الإثنين 23 تشرين1/أكتوير 2017
TEXT_SIZE

ماذا تعني انتخابات الرئاسة الأمريكية للشرق الأوسط؟

ماذا تعني الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2016 بالنسبة للشرق الأوسط؟

اعداد جون هوداك*

ملاحظة المحرر: تم الانتهاء من العمل على هذا التقرير في 15 فبراير 2016. في 20 فبراير 2016، فازت هيلاري كلينتون بانتخابات المؤتمر الحزبي الديمقراطي في ولاية نيفادا بنسبة 52,6 بالمئة من الأصوات، فحصلت على 19 من أصل 34 مندوباً. من جهته، فاز دونالد ترامب بالانتخابات التمهيدية للجمهوريين في ولاية كارولينا الجنوبية، متفوّقاً على المندوبين الـ 50 جميعهم بنسبة 32,5 بالمئة من الأصوات. أما جيب بوش، الذي حصل على 7,8 بالمئة فقط من الأصوات الناخبين، فانسحب من سباق الرئاسة .

تأتي كلّ انتخابات رئاسية أمريكية بمفاجآت، ولكنّ حملة العام 2016 قد أتت بمخزونات تبدو غير متناهية من الصدمات والارتباكات. تأتي هذه المفاجأة من مجموعة متنوعة من الأسئلة: من يبلي حسناً؟ من أداؤه أقل من المطلوب؟ ما هي القضايا التي تتمّ مناقشتها؟ من بين مجموعة من المرشحين بلغ عددهم حوالي 23 مرشحاً، سيفوز مرشّحٌ واحدٌ في نهاية المطاف وسيكون رئيس الولايات المتحدة القادم خلفاً لباراك أوباما. وسيكون للمرشحين والقضايا التي يناقشونها آثار بعيدة المدى، ليس بالنسبة إلى السياسة الأمريكية العامة فحسب، ولكن أيضاً للقيادات والسياسات في مختلف أنحاء العالم، وبخاصة في الشرق الأوسط.

يقدّم هذا التقرير لمحةً مفصّلة عن الانتخابات الرئاسية الأمريكية للعام 2016. يبدأ بمناقشة طريقة عمل الانتخابات الرئاسية الأمريكية وتسلسل المراحل الانتخابية على مدى الأشهر المقبلة. ثمّ يناقش هذا التقرير ما يجعل هذه الانتخابات فريدة من نوعها، حتى بحسب المعايير الأمريكية. وبعدها، يقوم بوصف القضايا الرئيسية التي تتم مناقشتها في الحملة، وبخاصة تلك التي تهمّ منطقة الشرق الأوسط. وأخيراً، وبعد تقديم نبذة عن كلّ مرشح من المرشحين الرئيسيين من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، يقدّم هذا التقرير بعض الاستنتاجات بشأن نوع السياسة الخارجية التي يمكن توقّعها من الإدارة الأمريكية القادمة.

طريقة عمل الانتخابات الرئاسية الأمريكية

الانتخابات الرئاسية الأمريكية هي عملية معقدة متعددة المراحل، ومربكة ومبهمة في آنٍ معاً. تبدأ الانتخابات عندما يبدأ المرشحون بالإعلان عن نيتهم خوضها، وغالباً ما يحصل ذلك قبل عامين من الموعد الفعلي للانتخابات. يبدأ المرشحون بتوظيف فريق عمل وتنظيم جهاز حملة وطنية، والأهم من ذلك، جمع الأموال. وقبل الحملة الانتخابية الأخيرة العامة، يتعيّن على المرشحين من كلّ حزب رئيسي - الديمقراطيين والجمهوريين - التنافس في حملة تمهيدية ليصبحوا مرشح الحزب للرئاسة.

وتشتمل الحملة الأولية على الخطابات والمقابلات وتصريحات أسياسة والتواصل مع الناخبين، بالإضافة إلى بذل الجهود لحشد تأييد شخصيات رفيعة المستوى وجمع التبرعات والمناظرات في نهاية المطاف. وخلال هذه المناظرات، التي بدأت في أواخر لعام 2015، يواجه مرشحو الأحزاب سلسلة من الأسئلة يوجهها لهم الإعلاميون.

لم يبدأ التصويت الفعلي لدورة انتخابات العام 2016 حتى فبراير، مع انطلاق سلسلة "الانتخابات المصغرة" من ولاية إلى ولاية والتي تشكّل العملية التمهيدية. بالنسبة لكلّ حزب، تُعطى كلّ ولاية عدد محدد من المندوبين، ويستند هذا العدد إلى حدّ كبير على عدد السكان وحجم الحزب في تلك الولاية. ويتمّ مكافأة هؤلاء المندوبين على أساس حسن أداء كلّ مرشح في الانتخابات التمهيدية في كل ولاية. وفي نهاية المطاف، يتمّ جمع المندوبين من الولايات كلها لتحديد من يصبح مرشح كل حزب. يتمّ عادةً تحديد هؤلاء الأفراد في مرحلة مبكرة من العام، ولكن لا تكون التسمية رسمية قبل أن يجتمع مندوبو الولايات أنفسهم لترشيحهم رسمياً في المؤتمر الوطني لكلّ من الحزب الديمقراطي والجمهوري .

تدوم السباقات التمهيدية من أوائل شهر فبراير حتى منتصف يونيو، وتبدأ مؤتمرات الأحزاب بعد أكثر من شهر، أي في أواخر يوليو. لا يتم عقد الانتخابات الفعلية إلا قبل 15 أسبوعاً آخرين، أي في أوائل نوفمبر، ويتمّ تنصيب الرئيس الجديد أخيراً في 20 يناير 2017.

حتى الانتخابات العامة في حد ذاتها هي عملية معقدة. فعلى عكس أنظمة رئاسية عدة في مختلف أنحاء العالم، يتم اختيار الرئيس الأمريكي وفقاً لعملية غامضة تعرف باسم المجمع الانتخابي (Electoral College). بحسب المجمع الانتخابي ، تُعطى كل ولاية عدد من "الناخبين"، ويتمّ عادةً احتساب عددهم على أساس عدد سكان كل ولاية. (يستند هذا التوزيع رسمياً على أساس مجموع عدد الممثلين من كل ولاية في مجلسيْ النواب والشيوخ في الكونغرس الأمريكي). يكون لكلّ من الولايات التي تضمّ أقلّ عدد من السكان 3 ناخبين على الأقل، في حين تحظى كاليفورنيا بالعدد الأعلى البالغ 55.

في الانتخابات العامة، تعطي كلّ ولاية ناخبيها للمرشح الذي يحصل على أكبر عدد من الأصوات في الانتخابات الشعبية على مستوى الولاية. على سبيل المثال، في انتخابات العام 2012، حصل باراك أوباما على الأصوات الانتخابية الـ55 في ولاية كاليفورنيا لأنه حصل على 60 بالمئة من الأصوات هناك. وبالمقابل، نال ميت رومني جميع الأصوات الانتخابية الـ38 في تكساس لأنه حصل على 57 بالمئة من الأصوات في الولاية.

وعموماً، ثمة 538 ناخباً موزّعين على الولايات الأمريكية. والمرشح الفائز هو من يحصل على 270 صوتاً انتخابياً على الأقل في المجمع الانتخابي. ويتم اعتبار هذا الشخص الفائز في الانتخابات الرئاسية.

انتخابات رئاسية أمريكية فريدة من نوعها

لا يمكن التنبؤ بنتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية. تشهد كلّ منها تقريباً منافسة محتدمة إلى حدّ ما، وعادة ما يفوز بها مرشحون من خلفيات مماثلة - نائب رئيس أو سيناتور أو حاكم. وفي الواقع، كانت المرة الأخيرة التي تمّ فيها انتخاب رئيس أمريكي بدون أحد هذه الألقاب مع دوايت أيزنهاور في العامين 1952 و1956. ومنذ العام 1788، كان كلّ مرشحي الحزبين الرئيسيين من الرجال، وحتى العام 2008، كان جميعهم بيض. وكان أولئك المرشحون جميعاً مسيحيين.

يمكن القول إنّ المرشحين لانتخابات العام 2016 متنوعون جداً من الناحية الديموغرافية. بن كارسون أمريكي من أصل إفريقي، وتيد كروز وماركو روبيو من أصول لاتينية، وبوبي جندال أمريكي من أصلٍ هندي بينما هيلاري كلينتون وكارلي فيورينا امرأتان، وبيرني ساندرز يهودي. وثمة ثلاثة مرشحين لم يشغلوا من قبل منصباً منتخباً، وهم ​​دونالد ترامب وبن كارسون وكارلي فيورينا.

في بداية الحملة، كان للعديد من المراقبين - بمن فيهم المؤلف – بعض الآراء حولها. أولاً، من المرجح أن يكون طريق هيلاري كلينتون نحو أن تصبح مرشّحة الحزب الديمقراطي سهلاً. ثانياً، سيحقق مرشحو الحزب الجمهوري أصحاب السيرة الذاتية الجيدة والذين يحظون بدعم قوي من الحزب نتائج جيدة، بمن فيهم جيب بوش وسكوت ووكر. ثالثاً، كان دونالد ترامب مرشحاً يفتقر إلى الجدية، ولن يبقى في السباق الرئاسي إلا مؤقتاً. رابعاً، نظراً لما تتطلبه الحملات الانتخابية الرئاسية من أجل جمع الأموال والتوظيف، فضلاً عن التحديات التنظيمية، سينخفض عدد المرشحين بسرعة بحيث يبقى عدد قليل أكثر جدية. وفي الجدول أدناه قائمة بالمرشحين الـ 22 الذين تقدموا للانتخابات الرئاسية على مدار الحملة – والعدد الذي تبقى منهم.

لم تتحقق أيّ من هذه التوقعات. فبادئ ذي بدء، واجهت وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون سباقاً محموماً مع السيناتور بيرني ساندرز من ولاية فيرمونت، وهو مرشح يساري يصف نفسه بأنه اشتراكي. وبينما حافظت كلينتون خلال الحملة على تقدّم كبير في استطلاعات الرأي العامة الوطنية، كانت نتائجها ونتائج ساندرز متقاربة في الأيام التي سبقت الانتخابات التمهيدية المبكرة في ولايتيْ أيوا ونيوهامشير. في نهاية المطاف، تقاسم ساندرز وكلينتون الجولتين الأوليين. ففي حين فازت كلينتون في انتخابات ولاية أيوا بفارق ضئيل، فاز بيرني ساندرز بمهارة في انتخابات ولاية نيوهامشير التمهيدية.

وثانياً، في استطلاعات الرأي العام المبكرة، حقق حاكم ولاية فلوريدا السابق جيب بوش وحاكم ولاية ويسكونسن سكوت ووكر نتائج جيدة. فعلى سبيل المثال، ووفقاً لريل كلير بوليتيكس (RealClearPolitics)، حصد كلّ ​​من جيب بوش وسكوت ووكر نحو 17 نقطة مئوية في الاقتراع في 1 أبريل 2017، أي متقدّميْن بفارق أكثر من 9 نقاط مئوية عن أقرب منافسيهما. وفي 1 يناير 2016، كانت تنائج جيب بوش في الاستطلاعات أكثر بقليل من 4 بالمئة، وانسحب سكوت ووكر من السباق الرئاسي بسبب مستويات الدعم المنخفضة.

وثالثاً، مثّل دونالد ترامب قوة خطيرة في حملة الانتخابات الرئاسية، وكانت شعبيته كبيرة ومستمرة. كما قد أصبح مرشحاً أقوى وأكثر فطنة ومهارة مع مرور الوقت. وبعد أن لم يكن ترامب يُؤخذ على محمل الجد، أصبح مرشح الحزب الجمهوري الأقوى. بحسب ريل كلير بوليتيكس، حصد دونالد ترامب أعلى المعدلات الوطنية في استطلاعات الرأي كلّ يوم منذ 20 يوليو 2015، باستثناء يوم واحد وهو 5 نوفمبر. توجّه ترامب إلى الناخبين الساخطين والغاضبين في الحزب الجمهوري، وتطرّق إلى همومهم ومصالحهم بأساليب فعالة. ورغم التعليقات الهجومية والأوقات التي بدت أنها ستقضي على حملته بشكل مؤكد، حافظ ترامب على دعمه من داخل الحزب وزاده حتى.

رابعاً، عندما بدأ التصويت في 1 فبراير 2016 في ولاية أيوا، كان لا يزال 14 مرشحاً في السباق: 3 من الحزب الديمقراطي و11 من الحزب الجمهوري. إنّ الحملات التمهيدية للانتخابات الرئاسية مكلفة ومرهقة ومجهدة، وعادةً ما ينسحب المرشحون الذين يحققون نتائج سيئة في استطلاعات الرأي لفترات طويلة من السباق ويعترفون بأنّ ليس لديهم أي فرصة في الفوز. قام بعض المرشحين بذلك، ولكنّ عددهم كان قليلاً. حتى المرشحين الذين حققوا باستمرار أقل من 10 بالمئة في الاستطلاعات طوال الحملة الانتخابية لا يزالوا في السباق الرئاسي.. وقدرة التحمل هذه مفاجئة ومحرجة على حدّ سواء.

لو أعدنا التفكير في الموضوع، لوجدنا أنّ بعض هذه النتائج منطقياً. في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، بات الناخبون تقدميين بشكل متزايد - يميلون إلى اليسار أكثر من أيّ دورات إنتخابية سابقة. زد على ذلك مجموعة داخل الحزب الديمقراطي تشعر بخيبة أمل بسبب الفرص التي يعتبرون أنّ إدارة أوباما أضاعتها بدل تحقيق المزيد لقضاياهم، بالإضافة إلى بعض الديمقراطيين الذين يرغبون في شخص جديد ومختلف. يفي بيرني ساندرز هذه الشروط، بينما تعتبر هيلاري كلينتون أكثر وسطية منه ولكن غير جديدة على الإطلاق بما أنها زوجة رئيس سابق ومرشحة رئاسية سابقة وعضوة سابقة في مجلس الشيوخ وعضوة سابقة في إدارة أوباما. وهذا ما يجعل ساندرز أكثر جاذبية للناخبين في بعض الولايات، مما يحوّل السباق الذي اعتُبر ذات يوم فوزاً سهلاً لكلينتون إلى منافسة أقوى بكثير.

أما بالنسبة للجمهوريين، فنجد أنّ الكثير من الناخبين غاضبون من الحكومة ومن حزبهم على حدّ سواء، إذ يشعرون أنه قد تمّ تجاهلهم وتجاهل مصالحهم، ليس في عهد أوباما فحسب، ولكن حتى في عهد إدارة جورج بوش الإبن. وبالإضافة إلى ذلك، لا تثق شرائح من الحزب الجمهوري، بل وتزدري حتى، المجموعات التي لا تشبهها، بما في ذلك المسلمين واللاتينيين والمهاجرين عموماً. وقد كانت المناظرة حول الهجرة من الجانب الجمهوري حادة بشكل خاص، إذ سعى بعض المرشحين إلى تمييز أنفسهم عن الآخرين باعتماد خطاب متطرف. ولكن يعود الكثيرون منهم إلى اعتماد شعار مشترك بين الجمهوريين، ألا وهو "إبقاء المهاجرين خارج الولايات المتحدة". وبالنسبة إلى اليمين، شكّلت عمليات الترحيل الجماعي والجدران الأمنية عند الحدود الأمريكية أو كلاهما الوسائل المفضلة للتعامل مع قضايا الهجرة.

تسرّب الغضب بسبب الهجرة أيضاً إلى السياسة الخارجية، وأضيف إلى المخاوف من الإرهاب. وهذا هو السياق حيث أصبح المسلمون هدفاً محدداً لأكثر خطابات المرشحين الجمهوريين حدّة. شبّه بن كارسون المسلمين بـ"الكلاب المسعورة"، واقترح عددٌ من المرشحين حظر استقبال اللاجئين المسلمين، وانتقد تيد كروز الذين يعارضون الخطاب المعادي للمسلمين. وفي الوقت عينه، اقترح دونالد ترامب فرض حظر على جميع المسلمين الذين يدخلون إلى الولايات المتحدة، واقترح أيضاً إغلاق المساجد وتسجيل جميع المسلمين الموجودين أصلاً في البلاد في قاعدة بيانات تديرها الحكومة. اعترف دونالد ترامب، أكثر من أي مرشّح آخر، بواقع الغضب وكراهية الأجانب، وعزّز ذلك الدعم. وما يبدو مسيئاً أو غير مناسب للبعض يروق كثيراً لجزء كبير من الناخبين الجمهوريين، ويعكس الدعم الذي يحظى به ترامب هذا الواقع.

السياسة الداخلية

في بعض الانتخابات الأمريكية، يرغب المرشحون من مختلف الأحزاب في مناقشة قضايا مختلقة. وعلى غرار ذلك، تكون في بعض الأحيان مجموعة من القضايا قوية بالنسبة لأحد المرشحين وضعيفة بالنسبة لآخر. في تلك الحالات، نادراً ما يتطرّق المرشحون إلى مواضيع متعلّقة بالسياسات، ويقومون بدل ذلك بالتحدث بطريقة تجعل من الصعب على الناخبين المقارنة بين سجلاتهم. إلا أنّ انتخابات العام 2016 مختلفة حتى الآن. فكلا الحزبان الرئيسيان مهتمّ بالحديث عن جزء كبير من القضايا عينها، مما يقدّم مقترحات مختلفة إلى حدّ كبير بشأن كيفية حلّ المشاكل.

من حيث السياسة الداخلية، يتمحور العديد من القضايا حول الاقتصاد. هذا مسار معقول بالنسبة إلى الديمقراطيين وجهد استراتيجي من قبل الجمهوريين. يحاول الديمقراطيون الاستفادة من الاقتصاد الناجح إلى حدّ ما في عهد الرئيس باراك أوباما. وتظهر أبحاث العلوم السياسية بشأن الانتخابات الأمريكية أنه عندما يكون الاقتصاد في حالة ازدهار، يميل الحزب الحاكم إلى البقاء في السلطة. في عهد الرئيس أوباما، تم إنشاء حوالي 10 مليون فرصة عمل جديدة، وحافظ النمو على معدلات متسقرة، واستقرت النظم المالية، وتضاعفت قيم أسواق الأسهم القيادية. ويتباهى الديمقراطيون بهذه النجاحات على أمل تحويل هذه المكاسب الاقتصادية إلى أصوات في الانتخابات.

وفي الوقت عينه، يقرّ الديمقراطيون أنّ الانتعاش الاقتصادي لم يساعد الأمريكيين جميعاً بالطريقة عينها. لقد تدفق العديد من المكاسب إلى الأغنى منهم، لذلك يتحدّث الديمقراطيون عن قضايا عدم المساواة وكيفية مساعدة الطبقتيْن المتوسطة والفقيرة في البلاد.

يركّز الجمهوريون أيضاً على الاقتصاد، متحدّثين عن الانتعاش ليس باعتباره ناجحاً، بل ضعيفاً وغير كافٍ. يتحدثون عن عدد الأمريكيين الذين لا يزالون عاطلين عن العمل وعدد أولئك من بين الذين وجدوا فرص عمل جديدة يكسبون مالاً أقل من قبل الركود في العام 2008. يوضحون أنّ النمو الاقتصادي كان بطيئاً جداً وغير قادر على تشغيل الاقتصاد. ويحاول الجمهوريون والديمقراطيون بناء صلة مع المجموعة عينها من الأمريكيين – أولئك الذين لم يختبروا فوائد الانتعاش الاقتصادي. وفي حين يقول الديمقراطيون: "يمكننا أن نحقق لكم المزيد"، يواجههم الجمهوريون بالقول: "لقد خذلكم أوباما".

وبعيداً عن الاقتصاد، تشمل قضايا السياسة الداخلية الأخرى التي تجري مناقشتها قوانين حيازة السلاح وسياسة الهجرة وقضايا المرأة (بما في ذلك المساواة في الأجر والحصول على التعليم والحقوق الإنجابية). لكل من الطرفين وجهات نظر مختلفة بشأن كيفية معالجة هذه القضايا أو حتى مناقشتها، ولكنها تشكل جزءاً أساسياً من المناظرة حول السياسة الداخلية.

السياسة الخارجية والقضايا ذات الصلة بمنطقة الشرق الأوسط

لم يركز السباق الرئاسي لعام 2016 حصرياً على السياسة الداخلية. لقد لعبت السياسة الخارجية أيضاً دوراً هاماً، ولا تزال. تشكّل هذه القضايا جزءاً من أي حملة انتخابات رئاسية، نظراً لدور الرئيس كقائد أعلى للقوات المسلحة ومكانة البلاد على الساحة العالمية. وقد ظهرت قضايا السياسة الخارجية إلى الواجهة بخاصة مع ظهور المنظمات الإرهابية الدولية والهجمات الإرهابية في كلّ من فرنسا، وتركيا، وأندونيسيا، وبوركينا فاسو، وكينيا، ولبنان، وحتى في الولايات المتحدة.

أصبحت السياسة الخارجية في الواقع موضع التركيز المهيمن على حملات مرشحي كلا الحزبين، وهذا أمر غير اعتيادي من بعض النواحي. لطالما اعتُبرت السياسة الخارجية مجال الحزب الجمهوري، وأظهرت استطلاعات الرأي العام منذ عقود أنّ الأمريكيين يثقون في الحزب الجمهوري أكثر من الحزب الديمقراطي عندما يتعلق الأمر بمثل هذه القضايا. ولكن في انتخابات العام 2016، يرغب الطرفان في مناقشة السياسة الخارجية. يناقش الجمهوريون هذه المسألة من المنطلق الاعتيادي عينه، ويعتبرون أنّ قيادة الرئيس أوباما الفاشلة قد تسببت بالعديد من المشاكل التي تواجه منطقة الشرق الأوسط، وأفريقيا، وجنوب شرق آسيا، والصين، وروسيا، وشبه جزيرة القرم، وأوروبا.

ثمة مرشح ديمقراطي واحد على الأقل حريص أيضاً على مناقشة السياسة الخارجية. تتمتع هيلاري كلينتون، باعتبارها وزيرة خارجية سابقة، بسيرة ذاتية أقوى من أي مرشح آخر في السباق التمهيدي للحزب الديمقراطي في ما يتعلق بالسياسة الخارجية، لا بل تكاد سيرتها الذاتية في ما يتعلق السياسة الخارجية أقوى في نواحٍ كثيرة من أي مرشح رئاسي آخر. وتعتبر كلينتون هذه التجربة بمثابة فرصة لها ولحزبها لتحقيق النجاح. ونتيجةً لذلك، تقوم بمناقشة القضايا التي تلعب لصالحها.

تتنوع قضايا السياسة الخارجية التي تجري مناقشتها في سباق العام 2016 إلى حدّ كبير من حيث طبيعتها. وتشمل هذه القضايا مسألة الأمن السيبراني مع الصين والقضايا النووية مع كوريا الشمالية وقضايا السيادة في أوروبا الشرقية وديناميكيات السلطة مع روسيا والاتفاقات التجارية مع الاتحاد الأوروبي ودول المحيط الهادئ. ومع ذلك، لم تهيمن قضايا الشرق الأوسط على مناقشة السياسة الخارجية فحسب، بل أيضاً على الحملة ككلّ. أما القضية التي تتم مناقشتها على نطاق واسع خلال الحملة النتخابية، فهي ظهور تنظيم الدولة الإسلامية وانتشاره وهجماته في العديد من من البلدان، بما في ذلك الاعتداءات التي نفذها متعاطفون معه في الولايات المتحدة. وتتّصل بهذه المسألة محادثة أوسع نطاقاً بشأن الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وبخاصة في سوريا والعراق وإيران ومصر وليبيا واليمن.

وبالإضافة إلى ذلك، شكّل الاتفاق النووي مع إيران الذي دخل حيز التنفيذ مؤخراً سياسة مثيرة للجدل لإدارة أوباما، كما أصبحت قضية حاسمة في الحملة. يدعم الديمقراطيون كلّاً من الاتفاق والرئيس، بينما يعارضه الجمهوريون بشدة، إلى حدّ أنّ كثيراً من المرشحين هدّد بالانسحاب عند تولي منصب الرئاسة.

أما قضية السياسة الخارجية الأخيرة المهيمنة على هذه الحملة، فتتعلق بالدعم الأمريكي لإسرائيل. ويقول الجمهوريون إنّ العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل قد انهارت تحت إدارة أوباما وإنّ التزام الولايات المتحدة بأمن إسرائيل واستقلاليتها ودفاعها ومصالحها ينبغي أن يشكّل جزءاً أساسياً من السياسة الأمريكية الخارجية. لا يختلف الديمقراطيون عنهم بالرأي كثيراً، إلا أنهم لا يعتبرون الرئيس أوباما مسؤولاً عن أي تعقيد في العلاقات بين البلدين.

بشكلٍ عام، ليست مناقشة السياسة الخارجية في حملة الانتخابات الرئاسية الأمريكية مجرد مسألة سياسة. فالسياسة الخارجية، وبخاصة القضايا المتعلقة بالشرق الأوسط، ستشكّل موضع تركيز كبير للإدارة القادمة، بغضّ النظر عمن يُنتخب رئيساً للبلاد. ويعني ذلك أنّ الدول في مختلف أنحاء المنطقة ستلعب دوراً كبيراً في هذا النقاش. وعلاوةً على ذلك، سيلعب حلفاء الولايات المتحدة الدائمون في المنطقة دوراً رئيسياً واستراتيجياً في تنفيذ السياسة الخارجية الأمريكية. وستؤثّر الآراء والمقترحات المحددة التي تقدّم بها المرشحون الرئاسيون على المنطقة بطرق مختلفة، مما يجعل نتيجة الانتخابات الرئاسية الأمريكية للعام 2016 بالغة الأهمية لمنطقة الشرق الأوسط عموماً، ودول مجلس التعاون الخليجي خصوصاً.

لمحة عن المرشحين

نقدّم في ما يلي لمحة عن أبرز المرشحين من كلّ حزب. تغيّر الانتخابات الرئاسية الأمريكية بسرعة الشؤون التي يمكن أن تكون غير متوقعة إلى حدّ كبير. رغم ذلك، من الواضح أنّ بعض المرشحين يحظون بفرصة تأمين ترشيح حزبهم لهم، في حين أنّ البعض الآخر لا يتمتع بفرصة مماثلة. نقدّم ههنا لمحةً عن سبعة مرشحين – مرشّحان ديمقراطيان، وهما هيلاري كلينتون وبيرني ساندرز؛ وخمسة مرشحين جمهوريين، وهم جيب بوش وبن كارسون وتيد كروز وماركو روبيو ودونالد ترامب. تضمّ كلّ لمحة معلومات أساسية عن خلفية المرشح ومناقشةً لمواقفه بشأن القضايا الرئيسية بالنسبة للشرق الأوسط، مع بعض التحليلات أيضاً. وتتضمّن كل لمحة أيضاً قسماً بعنوان "قضايا أخرى"، تضمّ الموضوعات الأقل شيوعاً التي يناقشها المرشح.

من المهم أن نشير قبل ذلك إلى بعض المسائل. أولاً، ليس المرشحون كلهم متماثلين من حيث كمية المعلومات المقدّمة، وهذا تحدٍ في انتخابات العام 2016. لقد تمكّن بعض المرشحين من خوض حملة انتخابية واكتساب الدعم والحفاظ عليه، وحتى المشاركة في المناظرات بدون تقديم تفاصيل مهمة حول مجموعة متنوعة من وجهات النظر السياسية. وقدّم بعض المرشحين – بخاصة روبيو، وكلينتون، وبوش – تفاصيل مهمة بشأن وجهات نظرهم حول القضايا ذات الصلة بمنطقة الشرق الأوسط، بينما اعتمد آخرون الغموض في هذه الناحية. لم يقم الناخبون بمساءلة هؤلاء المرشحين المبهمين الذين تمكنوا من الحفاظ على الدعم رغم القليل من المعلومات الفارغة التي قدموها. ويبدو أنّ الابتذال كافٍ، في حين قد يعرّضهم التطرق إلى التفاصيل للانتقاد. لم تقم وسائل الإعلام الأمريكية هي الأخرى بمساءلة المرشحين بشأن هذه النقاط.

يُعتبر الشرق الأوسط منطقة حاسمة من الناحية العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية. كما وانّ استقرارها أو غياب الاستقرار فيها مهمّ بالنسبة إلى الشؤون المالية للولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة ومختلف أنحاء العالم وسلامتها وأمنها. ورغم أنّ الشرق الأوسط هو المنطقة الأحرج في العالم حالياً بالنسبة للسياسة الخارجية الأمريكية، نجد أنّ التفاصيل المحدودة التي يقدّمها بعض المرشحين في هذا الشأن واقع ينذر بالخطر.

المعلومات الواردة في اللمحات مأخوذة من المواقع الإلكترونية التابعة للحملة، والمناقشات، والظهورات الإعلامية، والخطابات العلنية، والمواقع الإلكترونية التي تجمع مواقف المرشح.

هيلاري كلينتون

الدولة الإسلامية – تقدّم كلينتون استراتيجية من ثلاثة أجزاء للتعامل مع الدولة الإسلامية. يتضمن الجزء الأول هزيمة الدولة الإسلامية في العراق وسوريا من خلال زيادة العمليات الاستخباراتية، وزيادة ضربات قوات التحالف الجوية، وشن حملة برية تدعمها قوات أمريكية خاصة يقودها العراقيون السنة والأكراد وتضمّ شركاء أوروبيين ودول عربية مجاورة. ويركّز الجزء الثاني على قطع تمويل الدولة الإسلامية وشبكاتها. ستعمل كلينتون على تحديث العقوبات الإرهابية التي تفرضها الأمم المتحدة، ودفع السعوديين والقطريين إلى منع رعاياهما من المساعدة بالتمويل، وإشراك المجموعات المحلية والمجتمعات المسلمة في جميع أنحاء العالم للمساعدة في مكافحة التطرف، بالإضافة إلى مكافحة التجنيد عبر الإنترنت بشكل نشط. أما الجزء الثالث، فيركّز على الأنظمة الدفاعية في الولايات المتحدة، مما يحدّ من قدرة الدولة الإسلامية على اختراق الحدود الأمريكية أو التجنيد من داخلها.

سوريا واللاجئون – بالتزامن مع الجهود لمكافحة الدولة الإسلامية، تدعم كلينتون فكرة العمل مع مجموعات محلية لإزالة الأسد من الحكم والتخطيط للانتقال إلى حكومة معتدلة. وتريد كلينتون أن يعيد الكونغرس النظر في تفويض استخدام القوة العسكرية ضدّ الإرهاب للعام 2001. تؤيد كلينتون فرض منطقة حظر جوي فوق شمال سوريا قرب الحدود التركية، وإنشاء مناطق آمنة للاجئين تمكّنهم من البقاء في سوريا، في مأمن من الدولة الإسلامية ونظام الأسد. وستقوم كلينتون بإشراك العالم العربي للمساعدة في دعم هذه المناطق الآمنة. بالإضافة إلى ذلك، تدعم كلينتون استقبال الولايات المتحدة لعشرات الآلاف من اللاجئين ودفعها للحلفاء الأوروبيين والعرب لاستقبال المزيد من اللاجئين.

إيران/الاتفاق النووي – تقدّم كلينتون استراتيجية خماسية للتعامل مع إيران: أولاً، تعميق التزام الولايات المتحدة بأمن إسرائيل من خلال دعم الدفاع، وتحديداً في مجال الكشف عن الأنفاق والدفاع الصاروخي. ثانياً، التأكيد على أنّ منطقة الخليج تشكّل مصلحة أمريكية حيوية من خلال وجود عسكري قوي والحفاظ على مضيق هرمز مفتوحاً وزيادة التعاون الأمني ​​مع دول مجلس التعاون الخليجي. ثالثاً، مكافحة وكلاء إيران في الدول الأخرى وإشراك دول مثل تركيا وقطر في تضييق الخناق على الدعم المقدّم لهؤلاء الوكلاء. رابعاً، التصدي لانتهاكات حقوق الإنسان في إيران، وخامساً، العمل مع دول عربية لوضع استراتيجية إقليمية شاملة. تؤيد كلينتون الاتفاق النووي مع إيران وتصفه بمقاربة "غير موثوق بها، ولكن تحققت". وقالت إنها سوف تلجأ إلى عقوبات إضافية أو إلى القوة العسكرية إذا لزم الأمر لفرض الاتفاق.

إسرائيل – تدعم كلينتون التحالف القوي والمتين مع إسرائيل، فضلاً عن حلّ الدولتين. وقالت إنها ستدعو رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى البيت الأبيض في خلال الشهر الأول من رئاستها لتعيد الالتزام بالتحالف بين البلدين ولإظهار تضامنها مع إيران. كما قالت إنها ستلتزم بأمن إسرائيل من خلال توفير الدعم الدفاعي المذكور.

دول الخليج – تريد كلينتون أن تعيد التأكيد على أنّ منطقة الخليج شريك مهم من الناحية الأمنية والتجارية والدفاعية. قالت إنّ السعودية أساسية من أجل التغلب على الدولة الإسلامية وتحييد إيران وتحقيق الاستقرار في المنطقة. تريد كلينتون أن تدفع الدول العربية، مثل السعودية وقطر وغيرها إلى بذل المزيد من الجهود لدعم المعركة ضد الدولة الإسلامية، سواء من خلال الدعم المالي أو العسكري. كلينتون ملتزمة بحماية دول مجلس التعاون الخليجي من التوغل الإيراني، وقالت إنها ستدفع دول الخليج نحو اتخاذ إجراءات صارمة ضدّ مواطنيها الذين يقدمون الدعم المالي للمنظمات الإرهابية.

بيرني ساندرز

الدولة الإسلامية – يريد ساندرز أن تقود الدول العربية المعركة ضدّ الدولة الإسلامية، بما في ذلك استخدام القوات البرية، مطلقاً على الحملة اسم "معركة من أجل روح الإسلام". ويقول أيضاً إنّ على دول المنطقة، ولا سيما دول الخليج الغنية، أن تبذل المزيد من الجهود لتمويل الحرب ضد الدولة الإسلامية. يدعم ساندرز الضربات الجوية لقوات التحالف، ولكنه يعارض اللجوء إلى قوات برية أمريكية. كما يدعم أيضاً فكرة هزيمة الدولة الإسلامية أولاً ثمّ القلق بشأن الأسد لاحقاً.

سوريا واللاجئون – لم يكن ساندرز واضحاً بشأن تأييده فكرة إقامة مناطق آمنة، ولكنه يعارض فرض مناطق حظر جوي كجزء من أي جهد، خوفاً من جرّ الولايات المتحدة إلى مواجهة طويلة الأمد. يؤيد ساندرز استقبال الولايات المتحدة عشرات الآلاف من اللاجئين السوريين، واعتبار نزوحهم أزمةً إنسانية. ويطالب أيضاً الشركاء الأوروبيين والعرب الالتزام باستقبال اللاجئين.

إيران/الاتفاق النووي – يدعم ساندرز الاتفاق النووي مع إيران، باعتباره الوسيلة الأكثر فعالية لمنع هذه الأخيرة من تطوير سلاح نووي. لا يعتبر ساندرز أنّ الاتفاق خالٍ من العيوب، إلا أنه صفقة من المفيد إبرامها. كما أنه يؤيّد إعادة فرض عقوبات إذا ما انتهكت إيران الاتفاق، ويقول إنّ التدخل العسكري لا يزال خياراً مطروحاً، ولكن يجب أن يكون الملاذ الأخير. يعارض ساندرز التدخل العسكري الأمريكي من جانب واحد، مشيراً إلى أنه في حالة إيران، يفضّل أن يتم فرض شروط الاتفاق من قبل تحالف.

إسرائيل – يدعم ساندرز الأمن الإسرائيلي، فضلاً عن حل الدولتين. لطالما انتقد ساندرز رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وكان المشرع الأول الذي أعلن أنه لن يحضر خطاب نتنياهو أمام الكونغرس في العام 2015. يدعم ساندرز حلّ الدولتين الذي يضمن حق إسرائيل في أن تكون آمنة وحق فلسطين في الحصول على وطن. يعارض الصواريخ التي تطلقها حركة حماس على إسرائيل، ويدعم حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها. وهو يعارض أيضاً الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة.

دول الخليج – بالإضافة إلى اعتباره أنّ على دول الخليج بذل المزيد من الجهود للتغلب على الدولة الإسلامية وتحقيق الاستقرار في المنطقة، احتفظ ساندرز ببعض التصريحات القاسية للمملكة العربية السعودية وقطر. وقال في كلمة ألقاها في جامعة جورجتاون إنّ على السعودية أن تركّز بدرجة أقلّ على الحرب في اليمن وعلى قطر أن تركّز بدرجة أقلّ على كأس العالم، وتحويل مواردهما إلى العراق وسوريا.

القضايا الأخرى – يدعم ساندرز القيام بإصلاحات جذرية لميزانية وزارة الدفاع الأمريكية للحدّ من الهدر وإعادة توجيه الموارد نحو مصالح ضرورية أكثر، مثل محاربة الدولة الإسلامية. قد يزيد رفع موارد الدفاع في منطقة الشرق الأوسط أو إعادة توجيهها إلى هناك من اعتماد الولايات المتحدة على قواعدها العسكرية وحلفائها هناك. بالإضافة إلى ذلك، يعارض ساندرز الصفقات التجارية الثنائية والمتعددة الأطراف، بحجة أنها تؤذي العمال الأمريكيين عادة. ويمكن أن تؤدي هذه المعارضة إلى تغييرات في ديناميكية الاتفاقات التجارية الأمريكية مع سلطنة عُمان والبحرين والجهود الرامية إلى إنشاء اتفاقيات التجارة الحرة بين الولايات المتحدة ودول الخليج.

جيب بوش ( أعلن انسحابه )

الدولة الإسلامية – يعتبر بوش أنّ محاربة الدولة الإسلامية ستتطلب عملية برية كبيرة، ويؤيد بناء تحالف يقوده مقاتلون محليون، بمن فيهم العشائر السنية، والقوات العراقية، والبشمركة الكردية، ويرى أنّه ينبغي بالولايات المتحدة تقديم الدعم لهذه الفئات كلها. يقول بوش إنه يمكن القضاء على الدولة الإسلامية من خلال مشاركة قوات من دول الخليج وزيادة عدد القوات البرية الأمريكية. وتحقيقاً لهذه الغاية، سيدعم بوش توسيع مهمة القوات الأمريكية الموجودة على الأرض حالياً –لتتخطى حدود التدريب والمساعدة– وتوسيع نطاق الحملة الجوية الأمريكية ضد الدولة الإسلامية. وقد قال على وجه التحديد إنّ مفتاح الفوز بالحرب ضد الدولة الإسلامية هو "إشراك المسلمين المحبين للسلام"، مشيراً إلى أنّ المسلمين يشكلون الجزء الأكبر من ضحايا هذا التنظيم.

سوريا واللاجئون – تحدّث بوش عن الرغبة في إزالة الأسد ودعم المعتدلين السوريين وتجهيزهم للانتقال السياسي بعد سقوط الأسد. يعتقد بوش أنّ على الولايات المتحدة مساعدة القطريين والأتراك والسعوديين الذين سبق لهم أن عملوا لمساعدة المعتدلين السوريين. يسعى بوش لتوسيع الجهود الدبلوماسية، بالإضافة إلى الجهود العسكرية، ويؤيد إقامة مناطق آمنة داخل سوريا تساندها منطقة حظر جوي. كانت نقاشات بوش بشأن موضوع اللاجئين السوريين مختلطة، فقد اقترح أنه يتعين على الولايات المتحدة تعليق قبول اللاجئين إلى حين حلّ المشاكل في نظام دراسة الخلفية (The Screening System). يؤيد استقبال الأيتام، ومن يمكن أن تضمن الولايات المتحدة أنهم ليسوا إرهابيين، والمسيحيين. وكان قد انتقد اقتراح دونالد ترامب منع المسلمين من دخول الولايات المتحدة، بحجة أنه يعزل الدول العربية التي تحتاج الولايات المتحدة كثيراً إلى التحالف معها للتغلب على الدولة الإسلامية.

إيران/الاتفاق النووي – كانت آراء بوش بشأن الاتفاق النووي الإيراني متنوعة. ففي أوائل العام 2015، قال إنه سيرفض أيّ اتفاق مع إيران، وإنّ أي اتفاق يشكّل تهديداً لإسرائيل. ومع ذلك، في وقت لاحق من العام عينه، قال إنّ التراجع عن الاتفاق ليس باستراتيجية، ودعا إلى اتباع نهج أكثر دقة في التعامل مع إيران. قال إنه سيعيد فرض العقوبات بسبب التجارب الصاروخية الإيرانية الأخيرة. يسعى بوش إلى وقف النفوذ الإيراني في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وقال إنه سيقدم أنظمة دفاع صاروخي للحلفاء في المنطقة لحمايتهم من التهديدات الإيرانية.

إسرائيل – يريد بوش أن يعيد التأكيد على العلاقات الأمريكية مع إسرائيل، معززاً الشراكة بينهما التي يرى أنها ضعفت في ظلّ إدارة أوباما. يؤيد حلّ الدولتين. هذا وسيقدّم لإسرائيل أنظمة أسلحة متطورة كوسيلة لحماية نفسها من أعدائها. وذكر أنّه كرئيس، سيساعد إسرائيل في حربها ضدّ حزب الله وحركة حماس.

دول الخليج – كان بوش واضحاً لناحية أنّ على دول مجلس التعاون الخليجي واجب المساعدة في المعركة ضدّ الدولة الإسلامية وتوفير قوات للقيام بذلك. يسعى بوش إلى إعادة بناء تحالفات مع دول مجلس التعاون الخليجي وتعزيز التحالفات مع مصر وتركيا ولبنان والأردن وتونس لما تقدّمه هذه التحالفات من مزايا استراتيجية للتعامل مع الدولة الإسلامية وقضايا أخرى. وقد أشاد بوش بجهود القطريين والسعوديين الرامية إلى تمويل المعتدلين السوريين ودعمهم في معركتهم ضد الأسد والدولة الإسلامية.

القضايا الأخرى – لقد أعلن بوش عن رغبته في إعادة بناء الجيش الأمريكي وتمويله بشكل أفضل. وقد دعا خصيصاً إلى زيادة مستويات القوات، وامتلاك طائرات جديدة، وتوسيع الأسطول البحري، والتوسع في برنامج الغواصات. قد تؤثر هذه الزيادات في القوة العسكرية على دول مجلس التعاون الخليجي التي تستضيف منشآت عسكرية أمريكية.

بن كارسون

الدولة الإسلامية – يؤيد بن كارسون إعلان الحرب رسمياً على الدولة الإسلامية. يقول إنه سيستخدم عدداً كبيراً من القوات البرية الأمريكية للتغلب على التنظيم. لم يحدّد عدداً معيناً، ولكنه قال إنه سيوافق على أيّ عدد من القوات البرية يطلبه القادة العسكريون. وقال إنه سيسعى لتشكيل ائتلاف من القوات الأمريكية وعدد كبير من القوات من "شبه الجزيرة العربية". وتضمّن جزء من مقترحاته تدريب الشبان السوريين الذين تهجّروا إلى المملكة العربية السعودية والأردن ليصبحوا مقاتلين ضدّ الدولة الإسلامية. ويؤيد أيضاً قطع قدرات التنظيم المالية، وقال إنه سيستخدم القوات الأمريكية لقطع خطوط الإمداد إلى الأراضي التي يسيطر عليها التنظيم، بدون مناقشة الآثار التي تترتب عن ذلك على المدنيين في تلك المناطق.

سوريا واللاجئون – قال كارسون إنه سيمنع الولايات المتحدة من قبول أي لاجئ، خوفاً من دخول أعضاء الدولة الإسلامية سراً إلى البلاد. كما أضاف أنّ اللاجئين السوريين يفضلون إعادة توطينهم في سوريا (بمجرد توقف القتال على ما يفترض)، وليس في الولايات المتحدة أو دول أخرى. ويقول أيضاً إنّ مخيمات اللاجئين القائمة في دول مثل الأردن تعاني من نقص التمويل، وإنّه ينبغي على الدول العربية توفير التمويل اللازم لهذه المخيمات واستقبال اللاجئين على حدّ سواء.

إيران/الاتفاق النووي – يعتبر كارسون أنّ برنامج إيران النووي ليس إلا واحدة من المشاكل التي تمثلها إيران. ويشير إلى أنّ هذه الأخيرة تشنّ أيضاً حرباً ضدّ النساء والجماعات الدينية، وإلى أنّ الولايات المتحدة تخالف بمشاركتها مع إيران قيمها الخاصة في تلك المناطق. ويعتقد كارسون أّن الاتفاق مع إيران يعرّض الولايات المتحدة للخطر ويشكل تهديداً مباشراً لإسرائيل. وكان قد قال إنه سيتراجع عن الاتفاق فور توليه مهام المنصب الرئاسي، وسيتعامل مع إيران بالطريقة التي يرغب فيها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

إسرائيل – أشار كارسون مراراً وتكراراً إلى التزامه بتحالف الولايات المتحدة مع إسرائيل. يقول إنّ العلاقة قد تدهورت في عهد الرئيس أوباما وإنه سيعيد التأكيد على عمقها عند توليه الرئاسة. يعتبر أنه يتم "تشويه" المستوطنات اليهودية عندما تتم مناقشتها. لطالما كان كارسون داعماً كبيراً لرئيس الوزراء نتنياهو، واصفاً إياه بـ "القائد العظيم". وقد أعرب عن شكوكه بشأن حلّ الدولتين التقليدي في ما يتعلق بالقضية الإسرائيلية-الفلسطينية، مشيراً إلى أنه يدعم إقامة دولة فلسطينية، ولكن يجب أن تقام (في مكان ما) في مصر.

دول الخليج – قدّم كارسون بعض التعليقات بشأن دول مجلس التعاون الخليجي على وجه التحديد. وكان أحد الاستثناءات عندما سمّى دول مجلس التعاون الخليجي بالتحديد –كلها– وقال إنه من واجبها استخدام ثرواتها لتوفير التمويل اللازم لمخيمات اللاجئين السوريين في مختلف أنحاء المنطقة واستقبال المزيد من اللاجئين.

القضايا الأخرى – قال كارسون إنّ تخفيض الإنفاق على الدفاع يعرّض الولايات المتحدة للخطر. وأضاف أنه سيزيد هذا الإنفاق لضمان عدم تعرّض القوات أو القدرات العسكرية الأخرى لأي تهديدات. قد يؤثر مثل هذا الإنفاق على وجود القوات الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وعلى دول الخليج التي تستضيف منشآت عسكرية أمريكية. يؤيّد كارسون أيضاً الاستفادة من استكشاف الطاقة في الولايات المتحدة لجعل الدول الأخرى في مختلف أنحاء العالم معتمدة على الطاقة الأمريكية، ويقول إنهاوسيلة لزيادة القوة والقيادة في المنطقة.

تيد كروز

الدولة الإسلامية – كانت تصريحات تيد كروز بشأن كيفية التعامل مع الدولة الإسلامية خليطاً من التصريحات المتطرفة والمبهمة، مما أثار انتقادات بين منافسيه من الحزب الجمهوري. يؤيد كروز مستوىً معيناً من القوات البرية في سوريا، مع أنه يعتبر أنه يمكن الانتصار في الحرب ضدّ الدولة الإسلامية بدون القوات البرية الأمريكية. يؤيد كروز تسليح قوات البشمركة الكردية في العراق وسوريا ودعمها، كما يؤيد استخدام "القوة الجوية الساحقة" ووابل من القنابل في أي مكان تتواجد فيه الدولة الإسلامية. يريد تعليق دعم الولايات المتحدة لنظام الحكم في بغداد، بحجة أنه يجعل الوضع في المنطقة أسوأ من ذي قبل. كما وأنّه يؤيد الدعم للأكراد العراقيين والسوريين، ولإسرائيل، ومصر، والأردن، إذ يعتبرهم لاعبين رئيسيين في القتال. في موضوع المعركة ضدّ الدولة الإسلامية والمجموعات الأخرى، حرص كروز أن يذكر أنه لا يعتبرها حرباً على العقيدة الإسلامية برمتها، بل ضدّ "العناصر المتطرفة" في الإسلام.

سوريا واللاجئون – إنّ كروز مترددٌ في موضوع إزالة الأسد من الحكم لأنه يشكك في المعتدلين السوريين ويخشى أن تملأ الدولة الإسلامية الفراغ. أما في ما يتعلق باللاجئين، فقال كروز إنه يريد تعليق استقبال الولايات المتحدة للقادمين من أي بلد فيه أراضٍ تسيطر عليها الدولة الإسلامية أو تنظيم القاعدة إلى حدّ كبير، بما في ذلك سوريا. وكونه سيناتور، كان قد اقترح تشريعاً للقيام بذلك. وقد تجنّب إلى حدّ كبير إعطاء إجابات بشأن ما إذا كان يؤيد فرض مناطق حظر جوي أو إقامة مناطق آمنة في سوريا.

إيران/الاتفاق النووي – يعارض كروز الاتفاق النووي مع إيران ويقول إنّه سيتراجع عنه فوراً متى أصبح رئيساً. ويقول إنّ الاتفاق يسهّل على إيران أن تصبح قادرة على المستوى النووي ويهدد أمن الولايات المتحدة.

ماركو روبيو

الدولة الإسلامية – من بين المرشحين الجمهوريين جميعهم، كان ماركو روبيو من تقدّم بالخطة الأشمل للتعامل مع الدولة الإسلامية، مقترحاً استراتيجية سياسية وعسكرية في آنٍ معاً. وتتضمن الاستراتيجية إقامة تحالف متعدد الجنسيات يضمّ المزيد من القوات الأمريكية، وخصوصاً القوات الخاصة. وبموجب خطة روبيو، ستقوم العشائر السنية المحلية والأكراد الذين يرفضون الدولة الإسلامية بقيادة التحالف. يقول روبيو إنه لا بد للولايات المتحدة وقوات التحالف الدولي بتمويل تلك المجموعات وتسليحها ودعمها. وفي الوقت عينه، يؤيد منح المزيد من الاستقلالية للعشائر السنية في المحافظات. يدعم روبيو توسيع نطاق الضربات الجوية الأمريكية ضد الدولة الإسلامية في العراق وسوريا، ويشير إلى أنّ ضرب شبكة التنظيم المالية وإزالة سيطرته على موارد النفط جزء من هزيمة هذا التنظيم. ويقول أيضاً إنه بغية مكافحة التجنيد الذي تقوم به الدولة الإسلامية، ينبغي على الولايات المتحدة رعاية حملة إعلامية موجهة للعموم تسلط الضوء على عمليات القتل والانتهاكات التي يرتكبها التنظيم ضدّ المسلمين وغيرهم.

سوريا واللاجئون – يريد روبيو إزالة الأسد من الحكم وتدريب المتمردين المعتدلين

------------------------------------------------------------

*نائب مدير قسم الإدارة العامة الفعالة في معهد بركينغز

العراق الحديث بين الثوابت والمتغيرات

الدكتور طه جابر العلواني

كتب الراحل الدكتور طه جابر العلواني هذه الدراسة في العام 2005. وقد توفي العلواني أثناء عودته إلى الولايات المتحدة لغرض العلاج يوم 4 آذار- مارس 2016 بعد أن استقر في القاهرة خلال السنوات الأخيرة من حياته. طه العلواني من مواليد الفلوجة - العراق (العام 1935)، مارس التعليم الشرعي والوعظ والخطابة والكتابة منذ مطلع الخمسينيات من القرن الماضي. ونظرًا لمعارضته الجريئة لنظام حزب البعث، فقد اضطر لمغادرة العراق عام 1969. مارس التدريس في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض لمدة عشر سنوات، ثم قرر الهجرة إلى الولايات المتحدة الأميركية للتفرغ مع مجموعة من زملائه للعمل الفكري ضمن برامج المعهد العالمي للفكر الإسلامي، وكان عضوا مؤسسًا لمجلس أمناء المعهد منذ نشأته، كما رأس المعهد  من عام 1988 إلى 1996. كان له الكثير من النشاطات العلمية والفكرية الإسلامية، وعمل عضوًا في كثير من المجامع العلمية الدولية والمحلية، فكان عضوًا مؤسسًا في رابطة العالم الإسلامي، وعضوًا في المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية في الأردن، وعضوًا في مجمع الفقه الإسلامي الدولي في جدة. وكان الرئيس المؤسس لمجلس الفقه الإسلامي في أميركا الشمالية، ورئيس التحرير المؤسس لمجلة "إسلامية المعرفة"، والرئيس المؤسس لجامعة العلوم الإسلامية والاجتماعية في فيرجينيا، وشغل منصب أول أستاذ كرسي للبرنامج المشترك في الدراسات الإسلامية الذي تقدمه عشر جامعات أميركية في منطقة واشنطن العاصمة، وغير ذلك كثير.

----------------------------------------------------------------------------------------------

العراق الحديث بين الثوابت والمتغيرات

د. طه جابر العلواني

فهرس المحتويات

المقدمة -------------------------------------------------

لمن هذه السلسلة؟ -------------------------------------------

لماذا وضعت في شكل سلسلة؟ ------------------------------------

أسئلة الدراسة ----------------------------------------------

الثوابت العراقية ---------------------------------------------

الثابت الأول: عربية العراق --------------------------------------

        وحدة العراق فرع عن عربيته ---------------------------------

        استمرار عربية العراق دون انقطاع ------------------------------

        العراق والفتح الإسلامي وتميز التيارات الفكرية -----------------------

الثابت الثاني: إسلامية العراق في الفتح الإسلامي ---------------------------

الفتح الإسلامي ومراحله -----------------------------------

إبقاء أرض السواد بأيدي أهلها --------------------------------

الكوفة عاصمة الإمام علي -----------------------------------

الثابت الثالث: التنوع العراقي في الأديان والمذاهب واللغات وطبيعة الأرض --------

        الماضي القريب والدور الشيعي في صناعته --------------------------

ثورة العشرين هي الأم الشرعية للعراق الحديث -----------------------

الطائفية السياسية وبذورها ----------------------------------

المراجع والعلماء قادة المقاومة ---------------------------------

الجذور التاريخية للطائفية السياسية في العراق -------------------------

استقلال الحوزات والمدارس الدينية الشيعية --------------------------

مناقشة دعوى عجمية التشيع ---------------------------------

الطائفية السياسية: كيف زرعت في العراق وكيفية احتواء خطرها؟ ------------

الثابت الرابع: ضرورة توفير كل أسباب التداخل بين أبناء الشعب ----------------

الثابت الخامس: الوحدة الوطنية ------------------------------------

خاتمة القسم الأول -------------------------------------------

الحلقة الثانية -----------------------------------------------

المذهبية الشيوعية باختصار ---------------------------------------

المذهبية البعثية باختصار ----------------------------------------   

بداية الاحتلال الثالث -----------------------------------------

المؤسسة العسكرية والتحديث -------------------------------------

ضرورة بناء الفكر السليم ---------------------------------------

أسئلة الدراسة ----------------------------------------------

حقيقة حزب البعث وتكوينه ---------------------------------

مصادر فكر حزب البعث -----------------------------------

فلسفة حزب البعث ومذهبيته ---------------------------------حتمية الانتماء إلى حزب البعث -------------------------------رفض عفلق التحليل واعتماده الرؤية -----------------------------

الحزب هو الأمة ----------------------------------------

البعثيون وتبديل القيم العربية ---------------------------------

الطلائع والقسوة والاستبداد ----------------------------------

قيم حزب البعث والجاهلية ----------------------------------

حزب البعث والثقافة الغربية ---------------------------------

حزب البعث والشريعة الإسلامية -------------------------------

مفهوم أهل السنة والجماعة --------------------------------------

أمة أم طائفة أم جماعة؟ -----------------------------------------

الأمة والافتئات عليها ------------------------------------------

        عودة إلى الخلاف بين الشيعة والسنة -----------------------------

        تفكك مفهوم الأمة وضرورة المراجعة ----------------------------

        بين الفجر الصادق والفجر الكاذب -----------------------------

        درس من التاريخ الأوربي ----------------------------------

        تسخير قواعد وأسباب الحركة  التاريخية ---------------------------

        حزب البعث وأهل السنة -----------------------------------

الأمة والتمزق

        الأحاديث الموضوعة والضعيفة وأثرها في تمزيق الأمة -----------------

إشكالية الفرقة الناجية --------------------------------

الهوامش -------------------------------------------------

   *************************************                  

المقدمة:*ضرورة التحديد

يعدُّ تحديد الثوابت والمتغيّرات[1]في حياة الشعوب والأمم ضرورة لابد منها؛ إذ لو بقيت الثوابت والمتغيّرات -  معاً – في حالة سيولة وتداخل واختلاط فإنّ من المتعذِر تحديد أهداف وبناء استراتيجيّات، وتخطيط حاضر أو مستقبل أو فهم لماضٍ. وجلّ عمليات التزوير الكبرى التي يتعرض لها تاريخ الشعوب، وسير الأمم تستهدف في مقدمة ما تستهدف إزالة الفواصل بين الثابت والمتغيِّر من مكوناتها، وخلط الأوراق بحيث تتعذَر الرؤية السليمة والفهم المستقيم، فتنعدم– آنذاك – القدرة على البناء والتدبير الذين يحتاجان إلى طاقات الأمة كلها.

فلا غرابة – والأمر كذلك - أن تجري بين الحين والحين عمليات تزوير لتاريخ أمم وشعوب، وإعدام لذاكرتها التاريخيَّة أو تخريب لها لئلا تتمكن من النهوض إذا ما كبت أو تعثرت. ولذلك فإنّ عمليّات تصحيح التاريخ وتنقيته، وإعادة الوعي الصادق على ثوابت ذلك الشعب أو تلك الأمة ومتغيراتها تعد من أوليّات العمل الفكريّ الجاد البنَّاء ومن ضروريّات إعادة تشكيل الوعي الصادق[2]من جديد.

إنّ القرآن المجيد قد قدم لنا نماذج رائعة في عمليَّات التصحيح التاريخي. فقد استرجع تاريخ الأنبياء وتراثهم، وقام بمراجعته ونقده، وتنقيته مما أصابه من تحريف أو تغيير أو إضافة أو حذف ليعيده صادقاً كما بدأ، قائماً على الصدق والحقيقة والكلمة الإلهية فقط. واضح المعالم، بيّن القسمات، تتميز فيه ثوابت الأنبياء والرسل وثوابت رسالاتهم عن المتغيّرات، وتتميز فيه السنن الثابتة عن القوانين المتغيرَّة، ومميزات الأمم  وخصائصها الثابتة والمتغيرَّة[3]لكي تتمكن من ممارسة فعل النهوض واستعادة الدور.

 ونحن إذ نستهدي بهدى القرآن الكريم في موضوع  التخطيط لإعادة بناء "العراق الحديث" لنرجو أن نوفق إلى توضيح الصورة التي شابها من العبث والخلط، والتزييف المقصود وغيره ما يجعل الأمر-  أمر التمييز بين الثابت والمتغِّير-  في غاية الصعوبة. ونحن لا ندعي أنّنا سنحدد ذلك بالدقة المطلوبة، بل حسبنا أن نحاول ونفتح طريق البحث والتفكير الجاد أمام الباحثين الجادين لاستكمال ما بدأناه. فإنّ الضغوط كثيرة، وتلاحق الأحداث قد لا يتيح فرصة للتفكير العميق في هذا الموضوع أو الانشغال الجديَّ فيه. أو إعطائه ما يقتضيه من الوسائل والأدوات المنهاجيَّة والبحثيَّة. وعلى هذا فإنّ ما نقدمه إن هو إلا جهد المقل، أخذاً بقاعدة "إنَّ الميسور لا يسقط بالمعسور" و"أنّ ما لا يدرك كله لا يترك جلّه".

لمن هذه السلسلة؟

        إنها لأولئك العراقييَّن الباحثين في دياجير ظلام الفتنة والتمزق والاحتلال عن قبس من نور به يهتدون.

        إنها لأولئك العراقييَّن الحيارى الذين تكاثرت عليهم السهام، وتظافرت عليهم الخطوب، واشتدت عليهم المحن، وتكالبت عليهم الأمم، فالتبست لديهم السبل، وضاعت عليهم المعالم، وتداخلت في أسماعهم الأصوات، فصار الحليم فيهم حيران؛ لعل في هذه الكلمات المعدودات، الصريحة، الصادقة، المخلصة، ما يجلو بعض الحقائق، وينير السبيل. ولعل الشباب العراقي الطالع لا يسقط فيما سقط فيه آباؤه من قبل فيحيى المعاناة كما عاشوها، ويعاني الآلام كما عانوها، ويعيد إنتاج الأخطاء التي سقطوا فيها ففقدوا أمنهم واستقرارهم وخسروا استقلالهم لعدة مرات، وفارقتهم الطمأنينة طيلة حياتهم، ومنهم من فقد الحياة نفسها، ومنهم من فارق الديار وخسرها، وعاش محسوراً مسلوب الحرمة، منتهك الكرامة يتجهمهم القريب، ويعبث بهم الغريب.

        لعل الأجيال العراقية الطالعة تستوعب تلك الدروس التي غلا ثمنها، وتتعظ وتعتبر بالتاريخ القريب: فتنتبه لحماية حاضرها، وبناء مستقبلها من غير أمراض كامنة أو بارزة تهدد ذلك المستقبل، أو مكروبات أو فيروسات خبيثة نائمة تصادره.

        أتمنى للجيل الطالع جيل أحفادي وأحفاد أبنائي ومن يأتي بعدهم أن لا يصيبهم ما أصابنا بأخطائنا وذنوبنا وقلة اتعاظنا واعتبارنا بمن سبقنا؛ لهؤلاء ثم الأمثل فالأمثل. أتوجه بهذه الكلمات مؤكداً أن كاتب هذه السطور مهما قال الخراصون أو أرجف المرجفون إنسان متجرَّد، وسائر نحو آخر منازل الدنيا، وأول منازل الآخرة لا مطمع له في زعامة علت أو نزلت، ولا رغبة له في سيادة رقت أو هبطت. وكل ما يتمنَّاه أن يرى الأجيال العراقيَّة الطالعة أجيالاً مؤمنة عزيزة كريمة راشدة متضامنة تبني ولا تهدم، تعمر ولا تخرب، تصون ولا تبدد، تطمئن ولا تهدد، تهتدي ولا تضل، تسعى وتسعد، تنتصر وتنجد، عون للصديق وأمان للجار والمستجير، ومصدر خير وبركة ونور ورشد للأهل والأقربين، والأولياء والأبعدين، فذلك دورهم، وذلك ما يرتجى ويؤمَّل ممن لهم تاريخهم، وأمجاد مثل أمجادهم، وفضل على البشرية لا تزال تعترف به لهم.

        إن الله - تبارك وتعالى – قادر على إحياء العظام وهي رميم، وقادر على تحقيق هذا الحلم العظيم، إن شاء الله - تعالى -.  والله الموفق وهو الهادي إلى سواء السبيل.

لماذا وضعت في شكل سلسلة:

لقد رأى الأخوة والأصدقاء الذين ألحوا على في ضرورة إعداد هذه الدراسة ووافقتهم الرأي أن تكون في حلقات متسلسلة كل منها تتناول موضوعاً واحداً أو أكثر بقليل من الموضوعات التي تحتاج الأجيال الطالعة إلى معرفتها عن قضايا العراق التي لم تعالج أو عولجت ولكن من زاوية محدودة الأفق فأدت إلى الوقوع في سلسلة من الأزمات في الماضي، وقادت إلى هذا الحاضر المؤلم. وإذا لم يأذن الله – تعالى – بمعالجتها وتجاوز آثارها فقد تؤدي إلى مصادرة المستقبل والعياذ بالله من ذلك، والرجاء كل الرجاء في رحمته وفضله وعنايته وتسديده وترشيده سبحانه.

        لقد كانت الحلقة الأولى مكرسة لبيان مجموعة من أهم الثوابت العراقية التي أحسبها موضع اتفاق بين أبناء العراق، بل إن تلك الثوابت هي التي جعلت العراق عراقاً، فتلك الثوابت هي التي  لا يمكن للعراق أن يكون عراقاً بدونها، كما أن التذكير بتلك الثوابت– في نظرنا– مدخل من أهم المداخل لدفع فصائل الكيان الاجتماعي العراقي إلى التهيؤ للحوار البناء بينها، والاستعداد للاستماع بعقل واع، وقلب منفتح لمختلف الأطروحات لتحقيق مزيد من الفهم والتفاهم، واستيعاب الأطروحات المختلفة التي لم تزدها أساليب القمع إلا تجذراً ورسوخاً. فعندما رفض العراقيون في الماضي أن يستمع كل منهم إلى الآخر اتجهت بعض الفصائل إلى الجار القريب وإلى الأبعد المتربص الغريب تشكو همومها وتستعين به على معالجة أزمات خلقها تجبر الأخ وجهل ابن العم، وسلبية الأهل، وإذ لم يجد في ذلك – كله – حلاً اتجه البعض إلى الأجنبي والأبعد لاجئاً إليه، وطالباً منه النصرة على أخيه الذي ظلمه، وأنكر عليه حقوقه، وأخرجه من داره، وحوله إلى رمَّة، أو سجين فاقد الكرامة، أو لاجئ يجوب أنحاء الأرض باحثاً عن مأوى، ناشداً لملجأ، يتجهمه القريب ـ ويتملك أمره البعيد، يستغله إن شاء ويستذله إن أراد.

        والحمد لله كان لتلك المحاضرة أو الحلقة الأولى أثر طيب عند أكثر أولئك الذين استمعوا إليها أو أطلعوا عليها، وقد حققت بعض أهدافها، وأحسن الكثيرون استقبالها، وفهموا رسالتها. وهناك من لم يتفهم مغزاها، ولم ينعم النظر في مضمونها، فنظر وبسر، ثم أدبر واستكبر، ولعل هؤلاء يعيدون قراءة الحلقة الأولى مصحوبة بالثانية – في هذه الطبعة - مدركة في ضوئها لتسفر عن مكنونها وتتجلى لهم مقاصدها ومراميها، ولذلك قمنا بدمج الحلقتين الأولى والثانية معاً، وسوف نعد الحلقة الثالثة إن شاء الله تعالى حول "الكرد والثوابت العراقية".

أسئلة الدراسة:   

1- هل هناك ثوابت ومتغيرات في الواقع العراقي الراهن، أو أن زلزال الاحتلال لم يبق شيئاً ثابتاً يمكن للعراقيين كافة أن يلتفوا حوله؟

2- هل يمكن تحديد هذه الثوابت ورصدها في خضم هذه الفوضى الفكرية والسياسية والعسكرية والاجتماعية وما إليها؟ خاصة بعد تلك المحاولات السابقة والراهنة لتزوير تاريخ العراق والتلاعب به، والمحاولات المستمرة لتخريب ذاكرته؟ أم أن ذلك قد أصبح بعيد المنال؟

3- كيف أعاد القرآن المجيد إنتاج تاريخ البشرية والنبوات والرسالات التي جاءتها، وكيف تمكن من وضعه في حالة الصدق، وتطهيره من سائر عمليات التزوير كلية كانت أو جزئية، وهل يمكن الاستفادة بهذا المنهج القرآني في إعادة كتابة تاريخ العراق، وتنقية هذا التاريخ من سائر ما أضيف إليه أو حذف منه، أو حرَّف فيه؟

4- وإذا أوصل البحث إلى أن هناك ثوابت عراقية، فهل يمكن دعم هذه النتيجة، والاستدلال لها، وإثباتها أولاً.

5- وإذا تبين أن هناك ثوابت عراقية، ووقع نوع من الاتفاق الوطني عليها أو على بعضها، وأقيمت الأدلة على وجودها، فما هي هذه الثوابت التي سنوردها في هذه الرسالة؟ وكيف يمكن أن تجتمع الكلمة عليها؟

6- هناك من يشكك في "عربية العراق" واعتبارها صفة أساسية وثابتاً من الثوابت العراقية، فكيف يمكن دحض هذه الشبهة؟ وإزالة مصادر التشكيك في عربية العراق، وإعادتها إلى موقعها السليم بين الثوابت العراقية قبل وقوع الفرقة والاختلاف، وكيف يوفق بين ثابت العربية، وتنوع أعراق وأديان ومذاهب الشعب العراقي؟

7- هناك من يرى أن الخلاف بين السنة والشيعة خلاف متجذر وراسخ، وأنه خلاف ديني، عقيديّ، مذهبيّ، وإثنيّ كذلك. ما نصيب هذا التصور من الحقيقة، وكيف يمكن توضيح هشاشة الاختلاف بين الشيعة والسنة، وتوكيد أنه خلاف لا يتجاوز الفروع إلى الأصول، وأنه لا يختلف في حجمه ومستواه عن اختلافات الرأي والمذاهب الفرعية داخل المذهب الواحد شيعياً كان أم سنياً؟

8- يرى البعض أن العراق بلد قابل للقسمة بطبيعة جغرافيته البشرية، وجغرافيته الطبيعية، ما نصيب هذا التصور من الصحة؟ وكيف نثبت خطأ هذا الرأي وخطله، ونبين أن العراق غير قابل لذلك؟ ولو أن هذا المنطق مقبول لما بقي قطر على وجه الأرض موحداً، حيث لا يوجد قطر واحد مهما صغر لا تختلف طبيعة مناطقه، ولم يتداخل في جغرافيته السكانية مع شعوب أخرى.

9- كيف يمكن تعالي الجميع على جراحات الماضي، وإعادة حالة الصفاء والإخاء بين السنة والشيعة، ثم بين العرب والأكراد، والتركمان وغيرهم، وتوسيع دوائر المشتركات، وتضييق دوائر الخلافات ووضعها في حجم طبيعي لا يسمح بتحويل ذلك إلى قنابل موقوتة يمكن الكشف عنها وتفجيرها ساعة يشاء أعداء البلاد لتفريق الكلمة وتدمير الوحدة الوطنية؟

10- كيف يمكن إعادة بناء صلات القربى ووشائج الإخاء بين العرب والأكراد، وجمع كلمتهم على الأهداف المشتركة بين العراقيين، وكذلك الحال بالنسبة للتركمان، وسائر المجموعات الأخرى ليتحول هذا التنوع والتعدد إلى ميزة للمجتمع العراقي؟ وإمكانية؟ لا إلى عبئ وسلبيات؟

ولعل هذا الكتيب – على لطافة حجمه – قد أجاب عن بعض هذه الأسئلة بشكل وجيز يغني اللبيب إن شاء الله ويفتح للحوار المشترك طريقاً يبساً لا يخاف سالكه دركاً ولا يخشى.

        إننا ندرك أن سخونة الأحداث وتتابعها تجعل الأذهان العراقية والعربية، بل والعالمية مستغرقة بشكل كامل تقريباً في الحدث اليومي، مشغولة بملاحقته واللهاث حوله لعلها تفهمه، أو تقارب فهمه، لكن الأحداث اليوم لا يمكن أن تفهم إلا في إطار أو نموذج معرفي يعين على قرائتها، ويحدد زوايا القراءة، ويساعد على حسن فهم الأحداث وتفسيرها.

        فهذا الذي نقدمه قد يبدو للقارئ العادي أنه لا يمثل أولوية، ولا يشكل نقطة بداية، لكننا نؤكد أنه يمثل نقطة بداية حقيقية هامة؛ إذ أنه المقدمة الضرورية لحسن القراءة وسلامة الفهم التي لا بد منها. لمتابعة الأحداث، لذلك فإن أملنا كبير أن تحظى هذه الدراسة من القراءة بما تستحقه من عناية، والله الموفق.                      

الثوابت العراقيَّة

بادئ ذي بدء أود أن أدعي بأنّ الثوابت العراقية الأساسية الكبرى يمكن حصرها– مؤقتاً–  في هذه الثوابت الخمسة التالية:

الثابت الأول: "عربيَّة العراق"

الثابت الثاني: "إسلاميَّة العراق في الفتح الإسلامي"

الثابت الثالث: "التنوُّع العراقي" في الأديان والمذاهب والأعراق واللغات وطبيعة الأرض.

الثابت الرابع: "ضرورة توفير كل أسباب التداخل بين أبناء الشعب"

الثابت الخامس: "الوحدة الوطنية"

وهذه الثوابت الكبرى لا يمكن تجاهل أيّ منها، ولا التقليل من شأنها مهما كانت الظروف. وكل تجاهل لها أو لأيّ ٍ منها كلاً أو جزءاً يحدث خللاً كبيراً؛ ويكون مصدر انعدام توازن في "هويّة العراق" وفي "مقوِّمات الشخصيَّة العراقيَّة". وإذا اختل التوازن في الشخصية والهوية أو في إحداهما، استحال إقامة كيان متماسك يستطيع توفير مقومات مجتمع، أو مكونات دولة، أو شروط استقرار. وفي هذا العرض الوجيز سنفصل القول في هذه الثوابت، لتحصل القناعة لدى الجميع بـأنها ثوابت حقيقية لا مفتعلة، ولعله يقع الإجماع  أو الاتفاق على إبقاء هذه الثوابت بعيداً عن المساومات السياسية والصراعات الحزبية والطائفية في الحاضر وفي المستقبل بحيث تبقى القضايا السياسية قابلة للتفاهم وممكنة المعالجة في إطار الحوار الداخلي المخلص. 

الثابت الأول: "عربيّـة العراق"[4]

يخطئ من يظن أنّ "عربية العراق" صفة طارئة، أو أنها مجرد لون أو ثوب مستعار يستطيع العراقيون أن يرتدوه، أو يخلعوه متى شاؤوا؛ لأنَّها صفة أو صبغة طرأت عليه–بحسب ظن هؤلاء المخطئين - بعد الفتح الإسلاميّ، أو بعد بروز عصر القوميات؛ فالتاريخ يخبرنا أنّ الهجرات العربيّة من جزيرة العرب إلى العراق بعمقه، قد بدأت قبل ميلاد المسيح– عليه السلام - ببضعة آلاف من السنين. وكانت الهجرة الثانية 2500قبل الميلاد، وهؤلاء العرب الذين استقر بهم المقام في أعماق العراق هم الذين شادوا أعظم الحضارات في "العهد الأكديّ" ثم "البابليّ" ثم "الآشوريَ". وتعد الهجرات التي سبقت الفتح الإسلامي بقليل أو صحبته، أو جاءت بعده بقليل هي الهجرات العربيّة الأخيرة. حيث انتشر الإسلام في كل أرجاء العراق، وتم تجديد اللغة العربية فيه وفقاً لما برزت عليه عند نزول القرآن الكريم، واتضح أثر القرآن المجيد في تطوير اللسان العربيّ، مما كان له أكبر الأثر- بعد ذلك - في نشأة مدرستي الكوفة والبصرة النحويتين فيما بعد، إضافة إلى وجود "مدرسة الكتاتيب العربية" في الكوفة والحيرة قبل الإسلام [5].

لذلك فإنّ "عربية العراق" ما كانت ولم تكن قضية طارئة أو صفة عرضيّة لاحقة. فهي صفة لازمة وجوهرية. وعربيّة العراق لا تعني ولا تسمح ولا تتسع بأي حال لأيّ مضمون عرقيّ أو عنصريّ، بل هي مضمون فكريّ ثقافيّ حضاريّ يشتمل عليه لسان خالد خلَّده القرآن المجيد، وسيبقى القرآن واللسان العربي وعربيّة أهل ذلك اللسان أموراً متلازمة لا تنفك ولا تنفصل حتى يوم الدين.

ولم يفقد العراق عربيّته، ولم ينسلخ منها لا في حرب ولا سلم، ولا في حالات السيادة والاستقلال ولا في حالات الغزو والاحتلال.

فعندما سقطت بابل تحت حكم الفرس وأصبحت بلاد بابل وآشور -  أي العراق – جزءاً من الإمبراطوريَّة الفارسيَّة، وهيمنت الدولة الساسانية على تلك الإمبراطورية كانت بلاد الرافدين قسماً مهماً منها بجذورها وثقافتها ولغتها. ولقد شاد الساسانيُّون عاصمة ملكهم الشتويَّة في المدائن التي كانت تسمى (توسفون)[6]وتقع قريباً من بغداد العاصمة الحالية للعراق وتسمى حالياً بـ "سلمان باك" نسبة إلى الصحابي الجليل سلمان الفارسيّ الذي له مسجد وضريح يزار هناك. وكانت منطقة "الحيرة"[7]في الجنوب - آنذاك - يقطنها نصارى عرب هم بنو تنوخ، وعرف ملوكهم بـ "اللخميين"[8]. وكانوا يدينون بالطاعة لملوك الفـرس وسيطرتهم، ومن أشهر ملوكهم النعمـان صـاحب قصر الخورنق (400 م) والمنذر الثالث (550-554) والذي عُرف لدى العرب باسم (ماء السماء) وولده عمرو بن هند والنعمان الثالث (580-602) وأشعر شعراء بلاطه كان الشاعر العربي المشهور النابغة الذيباني[9]. تلك كانت حالة العراق بصورة عامة. أثناء الهيمنة الفارسية الساسانية: لم يفقد العراق لغته العربية ولا هُوِيَّته حتى في ظل احتلال مستمر كالاحتلال الفارسيّ الطويل[10].

وحدة العراق فرع عن عربيَّـته:

وأما عن "وحدة العراق" وتماسك أرضه وشعبه فإنّ التاريخ يكذِب الأصوات التي تعالت منذ تحرير الكويت من صدام وجنده، وتحديد المناطق المحمية في شمال العراق وجنوبه. وأزداد ضجيجها وصخبها بعد سقوط "الزمرة الحاكمة للعراق" بقيادة صدام، تقول تلك الأصوات: إن العراق– بحدوده الحالية– هو تركيب طارئ من مجموعة ولايات عثمانيّة تم تجميعها ودمجها وتوحيدها قسراً بجهود المستعمر البريطاني؛ لأن ذلك التجميع كان في صالحه أو محققاً لمآربه، وعلى ذلك فالعراق بحدوده الحالية عراق مفتعل ومصنوع، و "وحدته الوطنيّة" القائمة بين هذه الولايات وحدة طارئة مفتعلة، ومن هنا فإن تفكيكها وتقسيم العراق على القوميّات والطوائف بمساعدة المحتل أو المحرّر الجديد يصبح أمراً مشروعاً ومقبولاً، بل قد يعتبره البعض عودة إلى الأصل الذي كان، أو قد يكون من المفيد أن يشجع البعض عليه، وتنطلق الدعوات إليه، وقد يعتبر السيد الجديد متفضلاً باقتراحه وتنفيذه. والحق أنَّ هذا خطأ معرفيّ فاحش في التاريخ والجغرافيا والسياسة والدين، وخطأ في حق العراق وشعبه بكل فصائله، وذلك أنّ ما عرف تاريخيّاً باسم العراق كان أوســع بكثير من حدود عراق ما قبل (1958م) وما قبل ثورة العشرين؛ فالعراق تاريخيّاً كان يطلق على منطقتين واسعتين: منطقة "بلاد ما بين النهرين" ومنطقة الجبال الشمالية، وقد أسس الأكديُّون ذوو الجـذور العربيّة دولة عالمية في حـدود سنـة 2360 قبل الميلاد. وكانت حدود الدولة الأكدية مفتوحة فضمت البلاد منذ ذلك التاريخ أو قبله بألف عام موجات من الهجرات العربية التي ساهمت في تأسيس الدولة العالمية. هذه الهجرات كانت تتدفق من شمال الجزيرة العربية إلى الجنوب على امتداد نهر الفرات، ومن الغرب إلى الشرق عبر شمال بلاد ما بين النهرين، ثم إلى الجنوب على امتداد نهر دجلة، وقد استقر المهاجرون في الأصقاع الشمالية أول الأمر حتى إذا اكتظت وازدحمت بمن فيها أخذت الموجات التالية تتجه إلى المناطق الوسطى ثم الجنوبيّة. وتلك الهجرات كانت تأتي بشكل سلمي، وتمتزج بذراري الموجات السابقة، وبخلائف السومريّين أبناء البلاد الأصليّين الذين لا تتوافر وثائق كافية لتوضيح جذورهم وتاريخهم، وإن كنت أميل إلى أنّهم لا يختلفون كثيراً عن الأكديّين. فالأكديّون لم ينشأوا من فراغ، ولكن لقلة الوثائق المؤكدة لصلتهم بالجزيرة العربية وقبائلها وألسنة ولهجات تلك القبائل اعتبرنا بداية "عربيّة العراق" الحقيقيَّة من الأكديّين[11].

إنّ الأكديين بقيادة "سرجون 2340-2284 ق.م" كانوا أول من نادى بتوحيد الجنس البشريّ وتحقيق السلام والازدهار للأرض – كلها – ونادوا بنشر الثقافة والحضارة بين البشر، وإقامة العدل والقانون.

وحين أضعفت غزوات الكوتيين الدولة الأكديّة وأدت إلى تمزيقها استطاع "العموريون" أو "الأموريون" (1400- 2000ق. م) وهم الذين كانوا يتكلمون اللّغة الأكدية وينتمون إلى ذات الأصول العربية – أن يعيدوا تأسيس دولة "سرجون العالمية" واتخذوا من "بابل" عاصمة لها، واستمروا كذلك إلى أن آل الأمر إلى "حمورابي1750-1790ق.م" صاحب القوانين المشهورة. وقد كان العراق في ظل الأكديين ومن بعدهم العموريين سيد المنطقة لقرون طويلة حيث كان العراق – آنذاك – يضم بالإضافة إلى حدوده التي استقرت بعد ثورة العشرين، سوريا ولبنان وفلسطين والأردن والأناضول. وحمورابي الذي سن القوانين المعروفة التي كان يعتقد أن إله العدالة– إله الشمس– وجّهَهُ لضم أركان العالم الأربعة تحت سيطرته، وأن الإله "مردوخ" وهو كبير الآلهة في "مجمع الآلهة البابليِّين" قد كلفَّه بهداية الناس إلى طريق الحق وتوحيد البلاد وإقامة القانون والعدالة في الأرض وتعزيز رفاهية البشر[12].

وحين قامت الدولة "الآشـوريّة"[13]من القرن الرابع عشر حتى سقوط "نينوى" عام (612) قبل الميلاد حافظت على اللغة ذات الجذور العربية والثقافة والتراث الأكدي العربي والدين والحضارة والرسالة والقوانين دون تغيير كبير. وأعلنت أنها امتداد للدولة البابلية وآلهتها، وحققت السيادة على جهات الأرض الأربع وأخضعت مصر – من بين ما أخضعته من بلدان – لسلطانها [14].

وقد استمرت بلاد ما بين النهرين في عطائها للعالم فأعطته الخط المسماريّ، واللّغة الأكديّة الحضاريَّة وتراثها الأدبيّ. وحين نتتبَّع سائر الدول والحضارات التي قامت في وادي الرافدين، أو بلاد ما بين النهرين نجد حدود تلك الدول – كلها – ومنذ تسعة آلاف عام تمتد لتشمل السهل والجبل، وأن ذلك الشعب هو نفسه شعب واحد سواء أولئك الذين كانوا يقطنون السهول أو الذين كانوا يقطنون الجبال، وكذلك حين تم فتح المسلمين للعراق كانوا يطلقون على السهل أو الوادي الذي يشمل الوسط والجنوب وشيئاً من الجنوب الغربي "عراق العرب" ويطلقون على المنطقة الجبلية "عراق العجم" كعادتهم إذا أرادوا مزيداً من التعريف، وبعض المؤرخين الذين لاحظوا آثار الحضارة "الأكدية" المشتركة أطلقوا على سكان المناطق الجبلية من العراق "عرب الجبال"[15]. فكان هناك عرب السهول وأرض السواد وعرب الجبال. وذلك يدل– بوضوح– على أنّ العراق لم يفقد وحدته منذ آلاف السنين إلا ضحية احتلال أو تغلغل خارجي فيه أو تقسيم مفتعل. وأن ما حدث له من تقسيمات إدارية نتيجة صراع السلاجقة والبُويْهِيِّين ثم العثمانيّين والصفويّين[16]. وآثار صراع الدولتين خاصة العثمانية والصفوية عليه أو على أجزاء منه، وتداولهما التسلط عليه لمرات عديدة، لم يمثل ذلك كله وضعاً عادياً أو طبيعياً يمكن أن يسمح بإدعاء أن العراق لم يكن سوى ولايات عثمانية ثلاث أو أربع وحَّدها الإنجليز فلا بأس من تفكيكها وتوزيعها وتفريقها من جديد، فلا التاريخ يؤيد تلك الدعوى ولا الجغرافيا ولا الدين ولا الثقافة ولا المصالح.

استمرار عربيّة العراق دون انقطاع:

أما "عربية العراق" أو عروبته لغة وثقافة وجذوراً فهي أصيلة ضاربة في القدم، تمتد– كما ذكرنا– إلى ما يقرب من أربعة آلاف سنة أو تزيد، وأسماء قبائله وأفخاذها ما تزال محفوظة، ولعل النهب الذي حدث للمتاحف والآثار مثل الذي حدث في الغزو المغولي الأول أريد به تحطيم تلك الذاكرة التاريخيَّة، وإتلاف وثائقها تخلصاً من آثارها وتأثيراتها وإمعاناً في قطع العراقيّ عن جذوره العريقة وتاريخه ليسهل استلابه وتغريبه، فعربية القرآن لم تنقطع، ولم تغب عنه في أية مرحلة من مراحل تاريخه.

العراق والفتح الإسلامي وتميز التيارات الفكريّة[17]:

في العهد الإسلامي بعد الفتح أمر الخليفة الراشد الثاني عمر بن الخطاب – رضي الله عنه– عتبة بن غزوان بتأسيس مدينة "البصرة" لتكون قاعدة إسلامية على الضفة الغربية من شط العرب، وذلك سنة (16هـ)، وفي عام (17 هـ) أمر الخليفة نفسه سعد ابن أبي وقاص بتأسيس مدينة "الكوفة". وقد استقر في المصرين – بعد ذلك – العديد من الصحابة والتابعين، واتخذ أمير المؤمنين عليُّ – رضي الله عنه وأرضاه – مدينة الكوفة عاصمة له، وبعد استشهاده فيها بقي الحسن– سلام الله عليه – فيها فترة الأشهر الستة من خلافته إلى أن قرر التنازل المشروط لمعاوية على أن يعيد معاوية الأمر إلى الأمة بعده، وهو الشرط الذي لم ينفذه معاوية فمنح ولاية العهد لولده يزيد، وجعلها "كسروية هرقلية" خلافاً  للاتفاق من ناحية، وخلافاً لمبادئ الشورى والرضا والبيعة وسائر المبادئ والشروط التي أرسى الإسلام دعائمها لتحقيق أهداف الأمة في تنظيم حكمها.

وقد كانت إدارة العراق – في تلك الفترة – قسمة بين واليين يلقب كل منهما بـ "الأمير"، أحدهما يقيم في الكوفة، والآخر يقيم في البصرة، وكان الأميران يتوليان إدارة العراق – كما هو في حدوده الجغرافية اليوم وزيادة، فكان والي البصرة وأميرها يدير المناطق الجنوبية من العراق مضافاً إليها الأحواز وفارس وكرمان وسجستان ومكران وخراسان. أما أمير الكوفة فيشمل سلطانه أواسط العراق وشماله، إضافة إلى الأقاليم الشمالية من الهضبة الإيرانية بما فيها همدان وقزوين والري وأصفهان [18].

ولمزيد من إيضاح وتدعيم هذا الثابت من الثوابت العراقيّة وهو ثابت "عربيَّة العراق ووحدته" واستمرار ذلك لآلاف السنين لابد من دراسة حضارات وادي الرافدين قبل الفتح الإسلامي– الذي نعتبره إحياءاً وتجديداً لعربيّة العراق كما هو أسلمة له صار يعزى إليه في العراق، وما آل إليه في ظل الإسلام من وحدة وتقدم وازدهار وعمران [19].

إنّ العراق – لأسباب كثيرة – احتفظ بالكثير من المزايا والخصائص التي ميزته عن الأقاليم الأخرى للدولة الإسلامية، فهو مركز الحضارات القديمة التي ترجع جذورها إلى آلاف السنين، وله من الصلات والوشائج بالعرب وبالجزيرة العربية وغيرها ما ليس للأقاليم الأخرى، واستيطان المئآت من الصحابة وقادة الفكر والرأي في مِصْريه العظيمين بعد الفتح الإسلامي– الكوفة والبصرة– أضافت إلى مزاياه مزايا أخرى، فليس بمستغرب– بعد ذلك – أن تنشط فيه التيارات الفكرية والسياسية التي غذتها الأحداث الكبرى المشار إليها. ولذلك بدأت فيه بدايات الفكر الفلسفي الإسلامي ومعها بدأت تظهر الفرق والتيارات الفكرية المختلفة التي كان معظمها مزيجاً من الدين في أكمل صوره، والعلم والعقل في أبهى مظاهرهما. وكان التنوع والتعدد من أهم مزاياه[20]، وقد أشتمل الأدب والتراث العراقيان على تراث ضخم متنوع في قضايا احترام المخالف في الرأي أو المعتقد أو الانتماء مما يحتاج إلى إحياءٍ ليستفيد به العراقيون وسواهم، وفي العراق تبلورت آداب الحوار والجدل والمناظرة والاختلافات باعتبارها وسائل لجعل التنوع والاختلاف مصادر قوة لا مصادر ضعف.    

الثابت الثاني: إسلاميّة العراق في الفتح الإسلامي

تلك هي سمة العراق حين بدأ المسلمون فتوحهم. حيث إن التخطيط لفتح العراق بدأ في السنة السادسة للهجرة حينما بعث الرسول - صلى الله عليه وسلم -  كتاباً إلى كسرى أبرويز ملك الفرس يدعوه فيه إلى الإسلام، حمله إليه عبدالله بن أبي حذافة السهمي- رضي الله عنه – فمزق كسرى كتاب الرسول وبعث إلى عامله في اليمن أن أبعث إلى بهذا الرجل الذي في الحجاز أو برأسه. وحين علم الرسول بأمره قال: "مزّق الله ملكه" وما لبث أبرويز إلا أياماً حتى ثار عليه ولده شيريويه واغتصب ملكه[21].

وفي العام الثاني عشر للهجرة جهز الخليفة أبو بكر- رضي الله عنه - جيشاً بقيادة خالد ابن الوليد لفتح العراق، وتم له فتح "الحيرة" التي كان سكانها عرباً، وبينهم وبين بقيَّة أهل العراق رابطة دم وتعاطف، وتجمعهم لغة واحدة ودم واحد.

الفتح الإسلامي ومراحله:

وحينما تطلب الموقف السوقي تدعيم جيش فتوح الشام كتب أبو بكر يأمر خالدا، الذي كان يعمل في فتح العراق وتحريره من الهيمنة الساسانية، بالتوجه بمعظم جيشه إلى الشام على أن يترك حامية يستخلف على إمرتها المثنى ابن حارثة الشيباني في العراق.

وفي خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بعث حملة جديدة بقيادة سعد ابن أبي وقاص لتجديد الجهاد ضد الهيمنة الفارسية في عهد يزدجرد. سار الجيش الإسلامي ونزل بسهول القادسية جوار المكان الذي شيدت فيه الكوفة، وجرت معركة القادسية التي انتصر فيها المسلمون وقتل فيها رستم أحد مشاهير قادة الفرس، وقد تم ذلك في العام الخامس عشر للهجرة[22].

وفي عام (16هـ) أسس عتبة بن غزوان مدينة البصرة بأمر من الخليفة عمر على الضفة الغربيّة من شط العرب على بعد حوالي (17) كلم من الخليج.

اجتاز سعد بن أبي وقاص نهر الفرات واستولى على المدائن التي لا تزال بعض آثارها قائمة حتى الآن. متمثلة "بطاق إيوان كسرى" الضخم، ثم توجه الجيش الإسلامي شمالاً قاصداً جلولاء وتكريت والموصل.

وفي عام (17هـ) شيد سعد بن أبي وقاص مدينة الكوفة فأستقر في هاتين المدينتين (البصرة والكوفة) كثير من القبائل العربية وأصبحتا في أواخر عهد الخلفاء الراشدين وفي العهد الأموي من أهم مراكز الثقافة الإسلامية، التقت فيهما الثقافة الإسلامية والفكر الإسلامي ببقايا الحضارة الزائلة، كما ازدهرت فيهما التجارة بين الشرق والغرب.

إبقاء أرض السواد بأيدي أهلها:

يحدثنا التاريخ أن معارضة قوية جوبه بها سيدنا عمر بن الخطاب – رضي الله عنه– حينما رفض تقسيم أراضي السواد بالعراق على الغانمين، مفضلاً بقاء الأرض بأيدي أصحابها الأولين قائلاً: (ألا وأنّ قريشاً يريدون أن يتخذوا مال الله معونات دون عباده، ألا وإن ابن الخطاب حيُّ فلا، إني قائم دون شِعب الحرَّة آخذ بحلاقيم قريش وحجزها أن يتهافتوا في النار).

وفي عهد عثمان – رضي الله عنه – اقتنى رهط من الصحابة الدور والضياع، واستقر في العراق ما يزيد عن ثلاثمائة من الصحابة – رضوان الله عليهم – في مقدمتهم عبدالله بن مسعود الذي كان له أعمق الأثر في بناء قواعد مدرسة العراق الفقهية. وهكذا أصبح العراق جزءاً من الدولة الإسلامية الكبرى تعلو فيه كلمة الله وتطبق على أرضه شريعة الله، لم يجزأ، ولم يقسم، ولم تبعثر أرضه بين الغانمين.

كما تحول إلى قاعدة إسلاميّة متقدمة للفتوح المتوجهة إلى نواحي الشرق المختلفة، ومنها يجري إعداد الجيوش الإسلامية ومدها بالمقاتلة والمؤن. كما أصبحت الكوفة والبصرة مقرين أساسيين ومتقدمين للقيادة العسكرية الإسلامية في جبهة الشرق. فأمير البصرة يدير المناطق الجنوبية من العراق مضافاً إليها الأحواز وفارس وكرمان وسجستان ومكران وخراسان. وأمير الكوفة يتناول سلطانه إضافة إلى أواسط العراق وشماليه الأقاليم الشمالية من الهضبة الإيرانية بما فيها همدان وقزوين والري وأصفهان[23]، ثم انتقلت السلطة إلى والي "خراسان" بعد ذلك.

الكوفـة عاصمة الإمام علي:

وحينما بويع أمير المؤمنين الإمام علي ابن أبي طالب – رضي الله عنه – بالخلافة واضطر لمغادرة المدينة اتجهت الأنظار إلى البصرة حيث بدأت بوادر تشير إلى قرب وقوع أول معركة أو فتنة داخلية أو حرب أهلية يخوضها المسلمون ضد مسلمين مثلهم في الدين واللغة والهدف والتاريخ تلك التي عُرفت بمعركة "الجمل" التي ذهب ضحيتها عشرة آلاف من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. ولم تقتصر آثارها – في معظم تقديرات المؤرخين– على ذلك؛ بل تركت من الآثار الفكرية والفقهية والاجتماعية والانقسامات التي لا تزال الأمة تعاني منه حتى اليوم الشيء الكثير[24].

ثم اتجهت الأنظار مرة أخرى إلى الكوفة حينما اتخذها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب – كرم الله وجهه – مقراً له وعاصمة، واستمرت كذلك إلى أن استشهد فيها وبايع مبايعوه لولده الحسن رضي الله عنه، الذي قضى الله تعالى به على الفتنة حيث تنازل بعد ستة أشهر  من توليه الخلافة لمعاوية ابن أبي سفيان على شروط أفاض المؤرخون بذكرها، وكان أهمها أن يعود أمر الأمة إليها بعد معاوية، فليس لمعاوية بمقتضى ذلك الاتفاق أن يوصي بالخلافة لأحد، أو يفرض على الأمة اختياره، بل يعود أمر الأمة "شورى" إليها. ومن هنا فقد كانت تولية يزيد نقضاً لذلك الاتفاق، وانقلاباً على بنوده. وكان تنازل الحسن- رضي الله عنه - عملية جمع شمل للمسلمين وإعادة توحيد للأمة بعد الفرقة والفتنة، وكان ذلك من أعلام النبوة ودلائلها، فقد صحّ قول الرسول عليه الصلاة والسلام فيه: "إنّ ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين[25]".

يعد تاريخ ذلك التنازل النهاية الحقيقية للخلافة الراشدة وبقطع النظر عن اختلاف الآراء والمذاهب في حكم وحكمة هذا التنازل وآثاره فإنّ يوم وقوعه قد اعتبر البداية الحقيقية لقيام الدولة الأموية،  كما اعتبر بداية لتحول الحكم والسلطان والإدارة المباشرة إلى الشام حيث يقيم خلفاء بني أمية وأعوانهم.

إنّ العراق لم يعد إقليماً كسائر الأقاليم التي دخلت الإسلام فتحاً أو صلحاً بل صار محضناً  للإسلام لا يختلف عن المدينة أو مكة في الإنتاج الفكري، والتفاعل مع الإسلام، بل وصار مصدراً من مصادر إثراء وتأسيس الفكر الإسلامي بكل أنواعه: الفلسفي والكلامي والفقهي والتفسيري والحديثي واللَّغوي بكل فروعه. وإذا كان "التشيُّع" قد نشأ في المدينة فقد تبلور في العراق. أما المذاهب السنيَّة الأربعة المتبوعة فإن ثلاثة منها قد نشأت وتبلورت وأخذت أبعادها في العراق. وإذا كان الإمام الرابع مالكاً لم يعش في العراق فإنّ العراق قد احتضن مدرسة مالكية كان لها أثر بالغ في بلورة المذهب وإثرائه، وإنماء الفقه الخلافي أو المقارن فيه[26].

ومن هنا يتضح بشكل لا يقبل الشك أو الإزالة أنّ "إسلام العراق" هو ثابت ثان من الثوابت العراقية لا يمكن التشكيك فيه، ولا التنكر له ولا تجاوزه فضلاً عن نفيه. وهو في الوقت نفسه إسلام لا يقبل تضييقاً ولا تجزئة ولا تهميشاً، فهو إسلام بالمعنى القرآني النبوي الشامل للإسلام. فإذا كان هذا الإسلام  يتسع لشيء أو يضيق عنه فلا بد من أخذ ذلك بنظر الاعتبار.

واستغلال الدين من بعض الحاكمين أو الفئآت والأحزاب لن يجعل العراقيين على استعداد للتنازل عن إسلامهم وإيمانهم بحال من الأحوال. ونبي الإسلام الأول أبو الأنبياء إبراهيم الخليل بدأ دعوته إلى التوحيد في جنوب العراق، حيث نشأ وترعرع، وتلقى النبوة وبدأ الدعوة إلى التوحيد والإسلام في مدينة "أور" قرب الناصرية في جنوب العراق. ومنها انطلق إلى ما عرف بـ "منطقة التجوال الإبراهيمي".

الثابت الثالث:  التنوع العراقي في الأديان والمذاهب واللغات  وطبيعة الأرض

يعجبني بيت بالفارسية كنا نتندر به في جلساتنا (الأخ السيد الشهيد مهدي الحكيم[27] والفقير إلى الله تعالى) وهو:

                        شيعي بغداد سنِّيىَ أسْت                سُنّي بغداد كافرَ اُست

وهو بيت ركيك، يبدو أن أحد "الأخباريِّين"[28] نظمه، ومفاده أن الشيعيّ العراقيّ – في نظر هؤلاء– سُنيّ. والسنَي في نظرهم كافر. فإذن شيعة العراق وسنته في نظر الأخباريّين وهم "سلفيو الشيعة  والماضويّون منهم" كفار. كنّا نتضاحك لذلك، ونجد في الماضويّين من الفريقين تشابهاً وتقارباً كبيرين. على كل حال، ما نريد أن يدركه العراقيون جميعاً السنة منهم والشيعة وكذلك العرب والأكراد والتركمان وغيرهم من المسلمين وغير المسلمين أن التشيع والتسننكالعربية والكردية وما إليهما: ثابت آخر من ثوابت العراق الكبرى، فعروبة العراق وإسلام العراق لا يحلقان إلا بجناحين هما الشيعة والسنة معاً وإسلام العراق لا يحلق إلا بجناحيه العربي والكردي إضافة إلى الأخوة التركمان ومن إليهم. وأن تلك الفرية التي روّج لها الطائفيُّون والعنصريون السياسيُّون في ظروف عديدة من كون الشيعة أعاجم. وأن التشيُّع في العراق وافد عليه، إنما هي خطأ فاحش، وجهل لا يغتفر بتاريخ العراق، وجغرافيَّته البشريّة والاجتماعيّة؛ فإن كون التشيّع في العراق عربيّ المولد والنشأة والتطور إنَّما هو بديهيّة تاريخيّة لا يمارى فيها إلا جاهل أو مغرض[29].

لقد ولد التشيع ولادة طبيعية في بيئة المدينة المنورة، وبعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم– فكان سهلاً بسيطاً يعتمد على اعتبار الإمام علي – رضي الله عنه – أولى بالخلافة وأقدر على تحمل أعبائها من سواه لأسباب كثيرة وصفات عديدة كان يراها بعض الصحابة شروطاً فيمن يخلف رسول الله-  صلى الله عليه وآله وسلم - في قيادة أمته، وقد تولى علماء الكلام وفقه الإمامة بسط تلك الأسباب والأدلة والمناقشات في مبسوطاتهم. وإذا كان الشيخان أبو بكر وعمر – رضي الله عنهما - قد توليا وعدلا كما أن صهرهما لرسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -  واقتران اسميهما في ذاكرة ذلك الجيل باسمه، وسابقتهما في الإسلام وفارق السن، والقوم حديثو عهد بالمنظومات القبليّة التي لا يمكن تجاهل دور السن فيها، فإنّ ذلك لم يمنع عدداً من آل البيت ومن الصحابة أنْ يروا أنّ عليّاً كان الأقدر على حمل أعباء الخلافة، ومتطلباتها والوفاء بجوانبها الخطيرة. وبعضهم كان يرى في الأحاديث التي نوهت بفضائل الإمام مثل حديث الغدير[30] وحديث استخلافه على المدينة ليخلف رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم -  فيها في إحدى غزواته وقوله له: "ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى"[31]. ذلك كلّه قد عزّز من اتجاه التشيّع للإمام عليّ. وإذا لم يظهر ذلك بشدة في عهد الشيخين لعدلهما وسابقتهما وصهرهما لرسول الله، وصهر عمر لعلي واستيزارهما لعليّ كل بطريقته. وتصريح عمر المعلن: "لولا علي لهلك عمر"[32]. فإنّ ذلك قد ظهر بوضوح شديد في عهد عثمان - رضي الله عنه - وبخاصَّة بعد السنوات الستة الأولى من خلافته، حتى أخذت لدى البعض مظهراً شرعياً حول اشتراط عربيّة الخلافة، بل قريشيتها، ثم بلغت حد القول بهاشميتها. وعُرف هذا المذهب في مدارس المدينة المنورة أولاً، ومنها بدأ ينداح في الأمصار الإسلامية الأخرى وخاصة في اليمن والعراق. وبنى على ذلك فقه ربَّما قد نسيت أسباب ظهوره ولكنه ما زال متداولاً في كتب الفقه حول جواز الصلاة بغير العربية من عدم جوازها؟ وجواز ترجمة معاني القرآن إلى لغات أخرى من عدم جوازها؟. وهل توجد في القرآن كلمات غير عربية، أو لا توجد فيه كلمة واحدة من خارج لسان العرب؟. وكذلك أحكام الأذان والإقامة وخطب الجمعة والعيدين بغير العربيَّة. وهل يجوز تقديم أي منها بغير العربية؟ أو يعد ذلك مبطلاً لأثر الفعل؟! وإذا لُجئ إلى الضرورات، فما هي الضرورة في هذه الحالة؟ وكيف تقدَّر؟ وهل هناك فسحة زمنيَّة لا يعذر غير العربيّ بعدها بتقديم شيء من ذلك بغيرها[33]؟.

كل ذلك الفقه والخلاف فيه والجدل حوله ارتبط بهذا الأمر بشكل أو بآخر، أو تولد عنه. فالتشيّع – إذن – بدأ عربياً، وتطوّر بين العرب، وعنهم انتشر في الأماكن الإسلامية الأخرى. وفي حين كان التشيّع ظاهرة معروفة لدى العرب كانت إيران سنيّة، وتنتشر فيها المذاهب الفقهية السنية عدا "قم" وبعض الأحواز[34]. وقد بقيت إيران في ذلك الوضع حتى قيام الدولة الصفوية فيها في القرن الهجري العاشر وأوائل القرن الميلادي السادس عشر. فحملت الدولة الصفوية الإيرانيين على التشيُّع الذي عرف بـ "التشيًع الصفويّ" تمييزاً له عن التشيّع العربيّ – الذي كان بعضهم يصفه "بالتشيّع السنّي" أي التشيّع الموافق للسنة النبويّة.

والشعراء العرب الذين جندوا أنفسهم، وكرّسوا شعرهم للإشادة بالتشيع وبيان مناقبه، والدعوة إليه، جلهم إن لم يكن كلهم من القبائل العربية المعروفة التي تبنّت ذلك الاتجاه منهم دعبل بن عليّ الخزاعي[35]، صاحب القصائد المشهورة، ومنها تائيته الذائعة التي جاء فيها قوله:

        مدارس آيات خلــت من تـلاوة          ومنزل وحي مقفر العرصـاتِ

        ديار عليّ والحـــسين وجعـفر             وحمزة والسجاد ذي الثفنـاتِ

        قفا نسأل الدار الذي خف أهلـها               متى عهدها بالصوم والصلواتِ

        بنات زياد في القصور مصـــانة            وآل رســول الله في الفلواتِ

        تراث بـلا قربى وملك بـلا هدى          وحكم بلا شورى بغير هـداةِ

رزايا أرتنا خضرة الأفق حمــرة             وردت أجاجاً طعم كل فـراتِ

والكميت الأسدي[36] وقصائده التي عرفت بالهاشميات، ومنها قوله:

        وقالوا ترابيُّ هواه ورأيــــه   بذلك أُدعَــى دائماً وأؤنبُ

        وقالوا ورثناها أبـانا وأمنــا وما ورثتــهم ذاك أم ولا أبُ

        يرون لهم حقاً على الناس واجباً سفاهاً وحـق الهاشميين أوجبُ

        وما لي إلاّ آل أحمد شيعــة               وما لي إلا مذهب الحق مذهبُ

وكذلك الفرزدق [37] صاحب الموقف المشهور الذي قال فيه قصيدته الذائعة الصيت:

                هذا الذي تعرف البطحاء وطأته          والحِلُّ يعرفه والبيت والحرم

بل إنّ الإمام الشافعيّ[38] كاد يدفع حياته ثمناً لولائه لآل البيت وتبنيه لذلك النوع من التشيع، وهو الذي روى الرواة قوله:

        يا راكباً قِفْ بالمحصب من منى                  واهتف بقائم أهلها والقاعد

        إن كان رفضـاً حب آل محمد            فليشهد الثقلان أني رافضىّ

وحين أحضر بين يدي الرشيد من اليمن مصفداً بتهمة التشيّع لآل البيت – آل علي – دار بينه وبين الرشيد حوار طريف جاء فيه قوله: "يا أمير المؤمنين أتلومني على حبي لبني عمومتك وأهلك؟"[39] وهناك الكثير مما يمكن أن يكتب أو يقال في هذا المجال لإثبات هذا الذي نعده إحدى البديهيات. ولعل في هذا ما ينبه إلى سواه.

الماضي القريب والدور الشيعيُّ في صناعته[40]:

أما ماضي العراق القريب فيمكن تناوله في محاور:

المحور الأول: الاحتلال البريطاني الذي تمخضت عنه حملة "ديلامين" الذي احتل "الفاو" بعد أسبوع من إعلان الحرب، ولكن المقاومة العراقية – التي كانت غالبيتها العظمى من العشائر الشيعية التي تحركت بتوجيه المراجع الدينيّة – عرقلت تقدمه فلم تستطع القوات البريطانية إسقاط البصرة إلا في23/10/1914م ولم تتمكن من احتلال بغداد رغم كل التعزيزات التي تلقتها من الهند إلا في 11/3/1915م بعد معارك طاحنة، واستمر العراق الأعلى حتى بعد سقوطه يقاتل إلى أن عقد الأتراك والإنكليز الهدنة في 30/11/1918م. وقد كبدت المقاومة العراقية بكل فصائلها البريطانيين ما يزيد عن مائة ألف[41] بين قتيل وجريح، ووافق مؤتمر الحلفاء المنعقد في "سان ريمون" على قيام بريطانيا بالانتداب على العراق، وجاء في صك الانتداب: أن بريطانيا سوف تسعى لإنشاء حكومة عراقية تضمن "عصبة الأمم" – آنذاك – استقلالها، وتخضع لانتداب بريطانيا عليها لحفظ الأمن في الداخل وسلامة الدولة من أي اعتداء من الخارج. ويوضح صك الانتداب: أن على بريطانيا وضع النظام الأساسي (الدستور العراقي) على أن تستشير العراقييِّن في وضعه، مع ملاحظة حقوق الطوائف المختلفة في العراق ورغباتها ومصالحها. وخوّل المندوب السامي البريطاني تأليف مجلس شورى يرأسه عربي، ومجلس تأسيسي يمثل العراق كله. ومن الطريف أن المجلس الذي شكله المندوب السامي كان يتألف من خمسة وعشرين عضواً!!! فتأمل، ولم يستطع المندوب السامي تمريره آنذاك !!

في 20/6/1921م وصل الأمير فيصل بن الشريف حسين إلى العراق واختير ملكاً دستورياً في 23/8من السنة نفسها، وابتدأت المفاوضات مباشرة بعد تتويج الملك حيث قدم المندوب السامي "كوكس" مسودة لإعادة تنظيم العلاقات بين العراق وبريطانيا، واستمرت المفاوضات فترة من الزمن طويلة لمجابهتها معارضة شــعبية شـــديدة، ولم توقع إلا في 10/11/1922م حيث تم الاتفاق عليها، على ألا تكون نافذة إلا بعد موافقة المجلس التأسيسي عليها، ولم تزل - بعد ذلك - تستقيل وزارة وتشكل أخرى حتى 27/3/1924م حيث أقرها المجلس التأسيسي– الذي كان قد تم تشكيله – بأغلبية ضئيلة مما يشير إلى تنامي الوعي الشعبي على ما كان يجري. وهذا الذي نراه بعد ما يزيد عن ثمانين عاماً ما هو إلاّ إعادة إنتاج شائهة لما حدث آنذاك من بريطانيا كما ترى. وقد استطاعت بريطانيا بوصفها الدولة المنتدبة أن تحصل على قرار بضم الموصل إلى  العراق[42]، لا إلى تركيا، والقضاء على حكومة "السليمانية"  التي كان الشيخ "محمود الحفيد" قد أقامها فيها، ونادى نفسه ملكاً عليها[43]، فأخذ العراق حدوده التي كانت عليها في أوائل العهد الملكي، وهي حدود أضيق بكثير من حدود العراق التاريخية التي ذكرناها.

ثورة العشرين هي الأم الشرعية للعراق الحديث:

إنَّ المقاومة الباسلة للاحتلال منذ سنة 1914م جعلت روح المقاومة عالية قوية مما جعل "ثورة العشرين" تبدو وكأنها صفحة أخرى أو امتداد لمقاومة الاحتلال، وقد توجت هذه الثورة بالنصر يوم صرح رئيس وزراء بريطانيا بأنه "لا يريد أن يجعل من العراق مقبرة لجيوش بريطانيا". وكل النتائج التي حصلت من إقامة النظام الملكي وتنصيب "فيصل بن الشريف الحسين" ملكاً، والتخلي عن الاحتلال إلى الانتداب، وتحول القوات المحتلة إلى ضيوف في قواعد، ثم إبرام المعاهدة، وسائر التطورات التي جاءت بعد ذلك، لا يمكن أن تقرأ إلا في ضوء ذلك الانتصار الذي نجم عن ثورة العشرين.

وثورة العشرين ثورة قادها المراجع وعلماء الدين، وكان جندها ووقودها العشائر شيوخاً وقبائل. واشترك فيها الشيعة والسنة، ولكن عبئها الأكبر تحملته عشائر الفرات الأوسط الشيعيّة ومراجعها العظام. وقد كانت العشائر السنية غير بعيدة عن المشاركة في الأماكن التي أمكن لعشائرها أن تشارك فيها وبفاعليَّة أقل وتتحرك بذات الاتجاه مثل عشائر "زوبع" و "شمر" و "عنزة" وبعض العشائر الكرديّة السنية. ولكن التمركز العسكري وطرق مواصلات الحملات البريطانية النهرية والبرية جعلت العبء الأكبر يقع على عشائر الشيعة، خاصة عشائر الفرات الأوسط.

ما أشبه الليلة بالبارحة وما أروع المراجع والعلماء الشيعة الذين لم يتأثروا بمواقف الأتراك السلبيّة ضدهم قبل ذلك والتي عانى أتباع المذهب الشيعي ومراجعه منها الكثير، ومع ذلك فقد دعوا العراقيين والعشائر وحشّدوهم ودفعوهم إلى مقاومة الإنكليز ومناصرة القوات التركيّة في الجيوب التي كانت تدافع عنها قبل توقيع تركيا اتفاقية الهدنة. فهم لم يفعلوا ما فعله قادة الثورة العربية في الحجاز من مقاتلة الأتراك إلى جانب الإنكليز حتى في مكة والمدينة المنورة ونسف سكة حديد الحجاز، وهي السكة التي لم يستطع عرب المنطقة حتى يومنا هذا من إعادة بنائها لتربط بينهم من جديد. ومن المؤسف أن نسفها قد تم بيد لورنس ومساعدة عربيّة [44].

لم يكن سهلاً إقناع أولئك المراجع وكبار العلماء بتشكيل حكومة عراقية تحت الانتداب، لكن مساعي "الأشراف" وأنصارهم ووعودهم الكثيرة أقنعت غالبيتهم بالموافقة الصامتة – كما أسميها– على ذلك، ولكنهم لم يقبلوا ولم يشجعوا الشيعة على الانضمام إلى الحكومة الجديدة، بل كان غالبيتهم متحفظين على المشاركة. ولولا أن بريطانيا أعلنت وأكدت بكل المؤكدات أن تنصيب فيصل وتشكيل حكومة وطنية ومجلس تأسيسي ما هو إلا تمهيد لابد منه للانسحاب ومنح الاستقلال، لربما استمرت المقاومة حتى الجلاء التام، والاستقلال الكامل. وحين رأى الإنكليز ذلك قرر "السير كوكس" أن يلعب اللعبة الاستعمارية البغيضة القائمة على مبدأ "فرق تسد".

الطائفيــة السياسيّة وبذورها [45]:

قرر "كوكس" إسناد الحكومة الأولى إلى السيد "عبد الرحمن النقيب" دون تشاور مع فصائل الشعب الأخرى، وخاصة أولئك الذين تحملوا عبء الثورة وتحقيق التحرير، وجمع بين "فيصل" "حليف بريطانيا" و"النقيب" الذي أيّدها ضد الأتراك[46]، وبذلك استطاع أن يمرر عملية التحول أو التحويل الشكلي من الاحتلال إلى الانتداب وبموافقة حكومة عراقية شبه منتخبة لم تمثل فيها المقاومة الحقيقية وقياداتها تمثيلاً مناسباً، بل يمكن القول بأنَها عزلت عنها عمداً[47]. ومع ذلك فإنّ من غير الممكن تجاهل تلك الحقيقة الناصعة، وهي أنّ العراق الحديث هو الابن الشرعي لثورة العشرين. وهي الثورة الأخيرة التي مثل الإسلام  فيها دور القوة المحركة الأولى والأساسية لجماهير الأمة، وأثبت فيها فاعليته الحقيقيَّة في تحريك الجماهير ودفعها باتجاه الثورة والتصدي لمقاومة الاستعمار بكل أشكاله، وإرغام البريطانيين على الرضوخ والاستسلام لإرادة الأمة المجاهدة. وإذا كانت مذكرات الساسة العراقيين والمؤرخين لتلك الفترة لم تعط لهذه الثورة حقها لأسباب مختلفة فإنّ ذلك لا يقلل من شأنها وأهميتها، وكونها الأم الشرعية للعراق الحديث. وليست هذه هي المرة الأولى التي يطمس فيها المؤلفون أدواراً إسلامية في الحرية والتحرر والاستقلال ومحاولات إعادة بناء الأمة، بل هي الظاهرة الشائعة أو المستمرة: فالإسلاميون والعلماء وقادة الفكر الإسلامي يحركون الجماهير نحو الثورة حتى إذا أوشكت على الانتصار تصدر الصفوف أناس آخرون كأنَّهم يبرزون من باطن الغيب. أو يكونون قد أعدوا مسبقاً للعب هذه الأدوار إذا أخذنا بنظرية "المؤامرة". ولذلك يستبعد الإسلام وتخفض الأضواء عنه وعن رجاله وجهادهم، وتعطى لحركات التحرر والتحرير صفات أخرى تتراوح بين الوطنية والإقليمية، وربما القومية والتقدمية [48]، وهذا ما قد حدث مع هذه الثورة.

المراجع والعلماء قادة المقاومـة:

لقد أوهمت الجمعيات السرية المعارضة للأتراك الإنكليز بأنهم سوف يستقبلون بالزهور وباقات الورد عندما يدخلون العراق "فالشيعة" و"الأكراد" سوف يعتبرونهم محررين من سلطة الأتراك والسنة، والسنة سوف تقنعهم تلك الجمعيات المعارضة للأتراك بأن البريطانيين جاؤوا لتحريرهم حسبة لوجه الرب يسوع، وعشقاً لأبناء العراق، لكن سرعان ما اكتشف الإنكليز خطأ تلك التصورات وخطأ التحليلات والمعلومات الاستخبارية التي بنوا عليها تقديرهم للموقف. ولقد بدا واضحاً للإنكليز منذ الوهلة الأولى، ومنذ بدايات حملة "ديلامين" أن جهودهم سوف تصطدم بمقاومة علماء الدين، خاصة المراجع والمجتهدين الشيعة والحوزات العلمية وبجندهم الأوفياء من أبناء العشائر الذين لا يسلس قيادهم إلا لشيوخهم والعلماء الذين يقلّدونهم، لكنهم قبل ذلك كانوا يراهنون على اضطهاد العثمانيين الأتراك للشيعة[49]، وأن ذلك الاضطهاد قد يجعل علماء الشيعة ومراجعهم، وكذلك العشائر تستقبل بريطانيا وقواتها بالورود. ولكنهم بمجرد أن صاروا مع العراقييّن وجهاً لوجه في "الفاو" ثم "البصرة" فوجئوا بأنّ علماء الدين الشيعة، ثم السنة كانوا أول من بادر بالدعوة إلى جهاد الكفار جنباً إلى جنب مع المسلمين من بقايا القوات العثمانية متناسين كل ضروب العنف والنفي التي مارستها السلطات العثمانية ضدهم. لقد حملت الحوزات العلمية والعلماء عبء استنفار الشعب والقبائل في مقدمته، وحشد كل القوى المادية والمعنوية في مقاومة الإنكليز، وشد أزر قوات العثمانيين التي كانت في أضعف أحوالها من حيث نقصان العُدة والعدد؛ لأنّ القيادة التركية كانت تنظر إلى الجبهة العراقية على أنها جبهة ثانوية.

لقد دعى الأئمة والمراجع وسائر العلماء أبناء العراق في بغداد والكاظمية والنجف والكويت وكربلاء وسائر الأنحاء إلى التكاتف مع الأتراك المسلمين، وشد أزرهم لدفع الكفار عن بلاد المسلمين. ولا يخفى أن العشائر في تلك المرحلة من تاريخ العراق كانت هي القوات الضاربة والمقاتلة من أبناء العراق.

كما أفتى كبار العلماء في مدينة "السماوة" وفي مقدمتهم السيد عبد الرزاق الحلو – رحمه الله-، بتعيُّن الجهاد فريضة على الجماهير المسلمة فاستجابت الجماهير، وسارت قوافل المجاهدين من "الشامية" و "أبو صخير" والمناطق المحيطة بالسماوة، وامتدت الدعوة إلى الجهاد إلى أقصى شمال العراق فالتحقت قوات كردية سنية برئاسة الشيخ "كاكا أحمد" ما لبثت أن انضمت قوافلهم إلى إخوانهم في "السماوة".

أما في بغداد وضواحيها فقد كتب الشيخ "مهدي الخالصي" رسالة بعنوان: (الحسام البتار في وجوب جهاد الكفار) وقد نشرتها جريدة: "صدى الإسلام" في حلقات متتابعة ثم أصدر الفتوى في وجوب إنفاق المسلمين أنفسهم وأموالهم في الجهاد وجوباً عينيّاً حتى تزول غائلة الكفار، ومن امتنع عن بذل ماله وجب أخذه منه كرهاً.

وفي (19) تشرين الثاني توجهت مظاهرة انطلقت من الكاظمية نحو بغداد فاستقبلهم جمهور كبير من البغداديين في القلعة بباب المعظم حيث ألقيت الخطب والقصائد مؤيدة الجهاد الإسلامي ضد الغزاة، وكان من أبرز الخطباء آنذاك شاعرا العراق الكبيران معروف الرصافي وجميل صدقي الزهاوي وكلاهما كرديان. وفي (30) تشرين الثاني 1924م تحركت الباخرة (حميدية) مقلة المجاهدين وثلة من الفرسان العثمانيين مع السلاح والذخيرة الحربية متوجهة نحو العمارة حيث وصلتها بعد أسبوع وتلتها الباخرة (الموصل) تقل بقية المجاهدين وعلى رأسهم الحاج داود أبو التمن وصادق العطار والسيد عبد الكريم الحيدري[50].

لقد شارك المجاهدون من الشيعة والسنة يقودهم المراجع والعلماء إلى جانب القوات النظامية التركية. وتروي كتب التاريخ بلاءَهم الرائع في القتال يدفعهم حرصهم على مقاتلة أعداء الدين، لقد استمرت الحرب بين المجاهدين العراقيين والإنكليز أربع سنوات كبد العراقيون العدو خلالها آلاف القتلى والجرحى والأسرى، لقد كانت القوات الإنكليزية التي استسلمت بعد حصارها في الكوت مع قائدها (طاوزند) تربو على ثلاثة عشر ألف مقاتل إنكليزي، وإذا كان العراقيون لم يتمكنوا من دحر الإنكليز تماماً،ً واحتلت بلادهم بعد ذلك، فإنّ هذه النتيجة لا تؤثر في بيان ما نريد التأكيد عليه وهو مدى أثر الإسلام آنذاك في تحريك الجماهير وقدرته على حشد القوى المعنوية والمادية للمسلمين، ودفعهم إلى الصمود في وجه قوة عظمى. كما أظهرت تلك الثورة عظمة الإسلام وقدرته على تذويب الخلافات المذهبية والقضاء على الطائفية وتهميشها وجعل الخلافات المذهبية أموراً يمكن تجاوزها ما دام الاتفاق على أسس الإسلام وقواعده الكلية قائماً متمثلاً في القرآن وبيانه من السنة[51].

إنّ روح الجهاد التي سرت في العراق كله وتغلغلت في سائر أرجائه قد امتدت إلى منطقة (عربستان) التي كان يحكمها الشيخ خزعل بن جابر من "المحيسن من قبيلة كعب" بطريقة خاصة؛ حيث كانت إمارته ترتبط سياسياً بحكام إيران، ويعتبر أهلها بمن فيهم الشيخ خزعل من رعايا الإيرانيّين وإن كانوا جميعاً عشائر عربية، ولكنه مع ذلك كان يحتفظ بأوثق العلائق التجارية والاقتصادية مع بريطانيا، ولا يكاد يخرج عن آراء مندوبيها في المحمرة والبصرة في أيّ شأنٍ من شؤون إمارته ذات الأهمية الإستراتيجية البالغة آنذاك في منطقة الخليج، في فترة من الفترات فكرت بريطانيا أن تمنيه بعرش العراق، وبعد تسلم فيصل الأول حرص الشيخ خزعل على إقامة علاقات متينة مع سائر الحكام العرب[52].

الجذور التاريخيـّة للطائفيّة السياسيَّة في العراق:

أبتلى العراق تاريخياً بأن كان ميداناً من أهم ميادين الصراع والحروب بين السلاجقة الأتراك في العصور العباسية الأخيرة والبويهيين الفرس. وما أن تجاوز تلك المرحلة حتى وقع أسيراً للغزو المغولي. وقبل أن يشفى من آثار ذلك الغزو المبير إذا بالحروب والصراعات بين الدولتين العثمانية في تركيا، وما أخضع لها، والصفوية في إيران تتخذ من العراق ميداناً من أهم ميادين القتال والصراع بينهما، فأورثه ذلك التاريخ الطويل من الصراع فيه وعلى أرضه تراثاً في غاية التعقيد. فالسلاجقة الأتراك حين سيطروا على العراق وتحكموا في مقاليد بغداد اضطهدوا سائر الفرق والمذاهب الإسلامية التي لا تتبنى توجههم "الماتريدي"[53] في العقائد والحنفي الخاص في الفقه. وقد أصاب الأشاعرة[54] والمذاهب السنية الفقهية المغايرة لهم عنت كبير، وعرفت بغداد في عهدهم عقوبة إعدام كتب المخالفين لمذهب الدولة حرقاً. قبل أن يمارس المغول ذلك في إغراق كتب العلم في نهر دجلة بعد قرنين من الزمان.

إنّ ما سُمي "بالحكم الوطني" الذي تأسس في ظل الاحتلال البريطاني ولمساعدة بريطانيا على حفظ الأمن في العراق، وتوفير أرواح جنودها، قد سلك ذلك الحكم منذ البداية مسلكاً استبدادياً؛ لاعتماده في تدعيم سلطانه على رضى الغازي ومساندته، لا على قناعة الشعب العراقي به وخاصة المراجع وأتباعهم. كما اتبع سياسة التمييز الطائفي بتشجيع من المحتل الغازي كذلك. ومن أبرز ما لجأ إليه لتكريس التمييز الطائفي، وتحويله إلى حقيقة ثابتة ومبررَّة في الوقت نفسه نزع الهوية العربية عن الشيعة والتشيُّع. والاستمرار في سياسات العزل المذهبي الموروثة عن العثمانيين، والتشهير بالمذهب الشيعي ونسبته إلى الفرس، ورميه بأنّه مذهب يقوم على البدع، وأنه قد تغلغل فيه الفكر الشعوبي والفارسي، وصار السمة الغالبة عليه. ولقد أدت تلك السياسات إلى توليد قناعات خاطئة، قامت على أسس منحرفة منها أحزاب وقوى وطنية إقليمية، أو قومية شادت برامجها السياسية على قواعد مائلة خاطئة من تلك التصورات. مع أن المفترض في تلك الفئات الإقليمية منها والقومية أنها ليبرالية في بنائها الفكري. وبعضها يصرح بعلمانيّته، فمن أين وكيف يجمع هؤلاء بين الطائفية المذهبية وبين الليبرالية والعلمانية؟ لكن لله في خلقه شؤون!![55].

استقلال الحوزات والمدارس الدينية الشيعيّة:

مما عرف به السلاجقة الأتراك الذين هيمنوا على العراق الجمع بين ضيق الأفق والتعصب ضد المخالف إلى درجة استباحة قتله. فهم لا يؤمنون إلا بالرأي الواحد والمذهب الواحد، وحين وجدوا تلك الحريات الفكرية والمذهبية في بغداد ساءهم ذلك، وعملوا على مصادرة تلك الحريات، ووضعوا من القيود ما لا عهد لبغداد والعراق به. وطاردوا علماء المخالفين، وقتلوا منهم عدداً، وأحرقوا كتب المخالفين لهم باحتفالات علنية من فلاسفة ومناطقة وعلماء. وإمعاناً في القضاء على ظاهرة "الحرية  الأكاديمية" أو حرية التعلم والتعليم وعمدوا إلى تأسيس مدراس لا تُدرس إلاّ مذهب الدولة، وما تقبله من فكر، وأوقفوا عليها الأوقاف والحبوس، وربطوا بها الوظائف. وبذلك صادروا حرية القلم لصالح سلطة  السيف، وحولوا علماء الحنفية خاصة إلى موظفين وامتهنوا العتبات والأضرحة التي لها لدى الشيعة قدسيّة، ولدى بقية المسلمين احترام وتقدير[56].

هنا عمد علماء الشيعة إلى البعد عن أماكن السيطرة السلجوقية المطلقة وموظفيها فبدأوا بتأسيس مدارسهم الخاصة  و "حوزاتهم العلميّة" في النجف وفي الأماكن النائية عن العاصمة وذلك في منتصف القرن الخامس الهجري. وكانت بدايات بسيطة لا يصعب تمويلها بما يتوافر لهؤلاء العلماء من حقوق، وتبرعات الموسرين من مقلديهم.

أما في الجانب الحنفي خاصة، والسنّي بصفة عامة فقد حاول السلاجقة تحويل المدارس والوظائف الدينية إلى مؤسسات معقدة ضخمة بحيث تحتاج إلى أموال الدولة وأوقاف قادتها، وتمويل رجالها على الدوام. وقد بدأ بعضهم يختص ببعض العلماء وتلامذتهم، ويبني لهم المدارس الفخمة والمساجد الضخمة والتكايا، ويوقف عليها الأوقاف لتستقطب الطلاب، ويتنافس على التدريس فيها المدرسون، ويقبل الطلاب على الدراسة فيها. ومنذ ذلك التاريخ والعالم والفقيه الشيعي يتمتع بالاستقلال المادي عن الدولة بحيث يستطيع أن يتمتع بشعور الاستغناء عن الحاكم، بل والاستعلاء عليه. ويحقق معنى الكلمة الشائعة في الأوساط الفقهية: "وعلى الملوك لتحكم العلماء".

أما في المجال السنِّي فمهما علا قدر العالم فإنه لا يعدو أن يكون واحداً من موظفي الدولة، عليها يعتمد في رزقه، وممارسة دوره، والمحافظة على مكانته،  ولذلك ساغ لبعض الناس أن يرددوا واصفين بعض أولئك العلماء بأنهم "وعاظ السلاطين والأمراء والوزراء"[57] في حين يكون أقصى ما يمكن أن يوصم به عالم شيعيّ بأنَّه من "فقهاء الحيض والنفاس" تعبيراً عن انشغاله عن القضايا الكبرى وهموم الأمة بالجانب الفقهي ذي الصبغة الفردية[58]، وهو جانب لابد من وجود من يقوم به في سائر الأحوال، لأنّ الأفراد يحتاجونه في سائر حياتهم اليومية وفي كل الأحوال.

ويمكن للكاتب في تاريخ "العلوم النقلية" أن يرصد مجموعة كبيرة من الفوارق بين حالات هذه العلوم في الحوزات وحالاتها في المدارس السنيّة في العراق خاصة. رغم أن عصور الانحطاط قد أحدثت كثيراً من الآثار السلبية في هذا النوع من الدراسات بصفة عامة، لكن الآثار السلبية في هذه المعارف في الجانب السنيِّ كانت أشد وأنكى؛ فقد أورثت جموداً وتقليداً بدأ قبل سقوط بغداد بأيدي التتار، وما زال قائماً. ووجود أفراد نوابغ من الفريقين بلغوا مرتبة الاجتهاد وحافظوا على القدرة على التجديد والإبداع لا يؤثر في القاعدة العامة كثيراً، فهو بمثابة شذوذ فردي لا يخرم القاعدة. لذلك فإنّ قدرة الفقيه الشيعي على استقطاب الجماهير والاقتراب منها والإحساس بها وقيادتها لا تزال تعتبر خاصة من خواص الفقهاء الشيعة[59].

مناقشة دعوى عجمية التشيع:

لمزيد من التوكيد على الثوابت الآنفة الذكر أبادر إلى القول بأن هؤلاء الذين توهموا "عجمية التشيع" ووصفوا الشيعة بأنهم "عجم أو أعاجم" هم أميون لا يعرفون تاريخاً ولا جغرافية ولا إلمام لهم بنشأة وتاريخ الفكر الإسلامي ومدارسه، ولا المذاهب الإسلامية وطرق ووسائل انتشارها جغرافياً واجتماعياً أو أنهم أصحاب غرض، وفيما يتعلق بالعراق خاصة هم متساهلون في معرفة ماضيه وحاضره ومستقبله. ولذلك فهم في حاجة إلى أن يدرسوا ويقرءوا ويطلعوا ليفهموا حقيقة الأمور.

ولذلك وددت أن أضع بين أيدي الباحثين نبذة وجيزة ومنصفة بقدر الإمكان عن ماضي العراق وحاضره ومستقبله...  لعلها تعين في تعميق البحوث والدراسات التي نرجو أن يكون لها دور في إعادة بناء وتجديد فكر العراقيين بحيث يكونون أقدر على إعادة بناء وترميم علاقاتهم، والتعاون معاً لإعادة بناء العراق الجديد سليماً معافى من الأمراض الظاهرة والكامنة التي يمكن أن تهدد أجياله القادمة.

ولكثرة ما حوربت هذه الحقيقة فإننا نرى أنها في حاجة دائمة لمزيد من التوكيد على عربية التشيع في العراق، وأن بدايات انتشاره كانت بأيدي العرب والقبائل العربية. ومن الدلائل المؤكدة لهذه الحقيقة أن أبناء الصحابة وآل البيت نصحوا الحسين – رضي الله عنه وأرضاه -  وأشاروا عليه بالتوجه نحو مراكز تجمعات تلك القبائل العربية في العراق إن كان متوجهاً إليه لا محالة، ومنهم ابن عمه عبد الله بن جعفر – رضي الله عنه – حيث قال له: "يا ابن العم إني أخاف عليك أهل العراق... أقم في الحجاز فإنك سيده. وإن أبيت إلا أن تخرج فسر إلى اليمن فإنّ بها شيعة أبيك وبها حصون وشعاب.."[60].

إنّ التشيع وكما ألمحنا وأكدنا فيما مر شأنه شأن أي توجه أو موقف نظري يبدأ بسيطاً، ثم يتطور عبر تفاعل الناس معه. وينتشر في بيئآت دون أخرى وفقاً لعوامل كثيرة. وقد استقطب التشيع في كثير من مراحل تاريخ المسلمين معارضي الحكومات الأموية، ثم العباسية، ثم العثمانية، ثم الاحتلال الأجنبي في العصور المتأخرة والحكومات التي أقامها المحتلون حتى شاع تصور بأن "التسنن" يكاد يكون وعاء الحكم أو حزب الحكومات. و"التشيُّع" محضن المعارضة من الناحية السياسية، ولكن من الخطأ توهم أن السياسة وحدها هي العامل الأساسي في تكوين أي من الفريقين، وإن كانت السياسة واحداً من العوامل الكثيرة التي شاركت في تكوينهما، ولكن الاستغلال السياسي لذلك وتكريسه أمر لا شك فيه. والتشيع كان يمد الخيال الشعبي كلما تزايد ظلم الحاكمين وانحرافهم بأجمل صور البطولات والتضحيات لتحقيق قيم العدل والمساواة بين المسلمين، ونبذ الظلم والخروج على الظالمين، وتحقيق المقاصد الشرعية، والقيم الإسلامية، وذلك كفيل بترسيخ البعد السياسي والاجتماعي للتشيع.

والمتتبع للأدب الشيعي يجد مصداق ذلك في كثير من جوانبه. فالكميت الأسدي وهو من شعراء العصر الأموي الأول يقول موضحاً هذا البعد:

                فكيف ومن أنَّى وإذ نحن خلفة                  فريقان شتى تسمنون ونهزل

ويقول أيضاً:

                فقل لبني أميّة حيث حلوا               وإن خفت المهنّد والقطيعـا

        أجـاع الله من أشبعتمــوه         وأشبع من بجوركمو أجيعا

ويبدو الاتجاه الثوري لدى الكميت في تمنيه أن يرى في بني أمية ما يتمنى لهم من بوار في الحياة الدنيا فيقول:

                تَحِلُّ دمـاء المسلمين لديهمو             ويحرم طلع النخـلة المتهدّلُ

                فيا رب عجّل ما نؤّمل فيهمو           ليدفأ مقرور ويشـبع مرمل [61]

فهو لا ينتظر فيهم الجزاء الأخروي ليذهبوا إلى النار ويذهب المعدمون من معارضيهم إلى الجنة، بل هو يتمنى التخلص من سلطانهم في الدنيا ليدفأ المقرور، ويشبع الجائع المرمل.

ولقد ترك "التشيع" آثاراً هامة في سائر جوانب الحياة الإسلامية: في جانب الرؤية الكلية والنماذج المعرفية وجوانب المعرفة الإسلامية والفكر الإسلامي إضافة إلى الجوانب السياسية والثقافية والاجتماعية.

وأهم البيئآت الإسلامية التي ترك التشيُّع آثاره البارزة في جوانب حياتها هي البيئة العراقية. قد يعود ذلك إلى وجود العتبات فيه أو لاستشهاد الأئمة، علي وبنيه وكثير من ذرياتهم وشيعتهم فيه، وقد يعود ذلك إلى كونه أهم مراكز الدراسات الشيعية في العالم، ففيه حوزات مرجعية تعد مراكز إشعاع لا غنى لأي شيعي في العالم عن الرجوع إليها. وقد يرجع إلى وجود أكبر عدد من المراجع في النجف وكربلاء، وقد يعود إليها كلها مجتمعة، ولكن الحقيقة هي أنّ التشيّع عربي النشأة والتطور، فمن أين ساغ لبعض الحكام العراقيين أن يصفوا الشيعة كافة بأنهم أعاجم؟ وكيف ساغ لبعضهم أن يصفوا التشيُّع بأنه مذهب أعجمي؟!! وهو عربي في نشأته وتطوره ومبدأه ونهايته؟

الطائفية السياسية: كيف زُرعت في العراق وكيفية احتواء خطرها:

مفهوم "الطائفية" مفهوم مشتق من جذر متحرك، فهو مأخوذ من "طاف يطوف طوافاً فهو طائف"،  فالبناء اللّفظي يحمل معنى تحرك الجزء من الكل دون أن ينفصل عنه، بل يتحرك في إطاره، وربما لصالحه. "فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين، ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون"(التوبة:122). وهو أيضاً مفهوم يشير إلى عدد قليل من البشر إذ لا يتجاوز - لغة ً- الألف من الأفراد. ومن ثم فإن هذا المفهوم في جوهره يتضمن فكرة الأقلية العددية الصغيرة المتحركة في إطار الكل المشدودة إليه بغض النظر عن دينها أو عرقها أو لغتها... فهو مفهوم كمي عددي لا غير، لذلك ظل اللفظ يستخدم ليشير إلى كيانات مختلفة متعددة في خصائصها، ولكن القاسم المشترك بينها هو القلة العددية، فقد أطلق على حملة المقالات أو الآراء (نسبة إلى ما كانت الأكثرية تتبناه) "طوائف" مثل طائفة المعتزلة وطائفة الأشاعرة؛ ثم لما حدثت مقالات انقسمت حولها هذه الطوائف في داخلها، سميت بطوائف، أيضاً مثل الإمامية والزيدية ونحوها بالنسبة للشيعة، ثم انقسمت هذه بدورها  إلى مجموعات سميت "طوائف" كذلك. ولم يبرز هذا المفهوم باعتباره إشكالية أو أزمة إلا في القرنين الأخيرين خاصة، وذلك تحت تأثير عوامل داخلية وخارجية في ظرف تاريخي معين ساعد على إحداث نوع من التطابق بين الأمراض الداخلية والمؤثرات الخارجية. فالعربي تعامل مع اليهودية والمسيحية والإسلام تعامله مع اختلافات اعتقادية لا تعني المفاصلة والعداء أو تهديد وحدة الكيان، والخروج عنه، أو محاولة الانتماء لكيان آخر خارجه. أو السعي للانفصال عنه فقط بحجة الاختلاف في العقيدة. ومن أقدم النصوص العربية الإسلامية في هذا المجال "وثيقة المدينة"[62] التي لا تزال بحاجة إلى دراسات متعمقة من جميع الجوانب، وفي ضوء تخصصات مختلفة.

وقد كانت الطائفية أبرز الانقسامات التي شهدها التطور التاريخي العربي إلى ما قبل الحملة الفرنسية على مصر والشام. وكما بين لنا التاريخ: أنه لم تكن تلك الانقسامات عناصر تهديد لوحدة الكيان العربي، أو مبرراً للتمايز والانفصال والتمزق بين أبنائه، أو وسيلة للاختراق من قبل الآخر، فالمسيحيون العرب لم يعلنوا – على سبيل المثال – مناصرة الصليبيين في حملاتهم على البلاد العربية، ولم يتحالفوا معهم حتى في لحظات انكسار المسلمين. ثم مزج مفهوم "الطائفية" ذات المكون العددي مع مفاهيم أخرى ذات مضمون فكري أو فلسفي أو عرقي أو مذهبي أو ديني فتحول إلى ما يشبه "المصدر الصناعي" في لغتنا ليفيد معنى الفاعلية الخاصة بالأقلية العددية، والمنفصلة عن فاعلية الأمة، وبذلك أصبح مفهوم "الطائفة" يستخدم بديلاً لمفاهيم "الملة والعرق والدين" التي كانت سائدة قبل ذلك. واختلطت هذه المفاهيم جميعاً في بيئة متأزمة فكرياً وسياسياً، مأزومة ثقافياً فأنتجت مفهوم "الطائفية" باعتباره تعبيراً عن حالة أزمة تعيشها مجتمعات عربية مثل لبنان والعراق الآن، حيث تحول الجزء إلى كل والبعض إلى كيان مستقل، وأصبحت الطائفية مذهباً وأيديولوجيّة وهُوِيَّة حلت محل الهويات الأخرى والانتماءات الأعلى، بل وبدأت تتعالى عليها، وقد تبدي الاستعداد للتقاطع معها، وأخذ موقعها وهذا ما يهدد وحدة العراق اليوم وينذر بإنهاء وجوده.

إن "الطائفية" السياسية قد تم تكريسها – كما تقدم - من ساسة ليس لديهم  التزام إسلامي، أو مذهبي، إذ أن "العلماني" سواء أخذ من الدين موقفاً محايداً أو معادياً لا يمكن أن يكون له موقف مذهبي ديني حقيقي، إذ المذهب فرع عن التدين، ومن فقد الأصل فقد الفرع بالضرورة، بل هو موقف انتهازي للحصول على "عصبيَّة" كما يسميها ابن خلدون أو شعبية كما يطلق عليها في عصرنا هذا، ليكون الانتهازيّ السياسيّ  قادراً على الوصول إلى السلطة بما يكسبه من وضع الفواصل بين الطائفة، ومجموع الشعب أو الأمة، ومن هنا يصبح مفهوماً أن يقال: "البيت الشيعي" و "البيت السني" إلى آخر البيوت.

إن مجرد الانتماء إلى طائفة أو فرقة أو مذهب لا يجعل الإنسان المنتمي إلى تلك الطائفة طائفياً، كما لا يجعله طائفياً عملهُ لتحسين أوضاع طائفته أو المنطقة التي يعيشون فيها دون إضرار بحقوق الآخرين. ولكن الطائفيّ هو الذي يرفض الطوائف الأخرى، ويغمطها حقوقها، أو يُكسبَ طائفته تلك الحقوق التي لغيرها تعالياً عليها، أو تجاهلاً لها، وتعصُّباً ضدها، وعندما يفشل سياسياً يأوي إلى ركن الطائفة ليفصله عن الكل ويستغله لاستعادة فاعليته السياسية، ولا نحتاج إلى ذكر أسماء هذا النوع من الطائفيين، فهم معرفون للجميع ومن سائر الطوائف.

ولقد أدرك المحتلون نقطة الضعف هذه في "السياسييّن العراقيّين" وأحسنوا استخدامها واللعب عليها. فالبريطانيّون حين رأوا أن ثورة العشرين التي فرضت عليهم الهزيمة والتخلي عن أحلامهم في العراق اندلعت في المناطق الشيعية أولاً، ومنها عمت العراق كلّه وقادها علماء الدين والمراجع الشيعية. قرروا الاعتماد في حكم العراق على "السنة العرب" فابتلعوا الطعم بقيادة وزعامة السيد عبد الرحمن النقيب، ومجموعة من رجال السلطة الذين جاء بعضهم من الجمعيات السرية التي كانت تتعاون مع بريطانيا  ضد الأتراك العثمانيين. وحين يبتلى بلد برجال سلطة يستندون في وجودهم، واستمداد نفوذهم إلى الأجنبي؛ فإنهم يمنحون ولاءهم واهتمامهم إلى أولئك الذين مكَّنوهم من السلطة، لا إلى شعوبهم. وهنا تبدأ زاوية اتصالهم بشعوبهم بالانفراج التدرجي إلى أن يحدث الفصام.

إنّ أخطر ما يبتلى به شعب أن يتحول حكامه من رجال دولة إلى رجال طوائف أو أحزاب أو قبائل، فالمصير الذي ينتظر ذلك الكيان هو التفكك لا محالة، ولن يكون بعد ذلك رابح  إلاّ  أعداء ذلك الكيان، المستفيدون من تمزيقه.

إنّ الناظر في الأوضاع العراقية الحالية يرى تشابهاً كبيراً بينها وبين ما جرى في مرحلة التأسيس، ويلحظ أنّ الاختلاف في الممثلين فقط لا في الأدوار التي تجري إعادتها بدقة عجيبة. والعراقيون ليس أمامهم خيار، فإما أنْ يتحلَّوا بالوعي السياسيّ الصادق، ويتخلَّصوا من الأفكار المريضة التي أعادتهم للاحتلال بعد ثلاثة وثمانين عاماً. وإما أن تستمر حالة الفعل ورد الفعل، وتبادل الأدوار بين الشيعة والسنة والعرب والأكراد والمحتلين القدامى والمحتلين الجدد.

لقد كنت أتابع مظاهرات طلاب المدارس الدينيّة السنّة بعد سقوط بغداد الأخير، ثم المسيرة الكبرى التي اشترك فيها أبناء الكاظميّة والأعظميَّة معاً وكلّهم كانوا يهتفون بصوت واحد مليء بنبرة الإخلاص "إخوان سنّة وشيعة، هذا البلد ما نبيعه". وكلما سمعت ذلك استغرقت في البكاء وقلت في نفسي: هكذا كان آباؤنا وأجدادنا يفعلون في العقد الثاني من القرن الماضي، تأتي مظاهرات الشيعة من الكاظميّة لتتّحد بمظاهرات السنَّة في جامع الحيدرخانة في بغداد إلى أن فرقهم الطائفيّون السياسيُّون من السنة والشيعة، وأنسوهم وحدتهم، وبدَّدوا طاقاتهم في صراعات طائفيّة انتهت بالبلاد إلى الحالة المزرية التي تعيشها اليوم، وهي الحالة التي قد تحتاج البلاد إلى عقود قادمة عديدة لتتخلص من آثارها السلبيّة. وما هي بفاعلة إلاّ إذا تخلصنا من تلك البذور الخطيرة.

لذلك فإنّ اتفاق كلمة أبناء العراق على أن التنوع بكل أنواعه الدينيّة والعرقيّة واللسانية والمذهبيّة هو الثابت الثالث من ثوابت هذا البلد، فينبغي أن تتفق كلمة الجميع على تحويله إلى إمكانيَّة لا إلى معوّق، وأمر إيجابيّ لا سلبيّ، ووضع أسس وتقاليد يتَّفق الجميع عليها وعلى احترامها، وفي مقدمتها عدم قبول التفرقة والطائفيّة من أي وعاء خرجا، وعدم السماح لأحد بتحويلها إلى طائفيّة سياسيّة وأيديولوجيّة حكم. لا بد من تعليم الأجيال وتدريبها على أن المطلوب ليس مجرد قبول المخالف المذهبي أو الديني أو العرقي، بل لابد من اعتباره مصدر قوّة بحيث لو لم يكن موجوداً لوجب إيجاده. وهناك الكثير من الوسائل والأدوات المعاصرة التي يمكن أن تساعد على ذلك وتجعله حقيقة واقعة، وفي مقدمتها الوعي، ثم الوعي، ثم الوعي، واستعمال سائر الوسائل المتاحة لإحداثه وتحويله إلى حالة ثابتة.

والاحتلال سواء كان قديماً أو حديثاً لا يمكن لأحد أن ينظر إليه على أنَّه فرصة لتحقيق مكاسب سياسية، طائفيّة أو عرقيّة، كما حدث في أعقاب ثورة العشرين ويراد تكراره اليوم أو إعادة إنتاجه بشكل آخر، بل هو فرصة لمراجعة النفس، ورصد الأخطاء والسلبيّات وأخذ الدروس والعبر لكيلا نستمر في تكرار أخطائنا، ويأكل الآباء الحصرم فتضرس أسنان الأبناء والأحفاد.

الثابت الرابع: ضرورة توفير كل أسباب التداخل بين أبناء الشعب

أما الثابت الرابع فهو نتيجة لازمة لما سبقه: فالتداخل بين فئآت هذا الشعب بالطرق العفوية ذات الصبغة الفردية لم يعد كافياً فلابد من العمل المنظم الجماعي لتحقيق التداخل بأنواعه المختلفة بحيث يتبناه الجميع، وتوضع له البرامج المدروسة ويشيع الوعي عليه، والتأكيد على أنه ضرورة لابّد منها، وكذلك العمل على تيسير سبل معرفة بعضهم ببعض، وإقامة شبكات العلاقات بكل مستوياتها بينهم، فذلك سوف يوجد العراقيّ الذي فيه من كل ألوان الطيف العراقي، ومن كل العناصر المكوّنة للمجتمع نصيب، ولابد من توظيف وسائل وقنوات التربية والتعليم والإعلام والمواصلات والتجارة والاقتصاد لتوفير هذه الغاية وتحقيق التداخل المطلوب ونبذ العزلة بين الفصائل المكونة لهذا الشعب الذي طال ليله[63].

الثابت الخامس: الوحدة الوطنية:

أن ما يجرى – في الوقت الحاضر من اهتمام كل فصيل بالقضايا التي تخص – على سبيل الوهم - من ينتمي إليهم طائفياً، أو قومياً أمر لا يبشر بأن العراقيين قد استوعبوا دروس التجارب المرة المتقدمة. والممارسات السياسية الحالية لم تستطع أن تنظر للعراق في كليته، ولا للعراقيين على انهم شعب واحد، والشيعي عندما ينطلق من منطلق معين، ومثله أخوه السني والتركماني والكردي، فإن ذلك يؤدي إلى تكريس الفرقة والتمزق. فما لم يتعود المثقفون العراقيون والمنشغلون بالعمل العام على الخروج على تقاليد "الطائفية السياسية" والعنصرية السياسية فقد تتضاعف الخسائر التي ترتبت على سياسات العقود الماضية المرفوضة التي جلبت الكوارث على الجميع، وأدت إلى إعادة البلاد إلى الاحتلال من جديد. ولذلك فلابد من اجتماع الكلمة على "وحدة وطنية" صلبة. والإسراع بإعادة تحديد "الهوية العراقية" بدقة بحيث يغلق الطريق أمام دعاة الفرقة والتمزق وتكريسها بالطائفية والعنصرية والحزبية والعشائرية، وما إليها من عوامل التمزق.

وهذه التوجهات لابد أن تتضافر الجهود على إيجادها في الأجيال العراقية الطالعة بتوظيف كل مؤسسات المجتمع، وسائر مؤسسات بناء الرأي وإنتاج الأفكار بما في ذلك دور العبادة، والبرامج الثقافية للأحزاب السياسية لتحقيق هذا الهدف، لبناء حس وطني مشترك ينفر عقلياً ونفسياً من كل تصرف مفرق أو معلٍ للأنتماءآت الصغرى الفرعية الخاصة على الانتماء المشترك.

خاتمـة القسم الأول:

تلك – في نظري المتواضع – هي أهم الثوابت التي تحتاج منا جميعاً إلى المزيد من البحث والتأصيل والبلورة، والتي نحتاج إلى إعادة بناء الوعي عليها مع ضرورة التنبه إلى أنّ كل ثابت من هذه الثوابت إذا لم يأخذ نصيبه من التوضيح والبلورة والدراسة وتدرك وسائله وآليات بنائه وتثبيته في العقول والنفوس فإنه قد يحمل آثاراً جانبية قد تودي بفوائده وتقضي عليها.

أما المتغيِّرات فهي كثيرة[64]، ومجال الاجتهاد فيها واسع ولن يحمل الاختلاف في شيء منها خطراً إذا سلمت الثوابت ووقع الإجماع العراقيّ عليها.

لقد حاولت - فيما تقدم - أن أسلط بعض الضوء على حقيقة اعتبرتها قد غيبت إلى حد كبير، ولعلي بما ذكرت قد أنصفت قادة وجند ثورة العشرين المجيدة التي نُفِيَ أحد أبرز شيوخها الإمام مهدي الخالصي – تغمده الله برحمته - من الحاكمين بحجة كونه أجنبياً وهو العراقي العربي الأصيل فنفاه عبد المحسن السعدون إلى الهند، ثم نفي إلى جدة  وإيران [65]، وإذا كان السعدون قد صار رئيساًَ للوزراء في العراق فبفضل جهاد الخالصي وأمثاله بلغ ما بلغ. وإلا فإنه لم يولد بهذه الصفة. وقد حاول الشيخ خزعل استضافة الخالصي فرفض الملك فيصل ذلك. وهكذا تزرع الطائفية.

كذلك قد ألمحت إلى تربة بذور الطائفية والعنصرية، وكيف غرست في عراقنا العزيز، وقد نبهت إلى ما أصاب الأخوة الأكراد من حيف. ولم أرد بذلك إنصاف هذين الفصيلين المهمين جداً من فصائل شعبنا، فذلك قد يحتاج إلى كتب، بل أردت أن أنبه إلى إن التاريخ يشهد على الناس بما يوقعون فيه ولو بعد حين.

إن الذي يحدث الآن في بلاد الرافدين هو تكرار في أحداثه وفلسفته، وعناصر تكوينه لما حدث بعد ثورة العشرين، ولكن تغير أصحاب الأدوار فينبغي أن لا تتكرر الأخطاء. فلا النقيب ومن جاء بعده من بناة "الطائفية السياسية" أنهوا "الوجود الشيعي" في العراق، ولا "الحقيقة الكردية" فيه. ولن يكون في مقدور الحزبين الكرديين أن ينهيا "عربية العراق" ولن يكون في مقدور الشيعة أن ينهوا الوجود السني فيه ولا العكس يمكن أن يحدث، ومن هنا فإننا نرجو أن لا تتكرر الأخطاء وتواجه "الطائفية" بطائفية والعنصرية بعنصرية مغايرة فلن يبني ذلك وطناً، ولن يحقق استقراراً، ولن يحرر الإرادة المستلبة.

ولذلك فإن شيعة العراق وسنته، وعرب العراق وأكراده، والقوميات والطوائف الأخرى في حاجة إلى أن يدركوا جميعاً هذه الحقائق البديهية، وأن يخرجوا بفئاتهم كلها بميثاق وطني تحدد فيه الثوابت والمتغيرات.  فتحفظ الثوابت بتعاون الجميع وتفاهمهم وبميثاق شرف لا يعطي فرصة لأحد أن يتلاعب بشيء من تلك الثوابت، وأن يتعلم الجميع كيف يتعاونون على تحقيق المشترك، وكيف يحترمون خصوصيات إخوانهم ويدافعون عنها كما لو أنها كانت خصوصياتهم هم.

إن إعادة بناء منظومات التربية والتعليم والإعلام والثقافة بحيث تنتج نموذجاً للإنسان العراقي المطلوب هو الذي سوف يجنب الأجيال العراقية القادمة ما وقعت فيه أجيال ما بعد ثورة العشرين إن شاء الله.

وفي وقفة سريعة أود أن أقول: إن "لعبة الأمم" لعبة خطيرة، ولقد جازف العراقيون الذين حاولوا الاصطياد بالأسد، فالأسد لم يتعود أن يمثل دور "كلب الصيد". إن الأسد يصطاد حين ينطلق للصيد لنفسه ويأكل من فريسته أطايبها، ثم يترك ما بقي منها متفضلاً لبقية حيوانات الغاب من ضباع وكواسر. ولقد صدق أبو الطيب المتنبي في قوله:

ومن يجعل الضرغام بازاً لصيده                  تصَّيده الضرغام فيمن تصيَّدا

والحر تكفيه الإشارة والعراقيون يعرفون كيف "يقرؤون الممحي". وإعادة بناء العراق تتوقف على تلاحم أبنائه كافة، ووحدة فصائله كلها. ونبذ الفرقة والطائفية ودعاتها.

نسأله تعالى أن يلهم العراقيين كافة أمر رشد يمكنهم من رؤية الحق حقاً والباطل باطلاً، ويعنيهم على إعادة بناء هذا البلد العزيز. إنه سميع مجيب.

-------------------------------------------

الحلقة الثانية:

        أما الحلقة الثانية – هذه – فقد خصصناها للحديث عن "السنَّة العراقييَّن" وكيف حاول حزب البعث المنقرض استغلال الانتماء الشكليّ الصوري لبعض قياداته لهم، ليظهر للآخرين أن "أهل السنة" جزء من قواعده، أو أنهم رافد من روافد تلك القواعد، وذلك لأنه استطاع في حربه المفروضة على إيران أن يستحيي كل التراث السلبي الذي ورثناه عن صراعات "السلاجقة والبويهيين والعثمانيين والصفويين"[66] على أرض العراق. وجعل منه بأقلام وألسنة الذين اصطنعهم واصطفاهم "إيديولوجيا" جديدة كان العراقيُّون المخلصون يظنّون أنهم قد تجاوزوها، وأن الله – تبارك وتعالى – قد أذن بشفائهم منها. ولكن "حزب البعث" والانتهازيين من أعضائه خاصة قد أعادوها جذعة، وبعثوها وهي منتنة، وبذلك أعادوا العراق إلى عصور الانحطاط الحضاريّ الذي عبر عن ظلامه صراع السلاجقة والبويهيين والعثمانيين والصفويين وسائر تراث تلك العصور المظلمة التي طال أمدها، وبذلك أوجد الحزب وقادته الجهلة جدراً كل منها أعلى من جدار برلين وجدار شارون بين الشيعة والسنة، وبين العرب والأكراد. ثم فرضوا على الجميع بسيف القهر تبني هذه الإيديولوجيا الكريهة، ونشأوا عليها بعض الأجيال التي تعاني الآن للتحرر من آثارها. لقد استغل قادة حزب البعث الجهلة اتهام الشيوعيين في الستينات من القرن الماضي لهم بشيء من ذلك، لأن الشيوعيين كانوا يعملون على إغلاق المنافذ أمام سائر الأحزاب - إلا حزبهم الطليعي – دون التغلغل في جنوب العراق ووسطه فلقد وظف الشيوعيون قبل البعثيين الأمية الشائعة والانتهازية الواسعة فكانوا يخدعون الأميين البسطاء من عمال وفلاحين في الجنوب بالتقارب اللفظي بين "التشيع والشيوعية" فيزعمون أنهما شيء واحد إلى أن صدرت فتاوى المراجع وفي مقدمتهم الإمام السيد محسن الطباطبائي الحكيم في بيان الفرق والتحذير من الانخداع بدعوى الشيوعيين، وكذلك فعل الإمام الخالصي والشهيد محمد باقر الصدر في كتابه "فلسفتنا"، وشاركهم في ذلك كبار علماء السنة، مثل شيخنا الزهاوي، ونجم الدين الواعظ، وكثير من علماء بغداد والشمال. أما البعثيون فلم يصدر شيء من مراجع سنية لعزلهم عن السنة في الوقت المناسب، وتحذير السنة من الانخداع بهم وبدعاواهم الزائفة اللهم إلا ما كان من الإمام الشيخ محمد مهدي الخالصي الذي كان يردد على المنبر في كل خطبة جمعة منذ أن وصل البعثيون إلى السلطة سنة (1963) "قل أعوذ برب الفلق * من شر ما خلق* ومن شر ميشيل عفلق" وكذلك الشهيد عبد العزيز البدري – رحمه الله – وكاتب هذه السطور، وعدد قليل من أولئك الذين حاولوا بيان ذلك والحيلولة بين ذلك الحزب الانتهازي، وخداع البسطاء. وقد دفع كل منهم الثمن باهظاً، ولكن ذلك واجب أهل العلم أن لا يكتموا ما أنزل الله من الكتاب، وأن لا يشتروا به ثمناً قليلاً وأن لا يخشوا أحداً إلا الله.

        إن كل من يعرف شيئاً عن مبادئ هذين الحزبين الشيوعي والبعثي لا يمكنه أن يتقبل فكرة انتماء أي من الحزبين للدين، وكل منهما لا يدعي ذلك ولا يقبله، بل يرى فيه خروجاً عن مبادئه، وارتداداً عنها، اللهم إلا في معرض الدعاية وخداع الجماهير والبسطاء، والاستغلال والانتهاز السياسي. ومن لا ينتمي إلى أصل الدين فأنى له أن يتبنى مذهباً، أو ينتمي إلى طائفة دينية؟! بل إن لكل من الحزبين موقفاً معلناً من الدين يعلّمه أعضائه في حلقاتهم التثقيفية، ويطالب المنتمين له بتبنيه، ويجاهر به، ويبرزه في أدبياته إلا أن يتقى من المسلمين تقاة. وذلك الفكر المعلن لا يسمح باندراج أيٍ من الحزبين تحت أية مظلة دينية أو مذهبية أو طائفية.

المذهبية الشيوعية باختصار:

        فالحزب الشيوعي يتبنى الماركسية اللينينية، ويحدد مواقفه من الأديان والطوائف الدينية وفقاً لرؤية الماركسية الكلية وفلسفتها المادية التي ترى في الدين وسيلة بشرية ابتدعها الطامعون والمغامرون وأعداء الشعوب "يريدون بذلك الأنبياء والمرسلين" لتضليلها وتخديرها، والإمعان في تكريس غفلتها، ولذلك أطلق هؤلاء العبارة المشهورة: "الدين أفيون الشعوب". والماركسية اللينينية  تعتبر "الوحي والنبوة" مجرد خيال ينجم عن انعكاس تأثير الحاجات المادية على الدماغ فيتخيل الإنسان أنه قد انفصل عن عالمه، واتصل بعالم آخر لينفس بطريق تخيله الاتصال به تعويضاً عن حاجاته المادية الكامنة وعن حرمانه.

ولا شك أنه لا يمكن إيجاد أية صلة مهما كانت بين الشيوعية وأي مذهب من مذاهب الشيعة التي تقوم على الإيمان بالله ورسله وكتبه وملائكته واليوم الآخر. شأنهم في ذلك – كله– شأن أي مؤمن مسلم مهما كان لونه، أو عرقه، أو البلد الذي ينتمي إليه، أو المذهب الذي يتمذهب به.

المذهبية البعثية باختصار:

أما "حزب البعث العربي الاشتراكي" فهو ذو عقيدة عجيبة، وإيديولوجيا غريبة، وخليط من الأفكار تم تجميعها من فلسفات وأفكار غربية متناقضة قام بتركيبها وتلفيقها ميشيل عفلق وصلاح البيطار وأكرم الحوراني لاحقاً وبعض تلامذتهم. وقد ضموا إلى ذلك الخليط من الأفكار الرؤية الكلية للماركسية اللينينية، فحزب البعث يؤمن بالماركسية اللينينية مع ذلك المزيج من الأفكار ولكن بتطبيق عربي (فالبعثي في مذهبيته شيوعي يعتمر العقال والكوفية أو اليشماغ).

وإذا كان الحزب الشيوعي قد تبنى العلمانية الإلحادية النافية للدين والمعادية له فإن حزب البعث قد تبنى العلمانية التي تتقبل بعض المعطيات اللاهوتية التي تمكن الحزب من توظيف الدين لمصالحه عند الحاجة لخداع الجماهير بذلك.

لذلك سنتناول في هذه الحلقة مبادئ وعقيدة حزب البعث وفكره الذي يؤمن البعثي به، بحيث لا يعد بعثياً إذا تبنى غيره أو أخذ بما يناقضه. وسوف نوضح ذلك من كتب ورسائل التثقيف البعثي الداخلي المعتبرة لدى الحزب، لا من التصريحات المعلنة لخداع الجماهير أو امتصاص نقمتها، أو تحويل اهتمامها. وسنتناول ذلك بالتفصيل ليتبين من لم  يتبين مدى بعد هذا الحزب عن الإسلام في كليته فضلاً عن مذهب "أهل السنة والجماعة"، ونحن هنا لا نقف موقف المفتي لنكفر أحداً، أو نشهد بالإسلام لأحد، إذ كل ما نريده بيان الحقيقة الموضوعية فقط (والله يحكم بين الناس فيما هم فيه يختلفون). ولعل ذلك يكشف بعد موقف ذلك الحزب من الدين بعامة، ذلك الموقف الذي عبر عنه الحزب في معظم أدبياته ذات العلاقة، وبأقلام مختلف الكاتبين من قياداته أمثال عفلق والبيطار والحوراني والرزاز وصفدي ومن إليهم. فهو لا يلتقي من قريب ولا من بعيد مع أي دين، أو مذهب من المذاهب السنية أو الشيعية، ولا يمكن أن يوصف بشيء من ذلك كما سنوضح، وانتماء بعض الطائفيين السياسيين من المنسوبين اسماً إلى السنة أو الشيعة إلى أي حزب من الحزبين المذكورين لا يغير من هذه الحقيقة الثابتة في مبادئ الحزبين شيئاً، وخاصةً حزب البعث في سائر أفكاره، نؤكد هذه الحقيقة لعل من خدعوا بالشعارات والأكاذيب تكون لديهم فرصة كافية ليتوبوا إلى الله ويستغفروه، لعله يتوب على من أخلص في التوبة وجعلها توبة نصوحاً خالصة لوجهه تعالى.

 أعود وأؤكد للجميع: إن سلسلة هذه الدراسات أعدت لا لتحقيق مكاسب لأحد كما أكدنا، ولا للانتقام من أحد، ولا للتحريض على أولئك الذين احترفوا السير خلف كل ناعق إذا لوح لهم بما يغري أمثالهم. بل لتكون كلمة حق خالصة لوجهه تعالى. وتنفيذاً لتوجيهه عليه الصلاة والسلام إلى النصيحة الواجبة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم. فنرجو أن تفهم في هذا الإطار لا في أي إطار آخر. ونسأله تعالى أن يجعل هذه الكلمات خالصة لوجهه الكريم، وأن ينفع بها الطالبين. إنه سميع مجيب.

بداية الاحتلال الثالث:

        كثير من الناس يؤرخون للاحتلال الثالث للعراق بسقوط بغداد من أيدي جبناء وعملاء البعثيين في  أيدي المحتلين[67]، ذلك السقوط المذهل المريب الذي حدث في التاسع من نيسان "أبريل" 2003 برشوة بعض القيادات البعثية – كما صرح بذلك الرئيس الأمريكي -، وخيانة البعض الذليل، وجبن البعض الآخر، وجهل أولئك الذين انتحلوا صفات القادة وغبائهم، من أولئك الذين ينطبق عليهم قول الشاعر:

أسد علي وفي الحروب نعامة            فتخاء تفزع من صفير الصافر

أما أنا فبداية تاريخ الاحتلال – عندي – كانت في الرابع عشر من تموز 1958 مع قيام انقلاب نفذه لواء من الجيش بقيادة عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف على الحكومة المدنية التي كانت قائمة قبل ذلك اليوم. لا أقول ذلك لأنني أرى أن نظام الحكم الملكي الذي كان قائماً كان نظاماً ديمقراطياً سليماً منبثقاً عن إرادة شعبية حرة، أو هو نظام مثل الأكثرية، أو حقق قيم العدل والحرية والمساواة بين العراقيين، فانتفاء ذلك لا يخفى على ذي بصيرة. ولكن ذلك الانقلاب كان إيذاناً بتخلي العسكر عن ثكناتهم العسكرية وواجباتهم الوطنية، واحتلال مكاتب الحكم بدلاً عنها حتى التفكك والتحلل التام الذي حدث لذلك الجيش العرمرم في التاسع من شهر  ذكرى ميلاد حزب البعث السادس والخمسين "أبريل / نيسان" والذي أدى إلى تفكك وتفسخ الدولة العراقية، التي بنيت في ثمانين عاماً فأنهاها حزب البعث وصدام في أقل من ثمانين ساعة. وإذا كانت الدولة قد تفككت فإننا نرجو أن لا يؤدي ما حدث إلى تفكيك رابطة الشعب العراقي نفسه. ذلك أن المؤسسة العسكرية في العالم الإسلامي عندما تأسست كان الهدف من وراء تأسيسها أن تكون جزءاً من مؤسسات التحديث وإدخال بلدان العالم الإسلامي مرحلة الحداثة، لأن تكون دروعاً للأوطان كما تخيلت الشعوب العربية، وتخيل الطيبون من الذين انخرطوا في هذه المؤسسات.

المؤسسة العسكرية والتحديث:

        لقد لعبت المؤسسة العسكرية في العالم الإسلامي دوراً هاماً وخطيراً في نقل بعض القيم الغربية وأساليب الحياة الغربية الحديثة إلى شرائح اجتماعية واسعة من المجتمعات التقليدية التي لم تكن مؤسسات التحديث أو التغريب الأخرى قادرة على زعزعتها عن الأطر التقليدية التي نشأت وترعرعت فيها، وخاصة العشائر العراقية: فالعشائر قد توارثت تقاليد جعلت القيادة الزمنية لها تتركز في أيدي شيوخها. كما أن القيادة الدينية لتلك الشرائح كانت للأئمة والعلماء والمراجع العليا الدينية. وحين كان أبناء العشائر ينتمون إلى الجندية تبدأ تلك التقاليد الموروثة لديهم بالضعف والتآكل لتحل محلها قضايا الانضباط العسكري. وتبدأ عمليات تغيير الولاء: فيحتل الضابط والقائد العسكري في نفوس هؤلاء موقع شيخ القبيلة والمرجع الديني، وتحتل الوحدة العسكرية التي ينتمي الجندي إليها موقع القبيلة. أما الملابس العسكرية فتعطيه تدريجياً شعوراً بالانفصال عن قبيلته وبيئته، والاتصال بمعلميه ومدربيه ومن ورائهم. واستغناؤه المادي يفقده الإحساس بالحاجة إلى الأرض والزراعة. وتستمر عملية الانفصال الشعوري حتى تصبح العلاقة بالقبيلة وتقاليدها وتراثها بالنسبة له ماضياً أو جزءاً من الماضي بكل ما يمثله الماضي من معان. بحيث يصبح أثر هذا الماضي باهتاً في حاضره. علماً بأن عمليات تأسيس الجيوش في العالم العربي والإسلامي قد وظفت كل مخزون الذاكرة التاريخية العربية الإسلامية عن الجهاد والسيادة والقوة والقدرة واحترام الأمم لها من أجل أن تدفع العربي المسلم للتنازل عن كثير من حاجاته الأساسية لميزانيات وزارات الدفاع أو الحرب بحيث استأثرت هذه الجوانب بما بين (40-65 %) من مجمل ميزانيات هذه الشعوب الغنية الفقيرة. كما استغلت قضية فلسطين والحروب الدورية العشرية التي ألفت إسرائيل منذ قيامها شنها على جيرانها العرب لسلب البلدان العربية أفضل مواردها وأهمها، وإخضاعها لحكم "العسكرتاريا" وتجميد خطط التعليم أحياناً، والتنمية بكل جوانبها البشرية والمادية في كثير من الأحيان. وسوغت سائر الانقلابات العسكرية والأحكام الاستثنائية بتلك الحجج والذرائع. وجلُّ العسكريين العرب والمسلمين الذين بلغوا قمة السلطة بالانقلابات تعاملوا مع شعوبهم بخبرتهم العسكرية التي قل بينهم من لديه شيء من غيرها من الخبرات أو المعارف، فالوطن عند الكثيرين منهم كان ساحة معركة، وفصائل الشعوب الموالية للعسكري الحاكم تمثل قواته أو القسم الموالي من جيشه السامع المطيع لكل ما يأمر به القائد. وأما تلك الفصائل المخالفة له فهي العدو الذي عليه أن يأخذ حذره منه، ويعمل على إذلاله وتهميشه، وإفقاده مصادر القوة ونزع سائر ما يعده المقاتل العسكري سلاحاً يمكن أن يستعمل ضد حكمه ونظامه. ولذلك كانت الغالبية العظمى من هؤلاء الانقلابيين العسكريين تكرس "الطائفية السياسية" وتستفز الأقليات وتفرق شعوبها، وتجعل من كل شعب تحكمه شعباً ممزقاً تستضعف طائفة منه، وتستقوى بأخرى، وتسلط كلاً منها على الأخرى، وتحول جيش الشعب وقواته المسلحة وأسلحته إلى صدور أبنائه من أولئك الذين يجعل حظهم التعيس منهم هدفاً لذلك العسكري الحاكم بأي دافع من الدوافع. ونحن لا نشك في استقامة ووطنية وإخلاص عدد كبير من أولئك العسكريين على اختلاف أصنافهم ومراتبهم، خاصةً أولئك الذين لم يلوثوا أيديهم بدماء شعوبهم، ولم يغرقوا أنفسهم في مستنقع السياسة. لكن تلك القلة المغامرة الطامعة تجاهلت واجباتها الأساسية، فسيطرت على جيوش بعض البلدان بدون أية مشروعية أو اختيار منها، أو مشورة أو رضى، واستغلت تلك الطغم القليلة ظروفاً معينة استثنائية مرت بها تلك البلدان فقادت الجيوش والشعوب والأوطان إلى الدمار، وهكذا أحلوا قومهم دار البوار. فكانوا الأخسرين أعمالاً، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.

ضرورة بناء الفكر السليم:

        إن أبنائنا وشعوبنا وخاصة الأجيال الجديدة في حاجة ماسة إلى فكر نير يستند إلى  عقيدة الأمة، وينبثق عن مصادرها المعتبرة، ويستمد نقاءه وصفائه من معينها، ويقوم على رؤيتها الكلية السليمة لتتمكن من إعادة بناء الشخصية العراقية التي شوهت، وأزيلت بالقمع والاضطهاد والاستعباد المذل مقوماتها وخصائصها التي كنا نفخر بها، ولن يحدث هذا وأسباب الصراع بين العراقيين ماثلة لم تقلع من جذورها، وعمليات سوء الفهم والتقدير قائمة لم تتوقف عوامل إخراجها، وذلك قد يجعل من ذلك كله أدوات جاهزة معدّة للاستعمال من محترفي تدبير الفتن، ومثيري القلاقل يستخدمونها ساعة يريد الشيطان منهم ذلك، وفي مقدمة تلك الأدوات قضايا الصراع الطائفي، وعوامل الصراع الأثني، والمنازعات الحزبية.

        إن المتربصين بالعراق وأهله وبالمنطقة – كلها – وبسائر العرب والمسلمين يحافظون على جذور هذه المشكلات ويربونها كما يربي أحدكم "فلوه" ويصونونها كما يصون أحدنا بذور زرعه، وجذور شجره ليستنبته عندما يريد. إن عمليات إثارة الفتن وتصنيع المشاكل للبلدان الصغيرة وفي مقدمتها "الأقطار الإسلامية" صارت علماً وفناً وخبرة يستثمرها القائمون على صناعات الأسلحة والحروب. إنهم يرون دماء العرب والمسلمين أرخص الدماء فلا يتورعون عن أراقتها بأبخس الأثمان ولأتفه الأسباب. لذلك فإن واجبنا نحن المتعلمين المنتسبين إلى هذه الأمة وشعوبها وأقطارها أن نوظف سائر طاقاتنا لتجفيف منابع الصراع، وعدم إتاحة أية فرصة لأولئك الطفيليين لتوظيفها أو تشغيلها، ولا يمكن تحقيق ذلك إلا بمزيد من الوعي والفهم والتقارب والحوار البناء، ودراسة تاريخنا وتحليله وأخذ الدروس والعبر منه.

أسئلة الدراسة:   

إن هذه الدراسة تضع نصب عينيها مجموعة من الأسئلة الهامة، وسنحاول تقديم إجابات مقترحة عنها. هذه الإجابات مهما أعتنينا بها، فإنها ليست كاملة أو نهائية، ولتكون كذلك لا بد أن تأخذ نصيباً وافراً من عناية العراقيين، خاصة مثقفيهم وذوي الرأي منهم، فالتفكير فيها، وتقليب الرأي والنظر في جوانبها المختلفة سيعطيها النضج الضروري، الذي نأمل أن يساعد على شيء من توضيح الرؤية، وإنارة البصائر. ولاشك أن أسئلة كثيرة سوف تثيرها هذه الأسئلة، وذلك أمر مفيد ومقصود، فإن بداية الوعي، أن نكون قادرين على صياغة أسئلتنا بالدقة اللازمة لإحداث حالة التفكير ثم الوعي. وفي الحلقة الأولى التي كرستها لبيان "الثوابت العراقية" التي يمكن أن تكون موضع اتفاق كان السؤال المحوري الذي أديرت حوله أفكارها هو: ما هي الثوابت العراقية؟ وهذا السؤال لو أردنا استنباط الأسئلة التي يمكن أن يثيرها لوجدنا في مقدمتها سؤال "الهوية" ونحن وإن لم نجب عنه بشكل مباشر، لكن الجواب كان منثوراً وبشكل لا يخفى بين الثوابت الخمسة التي ذكرت، وكذلك سؤال التعددية.

        إننا سنضع بين أنظارنا مجموعة من الأسئلة لنحاول إدارة البحث حولها – ونحن نعالج حزب البعث الصدامي بأهل السنة والجماعة - فذلك أعون للقارئ على فهم قضايا الدراسة، واستيعاب مسائلها، وجعله  يشاركنا السير في مسالكها ليخرج من دائرة التلقي المجرد إلى دائرة المشاركة الإيجابية، ومن هذه الأسئلة:

1 - ما المراد بـ "أهل السنة والجماعة" ومتى بدأ استعمال هذا المصطلح وانتشر وشاع؟ وهل يعد ضداً أو نقيضاً لمصطلح "الشيعة" أو لا يعد نقيضاً وضداً له؟

2- هل هناك أدلة شرعية جاء بها الكتاب والسنة تأمر أو تندب أو تحث على استعمال هذه المصطلحات؟ وإن وجدت فما هي؟ وإن لم توجد فما الذي يجعل الناس يتشبثون بمصطلحات وعناوين لا دليل شرعي معتبر يدل على ضرورة استعمالها؟ وإيجاد التمايز بين الناس وفقاً لها؟

3- حديث افتراق الأمة المسلمة وهلاكها جميعاً إلا الفرقة الناجية، وكفر صيرورة الفرق الأخرى إلى النار. ما نصيب تلك الأحاديث من الصحة؟ وإلى أي حد يحق للمسلمين التعالي على بعضهم والتفاخر بمقتضاها؟ ونظر كل طائفة إلى نفسها على أنها الناجية؟ وإلى سائر الطوائف الأخرى على أنها هالكة، مصيرها إلى النار؟

4- قامت حركات تجديد كثيرة دعت إلى تقارب المسلمين قديما وحديثاً لكن عوامل الفرقة والاختلاف كانت أقوى من سائر المحاولات، فما هي تلك العوامل؟ وما أسباب قوتها؟ وهل من سبيل للتغلب عليها؟

5- يسير العالم بخطى واسعة لتجاوز النزعات المفرقة، وقد تضحي بعض الشعوب بكثير من خصوصياتها لتتحد أو تتآلف مع غيرها، فهل يتوقع أن يستفيد العراقيون والعرب والمسلمون من هذه الدروس، فيعملوا على تجاوز خلافاتهم، وتوحيد كلمتهم، والتنسيق والتضامن فيما بينهم؟ وكيف؟

6- استطاعت أوربا إيجاد "جماعة أوربية" واحدة رغم الاختلافات والحروب واختلاف اللغات والمصالح. والذي بين العراق والبلدان والأقطار العربية والإسلامية من روابط ووسائل ودوافع "الوحدة والاتحاد والتضامن" أعلى في درجاته بكثير مما بين الأوربيين. فلم لا نلاحظ تحركات جادة في هذا الاتجاه؟ وما السبيل إلى إحياء هذه الدوافع وتنشيطها؟ لتحقيق وحدة أو اتحاد أو تضامن حقيقي، يمكن العرب ثم المسلمين في الحد الأدنى من الدفاع عن أنفسهم؟ فالأخطار صارت حقائق على الأرض، ولم تعد في دائرة التوقع فحسب.

7- كيف يمكن تحقيق تكافؤ في إطار تعددية دينية ومذهبية وعرقية، وما هي النظريات والأساليب التي يمكن أن تساعد على تحقيق ذلك؟

8- معظم حركات الإصلاح في المحيط الاجتماعي الإسلامي قد تراجعت دون تحقيق أهدافها، ما تفسير ذلك؟ بالنسبة لكل من هذه الحركات؟ حيث إن الفشل قد عم الجميع؟ الإقليمي والقومي والإسلامي؟

9- هل يمكن جعل العراق بإمكاناته المادية والبشرية بيئة لبناء نموذج حضاري إسلامي حديث؟ وكيف؟ وإذا فرض إمكان ذلك فهل يصلح العراق لأن يكون منطلقاً لتجديد بناء الأمة؟

10- حزب البعث كيف نشأ؟ وما هي أفكاره ومذهبيته وفلسفته؟ ولماذا كان من أخطر التكتلات التي كان لها النصيب الأكبر في سائر وقائع الفشل والتراجع والهزيمة لهذه الأمة منذ تأسيسه، فهل حاول النهوض بهذه الأمة – مخلصاً – ففشل – أو أنه أسس ليقود لهذا الفشل؟ وما الدليل على كل منهما؟

11- ما هي العلاقة بين فلسفة "حزب البعث" ومبادئه وبين الطائفية السياسية في البلدين الذين سيطر عليهما؟ ولِمَ تحالف الحزب في سوريا مع الإقليات المسيحية والعلوية؟ وفي العراق تحالف مع مجموعة "البكر - صدام" التكريتية المعروفة بطائفيتها وتعصبها الشديد ضد الشيعة؟ ولِمَ لم يكن العكس فيتحالف الحزب مثلاً مع الشيعة في العراق ومع السنة في الشام؟ وما هي العناصر الفكرية التي هيأت لحزب البعث في القطرين استقطاب تلك الأقليات؟

12- لماذا اعتمدت بريطانيا بعد ثورة العشرين على رجالات سنية لحكم العراق في مرحلة الانتداب ثم المعاهدة. دون إغفال لبعض القيادات الشيعية والكردية، واعتمدت أمريكا على قيادات شيعية، ودون إغفال لبعض الأسماء السنية، وما دلالات كل من التوجهين؟

13- في الاحتلال البريطاني جرى الاعتماد على بعض رؤساء القبائل، وتتكرر الظاهرة على أيدي الأمريكان بعدما يزيد عن ثمانين عاماً، وما دلالات ذلك على مستوى الجدية من عدمها في تحقيق الديمقراطية، والنماء الاجتماعي، والإصلاح التربوي بالذات، إضافة إلى التنمية؟

14- من يعتبر المستفيد الأول من عزل العراق عن محيطه العربي والإقليمي، وما إيجابيات ذلك وسلبياته؟

15- هل يمكن بناء ميثاق شرف شعبي تصادق عليه وتتبناه جميع القوى العراقية بحيث تكون له قوة إلزام طوعي واختياري تلتزم به سائر الفصائل، ونربي الأجيال الطالعة عليه ليوجد الجيل العراقي السليم الذي نتطلع إليه، وما معالم هذا الميثاق، وكيف يصبح جزءاً من ثقافة العراقيين؟             

        هذه الأسئلة هي بعض ما تحاول هذه الدراسة طرحه على القراء ليشاركوا بفاعلية في صياغة الجواب عنها وتوضيح ما يتعلق بها. وكلنا أمل أن تكون هذه الأسئلة قادرة على حمل أبنائنا من الأجيال العراقية الطالعة على التفكير والتدبر، لأن طول معايشة الشعارات، وقيادة الجهلة قد صادرت من الناس حاسة الفكر وحق التفكير، إلا فيما يطرحون من خادع الشعارات، ومختزل الأهداف. لأن فاقد الشيء لا يعطيه، والجهلة إذا ساسوا أمة أو قادوا شعباً فإنهم لا يعرفون إلا كيف يقمعون مخالفيهم سواء عارضوهم أم تركوهم وشأنهم، فالجهل إذا اتصف به من هو في موقع قائد واستمرأه، بل وافتخر به – كما كان يفعل صدام – لا يأتي إلا بالدمار والغطرسة والنفخة الكاذبة، واستعمال أساليب القمع والقسوة والشدة بكل أنواعها ليبقى وراء عجلة القيادة لأطول فترة يستطيعها. فلابد لأجيالنا الطالعة من إعادة بناء النفس وإعادة تشكيل العقل أولاً، وبناء القدرة على التفكير السليم والتخطيط المنهجي في سائر أمور الحياة. لأننا أحوج ما نكون إلى استيعاب الدروس التي يمكن استفادتها من كل ذلك التاريخ الطويل العريض، والتجارب المرة والحلوة التي عاشها شعبنا، وتوعية الأجيال بها، لمعرفة كيفية النهوض بعد السقوط، وكيفية الانتقال من حالة انعدام الفاعلية وتحقيق الإرادة إلى حالة الفاعلية والإرادة.

حقيقة حزب البعث وتكوينه:

        "حزب البعث العربي الاشتراكي" حزب ولد عام (1943م)، وقد يكون هذا الحزب هو الحزب الوحيد الذي ولد مجزءًا غير كامل الخلقة، ولدت نصفه الأول فئة متعلمة من مدرسي المدارس الثانوية في العاصمة السورية دمشق، وفي ثانوية محددة كانت تعرف في سنوات الحرب العالمية الثانية بـ "ثانوية التجهيز الأولى" ثم سميت بـ "ثانوية جودت الهاشمي"[68] ولا ندري ما أسمها الآن. وكان هناك اتصال وتجاوب بين طلاب هذه الثانوية وطلاب ثانوية دمشقية أخرى هي "ثانوية عنبر" [69].

        كان هناك أستاذ ثانوي هو – زكي الارسوزي – من أبناء لواء "الاسكندرون" قاد حركة مقاومة طلابية ضد تتريك اللواء المذكور. بعد أن درس الفلسفة في فرنسا. وتخرج فيها، واتصل بما كان الفكر الفرنسي يموج به في تلك المرحلة من أفكار، وقد انطلق بعد عودته إلى لواء "الأسكندرون" يدعو إلى "البعث العربي" الذي اعتبره الحل الوحيد لتحرر "لواء الأسكندرون" من احتلال فرنسا ومن دعاة التتريك في وقت واحد. ولم  يلبث الارسوزي إلا قليلاً حتى صار أقرب ما يكون إلى مرتبة الزعامة الثقافية والسياسية في "اللواء السليب" كما كان يطلق عليه في أدبياته. وقد اضطر لمغادرته بعد أن الحق رسمياً بتركيا الجديدة. وغادره معه مجموعة من طلابه من أبناء اللواء المذكور إلى دمشق. وقد قدم الارسوزي نموذجاً من العمل السياسي لا عهد لدمشق به، فمن حيث الفكر كان فكره ثورياً فجرته عمليات الكفاح المتنوع لإبقاء لواءه جزءاً من سوريا لا من تركيا، والمحافظة على هويته العربية، وأكسبت قضية الاسكندرون فكره طابعاً عملياً متحركاً لم يكن متوافراً لمفكري ثانويات دمشق أمثال عفلق والبيطار. وكانت الفواصل في ذهن الارسوزي بين فكر الزعامات التقليدية وفكرة البعث العربي الذي يتخيله ويريده واضحة. فقد عاصر الرجل اليسار الفرنسي وتتلمذ على بعض رموزه وحاول توظيف جوانب من الفكر اليساري الفرنسي في التركيبة البعثية القومية بنجاح أغرى شباب ذلك الجيل ولفت أنظارهم إليه، فقد حول حصيلته الفكرية إلى إيديولوجية مثالية يمكن للمتعلمين الباحثين عن عقيدة للعمل والتنظيم تفصلهم عن مجموعات الشيوعيين والإسلاميين والزعامات التقليدية معاً أن تتبناها فانتشرت مدرسته الفكرية واشتهرت عام (1950) في أوساط الطلاب الذين وجدوا فيه مصدر الإيديولوجيا والزعامة وأساليب العمل القومي المنظم[70]. فاكتشفت الزعامات التقليدية الشامية والمدرسون الذين لم يكونوا قبل الارسوزي يواجهون منافسين لهم وزن مهم بهذا المستوى فبدأت عمليات تحجيمه ومحاصرته من هؤلاء جميعاً. فكل هؤلاء قد رأوا في هذا الغريب الطارئ على البيئة الدمشقية السياسية تهديداً.

        أما ميشيل عفلق وصلاح البيطار فقد كان لهما أسلوبهما الخاص في تحجيمه بعد احتواءه ثم استهلاكه فكرياً. فقد دعى الرجلان الارسوزي للتعاون مع النواة التي شكلاها أو كانا يهيئان لتشكيلها "البعث العربي" وهي النواة التي حاولا أن يقنعاه بأنها انعكاس لأفكاره، وتعبير عن فلسفة التوافق معه، لكن الأمر لم ينطل على الارسوزي فبعد لقاءات محدودة معهما خرج ليتهم عفلق والبيطار بالتواطؤ مع المخابرات الفرنسية للإجهاز على حركته الناشئة، ورأى في شخصية عفلق وجهوده تحالفاً مع المخابرات الفرنسية لإجهاض حركة "البعث العربي" باسم "البعث العربي" كما كان له مثل ذلك الرأي في الزعامات التقليدية التي خضعت لمساومات المحتل الفرنسي وقبلت التعاون معه لإجهاض ثورات الشعب!! ومحاولاته لتحقيق التحرر الحقيقي، وراح الارسوزي يعقد الحلقات في بيته وفي المقاهي وفي الفصول التي يدرس فيها للتنديد بالزعامات التقليدية وبعفلق والبيطار واتهامهم - جميعاً – بالتواطؤ المكشوف مع قوى الاحتلال الفرنسي لإجهاض ثورات الشعب[71]، وقد كان رد فعل عفلق ضد الارسوزي عجيباً حيث تبنى عفلق أفكار الارسوزي في "البعث العربي" وانتحلها على أنها أفكاره، وصار يعبر عنها بلغته وطريقته، ويعتبرها "الإيديولوجيا القومية" التي ابتعث عفلق للتبشير بها والدعوة إليها. وحين نتابع المعارك الفكرية قديماً وحديثاً، ونحاول رصد أسلحة معارك "الكلمة والمعتقد"[72]  لا نرى سلاحاً أشد فتكاً بالأفكار من تبنيها بعد تفريغها من محتواها، و جعلها مجرد شعار لا مضمون له. وإذا بحثت عن المضمون من خلال الشعار أو شرحه قيل لك: إنه شعار ذو حرمة وقدسية لا نسمح لأحد بتحليله أو تفكيكه حتى إذا كان من أولئك الملتزمين به، لأن "تحليل" الشعار يفقده قدسيته، ويزيل عنه حرمته[73]. لأن عفلق يدرك أنه لو تم تحليل تلك الشعارات لبرزت الأفكار الكامنة فيها، والمرموز إليها بها، فيفقد عفلق صفة "الإبداع".

        وهكذا كان عفلق والبيطار قد استوليا على فكر الارسوزي الذي أمد مجموعتهما بالأيديولوجيا وإمكانات الزعامة، وأجندة العمل القومي المنظم بحيث كان يتوقع أو يفترض أن ينطلق الحزب بين الجماهير ويبدأ مرحلة التفاعل مع قضايا الشعب والالتحام به، ولكنه بدل ذلك قد دخل - بشكل ملفت للنظر - عزلة لم يكن سهلاً عليه مغادرتها والخروج منها لولا أن الحظ السيئ للأمة العربية وافاهما بانتصار آخر، حيث انضم إلى فئتهما المعزولة تجمع آخر إقليمي كان يحمل عنوان "الحزب العربي الاشتراكي" وهو حزب حموي النشأة والانتشار كان يتزعمه أكرم الحوراني. وكان أهم أهداف ذلك الحزب هو مقاومة من سموهم بالإقطاعيين في حماة. والوصول إلى الحكم بأية وسيلة متاحة، ولذلك كان الحوراني يركز على وسيلتين أساسيتين عنده هما: العمل على تحريض الفلاحين ضد ملاك الأراضي، ومحاولة الوصول إلى عناصر عسكرية يمكن  التأثير عليها، وتحويلها إلى أدوات في اللعبة السياسية[74]. وباتحاد مجموعة الحوراني مع مجموعة عفلق والبيطار ولد النصف الثاني من الحزب ليصبح "حزب البعث العربي الاشتراكي" يقوده الثلاثي عفلق والبيطار والحوراني[75] بكل ما يحمل ذلك الثلاثي العجيب من عقد ومركبات نقص ومطامع وأهداف وعلاقات مشبوهة وغير مشبوهة.

لعل معرفة هذه الولادة العجيبة للحزب تثير أكثر من علامة استفهام!! وتنبه بشدة إلى ذلك المناخ الفكري والسياسي المضطرب. فقد ولد في سنوات الحرب العالمية الثانية وفي ظل احتلال الجيوش البريطانية، وبقايا القوات الفرنسية لقلب العالم العربي، وعلى أيدي قادة تحيط بهم الشبهات من كل جانب، ولا يخفى عجزهم الفكري والجهادي على متابع لتلك الفترة الدقيقة الحرجة من تاريخ سوريا ولبنان والمنطقة. إضافة إلى أن المرحلة كانت مرحلة ارهاصات سبقت بقيام إسرائيل وولادتها- التي لم يكن يخفى على قادة النظام العالمي– آنذاك – ضرورة تهيئة المنطقة لاستقبال ذلك الوليد الطارئ وتبنيه، وضمه إلى "أسرة حاضنة" هي "أسرة الشرق الأوسط الجديد أو الكبير".

وإذا كانت تركيبة القيادة بالشكل الذي وصفنا فإن تركيبة الحزب – كلها – لا تقل عنها عجباً في إثارة الشكوك والتساؤلات عن تلك القيادة الثلاثية، فقد ضم "حزب البعث" في صفوفه الأولى غالبية من أبناء الأرياف الذين انتقلوا من القرى والأرياف إلى مراكز المحافظات التي تتوافر فيها المدارس الثانوية لمواصلة الدراسة، وكانت الخلايا الأولى للحزب تستقطب أبناء طوائف معينة "فاللوائيون" أو أبناء "لواء الاسكندرون" الذين استطاع عفلق أن يستقطبهم حوله - بعد محاصرة الارسوزي - وهم من اتباع الارسوزي سابقاً، كانوا ينتمون إلى الطائفة "العلوية" فصار هؤلاء دعاة للحزب بين أبناء طائفتهم من شباب جبال العلويين ليجندوا دعاة آخرين للحزب من أبناء ثانويات اللاذقية والساحل.       

        وكان لعفلق صلات عائلية بحكم انتمائه إلى عائلة نصرانية تسكن حي "الميدان" في "دمشق" وتتعامل مع الجنوب – أي حوران وجبل العرب "الدروز" – ولها صداقات مع بعض الأسر الدرزية سرعان ما وظفها للوصول إلى طلاب الثانويات الدروز في دمشق والسويداء مركز محافظة جبل العرب، وقد تحددت بنية الحزب منذ البداية بطبيعة البنى الاجتماعية التي انحدرت منها تلك العناصر الحزبية الأولى: فكانت بنية ريفية من نوعية أنصاف المتعلمين من طلاب بالدرجة الأولى ثم أساتذة وموظفين. ومن جذور طائفية محددة؛ تأتي بالدرجة الأولى منها الجذور العلوية، ثم الدرزية، فالإسماعيلية، فالمسيحية. وقد ترتب على ذلك أمور كثيرة[76].

مصادر فكر حزب البعث:

        مصادر فكر "حزب البعث" محدودة جداً، ولذلك فإن البعثي الذي يريد أن يحمل صفة "مثقف" لابد له من تجاوز ثقافة الحزب ومصادرها والبحث عن الزاد الفكري والثقافي في مجالات أخرى خارج مصادر فكر الحزب وثقافته؛ إذ أن مصادر فكر الحزب وثقافته الرسمية لا تتجاوز:

1- مجموعة أحاديث وكلمات مرتجلة بدون إعداد مسبق يلقيها عفلق، أهمها ما كان قد ألقاه خلال السنوات الأولى لتأسيس الحزب على شباب "الطلائع الأولى للبعث" وهي التي حولها الحزب إلى كتب تحمل عناوين جذابة إضافة إلى اسم المؤلف مصدراً بلقب "القائد المؤسس".

2- مجموعة مقالات عفلق والبيطار الافتتاحية السياسية لجريدة الحزب في الفترة التي سبقت انقلاب حسني الزعيم عام 1949، وكانت تلك المقالات مكرسة لتوجيه النقد السياسي الساذج لمظاهر الحكم الوطني الذي أعقب جلاء الفرنسيين عام 1946.

3- منشورات الحزب ضد الحكومات السورية المتعاقبة بعد الجلاء، وكلها من إعداد عفلق، والبيطار ويساعدهما بعض شباب الحزب.

4- مجموعة مقالات مترجمة في الفلسفة والأدب والسياسة لبعض المفكرين الفرنسيين اليمينيين واليساريين.

5- بعض كتب حررها بعض كتاب الحزب الذين كانوا مرضياً عنهم من عفلق في تلك المرحلة، منها كتابات منيف الرزاز وعبد الله عبد الدايم.

        ولذلك كانت قيادة الحزب تكثر من إحالة الأعضاء على تراث لا ترى بأساً به لسد ذلك الفراغ. وكان بعض الأعضاء يحاولون البحث عن زاد ثقافي بأنفسهم، فقد يقبل بعضهم على الدراسات الماركسية أو الدراسات التي تناولت قضايا العرب قبل الثورة العربية في (9 شعبان) وما بعدها. ولذلك كان من الصعب أن يقال: إن الحزب قدم لأعضائه ومناصريه دليل عمل فكري واضح أو غامض"[77]. ومع كثرة أحاديث البعثيين عن الثقافة لكن الحزب كان بدون ثقافة[78]. والذين يسمون بـ "مثقفي الحزب" ليسوا أكثر من مجموعة من حملة الشهادات، (وللحزب طريقته الخاصة في تزويد بعض أعضائه بالشهادات والرتب). ومنذ أن ولد الحزب وحتى اليوم لم يستطع الحزب أن يقدم نفسه على أنه صاحب مدرسة فكرية، كما لم يستطع أن يقدم برنامجاً عقائدياً واضحاً. فالحزب في نظر عفلق مهمته أن يشق الدرب لا أن يعبده لسالكيه، فالمهم أن تعلن أهدافاً تحسن اختيارها وتنادي بها، وتحولها إلى شعارات يسهل على الجماهير حفظها وترديدها والمناداة بها مثل "أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة" "الطليعة" "البعث" "الأصالة" "قدر الأمة" "الموضوعية" "المرحلة التاريخية" "اللحظة التاريخية" "الوحدة" "الحرية" "الاشتراكية" "المؤامرات الاستعمارية" "العوامل السلبية" "الثورة" "إجهاض الثورة" "العنف الثوري" "الطهر الثوري" العهر الثوري" وتأخذ خطابات وأحاديث عفلق وتلامذته توكيدات على كل ما يطرحه الحزب وكأنها أركان إيمانية متلازمة "فلا بد من الوحدة ولا بد من الحرية ولا بد من الاشتراكية" وكل هذه "اللابدات" غير قابلة للتعليل ولا للتحليل ولا للمناقشة ولا للتقديم ولا للتأخير، فالحديث عن هذه العلاقات محرم[79]، وجيلنا لا يزال يتذكر اختلافات الحزب مع عبد الناصر على تقديم الحرية على الوحدة أو العكس في الشعارات المطروحة.

أما الإحالات فقد أبدع القائد المؤسس فيها، وحين نقرأ أدبيات الحزب وخاصة ما كتبه عفلق نجد أن في ذهن الرجل نموذجين مثاليين. النموذج الأول: هو صورة المجتمع الغربي "الفرنسي خاصة"، والنموذج الثاني هو: نموذج العربي الجاهلي ذي العرق النقي والخيال الخصب والشعر والفروسية. ولأنه لا يستطيع التصريح بهذا النموذج المركب العجيب الذي يجمع بين جاهلية العربي الجاهلي، والنموذج الفرنسي المتقدم بقدرة خيالية عجيبة فانه كان يفضل اختزال الأفكار إلى شعارات وعبارات خطابية يرفض البحث في معانيها. ولا يسمح لأحد بتحليلها أو مناقشتها حتى لو كان من قادة الحزب.

إنه يصر على ترديد كلمة "البعث العربي" تاركاً لكل أحد أن يفهم منها ما يشاء وما يريد، إذ يكفي عنده أن يردد كلمة كهذه تستدعي جملة كبيرة من الإيحاءات لا حصر لها تمتد فيما بين الدنيا والآخرة، ولكن ما الذي يريده القائد المؤسس؟ هل هو بعث الماضي العربي أو التاريخ العربي؟ وما الذي يراد له أن يبعث منه أهو الجاهلية – التي يصفها بالنقاء العرقي – أم الإسلام أم شيء آخر يؤلفه من بينهما؟ أم ماذا؟ هذا ما يطوي عفلق عليه جوانحه، لأنه في نظره أكبر من أن تحتمله العقول التي لا تحمل عبقرية مثل عبقريته.

وهكذا شأنه مع سائر الشعارات والمصطلحات التي تم طرحها: غموض وإبهام، مع طنين ورنين، واحتمالات لا تنتهي، وأما إصراره على عدم تحديدها فذلك لأن القائد المؤسس يدرك أن فهم الأطروحات والشعارات يقود إلى البحث عن أصولها وجذورها، ويحمل على المطالبة بالتدليل عليها، وقد يؤدي إلى رفضها، وطلب البدائل عنها. وفيلسوف الحزب لا وقت لديه لهذا الصداع فليطرح ما يشاء، وليخف وراء ذلك من المعاني ما يريد، ثم يستأثر – وحده – بتحديد المراد إذا شاء ووقت ما يشاء، لأن المعاني – كل المعاني – في بطن القائد  المؤسس. ولا زال جيلنا يذكر أن الرئيس الراحل عبد الناصر بعد لقاءاته بعفلق في محادثات الوحدة خرج يقول للناس في خطبة معلنة "الأستاذ بتاعهم ما اقدرتش أفهم منه غير يعني يعني يعني، كل كلمة يقولها يردد بعدها يعني يعني يعني وبعدين ما تفهمش يعني أيه"!!.

وقد كان عفلق حين تبنى دعوات عبد الناصر وأيد سياساته يستهدف ركوب الموجة لتحقيق وحدة مستعجلة، يمكن فكها في أقل من الوقت السريع الذي أبرمت فيه، كما أنه كان يظن أنه سيكون قادراً على التأثير في عبد الناصر بذات المستوى الذي أثر فيه على الضباط السوريين، وبذلك يجير عبد الناصر وشعبيته ومكانته، وما كان له من أمجاد في تلك المرحلة لصالح ذاته وحزبه. ولما رأى من عبد الناصر غير ما كان يتوهم سرعان ما نبه الخلايا النائمة للحزب الذي كان قد وافق على حله، نبه تلك الخلايا إلى خيبة أمله في عبد الناصر وضرورة النهوض بالحزب من جديد، والتخلي عن عبد الناصر. وإذا بعفلق يضحي بالوحدة وينضم ومن كان معه من عسكريين ومدنيين إلى خصوم لها، يتآمرون لفكها حتى حققوا الانفصال.

ذلك مفهوم هذا الحزب وبناؤه التاريخي، والمصادر الساذجة لفكره، أما فلسفته ومذهبيته إن جاز أن نطلق عليها فلسفة ومذهبية فتتلخص فيما يلي:

فلسفة "حزب البعث العربي الاشتراكي" ومذهبيته:    

يقول ليونارد بايندر[80]: "يمثل عرض عفلق للفكرة القومية من منظوره البعثي خليطاً من الفلسفات الغربية الشائعة، فهو يأخذ من هيردر[81] مقولته: "أن لكل أمة رسالة خاصة بها، عليها أن تؤديها، وأن في وسع كل أمة أن تسهم عن طريق هذه الرسالة في تحقيق الانسجام العالمي"، ويضمَّن عفلق عرضه – أيضاً - تأكيد هيجل على التاريخ وعلى الوجود القومي فيه، لكنه يستعيض عن جدل هيجل المنطقي، بمفهوم "الحلقة التاريخية" في الصعود والهبوط. وتظهر في كتابات عفلق– أيضاً - نظرية ماركس في الصراع الطبقي، كما يضمنها تأكيداً كبيراً على الأساس الاقتصادي للسياسة، ولكنه يرفض "الحتمية" التي تبناها ماركس، كما يرفض "التفسير المادي" رفضاً كاملاً. وكانت الاشتراكية التي تبناها عفلق جزءاً من فكرته القومية البعثية. تماماً كما كانت صهيونية بورسوف جزءاً من اشتراكيته، وأخيراً نجد في كتاباته شيئاً من "المذهب الحيوي" الذي نادى به برجسون"[82].

ويشرح بايندر كيف قام عفلق بانتقاء وتلفيق مركب مذهبيته من هؤلاء الأربعة: فيقول: "ومن المفيد إلقاء بعض الضوء على نظرية عفلق القومية البعثية ما دام بصياغته هذه يكاد يخلو من المعنى (على حد تعبير الكاتب)، وقد أخذ من هيجل مذهبه بعد تطويره. فالمذهب الجدلي عند هيجل فحواه: أن الحياة العقلية منفصلة تمام الانفصال عن التاريخ الواقعي، ولذلك استعاض عنه بمفهوم "الحلقة التاريخية في الصعود والهبوط" وهذا المفهوم يمثل رؤية عفلق للتاريخ العربي وتمثيله بحلقات يبلغ فيها أوج مجده ثم ما يلبث أن يتردى إلى الحضيض، والمعيار لديه في هذا الارتفاع والانخفاض، هو نقاء العنصر باعتباره المقياس الوحيد، ويلعب تفسيره هذا للتاريخ دوراً أساسياً في نظريته القوميّة البعثّية، ولذلك عارض التفسير المادي للتاريخ.

وبتلك التعبيرات والنظريات الملفقة المزيج عن "القومية العربية البعثية" استطاع عفلق أن يصوغ مذهبية الحزب بعد أن انتقى من تلك الأفكار انتقاءًا بحيث لواها كي تلتئم في نسيج واحد للتعبير عما أراده، فلقد لفق وطرح تصورات وحذف أخرى وحوّر وحرّف فيما حذف وفيما أخذ، نعم إنه فعل، ولكن في مثل هذا المجال، وهو مجال فلسفي هل يحق للفيلسوف أن يعرَّف الشيء أو الحدث كما يريد أو يتصور؟ جواب عفلق: نعم، ولذلك تبنى عفلق هذه الفكرة وهي:"أن الفكر يتصلب فيعند، ومن يعند ينتهي إلى أن يلوي الأشيـاء، وفقـاً لفكرته بدلاً من تنظيم فكره وفقـاً للأشيـاء"[83]، ولذلك فإن القائد المؤسس قد لوى عنق الفكر القومي كله ثم الفكر الإسلامي كله ليقدم لمن يغتر بفكره من أنصاف المتعلمين تلك الخلطة العجيبة المتنافرة من الأفكار. 

حتمية الانتماء إلى البعث:

تتلخص رؤية عفلق في النظرية القومية البعثية أن مرحلة الانحطاط التي عاشها العرب في عصر تأسيس الحزب ولا يزالون يعيشونها في الوقت الراهن جعلت كثيراً منهم لا يفهمون حقيقة أنفسهم ولا حقيقة قوميتهم ولا يدركون في الحقيقة هويتهم، فصاروا غير مدركين أنه ليس أمامهم مجال لاختيار أن يكونوا غير بعثيين، لأن القومية العربية البعثية موجودة فيهم من غير أن يكون للإنسان العربي دخل في تقبّله الإيجابي والاختياري لها[84]،لأنها يعني "القومية العربية البعثية" شبيهة باسمه أو صورته، فهي جزء ثابت وفطري في ماهيته نابت فيه حتى قبل مولده، وكما أن من العبث أن يضيع الإنسان حياته في التألم، لأنه لم يولد في أسرة غير أسرته، أو يحمل صورة غير صورته، فإن من العبث أن يحاول تحرير نفسه مما يربطه بأمته أو يشده إليها، ويكرر القائد المؤسس هذا المعنى في أكثر من  كتيب من كتاباته[85].

رفض عفلق التحليل واعتماد الرؤية:

 ومن هذه الرؤية يعتقد أن مسألة القوميّة البعثيّة لا تحتاج إلى تحليل مقوَّماتها أو عناصرها، فهي بديهيّة أوليّة لا تحتاج إلى برهان، فكأنها من البديهيات أو مسلمات ما قبل المنهج، وهو في هذا يأخذ عن برجسون قوله: "إن التحليل إنما هو تفكيك للأشياء إلى عناصر ثابتة، غير أنه تفكيك لن يفضي إلا إلى عالم مجرد أجوف"[86]. ويصف عفلق "التحليل" بأنه يعري الأمور من لحمها ودمها، ويقود إلى عدم الدقة، وإظهار المتناقضات بمظهر المتشابهات، وتحويل الحقائق إلى مجرد كلمات[87]، فكلاهما هنا عفلق وبرجسون يرفضان الاستقراء والاستنباط  ويعتمدان "الرؤية" لأن الرؤية- في نظرهما - تنفذ إلى الأشياء دون وسيط، وما هو أوّلى لا يحتاج إلى برهان، خلافاً لما هو نظري أو كسبي – عند عفلق – أما الأولى فهو نقطة البداية لأي برهان[88]، وعندما يرفض عفلق "التحليل" فإنه من الجهة الأخرى يتمسك بـ "الأيديولوجية".

الحزب هو الأمة:

 يقول عفلق: "الأمة ليست مجموعة عدديّة وإنما هي أيديولوجيّة تتجسدّ في تلك المجموعة أو جزء منها[89]، والجزء المقصود من المجموعة هو طلائع الأمة العربية أي "الحزب" الذي يقع على عاتقه عبء تعبئة الأمة وراء الفكرة القومية البعثية وقيادتها في أداء رسالتها الخالدة. وهنا يصبح الحزب هو الأمة، ودور الأمة لا يعدو أن يكون في جعلها تنكبّ على متابعة فكر الحزب صماً وعمياناً في حالة تقليد ومتابعة لا تبالي إذا كانت تلك المتابعة تحدث للأمة قناعة بذلك الفكر أو لا تحدث.

ويعلق ليونارد على ذلك بقوله: "ليس من العسير أن يكون وراء هذا الرأي إيمان بالجماعية الصارمة ونزعة سلطوية ترغم الناس على الحرية!! أو تجبرهم على إدراك مصائرهم الصحيحة مهما كانت معتقداتهم الواعية، فالمشكلة في رأيه مثل كل شيء حملُ العربيّ على الإحساس بطبيعته الأصلية، فهو يفترض القبول على أساس الإيمان"[90].

إن عفلق وضع تصوراً جديداً للفكرة القومية البعثية ينسجم والمذهب القومي الخاص بالبعثيين الذي صاغه باقتباساته المشار إليها، والواقع أنه توخى بذلك نقطتين مهمتين في العقيدة البعثية هما:

- إعادة صياغة فكرة القومية العربية البعثية لتكون إطار مناسباً للمذهبية وخصوصياتها، ولفصل البعثيين عن بقية الفصائل القومية، فلا تنطبق عليها انتقادات المسألة القومية بعامة، فهي مختلفة عن القومية الغربية في شقيها الماركسي والتقليدي من ناحية، وغلق الباب أمام تحليل القوميين العرب الذين وصفهم عفلق بالرجعيين الذين يقحمون الدين عنصراً أو مقّوماً من مقومات هذه القومية.

 - وأكد أن الطليعة هي وحدها التي تعي قوميَّتها في مرحلة الانحطاط، وتستوعب قيمها، وقد ألهمت الإيمان بدور قوميتها إلهاماً، فهي تتولى قيادة ثورة البعث، وثورة البعث هي إجراء البذل الفطري والخلقي.

البعثيون وتبديل القيم العربية:

ولقد أجاب عفلق على سؤال عن ماهية البعث وأهدافه فقال: "إن الهدف هو تبديل القيم الاجتماعية للعرب، لذا فإنه هدف بعيد المدى، إذ أن الثورة يجب أن تتناول طريقة الناس في التفكير"[91] إضافة إلى الأفكار ذاتها.

الطلائع والقسوة والاستبداد:

لذلك فالطليعة من حقها أن تتحدث باسم المجموع، ولكي تقوم بدورها فإن على هذه الطلائع أن تحتفظ بحبها للجميع[92]، وإذا قدر لها أن تقسو في معاملتها على الآخرين، فإنما تفعل ذلك رغبة منها في إعادتهم إلى أنفسهم، وعندما يقسو الآخرون عليها فإن هذا يعني أن هؤلاء ينكرون أنفسهم وينكرون ذاتهم، فإرادتهم الحقيقية مع هذه الطلائع وإن كانت خفية وكامنة، وإن ظهروا بمظهر الذين يعملون ضدها. إذن فإن هذه القسوة على الآخرين إنما هي من أجلهم فهي تحتفظ بحبها للجميع، وبذلك شرع عفلق للقسوة والاضطهاد واعتبر الطغيان مشروعاً للطلائع، لها الحق أن تمارسه على الأمة وفي مصلحتها، وذلك قد يفسر ظاهرة استخدام الفنانين والأدباء، شعراء وكتاباً، محامين وأطباء وطلبة، ومعظم مثقفي الحزب، للتنويه بالقسوة والاضطهاد والإشادة بهذا الحق، حق القسوة، بهدوء ولذة، ومن لم يستطع منهم الممارسة فليمتع نفسه بالفرجة على الضحايا. أما القسوة إذا صدرت عن  غير الطلائع فهي وحشية وإرهاب حزبيّ يفعله قوم هم أعداء أنفسهم قبل أن يكونوا أعداء تلك الطلائع. وتلقى قضية الطلائع في عقيدة القائد المؤسس عفلق اهتماماً خاصاً، وخير ضمان لتقويتها -  في نظره - هو الاحتفاظ بنقائها وصفائها وذلك برعايتها منذ عهد الطفولة وهي ما تزال بذوراً لم تلوثها البيئة الاجتماعية؛ خاصةً وأن الهدف البعيد الذي يتوخاه الحزب هو تبديل قيم العرب الاجتماعية وتغيير طريقتهم في التفكير، وإبدال أفكارهم بغيرها، بحيث تنتهي بإحلال أفكار الحزب محلها، ولذلك فإن التوجيه العقائدي ينبغي أن يتركز في الطفولة المبكرة ليؤدي ثماره.

قيم حزب البعث والجاهلية:

        ولكن ما هي القيم الجديدة التي عمل عفلق وطليعته على تجسيدها في العراق الذي ابتلي بحكمهم؟ وما هي طريقة التفكير القومية البعثية الجديدة التي حاول "حزب البعث العربي الاشتراكي" إرساء دعائمها في العراق المنكوب؟ يتحدث مطاع صفدي في مؤلفه "حزب البعث" عن آراء عفلق: بأنها "تنصب على الوصف والمبالغة، وصف عظمة الأمة العربية، ورفعها إلى مستوى الوجود الخارق، وإضفاء مختلف القدرات الفردية والخطابية عليها، وتنزيهها عن أية مفسدة أو نقيصة، وقد مهد عفلق أذهان أتباعه للاعتزاز بمرحلة "الجاهلية" من تاريخ العرب خاصة، واعتبار هذه الجاهلية بمثابة الأصالة الكاملة للوجود العربي، والقائد المؤسس يبدو تلميذاً فاشلاً وهو يحاول إسقاط فكرة "العصبية" الخلدونية ويعبر عنها بأفكاره. وبالمقابل حاول فكر عفلق إضعاف المرحلة الإسلامية، ولو بطريقة غير مباشرة واعتبارها مرحلة تساهل أدت إلى خلط العرب بغيرهم وإضعاف بعض خصائصهم إلى حد كبير"[93]، ولذلك أعاد تفسير الإسلام، وفسره كما فسر القومية العربية تفسيراً بعثياً يتناسب وذلك التوجه.

        فلم يكن لدى البعثي ما يتعارض مع انتمائه الإسلامي حسب ذلك التفسير حتى لو رفض الإسلام شريعة وعقيدة وتبنى الماركسية اللينينية بديلاً عنه، وتأمل قول شاعرهم:

                آمنت بالبعث رباً لا شريك له              وبالعروبة ديناً ما له ثاني

أو ما قاله شاعر بعثي آخر لصدام حسين:

                  تبارك وجهك القدسي فينا                  كوجه الله ينضح بالجلال

ويقول القائد المؤسس:"إن تأثر الشباب بالأدب والحماسة الشعرية والأساليب الخطابية المباشرة أقوى من تأثره بالدراسة الجادة"، فانطلق المثقفون الثوريون من الصفر في تاريخ أمتهم، ومازال تاريخ العرب مجهولاً حتى اليوم عند هؤلاء المثقفين البعثيين[94].

الحزب والثقافة الغربية:

 لقد نقل عفلق تقليد الإعجاب بالثقافة الغربية إلى البعثيين، وأصبح الإقبال على قراءة "اندريه جيد" و"برجسون" أساساً عقائدياً، ويلاحظ أن الكاتب "مطاع صفدي" رغم أنه كان من قيادات الحزب لم يستطع فهم هذه النزعة وتفسير دوافعها، فهو يقول: "إن عفلق ينادي بالبساطة وبذلك يمنع التعمق، وينادي بالإيمان فيمنع التحليل والمقارنة، ولذلك صار الثوريون يأنفون من طرح الأسئلة حتى على أنفسهم، لأن ذلك – في نظر عفلق - يوحي بالتشكيك"[95] ولكن لو عدنا لفلسفة عفلق في "التاريخ وتفسيره للتاريخ العربي" وتناولنا مقولته: في أن التاريخ يتألف من حلقات تتراوح بين الصعود والهبوط لأدركنا على الفور أن تمجيده الحماسة والشعر والخطابة في الأدب لأنها كانت فعلاً بعض مميزات "الجاهلية" عهد ما قبل الإسلام، وأن إشاعته الثقافة الفرنسية، ودراسته فلسفة برجسون، لأن عفلق أخذ منه صياغة مذهبه في  عدم الاعتراف بالتحليل. وبذلك يحقق عفلق عدة أهداف أولها: إحداث قطيعة بين الشباب العربي والإسلام والتراث الإسلامي، وتعويضهم عنه بالتراث الجاهلي، ثم العبور بهم من الجاهلية إلى ما انتقاه من فلسفة برجسون وهيغل وهردر وماركس. فالإسلام ملوم – في نظر عفلق – لأنه فتح الباب لخلط العرب بسواهم "ألم يكتب طلفاح "خال صدام حسين والقيم على تربيته" كتاباً يلوم فيه الخالق تبارك وتعالى لأنه خلق الفرس والأكراد والذباب". وأنه- سبحانه وتعالى - عمّا قال خال صدام علواً كبيراً كان مخطئاً في ذلك.

ويرى عفلق أن مرحلة العهد الجاهلي قد شهدت اتحاد العرب ووحدتهم الحقيقية في مجموعات عرقيّة متجانسة عبرت عن نفسها على الصعيد الثقافيّ في الشعر واللغة والخطابة، وتحقق المثال العربي الأصيل لفترة قصيرة في صدر الإسلام (وهي فترة بني أمية في نظره) ولكن لما انتشر الإسلام بين الشعوب غير العربية اختفت الفروق بين الأجناس، وفقد العرب إحساسهم بالوحدة القومية، وتبع ذلك مرحلة الضعف، وشرع العرب في إضاعة وحدتهم القومية. يعلق ليونارد على هذه الرؤية الجديدة في التاريخ العربي قائلاً:

        "إن القومية – كما يفهمها عفلق - هي الأساس وإن عفلق يرى أن الدين هو الذي كان يقرر طبيعة الأمة العربية في وقت من الأوقات، ولكن هذا الاتجاه "المرجعية الدينية" أدى إلى كثير من المتاعب، فمن الواجب تطور الدين مع العروبة، فكلاهما – على حد تعبير عفلق - ينبعان من القلب العربي ويسيران طبقاً لمشيئة الله، لا سيما وأن الدين عبقرية الفكرة القومية البعثية، وفي هذا إنكار للوحي وللغيب وتكريس للرؤية الماركسية في وضعية الدين وبشريته، وتفسير "الوحي" بأنه انعكاس للمؤثرات المادية على دماغ ذلك الإنسان الذي يدعي بعد ذلك النبوة أو الرسالة بناءً على ذلك. فالدين – كما يفسره - ليس إلهي المصدر ولا وحي ولا نبوة ولا غيب في عقيدته البعثية، يمكن أن ينساب مع طبيعتها"[96].

ويقول عفلق في كتابه "في سبيل البعث": "يجب أن لا تنغلق القومية أو الدين ضمن إطارات من التحديد الضيّق، كما حاول علماء الكلام أن يفعلوا في العصور السابقة، لا سيما وأن القومية العربية ترفض بعث الأمور التي لم يعد لها جدوى من أمور الماضي"[97]. فهو كما تصرف في مفهوم "القومية" تصرف في مفهوم "الدين" ولعل القائد المؤسس بناءً على ذلك اختار أن يكنى "أبا محمد" فهو مسلم بمقتضى التفسير البعثي للإسلام.   

البعث والشريعة الإسلامية:

        إن حزب البعث يعارض آراء التقليدين والأصوليين معاً!! ولا يولي أهمية للشريعة الإسلامية في نظامه، ويرى أن تفسير الإسلام "أي من قبل العفلق" هو التفسير الصحيح، وأن نظرته إليه ترفض شيئاً اسمه "العقيدة أو الشريعة الإسلامية" كما يتجاهل النظم الإسلامية الأساسية كافةً، وكل ما بني عليها، والآراء المتعلقة بها، ويرى أن الإسلام ليس العامل الوحيد في تكوين أخلاق العرب الفردية، بل هو عامل من العوامل ذات الأثر السلبي– كما تقدم -  وعموماً فإن عفلق لا يأخذ من الإسلام أية فرائض أو نظماً أو سنناً اجتماعية، ويرجع سائر المزايا التاريخية في المحيط العربي إلى القومية حسب تفسيره لها وفي المحيط الإسلامي إلى تأثير العرب، بحيث لا تنتفي صفة العروبة عن غير المسلمين ولا يستطيع المسلمون الآخرون من غير العرب أن يدعوا لأنفسهم أية ميزة تجعلهم في مستوى العرب، فإن هم فعلوا، كانوا خونة لقيمهم الإسلامية.

        أما بالنسبة لرسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – فقد كتب القائد المؤسس كتيباً في ذكرى المولد مرة عنونه "ذكرى الرسول العربي" وفيه نزع عن رسول الله صفتي النبوة والرسالة، واعتبره زعيماً قومياً، وكان عهده تجسيداً لأمال العرب، وعلى كل عربي أن يجسد محمداً، وقد لخص عفلق رؤيته في النبوة والرسالة بذلك الشعار الذي لا يزال البعثيون يرفعونه باعتزاز "كان محمد  كل العرب، فليكن اليوم كل العرب محمداً"!!. 

        يتبين لنا من هذا العرض الوجيز أن مفهوم الأيديولوجية للبعث العربي الاشتراكي إنما هو مسألة قومية وأن هذه القومية – بمفهومها البعثي - هي العرق العربي ونقاؤه  ثم تخدم بقية عناصر المذهب البعثي هذا الغرض، ولكن نقاء العرق مسألة نسبية وظاهرية، وذلك يعني  عدم إمكانية التحقق العلمي من صدق نقاء عرق ما خاصة في بلد مثل العراق.

        إن الحزب بالرغم من ضجيجه العالي حول التنظير والفكر والمعرفة، والنظر الاستراتيجي لم يتعظ بما أعقب عناد الرئيس القائد وتهوره الأرعن في احتلال الكويت، ونسي سائر الدروس التي كان المفروض أن يأخذها منها، بل لم يستطع الحزب تحديد الحد الأدنى الذي لا يستطيع النزول عنه في مجالات التنازلات، فعرض التنازل عن كل شيء، إلا عن كرسيه لكسب الأمريكان، ولم يدرك أن ذلك لا جدوى منه. لقد قاد حزب البعث العراق والعرب إلى البوار والهلاك والدمار، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.      

        فهل يستطيع من أوتي مثقال ذرة من عقل أو حكمة أو دين أو رشاد أن يؤيد حزباً كهذا أو يربط مصير أية مجموعة بشرية به. وهل فقد "أهل السنة والجماعة" صوابهم ليؤيدوا نظاماً كالذي أقامه حزب البعث في العراق أو قيادة مثل قيادته؟ إنني أرى مجرد الظن بأن "أهل السنة" يمكن أن يفعلوا ذلك يمثل جهلاً بطبيعتهم وظلماً كبيراً لهم.

        إن صداماً وزمرته والملتفين حوله من البعثيين قد ظلموا العراقيين بشمولية عجيبة، ولم يعدلوا بينهم إلا في شيء واحد هو توزيع الظلم والاضطهاد على كل العراقيين بكل طوائفهم ومذاهبهم وقومياتهم وسائر انتماءاتهم. وقد ثبت من عرضنا لنشأتهم ومعتقداتهم، أنهم لا دين لهم ولا مذهب إلا دين حزب البعث ومذهبيته، لذلك لم يبالغ شاعرهم حين قال:

آمنت بالبعث رباً لا شريك له          وبالعروبة ديناً ما له ثاني          

بعد هذا العرض الموجز لمركز حزب البعث ومذهبيته، هل يمكن أن يدعي من له مسكة عقل أن هذا الحزب سني، وأن نظام الحكم الذي أقامه ملطخاً بكل الطرق المشبوهة هو نظام سني، وسيبرز بعد الشقة بين السنة وهذا الحزب اكثر حين نبين: 

مفهوم أهل السنة والجماعة:

        هذا المفهوم مركب من فرعين، ولكنهما من أهم وأخطر ما جرى تداوله من مفاهيم في علم الكلام والفرق والطبقات، وما إليها من المعارف الإسلامية وهما "أهل السنة" و"الجماعة". أما الأول "أهل السنة" فهو مركب من كلمتين "أهل" وهي مضاف و"السنة" وهي مضاف إليه. أما الأولى "أهل" فهي من "أهل الرجل" وهم كل من يجمعه وإياهم مسكن واحد، ثم تجوزوا فيه فقيل: على من يجمعهم وإياه نسب واحد. وتعارف جمهرة المسلمين على إطلاقه في أسرة النبي – صلى الله عليه وآله وسلم - فهم الذين يقال لهم "أهل البيت" مطلقاً في باب الفضائل. وفي باب الزكاة حصره جمهور الفقهاء في "بني هاشم وبني عبد المطلب". وفي باب الدعاء والصلاة على النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – جعلوه شاملاً لكل من آمن به ورضيه نبياً ورسولاً. وخصته الشيعة ب "أهل الكساء"[98] وخصه البعض بأزواجه فقط – صلى الله عليه وآله وسلم – نزولاً عند الذي يتبادر إلى الذهن عندما يقال "أهل الرجل" حيث يفهم منه زوجه وأسرته في الاستعمال العرفي. ولأن قوله تعالى (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)"الأحزاب:33" جاءت بعد بيان جملة من الأحكام الشرعية المتعلقة بأزواج النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – ولأن العرب تقول: "تأهل فلان" تريد: تزوج. وقوله تعالى لنوح عليه السلام حين سأل الله تعالى إنقاذ ولده من الطوفان (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ)"هود:46" فكأن لقب "أهل" يشتمل على الانتماء والتكافل المعنوي إضافة إلى صلة الدم والرحم. وقوله تعالى لنوح أيضاً أمراً إياه بمن يحمل معه في السفينة (وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ)"هود:40". وفي المعنويات أيضاً يقال "فلان أهل لكل خير". وإضافة أهل إلى السنة تعني أنهم صاروا للسنة النبوية من حيثيات مختلفة بمثابة "الأهل" للإنسان. وقال القرآن المجيد في التقوى (وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا)"الفتح:26" وقال تعالى (هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ)"المدثر:56".

        أما المضاف إليه "السنة" فهو مفهوم تعدد وتنوع استعماله في اللغة وفي الاصطلاح، ففي اللغة تطلق "السنة" على السيرة والطريقة حسنة كانت أو قبيحة. والسيرة والطريقة بمعنى في هذا الموضع. يقال: هذا في سير الأولين. كما يقال: هذا في طريقتهم. وهناك لفظ ثالث في هذا المجال يقترب منهما كثيراً وهو "المذهب" فالسيرة والطريقة والمذهب تكاد تتفق معانيها في هذا النوع من الاستعمال. وفي الحديث الشريف عن رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – أنه قال "من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها، ولا ينقص من أجورهم شيء. ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعمل بها بعده، كتب له من الوزر مثل وزر من عمل بها، ولا ينقص من أوزارهم شيء"[99] وهنا يراد بقوله: "من سن" من ابتدأ عملاً ودوام عليه، وخص بعضهم لفظ "السنة" بالطريقة المحمودة فقط ملاحظة للاستعمال العرفي "أهل السنة" الذي سنأتي إلى بيانه.

        أما في الاصطلاح فقد استعملت "السنة" في القرآن بالمعنى اللغوي نفسه "الطريقة" في نحو قوله تعالى (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)"النساء:26" فسنن الذين من قبلنا طرائقهم الحميدة بقرينة (لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ) وبيانه - جل شأنه – وهدايته تنصرف إلى المحمود دائماً. وترد "السنة" في القرآن كثيراً بمعنى القانون الكوني والقانون الاجتماعي (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا)"فاطر:43" أي طريقته الحكيمة وعادته في إرسال الرسل مبشرين ومنذرين لتقوم بهم الحجة على الناس في السنة الثابتة. وهي إنزال العذاب والهلاك على الذين كذبوا رسل الله وأنكروا ما جاءوا به. وقد لا حظنا في الحديث المتقدم استعمالها بمعنى "الطريقة" وفي هذه الآية جاءت بمعنى العادة، وفي كليهما نجد تلازماً مع معنى الدوام والاستمرار. وهناك معان أخرى كثيرة للسنة واصطلاحات متنوعة فيها للفقهاء والأصوليين والمحدثين وعلماء الكلام والفرق والمذاهب. وقد استوعب جلها شيخنا عبد الغني عبد الخالق– رحمه الله – في كتابه المطبوع "حجية السنة" وأخذت ما يزيد عن أربعين صفحة يستطيع الراغبون في معرفة المزيد الاطلاع عليه[100]. أما الذي يهمنا الوصول إليه – هنا – وتقريره – في هذا الصدد – فهو المعنى الذي تعارف الناس عليه عندما يطلقون قولهم "أهل السنة" فهذا الإطلاق برز لتمييز عامة المسلمين وجمهرتهم وسوادهم الأعظم عن الفرق التي نشأت بعد العقد الأول من وفاة الرسول – صلى الله عليه وآله وسلم – حين برز "القدرية" أولاً وهم "نفاة القدر" ثم قابلتهم "الجبرية" ثم تمخضت الفتنة الكبرى عن "الخوارج" ثم "المرجئة" فكان الناس إذا أردوا هذه الطوائف من المسلمين ذكروها بأسمائها. فإذا أردوا اِلإشارة إلى كل من عداهم قالوا: "أهل السنة" ليتمايز الناس فيكون هناك "أهل البدعة" على الناس أن يحذروا تقليدهم وتبني مقالاتهم ويبتعدوا عنهم، وينضموا إلى السواد الأعظم – الذين هم "أهل السنة". ولم تكن البدعة في بادئ الأمر تطلق على غير أهل القدر والاعتزال، فالتشيع كان قائماً، لكنه لم ينسب بادئ الأمر إلى البدعة، حتى ظهر "النواصب" وقابلهم الغلاة الذين أطلق عليهم "الروافض"، بعد معركتي الجمل وصفين بدأ البعض يستعملها في مقابلة هذين الاتجاهين للغلاة في مناصبة آل البيت وخاصة أمير المؤمنين علي – رضي الله عنه – العداء وسبه على المنابر، وقابل البعض ذلك بغلو مماثل في رفض جمهرة الصحابة عدا نفراً لا يتجاوز أصابع اليدين واتهام الصحابة عامة في دينهم، والتشكيك في سلامته، وصار الناس يدرجون هؤلاء مع القدرية والخوارج في مقابل "أهل السنة" وحين ساد الجهل ولم يعد الناس يدركون الفروق الدقيقة بين "النواصب" و "السنة" وبين "الرافضة" و"الشيعة" ساد ذلك العرف العامي الذي صار يطلق مفهوم "أهل السنة" في مقابل "الشيعة" لكن إطلاقه التاريخي ابتداءً كان في مواجهة القدرية والخوارج ثم المعتزلة.

        أما "الجماعة" فهي من الجمع، (فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا)"الكهف:99" وقال تعالى (يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ)"التغابن:9" ويوم الجمع هو المراد بقوله تعالى (ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ)"هود:103". و"جماعة" تقال للمجموع مثل جمع وجميع. فضم أناس متفاوتين إلى كيان أو رابطة يقال له "جمع وجمّاع" . وتطلق على جمع الإنسان وجمع الآراء والأفكار، وقد اجتمعا معاً في قوله تعالى (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ)"يونس:71" ومنه كذلك قوله تعالى (إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ)"آل عمران:173"  قيل جمعوا آرائهم وتدابيرهم وجندهم وقواهم. وسمي يوم "الجمعة" بالجمعة لاجتماع الناس فيه للصلاة، وكان في الجاهلية يسمى "يوم العروبة".

        ومنه كذلك "إجماع العلماء" دليل من الأدلة الأصولية، وفي السنة النبوية وردت أحاديث كثيرة في الأمر بشهود صلوات "الجمع والجماعات". كما وردت في أحاديث كثيرة تنهى عن الفرقة والاختلاف وتأمر بلزوم "الجماعة" عندها – أي عند الفرقة والاختلاف. لكن السنة النبوية نصت على أن "الجماعة" لا تكون "جماعة" حسب المفهوم الشرعي الذي قصدته فلا بد أن يكون لهم إمام. فاجتماع الناس وحده لا يكفي حتى يكون لهم إمام، فللجماعة عند المتكلمين دعامتان: الأولى:اجتماع الناس، والثانية: أن يكون هذا الاجتماع على إمام منهم يطبق الأحكام، ويجمع كلمة الأمة ويوحد بينها أو يؤلف بين قلوبها ويرعى مصالحها ويحمي بيضة الأمة. ومن الأحاديث التي استندوا إليها حديث حذيفة الذي رواه الجماعة كلهم وفي آخره أن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم قال له: "تلزم جماعة المسلمين وإمامهم" قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:"فاعتزل تلك الفرق – كلها – ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك"[101]. فلم يأمره بالتزام طاعة حزب من تلك الأحزاب أو طائفة أو أصحاب فرقة عوضاً عن الجماعة والإمام. والإمام عند متكلمي السنة: هو الرئيس المنتخب الذي تتوافر فيه شروط الإمامة التي عنوا بذكرها تفصيلاً في كتب العقائد والفقه.

        وما صار يعرف بكتب "السياسة الشرعية" التي نسب إلى ابن قتيبة منها كتاب "الإمامة والسياسة" ثم كتاب الماوردي "الأحكام السلطانية"، وكتاب أبي يعلي في "الأحكام السلطانية" وكتاب أبن الأزرق "طبائع الملك" وكتاب ابن تيمية في "السياسة الشرعية" ونحو ذلك[102].       

        وقد أشتد الخلاف بين فقهاء الشيعة وفقهاء الجمهور حول ما إذا كانت "الإمامة" منصباً دينياً يرتبط بالنص، لا باختيار الناس، أو هي منصب دنيوي يخضع لإرادة الناس واختيارهم، ولكنه يكتسب تمام شرعيته من التزامه بالشريعة وتطبيقه لها.

        وقد أضيفت "الجماعة" إلى المسلمين فقيل: "جماعة المسلمين". وحين رأى سبط رسول الله– صلى الله عليه وآله وسلم – الحسن بن علي – رضي الله عنه – الفرقة تعصف بالمسلمين وأن تشبث معاوية ابن أبي سفيان بالسلطة، وتذرعه بالاقتصاص من قتلة أمير المؤمنين عثمان – رضي الله عنه - لن يسمح بجمع كلمة الأمة اجتهد وقرر التنازل لمعاوية، على أن يعيد معاوية الأمر إلى الأمة من بعده. فسمي العام الذي تنازل فيه الحسن – رضي الله عنه - لمعاوية بذلك الشرط بـ "عام الجماعة" حيث أصلح الله بموقف السبط – رضي الله عنه – بين الطائفتين، وعادت كلمة الأمة به إلى الاجتماع من جديد.

من كل ما تقدم نستطيع أن نقرر بثقة أن تعبير "أهل السنة والجماعة" لم يكن متداولاً ولا معروفاً في القرون الخيرة الثلاثة، ولم يتحول إلى اسم علم على جماعة من المسلمين إلا في أواخر عهد الخليفة المتوكل، شأنه في ذلك شأن كثير من المصطلحات الطارئة لاحقاً عبر تاريخ الإسلام. ولم يكن استخدام هذا التعبير قديماً يشير إلى طائفة معينة من المسلمين؛ فالناظر في تراث المتقدمين لا يجد لهذا التعبير استخداماً في مداولاتهم وأدبياتهم الباقية، فكيف تم نحت وتطوير هذا المصطلح؟ وكيف تمت تعبئة هذا التعبير بالمعنى الذي أريد له؟ وكيف تم تكريس هذا المفهوم في إلزام الحجة ومساءلة الخارجين؟

أمة أم طائفة أم جماعة:

تجدر الإشارة – ابتداءً - إلى أن التعبير الذي قدّمه القرآن الكريم في وصف جماعة المسلمين هو (الأمة). و الأمة اسم مشتق من الجذر (أمّ) – وهو كما قال الخليل: كل شيء ضم إليه سائر ما يليه. ويطلق هذا التعبير – أيضاً- على كل ما كان أصلاً لوجود شيء أو تربيته أو إصلاحه أو مبدئه. و (الأمة) هي كل جماعة يجمعهم أمر ما؛ إما دين واحد، أو زمان واحد، أو مكان واحد – سواء كان ذلك الأمر الجامع تسخيرا أو اختيارًا[103]. قال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)"آل عمران:110" وعلى ذلك مضت سنة الأولين إلى أن بدأ ظهور الفرق المختلفة إثر نشوب النزاعات السياسية والاختلافات الفكرية بين أبناء الأمة فبدأت الألسنة والأدبيات تتداول أسماء الفرق كالخوارج والشيعة والمعتزلة والصفاتية وأهل الرأي وأهل الحديث وسواها مما استفاض في كتب الملل والنحل والفرق والمذاهب تسمية لكل منها بأهم المقالات التي اشتهرت بها، أو بموقف الجمهور منها نتيجة لتلك المقالات.

إن الناظر في ركام هذه الفرق في كتب المتقدمين لا يجد لمصطلح (أهل السنة والجماعة) موقعاً، غير أنه يمكن تلمّس أثر بعض المعاني الداخلة في تشكيل هذا المفهوم وتحسس جذورها من خلال النظر في الأسماء والمنطلقات الفكرية عند مجموعة من الفرق. ومن ذلك – على سبيل المثال– استخدام الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز (101هـ) تعبير (أهل السنة) [هكذا من دون لفظ (الجماعة)] في رسالته التي ردّ فيها على القدرية والمعتزلة عندما قال: "وقد علمتم أهل السنة كانوا يقولون:الاعتصام بالسنة نجاة، وسينقص العلم نقصاً"[104]. والظاهر من تصرفات المتقدمين في كتاباتهم استخدام تعبير (أهل السنة) للإشارة إلى الفرق بين أصحاب الحديث وأصحاب الرأي، ويضاف إلى ذلك بيان الفروق بين فرق الصفاتية. فهم بصنيعهم هذا يستثنون القدرية والخوارج والمعتزلة والمرجئة والشيعة. ولا زال إطـلاق هذا التعبير في ذلك الإطار إلى أن انحاز الإمـام أبو الحسن الأشعري (324 هـ) إلى صفوف (أهل السنة) من السلف ونصر مذهبهم على قاعدة كلامية، وفارق الاعتزال، فصار مذهبه مذهباً منفرداً[105]. وقد نال الأشعري لذلك منزلة عظيمة، وصار له أنصار كثيرون يؤيدون مذهبه رداً على المعتزلة بعد أن كانت حملتهم على الفقهاء والمحدثين قد بلغت مداها فيما عُرف تاريخياً بمسألة (خلق القرآن)[106]، حتى إذا استخلف المتوكل أبعد المعتزلة من حظوة الملك، وفتح الأبواب لخصومهم. وبذلك لقي الأشعري من الحكام تأييداً ونصرة؛ فردّ على المعتزلة، وبث أنصاره في الأقاليم يحاربون خصوم الجماعة ومخالفيها، ولقّبه أكثر علماء عصره بـ (إمام أهل السنة والجماعة)[107] وقرّر طريقته الكلامية جماعة من المحققين مثل: القاضي أبي بكر الباقلاني (403هـ) والأستاذ أبي إسحاق الإسفرائيني (418هـ) والأستاذ أبي بكر بن فورك (406هـ) وإمام الحرمين الجويني (478هـ) وسموا رأيه بمذهب (أهل السنة والجماعة)[108]. وابتداء من تلك المرحلة بدأ مصطلح (أهل السنة والجماعة) ينتشر بين العامة والخاصة، ويأخذ صفة اللقب لجماعة من الأمة محددة وموصوفة. عامة وظهر بوضوح الفرق بينهم وبين غيرهم في مجموعة من كتب العقائد والفرق، منها كتاب (الفَرق بين الفِرق) لأبي منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي الإسفرائيني (429هـ) حيث أفرد الباب الخامس من كتابه لذكر أوصاف ما سماه بـ "الفرقة الناجية" والتي قصد بها "أهل السنة والجماعة"، وعنون للفصل الأول من الباب بـ (بيان أصناف أهل السنة والجماعة)، وتكرر استخدامه لهذا التعبير بشكل يدل على إرادته لذاته. ولتحديد المراد بهذا اللقب بدقة ذكر أن أهل السنة والجماعة ثمانية أصناف من الناس:

1- صنف أحاطوا علما بأبواب التوحيد والنبوة، وأحكام الوعد والوعيد، والثواب والعقاب، وشروط الاجتهاد، والإمامة والزعامة، وسلكوا في هذا النوع من العلم طُرق الصفاتية من المتكلمين الذي تبرءوا من التشبيه والتعطيل، ومن بدع الرافضة والخوارج والجهمية والنجارية وسائر أهل الأهواء الضالة.

2- الصنف الثاني منهم: أئمة الفقه من فريقي أهل الرأي وأهل الحديث من الذين اعتقدوا في أصول الدين مذاهب الصفاتية في الله وفي صفاته الأزلية وتبرءوا من القدر والاعتزال... ويدخل في هذه الجماعة أصحاب مالك والشافعي والأوزاعي والثوري وأبي حنيفة وابن أبي ليلى وأصحاب أبي ثور وأصحاب أحمد وأهل الظاهر وسائر الفقهاء الذين اعتقدوا في الأبواب العقلية أصولَ الصفاتية، ولم يخلطوا فقههم بشيء من بدع أهل الأهواء.

3- الصنف الثالث منهم: هم الذين أحاطوا علماً بطرق الأخبار والسنن المأثورة عن النبي عليه السلام، وميّزوا بين الصحيح والسقيم منه، وعرفوا أسباب الجرح والتعديل، ولم يخلطوا علمهم بذلك بشيء من بدع أهل الأهواء الضالة.

4- والصنف الرابع منهم: قوم أحاطوا علما بأكثر أبواب الأدب والنحو والتصريف، وجروا على سَمت أئمة اللغة كالخليل وأبي عمرو بن العلاء وسيبويه والفراء والأخفش والأصمعي والمازني وأبي عبيد وسائر أئمة النحو من الكوفيين والبصريين، الذين لم يخلطوا علمهم بذلك بشيء من بدع القدرية أو الرافضة أو الخوارج. ومن مال منهم إلى شيء من الأهواء الضالة لم يكن من أهل السنة، ولا كان قوله حجة في اللغة والنحو.

5- والصنف الخامس منهم: هم الذين أحاطوا علما بوجوه قراءات القرآن، وبوجوه تفسير آيات القرآن وتأويلها على وفق مذاهب أهل السنة دون تأويلات أهل الأهواء الضالة.

6- والصنف السادس منهم: الزّهّاد الصوفية الذين أبصروا فأقصروا، واختبروا فاعتبروا،... وجرى كلامهم في طريقي العبارة والإشارة على سمت أهل الحديث دون من يشتري لهو الحديث...

7- والصنف السابع منهم: قوم مرابطون في ثغور المسلمين في وجوه الكفرة، يجاهدون أعداء المسلمين، ويحمون حمى المسلمين، يذبّون عن حريمهم وديارهم، ويظهرون في ثغورهم مذاهب أهل السنة والجماعة...

8- والصنف الثامن منهم: عامة البلدان التي غلب فيها شعار أهل السنة دون عامة البقاع التي ظهر فيها شعار أهل الأهواء الضالة.وإنما أردنا بهذا الصنف من العامة الذين اعتقدوا تصويب مقالات علماء السنة والجماعة في أبواب العدل والتوحيد، والوعد والوعيد، ورجعوا إليهم في معالم دينهم، وقلّدوهم في فروع الحلال والحرام، ولم يعتقدوا شيئا من بدع أهل الأهواء الضالة، وهؤلاء الذين سمّتهم الصوفية (حشو الجنة)[109].

تابعه على منهجه – بعد ذلك- أبو المظفر طاهر بن محمد الإسفرائيني (471هـ) في كتابه الموسوم بـ (التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين) وذكر فيما ذكر من طرق تحقيق النجاة "لأهل السنة والجماعة" في العاقبة أنهم حريصون أكثر من غيرهم على متابعة أخبار الرسول – صلى الله عليه وآله وسلم- وسننه، ولهذا سمّوا (أصحاب الحديث)، وسمّوا (أهل السنة والجماعة)، واحتج لرأيه بالحديث الوارد في "الفرقة الناجية" والذي جاء فيه لفظ (الجماعة)[110]. ونص الحديث هو:"عن معاوية بن أبي سفيان أنه قام فينا فقال: ألا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فينا فقال: ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين؛ ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة - وهي الجماعة"[111] والجماعة هي السواد الأعظم من أمة الإسلام – حسب اصطلاح الفقهاء.

كما أن لفظ "الجماعة" قد جاء في أحاديث أخرى هي (يد الله مع الجماعة، ولا نبالي بشذوذ من شذ..) و قوله (من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام عن عنقه" وقوله (من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة مات ميتة جاهلية) وقوله (ثلاث لا يغل عليهم قلب المؤمن: إخلاص العمل لله تعالى، والنصح لأئمة المسلمين، ولزوم الجماعة، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم) وقوله "من سره أن يسكن بحبوحة الجنة فليزم الجماعة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد). وقد أخرج الترمذي عن ابن عمر قال: خطبنا عمر بالجابية فقال: يا أيها الناس إني قمت فيكم كمقام رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم فينا فقال: "أوصيكم بأصحابي ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب حتى يحلف الرجل ولا يستحلف، ويشهد الشاهد ولا يستشهد، إلا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان، عليكم بالجماعة، وأياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الأثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنة فليزم الجماعة"[112].  

من ذلك – كله - نستخلص أن مصطلح (أهل السنة) تم تداوله والتعبير به قديماً في مقابل مخالفيهم الذين أطلقوا عليهم (أهل البدعة) وهم الذين تكلموا في مسائل الصفات والقدر وحكم مرتكب الكبيرة وغيرها. ثم اتسع هذا المصطلح ليشمل (أهل الحديث) و (أهل الرأي) من الفقهاء والمحدثين ومن سار على نهج السلف في إثبات العقائد. ثم انفتح المصطلح والمفهوم – كلاهما- بعد انتصار مذهب الأشاعرة ومن سار سيرهم ليقف في مواجهة كافة الفرق الأخرى، وبعد ذلك تم تكريس مصطلح (أهل السنة والجماعة) للتعبير عن "الفرقة الناجية" وحدها واستبعاد ما سواها من حظيرة النجاة، فتعمقت الهوة واتسعت الفجوة بين الفِرق بعد أن كان الاختلاف قديماً لا يفسد للودّ قضية – كما يقال -!! لكنه مزق وحدة الأمة هذه المرة، وعرضها للانهيار عدة مرات ليس آخرها هذا الانهيار الخطير الذي نعانيه.

الأمة والافتئات عليها:

عودة إلى الخلاف بين الشيعة والسنة:

إنّ هناك – أمة مسلمة – تم تشكيلها بوحي إلهي ومنهج قراني حتى غدت خير أمة أخرجها الله – تبارك وتعالى – للبشرية نموذجاً ومثالاً تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتؤمن بالله. وعلى هذا الوحي بنت قيمها العليا الحاكمة وهي "التوحيد، التزكية، العمران" ثم مقاصدها الشرعية بمستوياتها المتعددة من ضروريات و حاجيات وتحسينيات تستند – كلها – إلى دعائم الوفاء بالعقود، وحفظ العهود، والقيام بالعدل، وتحقيق القسط، وأداء الأمانات إلى أهلها، والتسوية بين الناس، والقيام بواجب الاستخلاف، وعلى هذه الدعائم استطاعت أن تؤسس حضارة عدّها مؤرخو الحضارات أهم حضارة شهدتها الأرض من حيث إنسانيتها وانفتاح نسقها، وتجاوز حالات الغرور والاستعلاء الذاتي أو العلو في الأرض، والتمهيد لعالمية تقوم على قيم الهدى والحق، والعدل، تنظر للإنسانية – كلها – على أنها أسرة واحدة ممتدة انحدرت – كلها – من أبوين خلق الله تبارك وتعالى منهما كل البشر. وأن تكوينه – جل وعلا – البشر شعوباً وقبائل ذات ألوان مختلفة، ومواقع جغرافية متباينة، ولغات وألسن متعددة إنما كان ذلك – كله – لتحقيق التعارف والتآلف ثم التعاون على إعمار هذه الأرض وإقامة الحق والعدل فيها ونشر الخير في أقطارها، وتجنبيها كل عوامل الفساد والاضطراب وسفك الدماء، فتلك مهمة هذا النوع البشري، ومن أجلها اسُتخلف في الأرض، وتلك هي الأمانة التي أؤتمن عليها وبها.

ولقد أوضحت الرؤية الكلية لهذه الأمة أن مهمة البشرية – كلها – هي مهمة واحدة هي "الاستخلاف" في هذه الأرض (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)"البقرة:30" وحمل الأمانة فيها (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا)"الأحزاب:72" فالإنسان المستخلف هو المؤتمن بما منحه الله من عقل وطاقات وحرية واختيار على كل ما في الأرض وما عليها من موجودات بالإضافة إلى الأرض نفسها (هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنْ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا)"هود:61" فالإنسان في رؤية الإسلام الكلية هو المسئول عن حماية كل ما في الكون، ووضعه باتجاه الغاية التي خلق الحق الخلق من أجلها، ثم قيادة قافلة التسبيح للحق تبارك وتعالى. تلك القافلة التي تنظم كل مخلوق (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ)"الأنعام:38" (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ)"الإسراء:44".

وقد قامت هذه الأمة بأمر الله وعليه فترة من الزمن، وأقامت العمران الإسلامي على ذلك، ثم طال عليها الأمد وأصابها ما أصاب الأحياء كلها (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ)"آل عمران:140" فتراجعت حضارتها، ولم تواصل مسيرتها المتقدمة تلك، فلم تستطع بعد ذلك المحافظة على وحدتها، ولا البقاء في موقع "الخيرية" الذي احتلته، ولا الاستمرار في موقع الوسطية الذي اختيرت له، ولا المحافظة على منصب الشهادة الذي انتدبت له: فخسر العالم بذلك خسارة كبرى لم تستطع البشرية تعويضها حتى اليوم، فقد خسرت البشرية بتراجع "أمة الإسلام" الشاهد عليها الذي يمكن أن يحسم بحضوره وشهادته ما يقع بين البشرية من خصومات واختلافات ويمنع ما يمكن أن يقع فيها من بغي وظلم وعدوان، ويريها الحق حقاً لتتبعه، ويريها الباطل باطلاً لتجتنبه، ولقد خسرت بتراجعها الشاهد الذي يقوم على حماية القيم، وحراسة الأخلاق والشيم والمحافظة على تراث النبيين، وعلوم المرسلين فيبين للناس ما نزل إليهم، والذي هم فيه يختلفون.

كما خسرت البشرية بتراجع "أمة الإسلام" النموذج الحي الذي يمكن أن تقتدي به، وتهتدي به سائر الأمم، لتقوم كونية البشرية، وعالميتها حين تقوم على قيم الحق والهدى والنور والتوحيد والتزكية والعمران، لا على مقاييس الاستكبار والاستعلاء في الأرض والاستعمار الذي يمارسه القادرون ضد المستضعفين فيضلونهم عن السبيل بقيم زائفة موهومة، وخرافات سموها زوراً وبهتاناً "نبوءات" وأضغاث أحلام نعتوها بأنها "إلهامات" وموروثات وثنية "هلينية وإغريقية ورومانية" اعتبروها أعلى ما وصلته البشرية، وأهم ما أنجزته الإنسانية!! أما تراث الأنبياء والمرسلين فهو عندهم ميدان للتسلية وتجنيد العامة، واستنزاف أموالهم وطاقاتهم، وأشغالهم بالذي هو أدنى في نظرهم. تلك بعض ما خسرته البشرية بتراجع "أمة الإسلام".

إن البشرية قد فقدت منذ ذلك الحين القطب الهادي في ظلمات البر والبحر، والشاهد الأمين، والهادي والرائد الصادق الأمين. أما خسارة "أمة الإسلام" لنفسها وفي نفسها فهو أمر يجل عن الوصف ولو سودت فيه آلاف الصفحات لما بلغت منه نصيفه أو ثلثه، فمن يسهل عليه وصف ما حدث في هذه الأمة من فتن وبدع وانحرافات أدت إلى تفريطها بتراث النبيين والمرسلين الذي جدده محمد بن عبد الله – صلى الله عليه وآله سلم – وأورثه هذه الأمة (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ)"فاطر: 32".

وإذا كان الله قد ضرب لبني إسرائيل مثلاً في قوله تعالى (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)"الجمعة:5" فإن المسلمين للأسف الشديد قد حملوا القرآن ثم لم يحملوه إلا فترة من الزمن ثم سارعوا إلى هجره وتخلوا عن حمله، وتدبره وتعقله وتفهمه والتفكر فيه وترتيله وتلاوته حق تلاوته، فذلك شأن اختص به عصر رسول الله – صلى اله عليه وآله وسلم – حيث كانت آيات الكتاب تنزل على قلب رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – وهو يبلغ ما أنزل إليه، ويجمع أصحابه على آياته ويبينها لهم قولاً وفعلاً وتقريراً ويحولها إلى سلوك عملي وممارسة حياتية يحيون بها، ويعيشون عليها. فأي مثل يمكن أن يضرب لأولئك الذين حملوا القرآن؟ وأين التوراة من القرآن الحامل لتراث النبيين كافة، والنازل ليكون هدى للبشرية كافةً في سائر عصورها وكل أماكنها؟.

إن المثل الذي ضرب لبني إسرائيل أقل بكثير مما تستحق هذه الأمة أن يضرب لها مثلاً؟ فقد حملت هذه الأمة القرآن ثم لم تحمله، وتجاوزته إلى ما ظنت – واهمة- أنه أيسر منه وأسهل، وأبعد عن الإجمال والاحتمال والإطلاق والتعميم. كما أن غيره يكون الخطأ في فهم دلالته، والمراد به خطبه أقل خطراً، وأبعد عن المسؤولية. أما الخطأ فيه فخطبه أخطر واكبر، ومهما كانت تلك التعلاّت فإنه ما من سبب أو تعلة يمكن أن يقبل لتسويغ هجر كتاب الله – تعالى – أو إهماله، أو اتخاذه عضين، أو مجرد شواهد مؤيدة لما يذهب إليه الفهم البشري سواء أكان فهم مجتهد أم مقلد.

الفصام بين الأمة ومصدر هدايتها:

في منتصف القرن التاسع عشر بدأت الحركات الإصلاحية تفكر في مدي إمكان استعارة بعض البرامج والوسائل الإصلاحية من أمم أخرى فكان ذلك مؤشراً إلى بداية حال الفصام بين الأمة المسلمة، ومصادر تكوينها التاريخي وبنائها، واستمرت الفجوة تتسع حتى بلغت مداها، عندما بدأت مرحلة استيراد الحلول والأفكار، بل والمبادئ والنظريات، وربما العقائد والمذهبيات من الحضارات والأمم الأخرى، وبدأت تتغير الرؤية الكلية والقواعد العقيدية، والمبادئ الأساسية، وأضفيت ثياب الشرعية على ما أستعير من أمور لم يكن من السهل أن تكتسب الشرعية، ولا الفاعلية المرتقبة. فأدى ذلك إلى استمرار حالات الفشل والتراجع. وجاءت محاولات "التحديث والتنمية" لتجد أوضاعاً غير مهيئة بشكل طبيعي للتحول فقامت دول قومية وإقليمية بشكل عشوائي وغير طبيعي فاقتسم تاريخ الأمة ومواقعها الجغرافية وتراثها بشكل قسري عشوائي، وعمليات جراحية فاشلة فتهدمت بناها التحيتة، والروابط الدينية وتم استبدالها بالروابط الحزبية والمؤسسات العسكرية فصارت محاولات الإصلاح والنهوض تبدو وكأنها مفتعلة منبتة لا تزداد حالة الأمة عليها إلا سواءً، ولا يزداد أبناؤها إلا تفرقاً وانقساماً وانشطاراً، وهنا صارت عمليات "الافتئات" على الأمة ظاهرة طبيعية يمارسها الكثيرون. فالأمة لم يعد لها وجود بوصفها "أمة" بل أرزت إلى ضمائر أفراد قلائل وفئات يسيرة من أولئك الأوفياء لتاريخ الأمة وتراثها الحريصين على إعادة بنائها، وجمع كلمتها، والنهوض بها، ومواجهة التحديات التي أدت إلى تراجعها أملاً في وضعها على سبيل النهوض ثانية، لكن حجم التحديات واستبسال الأزمات كانا على الدوام يحولان دون تحقيق تلك الآمال بحيث يتحول ذلك إلى نوع من الإحباط. ثم جاءت، موجات الدكتوتاريات العسكرية التي أدت إلى مزيد من التمزيق والتفرق والإحباط والتفكيك، فتنوعت عمليات "الافتئات" على الأمة ما بين افتئات النظم المستبدة التي استدرجت الأمة إلى العديد من المهالك. وافتئات التنظيمات والفئات والأحزاب المنبتة المنفصلة عن جسم الأمة التي فرقت كلمتها، وأوجدت كثيراً من عوامل التمزق والصراع والنزاع بين فصائلها، وكثيراً ما تنصب نفسها ناطقاً باسم الأمة وممثلاً شرعياً لها رغم أنفها.

وهكذا وجدت بقايا الأمة نفسها في حالة ضياع نستطيع أن نجزم بأنها لم تمر بها من قبل. ففي الحروب الصليبية كانت ما تزال أمة، واختلافات الساسة والقادة وصراعاتهم مع كل ما لها من سلبيات، لم تستطع اقتلاع مفهوم الأمة، فقد بقي حياً في ضمائر السواد الأعظم وفي وعي الجماهير، وعقول علماء الأمة وزهادها وعبادها وجمهرة فصائل أبنائها، وما من شك بأن غزوات الصليبيين كانت تستهدف استئصال المسلمين واستيطان ديارهم والقضاء على وحدة أمتهم ومقوماتها.

وكذلك غزو المغول التتار كان غزواً ساحقاً مدمراً كاد يهلك الحرث والنسل، ونال من الأمة نيلاً عظيماً لم يقتصر على هزيمتها عسكرياً وسياسياً، بل أحدث تدميراً وخراباً نفسياً هائلاً. وفي كلا النوعين من الغزو وجد الغزاة بعض المنافقين والمنهزمين نفسياً يتعاونون معهم، ويدلونهم على عورات أمتهم، لكن ذلك – كله – لم يقض على مفهوم الأمة في ضمائر المؤمنين، ولم يغير خصائصها، فبقيت جسداً واحداً، وإن كانت في حالة مرض واعتلال.

إن الباحث في التاريخ على المستوى الفردي قد يجد بعض النماذج المماثلة لبعض النماذج الساقطة تاريخياً، لكن من الصعب جداً أن يجد أعداداً كبيرة أو طوائف، أو أحزاباً أو أقاليم أو فئات تنزع منها قيمها، ويدمر ولاؤها لأمتها، وتتنازل عن كرامتها، وتبيع الغالي والنفيس بدون ثمن أو بثمن بخس من كرسي بلا قوائم، أو لقب بلا معنى، أو وظيفة بلا مضمون ..أو ....أو ... ثم تستورد من القيم ما لا قيمة له، ومن النظم ما هو تخريب أو التخريب المحدد أهون منه، وتتحالف مع العدو وتخضع له، وتجفو الأخ والقريب، وتتنكر له، وتهدر كرامة الوطن، وتنتهك حرمة المواطن حتى يستهين به الجميع، ويحتقره العموم، وترهن الموارد عند أعتى المرابين ليستولى عليها، وتستخسر في الأهل أي جزء منها. هذه النماذج مما ذكرنا لم تشهدها ساحات المسلمين إلا بعد أن أنكرت نفسها، وتنكرت لهويتها، وفرطت في وحدتها، وأساءت فهم دينها، وفرقت دينها، وصارت شيعاً وطوائف، فلم يعد القرآن ولا رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – منها في شيء. نسيت الله فنسيها، وتجاهلت دينه فأنكرها. فآلت إلى ما آلت إليه من تشرذم وتشتت وفرقة وهوان، فقدت عامتها فاعليتها، وفقدت نظمها شرعيتها. فهل يستغرب أن تستباح ديارها، ويذل إنسانها، وتنتهك حرماتها بشكل لا مثيل له في تاريخها ولا تاريخ غيرها. أتدرون ما سبب ذلك؟

إن سبب ذلك أنها تخلت عن التوحيد، وتنكرت للوحدة، وأقبلت على العدو وتنكرت للأهل ففقدت القدرة على التأليف بين قلوبها. وإذ فقدت ذلك انهار البناء بعدها لبنة بعد أخرى حتى بلغنا هذا الحال.

لقد تركنا رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، وحذرنا وأنذرنا – وهو البشير النذير – أن لا نزيغ عنها، إذ لا يزيغ عنها إلا هالك، فما الذي كان منا؟ بدأنا الزيغ عنها قبل أن يبلى كفن رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – وتواصل الانحراف، ولم تتوقف الانحرافات، كما لم تتوقف محاولات التجديد والإصلاح، ويبدو أن عوامل الهدم كانت أقوى من محاولات إعادة البناء، فوجدنا أنفسنا – الآن – في مطلع القرن الخامس عشر الهجري (الحادي والعشرين الميلادي) أذل من على وجه الأرض تحتل روسيا أفغانستان، فلا تخرج منها إلا بمساعدة الأمريكان. ثم يتقاتل المجاهدون!! حتى كاد بعضهم يفني بعضاً، وتحولت حواضر أفغانستان إلى خراب، لأن الأمريكان يعرفون أنهم قدموا للمجاهدين أسلحة لابد أن تحطم قبل دخولهم فاتحين فتزعج عساكرهم، واستمر قتال العبيد حتى دخول السيد، وصارت البلاد التي شهدت تلك الصراعات العجيبة بين السنة والشيعة والصوفية والسلفية والشمال والجنوب والطلاب والمشايخ، نموذجاً لأولئك الذين يخربون بيوتهم بأيديهم، فلم تلبث البلاد أن أثخنت بالجراح، وقارب الجميع حالة التفاني، وفني السلاح الذي أدخلته إليهم أمريكا لهزيمة روسيا، ثم دخلت أمريكا لتحمي تماثيل بوذا، ولتحمي نساء ورجال أفغانستان من تطبيقات شرعية تنتهك حقوق الإنسان!! وحين شعرت بأن من المفيد أن تضع واجهة أفغانية أتت ببعض الأفغان الذين يحملون الجنسية الأمريكية من أولئك الذين خدموا أبان الجهاد!! ونصحتهم ببيع مطاعمهم في بوسطن ومريلاند أو التنازل عنها أو تأجيرها لأن لهم دوراً أهم من إدارة مطعم يقدم الطعام الأفغاني الرخيص واللذيذ للأمريكان!! فإذا بـ "اللوياجركا" ثم الحكومة المؤقتة ... ثم ...ثم... وأخرج العم سام لسانه للروس ليقول لهم: هل فهمتم كيف يكون العمل؟.

ولا نريد أن نتحدث عن الصومال ولا عن غيرها، فالدائرة الساخنة – الآن – هي الساحة العراقية، وهي ساحة لنا بها شيء من الخبرة. وهنا لابد أن أؤكد على القارئ ضرورة الرجوع إلى القسم الأول من هذه الدراسة لأن فيه تقدمة هامة وتوطئة لا يستغنى عنها لما نحن بصدده، فقد عالجنا فيه موضوع السنة والشيعة، وألمحنا بقدر كافٍ إلى الصراعات الطائفية بين السلاجقة الأتراك، وهم من المنسوبين إلى السنة. والبويهيين الديلم وهم من المنسوبين إلى الشيعة. ثم الصراع الذي لم يكن أقل من صراع السلاجقة والبويهيين، وهو الصراع بين العثمانيين والصفويين. وأوضحنا كيف شاب ذلك الصراع التاريخ العراقي كله، وتوارثت الأجيال عبر تاريخ العراق تلك التركة الثقيلة، ولم تستطع الأحزاب ولا الجماعات ولا المرجعيات دينية كانت أو علمانية إنقاذ الأجيال الطالعة المسكينة، ولم تستطع الفكاك منها حتى يومنا هذا نتيجة تلك الصراعات التي تطاولت واستمرت قروناً كثيرة من غير أن تجد من يقوم بتفكيك التراث المريض الذي جعلها لا تخرج من أزمة إلا لتدخل في أخطر منها.

إن هذا التراث الطائفي في حاجة إلى جامعات ومراكز بحوث تكرس كل جهودها للتخلص من آثاره وإعادة بناء النفسية المسلمة والعراقية خاصة، ومن المؤسف أن العكس من ذلك قد حدث فقامت الطائفية السياسية بإعادة بنائه وتجديده حتى آلت الأمور إلى جاهل مغرور مثل "صدام حسين" وزمرته، الذين سرعان ما أغروا بشن حرب على إيران شملت العراقيين ذوي الجذور الإيرانية ليحي التراث الطائفي الموروث – كله – وليعيد إنتاجه بلغة معاصرة، وليضيف إليه. لأن الرجل قد بنيت عقليته وفقاً لفلسفة عفلق التي تقوم على "النقاء العرقي" فالإيمان بالنقاء العرقي قاد هؤلاء إلى تهجير عراقيين لمجرد أن لهم أصولاً إيرانية بقطع النظر عن أن تكون هذه الأصول قريبة أو بعيدة، وفي ذات الوقت يدعون للعودة إلى العراق صهاينة هاجروا إلى الدولة العبرية أول تأسيسها، وخاضوا سائر حروبها ضد العرب!! فتأمل. لقد بقي أهل السنة من عهد المتوكل حتى اليوم يؤمنون أنهم "الفرقة الناجية" وكل الفرق الأخرى في النار. وبقي الشيعة من عهد الإمام علي – كرم الله وجهه ورضي الله عنه– حتى اليوم يرون أن جميع الفرق هالكة وهي في النار إلا هم، فهم "الفرقة الناجية" وإلى مثل ذلك ذهبت الفرق الأخرى، فما من فرقة إلا وترى أنها "الناجية" وأنها على ما عليه رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – وآل بيته، وكل ما عداها هالك. وتكونت ثقافة مريضة واسعة راسخة حول هذا المفهوم فرقة ناجية والجميع هالك، فرقة على الحق والكل على الباطل، فرقة تملك الحقائق– كلها – وفرق ليس لها إلا الباطل، فرقة في الجنة وسائر الفرق في السعير، وقد غرست هذه الثقافة في نفوس العامة حتى تحولت إلى جزء هام من الدين، والممارسات الدينية اليومية، وكرسها تراث كلامي وفقهي كثير ولسان مقال أو حال الجميع يقول: "من لا يؤمن بكفر مخالفينا فهو منهم" فماذا يمكن أن يتبقى من مفهوم الأمة وقد بلغت هذا المستوى؟.

إن العالم – كله – ومنه الأمريكان، بمن فيهم أسر المعذبين الجناة في سجون العراق قد استنكروا بكل ما أوتوا من طاقات للاستنكار والشجب والرفض والاحتقار، وأعلنت أسر بعض الجلادين الأمريكان تبرئها مما فعل أبناؤها، ولم يهونّ من شأن ما حدث في السجون العراقية إلا العراقيون من بعض المعارضين للنظام السابق الذين هانت عليهم أنفسهم، وهانت عليهم سائر القيم العراقية والعربية والإسلامية بل والإنسانية، فهرعوا يواسون الجناة، ويخففون عنهم، فذكرونا بذلك الذي ذهب إلى قاتل شعر بشيء من ندم على ارتكابه جريمة قتل، فإذا بذلك "المرقع" يقول للقاتل: "لا ينبغي لك أن تتأسى وتأسف لقتله فإنه قد اعتدى على جنابكم، حيث لطخت دماؤه النجسة عند قتله ثيابكم الطاهرة"!!.

ولقد قال عراقيون كثيرون ما هو أشد كثيراً من ذلك، ومنهم مسؤولون كان عليهم أن يتواروا خجلاً، لا عن الساحة السياسية الحقيرة فحسب، بل عن ساحة الحياة نفسها، ولكن "اللي أختشوا ماتوا".

لقد قال أحد أولئك المتهاونين في أعراضهم في إحدى الفضائيات "لا تعظموا هذا فإن ما كان يحدث في السجون في عهد صدام لا يقل كثيراً عما حدث في عهد الأمريكان.. وعملائهم، فلماذا قبل من العراقيين ويرفض من الأمريكان؟" وزاد على ذلك: "إن التعذيب لم يشمل سائر السجناء، بل هي حالات معدودة".أي تعليق يمكن أن يقال في مقابل هذه القذارة، وأي تحليل يمكن أن يفسر لنا أو يفكك عقد هذه النفوس،لكنني أقول: "ويل للعراقيين وللعرب" من الشرور القادمة على أيدي أمثال هؤلاء.

وقال آخر في فضائية أخرى يدعى الانتماء إلى فئة إسلامية كان لها في الساحة العراقية شيء من رصيد: "جاءني رجل دين، فقال: إن في سجن أبو غريب خمسين ومائتين من العراقيات يعذبن ويغتصبن من الجنود الأمريكان" يقول الأستاذ الداعية المسؤول لمقدم البرنامج "أنت تعلم أنني عربي مسلم حين سمعت هذا الكلام طلع الدم إلى رأسي، فذهبت إلى السجن بنفسي فلم أجد أكثر من سبع نساء ثلاثة منهن كن يتسترن على إرهابيين وأربعة ذوات جرائم عادية..."، وبعد أيام صرح نفسه بأنه لا يستطيع دخول سجن أبو غريب أو غيره أي عضو من أعضاء مجلس الحكم أو الحكومة!!.

أراد المناضل أن يبين ما يعتبره مبالغة وتضخيماً لما لا يستحق المبالغة!! ونسي الدكتور الداعية المناضل العائد من المنفى قوله تعالى (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا)"المائدة:32".

إن العبرة في الجرائم ليست بضخامة عدد من وقعت عليه الجريمة، بل بالجريمة ذاتها، صحيح إن للقاضي أن يلاحظ الظروف المشددة والمخففة، ولكن العقاب يناط بالجريمة ذاتها فاغتصاب امرأة واحدة مثل اغتصاب نساء العالم – كلهن – ذلك لأن المغتصب لم يغتصبها لذاتها، أو لكونها سنية أو شيعية عربية أو كردية أو تركمانية بل لأنها امرأة، ولذلك فإن جريمته تعد جريمة فرد تجاه جنس أو نوع.

ولقد قال غيرهم من المنافقين مثل قولهم أشد قليلاً أو ألين قليلاً، وما سمعت أقوالاً تهون من شأن تلك الجريمة من أحد في العالم – كله – مثل الذي سمعته من بعض أولئك الذين باعوا للشيطان نفوسهم من العراقيين، يليهم بعض الحكام ورجال الإعلام من حملة نفسية العبيد من العرب.

تفكك مفهوم الأمة وضرورة المراجعة:

ولا تهمني هوية المتقبل لتلك الجرائم بقدر ما يهمني بيان كيف تحطم مفهوم "الأمة" وتم تفكيكه لصالح دعاة الطائفية السياسية والحزبية، والمصالح والولاءات الضيقة بحيث لم يعد عند أي من هؤلاء أي ولاء للأمة أو للملة، وذلك ليعلم من بقي من أبناء الأمة أننا في حاجة ماسة، بل في حالة اضطرار إلى العمل الجاد لتحقيق أمرين أثنين:

الأول:توحيد الله – تعالى – وأفراده بالألوهية والربوبية والصفات وتكريس ولائنا – كله – له وحده لا شريك له من حكومة أو طائفة أو حزب أو قبيلة أو سواها.

الثاني:العمل على إعادة بناء الأمة مفاهيم وكياناً لعل ذلك يساعد على إنقاذ ما يمكن إنقاذه.

        وأهم ما نحتاجه لتكون البداية سليمة أن نقوم – جميعاً – بعملية مراجعة جماعية على مستوى الأمة "سابقاً" لتراثنا كله منذ وفاة رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – والتحاقه بالرفيق الأعلى وحتى الساعة التي نحن فيها. وهذه المراجعة يجب أن تكون مراجعة منهجية تنهض بأعبائها الجسام جامعات متخصصة ومراكز بحوث تضم صفوة من علماء الأمة المتخصصين في كل فروع المعرفة. وهذه المراجعة ليست من قبيل الترف الفكري، بل هي مراجعة ضرورية يستحيل بناء مشروع يستهدف إعادة بناء "الأمة" بدونه. فإننا في كثير من محاولات الإصلاح والتجديد السابقة كنا نهرع إلى المواجهات التي تفرض علينا، أو نتصدى لها دون قيام بالمراجعة فنفرح بانتصار شكلي أو غلبة مؤقتة لا تلبث أن تتبخر في مواجهة أخرى وهكذا. فبقيت سلبياتنا الفكرية تتراكم، وأخطاؤنا وانحرافاتنا تترسخ حتى بلغنا هذا الحضيض الذي نتردى فيه. إننا في حاجة إلى المراجعات الشاملة لعلومنا وثقافاتنا ونظمنا وحركاتنا وتاريخنا – كله – ومهما أخذت هذه المراجعة من جهد ومال ووقت فإنها ضرورة لا بد منها، وشرط مسبق لا بد من تحقيقه، ولا يقبل – بحال– تجاوزه.

وقد يكون لي أن أقترح على أخواني المؤرخين تقسيم تاريخ الأمة إلى مراحل ثلاثة:

المرحلة الأولى: هي المرحلة الممتدة من عصر النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – وحتى عصر التدوين.

المرحلة الثانية: من عصر التدوين حتى بداية مرحلة الاحتكاك بالغرب من موقع الضعف والفرقة والتمزق.

المرحلة الثالثة: وهي التي بدأت فيها الأمة محاولة اللحاق بالركب الغربي الأوربي، ولا ترى مانعاً من تبني رؤيته وأفكاره، ونظمه وعلومه لإحداث التجديد أو بلوغ الحداثة، ويمكن اعتبار نهاية المرحلة الثانية وبداية المرحلة الثالثة من عصر سليم الثاني، أو دخول نابليون مصر أو أي مفصل تاريخي مؤثر أخر.

وإذا كنا قد ذهبنا إلى اختيار هذا الفاصل لأنه يمثل فاصلاً حقيقياً في مجال الرؤية الكلية والمعرفة والثقافة والفكر والتشريع وأنماط السلوك والحياة، فهذه – كلها– في المرحلة الأولى كان المنطلق فيها من الإسلام، فهو المرجعية المطلقة والوحيدة فيه. أما المرحلة الثانية فقد تغيرت المرجعية فيها فصارت مزدوجة تجرى فيها مقاربة معطيات مرجعية من فلسفة، وعلوم موروثة عن الأوائل وسواهم بالإسلام، وفي المرحلة الثالثة دخلت المرجعية الغربية إلى الساحة بالمقاربة ثم المقارنة، وهكذا حتى ألف المسلمون ذلك وهيمنت المرجعية الغربية على حياة المسلمين كلها. من النظام السياسي إلى نظام إدارة المساجد والمؤسسات الدينية. وأرزت المرجعية الإسلامية، وانكمشت لتحصر في دائرة ما عرف بـ "الأحوال الشخصية". وحتى هذه بقيت المرجعية الغربية تزحف عليها وتنقصها من أطرافها حتى لم يبق منها إلا القليل، الذي تجري الآن عملية إنهائه والتخلص منه.

بين الفجر الصادق والفجر الكاذب:

        ولقائل أن يقول: وماذا عن "الصحوة الإسلامية" والبنوك الإسلامية والتعليم الإسلامي، بل والانقلابات الإسلامية، والحكومات الإسلامية، والحكومات التي انبثقت عنها، بل هناك "السياحة الدينية" بتكرار الحج والعمرة لدى فريق، وزيارة أضرحة الصالحين وشهداء آل البيت، ألا يدل ذلك على أن المسلمين ما زالوا بخير؟ فأقول: إن هذه الممارسات– كلها – تنطلق من فكر المقاربات والمقارنات ومن إحساس عميق بالهزيمة والإحباط، ورغبة شديدة في الغياب عن الشهود، فالشهود قاسٍ معذب مؤرق موجع، والكل يحب الغياب، ولكل وجهته في التخلص من عذاب الشهود بالغياب، أي غياب، لكن ذلك – كله – لا يغير من حقائق الواقع شيئاً.

        إن مراجعة تفاصيل تراث المراحل الثلاثة ضرورة لا بد منها، ولا بد أن يتم ذلك وفقاً لمقاييس صارمة مطردة منعكسة لا تحابي أحداً ولا تجامل فرقة ناجية أو هالكة.

        وهذه المقاييس المقترحة للمراجعة يمكن تحديدها إذا طرحنا على كل معنىٍ بجانب من جوانب المراجعة الأسئلة التالية لعلها تعيد بناء وترميم حاسة المراجعة لدى هؤلاء وهي:

الأول:  كيف بنى الله – جل شأنه – هذه الأمة، وكيف صنعها على عينه. وما هي دعائم ذلك البناء، وما هي الخصائص الذاتية التي أودعها الله ذلك الكتاب، وأناط بها بقاءه واستمرار تقدمه ودوامه، أو غرس فيها قابليات التجدد وقابليات الانهيار، واستعدادات الاستقامة، وبذور الانحراف.

الثاني:بعد أن يجري تحديد ذلك بأقوى وأعلى ما يمكن من أوجه الدراسة المتعمقة، والتحليل الدقيق يطرح السؤال التالي: كيف يمكن أن نصحح العقيدة والرؤية الكلية القائمة عليها بحيث نجعل منهما وسيلة ومنطلقاً لإيجاد وعي عقيدي صادق يتسم بالحيوية والحياة والحركة، قادر على فهم التاريخ، وتحليل عناصره، واستيعاب دروسه، وتحويلها إلى رافد يرفد الوعي، ويزيد في حركيته. وعي يستطيع إدراك العلاقات المتينة بين سلامة العقيدة، وصحة الرؤية الكلية، وقوانين القوة والطاقة المادية والمعنوية، هذه القوانين التي بثها الله – تبارك وتعالى-  في القرآن والإنسان والكون، وهي قوانين وسنن ثابتة لن تجد لها تحويلاً ولا تبديلاً، الإنسان مسؤول مسؤولية مباشرة عن اكتشافها، ومعرفة كيفية توظيفها بصرامة منهجية لا تقل عن ثبات السنن وصرامتها، وذلك لإحداث حالة "العلو" "الإسلام يعلو ولا يعلى عليه" وتجاوز حالة "الاستعلاء المفتعل". فبلوغ ذلك يمنح الأمة "حالة التفوق". "والجمع بين القرائتين" الذي ننادي به ونصر عليه، هو السبيل للكشف عن تلك السنن، وبلوغ تلك القوانين، الذي يقود بدوره إلى:

الشرط الثالث:وهو مراجعة الحالة العقلية والنفسية للأمة مراجعة شاملة ودقيقة من شأنها أن تمكن من الكشف عن سائر العناصر السلبية في فكر الأمة، وكيف نشأت، ومم نشأت، وما الذي أدت إليه، وكيف يمكن تطهير عقلية ونفسية الأمة من تلك الإصابات؟ وكيف يمكن إيجاد جهاز مناعة يمنع من إصابة العقلية والنفسية الإسلامية بهذه السلبيات في المستقبل؟ ولا بد من الكشف عن مبادئ ووسائل تكوين إلية عقلية ونفسية تعمل على تشكيل طاقة فكرية سليمة ومعطاء تؤدي إلى توليد ذاتي لعناصر المناعة والقوة، وإيجاد الأفكار السليمة باستمرار لئلا يكون هناك فراغ تمتد الأفكار السلبية فيه، وهذه الآلية - هي التي تجعل العقل المسلم قادراً على الدوام على قراءة المعطيات الكونية وموجهات القرآن لفهم القوانين والسنن التي تجعله ممسكاً على الدوام بعناصر القوة المعنوية والمادية في توازن تام.

الرابع: إدراك فعل الزمن وصيرورته في تغيير مستويات القوة والتفوق، وأثر ذلك في تغيير الوسائل والإمكانات التي تمكن من توظيف مؤشرات الوحي وقوانين الكون وسننه، والطاقات الإنسانية بشكل علمي منهجي مترابط قادر على توليد عناصر القوة المناسبة للمستويات المختلفة، فلا يحدث خلل أو فراغ أو تعطيل في أي جانب.

الخامس: إدراك العلاقات الجدلية القائمة بين الغيب والإنسان  والكون. هذا الإدراك بدونه يتعذر أن يتمكن العقل المسلم من القيام بمتطلبات النقد والمراجعة التي تقود الإنسان المسلم إلى حالة التجدد والتجديد.

        إن لأمريكا ولأوربا والصين وروسيا والدولة العبرية أهداف محددة واضحة من بلوغ "حالة التفوق"، وهي باختصار توجيه مقومات هذا التفوق بكل أنواعه لكسر إرادة الآخر، ودفعه إلى الاستسلام لإرادته أو القضاء على مصادر هذه الإرادة، وهي عقيدة ذلك الآخر ورؤيته الكلية، ونموذجه المعرفي والتنظيمي، وقدراته الإنتاجية. أو حمله على قبول مبدأ التبعية لتلك الذات، أو القضاء عليه ذاته، ولذلك تتنوع، وتتعدد الوسائل المستعملة من قبل الذات ضد الآخر من وسائل سياسية إلى ثانية عسكرية، إلى اقتصادية وفكرية وثقافية وإعلامية وعلمية. وقد تستعمل – كلها- مرة واحدة، وذلك بحسب ما يراه الطرف المتمثل بالذات، وتقديره لمستوى إرادة الطرف الآخر وما ينبغي توجيهه ضده لتحقيق الهدف وكسر الإرادة.

        ونستطيع القول بأن ما أستعمل ضد الشعوب العربية والإسلامية التي كانت تشكل "الأمة المسلمة" في تاريخنا الحديث كان شاملاً لكل تلك الوسائل لم يستثن شيئاً منها، فقد أخضعت لضغوط عديدة تحت شعار "حماية الأقليات غير المسلمة" أو أي شعار آخر، وحين اكتشفوا ضعفها عن المقاومة، وذلك – كله – على خلاف ما أعتادوه منها في تاريخه البعيد، أخضعوا أهم حواضرها لقبول الاختراق التعليمي والتجاري والمالي والسياسي، ثم الغزو العسكري، والاحتلال المباشر لتفكيك منظوماتها العقيدية والفكرية والسياسية والقضائية والشرعية. وتفريغها وجعلها على استعداد لقبول البدائل الغربية، وذلك – كله – تمهيداً لإدماجها في تيار "العولمة الحداثي" أو ما بعد الحداثي. وهذه هي المرحلة التي نحن فيها. مرحلة تفكيك سائر ما بقى من البنى وجميع أطلال المنظومات تمهيداً لإعادة تشكيل الأمة المسلمة وفقاً للتصور الغربي الصهيوني.

درس من التاريخ الأوربي:

        إن ابتلاء الأمة بالمصائب والكوارث ومنها كوارث الاحتلال، وهيمنة الأعداء يفترض فيه أن يدفع الأمة – غالباً – إلى عمليات المراجعة والنقد، إذ أن الصدمات التي تحدثها عالية جداً في طاقاتها بحيث تدفع بكل فصائل ذلك الشعب أو الأمة إلى وقفة مع النفس وبحث عن الأسباب، ومجموعة المشاعر التي تحدثها تلك الصدمات كفيلة بإخراج الناس من سائر مؤثرات الحالة الرتيبة والسلبيات التي تكتنفها إلى حالة مراجعة تحقق التجديد.

إن في فتك الكنيسة بالعلماء أمثال "جاليليو"في بداية عصر الأنوار دلالة واضحة على  أمرين:

 الأول:أن الكنيسة كانت ترفض أية مراجعة حتى للمسلمات الخاطئة حول الأرض، وعناصر الكون، لأن المراجعة سوف تهز القواعد العقيدية التي تمثل المرجعية لتوليد الرؤية الكلية، المولدة لأصول ومنطلقات القوة.

الثاني: أنها ترفض – في الوقت ذاته – أن تفتح الباب أمام اتخاذ أية مرجعية أخرى، ومنها مرجعية العلم، لأن ذلك يعني أن مرجعيتها في تقديم المضمون الفكري والعلمي للبشرية سوف تنتهي، أو في أحسن الأحوال سوف تتقلص، وبالتالي تنتهي هيمنتها على مصادر التكوين  العقلي والنفسي وتوليد أصول القوة. ولذلك فإن علينا أن ندرك أن لدينا قوى كثيرة ترفض المراجعة، والاعتراف بالقصور، وتمارس حالات استعلاء كاذب لا أساس له. وهذه القوى موزعة بين تياري التراث والحداثة معاً. ولذلك فإن مهمتنا ستكون شديدة الصعوبة، ومعاركنا ضد هذه القوى الرافضة للمراجعة طويلة المدى، لكن الله معنا، وحركة التاريخ لصالحنا، فكيف نقوم بتسخيرها؟.     

تسخير قواعد وأسباب الحركة التاريخية:

        من هنا فإن على المعنيين بقضية "الخلاص والإصلاح" في الأمة المسلمة أن يكونوا:

أولاً: على وعي تام بقواعد وأسباب الحركة التاريخية، وأن يقودوا عمليات المراجعة لتاريخ الأمة وتراثها وحاضرها بعد الكشف عن تلك القواعد والوعي بهاً.

ثانياً: هم في حاجة ماسة إلى الوعي بالأبعاد العقيدية وأركان العقيدة وأصولها – كما يقول الكلاميون- وعلاقاتها بأصول القوة، وقوانين الحركة التاريخية.

ثالثاً: الوعي بالعلم، والإيمان بأنه ركن لا يصلح شيء بدونه، وأن الأمة تكتسب من عناصر القوة ومصادرها بقدر ما تكتسب من العلم. وأنه إذا كان الله – تبارك وتعالى – قد فرض بالدليل القطعي من القرآن على الأمة الأخذ بسائر أسباب القوة المادية والمعنوية بقوله تعالى (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ)"الأنفال:60". فإن ذلك فريضة محكمة وقانون إلهي وكوني لا يمكن للإنسان أن يتدين به ويطبقه بدون العلم، فإن الخطاب القرآني العالمي يتعامل مع كل عصر بحسب سقفه المعرفي، والوسائل والتقنيات التي تتحكم بحركة كل عصر وسائل تختلف. وهنا أود أن أنبه بأن خروج المسلمين من عهدة الفرض الإلهي في قوله تعالى (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ) لا تتحقق بشراء واستيراد الأسلحة الجاهزة منهم. بل هو ذنب آخر يبوء به المسلمون المستوردون لتلك الأسلحة. كما أن الاعتماد على الغير، ومن ذلك الغير تلك المنظمات المسخ التي لا يعتد بها إلا الضعفاء، ونسبة الوهم الآخر الذي يسمونه بـ "الشرعية الدولية"!! وطلب النصرة منها فقط اعتماداً على غير الله، وطلب للنصر من سواه، فلابد أن ينسب النصر ويحصر بالله تعالى خالق الكون والإنسان والحياة، وواضع السنن والقوانين، وهو القادر على تحقيق نتائج القوانين والسنن، وترتيب المسببات على تلك الأسباب.

رابعاً: الوعي بأهمية المال والدور الخطير الذي يؤديه في بناء أسباب القوة للأمم، ولذلك أشتد اهتمام القرآن به وبتنظيم عوامل الحصول عليه، وتوظيف سائر قوانين التسخير للكون والخلق للحصول عليه، وتنظيم وإنماء عوامل ووسائل الإنتاج. وتناول القرآن المجيد وسائل التوزيع ووسائل استعمال الفائض إن وجد، ونهى عن وضع ذلك بأيدي السفهاء، وهو وصف في غاية الخطورة، فقد وصف به المنافقون، قال الله تعالى (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا)"النساء:5" ويقول في المنافقين (أَلَا إِنَّهُمْ هُمْ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ)"البقرة:13" ذلك يعني أن المال مصدر من أهم مصادر بناء الأمم وتشييد قوتها.

        وهنا لا بد لحملة ألوية التجديد والإصلاح في الأمة من الوعي بخطورة كبائر تمكين أعداء الأمة من أموالها ومواردها سواء بالهبة أو الإيداع، أو خفض الأثمان. ورهن مصادر أموال الأمة لدى أعدائها بطريق القروض والرهون وما إليها من وسائل معاصرة لتبديد أموال الأمة.

خامساً: الوعي بأهمية الإنسان عقلاً ونفساً وجسماً، وهنا يتم تشغيل مجموعات هائلة من القواعد القرآنية والسيرة النبوية العطرة والسنن الثابتة لبناء الإنسان السوي الذي يصلح أن يكون لبنة صالحة سليمة قوية في بناء الأمة. ورصد سائر السلبيات التي شلت إنسان هذه الأمة ونزلت به عن مستوى النموذج الذي رسمه القرآن بقوله تعالى (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)"النحل:75، 76". فمن هو المؤمن القوي الذي فضله رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – على المؤمن الضعيف، إنه القوي الأمين الغني القادر على أن يسد احتياجاته وينفق على نفسه وسواه سراً وجهراً. إنه الهادي المهتدي الذي يعرف كيف يكون على صراط مستقيم حين تلتبس بالناس السبل، ويعرف كيف يأمر بالعدل ويحققه، ويجعله مع القيم الأخرى واقعاً تستظل البشرية بظلاله الوارفة. إنه المؤمن الذي يدرك كيف يكتسب كل أنواع العلوم والمعارف والخبرات ويستفيد من التجارب، ويوظف سائر قواه وطاقاته العقلية والنفسية والجسمية أحسن توظيف. وفي مقدمتها قوى وعيه الثلاثة "السمع، والبصر، والفؤاد" ذلك هو المؤمن القوي. وذلك هو العنصر الصالح لأن يكون عضواً في هذه الأمة.

سادساً: فإذا اجتمعت كل تلك العناصر لابد من الكشف عن كل قوانين التأليف بين هذه العناصر وسائر القوانين المضادة لتلك القوانين. والقرآن المجيد لم يغادر شيئاً من هذه القوانين إلا وتناوله، وكل المطلوب نهوض أهل الذكر بأعباء الفهم والتحليل والعمل على تفعيل هذه القوانين بعد استيفاء ما تقدم لبناء القوة الفريدة "الأمة".

        إن الأمة حين تقوم بالوعي بكل ما تقدم وتحسن مراجعته، تكون قد قامت بالمراجعة واستوفت شروط الاستعداد للتجدد ولممارسة الأدوار المنوطة بها بشكل لا يخالطه أي شك ببلوغها أهدافها إن شاء الله تعالى.

إننا نأمل أن تكون وقائع القرنين الماضيين وبدايات هذا القرن قد أفرزت وشكلت دوافع لا نقول كافية بل زائدة عن الحد لحمل أبناء أمتنا على القيام بالمراجعة والوقوف على طريق التجديد بعون الله تعالى وفضله وعزته ونصره (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو القى السمع وهو شهيد)"ق: 37".             

حزب البعث وأهل السنة:

        وأياً ما كان الأمر فإن الباحث عن نسب لـ "حزب البعث العربي الاشتراكي" في "أهل السنة والجماعة" من أهل العراق أو غيرهم يستحيل أن يجد بينهما أي نسب أو صهر أو قرابة، اللهم إلا كما قال النعمان بن بشير رضى الله عنه:

       

                فأشهد أن رحمك من زياد               كرحم الفيل من ولد الأتان

أنهما أعني (حزب البعث العربي الاشتراكي) وطائفة (أهل السنة والجماعة) لا صلة بينهما، ولا علاقة لأي منهما بالآخر، وأي ادعاء آخر فهو هراء لا دليل عليه ولا يقوم لبحث أياً كان. فطائفية حزب البعث طائفية سياسية نفعية لا علاقة لها بدين أو مذهب، ولا يلتقيان في مقولة أو رأي. والباحث عن أي نسب لـ "حزب البعث العربي الاشتراكي" في  "أهل السنة والجماعة" إنما هو باحث عن سراب:

                 أيها المنكح الثريا سهيلاً                عمرك الله كيف يلتقيان        

كما أن الباحث عن نسب للحزب الشيوعي مع الشيعة يستحيل أن يجد أي نسب أو صهر أو قرابة بينهما. فليست هناك أية صلة بين الفريقين أو علاقة فكرية أو عقيدية أو سلوكية لأي منهما بالآخر، ووجود حرف "الشين" في كلا المصطلحين لا يمكن أن يبني بينهما صلة أو قرابة.

الأمة والتمزق:

حين بنى الله – تبارك وتعالى – هذه الأمة الشاهدة أوضح بما لا يدع مجالاً للنقاش أن الباني لهذه الأمة وواضع أسس بنائها هو الله – جل شأنه – وأن من كلف برفع قواعد هذا البناء– الأمة – هو رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – متبعاً في ذلك ما أوحى إليه من ربه . إذ أن الأمة هي خليفته من بعده في مهمة الشهادة على البشرية، والحضور الدائم بينها حتى قيام الساعة (وفي هذا ليكون الرسول شهيداً عليكم وتكونوا شهداء على الناس)"الحج:78". والله – عز وجل– تكفل بعصمة رسول الله من الناس (والله يعصمك من الناس)"المائدة:67" فما نال منه أحد. وتكفل بحفظ القرآن (إنا نحن نزلنا الذكر وأنا له لحافظون)"الحجر:9" فلم يستطع أحد النيل منه. لا في عصر نزوله ولا فيما تلاه، وسيبقى محفوظاً بحفظ الله – تعالى – إلى يوم الدين. والأمة المسلمة تكفل الله – بذاته العليا – بالتأليف بين قلوبها مشروطاً دوامه وبقاؤه باعتصامها بحبل الله. فإذا أرخى المؤمنون أيديهم عن التمسك بحبل الله – تعالى – سقطت حالة التأليف ، وعادت حالة العداء. ولقائل أن يقول: ولِمَ لم يكن الأمر قدراً حتماً كما كان الحال في "عصمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم" وحفظ القرآن؟ والجواب: أن الإنسان حُمل أمانة الاختيار، فباختياره يعتصم بحبل الله، أو يفرط  فيه، وللاعتصام شروطه ودرجاته، وللتفريط دركاته. والله – تبارك وتعالى – هو الذي يعلم من الأمة استيفائها لشروط التأليف، فيؤلف بينها (لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم)"الأنفال:63" أو عدم استيفائها لتلك الشروط، وآنذاك لن تجتمع على شيء، ولن يستطيع أحد جمع كلمتها.

وعلى هذا فعلى عناصر الأمة المفرقة الممزقة أن تسعى لاستيفاء شروط التأليف في كل عصر بحسبه، ثم تتعرض لنفحات الله - تبارك وتعالى – ليمن عليها بالتأليف بينها، وإعادة وحدتها وكيانها.

الأحاديث الموضوعة والضعيفة وأثرها في تمزيق الأمة:

إن الشيطان قد يئس أن يعبد في جزيرة العرب بعد أن ضرب الإسلام فيها ونزل قوله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً)"المائدة:3"     كما يئس من إجتيال الأمة – كلها – عن دينها. ورضي من دون ذلك بما يحقر الناس من أعمال. ولم يستطع إبليس اللعين بكل ما أجلب على القرآن من خيل ورجال وكهانة وسحر ومحاولة معارضة وتشويش أن يحترق هذا القرآن، الذي حال الله – تبارك وتعالى – بينه وبين احتراقه وحفظه وحرسه بنسفه، فعمد اللعين إلى فتنة التفسير والتأويل وفتنة الأحاديث.

أما فتنة التفسير [113]فقد استطاع اللعين وأنصاره أن يحملوا على القرآن المجيد فيه كل التراث الزائف المريض الذي حفل به تراث الأمم السالفة – مستغلين تماثلاً موهوماً بين بعض موضوعات ومحاور القرآن، وتراث تلك الأمم في قضايا الخلق وقصص الأنبياء والأحداث الكبرى كالطوفان وما إليه. وشتان بين ما أورده القرآن في هذه الأمور، وما جاء في التراث المريض الموبوء، فالقرآن في كل ذلك جاء بالصدق وصدق عليه. أما ذلك التراث فقد زيف الصادق، وحرف الكلم عن مواضعه، وكان الكذبة والويل لهم (يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون)"آل عمران: 78". وأما التأويل فقد أسرفوا فيه، وبالغوا، بل أتوا فيه بالعجائب.

وأما فتنة الأحاديث[114] فقد كانت فتنة عمياء مضلة، حيث قامت حركة وضع وفبركة وأكاذيب تداعي لها الوضاعون ومحترفو الكذب، فنسبوا إلى رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – الألوف من الأحاديث الموضوعة التي نزه الله لسان نبيه الشريف عن قول شيء منها.ونسبوا إلى الصحابة من الآثار ما لم يقل أحد منهم شيئاً منها. ومع أن جهابذة علماء الأمة قد أسسوا علوم الإسناد وعلوم الرجال، وجعلوها من الدين وبذلوا فيها من الجهود ما لم تقم أمة  بمثل جزء منه. بيد أن أعداداً محدودة من تلك الآلاف الكثيرة قد نفذ من معايير ضوابط الأسانيد، وضوابط نقد المتون فوصل إلى عقول الناس واشتهر على ألسنتهم، وشاع بين القصاصين والواعظين والراغبين في نقل وتتناقل الغرائب، فتوهم الناس أنه صحيح، فتمسكوا به، وعملوا بمقتضاه، فولد ثقافة مريضة، وأفكاراً معطوبة، وسلوكيات منحرفة أورثت الأمة فرقة وضعفاً وانحرافات غاية في الخطورة.

وبعض علماء الفرق والمذاهب والطوائف وجدوا في بعض هذه الأحاديث ما يستطيعون دعم بعض آرائهم ومواقفهم به إذا اتخذوه شاهداً أو دليلاً، فابتكروا دعوى "التواتر المعنوي"[115] لما عز عليهم أن يجدوا له سند صحة فضلاً عن دليل تواتر. وأضافوا إلى تلك الدعوى دعوى غامضة أخرى لا تندرج تحت أية قاعدة منهجية، وهي: "تلقته الأمة بالقبول"[116].

وكلا الدعوتين "التواتر المعنوي" و"تلقته الأمة بالقبول" دعاوى غامضة لا تلتقي مع المناهج التي وضعها المحدثون أنفسهم، ومع ذلك فقد استعملت في تصحيح وتعزيز أحاديث تعلقت بموضوعات في غاية الأهمية. والحديث الذي يهمنا تناوله من بين تلك الأحاديث في بحثنا هذا حديث "تفرق الأمة" وهو نموذج من أخطر النماذج التي تسللت إلى عقل الأمة تحت ستاري "التواتر المعنوي" و "تلقته الأمة بالقبول".

وهذا الحديث بألفاظه المختلفة قد أحدث في بناء الأمة شروخاً ما تزال تعاني منها إلى اليوم. ولا ندري متى تتمكن الأمة من الانعتاق منه ومنها. بعد أن تأسست علوم صارت تشكل أقساماً دراسية في جامعاتنا وكلياتنا المعاصرة وحوزاتنا العلمية. فعلم "الفرق والملل والنحل"[117] قد قام على أساس من هذا الحديث.

إن حديث "افتراق الأمة" جاء بألفاظ كثيرة تتجاوز العشرين لفظاً من طرق عديدة منها: طريق علي – رضي الله عنه – وأبو هريرة، وأنس بن مالك، ومعاوية بن أبي سفيان وغيرهم. وقد أخرج الترمذي وأبو داود وأحمد وابن عبد البر وابن وهب في جامعه، وروايته أغرب الروايات حيث زاد في عدد الفرق زيادة لم نجدها في روايات غيره، حيث أورده بلفظ: "إن بني إسرائيل تفرقت إحدى وثمانين ملة، وستفترق أمتي على أثنتين وثمانين ملة، كلها في النار إلا واحدة، قالوا: وما هي يا رسول الله؟ قال: الجماعة"[118]. وقد اختلفت ألفاظه اختلافاً شديداً، فلم نجد لفظين منها قد اتفقا. كما أن أسانيده – كلها – لم يخل واحد منها من راو أو أكثر ضعيف، أو مجهول، أو مخطئ، أو مختلف فيه أو صاحب بدعة أو منكر الحديث.

وقد جمع المحدث الكبير الشيخ محمد يحيى سالم عِزّان روايات حديث "افتراق الأمة" فوجد كما وجدنا أن ألفاظه شديدة الاختلاف، وأن تلك الاختلافات في نقل ألفاظه كانت ذات تأثير كبير في اختلاف معانيه. وحين نستعرض ما جمع من روايات الحديث يُلاحظ أن الروايات التي حظيت بتصحيح بعض المحدثين وتخريجهم جاءت بألفاظ تخبر بأن هذه الأمة سوف تتعرض إلى (داء الاختلاف) كما عرض ذلك الداء لأمم خلت من قبلها. ورسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – حين يحدث الأمة بمثل هذا الحديث فإنه يعظها، ويقوم بعمليات تحذير مسبقة لتحصينها من ممارسة ما قد يؤدي بها إلى الفرقة والاختلاف المدمرين لكيانات الأمم. فهو ليس كما فهم الكثيرون بأنه – صلى الله عليه وآله وسلم– كان يخبر بذلك باعتباره نبوءة أو كما سموا مثله (أعلام النبوة) فيكون بمثابة قدر مقدور لا حيلة للأمة بدفعه ولا بد من وقوعه. بل هو وعظ وتحذير من الوقوع في مستنقع الاختلاف، فإذا وقع الاختلاف بالرغم من جميع الاحتياطات التي اتخذتها الأمة، فهنا لابد من الوقوف في وجه الباغي حتى يتوب إلى رشده، إذ أن هذا الحديث بذلك – وحده – يصبح منسجماً مع قوله تعالى (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)"الحجرات:9" وبذلك تكون الأحاديث الصحيحة واردة أساساً على أمرين: الأمر الأول: تحذير المؤمنين ووعظهم أن يسقطوا في براثن الاختلاف؛ فإن حدث ووقع ذلك بينهم فالمخرج منه ما ذكره الله – تبارك وتعالى- من الاحتكام إلى رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – في حياته، وبعد وفاته إلى الكتاب الكريم وبيانه من السنة.

        أما ذلك الفهم الذي أدى إلى قيام "علم الملل والنحل والفرق" فإنه نظر إلى هذه الأحاديث على أنه إخبار من الصادق الأمين – صلى الله عليه وآله وسلم – بوقوع ذلك الافتراق حتماً. ونظراً إلى وجوب تصديق رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – في كل ما يخبر به. فقد اعتبروا أن الافتراق والاختلاف والتنازع قدر حتم لا راد له، وما علينا إلا أن نستسلم له ونرضخ ونتنازع من هي الفرقة الناجية والهالكة. وهذا ما لا يمكن أن يكون مراد رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم.

ولا يتفق ظاهر القرآن في التوكيد على التأليف بين المؤمنين، وجمع كلمتهم ونبذ ما يفرق بينهم، والعمل على احتوائه والتقليل منن آثاره عندما يحدث.

إشكالية الفرقة الناجية:

إن الاختلاف بينهم في ألفاظه ومعانيه ورجاله وأسانيده، وضعفه ووضعه وصحته بلغ الغاية، ومع ذلك فإن جل الفرق قد تبنت تداوله والاستشهاد به، لأن كل فرقة وجدت فيه ما يمكن أن يعزز موقفها، ويجعلها الناجية، الحافظة لسنن رسول الله والممثلة للجماعة. وبعض هذه الفرق وضعت من الألفاظ ما يناسب مرادها، وكل ذلك يرفع إلى رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – وينسب إليه، وحاشاه صلوات الله وسلامه عليه أن يأتي بما لا يقبله كتاب الله – تبارك وتعالى – وأنى للقرآن أن يقبل ذلك، وهو الباني لهذه الأمة لبنة لبنة والحارس لوحدتها.

والحديث قد أفرد له الشيخ محمد سالم عزان دراسة خاصة نشرت في مجلة المسار، ثم نشرت مستقلة[119]، وقد أستقرأ فيها رواياته – كلها – عند سائر الفرق المسلمة، وبين ما في كل رواية من ضعف أو وهن أو إرسال أو تدليس أو جهالة. وقام بنقده ألفاظاً وأسانيد، وخلص إلى أن الحديث لا يصح بحال وفق مناهج المحدثين لدى أية فرقة أو طائفة، وقد اتضح من دراسته أن تصحيح الألباني لبعض ألفاظ الحديث لا يركن إليه، فهو تصحيح في حاجة إلى تصحيح.

ولعلنا نوفق إلى أفراد هذا الحديث بدراسة خاصة أخرى نبين فيها الآثار النفسية والعقلية والاجتماعية التي أحدثها هذا الحديث في البناء التربوي للأمة.

وقد أثرنا هذا الموضع المتخصص في هذه الدراسة التي لم نوجهها للمتخصصين، بل لجمهرة الأمة، لأننا رأينا أننا لابد أن نصارح علماء السنة والشيعة – معاً – في العراق بأن النجاة والهلاك أمران أخرويان، وأن الحكم في أي منهما منحصر بالله – تبارك وتعالى – فهو الذي يحكم بين عباده فيما هم فيه يختلفون. أما الدنيا فهي دار العمل والابتلاء (ليبلوكم أيكم أحسن عملاً)"تبارك:2". ولن يغفر الله لمن يشرك به بعد أن يتضح له طريق التوحيد. ولن يغفر لأولئك الذين يفرقون كلمة الأمة، ويجعلونها شيعاً وأحزاباً، وينساقون وراء الطائفية السياسية – الذين يرون في كرسي السلطة مهما كان حجمه ما رآه بنو إسرائيل في العجل، إذ قال لهم السامري: هذا ألهكم وأله موسى. فالله – تبارك وتعالى – قال (ولا تكونوا من المشركين * من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون)"الروم:32"  وتبرأ منهم رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – كما تبرأ منهم آله وأصحابه (أن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء)"الأنعام:159" إلى غير ذلك من الآيات الدالة على منع التفرق، وجعله مقروناً بالشرك. وقوله تعالى "شيعاً" أي جماعات قد فارق بعضها البعض، ليسوا على تألف ولا تعاضد ولا تناصر، بل على ضد ذلك. فإن الإسلام واحد، وأمره واحد، وحبل الله واحد، فلا بد أن يكون المسلمون شيعة وسنة وعرباً وكردً وتركماناً وغيرهم. وأهل مدينة وأهل بادية يداً واحدة، وقلباً مؤتلفاً واحداً. فإن ما حدث في الماضي ما كان ليحدث لولا تفرق كلمة أبناء الشعب، واختلاف قلوبهم.

خاتمة القسم الثاني:

        في هذا القسم من الدراسة حاولنا أن نوضح مفهوم "أهل السنة والجماعة" في حدود المتاح من المصادر. ولعله قد تبين من دراستنا لحديث الفرق أنه لا أحد يستطيع تحديد الفرقة الناجية غير الله تبارك وتعالى. على أن النجاة والهلاك في الآخرة والجزاء والعقاب والثواب كل أولئك أمور تتعلق بالفرد من حيث هو فرد (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى * وأن سعيه سوف يُرَى * ثم يجزاه الجزاء الأوفى)"النجم: 39-41".

        ورسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – نادى في آل بيته ومنهم بضعته الطاهرة فاطمة الزهراء عليهما سلام الله وبركاته (يا فاطمة بنت محمد أعملي فأني لا أغنى عنك من الله شيئاً) فكيف تغني الطائفة أو الفئة أو الحزب عن المنتمين إليها أحسنوا أم أساؤا. أنه لا يغني أحد عن أحد. فليس لأهل السنة أن يفاخروا الشيعة والمذاهب الأخرى بحجة أنهم "الفرقة الناجية". وليس للشيعة أن يفعلوا ذلك بحجة أنهم شيعة آل البيت وأنصارهم. فالمسلمون كلهم في حب آل البيت والانتصار إليهم سواء إلا الهالكين. وليس ذلك للاباضية ولا للزيدية ولا للسلفية، ليس لأحد من هذه المذاهب أن يدعي أن طائفته هي "الفرقة الناجية". فالحقيقة كنز مدفون لا يعلم أبعاده – كلها – ولا يحيط بها إلا الله – تبارك وتعالى – والبشر في محاولة مقاربتها والوصول إليها سواء كل وجهده وتوفيق الله له. فعلى الجميع أن يتمسكوا ويستعصموا بكتاب الله وحبله المتين لا بمقولات تاريخية أكل الدهر عليها وشرب ولم يبق منها إلا تلك الهياكل التي يبعث بها الحياة دعاة "الطائفية السياسية" عندما يرون لهم في ذلك مصلحة ومنفعة. فلا ينبغي أن يستخف مثل هؤلاء بين الحين والآخر بأبناء الأمة ليدمروا مقوماتها.

        وقد تبين أن الأحزاب اللادينية بعثية كانت أو شيوعية أو تغريبية لا علاقة لها بالدين، ولم تكن الأديان في يوم من الأيام نسباً وصهراً ، بل هي إرادة واختيار وتبنٍ لرؤية كلية وإيمان ويقين وعبادة ونظام حياة يتبع الإنسان فيه رسلاً مبشرين ومنذرين يوحي الله إليهم بإذنه ما يشاء. فالأديان ليست برامج حزبية ولا أطراً حركية. وبالتالي فدعوى أي من هذه الأحزاب النطق باسم دين ما أو مذهب ما لا تقبل على عواهنها ولا تؤخذ كما هي لمجرد إظهار احترام بعض رجال تلك الأحزاب لبعض الشعائر التي يتحول احترامها، أو التنويه بها إلى رصيد دعائي لذلك الحزب.

        إن الأحزاب الإسلامية ذاتها كثيراً ما تغير برامجها بعد الوصول إلى السلطة تحت ضغط عجلة السياسة، وتبدأ بإعطاء التفسيرات والتأويلات لما كانت تنادي به لعله بذلك يصبح منسجماً مع ممارساتها السياسية. فكيف بتلك التي بنيت منذ البداية على اعتبار الدين معوقاً للتقدم، معرقلاً للتنمية، منافياً للمجتمع المدني، مقيداً للحريات.

        إنه ما منصف حتى لو كان ذا انتماء بعثي يستطيع أن يقول: إن السنة في العراق بعثيون، أو أن حزب البعث في العراق حزب سني. فلعلنا قد وفقنا لإبراز ذلك من خلال التحليل الدقيق لمفهوم "السنيين" ومفهوم "البعثيين". وقد قادنا البحث إلى تناول ذلك الحديث الذي كان له أبلغ الأثر في بناء نفسية التعصب ورفض الآخر وتحقيره والتعالي عليه بحجة وجود فرقة ناجية، وكل الأمة وفصائلها بعد ذلك هالكة.

        ولعلنا نوفق في الحلقة الثالثة التي سوف نتناول فيها "الكرد" والقضايا التي أدت إلى سائر المشاكل التي عانوها في ظل الدولة العراقية. وسوف نحاول أن نتبين ما إذا كان ما يزال هناك أمل في رأب الصدع، ولم الشمل ، واستنباط دروس الماضي لبناء حاضر جديد، ومستقبل مشرق إن شاء الله، أو أن ذلك سيكون جزءًا من تاريخ؟.

اللهم أن هذه الأمة قد عانت الكثير فهيئ لها أمر رشد يعز به أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر. إنك سميع مجيب.

                        وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

************************************

الهوامش

* القسم الأول من هذه الدراسة خلاصة لمحاضرة قدمت خطوطها العامة في (مسجد السلام) في 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2003م. ثم قدمت في محاضرة أخرى، ومن زاوية مغايرة في اجتماع ضم نخبة من العراقيين في أمريكا شارك فيها أساتذة وقيادات ورجال أعمال جمعهم الهم العراقي، ومثلوا أهم ألوان الطيف العراقي في أمريكا للبحث فيما يمكن للمشاركين أن يقدموه لوطنهم المحتل ولشعبهم العراقي العزيز.     

[1]- الثابت: ضد المتغير، فكل ما لا تتغير حقيقته بتغير الزمان ثابت، ويطلق - أيضاً – على الأمور التي لا تزول بتشكيك المشكك. كما تطلق على المستقر، ولعل المراد بقوله تعالى (أصلها ثابت) وقوله تعالى (يثبت الله الذين أمنوا بالقول الثابت) هو القول الصحيح المستقر الذي لا يزول أو يتزحزح بالتشكيك. راجع: المعجم الفلسفي، لجميل صليبا 1/373 وهو في معنى الجوهر فالأشياء نوعان جواهر وأعراض: فالجواهر هي الأشياء القائمة بنفسها. والأعراض هي ما لا يقوم إلا بغيره، فهي حالة في الجواهر. راجع: مصطلحات الفلسفة عند العرب، جيرار جهامي، مادة جواهر، ص 210، وأما المتغير فهو القابل للتغير، أو ما يمكن تغيره وتغييره. أو ما ينزع إلى التغير، والتغير هو الانتقال من حالة إلى أخرى. راجع: المعجم الفلسفي 2/330.      

[2] - وصف الوعي بالصدق والكذب مستفاد من وصف "الفجر" بهما، فهناك الفجر الكاذب وهو ضوء يسبق طلوع الفجر، وهو مقدمة له قد يتوهم البعض أنه الفجر الصادق، وليس به، وهناك الفجر الصادق – أي الحقيقي الذي يعقبه ضياء النهار لا الظلام.

[3]- لقد استرجع القرآن المجيد تاريخ البشرية من القرار الإلهي بل من العهد الإلهي الذي أخذه الله من بني آدم إلى خلق آدم واستخلافه مروراً بتاريخ الخلق والتكوين، ودخول الجنة والخروج منها. ثم ما أعقب ذلك من التجربة الإبراهيمية والإسرائيلية، وقبلها تجربة نوح وغيرهم من الأنبياء وصولاً إلى نبوة محمد – صلى الله عليه وآله وسلم – وما جرى له مع قومه حتى اكتمال الدين وإتمامه وتوقف الوحي وتمام القرآن قبل وفاته عليه الصلاة والسلام.

[4]- لا يحمل القول بهذا الثابت أي دعم لعنصرية أو تعصب من بعض الفئات للعرب أو لأية قومية. إذ أن هذه المشاعر السلبية نشأت بعد عصر القوميات، ثم ظهور الدول القومية، وإثارة مشاعر الانفصال والتمايز أو الأفضلية لقوم على آخرين، فنحن هنا لا نريد به أكثر من تقرير حقيقة واقعة، كمن يحمل اسماً ولا يمكن ولا يحق لمن حمل اسماً ما أن يجعل من مجرد حمله لذلك الاسم ميزة يستحق بها أن يتعالى على الآخرين، فإذا كانت عربية العراق على مستوى الواقع التاريخي والمعاصر ثابتاً من ثوابته فإن وجود الأكراد التاريخي والحاضر واقع كذلك. وكذلك بالنسبة للأعراق الأخرى، ولذلك فإنني أؤكد أن لا يؤخذ هذا الأمر مأخذاً غير ملائم، وأن لا يساء فهمه وعربية العربي مسؤولية اكثر منها ميزة فليفهم ذلك.

[5]- راجع "تاريخ العرب القديم" نبيل عاقل، ص 202، ط3، 1983

[6]- توسفون: وتسميها بعض المصادر "طيسفون" عاصمة سابور ذو الأكتاف الفارسي، وهي إحدى المدن التي تتألف منها "المدائن"، وقد اختلف فيمن أسسها وبناها من ملوك الساسانيين، وسقطت بأيدي المسلمين في الفتوح الأولى، وقد ذكرها ياقوت الحموى في معجم البلدان وهو يعرف "بالمدائن" 7/413-414، وانظر أيضاً: جواد علي "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام" 2/635. 

[7]- الحيرة: مدينة كانت على بعد ثلاثة أميال من الكوفة، يرى ياقوت الحموي أنها كانت على موضع يقال له النجف حالياً، وقد زعموا أن بحر فارس كان يتصل به وبالحيرة وبالقرب منها مما يلي الشرق على نحو ميل، وقد كانت الحيرة مسكن ملوك العرب في الجاهلية في زمن نصر ثم زمن لخم من النعمان وآبائه. 

[8]- اللخميون: نسبة إلى عمرو بن عدي بن نصر اللخمي في الجاهلية، وهو حي كانت تسكنه ملوك العرب في الجاهلية، وملوك لخم كانوا قد نزلوا الحيرة وهم آل المنذر، والنسبة إلى ذلك لخمي. واللخم في اللغة هو اللطم، والإنسان ثقيل النفس. راجع تاج العروس، باب الميم فصل اللام، وكذلك محيط المحيط ص 812.

[9]- النابغة الذبياني (نحو 18 ق هـ - 604 م) هو زياد بن معاوية بن ضباب الذبياني، شاعر جاهلي من الطبقة الأولى من أهل الحجاز، كانت تضرب له قبة من جلد أحمر بسوق عكاظ فتقصده الشعراء فتعرض عليه أشعارها، وهو أحد الأشراف في الجاهلية وكان المفضل عند النعمان بن المنذر، حتى شبب في قصيدة له بالمتجردة "زوجة النعمان" فغضب عليه، ففر النابغة إلى الغسانيين بالشام، وغاب زمناً، ثم رضي عنه النعمان فعاد إليه.

[10]- حكم الساسانيون بلاد الرافدين طيلة الحقبة التي بدأت باستيلاء "أردشير" على الحكم منتزعاً العرش من الفرثيين وحتى تحرير العراق على يد جيوش العرب المسلمة، واعتبر ذلك إعادة طبيعية للعراق إلى أحضان شبه الجزيرة العربية، وقد كان احتلال "أردشير" لبلاد الرافدين قد بدأ عام 224 م. راجع: المجمع العلمي العراقي، العراق في التاريخ، بغداد، دار الحرية، 1983، ص 259-262. ويذهب "جواد علي" صاحب "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام" إلى أن صلة العرب الفعلية بالعراق بدأت في عهد الملك "ترام سن 2223-2270 ق. م" وأنه قد استولى على الأرض المتصلة ببلاد بابل، ويرجح "جواد علي" على أن هذا أقدم خبر تاريخي يحدد صلة العرب بالعراق. راجع "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام" 1/573.     

[11]- الأكديون: أشهر ملوكهم سرجون الأكدي الذي أقام إمبراطورية واسعة الأرجاء في وادي الرافدين عرفت بـ "الإمبراطورية الأكدية" نسبة إلى مدينة "أكد" التي أتخذها عاصمة له. وهم من قبائل الجزيرة العربية التي استوطنت بلاد الرافدين منذ ما قبل الألف الرابع قبل الميلاد، وقد عايشوا السومريين وتفاعلوا معهم إلى أن استولوا على دفة الحكم وأقاموا دولتهم، وبعد ذلك انصهرت فيهم العناصر السومرية والأمورية. راجع العراق في التاريخ، ص 72.

[12]- راجع الهامش السابق، وقد حكم حمورابي أو عمورابي - كما يسميه بعضهم – اثنتين وأربعين سنة من سنة 1793 ق م – 1751 ق م، وقد وحد العراق – كله- تحت قيادته وضمن حدود آمنة له. راجع العراق في التاريخ، مرجع سابق، ص94.

[13]- لقد تزامن وجود العرب في الحيرة مع وجودهم في الأنبار منذ عهود الساسانيين. لمزيد من التفصيل راجع: المفصل، مرجع سابق، 3/155. 

[14]- الأشوريون: ينتمون للأصول نفسها وإلى الشجرة ذاتها التي تفرع عنها الأكديون والبابليون والأموريون والعرب ولغتهم، وهم الأقوام الذين استوطنوا العراق منذ مطلع الألف الرابع، وكان منبت تلك الشجرة الأولى في شبه الجزيرة العربية مهد الأقوام الجزريين، ولهجتهم كانت إحدى لهجات اللغة الأكدية واستخدموا الخط المسماري أيضاً. راجع العراق في التاريخ، مرجع سابق، ص 119.

[15]- هذه الدعوة ذكرها بعض الباحثين القوميين الذين أبدوا ميلاً لإنكار وجود قومية أخرى في العراق بحجم القومية الكردية، وهو أمر لا يقبل، والاستدلال عليه بأن الأكراد يسكنون هذه المنطقة منذ ما قبل التاريخ، وأن الهجرات العربية الأولى التي جاءت قبل نهايات العهد السومري انقسمت إلى مجموعات بعضها سكنت السهل وأخرى سكنت الجبل، ولكنهم جميعاً ينتمون إلى السامية، وقد يسند بعضهم دعواه هذه بأسماء القبائل الكردية، ومحاولة إعادتها إلى جذور عربية مثل إعادة قبيلة مازوري الكردية إلى قبيلة مضر العربية وما إلى ذلك، ولكن الناس مؤتمنون على أنسابهم. ومهما يكن فالأكراد العراقيون جزءُ من النسيج والخارطة الاجتماعية العراقية، ومن الضروري أن يتذكر العرب والأكراد في العراق ما بينهم من  وشائج القربى، وما للكردي عليهم من أيادٍ بيضاء في خدمة الإسلام والعروبة، فليس هناك مسلم يستطيع أن ينسى صلاح الدين وما قدمه للأمة كلها، وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، وفي العصر الحديث أمير الشعراء أحمد شوقي وجميل صدقي الزهاوي ومعروف الرصافي وغيرهم. فالقاعدة التي ينبغي أن تحكم في علاقات العرب والكرد هي قوله تعالى (ولا تنسوا الفضل بينكم).

[16]- البويهيون: هم الفرس الديلم المنسوبون إلى "بويه" الذي كان يعمل حمالاً في تلك المنطقة، من بحر قزوين، وحين رأى "بويه" ضعف سيطرة خليفة بغداد على تلك الأقاليم قاد الفلاحين في منطقته في حملة سيطر فيها على جبال الديلم ووسع سلطانه حتى شمل الهضبة الإيرانية كلها. وبعد وفاته خلفه أولاده الثلاثة في سلطانه، ولما رأوا ضعف خليفة بغداد واسترخاء قبضته عليها قاد معز الدولة جيشاً نحو بغداد فاستولى عليها وأخذ مقاليد السلطة السياسية، ولم يبق للخليفة إلا السيادة الاسمية وسلطة إدارية محدودة. ولقد استمر تسلط البويهيين على العراق من فترة معز الدولة في حدود سنة (320-447هـ / 932-1055م) . راجع: العراق في التاريخ ص 439 – 444.

السلاجقة: تسلط السلاجقة بتشجيع من الخليفة في بغداد الذي استنصر بهم على البويهيين، وقد دخلها القائد السلجوقي من سنة 447 هـ وأستمر حكمهم حتى بدايات القرن السادس، حيث تمكن الخليفة العباسي من الاستفادة من خلافاتهم وخلافات أمرائهم فأمر بإيقاف الدعاء للسلطان السلجوقي عام 512 هـ، وقد انتهى حكمهم تماماً 582 هـ في كل من العراق وإيران. العراق في التاريخ، مرجع سابق، ص 444-449.

الصفويون: ينتمون إلى أسرة تركمانية صوفية تنتسب إلى الشيخ صفي الدين (ت 1334م) الذي تبنى المذهب الشيعي، والذي امتد نفوذ طريقته بحيث تمكن اتباعه بعد فترة من السيطرة على إيران – كلها – وفي عشرين من جمادى الثانية 914 هـ فتح الشاه إسماعيل الصفوي الذي آلت إليه قيادة الصفويين بغداد. ومارس فيها الكثير من المذابح ما ذكرها بمذابح المغول، وقد أبدى اهتماماً خاصاً بالعتبات المقدسة ومراقد آل البيت، وخرب المراقد الأخرى مثل قبر الإمام أبي حنيفة في محاولة منه لإثارة الفرقة بين أبناء العراق ولتحقيق مزيد من الهيمنة عليهم والتمكن منهم.

العثمانيون:في عهد السلطان سليم الذي حكم من 1512- 1520 اتجه العثمانيون إلى الشرق للاستيلاء على البلاد العربية ليبسطوا سلطتهم من خلال ذلك على الأمة الإسلامية – كلها – فدخلوا العراق وجعلوا منه ميداناً للصراع مع الصفويين والسلالات الحاكمة في إيران، وقد استمر الصراع بين الصفويين والعثمانيين في الساحة العراقية حتى نهاية القرن التاسع عشر. وكانت أثاره على المجتمع العراقي في غاية الخطورة. وقد دخل الصدر الأعظم بغداد في 24 جمادى الثانية 941 هـ الموافق 31 نوفمبر 1534 م، وبعد يومين دخلها السلطان العثماني سليمان الذي عرف باحترامه للأماكن المحترمة لدى كل الطوائف، وحاول أنصاف المظلومين وتوحيد الشعب من جديد. وقد تبنى الصفويون المذهب الشيعي في حين تبنى العثمانيون المذهب السني والفقه الحنفي، وقد سببت سنوات الاحتلال الصفوي والاسترداد العثماني الكثير من الخراب والدمار في النفسية العراقية إضافة إلى الآثار الاقتصادية السيئة التي أصابت الزراعة والصناعة والتجارة وكذلك انتشار الأوبئة والقلق الفكري والثقافي. وقد كان الصفويون ينتهكون حرمة ضريح الإمام أبي حنيفة، مما دفع العثمانيين في مرحلة من مراحل سيطرتهم على العراق أن نقلوا مجموعة كبيرة من عشائر العبيد السنية للسكن في الأعظمية لحماية ضريح أبي حنيفة من اعتداء الصفويين.

[17]- الفتح الإسلامي للعراق وأسلمته وإحياء عربيته وتفاصيل ذلك لا يخلو منها كتاب من كتب التاريخ التي تناولت فتوحات المسلمين، وكذلك الكتب والدراسات التي اهتمت بتاريخ العراق.

[18]- لمزيد من التفاصيل راجع الفصل الثاني "إدارة العراق" من كتاب "العراق في التاريخ" ص 321-340 مرجع سابق.

[19]- لمزيد من التفاصيل راجع: أطلس الحضارة الإسلامية للشهيدين إسماعيل الفاروقي، ولمياء الفاروقي، رحمهما الله، الطبعة العربية، ص 65-80. وكذلك كتاب العراق في التاريخ، مرجع سابق.

[20]- لمعرفة أهم الفرق والمذاهب والتيارات الفكرية التي نشأت في العراق يمكن أن نجد بعضه في الفصل الرابع من كتاب "العراق في التاريخ" مرجع سابق، ص 353-356. وكذلك كتاب الدكتور علي سامي النشار نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، وتاريخ المذاهب الإسلامية لمحمد أبو زهرة.

[21]- راجع: العراق في التاريخ، ص 262. مرجع سابق.

[22]- راجع: البداية والنهاية لأبن كثير، والكامل لأبن الأثير، والعراق في التاريخ، ص 315.

[23]- راجع الهامش رقم 16، وكذلك كتاب العراق في التاريخ، ص 323، وكتاب محمد حسين هيكل، الفاروق عمر، مبحث اجتهادات عمر.

[24]- معركة الجمل: سميت بمعركة الجمل نسبة إلى الجمل الذي كانت أم المؤمنين عائشة تركبه حين التقى الجمعان (جمع علي أمير المؤمنين وأتباعه، وجمع عائشة الذي رفع شعار المطالبة بدم عثمان). لمزيد من التفاصيل راجع: السيرة النبوية لأبن كثير وابن هشام، والبداية والنهاية وتاريخ الطبري والكامل لأبن الأثير.

[25]- الحديث رقم 3357 في صحيح البخاري، كتاب المناقب.

[26]- راجع كتاب: الإمام زيد، للشيخ محمد أبو زهرة، وفيه تفاصيل وافية عن الإمام زيد ومدرسته وبروز التشيع في المدينة المنورة.

[27]- الشهيد مهدي بن السيد محسن الطباطبائي الحكيم: هو صديق عزيز وفقيد غالي، والده السيد محسن - رحمه الله – إمام الشيعة الإمامية في عصره، والذي أعطت أسرته الكريمة مع السيد مهدي الحكيم والسيد باقر الحكيم ثلاثاً وستين شهيداً في ظل نظام الحكم الصدامي. تغمدهم الله جميعاً برحمته وتقبلهم عنده في مقعد صدق عند مليك مقتدر. وقد كان اغتيال  السيد مهدي في 17/1/ 1988 في فندق هيلتون/الخرطوم بأيدي البعثيين.

[28]- الأخباريون: طائفة من الشيعة بعضها مشبّهة وبعضها سلفية. لمزيد من التفاصيل حولهم راجع: الملل والنحل للشهرستاني (1/333) طبعة الحلبي، 1968.

[29]- دراسة تاريخ القبائل العربية والعراقية بصفة عامة لا يدع مجالاً للشك في هذا الحقيقة. وفي سائر الأحوال فإن المذاهب الإسلامية – كلها – تعود إلى العقيدة الإسلامية والشريعة القرآنية، وتستند إلى محكم آياته، وتجتمع عليه، واختلافاتها اختلافات تقع في دائرة الاجتهاد المأمور به شرعاً. لمزيد من التفاصيل راجع: العراق في التاريخ، مرجع سابق.

[30]- حديث الغدير: أو خبر الغدير: واحد من أخبار كثيرة ومتعددة وردت من طرق كثيرة في فضائل الإمام علي – كرم الله وجهه- فمن حديث زيد بن أرقم ورد من طرق عدة منها: قال: (استشهد علي الناس فقال: أنشدك الله رجلاً سمع النبى – صلى الله عليه وآله وسلم – يقول "اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عداه" قال فقام ستة عشر رجلاً فشهدوا). الحديث أخرجه الترمذي والإمام أحمد في الفتح الرباني 23/125. وقد كتب السيد العاملي موسوعة حول الحديث والواقعة التي قيل فيها قبل وفاته بلغت أحد عشر مجلداً.   

[31]- المراد بـ "المنـزلة" الحديث الذي فيه "أنت مني بمنزلة هارون من موسى" الحديث عن سعيد بن المسيب عن سعد بن أبي وقاص قال (خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً بالمدينة في غزوة تبوك فقال: يا رسول الله أتخلفني في الخالفة في النساء والصبيان فقال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ألا انه لا نبي بعدي) الحديث رواه مسلم 15/174، وذكره صاحب الفتح الرباني 21/204.

[32]- راجع حديث من أمر عمر بالإقرار برجمها فأعترض علي، وأقر عمر علي في ذلك. نص الحديث في: محمد حسين هيكل، الفاروق عمر، القاهرة: دار المعارف، 1982، ص 265.   

[33]- نجد هذه المباحث في أبوابها من كتب الفقه، ومن الجدير بالتنويه أن أئمة الشيعة يرون ضرورة أداء الأذان والصلاة بالعربية. وكذلك أركان الخطبة، ولهم في ذلك بحوث مطولة. في حين ذهب الحنفية إلى جواز ذلك. وكل ذلك نابع عن اجتهاد صادر من أهله، ولذلك فإنه اجتهاد معتبر.

[34]- راجع كتاب "الشيعة والدولة القومية"، حسن العلوي، وانظر هامش رقم 38.

[35]- دعبل الخزاعي: (148- 246 هـ/ 765-860 م) دعبل بن علي بن رزين الخزاعي، شاعر هجاء أصله من الكوفة، أقام في بغداد، له أخبار، وشعره جيد، وكان صديقاً للبحتري، وصنف كتاباً في طبقات الشعراء وكان مولعاً بالهجاء والحط من أقدار الناس، وهجا الخليفة الرشيد والمأمون والمعتصم وتوفي ببلدة تدعى الطيب في خوزستان.

[36]- الكميت الأسدي: (60-126 هـ / 680-744م) الكميت بن زيد بن الأسدي شاعر الهاشميين ومن أهل الكوفة، اشتهر في العصر الأموي وكان عالماً بآداب العرب ولغاتها وأخبارها وأنسابها، وكان منحازاً إلى بني هاشم كثير المدح لهم، ومن أشهر أشعاره "الهاشميات" وكان خطيباً لبني أسد وفقيهاً للشيعة وفارساً شجاعاً.

[37]- الفرزدق (110 هـ/ 728م) هو همام بن غالب التميمي، شاعر من أهل البصرة، عظيم الأثر في اللغة وكان يقال: لولا شعر الفرزدق لذهب ثلث لغة العرب.  وهو صاحب الأخبار والنقائض مع جرير والأخطل وكان شريفاً في قومه عزيز الجانب.

[38]- الإمام الشافعي(150- 204 هـ /767-820 م) هو محمد بن إدريس بن العباس القرشي المطلبي، أحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة، ولد في غزة وحمل منها إلى مكة، وزار بغداد مرتين، وقصد مصر سنة 199هـ وتوفي بها، وكان – رحمه الله – أشعر الناس وأعرفهم بالفقه والقراءات، وله تصانيف كثيرة  أشهرها (الأم) في الفقه، ومن كتبه أيضاً "المسند" و"أحكام القرآن" و"السنن" و"الرسالة" وله العديد من التصانيف المشهورة. 

[39]- استقدام الرشيد للشافعي، ورد ذلك في جل الكتب التي كتبت في مناقب الإمام الشافعي، والتي جاوز عددها الأربعين. 

[40]- من بين أهم المصادر التي بينت الدور الشيعي في العراق كتاب: عبد الله النفيسي، دور الشيعة في التطور السياسي في العراق، وكتاب: الشيعة والدولة القومية لحسن العلوي.

[41] -  راجع: العراق في التاريخ، مرجع سابق، ص 662-666.

[42]- أعد المرحوم عبد الرحمن الجليلي كتاباً في مجلد حول تاريخ الموصل خصص فيه قسماً كبيراً منه لهذا الموضوع.

[43]- وقد أصدر الشيخ محمود الحفيد طابعاً بريدياً لمملكته يعد من أغلى الطوابع البريدية الآن، ولولا الطائرات البريطانية لما تمكنت حكومة الملك فيصل من القضاء على دولته.

[44]- تعد طرق المواصلات ووسائل الاتصال من أهم الوسائل التي توجد التقارب والتداخل بين الشعوب والأمم، وتهيئ الأرض لتقوية العلاقات والتعارف وإيجاد وسائل التداخل وبناء المصالح المشتركة، ومن أهم الأمثلة الحية على ذلك هذه القارة الأمريكية الحافلة بكل ما في العالم من أديان ومذاهب وجذور أثنية وإقليمية لكن وسائل المواصلات جعلت منها بلداً موحداً. ولو أن أولئك الذين خرقوا أسماع الشعوب العربية بشعارات الوحدة والاتحاد أعادوا بناء سكة حديد الحجاز وربطوا سائر الأقطار العربية والمسلمة بخطوط مواصلات وشبكة اتصالات لكانت علاقات هذه الشعوب اليوم قوية ومتينة سياسياً واجتماعياً واقتصادياً.      

[45]- لماذا نصف الطائفية بالطائفية السياسية؟ نحن نصر على وصف الطائفية بالسياسية لأننا مؤمنون بمفهومها المعروف لا علاقة لها بالدين، ولا يمارسها علماؤه، ولا الواعون من عامة المتدينين، بل يمارسها في عالمنا سياسيون احترفوا العمل السياسي فإذا أردوا عصبية لإسناد مواقفهم السياسية، أو موجة شعبية ليركبوها أثاروا الطائفية وامتطوها أو القبلية والعشائرية، لذلك لا تكاد تجد طائفية بين علماء الدين والمراجع بل هم سياسيون يمارسون الطائفية في قراراتهم السياسية في التوظيف والتعليم ومنح الفرص للمواطنين.

[46]- كان السيد النقيب من بين من أيدوا حلول بريطانيا محل الأتراك، لذلك سارع برسي كوكس إليه لتشكيل حكومة مؤقتة برئاسته، وهو يعلم أنه سيكون ستاراً للاحتلال، وأن قرار اختياره قد صدر عن وزارة المستعمرات برئاسة تشرشل وبرسي كوكس وقائد القوات البريطانية في العراق ومس بيل السكرتيرة الشرقية لدار المندوب السامي. لمزيد من التفاصيل راجع: العراق في التاريخ، مرجع سابق، ص 667.

[47]- كان هذا العزل لطمس دور المراجع والعلماء وخفض الأضواء عن الإسلام باعتباره المحرك الأساس للجماهير، والمفجر لطاقاتها باتجاه التحرير، وإعطاء أضواء النصر لأعضاء الجمعيات السرية الذين تحالفوا مع بريطانيا ضد العثمانيين، تمهيداً لبناء دولة قومية تهمش المراجع وتحدث التغيير المطلوب.

[48]- لذلك كان الذين أحاط فيصل الأول نفسه بهم هم رجال الثورة والعسكريون العرب والعراقيون خاصة الذين شاركوا بريطانيا في القتال ضد الأتراك العثمانيين، وهم يعلمون أنهم بذلك يسلمون البلاد العربية، بل والعالم الإسلامي إلى بريطانيا بديلاً عن تركيا، وفي ذلك ما فيه. وهذا الذي حدث في العراق حدث في سائر الأقطار العربية والإسلامية الأخرى.

[49]- كما راهن من راهن على اضطهاد صدام للعراقيين، وظنوا أنهم سوف يستقبلون بالورود في كل مكان، فإذا بهم يواجهون بمقاومة غير متوقعة أو منتظرة، لأنهم لم يلاحظوا التركيب النفسي للشعب العراقي الذي احتلوا أرضه مدّعين تحريره!!.

[50]- المراجع والعلماء وشيوخ العشائر وقادة المجاهدين كان ينبغي أن تحتفظ ذاكرة الأجيال العراقية بذكر أهم سيرهم لا أمثال ميشيل عفلق ولا الياس فرح وأمثالهما من مكرسي الهزائم وباني أوكارها – على حد تعبير هاني الفكيكي -. ومن الغريب أن يجعل البعض من هدم القبة والمبنى الذي أقيم على قبر ميشيل عفلق قضية كبيرة تناقش على الأثير في حين أنهم لم يناقشوا دلائل إعدام شهداء العلماء والأئمة أمثال عبد العزيز البدري وباقر الصدر والشهداء الثلاثة والستين من أسرة الحكيم، وعدم تحقيق أي هدف من الحرب المعلنة وغير المعلنة وتدمير العراق وتسليمه للاحتلال والقضاء على مئات الألوف من شباب إيران والكويت.!.

[51]- يؤكد هذا أن الطائفية ليست ثمرة تدين، ولا إنتاج متدينين، بل هي إنتاج ساسة، وطلاب مناصب وعلمانيين قد لا يكون لديهم اهتمام بأي جانب من جوانب الدين بل قد تكون مواقفهم معادية له.

[52]- تراجع آثار ثورة العشرين على الخليج والجوار العراقي في سائر المظان التي تناولت تفاصيل هذه الثورة. وأما الشيخ خزعل وإمارته وعشائرها فتراجع مذكرات سـليمان فيض (378-388) طبعة دار الساقي، لندن، 1998، ففيها معلومات مهمة عن هذه الإمارة.  

[53]- الماتريدية: هم أصحاب أبي منصور محمد بن محمود المعروف بالماتريدي والملقب بإمام الهدي، ولد ونشأ في سمرقند موطن المناظرات والمجادلات في الفقه والأصول، وكان حنفي المذهب تلقى علوم الفقه والكلام على نصر بن يحيى البلخي، وضع كتباً كثيرة منها: كتاب تأويل القرآن، وكتاب الجدل، وكتاب الأصول من أصول الدين، وكتاب التوحيد والمقالات في علم الكلام. وحاول إثبات العقائد التي أشتمل عليها القرآن بالعقل والبراهين المنطقية، وقد اعتبرت الماتريدية أن معرفة الله تعالى مدركة الوجوب بالعقل، وأن الله تعالى منزه عن العبث وأن أفعال الله تعالى أرداها لحكمة أختارها، وأن الله تعالى خالق الأشياء كلها فلا شيء في الوجود إلا وهو مخلوق لله وحده لا شريك له.

[54]- الأشاعرة: هم أصحاب أبي الحسن على بن إسماعيل الأشعري (ت 330 هـ) ينسب أبو الحسن إلى أبي موسى الأشعري، وكان على مذهب المعتزلة في علم الكلام وتتلمذ على شيخهم أبي علي الجبائي، وأقام على الاعتزال حتى سن الأربعين حيث جرت بينه وبين أستاذه الجبائي مناظرة اعتكف على أثرها في بيته مدة خمسة عشر يوماً ثم خرج إلى الناس ودعاهم إلى الاجتماع في المسجد الجامع في البصرة ثم صعد المنبر وقال: أيها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا اعرفه بنفسي أنا كنت أقول بخلق القرآن وأن الله تعالى لا يرى بالأبصار، وأنا تائب مقلع متصد للرد على المعتزلة فأخرج فضائحهم. ومن آرائه أيضاً إن علم الله تعالى واحد يتعلق بجميع المعلومات المستحيل، والجائز، والواجب والعدم، وقدرته واحدة تتعلق بجميع ما يصلح من الجائزات وإرادته واحدة تتعلق بجميع ما يقبل الاختصاص، وكلامه واحد هو أمر ونهي وخبر واستخبار ووعد ووعيد. كما أثبت أن السمع والبصر لله تعالى صفتان أزليتان وأثبت أن اليدين والوجه صفات خبرية. والإيمان عند الأشعرية هو التصديق بالجنان فمن صدق بالقلب واعترف باللسان صح إيمانه، وقد أنتشر المذهب الأشعري في العراق ثم في مصر أيام صلاح الدين الأيوبي وكذلك في سوريا وبلاد المغرب العربي.

[55]- أن ما نقوله قد لا يعجب الكثيرين من أولئك المعجبين بالنظام الملكي الذي قام في أعقاب ثورة العشرين لأن من جاؤا بعده ارتكبوا من الأخطاء بل والجرائم ما جعلهم ينظرون إليه على أنه كان الصورة المثالية، لكن الناظر إلى ذلك النظام بشكل موضوعي، لا بد له أن يدرك أن ما جاء بعده من نظم العسكر والبعثيين والطائفيين لم يكن إلا ثماراًُ مرة لغرسه، فلو طاب الغرس لطابت الثمار، ومجيء من هو أظلم لا ينبغي أن ينسي الناس دور الظالم في مجيء من هو أظلم، ودور المنحرف في مجيء من هو أكثر انحرافاً فذلك أمر يكاد يكون طبيعياً. فأيلولة النظام العراقي إلى دكتاتورية صدام لا ينبغي أن تغطي على البذور والجذور الفاسدة التي أفرزت نظامه البشع.

[56]- مثال على ذلك الامتهان أن مقبرة النجف قد أعطيت "باللزمة" إلى ملتزم يهودي كان المسؤول عن السماح بدفن أموات المسلمين الشيعة في المقبرة من عدم ذلك، وكان يتقاضى على ذلك أموالاً ترهق كواهل أهل المتوفى، إضافة إلى إجراءات أخرى تعد بحد ذاتها أهانة بالغة حفلت بها تلك الصفحات المطوية من تاريخ العراق.

[57]- لعلي الوردي كتاب حمل هذا العنوان (وعاظ السلاطين) نشر في بغداد في خمسينات القرن الماضي وأعيد طبعه عدة مرات.

[58]-  كان الإمام الخوميني وبعض أنصاره المقربين يطلقونه على بعض من لا يولون القضايا العامة وشؤون الأمة عناية واهتماماً كافيين.

[59]- تناول الأخ الشيخ صادق العبادي بيان بعض الفوارق بين الحوزات والمدارس السنية، في دراسة خاصة نشرت في بعض أعداد مجلة "الشهيد". ويمكن الاستفادة من كتاب "الجامعة الزيتونية" لعبد المجيد النجار. "والجامع والجامعة" لزكي الميلاد. ويراجع نتاج "مؤتمر علوم الشريعة" الذي صدر بجزأين عن المعهد العالمي للفكر الإسلامي، و"الأزهر بين الجامع والجامعة" وبعض الدراسات التي أعدت في هذا المجال لنيل درجات جامعية.

[60]- راجع على سبيل المثال: تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام وكذلك حوادث سنة 80 هـ، ولا يكاد يخلو كتاب من كتب التاريخ التي أرخت لتلك الفترة من ذكر لتلك الواقعة الخطيرة التي كبدت الأمة الكثير.، وقد أفردت هذه الواقعة أو المصيبة بتآليف كثيرة يصعب حصرها.

[61]- راجع: ديوان الكميت بن زيد الأسدي، بتحقيق محمد نبيل، الطبعة الأولى، بيروت، دار صادر، 2000.

[62]- وثيقة المدينة: يمكن مراجعتها في كتاب "الوثائق السياسية في العهد النبوي" لمحمد حميد الله، وكتاب "المجتمع المدني" لأكرم ضياء العمري.

[63]- إن هناك إمكاناً كبيراً لإيجاد تداخل بين العناصر المكونة للشعب العراقي من عرب وأكراد وتركمان وشيعة وسنة ومن إليهم اكبر بكثير من التداخل الحاصل الآن، بحيث يعرف الناس بعضهم بعضاًَ، وتبنى بينهم روابط مصاهرة، و أواصر قربى، ومصالح مشتركة، وحين يتخذ قادة البلد وعقلاؤه من ذلك هدفاً فإن عليهم أن يضعوا له الاستراتيجية اللازمة والوسائل الفعّالة لتحقيقه، ورسم سياسات أخرى تسهل هذا التداخل وتشجع المواطنين على تحقيقه وبلوغه بوسائل ودوافع ذاتية تصنعها الروابط المشتركة وشبكات الاتصال والمصالح وما إليها، فذلك أعمق أثراً من تلك السياسات الخرقاء العنصرية والطائفية التي اعتمدها "صدام" وأمثاله في نقل قبائل عربية إلى المناطق الكردية بعد تهجير أهلها، وتدمير علاقاتها، فهذه السياسات الخرقاء قد زادت الطين بلة، والمرض علة، فلا بد من تجاوزها بسلام.         

[64]- المتغيرات من أوضاع اقتصادية، وتنقل وإيجاد فرص ونسب سكان. كل تلك الأمور ليس من الصعب التفاهم عليها، إذا اتفق على الثوابت وحصلت القناعة بها وتوافر حسن النية وسلامة الطوية.

[65]- انظر قضية نفي الإمام الخالصي ومخاطبة الشيخ خزعل (أمير المحمرّة) للملك فيصل باستضافته في الإمارة ورفض الأخير. راجع في ذلك: مذكرات سليمان فيض، مرجع سابق. ولقد كان العلماء الكبار الذين يمارسون دور المعارضة منذ عهد الدولة الأموية كثيراً ما كانوا يلجئون إلى "خراسان" والمناطق المجاورة لها ابتعاداً عن مضايقات وجود السلطان. وكثيرون من السادة والأشراف المعارضين كانوا يعمدون إلى حمل نسب أو ألقاب ترتبط بأماكن إقامتهم نحو الشهرستاني والقزويني والخوئي إمعاناً في التكتم، ونأياً عن المضايقات. وكان المؤرخ الكبير "ناجي معروف" قد شرع في إنتاج موسوعة "علماء العرب" الذين حملوا ألقاباً أعجمية أصدر منها قبل وفاته أربعة مجلدات، ولم يتصل العمل بها، والأمر يتعلق ببيان الواقع لا بالتعصب بقبيل على قبيل.

[66]- لمزيد من المعلومات حول هذه الحقب التاريخية، راجع الهامش رقم 16.

[67]- نعني بالاحتلال الثالث: ذلك الاحتلال المختلط أو المشترك الذي قامت به أمريكا وقوى التحالف بغزو العراق في العشرين من مارس "آذار". وسقوط بغداد في التاسع من أبريل "نيسان" عام 2003 لأن هذا الاحتلال قد سبق بسقوط العراق بين احتلالين. الأول الذي بدأ بحملة ديلامين الذي حررت العراق منه ثورة العشرين. الثاني الذي أعقب حركة مايس التي قادها المربع الذهبي بقيادة العقيد صلاح الدين الصباغ ورشيد عالي الكيلاني.

[68]- مطاع صفدي، "حزب البعث: مأساة المولد ومأساة النهاية. بيروت: دار الآداب، أكتوبر 1964، وسوف نشير إليه فيما بعد بـ "حزب البعث".

[69]- حزب البعث، مرجع سابق.

[70]- حزب البعث، مرجع سابق، ص 65.

[71]- حزب البعث، مرجع سابق.

[72]- هناك كتاب هام كتبه صلاح نصر (مدير المخابرات المصرية الأسبق) بعنوان "معركة الكلمة والمعتقد" عالج فيه ممارسات التعذيب التي تمارس لتغيير الآراء والأفكار والمعتقدات منذ عهد الفراعنة إلى عهده. وهناك أيضاً موسوعة أعدها الشالجي في ستة مجلدات عنوانها "موسوعة العذاب" وهي تصب في الإطار ذاته، وفي كل منهما نجد نماذج كثيرة لمصادرة حرية الرأي وحرية المعتقد.

[73]- يقول مطاع صفدي البعثي المؤرخ لحزب البعث: "تعتبر مأساة الارسوزي أول فضيحة كبرى في نشأة حزب البعث على يد عفلق الذي سرق طلائع الارسوزي وعقيدته الجديدة، وساهم في أبعاد هذا المفكر المناضل الفذ عن ساحة العمل الفكري والنضالي". راجع "حزب البعث، مرجع سابق، ص 66.

[74]-  حزب البعث، مرجع سابق، ص 51.

[75]- حزب البعث، مصدر سابق، ص 52، وانظر: أوكار الهزيمة، هاني الفكيكي، بيروت: دار رياض الريس، 1997، ص 143.

[76]- لا نود الخوض في بيان الآثار الفكرية والنفسية والاجتماعية التي ترتبت على ذلك المركب، فقد تكفل البعثيون أنفسهم فيما كتبه مؤرخوهم بذلك ومنهم مطاع صفدي في "حزب البعث: مأساة المولد ومأساة النهاية" ومنيف الرزاز في "التجربة المرة" وهاني الفكيكي في "أوكار الهزيمة". إضافة إلى العديد من الدراسات الغربية ودراسات الخصوم، وقد يكون ما في "حزب البعث" مرجع سابق، ص 68-76 كافياً لتوضيح ذلك بشهادة شاهد من أهلها.    

[77]- حزب البعث، مرجع سابق، ص 84.

[78]- حزب البعث، مرجع سابق، ص 79.

[79]- حزب البعث، مرجع سابق، ص 148.

[80]- ليونارد بايندر. الثورة العقائدية في الشرق الأوسط، ترجمة: جبرى حماد، القاهرة: دار القيم، 1966.

[81]-  هيردر "1744-1803" مفكر وناقد ألماني، ولد في روسيا الشرقية، ومن دعاة حركة التجديد الفكري في ألمانيا، سار على نهج في الإيمان والتطور. 

[82]- لويس برجسون "1859- 1941" فيلسوف فرنسي ولد في باريس من أصل يهودي، كان والده موسيقياً، درس في كلية فرنسا للفلسفة وانتخب عضواً في المجمع العلمي الفرنسي 1914، وحصل على جائزة نوبل 1928.

[83]-  مراد وهبة. المذهب في فلسفة برجسون. القاهرة: دار المعارف، 1960.

[84]- هنا يستعير عفلق من الإسلام مفهوم الفطرة ويسقطه على عقيدته وأفكاره البعثية.

[85]-  في سبيل البعث، مرجع سابق، ص 10- 15، وكذلك الثورة العقائدية، مرجع سابق، ص 243

[86]- مراد وهبة، مرجع سابق، ص 49.

[87]- في سبيل البعث، مرجع سابق، ص 9.

[88]- مراد وهبة، مرجع سابق، ص 13، ولا يخفى أن "الرؤية" شيء عائم لا ضوابط له، وهي مجرد تلاعب يستهدف إعطاء ما سمياه بـ "الرؤية" وزناً أعلى من الرأي الشخصي المبني على ذوق أو وجدان أو نحو ذلك.

[89]- في سبيل البعث، مرجع سابق، ص 49.

[90]- العقائدية في الشرق الأوسط، مرجع سابق، ص 243-244.

[91]- ميدل ايست فورم، مج 23، ع 2، 1958، حديث مع عفلق، ويقصد عفلق – هنا -  جميع القيم سواء أكانت دينية أو ثقافية.

[92]-  أي حب هذا الذي يتحدث عنه القائد المؤسس؟ أهو حب القتل والإبادة والمقابر الجماعية؟! فهو يحض الطلائع على القسوة ولكن بدافع الحب. ترى لو حلل أطباء نفسيون نفسية القائدة المؤسس ماذا يجدون فيها؟ ولكن لا داعي للتحليل (فهو مرفوض عند عفلق) والعراق والتدمير والتنكيل الذي لحق به شاهد على أمراضه وعاهات اتباعه. 

[93]- في سبيل البعث، مرجع سابق، ص129

[94]- المرجع السابق، ص111

[95]- المرجع السابق، ص 140.

[96]- الثورة العقائدية، مرجع سابق، ص 353-357.

[97]-  في سبيل البعث، مرجع سابق.

[98]- أصل هذا التعبير مأخوذ من الحديث الوارد في مسند أحمد ونصه: عن عطاء بن أبي رباح قال: حدثني من سمع أم سلمة تذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في بيتها فأتته فاطمة ببرمة فيها خزيرة فدخلت بها عليه، فقال لها: ادعي زوجك وابنيك قالت: فجاء علي والحسين والحسن فدخلوا عليه فجلسوا يأكلون من تلك الخزيرة وهو على منامة له على دكان تحته كساء له خيبري، قالت: وأنا أصلي في الحجرة فأنزل الله عز وجل هذه الآية: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا}"الأحزاب:33" قالت: فأخذ فضل الكساء فغشاهم به ثم أخرج يده فألوى بها إلى السماء ثم قال:اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. قالت: فأدخلت رأسي البيتَ فقلت: وأنا معكم يا رسول الله؟ قال: إنك إلى خير، إنك إلى خير.

رواه أحمد عن أم سلمة في باقي مسند الأنصار، رقم: 25300، 25339، 25521

[99]- صحيح مسلم، كتاب العلم، الحديث رقم 4830.

[100]- راجع كتاب شيخنا: عبد الغني عبد الخـالق. حجية السنة. هيرندن: فيرجينيا، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1986، 598 ص.

[101]- الحديث أخرجه مسلم في كتاب العلم، باب من سنى سنة حسنة، رقم الحديث1017.

[102]- أعد أخونا وولدنا الأستاذ الدكتور نصر عارف دراسة قيمة استقرأ فيها ما هو متوافر من مخطوطات ومطبوعات في هذا المجال، وقد جاوزت الدراسة ثلاثمائة مصدر في حين أن الكاتبين في السياسة لم يرجعوا لأكثر من ثمانية عشر مرجعاً، وعمموا أحكامهم في الفكر والنظريات السياسية والتاريخ الإسلامي بمقتضاها ووفقاً لما ورد فيها. لمزيد من التفاصيل راجع: نصر محمد عارف، في مصادر التراث السياسي الإسلامي، هيرندن: فيرجينيا، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1994.

[103]-  الراغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، تحقيق: صفوان عدنان داوودي: دمشق، دار القلم، ط2، 1997. مادة (أمّ).

[104] - أبو نعيم الأصفهاني، حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا: بيروت: دار الكتب العلمية، ط1، 1997. 5/380.

[105] - أبو الفتح الشهرستاني، الملل والنحل، تحقيق: عبد العزيز محمد الوكيل: بيروت: دار الفكر، د.ت، ص 31.

[106]- خلق القرآن: قضية أثارها المعتزلة فنفوا كون القرآن قديماً خوفاً من وقوع المسلمين فيما وقع فيه النصارى من تأليه الكلمة، فعيسى "كلمة الله" فظنوا أن المسلمين قد يسلكون المسلك نفسه فيؤدي بهم إلى الشرك. وقد فرض المأمون والمعتصم على العلماء تبني هذه المقولة، وعذب الإمام أحمد بن حنبل وغيره بسببها، ودامت هذه الفتنة ثمانية عشر عاماً ثم أبطل المتوكل القول بها. 

[107]- محمد أبو زهرة، تاريخ المذاهب الإسلامية: القاهرة: دار الفكر العربي، د.ت، 1/180-194.

[108]- محمد عبده، رسالة التوحيد، تحقيق: محمد عمارة: القاهرة،دار الشروق، ط1، 1994،ص 28.

[109] - أبو منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي الإسفرائيني، الفَرق بين الفِرق، تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد: بيروت، المكتبة العصرية، 1995. ص 312-318.

[110] - أبو المظفر طاهر بن محمد الإسفرائيني، التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين، تحقيق: كمال يوسف الحوت: بيروت، عالم الكتب، ط1، 1983. ص 185-187.

[111]- رواه أبو داود في كتاب السنة، باب: شرح السنة، رقم:4597، وابن ماجه في كتاب الفتن، باب: افتراق الأمم، رقم 3992.

[112]- الحديث أخرجه الترمذي في كتاب الفتن، باب ما جاء في لزوم الجماعة، رقم الحديث 2091.

[113]- نعني بـ "فتنة التفسير" الإصابات التي نزلت بالتفسير، وخاصة كتب التفسير بالمأثور وما حوته من روايات وإسرائيليات. ولا نحصر الإسرائيليات –هنا- بروايات التراث اليهودي وحسب، وإنما يدخل معه أيضا المروي من تراث النصارى وفارس وسواهم. يقول ابن خلدون في هذا الصدد: "قد جمع المتقدمون في ذلك [يعني التفسير بالمأثور] وأوعوا، إلا أن كتبهم ومنقولاتهم تشتمل على الغث والسمين، والمقبول والمردود. والسبب في ذلك أن العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم، وإنما غلبت عليهم البداوة والأميّة، وإذا تشوقوا إلى معرفة شيء مما تتشوق إليه النفوس البشرية في أسباب مكونات بدء الخليقة وأسرار الوجود فإنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم،، ويستفيدونه منهم، وهم أهل التوراة من اليهود ومن تبع دينهم من النصارى. وأهل التوراة الذين بين العرب يومئذ بادية مثلهم، ولا يعرفون من ذلك إلا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب، ومعظمهم من "حمير" الذين أخذوا بدين اليهودية، فلما أسلموا بقوا على ما كان عندهم مما لا تعلق له بالأحكام الشرعية التي يحتاطون لها، مثل أخبار بدء الخليقة، وما يرجع إلى الحدثان والملاحم، وأمثال ذلك. وهؤلاء مثل: كعب الأحبار، ووهب بن منبه، وعبد الله بن سلام، وأمثالهم. فامتلأت التفاسير من المنقولات عنهم، وفي أمثال هذه الأغراض أخبار موقوفة عليهم، وليست مما يرجع إلى الأحكام فيتحرّى فيها الصحة التي يجب بها العمل. وتساهل المفسرون في مثل ذلك، وملأوا الكتب بهذه المنقولات، وأصلها –كما قلنا- عن أهل التوراة الذين يسكنون البادية ولا تحقيق عندهم بمعرفة ما ينقلونه من ذلك، إلا أنهم بَعُد صيتهم، وعظمت أقدارهم لما كانوا عليه من المقامات في الدين والملة، فتلقت بالقبول يومئذ..." ابن خلدون، المقدمة، ص490 وما بعدها.

[114]- اخترنا هذا التعبير في إشارة إلى الحديث المروي عند أحمد والبغوي والطبراني من طريق أبي كثير المحاربي قال: سمعت خَرَشَة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ستكون بعدي فتنة الحديث. ينظر: ابن حجر العسقلاني، الإصابة في تمييز الصحابة، مصر: مطبعة السعادة، ط1، 1910. 1/423

[115]- يراد بالتواتر المعنوي أن ينقل جماعة وقائع مختلفة تشترك كلها في أمر معين، فيُحمل الاشتراك في الاتفاق على الرواية باعتباره تواترا معنويا. وقد شاع القول بالتواتر المعنوي بين الفقهاء والأصوليين. والمعروف أن كثيرا من الفقهاء والأصوليين يغلب عليهم إيراد الآيات والأحاديث من قبيل الشاهد أكثر مما هو من قبل الدليل المنشئ للحكم، ولذلك غلب عليهم إيراد الشواهد على أحاديث قد لا تكون قد بلغت من درجات الصحة أقصاها، بل قد يكون فيها الضعيف والغريب والمرسل وما إلى ذلك. والناظر في الفقه الخلافي (الفقه المقارن) يلحظ كيف كان بعض أصحاب المذاهب يفند أو يطعن أو يرفض الأحاديث الواردة لدى المذاهب الأخرى سواء بالطعن في سندها أو متنها. ومن هنا ظهر وشاع تداول واستخدام تعبير "التواتر المعنوي" أو قالوا: "هذا الحديث يستغنى بشهرته عن طلب الإسناد له" وفي هذا من الخلل المنهجي ما لا يخفى على مطلع.

[116]- المراد بهذا التعبير –أصلا- هو ما روي من طريق الآحاد، وتلقت الأمة معناه بالقبول. وقد عرفه علماء الأصول بأنه " ما حَكم بصحته المعصوم – كالأمة، فعُلم صدقه بالنظر" وهذا التعريف يفترض حكم جميع المجتهدين المختصين بصحته، أو أن يكونوا بين مصحح له وعامل بموجبه، وليس الأمر كذلك في هذا الحديث. ويمكن أن يقال أن المتلقى بالقبول من هذا الحديث هو القدر المشترك من الروايات؛ وهو الإخبار بافتراقها، وتُعامل الزيادات كروايات مستقلة، منها المقبول ومنها المردود، وبذلك تنحصر دلالة الحديث على الإخبار بافتراق الأمة لا غير. ينظر: محمد يحيى سالم عِزّان. حديث افتراق الأمة تحت المجهر. صنعاء: مركز التراث والبحوث اليمني، 1422هـ / 2001 م. ص 92 وما بعدها.

[117]- ينظر في ذلك مقدمة كتاب الملل والنحل للشهرستاني، والفصل في الملل والنحل لابن حزم.

[118]- راجع: الشاطبي، الاعتصام، القاهرة، المكتبة التجارية، د.ت، (2/190-191).  

[119]- راجع: محمد سالم عزان، مرجع سابق.             

 

تجديد الدَور العربي المسيحي

تجديد الدَور العربي المسيحي

د. فائز عزيز أسعد*

تمهيد

لم يُكتَب الكثيرُ عن التاريخ العربي المسيحي، والذي كُتِبَ لم يرقَ إلى المستوى العلمي التاريخي المطلوب، باستثناء القليل من الكتّاب العرب، ربَّما، منهم الأب لويس شيخو اليسوعي والأب د. جورج شحاتة قنواتي، وهذا امتدادٌ للنقص في كتابة التاريخ العربي كله. إلا أنَّ هناك طمساً لا يخلو من غرابة للتاريخ العربي المسيحي، يُضاف إلى النقص العام للتاريخ العربي، سواء في كُتب التاريخ العربي أو مناهج الدراسة العربية أو حتّى في الدراما العربية، التاريخية منها والمعاصرة.

إنَّ أية كتابة علمية عن تاريخ العرب المسيحيين ينبغي أن تحدِّد، بدقّة مقبولة، أصولهم ومواقع سكناهم وانتشارهم، والتواريخ الصحيحة لقبولهم الإيمان المسيحي، والكيانات السياسية التي أوجدوها عبرَ المراحل التاريخية، ودورَهم في الحياة العامة، ومصيرهم الحالي. لقد وجدتُ خبطاً غير مقبول في تحديد من هو "العربي المسيحي"، ووجدتُ في الكتابات التي تطالعنا على مواقع "الإنترنت"، تسرُّعاً وخلطاً لا يمكن قبوله. فمِن رافض لفكرة الوجود العربي المسيحي، وكأنه يرفض التاريخ نفسه، إلى مغالٍ في وصف هذا الوجود، وكأنَّ كلَّ من وجِدَ على الأرض العربية، كان عربياً مسيحياً في الأصل.

لذلك سأحاول أن أُعطي صورة أقرب إلى الواقع، بالقدر الذي توفره المراجع العربية، المسيحية منها والإسلامية، والمراجع اليونانية والرومانية والسريانية التي استندت إليها المراجع العربية، والتي تتسم بدقة أكثر من المراجع العربية نفسها، وهذه هي المفارقة الغريبة.

إنَّ مدخلاً سيكون ضرورياً للحديث عن مَن هُم العرب وأين قطنوا، وما هي عقائدهم وما مستوى حضارتهم.

وإنَّ البداية تتناول العرب المسيحيين قبل الإسلام وكيف دخلوا المسيحية، ومتى، وما هي مذاهبهم، وما هي مناطق انتشارهم، وما حضارتهم وما هي الكيانات السياسية التي أسسوها.

وبعد هذا ما هو مصيرهم، وما هو دَورهم في مرحلة المَد الإسلامي حتى سقوط دولة الخلفاء الراشدين، ومن ثَمَّ، ما كان واقعهم في ظل الدولتين الأُموية والعباسية.

ثم ما آل إليه مصيرهم في ظل الحكم الإسلامي غير العربي حتى بداية القرن العشرين.

ثم ما هو دَورُهم في النهضة العربية الحديثة وظهور الحكم العربي الوطني.

وأخيراً ما هو واقعهم الحالي وما ذا ينبغي أن يكون.

من هنا سيتناول هذا البحث المسائل الآتية:

المدخل: موطن العرب وانتشارهم.

البند الأول: العرب المسيحيون قبل الإسلام.

البند الثاني: العرب المسيحيون في العهد العربي الإسلامي.

البند الثالث: العرب المسيحيون في العهد الإسلامي غير العربي.

البند الرابع: العرب المسيحيون والنهضة العربية.

الخاتمة:

***

 المدخـل: موطن العرب وانتشارهم.

اختلف الجغرافيون في تحديد الأقسام التي تشتمل عليها ما يمكن تسميتها "الأراضي العربية". ولكن طبقاً للاتجاه العام فإنَّ الأراضي العربية الأصلية تحتل مساحة شاسعة مركزها "شبه جزيرة العرب" التي تزيد على مليون ميل مربع، وتمتد من بحر العرب جنوباً حتى أقصى حدود ما يسمى حالياً المملكة العربية السعودية. ويغلب على تكوينها الصحارى والسهول الرملية التي تجرى تحت سطحها المياه، ومنها بادية الشام وبادية العراق "1". وعلى هذا فالأراضي العربية تشمل صحارى نجد والحجاز واليمن وحضرموت ومهرة والبحرين وعمان والجوف واليمامة والاحساء وأجزاء من العراق ومن بلاد الشام وباديتها إلى حوران واللجا والصفا والبلقاء والجولان وإلى برية طور سيناء "2".

ولكن من هم العرب؟.

يكاد يُجمِع الباحثون على أنَّ العرب هم من اكثر الشعوب اقترابا وتمثيلا للجنس السامي، الذي ظهر حوالي الألف الرابع قبل الميلاد، وصفاته: الشعر الأسود والوجه البيضاوي والأنف المستقيم أو المحدَّب "3". وهناك تقسيم للعرب قد لا يتفق عليه المؤرخون ولكنه يبدو وكأنه هو السائد، وهو التقسيم الثلاثي: العرب البائدة الذين لم يصلنا من آثارهم شيء ومنهم قيدار وميديان وعاد وثمود، والعرب العاربة وهم عرب شمال وجنوب الجزيرة العربية ويعرفون بالقحطانيين، وهم سكّان اليمن وحضرموت، وهم العرب المتحضِّرون الذين أنشأوا دول معين وسبأ وحمير وتدمر والبتراء والرها. وكان الحميريون في اليمن يكتبون بالخط المسند وهو أقدم الخطوط العربية، ومن قبائلهم: جرهم والأوس والخزرج والغساسنة وقضاعة وأياد وتغلب وعذرة. وسنرى أن العرب المسيحيين، في غالبيتهم، من العرب العاربة، وأخيراً العرب المستعربة وهم عرب وسط الجزيرة العربية، ويُعرفون بالعدنانيين، وهم سكان الحجاز وتهامة ونجد، وهم العرب البدو الرحل"4".

ديانات العرب

لقد توزَّع العرب في عقائدهم الدينية، ولكنَّ الغالب عليهم كان عبادة آلهة متعددة أُخذ بعضها من عبادات الشعوب المجاورة بعد تعريب أسمائها، كهُبل وإساف ونائلة وود وسواع والعزّى والفُلس وذو الكعبات واللات ومناة ، بل عبَد بعضهم الظواهر كالشمس والقمر والزهرة، ومنهم من عبَد الجماد كالحجارة البيضاء والسوداء، والنبات كالنخل، والحيوان كالنسر. وكانت القبائل تختص كل منها في عبادة إله بعينه، وكان البدو الرحَّل يعبدون آلهتهم في الهواء الطلق، أما الحَضر كالحميريين والنبطيين والحيرة وكندة وغسان فكانوا يقيمون لها أماكن ثابتة دعيت مساجد وكعبات ولها حرَم. وكانت هناك عبادات دخيلة كالمجوسية والصابئية الحرانية والمندائية والمانوية "5".

ومع ذلك كانت عقيدة "التوحيد" أي الإيمان بالله الواحد، قد تسرَّبت إليهم ربما عن طريق اليهود الذين دخلوا شمال الجزيرة العربية واستوطنوا وسط الجزيرة العربية، وفي مناطق من الحجاز بخاصة بعد هجرتهم من فلسطين بسبب القرار الروماني بطردهم بعـد فشل ثورتهم على السلطة الرومانية والتي بلغت ذروتها في

السنة السبعين للميلاد، وعن طريق الاحتكاك التجاري بمسيحيي الشام والحبشة والبيزنطيين. ومن هنا، ربّما، جاءت عقيدة (الشرك) التي جمعت بين الإيمان بالله والإيمان بآلهة وثنية تختص كل قبيلة بواحد منها، كعامل تمييز.

البند الأول: العرب المسيحيون قبل الإسلام

يختلف المؤرخون في تحديد تاريخ دخول المسيحية كعقيدة إيمانية إلى بلاد العرب. ولكنَّ الكتاب المقدس في العهد الجديد يشير إلى أنَّ بعضاً من العرب الأدوميين وما وراء نهر الأردن تقاطروا لسماع تعاليم السيد المسيح (متى 4/24 ومرقس 3/7) كما أنَّ السيد المسيح عَبر نهر الأردن وتجوَّل في المدن العشر (متى 8/31) وفيهم العرب من أهل المدر. وفي سفر أعمال الرسل (2/41) تحديداً، يذكر وجود عرب بين المجتمعين في أورشليم (القدس) يوم "العنصرة" أي يوم حلول الروح القدس على تلاميذ السيد المسيح في اليوم الخمسين بعد ارتفاعه بحسب وعده لهم، ما يعني احتمال أن يكون هؤلاء أو بعضاً منهم أول مَن نقل الإيمان المسيحي إلى العرب، ويعني دخول المسيحية بلاد العرب منذ القرن الأول الميلادي، وفي القرن الرابع كانت المسيحية قد انتشرت بينهم "6"

وتُشير المراجع التاريخية إلى أنَّ التبشير بالمسيحية لدى القبائل العربية تمَّ، أساساً، على يد كنائس المشرق في بلاد وادي الرافدين التي تعتمد اللغة السريانية وكنائس بلاد الشام التي تعتمد بعضها اللغة اليونانية وهي كنائس الروم وبعضها اللغة السريانية وهي كنائس أنطاكيا. كما لا يمكن إنكار دور كنائس الحبشة أيضاً. ومن هنا نجد أنَّ العرب الذين دخلوا المسيحية لم يؤسسوا "كنيسة عربية" برغم وجود أُسقفيات عربية، بمعنى أنهم لم يعتمدوا اللغة العربية كلغة طقسية خاصة بهم، وقد يكون هذا واحداً من العوامل التي أضعفت الوجود العربي المسيحي، فلقد اعتمدوا اللغتين السريانية واليونانية في كنائسهم التي هي امتداد للكنائس ذات الطقس السرياني واليوناني ولحد الآن، برغم تعريب طقوسهم لاحقاً. وهذا ما يقود إلى التساؤل عن سبب عدم اعتماد اللغة العربية في كنائسهم، فهل هو بسبب هيمنة الكنائس السريانية واليونانية أم بسبب أنَّ اللغة العربية لم تكن قد ثبتت كلغة كتابة حين دخل العرب في المسيحية؟. ولكن لماذا استمر الحال حتى بعد انتشار الكتابة العربية التي كان للمسيحيين قصب السبق في نشأتها؟.

وعلى أية حال فإنَّ دخول المسيحية إلى أرض العرب كان دخولاً متقدماَ، أي

في وقت يرجع إلى القرن الميلادي الأول، وبطرق مختلفة وعلى يد مبشرين من كنائس مختلفة وبلغات مختلفة، وهذا ما كان سبباً في انتشار المذاهب المسيحية المختلفة بين العرب المسيحيين كالنسطورية التي وصلت إلى مسيحيي اليمن، في نجران بخاصة، واليعقوبية والمونوفيزية في الشام، إضافة إلى الهرطقات والبدع كالآريوسية والأبيونية وبدعة المريميين التي كان لها وجود لدى بعض نصارى وسط الجزيرة العربية، برغم تحريمها من المجامع الكنسية المسكونية "7".

القبائل العربية المسيحية وانتشارها

بالرجوع إلى المصادر نجد أنَّ المسيحية انتشرت بين العديد من القبائل العربية، بمستوى أوسع مما يعتقد الكثيرون، وكان انتشارها قد شمل بلاد الشام في دمشق وتدمر وحمص وحماة وحلب والبوادي حتى نهر الفرات، ومن بين سكانها العرب النبطيون وقبائل بادية الشام وأغلبهم انحدروا من اليمن ومنهم: قضاعة وسُليم وغسان وطي وبهراء وتنوخ ولخم وكندة وأياد وتغلب، وانتشروا في الغور والسلط والبلقاء والكرك وغزة وصحارى موأب، وشمل مصر في النجب وجبل موسى وفاران وشبه جزيرة سيناء. وفي اليمن في الجنوب الشرقي من جزيرة العرب ومنها عسير ومهرة وحضرموت والشمر ومأرب وظفار وصنعاء ونجران واليمامة والبحرين وقطر وزبيد ودمار وعدن وعُمان.

أما في العراق، فقد انتشرت المسيحية بين عربها منذ القرن الأول عن طريق القوافل في الجزيرة والموصل وأرض السواد، فقد دخلتها القبائل اليمنية من الأزد وأياد ولخم وتغلب وبنو الحارث بن كعب وربيعة والمناذرة وأسسوا دولة المناذرة واستقروا في الأنبار ثم في الحيرة وبابل والسواد وعاقولا (الكوفة لاحقاً) والجزيرة والموصل والمناطق الواقعة بين بادية الشام والعراق كجزيرة بن عمر وديار بكر بن وائل حيث عُثر على كتابات ورموز ونقوش عربية مسيحية منحوتة تعود للقرن الأول الميلادي"8".

أما في الحجاز، أي وسط الجزيرة العربية، فقد وجد المسيحيون العرب في مكة والمدينة وأيلة وتيماء والطائف وتبوك ومعان ووادي القرى، وهم مـن قبائل جرباء

وأذرح وقضاعة وبني الحرث وبني شظية والأوس والخزرج وجُرهم وأسد، إلا أنَّ هذا الوجود كان ضعيفاً. ووجدوا في بلاد نجد، وأكبر مراكزهم في دومة الجندل، وهم من قبائل طي والسكون والسكاسك وبني كلب وتغلب وتنوخ وكندة "9".

التكوين السياسي العربي المسيحي

بسبب توزُّع العرب المسيحيين جغرافياً وتنوّع انتمائهم القبلي، لا يمكن القول بوجود تكوين سياسي بارز وجامع، إضافة إلى الهيمنة الرومانية في الشام والهيمنة الفارسية في العراق التي حالت دون بروز العرب كقوة سياسية متحدة وفاعلة. وكل ما يمكن قوله هو وجود كيانات صغيرة يغلب عليها الطابع القبلي في بادية الشام بوجه خاص وهي التي كانت تحت رعاية الدولة الرومانية. لقد ظهرت كيانات يقودها زعماء محليون أُطلق عليهم لقب "فيلارك" وهو أقرب ما يكون إلى شيخ أو مقدَّم وإن سموا أنفسهم، تجاوزاً، ملوكاً أو أمراء، ولعل من أبرز هذه الكيانات القبلية مملكة كندة وإمارة دومة الجندل بين الشام والحجاز، إضافة إلى مملكة اليمن.

إلا إنَّ العرب المسيحيين استطاعوا أن يوجدوا ما يمكن تسميته "دولة"، واحدة في الشام وهي دولة الغساسنة وعاصمتها "بُصرى"، وأُخرى في العراق وهي دولة المناذرة وعاصمتها "الحيرة". ولكن يجب ملاحظة أن هاتين الدولتين تكونتا قبل تحول ملوكها إلى المسيحية في القرن السادس على الأرجح، كما أنَّ رعاياها لم يكونوا كلهم من العرب بل فيهم السريان من السكان الأصليين وفيهم جماعات من أُصول رومانية ويونانية.

ولقد كان للرومان في الشام وللفرس في العراق مصلحة في تكوين هاتين الدولتين ومدهما بالدعم والرعاية وهي أن تتولى الدولتان حماية الأراضي الواقعة تحت النفوذ الروماني والفارسي من أية هجمات بدوية تأتي من داخل الجزيرة العربية، ولهذا كانت دولة الغساسنة تحت النفوذ الروماني البيزنطي ودولة المناذرة تحت النفوذ الفارسي "10".

إلا أنَّ المفارقة الكبرى هي أنه في الوقت الذي برزت قوة أهل نجد والحجاز بظهور الإسلام بداية القـرن السابع، كانـت الإمبراطورية الرومانية قد قللت مـن

دعمها لدولة الغساسنة بسبب خلافات مذهبية، وكانت الإمبراطورية الفارسية قد خلخلت دولة المناذرة بسبب تمرّد الملك النعمان بن المنذر عليها، فكان هذان السببان من عوامل نجاح الفتح العربي الإسلامي القادم من وسط الجزيرة العربية لبلاد الشام والعراق من جهة، وإضعاف النفوذ البيزنطي وتراجعه في المنطقة وسقوط الإمبراطورية الفارسية من جهة أُخرى. وكان سقوط دولتي الغساسنة في الشام والمناذرة في العراق بدايةً لضمور الدَور العربي المسيحي.

التكوين الحضاري العربي المسيحي

ظلَّ العرب المسيحيون في هذه المرحلة، كباقي العرب، يتوزعون بين البداوة والحضارة. ولهذا كان قسم كبير منهم يعيش حياة البداوة والترحال في باديتي الشام والعراق وأطراف الجزيرة العربية. ولكنَّ القسم الآخر دخل الحضارة واعتاد حياة المدينة ومارس المهن المستقرة من زراعة وتجارة وحِرَف أبدعوا فيها بعد أن خبروها من البيزنطيين والفرس بشكل رئيس، سواء في حواضر الشام والعراق واليمن وبعض مناطق الحجاز ونجد كدومة الجندل.

ومع ذلك لا يمكن القول أنَّ العرب المسيحيين من سكان الحواضر قد برزوا في العلوم، ولا يمكن القول أنهم ساهموا بوضوح في تطوير هذه العلوم، ولكنهم هضموها واستفادوا منها وطوروا حياتهم في ظل الحضارة المستوردة. ولهذا ظلوا يعتبرون الشعر والخطابة مناخهم الثقافي الأول، برغم تراجع هذا المجال في دولتي الغساسنة والمناذرة بسبب احتكاكهم اليومي باللغتين السريانية واليونانية اللتين كانتا لغتي الحضارة والكنيسة في ذلك الوقت، إلى الحد الذي جعل بعض العرب المسيحيين يتحولون إلى السريانية أي "تسرينوا" على حد وصف الأب قنواتي "11".

لقد برز شعراء وخطباء مجيدون، ومن غير المغالاة في اعتبار أكثر شعراء هذه المرحلة، التي سبقت الإسلام، من المسيحيين، بمن فيهم أكثر شعراء المعلقات، فإنه يمكن القول بلا تردد أنهم تأثروا بالمسيحية بدليل احتواء أشعارهم على ذكر للرموز المسيحية ووصف لدور عبادتهم من كنائس وأديرة ورهبانهم، بل والتأثر بعقائدهم، كأمية بن أبي الصلت وأمروء القيس والنابغة الذبياني وعمرو بن كلثوم وكثيرون آخرون. إلا أننا نذكر ثلاثة من فحول الشعر العربي لا مجال للشك في نصرانيتهم: الأول قس بن ساعدة الأيادي، أسقف نجران، فهو

أخطب خطباء العرب قبل الإسلام وأكبر شعرائهم، والثاني عَدي بن زيد وزير النعمان ملك المناذرة الأخير في العراق وزوج ابنته هند، والثالث عثمان بن الحويرث بن أسد من قريش .

إلا أنَّ الدَور الأكبر الذي برز فيه العرب المسيحيون في هذه المرحلة، ويمكن اعتباره إنجازاً تاريخياً ومفصلاً بارزاً في التاريخ العربي، بل والحضارة العربية، هو "اختراع" الحرف العربي الحديث، الذي نقل اللغة العربية نقلةً نوعية من لغة مَحكيَّة إلى لغة كتابة، ففتح أمام العرب أفقاً جديداً لجعل اللغة العربية لغة رائدة، وهذا ما أثبته التاريخ اللاحق.

لقد كان عرب الجنوب في اليمن يستخدمون نوعاً من الكتابة يسمونها "المُسند"، وحروفها منفصلة وتصويرية بدائية قريبة من الحرف الحبشي، ويمكن كتابتها من اليمين إلى اليسار ومن الأعلى إلى الأسفل، وهي التي عرفها العرب الجنوبيون "الحميريون" حتى القرن السادس، ولم تنتشر بين العرب الآخرين إلا بقدرٍ محدود لا يكاد يذكر.

وفي وقت لاحق، بدأ النصارى العرب في شمال الجزيرة العربية يستخدمون حرفاً جديداً اصطنعوه من الحرف السرياني الآرامي، الذي كان سائداً لدى "النبط" وهم حلقة الوصل بين العرب والسريان. وقد نُسب الحرف الجديد الذي  سُمي "الجَزم" إلى رجال مسيحيين ثلاثة من "بولان" من قبيلة طي، يسكنون "الأنبار" في العراق، وهم "مرامر بن مرّة وأسلم بن سدرة وعامر بن جدرة"، فقد وضع هؤلاء الخط الجديد، وقاسوا هجاء العربية على هجاء السريانية، وعلَّموه أهلَ الأنبار وانتقل إلى الحيرة، وبعدها إلى داخل الجزيرة العربية. (وفي الكوفة تمَّ تطويره لاحقاً بعد الإسلام). فهو خطٌ وحرفٌ وكتابةٌ من صُنع العراقيين العرب المسيحيين، وقد أكدتَّ هذا الكثير من المصادر والمراجع العربية، كالسيوطي في المزهر، والفهرست عن أبن عباس، والعقد الفريد عن أبن عبد ربه، والبلاذري في فتوح البلدان، كما أنَّ المعلقات كتبت بالحرف العربي الجديد ووضعت على أستار الكعبة في مكة. ووجد أقدم أثرين لهذه الكتابة، يرجع الأول إلى سنة 512 ميلادية في جوار الفرات، والثاني إلى سنة 568 للميلاد في حرّان. ولقد أكد علماء مستشرقون هذا الرأي ومنهم المستشرق "دي سي"  الذي أثبت أنَّ فنَّ الكتابة العربية هو من صنع نصارى العرب العراقيين "12".

البند الثاني: العرب المسيحيون في العهد العربي الإسلامي

يمكن تقسيم هذا العهد إلى مراحلَ تاريخية ثلاث هي: مرحلة صدر الإسلام وتشمل عهد الدعوة حتى وفاة الرسول وعهد الخلفاء الراشدين، ومرحلة الخلافة الأُموية، ومرحلة الخلافة العباسية.

مرحلة صدر الإسلام

في بداية الدعوة الإسلامية في "مكة"، كان عديد العرب المسيحيين فيها قليلاً، وكان صاحب الدعوة "محمد بن عبد الله" يمتد بالنَسَب إلى جدِّه الخامس "قصي بن كلاب" الذي كان على علاقة طيبة بالغساسنة والروم من خلال عيشه جزءً من حياته بينهم في الشام وإسنادهم له في تولي سدانة الكعبة من خزاعة، وبالتالي الزعامة الأدبية على مكة، وهو في الوقت نفسه الجدُّ الرابع لكلِّ من: القس ورقة بن نوفل الذي كان على علاقة وثيقة بصاحب الدعوة الإسلامية، ولخديجة بنت خويلد زوجة الرسول محمد صاحب الدعوة. ومن هذه القاعدة بُنيت علاقة طيبة مع نصارى مكة، ولهذا السبب، ربَّما، لم يتخذ نصارى مكة موقفاً عدائياً من محمد رسول الإسلام ولا من دعوته، وقد يضاف سببٌ آخر هو عدم ظهور تعارض واضح بين الدعوة الجديدة والعقيدة المسيحية القائمة على التوحيد والإيمان بالله وباليوم الأخر. وكانت الآيات المكّية من القرآن تدعو إلى المودة مع النصارى (المائدة: 82) والجدال معهم بالتي هي أحسن (العنكبوت: 46) وتوقير القسيسين والرهبان (المائدة:82) وتبجيل عيسى بن مريم وتكريم أمه والإقرار بمولده المُعجزي، ولهذا لا يذكر التاريخ في هذه المرحلة أيَّ صدام من أيِّ نوع بين النصارى في مكة والمسلمين.

وبعد الهجرة إلى المدينة تطورت الدعوة وقويت واستقطبت شخصيات قوية ومتشددة، وفي الوقت نفسه وجد المسلمون أنَّ هناك تجمعات مسيحية تكاد تكون أشبه بالإمارات، كدومة الجندل في نجد على طريق الشام، ونجران في اليمن، لذلك حصل احتكاك معها، ودعيت هذه التجمعات إلى الدخول في الإسلام، فأسلم القليل منها، ولكنَّ غالبيتها طلبت أن تبقى على مسيحيتها، وانتهى الأمر بعقد معاهدة مع رسول الإسلام بأن تبقى على دينها وتدفع جزية معلومة، وقد أقرت هذه التجمعات (الإمارات) بزعامته السياسية "13". ولهذا يمكن القول أنَّ المسالمة بين المسلمين والمسيحيين في جزيرة العرب كانت هي الغالبة حتى وفاة الرسول.

ولكن بعد تولَّى "أبو بكر الصديق" شؤون المسلمين كخليفة أول، وبسبب "الردّات" التي حدثت بعد وفاة الرسول، بدأت تحصل مصادمات مع هذه التجمعات، فقد توجه خالد بن الوليد سنة 12 هجرية إلى قبيلة بني كلب في دومة الجندل، برغم المعاهدة التي كانت قد أبرمت في عهد الرسول، وحصلت مواجهة عسكرية انتهت بقتل الكثير من المسيحيين من بني كلب ومَن ناصرهم من قبائل مسيحية أتت من الشام. وكانت هذه أول مواجهة بين عرب مسلمين وعرب مسيحيين.

وفي خلافة عمر بن الخطاب، وفي العام 13 للهجرة، تمَّ طرد مسيحيي نجران في اليمن وتوزعوا بين الشام والعراق، وقام الخليفة عثمان بي عفان بتخفيف الجزية عنهم، وحين طلبوا من الخليفة علي بن أبي طالب إعادتهم إلى موطنهم في اليمن رفض طلبهم، فبدءوا يتجهون شمالاً داخل العراق.

أما في عُمان، فقد دخل مسيحيوها الإسلام للتخلص من الجزية التي كانت تعادل نصف ثروتهم.

وفي العراق، توجه خالد بن الوليد نحو الحيرة سنة 12 هجرية، وعرض على أهلها الإسلام أو الجزية أو المنابذة، فاختاروا الجزية. ولكنَّ مسيحيي بكر بن وائل يساندهم بعض عرب الضاحية في الحيرة واجهوا خالد بن الوليد، وحين خسروا المعركة قام بقتل من تمَّ أسره منهم. أما بقية العرب من مسيحيي العراق فقد قاتلوا إلى جانب المسلمين العرب ضد الفرس في معركتي الجسر والبويب سنة 13 هجرية، ومنهم فرسان من قبيلتي النمر وتغلب، وكان مقتل "مهران" قائد الفرس على يد غلام تغلبي.

أما في بلاد الشام، فقد انقسم العرب المسيحيون بين محارب للمسلمين الفاتحين وبين مساند لهم. فجماعات من قبائل بهراء وكلب وسليح وتنوخ ولخم وجذام وغسان حاربوا إلى جانب الروم، في حين ساندت قبائل عاملة والقيس وقضاعة وجماعات أُخرى من لخم وجذام وغسان العرب المسلمين بدافع قومي. ويمكن القول أنَّ وضع مسيحيي الشام من العرب كان معقَّداً، وقد انتهى قسم منهم إلى الهجرة وقسم آخر دفع الجزية والقسم الثالث دخل في الإسلام "14".

ونخلص من هذا إلى أنَّ الوجود العربي المسيحي قد تضعضع في عهد الخلفاء الراشدين في أنحاء الجزيرة العربية واليمن والعراق والشام، وتفرقت القبائل عن كنائسها، ولكن بقيت لهم بعض القوّة في بلاد الشام أكثر من باقي الأقطار العربية.

مرحلة الخلافة الأُموية

 أدى استيلاء معاوية بن أبي سفيان على الخلافة، إلى تأسيس دولة إسلامية ذات توجّه "عروبي"، وتحوّل الحكم إلى ما يمكن وصفه بالملكي الوراثي. فالخلافة انحصرت بالأُمويين يتناقلونها باختيار الخليفة لولي عهده من الأُسرة الأُموية، وتأتي المبايعة من الناس لاحقاً بعد تولي الخلافة، فأصبحت مبايعة شكليّة. وجاء اختيار "دمشق" عاصمة للدولة الجديدة ليخلق أوضاعاً جديدة. فدمشق مركز حضاري ومفتاح الاتصال بالعالم الخارجي وبالحضارة الغربية وبالتراث اليوناني بالذات. وفي دمشق اتصل المسلمون، للمرة الأُُولى، بالفكر المسيحي وبالمسيحية الحقيقية غير المشوَّهة بالبدع والهرطقات التي سادت جزيرة العرب "15".

لقد جاء التوجه العروبي للدولة الجديدة، والطبيعة البراغمتية لمعاوية، ورغبته في تأسيس دولة على النمط الحديث المتعارف عليه آنذاك والذي تمثله الدولة الرومانية، لينصبَّ في اتجاه مريحٍ للعرب المسيحيين، بل وللمسيحيين السريان أيضاً، خاصة بعد استقرار الأوضاع السياسية وتوقف هذه الدولة عن الحملات والفتوحات. فقد تمَّ توفير قدر من الحرية الدينية، برغم تحديد عدد الكنائس، وأخذت السلطة الجديدة تقرِّب المسيحيين وبدأ بعضهم يتولى مسؤوليات في الدولة، فطبيب معاوية الأول كان مسيحياً، وكان وزير ماليته "يوحنا الدمشقي" الجَد مسيحياً، وكان "الأخطل" الشاعر الرسمي لبني أُمية مسيحياً. وعلى الصعيد الديني حصل تلاقح وتواصل بين الفكر المسيحي والإسلامي، وحصلت مناظرات دينية، وتأثر المتصوفة المسلمون بالنسّاك المسيحيين "16".

وفي هذه المرحلة بدأت اللغة العربية تنتشر بين المسيحيين من غير العرب على حساب اللغة السريانية (بلهجتيها الشرقية والغربية)، ويمكن القول أنَّ بعض السريان بدأ " يستعرب" إي يتحولون إلى العربية، على عكس ما كان حاصلاً في عهد الدولة الغسانية. وعاد الشعر العربي يزدهر، وكان من بين الشعراء العرب مسيحيون، أبرزهم الأخطل (غياث التغلبي) الذي اعتبروه شاعر بني أُمية كما ذكرنا، وكان من أبرز الشعراء العرب، حتّى أنّ جرير الشاعر الكبير قال عنه للتدليل على فحولته الشعرية: "أدركته وله ناب ولو كان له نابان لأكلني"، وكـان يتمتع بمكانة اجتماعية

مرموقة بين المسلمين. وكذلك نذكر الشاعر أعشى بني تغلب وهدبة بن الخشرم وشمعلة التغلبي وهناك غيرهم كثيرون "17".

أما من الناحية السياسية، فلا يمكن القول أنَّ عموم المسيحيين تمتعوا بمراكز مرموقة في الدولة، ولهذا فقد اتجهوا إلى التجارة والزراعة والحرَف والمهن والعلوم "18"، والترجمة من اليونانية والسريانية إلى العربية. وحتّى المناصب القليلة التي حصل بعضهم عليها تمَّ سحبها منهم في عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز، الذي أصدر أمرين: الأول منع غير المسلمين من تولي الوظائف العامة، مما أدى إلى تخلي وزيره "يوحنا الدمشقي" الحفيد عن منصبه، والثاني مضاعفة الجزية عليهم مما أُضطرَّ الكثير من فقرائهم إلى الدخول في الإسلام.

    والخلاصة أن العرب المسيحيين لم يواجهوا مصادمات خلال المرحلة الأُموية، باستثناء عملية القضاء على "المقاومين"، الذين رفضوا القبول بالحكم الإسلامي بعد انتصار العرب المسلمين في معركة اليرموك، فانسحبوا إلى السواحل اللبنانية وشكَّلوا قوّة مقاومة كانت تتألف من أثني عشر ألف رجل تحت اسم "المَرَدة"،  وقائدهم "الياس"، وكانت نهايتهم المأساوية، بقتل قادتهم وتشريد عناصرهم، نتيجة اتفاق "سياسي" بين الخليفة عبد الملك بن مروان وقيصر الروم آنذاك.

مرحلة الخلافة العباسية

أدى سقوط الدولة الأُموية أو إسقاطها على يد العباسيين إلى انتقال مركز الخلافة الإسلامية إلى العراق. وفي وقت لاحق أنشأ الخليفة أبو جعفر المنصور مدينة بغداد لتكون عاصمة الخلافة الجديدة. وبما أنَّ العباسيين اعتمدوا على المسلمين غير العرب في تحقيق انتصار دعوتهم، فقد حصل تحوُّل في سياسة الدولة الإسلامية أضعف الدّور العربي لحساب القوى الإسلامية غير العربية، والفرس بخاصة.

لقد انعكس هذا سلباً على العرب المسيحيين، وكان العباسيون ينظرون إليهم بحذر باعتبارهم موالين للأُمويين، أو هكذا صوِّر لهم. ومن هنا تم استبعاد العرب المسيحيين وتقريب المسيحيين من غير العرب، ومن الذين يقطنون الأراضي الفارسية، فلم يبرز عرب مسيحيون في المرحلة العباسية باستثناء القليل منهم.

ومن الناحية الدينية، تعرَّض المسيحيون لبعض المضايقات بتأثير آراء بعض الفقهاء الذين قويت شوكتهم في المرحلة العباسية، وكانت أوضاعهم تتأرجح بين التسامح والتشديد بحسب تأثر الخلفاء بهذه الآراء أو الفتاوى. لقد وصل الأمـر إلى 

حدِّ فرض بعض القيود على نشاطهم الكنسي، وإجبارهم على ارتداء أزياء خاصة بهم تميزهم عن المسلمين، وتحديد تنقلاتهم وإقامتهم، إلا أنَّ هذا لم يطبَّق بصورة دائمة "19".

إلا أنَّ التشدد الأكبر الذي واجه العرب المسيحيين كان في عهد الخليفة العباسي "المهدي"، فقد تمكن من تحويل الرجال من نصارى تنوخ المقيمين في حلب إلى الإسلام بعد أن ضرب عنق سيدَّهم "ابن محطة" ثم هدم كنائسهم، حسب رواية ابن الكلبي، وهربت نساؤهم إلى الغرب. وفي عهده أيضاً تم تحويل بني سليح المقيمين في "قنسرين" إلى الإسلام . ولهذا ما أن انتهى القرن العاشر الميلادي حتى كانت التجمعات القبلية العربية المسيحية قد تفرقت واندمج من بقي منها بمسيحيي الشام والعراق باستثناء بعض العشائر في حوران وشرق الأردن "20" التي ينتسب إليها الكثير من مسيحيي الأردن الآن.

وبتشتت القبائل العربية المسيحية تشتت الأسقفيات العربية، فقد لجأ من تبقى منهم إلى الكنائس القائمة في العراق والشام وانتسبوا إليها، وهي الكنيسة اليعقوبية وكنيسة المشرق النسطورية، اللتين تمتعتا بقدر من الحرية تجاه الدولة بسبب عدم ارتباطهما بكنائس خارجية، وكذلك كنيسة الروم الملكيين التي تعتبر كنيسة العرب الأصليين ومازالت، ومعها الكنيسة المارونية لاحقاً. ومن خلال هذه الكنائس مارس العرب المسيحيون شعائرهم، وكانوا ما يزالون يحتفظون ببعض أبرشياتهم العربية في العراق من خلال الكنيسة النسطورية والكنيسة اليعقوبية ومنها: أبرشية التغالبة وأبرشية نجران والكوفة وأبرشية القبائل وأبرشية الحيرة وأبرشية الأنبار. إلا أن هذه الأبرشيات بدأت تختفي مرحلة بعد مرحلة حتى لم يعد لها وجود فعلي بعد القرن العاشر الميلادي"21".

ومع ذلك، ساهم العرب المسيحيون في تحقيق النهضة العلمية والأدبية في العهد العباسي، حين أصبحت بغداد منارة الحضارة، وكان عدد المسيحيين المستعربين من أُصولٍ آرامية وآشورية، قد ازداد واندمجوا بالعرب المسيحيين الأصليين، وقد ساهم العرب المسيحيون في نقل التراث اليوناني إلى العربية ومنهم: يحي بن عَدي وعيسى بن علي ويحيي بن البطريق وثابت بن قرّة. وبرز فيهم أطباء منهم: حنين بن اسحق العبادي وأبو الحسن عيسى وعيسى بن يحي وعيسى بن العطار وأبو الفرج بن القف وغيرهم كثيرون، وبرز شعراء مُجيدون منهم: أبو قابوس عمرو بن سليمان وبشر بن هارون، ومثلهم فعل المسيحيون المستعربون، بل فاقوهم في النقل والترجمة "22".

البند الثالث: العرب المسيحيون في العهد الإسلامي غير العربي

المرحلة المغولية

إنَّ العامل الأساس في نجاح الحركة العباسية وتأسيس الخلافة العباسية، هو العامل نفسه الذي ساهم في تفتيت وإنهاء هذه الخلافة، أعني به العنصر غير العربي، والفارسي تحديداً. لقد لعب المسلمون غير العرب دوراً كبيراً في إضعاف الخلافة العباسية من خلال محاولاتهم المتكررة للسيطرة على الحكم، مباشرةً أو مداورة. ومن أهم الأساليب التي اُستخدمت تأجيج الصراع بين بني العباس أنفسهم، والذي بلغ أوجَه بين الأمين والمأمون. ولهذا فإنَّ سلطة الخلافة كانت قد ضعفت بعد هذا الصراع وسيطرت جماعات غير عربية على السلطة في مناطق متعددة من دولة الخلافة، وانتهى الأمر بأن فقد الخليفة سلطته الفعلية ولم يبق له، فعلياً، سوى بغداد، ودعاءٌ باسمه على المنابر في المساجد.

في هذا الجو المشحون، كانت قوة عظيمة وغاشمة وطامعة، هي المغول،   تتحرك باتجاه بغداد، بعد أن احتلَّت مناطق شاسعة من أراضي الخلافة. وفي العام 1258 طوَّق "هولاكو" القائد المغولي غير المسلم وحفيد "جينكيزخان" مدينة بغداد ودخلها في 10 شباط 1258 وقتل الخليفة "المستعصم" ناكثاًً عهد الأمان الذي أُعطي له، واستُبيحت بغداد وأُبيد ما يقرب من ثمانمائة ألف من أهلها. وبرغم دخول أكثرية المغول في الإسلام إلا أنهم بقوا على خشونتهم وغلظتهم وأخذوا يتنازعون على السلطة وانقسمت البلاد إلى دويلات وتعاقبت السلالات الحاكمة، وسادت الصراعات، وبهذا دخل العالم العربي كلّه عهد الظلام "23".

هناك زعم بأنَّ "هولاكو" لم يتعرَّض للمسيحيين عند دخوله بغداد وطيلة حكمه تأثراً بوالدته وزوجته المسيحيتين، ولكنَّ الحكم القاسي لا يستطيع أن يستثني فئة من ظلمه، فهو حكم غاشم بطبيعته. وعلى أية حال فإنه باستلام السلطان المسلم "غازان خان" الحكم السنة 1295، حدث انقلاب في التعامل مع المسيحيين ( وهنا لا يمكن فرز المسيحيين العرب عن غيرهم من المسيحيين لأنَّ السلطة الجديدة تميّز على أساس العرق المغولي من غيره فقط، وعلى أساس الدين) إذ بدأ هو خلفاؤه من بعده، عملية اضطهاد سافرة بهدم الكنائس، واعتقال الرؤساء من المسيحيين، وطمغ الوجوه بعلامات مميَّزة، وإزالة اللحى، بل وقلع العين وغير هذا من أعمال الاضطهاد، فهاجر الكثيرون إلى شمال العراق وتركيا. وحين احتل "تيمورلنك" بغداد في العام 1400، أتى على البقية الباقية من سكانها المسيحيين. ولقد انتهى الحكم المغولي على يد الفاتح العثماني في العام 1516. "24" وكان هذا عهداً مظلماً على العرب، المسلمين والمسيحيين.

المرحلة العثمانية

عندما تقع بلادٌ ما فريسة لغاصب شرس، وعندما تفقد القدرة على التخلص منه، فإنَّ الطريق الوحيد الباقي هو إطاحته من غاصب أقوى منه. وهذا ما حصل للبلاد العربية والعراق منها. فقد توجهت قوة غاشمة أُخرى وطردت الحكّام المغول الذين انشغلوا بصراعاتهم، وحلَّت محلهم. هذه القوّة كانت "بني عثمان" الذين قويت شوكتهم وسيطروا، تدريجيا،ً على مناطق شاسعة ومنها بلاد العرب، وكانوا قد دانوا بالإسلام، واستخدموا الدين غطاءً لنواياهم السياسية، فمنحوا سلطانهم صفة خليفة المسلمين ليكسبوا ودَّ المسلمين، واعتبروا أنفسهم امتداداً للخلافة الإسلامية، فأسسوا الدولة العثمانية، وكان السلطان العثماني خليفة المسلمين.

لقد أحدث العثمانيون تغييرات مهمة في النظام السياسي والاجتماعي، فقسموا السلطنة إلى ولايات، وبات العراق، مثلاً، ولايات ثلاث هي بغداد والموصل والبصرة، وقسَّموا شعبهم والشعوب التي أخضعوها على أساس ديني: مسلمين وذميين (مسيحيين ويهود)، الذين طبِّق عليهم نظام "الملَّة أو الطائفة". أما القومية فلم تكن محل اعتبار من الناحية النظرية، ولهذا فقَدَ العرب، المسلمون والمسيحيون، أهم عنصر من عناصر الهوية التاريخية وجذور الشخصية، وضَعف معها الاهتمام باللغة العربية التي هي الخاصية الأولى للقومية. ولكن من الناحية الواقعية سيطر العنصر التركي على كلِّ مفاصل السلطة والإدارة والجيش، ثمَّ تحوَّلت الناحية الواقعية إلى نظام مكشوف بسيطرة حزب تركيا الفتاة على السلطة في العام 1908 حين أُعلنت سياسية التتريك، وكانت الشرارة الأخيرة التي انطلقت منها حركة التحرر العربية كردِّ فعلٍ مضاد، وبعد إعدام كوكبة كبيرة من العرب في ساحات دمشق وبيروت بخاصّة.

لقد تعرَّض المسيحيون إلى تقلبات في التعامل معهم من السلطات العثمانية والولاة. ولم يسلموا من جور التعصب الديني في الكثير من المراحل، ونُعتوا بالكفار، وتعرضوا للإهانات الشخصية، والتضييق في ممارسة الشعائر الدينية وتقييد بناء وترميم الكنائس والأديرة، ومضاعفة الجزية، والمنع من ركوب الخيل، وتقلّد السيوف، وارتداء اللباس الملون، وغيرها من الموانع الغريبة "25"، إضافة إلـى الاضطهادات الدامية التي تعرَّض لها المسيحيون من الأرمن والسـريان والآشوريين "26" "، مما حدا ببعض الفقهاء المسلمين المستنيرين إلى استنكار هذه الممارسات.

ولكن في المرحلة التي تولى فيها محمد على باشا الكبير الحكم في مصر والشام، لقي المسيحيون في هذين القطرين معاملة جديدة اتسمت برفع القيود الكثيرة عنهم وتمكينهم من ممارسة حياتهم بصورة مشَّرفة وطبيعية، وقد سار ابنه إبراهيم باشا على نهجه "27"، فكانت هذه مرحلة إيجابية من مراحل التاريخ العثماني، ولكنَّ هذا بفضل انفتاح هذا الوالي وابنه وقدرتهما على ممارسة سلطة فيها قدر من الاستقلال عن الباب العالي. ويمكن إضافة الحرية الجزئية التي مارسها أهالي جبل لبنان من خلال نظام "المتصرفية" الذي طُبِّق هناك. 

ولكن عموماً، لم يكن للعرب المسيحيين خاصيَّة معينة، ودمجوا بالمسيحيين من القوميات الأُخرى، فهم ذميون لهم حقوق أهل الذمة وعليهم واجباتها، وبهذا كانت خسارتهم مزدوجة، فقوميتهم ليس لها اعتبار (وفي هذا يشتركون مع العرب المسلمين) فهم "رعايا" من الدرجة الثانية، ولكن بما أنهم ذميون بحكم انتمائهم الديني، فهم كنتيجة فعلية "رعايا" من الدرجة الثالثة. ومن هنا كانوا يحسّون بالغبن أكثر من غيرهم. ممّا ساعد في أن يكون دَورهم رائداً في حركة التحرر العربية التي توِّجت بالثورة العربية الكبرى وانتهت بانسلاخ البلاد العربية عن الدولة العثمانية عقب الحرب العالمية الأولى، بل وسقوط الدولة العثمانية نفسها لأسباب أكبر أهمها الهزيمة في هذه الحرب ورغبة الأتراك أنفسهم بالتغيير.

البند الرابع: العرب المسيحيون والنهضة العربية

ريادة حركة النهضة العربية

إنَّ الغبن الذي لحق العرب المسيحيين في حقوقهم الدينية والقومية والاجتماعية والسياسية كان عاملاُ رئيساً، كما رأينا، في التفكير في التحرر من الحكم العثماني، ولكنّه كان عاملاً مشتركاً مع المسيحيين الآخرين ومع العرب المسلمين.

إلا أن عاملاً آخر، بالغ الأهمية، ساهم في قدرتهم على ريادة حركة النهضة العربية والتحرر العربي فكرياً وثقافياُ، وفي أن تكون هذه الريادة مبكِّرة وسبّاقة، وهي اتصالهم بالثقافة الغربية وبالأفكار القومية التي سادت الغرب في القرن التاسع عشر. وقد لعب المثقفون السوريون واللبنانيون الدور الأكبر في هذا المجال، ومنهم الأُدباء والشعراء المغتربون كجبران خليل جبران وإيليا أبي ماضي وميخائيل نعيمة، والكتّاب الذين كانوا من دعاة القومية العربية بمنظور حضاري وثقافي نهضوي وليس من منظور عنصري، ودعاة للوحدة العربية وللإصلاح السياسي والاجتماعي والتوجه الليبرالي ومنهم: أديب اسحق وسليم سركيس وشبلي شميل ونجيب عازوري وغيرهم.

ولم يقتصر الأمر على النشاط الفردي بل تعداه إلى تأسيس الجمعيات الفكرية والثقافية والعلمية، في بلاد الشام بخاصة، التي لعبت دوراُ بارزاً في النهضة العربية منذ العام 1846 وما بعده ومنها: مجمع التهذيب والجمعية السورية لاكتساب العلوم والفنون والجمعية المشرقية والجمعية العلمية السورية.

وفي مجال اللغة العربية، كان للمسيحيين العرب القدح المعلّى، بلا مبالغة، في الدعوة إلى الحفاظ والترويج للغة العربية وإحياء التراث العربي، بل اعتبروا التراث العربي الإسلامي جزءً مهماً منه. ولقد برع آل اليازجي وآل البستاني في هذا المجال، ولا يمكن نسيان قصائدهم الداعية إلى نهضة العرب ومنها القصيدة البائية لناصيف اليازجي التي فيها: (تنبَّهوا واستفيقوا أيها العربُ    فقد طمى السيلُ حتى غاصت الرُكَب) "28". كما لعبت الرهبانيات اللبنانية دوراً مهماً في الحفاظ على اللغة العربية والعناية بها. ولا يمكن نسيان الأب أنستاس ماري الكرملي في العراق الذي كان علَماً من أعلام اللغة العربية ومدافعاً قوياً عن سلامتها".

أما في مجال الفكر فقد برز مفكرون كثيرون من العرب المسيحيين منهم: قسطنطين زريق وسلامة موسى وفرح أنطون ونقولا زيادة وإدوارد سعيد. وفي مجال الصحافة والفنون والمسرح والسينما أيضاً كان العرب المسيحيون رواداً بارزين فيها في سوريا ولبنان ومصر والعراق، ففي الصحافة أنطوان الجميل وجرجي زيدان في مصر وروفائيل بطي وتوفيق السمعاني وآل جبران في العراق وآل تويني في لبنان، وفي المسرح والسينما جورج أبيض ودولت أبيض ونجيب الريحاني (الموصلي الأصل) وآسيا داغر وهنري بركات ويوسف شاهين في الإنتاج والإخراج السينمائي، والرواد والمبدعون كثيرون في العراق وبلاد الشام (سوريا ولبنان والأردن وفلسطين) وفي مصر. ولعل من المفيد التذكير بأنَّ الموصل في العراق كانت السباقة في ظهور الفن المسرحي تأليفاً وإخراجاً وتمثيلاً، فبإشراف كنائس الموصل والمدارس التابعة لها قدمت مسرحيات عديدة ابتداء من العام 1882. "29"

وفي مجال الطباعة كانت الموصل في العراق هي السبّاقة أيضاً. ومن المفارقات أن تكون أول مطبعة باللغة العربية تدخل الموصل في بداية النصف الثاني من القرن التاسع عشر على يد الآباء الدومينيكان الفرنسيين، فكانت عاملاً مهماً من عوامل إحياء اللغة العربية.

أما في مجال السياسة، فقد برز سياسيون كبار من نتاج النهضة العربية، ومنهم فارس الخوري في سوريا الذي تقلَّد رئاسة مجلس النواب وربمّا رئاسة الوزارة، وبشارة الخوري وأميل أدة وكميل شمعون وآل فرنجية وآل الجميل في لبنان، ويوسف غنيمة وحنا خياط في العراق، وبطرس غالي الجد الذي تولى رئاسة الوزارة ومكرم عبيد سكرتير حزب الوفد في مصر.

والخلاصة إنَّ هذا الدور الريادي المبَّكر لحركة النهوض العربي لدى العرب المسيحيين يسمح لنا بالقول بأنه: إذا كان العرب المسلمون قد قادوا الثورة العربية والنهضة العربية عسكرياً، فإنَّ العرب المسيحيين كانوا روادَّ هذه النهضة فكرياً وثقافياً.

ضمور الدور الريادي

دام هذا الدور الريادي للعرب المسيحيين منذ منتصف القرن التاسع عشر حتى خمسينيات القرن العشرين، حين بدأ يضمر ويتضاءل. لقد دخلت عوامل عديدة لتقود العرب المسيحيين إلى هذه النتيجة، لعلَّ من أبرزها: تولّي النخب العسكرية للسلطة السياسية في بعض البلدان وفرضهم نظماً شمولية تتعارض والفكر الليبرالي الذي قامت عليه أفكار النهضة العربية، وتنامي الفكر القومي المنغلق الذي يتعارض والفكر القومي عند النهضويين العرب القائم على اعتبار "العروبة" انتماءً فكرياً وحضارياً، وتنامي الفكر الإسلامي المتشدد الذي لا يتعامل بروح المساواة مع الآخرين. وكانت النتيجة إن أُهملَ العرب المسيحيون في الميدان السياسي، وقابله خوف من جانب العرب المسيحيين من طغيان هذا المَد الجديد فعزلوا أنفسهم، وكان هذا خطأً كبيراً. إنَّ رجلاً وسياسياً بارزاً مثل "كميل شمعون"  رئيس جمهورية لبنان الأسبق، والذي كان يوصف بفتى العرب الأغر، والذي كان قد جعل لبنان محطة تصالح العرب في خلافاتهم، قد دُفع دفعاً إلى التحوَّل في فترة الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي.

الأديان ورسالة اللاّعنف

بقلم/ عبد الحسين شعبان

في رواية دستوفسكي الشهيرة «الأخوة كارامازوف» يتحاور إيفان وأليوشا وهما شقيقان، بخصوص عذاب الأطفال، فيقول إيفان لشقيقه ما معناه: القصاص أو العقاب عندي لا يساوي دمعة من عين طفل، أوَتقول لي إن الجلادين سوف يتعذّبون في الجحيم؟ ويتساءل ولكن ما جدوى ذلك؟ إنه يطلب الغفران وزوال العذاب.

استذكرتُ ذلك بمناسبة صدور كتاب الفيلسوف الفرنسي اللاّعنفي جان ماري مولير «نزع سلاح الآلهة: المسيحية والإسلام من منظور فريضة اللاّعنف» المترجم إلى اللغة العربية من قبل جامعة اللاّعنف وحقوق الإنسان في بيروت، وهو ما أعادني إلى حوار دار بين الزعيم اليساري الجزائري بشير الحاج علي وشاب معتقل معه، فيقول الحاج علي: كنت كلّما أفيق من المغطّس أسمع شاباً بجواري يقول سنعذّبهم مثلما عذّبونا، وسنستخدم جميع الوسائل لإذلالهم مثلما حاولوا إذلالنا، فما كان منه إلاّ أن يجيبه على الرغم من أنه خارج لتوّه من حفلة تعذيب: ولكن ما الفرق بيننا وبينهم إذا فعلنا ذلك؟ نحن نريد كنس التعذيب وإنهاءه كظاهرة لا إنسانية وإلى الأبد، وهو ما يسميه دستوفسكي «التناغم الأبدي».

عشية إطلاق كتاب «نزع سلاح الآلهة» اجتمع مؤلفه الفرنسي المسيحي مع رجلي دين مسلمين لبنانيين، فقال الشيخ حسين شحادة: لماذا اخترت عنواناً للكتاب «نزع سلاح الآلهة»، ألم يكن ممكناً اختيار عنوان «نزع سلاح الشياطين» بدلاً من الآلهة؟ فأجابه مولير على الفور ودون لحظة تأمل: ولكن الآلهة، هم الشياطين على الأرض، فالإله واحد، وهو الإله الحقيقي المنزوع السلاح، لأن الله محبة والمحبّة لا تجتمع مع العنف في قارب واحد.

أما إذا نسبنا محبتنا إلى الآلهة فهذا خطأ فظيع، لأن الآلهة هم من صنع البشر، أما الله فهو المطلق، الخير، السلام، التسامح، واللاّعنف. الله هو الذي خلق الإنسان ودوداً، عاقلاً، مسالماً، وحيثما وجد الإحسان وجد الله ووجدت المحبّة، وحيثما وجدت الطيبة حضر الله، وهدف جميع الأديان نشر الحب والرحمة والسلام، وليس العنف والغلظة والانتقام والقمع والإرهاب والحروب، وأضاف: إن الديانات ليست بالنصوص، بل بالعقيدة والمقاصد.

استكمل السيد علي فضل الله، هذا الحوار المعمّق، حول مفهوم اللاّعنف، حيث قال: إنه أقرب إلى الرفق، والرفق حسب القواميس يأتي من الرفقة، أي التواصل والمودّة والمشترك الإنساني، والشراكة، ومثل هذه المفاهيم وجدتها أيضاً، بخصوص مفهوم التسامح لدى الفيلسوف الفرنسي فولتير، الذي قال عنه بأنه الرفق والصبر، أما التعصّب فلا ينتج إلا منافقين وعصاة، وبما أن البشر خطّاؤون فعلينا أن نسامح بعضنا بعضاً.

لقد توصّلنا كل بطريقته إلى اللاّعنف، حتى وإن جئنا إلى فريضته أو فضيلته من مواقع ومنابع مختلفة بما فيها عنفية، لكننا اهتدينا إليه بعد تجارب مريرة عشناها وعانينا منها مثلما عانت منها شعوبنا وأوطاننا، وآن الأوان للبحث عن اللاّعنف في تراثنا وتعميمه، وليصبح هو القاعدة وليس الاستثناء، حتى وإنْ كنّا لا نستطيع إلغاء العنف من حياتنا.

وصديقنا الفيلسوف اللاّعنفي الذي يعتبر الأكثر شهرة في العالم المعاصر، ونعني به مؤلف الكتاب جان ماري مولير، انتقل إلى فريضة اللاّعنف، حين أريد له أن يقاتل في الجزائر، مع الجيش الفرنسي ضد الجزائريين الذين ذاقوا مرارة الاستعمار الاستيطاني الفرنسي ما يزيد على قرن وثلاثة عقود من الزمان، فرفض وامتنع وسجن (لمدة ستة أشهر) وأقصي، وهكذا تكوّنت لديه قناعات بأهمية الانخراط في العمل اللاّعنفي الذي كرّس له حياته منذ الستينات وحتى اليوم. إن كتابه «نزع سلاح الآلهة» هو دعوة للتأمل في ماهية الخير والشر، وقد جاء تتويجاً لعمل معرفي وحركية ديناميكية طوال ما يزيد على خمسة عقود ونصف من الزمان، وهو كتاب مرجعي تأسيسي، خصوصاً أنه شامل، لاسيّما بعد كتابه «قاموس اللاّعنف».

الفريضة أو الفضيلة التي يريد مولير تعميمها تمنحنا هذه القدرة الاستثنائية، من الحب والتطهّر والروحانية الإنسانية، وتقرّبنا من بعضنا على نحو يتّسم بتعزيز المشترك الإنساني، سواء كنّا من أتباع الديانة المسيحية أو من أتباع الديانة الإسلامية، وسواء كنّا مؤمنين أو غير مؤمنين، ومتدينين أو غير متدينين، لكننا نجتمع تحت خيمة اللاّعنف ذات الطبيعة الإنسانية.

وكان الروائي الروسي تولستوي، صاحب رواية «الحرب والسلام» المنشورة لأول مرة بين عامي 1865 و 1869، هو من دعا إلى عدم مقاومة الشر بالعنف، وأراد في كتابه «ما هو إيماني؟» الصادر عام 1884 القول: لا ترتكب عنفاً أبداً، بمعنى آخر، لا ترتكب أي فعلة مناقضة للمحبّة، أي أن الانتقام وسيلة سيئة مهما كانت المبررات. وقد تعزّزت أفكار اللاّعنف لدى تولستوي عندما حدثت الحرب الروسية- اليابانية في العام 1904 التي أدت إلى انتفاضة ثورية ضد حكم القيصر في العام 1905، لكنها لم تنجح وتمكّن القيصر من قمعها.

لقد كانت الحرب المتغير الكبير الذي استوحى منه تولستوي روايته الذائعة الصيت، وقد كانت مشاهد حرب الثلاثين عاماً في أوروبا بين الكاثوليك والبروتستانت، مقدمة للحرب الروسية - اليابانية، التي تحدّث عنها باعتبارها حرباً بين مسيحيين وبوذيين، يقتل أحدهما الآخر في حين أن المسيحية والبوذية، لا تدعوان للقتل وتحرّم ديانتهما قتل البشر، بل إن البوذية تحرّم حتى قتل الحيوانات.

لقد رفض تولستوي طاعة أوامر الدولة التي تفضي إلى العنف، لأنه غالباً ما يكون عنفاً ظالماً، وكان يقول لا للجيش الذي يلقّن العنف لقهر الشعب. وترك تولستوي تأثيراً كبيراً لدى المهاتما غاندي، وقد كتب الأخير عنه بمناسبة مئويته في العام 1928 نصاً مؤثراً حين قال: «كان أكثر رجال عصره صدقاً. اتّسمت حياته بجهد دؤوب محموم للبحث عن الحقيقة، ولوضعها موضع الممارسة بمجرد العثور عليها... إنه أعظم رُسل اللاّعنف الذين شهدهم عصرنا الحالي».

 إن تحقيق السلام حسب تولستوي لا ينبغي أن يفرض إلاّ بوسائل سلمية، ولا يريد من الأذلة المسحوقين (الضعفاء) سفك دماء الأقوياء. أراد لهم التمسّك بالتمرّد السالب، ورفض طاعة المتسلّطين الظالمين، وإذا تمكّن ملايين الفقراء من غير عنف، ومن غير محاكاة لبطش المتسلّطين، ومن غير ثورة مأساوية على الطريقة الغربية، من صرف قلوبهم وأذرعتهم عن فعلة الظلم والحرب والقتل، يومذاك سوف تنحلُّ سلطات الكذب والقهر البالية من تلقاء نفسها.

المراسلة بين غاندي وتولستوي عبّرت عن القناعة الأخلاقية المشتركة، لاسيّما أن تراث كل منهما غنيّ وعميق. وقد فهم تولستوي الأهمية العميقة بين عدم مقاومة الشر بالعنف، وبين الضمير والعصيان وعدم التعاون مع المؤسسات الرسمية التي تتحمل مسؤولية القهر، وقد استلهم حكيم روسيا ذلك من تراثه الديني المسيحي مثلما استلهم حكيم الهند ذلك من تراثه الديني البوذي.

 وإذا كان غاندي قد كتب عن تولستوي في مئويته، فقد كتب البابا بولس السادس رسالة إلى رئيس جمهورية الهند بمناسبة مئوية غاندي في 22 أغسطس/آب 1969 جاء فيها «كان لدى غاندي فكرة سامية عن الكرامة الإنسانية وحس ثاقب بالعدالة الاجتماعية، وبحماسة متّقدة وإدراك بصير بالخير المستقبلي لشعبه، عمل بلا هوادة للوصول إلى أهدافه غارساً دوماً في تلاميذه مبدأ اللاّعنف المثير للإعجاب». تلك هي رسالة الأب الروحي للمسيحيين إلى رمز الهند وحكمتها غاندي.

تلك دعوات رُسل اللاّعنف، أي المقاومة السلمية السلبية كما تسمّى، بمعنى عدم الرّد على العنف بالعنف وذلك ليس استسلاماً، بل مقاومة باللاّعنف، بالصمت والامتناع عن المشاركة في الحروب أو الانخراط في أعمال العنف أو التمرّد على أوامر الدولة ورفض دفع الضرائب والاحتجاج والتظاهر وصولاً للعصيان المدني، وهو ما اتبعه مارتن لوثر كنغ في حركته للمطالبة بالحقوق المدنية في الولايات المتحدة، وما قام به من نشاط تسامحي ولا عنفي نيلسون مانديلا زعيم جنوب إفريقيا.

إن المقاومة تلك حسب مولير قادرة على تغيير العالم الذي أراد فيه أن تكون «الآلهة» طيبة قبل أن تكون قويّة، وطالب بإلغاء ما يبرّر العنف والقطيعة ضد ما يدعو إليه، والدعوة إلى أخلاقيات موحّدة للعمل العالمي اللاّعنفي في المسيحية والإسلام، وفي ذلك دعوة ليس لقبول الحق في الاختلاف، بل لرفض التشابه والتماثل والتطابق، لأنه ليس من طبيعة الأشياء.

--------------------------------------------------------------

http://www.tahawolat.net/ArticleDetails.aspx?Id=7324&ArticleCategory=0

الكلدان العراقيون الأميركيون في ديترويت..

الكلدان العراقيون الأميركيون في ديترويت..        

المنجزات التاريخية والمشكلات الجديدة

د. سيّار الجميل*

الحياة الكلدانية الجديدة في مشيغان

عندما ازور  ديترويت دوما اكون موضع ترحيب من قبل الاخوات والاخوة الكلدان العراقيين فيها ، وهم يؤلفون جالية عراقية اميركية كبيرة تنتشر في عموم الولايات المتحدة وكندا ، وكان آباؤهم قد استقروا في ولاية مشيغان على امتداد تضاعيف القرن العشرين ، وكان اغلبهم قد تدفق بكثافة واستقر في ديترويت منذ عقد الستينات من القرن العشرين حتى فاق عددهم عبر هجرات متعاقبة اكثـر من 150 الف نسمة ، وفقا لما اعلمتني به مؤسستهم .. ويسعفنا الصديق جاكوب بكال من خلال كتابه بالإنكليزية الكلدانيون في ديترويت  Chaldeans in Detroit( نشر في الولايات المتحدة 2014 ، ص 11) عن معلومات مهمة وصور تاريخية تثبت وجود الكلدان العراقيين من الكاثوليك في ولاية مشيغان كمجموعات مهاجرة مبدعة على امتداد القرن العشرين ليتمتعوا بحرياتهم الاقتصادية والسياسية التي يعتبرون انهم كانوا محرومين منها في العراق ، وقد تكاثروا مستفيدين من القوانين التي صدرت عام 1965 ليزداد عدد المهاجرين الكلدان العراقيين اكثـر فاكثـر  .. ولقد تطورت ديترويت بفضل استثماراتهم ومؤسساتهم وفنادقهم واعلامياتهم ومشروعاتهم التنموية ، فضلا عن جمعياتهم الخيرية المتعددة .

واليوم ، يبلغ عددهم تقريبا 150000 كلداني يقطنون ديترويت وتوابعها ، وهناك ايضا 50000 استوطنوا كاليفورنيا ، والينويز ، وايروزونا ، وشيكاغو ومناطق اخرى في الولايات المتحدة ، ويضاف اليهم اكثر من 50000 كلداني آخر  في مجاميع تنتشر في مناطق وبلدان اخرى في العالم ، مثل : كندا واستراليا ونيوزيلندا واوروبا .. بمعنى ان اكثر من ربع مليون كلداني عراقي كان العراق قد فقدهم نهائيا ، وهم من ابنائه القدماء ، وقد اتوا جميعا في الاصل من الموصل وتوابعها في سهول الموصل الشرقية المزدحمة بالقرى والاديرة المسيحية ، وخصوصا من ناحية تلكيف  وقراها .

الكلدان : لم تزل هويتهم عراقية

لقد وجدت ان الكلدان في العالم يحملون العراق في وجدانهم وضمائرهم ، وقد حملوه معهم ، ولم تبق معهم الا ذاكرتهم التاريخية التي يريدون توريثها لأبنائهم واحفادهم بعد ان هاجروا او اجتثوا بالقوة من وطنهم الام لأسباب لا يمكن ان ينكرها اي عراقي منصف ، وهو يتابع ما يحدث في العراق منذ ستين سنة ، اذ تفاقم حجم الكراهية وتفوقت الاحقاد على قيم التسامح والتعايش المشترك ، فضلا عن انهم كانوا وما زالوا من مشارب سياسية مختلفة : شيوعيون وقاسميون وبعثيون وليبراليون وملكيون وغيرهم ، ولكنهم جميعا ضد النظام الرث الحالي الذي لم يجدوا في عهده اي امان ، ولا اية ثقة ، ولا اي احترام ، ويخشى المسيحيون العراقيون على من تبقى منهم في العراق ، فمشروع اضطهادهم وغيرهم من ابناء الطيف قائم حتى الان من قبل الاحزاب الدينية ومراكز القوى السياسية ورعاع السلطة ، وقد وصل الامر مؤخرا الى فرض الحجاب على بناتهم ونسوتهم ، فكان ذلك محل استنكار شديد من قبل بطريرك الكلدان لويس روفائيل الاول ساكو  في العراق  .

تعددت أسباب هجرة الكلدان من العراق الى ديترويت ، إلا أن معظمهم توجهوا الى " الحي الكلداني" لكي ينضموا الى الاسر الشريدة والبحث عن حياة جديدة لضمان كرامتهم فيها ، اذ كانوا يشعرون بالاضطهاد ليس السياسي ، بل الاجتماعي وكان يتفاقم خفية منذ سقوط العهد الملكي عام 1958 ، بالرغم من فسحة الحريات التي تمتعوا بها ، الا ان الصراعات السياسية قد عكست ظلالها على المسيحيين الكلدان والسريان والاثوريين والارمن ، وبالأخص الشيوعيين منهم ! لقد بدأ عشرات الآلاف من المهاجرين الكلدان حياتهم العراقية الجديدة فـي هذا الحي الاميركي  الذي كان جزءاً من منطقة بينروز. حتى يقال ان استقرار الكلدان في ديترويت قد اثر على طبيعة ديمغرافيتها السكانية ، اذ  عاش تقريباً ربع المهاجرين الكلدان فـي عموم منطقة ديترويت ضمن ذلك الحي الذي  قدرت مساحته بنحو نصف ميل مربع.

كانت العلاقات بين المهاجرين الكلدان قوية في وشائجها ، اذ التصق بعضهم بالآخر مع توفير الاجواء العراقية التي تجمعهم ، كما ساد التعاون فيما بينهم  على افضل درجاته .. وكان الكلدان من القدماء يعتنون بكل من يصل اليهم من الكلدان العراقيين كي يعينوه على مواجهة الحياة الجديدة  على مدى ستة اشهر ، ومن ثمّ يبدأ الاعتماد على نفسه في المأوى والعمل ، وبعد مرور اكثر من نصف قرن غدت الجالية الكلدانية في مشيغان قوة مؤثرة على مستوى المدينة والولاية معا ، بحيث امتلكوا اكبر قدر من الاستثمارات ولهم كنيستهم ووسائلهم الدعائية والمعنوية ومرافقهم الحيوية التي بدت لي انها تمتلك القيم العراقية في التعامل ، كما ان لها اعتزازها بالمواريث القديمة ولم تزل تعتز  بمواريث عراقية رائعة .

الحي الكلداني :  تطور مشيغان

عندما كثر توافد الكلدان فـي عقد الستينات من القرن العشرين ، بدأ المهاجرون الجدد يؤسسون محالهم واسواقهم ومطاعمهم ومخابزهم ومتاجرهم وفنادقهم واستثماراتهم ، وكانوا يوظفون ابناءهم واقاربهم للعمل في مؤسساتهم المربحة ..  وبحلول السبعينات ، عجّ بعشرات المخابز الصغيرة والمتاجر المتخصصة والمطاعم المتنوعة والقاعات الاجتماعية والمقاهي . واصبح الحي الكلداني نقطة جذب رئيسية للمهاجرين الجدد. وبلغت قوة الكلدان في ديترويت ومشيغان مداها بحيث سيطروا على اقتصاد الولاية الاميركية واسواقها ، وبدأوا يؤثرون في حياتها السياسية والمؤسساتية  ، وكانوا قد تميزوا بالتزامهم القوانين والمصداقية في العمل والتلاحم فيما بينهم .. وبالرغم من التحديات التي واجهتهم في ميشيغان ابان عقد الثمانينات بسبب هجرة البيض عنها ، وتفشي الجريمة والمخدرات وانهيار الشرطة ، فانتقل اغلبهم الى الضواحي فـي مقاطعتي ماكومب وأوكلاند.   وكان ان رافقهم النجاح التجاري ، ما جعلهم في مستوى معيشي أفضل فـي مدن مثل وورن وستيرلنغ هايتس وماديسون هايتس وصولا الى الضواحي الراقية فـي مقاطعة أوكلاند. ولكنها كانت تحديات صعبة لم تجعلهم يغادرون مكانهم حتى في السنوات التي انحدرت فيها الحياة بديترويت .  لقد عانى الكلدان فـي الثمانينات حين بدأت أحوال ديترويت تتدهور وزادت هجرة السكان البيض من المدينة على نطاق واسع، بعد تفشي الجريمة والمخدرات وانهيار الشرطة،

وكان المجلس العربي الاميركي والكلداني ،وهو منظمة غير ربحية، يقدم منذ ١٩٩٧ خدمات عامة للجالية مثل المشورة والرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية والتدريب المهني وفصول تعليم اللغة الانكليزية. وبعد مرور عشر سنوات، قام المجلس ببناء مركز آخر مجاور للتعليم. وهو يتقبل أي شخص من المنطقة، سواء أكان كلدانياً أم لا.

ما الانفع .. بناء صوامع ام تأسيس مصانع؟

اثيرت مؤخرا مشكلة من قبل الشيعة العراقيين في ديترويت والذين قدّموا طلبا رسميا للسلطات لبناء جامع او حسينية باسم "مركز  ديني" في منطقة سترلنك هايتس بالولاية ، وعندما سئل سكانها رفضوا ، وهم اميركان من اصول مختلفة ومنهم بعض الكلدان ، كونه  "مشروعا" له اهداف مبيتة ضدهم ، علما بأن عدد الشيعة قليل في هذه "المنطقة" مقارنة بمنطقة ديربورن التي ينتشرون فيها بكثافة ، اذ غدت منطقة سكن خاصة بهم ، وغدت تعد ذات كثافة واغلبية سكانية من المذهب الشيعي تصل الى اكثر من 70% وفيها جوامع وحسينيات ومراكز دينية شيعية وصحف ومكتبات واذاعات ومراكز تجارية وتسويق خاصة فيها وكلها تحمل يافطات بالعربية وعناوين شيعية، واغلب سكانها من المهاجرين الشيعة العراقيين واللبنانيين ..

وقد علمت من مصادر موثقة ومطلعة في مشيغان ان مساحة الارض التي سيتم بناء الجامع الشيعي عليها في منطقة سترلنك هايتس بالولاية تبلغ 20500 قدم مربع (عشرون الف وخمسمئة قدم مربع) ما يعادل 2000 متر مربع تقريبا (الفي متر مربع) وبكلفة بناء تقدر بين 4 - 6 مليون دولار امريكي .. ولقد تفاقمت المشكلة بين الطرفين الكلدان والشيعة العراقيين الى حد تبادل الاتهامات بين الطرفين في الصحف والاذاعات ، كما وانتقد الكلدان خطبة امام وخطيب مركز الزهراء الاسلامي الشيعي في ديترويت سيد حسن قزويني ، ووصفوها انها خطبة عنصرية واستفزازية وتطاول مرفوض جملة وتفصيلا تتناقض مع روح الدستور والقانون الامريكي وروح العصر ، وهي خطبة تحريض على العنصرية والتفرقة .. وردّت صحيفة شيعية على الكلدان بأقذع التعابير  كونهم عارضوا المشروع . ويقول الكلدان بأنهم ليسوا ضد بناء الحسينية او الجامع في أي مكان ، ولكنهم ضد تأسيسه في هذا المكان بالذات !

صحيح ، ان من حق اية جالية ان تتمتع بحريتها واختياراتها ضمن القانون ، ولكن لماذا هذه  "المنطقة" بالذات والتي يصر  الاخوة الشيعة على بناء مشروعهم فيها ؟  خصوصا وانهم كانوا قد عزلوا انفسهم عن بقية العراقيين في ديربورن منذ سنوات طوال .. انني احترم المبادئ التي يحملها الاخرون من أي طرف ، ولكن اليس من المنطق والعقل ان تبنى بمثل هذه المبالغ التي لا يعرف مصدرها مصانع توظف الناس العاطلين من الشيعة كي يحسنوا ظروفهم المعيشية بدل بناء جوامع وحسينيات وصوامع في ديترويت ؟

ان السلطات القانونية في الولاية بدأت بالاستفسار والتدقيق  عن مصدر هذا التمويل لبناء الجامع والجهة التي تقف خلفه علما ان محافظ مدينة سترلنك هايس السيد مايكل تيلر قال انه لا يشجع بناء الجامع في هذه المنطقة المزدهرة التي ستتحول بوجود جامع كبير الى منطقة رثة تسكنها الاشباح السوداء . ويبدو ان الصراع يستفحل الان بين الطرفين مع تفاقم الحرب الاعلامية عبر الاذاعات ، ويبدو ان القائمين على هذا "المشروع" يتلقون الدعم من مراكز قوى سياسية متنفذة في كل من بغداد وطهران . اتمنى مخلصا ان تحلّ هذه "المشكلة" بين العراقيين في مشيغان ، وان يلتفت كل العراقيين فيها الى تطوير انفسهم وحياتهم ومصالحهم ومنافعهم وعقولهم قبل التنازع  والاصرار  على بناء الجوامع والصوامع  !

-------------------------------------------------

* مؤرخ عراقي

نشرت في جريدة المدى - الاثنين 21 ديسمبر - كانون الاول 2015 

www.sayyaraljamil.com