتذة التاريخ والعلماء القادرين على إبراز تلك الإضاءات وتعميق الاحساس بها وإيضاح ما فعله رجال الفكر والدعوة وقادة اتجاهات الإصلاح من آثار طيبة حققت كثيرا من الانجازات.

فلعل المتخصصين يوجهون شيئا من طاقاتهم لبحث هذه الجونب وإبراز النماذج المعرفية الكامنة وراءها فذلك من أكثر الأمور إعانة على إثراء خبرات الشباب المسلم وحسن توجيههم وانقاذهم من ثقافة التوحش والتمرد وما إليها.

-----------------------------------------

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.">عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.