الإثنين 23 تشرين1/أكتوير 2017
TEXT_SIZE

بين الحداثة والحضارة

هناك حاجة لاستحضار المعطيات الحضارية المغيبة عن الحال العربي منذ عقود، خاصة حينما نرى هذا الخلط الحاصل عربياً بين الحداثة والحضارة، وبين معطيات هذه وتلك. وقد اختلط علينا الأمر، نحن في الخليج العربي بالأخص، إذ ظننا الحداثة عين الحضارة، فما عدنا نمايز بينهما، أو أننا صرنا نعوض عن النقص الحضاري بالتوسع الحداثي. بذلك تهافتنا، ولا نزال، على الحداثة، كون معطياتها سهلة الاقتناء أو التوفير بالمال، وهي أيضا الأظهر لأجل التباهي بها كمنجزات "حضارية". بذلك عزفنا، ولا نزال، عن المعطيات الحضارية الحقة، كون التحقق فيها يتطلب ارتقاء في الفكر، تساميا في الأخلاق، تساويا في الحقوق، وعملا مؤسسيا، لا فرديا، في تقرير وإدارة الشأن الوطني.

في الحاضر الراهن، المعطيات الحضارية على صعيد الدول العربية منفردة غير متواجدة أو هي غير وافية، لذا التكامل الحضاري على صعيد الوطن العربي ككل، منطقيا أمر غير وارد بعد. التكامل انطلاقا من معطيات منقوصة لا ينتج إلا تراكما للنقص السائد المشترك. التكامل ينشد حيث تكون المعطيات المتفرقة المرشحة للتكامل سليمة في ذاتها، وإذن لا ينقص سوى ابتعاث الترابط التكاملي ما بينها لإطلاق مشروع النهضة المنشودة. لكن في الحال العربي، معطيات دولنا الحضارية غير سليمة، لذا هي غير مؤهلة للتكامل إلا لصالح تكريس الحال القائم الذي يراد تجاوزه.
الأجدر، إذن، في هذا الحاضر، أن يكون التركيز على البناء الحضاري الذاتي في كل قطر عربي. بتعبير آخر: عندما تستوفي بلداننا، أو معظمها، المعطيات الحضارية في بنائها الوطني، سيتولد من دفع ذلك استتباعا سياق نحو التكامل الحضاري بين شعوب الأمة عبر الوطن الكبير. 
منطقي فيما ذهبت إليه، هو أن بين الحداثة والحضارة فارق نوعي: فارق موضوعي، لا فارق شكلي فحسب... فارق معنى، لا مجرد فارق لفظ. 
الحداثة هي منظومة الأشياء الحسية التي نحدثها حولنا لتيسير أمور الحياة، الاستمتاعِ بها، والترفه فيما هي تجلب من راحة ورغَد. من معطيات الحداثة، مثلا، المدارس، الجامعات، المستشفيات، شبكات الطرق، شبكات توصيل المياه، شبكات الكهرباء، وسائل النقل، وسائل التواصل، المسكن اللائق، الملبس الواقي والجميل، وفور المأكل والمشرب، وسوى تلك العديدُ من مستلزمات العيش وميسرات الحياة.
مع ذلك، تبقى معطيات الحداثة في صميمها وسيلة، لا غاية. هي وسيلة من حيث أنها تمكن من تحقيق غايةً أسمى: غايةِ تحقق الإنسان ارتقاء في إنسانيته. بهذا المعنى، الحداثة ممكن ومنطلق، إذا شئنا اتخذناه سلما إلى التحقق الحضاري.
 
وما التحقق الحضاري؟ 
هو ما يتحصل في داخلنا، لا ما يستحدث في محيطنا الخارجي. هو بقدر ما يتبلور فينا ذاتيا، نتعرض به معرفة، نتهذب مسلكا، ونسمو خلقا. هو ما نرتقى به إنسانيا، فننضح أداء خيّرا، لا منّ فيه ولا أذىً منه إزاء أي أحد، ولا عسف ولا عنف ولا عدوان. هو ما لا تعالٍ فيه على أحد، ولا تصاغرَ أمام أحد. هو ما لا استئثار فيه بما الناس فيه سواسية. 
معطيات التحقق الحضاري جلية ناصعة، لا مجال لنكرانها، أو الاشتباه فيها، إلا إذا كان ذلك ابتغاء التنكر لها بقصد، وهذا عربيا ما لا أحب افتراضه. هي ما يشهد الإجماع الأممي على لزوميتها جنبا إلى جنب مع الإنجاز الحداثي. بذلك تمكن أيما أمة من نماء حقيقي على الصعيدين الفردي والمجتمعي في ترادف. بذلك، في أيما مسعى صادق لإعادة توطين البعد الحضاري في الحياة العربية، هي الأجدر والألزم أن توضح وتؤكد وتطبق تطبيقا راسخا ومستداما لأجل الارتقاء بمستوانا الحضاري للأعلى بين أمم هذا العصر. 
على ما أرى، معطيات التحقق الحضاري ثمانية: فيما يلي أورد تعريفا وجيزا لكل منها، مع إدراك أنها متعالقة عضويا، لا يكون لأيما أمة انتهاض حضاري حقيقي بدون أن تتبناها وترسيها كمنظومة متكاملة، دستوريا وقانونيا وتطبيقيا، في حياتها الوطنية.
المعطى الحضاري الأول هو نظام ديمقراطي راسى في مبادئ خلقية ثابتة واضحة. الديمقراطية، كمجرد إجرائية انتخابية، لا تكفي لضمان سلامة سير الأمور، لذا لا تفي صميما بالمطلب الحضاري. لكي يكون النظام الديمقراطي سليما في بنائه وأمينا في أدائه، وجب أن يؤصل تحديدا في مبادئ العدل، والمساواة، وكرامة الإنسان. من هذه المبادئ الثلاثة، إلى جانب المبدأ الديمقراطي الرابع، الحاضن لها، تتفرع كافة حقوق الإنسان، وتباعا، تستمد جميع حقوق المواطنة. 
تأكيد لزوم هذا التأصيل، نلحظه في الدساتير العصرية التي تلزم الدولة بالتثبت المبدئي: تلزمها بتبني النظام الديمقراطي درأ للاستبداد، وتلزم النظام الديمقراطي بالرسوخ المبدئي درأ للشطط، مانعة بذلك الدولة من التنكر أو التجاهل للمبادئ المثبتة دستوريا فيما تشرع الدولة من قوانين، تضع من لوائح، أو تنفذ من تطبيقات إجرائية. 
المعطى الحضاري الثاني هو المواطنة المتساوية، وقوامها العقد الاجتماعي المساوي بين المواطنين كافة أمام القانون: عقد لا يجيز أيما امتيازات بناؤها حسب أو نسب أو دين أو مذهب أو جاه اجتماعي أو موقع سلطوي.
المواطنة، بذلك، تعنى المواطنة المتساوية بين المواطنين جميعهم، رجالٍ ونساء، وحقوقها، بذلك، تتوازى مع حقوق الإنسان المفصّلة والمعترف بها عالميا. بتعبير آخر: حيثما تضمن حقوق المواطنة المتساوية على نحو غير منقوص تضمن أيضا حقوق الإنسان. مدى الوفاء بحقوق الإنسان أضحى اليوم المسطرة الرئيسة التي تقاس بها جدارة الدول عالميا، وضمن الدول، تقاس بها جدارة الحكومات. 
المعطى الحضاري الثالث هو سيادة القانون: أمام القانون، في أية مقاضاة عدلية، يتساوى الجميع. ضمان ذلك يتطلب قضاء مستقلا، مصانا من أي تدخل، محلي أو خارجي. سيادة القانون تعني أن المواطنين كافة، ذكورا وإناثا، في وطنهم سواسية أسياد. بهذا المعنى، سيادة الدولة مستمدة من سيادة مواطنيها جمعيا، لذا لا جدارة سيادية بمعنى حقيقي تكون لدولة أهلها في وضعية رعايا، لا مواطنين.
المعطى الحضاري الرابع هو اقتصاد منتج منصف: أيما اقتصاد سليم بالضرورة يعنى بزيادة الإنتاج وعدالة التوزيع بتوازن حصيف. حيثما يختل التوازن يختل الأداء الاقتصادي، فيجر الخلل إلى اضطراب سياسي اجتماعي. يتحقق التوازن بانتهاج التنمية الإنسانية المعنية بالنماء الحضاري. طبعا، التنمية الاقتصادية هي الأساس، من حيث توفيرها لوازم الحياة،َ كالصحة والتعليم والمسكن اللائق وفرص العمل ويسر المعاش. لكن التنمية الانسانية، فوق ذلك، تعنى صميما بتحقيق اللوازم الحضارية المتمثلة في عدالة توزع الأرزاق، تكافؤ الفرص، المشاركة السياسية، ضمانِ حقوق الإنسان، تعزيز الهوية الثقافية، دفع النماء المعرفي، وانتهاج اقتصادٍ رصين، غيرِ مبددٍ للمال العام في مظاهر بذخ، وغيرِ مجيزٍ ولا ممكن من عشوائية التصرف فيه وفق غباتٍ شخصية. 
المعطى الحضاري الخامس هو النماء المعرفي: جل الحياة العصرية يدار، وكل احتياجاتها تلبى بفضل المعارف والنظم والتقنيات المتفتقةِ من محض خبرة الإنسان. غذاءً كان أو صحة أو تعلميا أو تنقلا، أو إعلاما، أو دفاعا وطنيا، أو تبادلا تجاريا، أو نظاما اقتصاديا، أو عمرانا في الأرض أو ضبطا للأمن، أو تمكينا لفعاليات ثقافية، أو تيسيرا لأداء فرائض دينية ... جميع تلك وأكثر ممكّن بفضل الناتج المعرفي الإنساني وتطبيقاته التقنية المتنوعة. المعطى الحضاري لا يتحفظ على جدارة الاجتهاد الإنساني، بل يعتمد محصله المعرفي ويعمل بمخرجاته التطبيقية لأجل تطوير نوعية الحياة للأحسن للناس كافة. 
المعطى الحضاري السادس هو الاستقرار السياسي معضدا بالوئام الاجتماعي. المجتمعات المعاصرة تعددية التركيب من حيث العرق واللون والدين والمذهب والمنشأ الوطني، وسوى ذلك من الخصوصيات المتنوعة للناس. من هنا تأكيد أهمية المشترك الوطني. حيث لا يتساوى الناس على أرضية المواطنة يشعرون بالغبن فيتراجعون من عمومية الانتماء الوطني إلى خصوصية انتماءات فئوية مستثيرة للفرقة والخصام. بذلك يتداعى الوسط الوطني، وتتنشط الأطراف: كل طرف جاراً النار إلى قرصه، معليا المنفعة الخاصة على الصالح الوطني المشترك. لأجل تحصين اسقرارها السياسي ووئامها الاجتماعي، مجتمعات العصر توطد المواطنة المتساوية كحاضن وطني جامع منيع.
المعطى الحضاري السابع هو ردع الفساد: للفساد وجوه شنيعة متعددة، سياسية، اجتماعية، اقتصادية، تجعله من أخطر الأسقام التي يمكن أن تبتلي بها الشعوب. سياسيا، الفساد يأخذ شكل استغلال نفوذ سلطوي للاستئثار إجحافا بما الناس فيه أسوة. اجتماعيا، الفساد يستعمل الوجاهة التقليدية لاجتلاب منافع، دونما حق أو استحقاق. اقتصاديا، الفساد يسري بالتراشي المالي. في شكله الآخر، التراشي يجري بمقايضة منافع عينية بين متنفذين في مواقع السلطة، أو مقربين لديهم، وفي الحالتين، يجري بتحايل على القانون.
المعطى الحضاري يمقت الفساد ويمجه. إنه يرصد قنوات تسربه إلى الحياة العامة، متقصيا وكاشفا كل ما يريب. إنه يتعقبه، يعريه، يحاكمه، ويعاقب عليه بصرامة رادعة. 
المعطى الحضاري الثامن والأخير هو المواكبة لمسيرة الحضارة في جميع الميادين. ذلك يعني عدم التخلف عن الموكب الحضاري الجامع لمسيرات أمم هذا العصر. يعني أيضا رفع التحفظ عن تبني ما يتبلور معرفيا في الخبرة الإنسانية عامة، مما ينفع الناس ويرتقي بالأمم إلى صعد حضارية متراقية. 
 
خلاصة: الحداثة غير الحضارة، والتوسع الحداثي، مهما بلغ، لا يغني عن حاجة الأفراد والأمم إلى الارتقاء الحضاري. حيث يكبت النفَس الحضاري طويلا يتولد الاحتقان، فيتأزم الوضع الوطني، يتحلحل الاستقرار السياسي والوئام الاجتماعي، وتتراجع ثقافة الأمة. المرء لا يعيش بالخبز وحده، كلمة قالها المسيح قديما ليبصر أهل عصره أن الرخاء والرغد لا يغنيان عن حاجة الإنسان الصميمة إلى تحقيق ذاته بالفضيلة والرقي العقلي. كذلك نبي الإسلام جاء معنيا بابتعاث المعطيات الحضارية في خبرات الأمم: جاء متمما لمكارم الأخلاق، وجاء رحمة للعالمين. 
كما في الماضي، كذا في عصرنا، الإنسان، فردا ومجتمعا، مهما يؤتى من ماديات عصره، يبقى باحثا عن مبادئ وقيم يدرك فطرة أن بها كان، وسيكون، في كل زمان ومكان، ارتقاء الإنسان، فردا ومجتمعا، على السلم الحضاري.
 
ختاما: بتقديري، في الخبرة العربية الراهنة لا زلنا أكثر شغفا بمنظومة معطيات الحداثة، وأقل اهتماما بمنظومة معطيات الحضارة. لكن طموحنا كأمة ناهضة، بالأخص الطموح لدى شباب الأمة، ينزع وضوحا نحو توطين المعطيات الحضارية في الحياة العربية. لذا سعينا أولى أن ينطلق بتركيز مكثف وهادف نحو التحقق الحضاري. بذلك سيتوجه تطلعنا ليس خياليا نحو التكامل الحضاري عربيا من أوضاع منقوصة حضاريا على الصعيد القطري، بل إلى التركيز عمليا على دفع البناء الحضاري وطنيا في كل بلد عربي. فقط عند تحقق مستوى حضاري واف في معظم الأقطار العربية، سيتبلور التكامل الحضاري على صعيد الأمة كاستتباع منطقي هادف لتعزيز الحال الحضاري العربي ككل. وسيكون ذلك نورا على نور.
--------------------------------------
· سفير عُمان سابقاً في واشنطن، وحالياً مقيم في مسقط ويرأس رابطة الكتّاب العُمانيين    

تشومسكي: أمريكا تخشى ديمقراطية حقيقية في منطقة الشرق الأوسط

قال المفكر الأمريكي الشهير نعوم تشومسكي إن الولايات المتحدة تخشى قيام أي ديمقراطية حقيقية تعكس الرأي العام للشعوب في منطقة الربيع العربي خاصة مع تداعي قوى هيمنتها على العالم. وألقى تشومسكي الأستاذ الأمريكي الفخري في قسم اللغويات والفلسفة بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا والمحلل السياسي الشهير محاضرة في الجامعة الأمريكية بالقاهرة الثلاثاء (23-10-12) بعنوان "النظام العالمي الناشئ والربيع العربي." واكتظت قاعة ايوارت في حرم الجامعة الأمريكية بميدان التحرير رمز الانتفاضة المصرية بالحضور الذي حرصوا على الاستماع إلى تحليل تشومسكي ووصل عددهم إلى أكثر من ألف.

ونظمت المحاضرة الجامعة الأمريكية في القاهرة بالتعاون مع جريدة الشروق. وشهدت المحاضرة حضورا مكثفا من شبان مصريين وأجانب وشخصيات سياسية وفكرية شهيرة في المجتمع المصري مثل المرشح الرئاسي السابق عمرو موسى والمفكر الكبير جلال أمين والكاتبة أهداف سويف والكاتب محمد سلماوي. كما حضر المحاضرة عدد من النشطاء الشبان الذين لعبوا دورا في الانتفاضة المصرية وما تلاها من أحداث مثل علاء عبد الفتاح ووائل خليل. 
ويعرف تشومسكي المفكر اليهودي المولود في عام 1928 بإنتاجه اللغوي والفلسفي والنقدي في مجال اللغة والأدب والسياسة والفلسفة والاجتماع ويشتهر بنشاطه الفكري ومعارضته للسياسة الخارجية الأمريكية فضلا عن انتقاده للاحتلال الإسرائيلي. وقال تشومسكي خلال المحاضرة إن الأمر الأخطر بالنسبة للولايات المتحدة سيكون هو التحركات تجاه استقلالية القرار في منطقة الشرق الأوسط. وأضاف أن مخططين أدركوا منذ الاربعينيات من القرن الماضي أن السيطرة على مناطق مخزونات الطاقة في الشرق الأوسط له علاقة كبيرة بالسيطرة على العالم أجمع. وأضاف أنه لا يعني بالضرورة هنا الاستحواذ على مصادر الطاقة في المنطقة، وإنما السيطرة عليها فقط حتى لو اعتمدت الولايات المتحدة كلية على الطاقة الشمسية أو على مخزوناتها النفطية. 
وذكر تشومسكي أن هناك خطرا آخر في منطقة الشرق الأوسط بالنسبة للولايات المتحدة يتمثل في احتمال أن تتحرك المنطقة صوب استقلالية لها معنى، وقال إن هذا يمثل تهديدا خطيرا لها. وأشار إلى أن هناك دراسات كثيرة للرأي العام في العالم العربي أجرتها وكالات أمريكية لاستطلاع الرأي وتوصلت إلى نتائج مشابهة، تفيد بأن الولايات المتحدة لا تريد حقا أن تعبر السياسات في الدول العربية كمصر وغيرها عن الرأي العام لشعوب المنطقة. وأضاف أنه إذا حدث هذا فقد يختلف موقف الحكومات من إسرائيل والولايات المتحدة ولن تعتبر إيران خطرا كبيرا، بل أن غالبية الآراء قد ترى أن المنطقة ستصبح أكثر أمنا إذا امتلكت إيران أسلحة نووية لتوازن القوة الأمريكية وعندها سترى الولايات المتحدة أنه يجب وقف الديمقراطية، لأن الديمقراطية تعني ببساطة انعكاس الرأي العام على السياسات. 
وأردف تشومسكي قائلا إنه وبالنسبة للغرب فإن الدول الأهم هي الدول النفطية الدكتاتورية في منطقة الخليج لكن هذه الدول نجت من موجات الربيع العربي وقمعت الانتفاضات التي طالبت بالديمقراطية فيها بعنف وبدعم من الغرب. لكنه أضاف أنه وفي مناطق أخرى بالمنطقة بقيت الهياكل الرئيسية للدكتاتوريات القديمة -بما في ذلك مصر- كما هي، على الرغم من تعرضها للتهديد من قوى شعبية تمثل مبعث قلق خطيرا للغرب. وقال إن الولايات المتحدة ظلت لهذا السبب تدعم الانظمة الدكتاتورية السابقة في عام 2011، وكذلك فعلت فرنسا مع تونس قبل الانتفاضة التونسية إلى أن أصبح من المستحيل الاستمرار في دعمها، وأضاف أن هناك محاولات الآن لإعادة بناء النظم القديمة في الدول التي شهدت تغيرات تتجه صوب الديمقراطية في المنطقة. 
وضرب تشومسكي مثلا لموقف الولايات المتحدة من تطبيق الديمقراطية في المنطقة وخوفها منها وقال إن هذا ظهر جليا في الانتخابات الفلسطينية في عام 2006 ، والتي وصفت من قبل العديد من المراقبين المستقلين بأنها أول انتخابات حرة ونزيهة في العالم العربي. وكانت هذه الانتخابات قد أسفرت عن فوز حركة المقاومة الاسلامية (حماس) التي لا تعترف بإسرائيل وترفض معاهدات السلام معها. وقال تشومسكي إن الولايات المتحدة واسرائيل حاولتا جاهدتين دفع نتيجة هذه الانتخابات باتجاه مرشحيهما المفضلين لكن النتيجة جاءت مخالفة لتوقعاتهما لذا وفي غضون أيام اتجهت الولايات المتحدة وإسرائيل والاتحاد الاوروبي إلى معاقبة الشعب الفلسطيني لانه "انتهك الديمقراطية" عن طريق التصويت وفقا لما يراه وليس ما تراه الولايات المتحدة، وقال إن واشنطن لا تعتبر هذه ديمقراطية. وأضاف تشومسكي أن الولايات المتحدة اتجهت فورا إلى إجراء روتيني تتبعه للإطاحة بالحكومات الديمقراطية التي لا تأتي على هواها وبدأت في الإعداد لإنقلاب عسكري لكن الحكومة المنتخبة استبقت الإنقلاب وكانت النتيجة هي تصعيد معاقبة الشعب الفلسطيني. وكان تشومسكي قد زار قطاع غزة يوم الخميس بعدما انتقل برا إليه من مصر عبر معبر رفح. ودعا من هناك إلى رفع الحصار الإسرائيلي عن غزة. والتقى تشومسكي أيضا برئيس وزراء حكومة حماس المقالة إسماعيل هنية، كما ألقى محاضرة في الجامعة الإسلامية بغزة حول الربيع العربي ومستقبل السياسة الخارجية في المنطقة. وذكر المفكر الأمريكي اليهودي الشهير أن تعامل واشنطن مع ماحدث في غزة يظهر بوضوح الطريقة التي يتعامل بها الغرب بشكل عام مع الديمقراطية حيث يكون "لا بأس بها طالما تأتي بالنتيجة التي نرغب(أي الغرب) بها." 
ورأى تشومسكي أن السيطرة الأمريكية على الشرق الأوسط مازالت قائمة وأن تداعي القوة الأمريكية في العالم مستمر. وردا على سؤال وجهه أحد الحضور لتشومسكي حول ما إذا كانت هناك مؤامرات تحاك ضد الانتفاضة المصرية، قال تشومسكي إنه يفضل وصفها بالتخطيط العقلاني وليس المؤمرات. وأضاف أنه لا توجد تقارير أو وثائق محددة تشير إلى ذلك إلا أنه في ضوء التاريخ وما يراه فإن من الممكن توقع وجود تخطيط في الغرب ضد الربيع العربي. ووضع تشومسكي خوف الولايات المتحدة من أي ديمقراطية حقيقية في الشرق الأوسط في سياق أشمل ورصد تداعي قوى الهيمنة الأمريكية في العالم والذي وصفه بأنه حقيقي، لكنه ليس حديث العهد فهو مستمر منذ الحرب العالمية الثانية. وقال إنه عند نهاية الحرب العالمية الثانية وصلت الولايات المتحدة إلى ذروة قوتها. وأضاف أن تصور تحول القوة إلى الهند والصين مع تراجع القوة الأمريكية مشكوك فيه لأنهما دولتان فقيرتان، وفيهما مشاكل داخلية لكن العالم يصبح متنوعا بشكل متزايد. 
وذكر أنه على الرغم من تراجع قوة الولايات المتحدة فلا يوجد في المستقبل القريب منافس ليكون القوة المهيمنة في العالم، وأن الوضع سيبقى على هذا النحو لبعض الوقت. وسرد تشومسكي لقطات تداعي القوة الأمريكية في العالم مثل مايعرف باسم "فقدان الصين" في عام 1949 عندما أصبحت الصين مستقلة وخرجت عن نطاق نفوذ الولايات المتحدة. وسخر تشومسكي من التسمية لأنه "لايمكنك فقد الشيء إلا إذا كنت تمتلكه. وقال تشومسكي إنه بحلول عام 1970 أصبح العالم الصناعي يشتمل على ثلاثة أقطاب أحدها في أمريكا الشمالية ومقره الولايات المتحدة والآخر في أوروبا ومقره ألمانيا والثالث في آسيا ومقره اليابان. وقال إن حلف شمال الأطلسي أنشىء لحماية أوروبا الغربية من روسيا، لكن عندما إنهار الاتحاد السوفيتي لم يتم حل الحلف، ولم يقلل وجوده، بل توسع ناحية الشرق وأصبح قوة تدخُل عالمية تحت قيادة أمريكية، ومهمته الرسمية هي السيطرة على نظام الطاقة في العالم عبر الممرات البحرية وخطوط الأنابيب وتنفيذ ما تحدده قوى الهيمنة العالمية. 
واستطرد تشومسكي قائلا إن من مظاهر تداعي القوة الأمريكية في العالم أيضا ما يسمى بفقدان أمريكا الجنوبية ويقصد به النزعة الاستقلالية في بلدان القارة التي تحركت بشكل أكبر نحو التكامل وطرد القواعد العسكرية الأمريكية بعدما كانت تعتبر باحة أمان خلفية للولايات المتحدة. وبعدما رصد تشومسكي في المحاضرة التي استغرقت حوالي ساعة ونصف من الوقت، تداعي القوة الأمريكية، تحدث عما يرى أنه التغيير الحقيقي الذي طرأ على المجتمع العالمي في الوقت الحالي. وقال إن محللين في البنوك أشاروا إلى أن العالم منقسم إلى كتلتين إحداهما يمثلها الأثرياء جدا، والثانية هي باقي الناس وهؤلاء يعيشون حياة غير مستقرة. وذكر تشومسكي أن هذا هو التطور الحقيقي الذي طرأ على النظام العالمي وليس صعود الصين والهند، وقال إن كتلة الأثرياء جدا تتمركز في الولايات المتحدة وبريطانيا ودول غنية أخرى، بل وفي مناطق أخرى حتى في أفريقيا جنوب الصحراء. وأضاف أن التأثير العالمي للشركات المالية أصبح سلبيا والنجاحات التي تحققها لا تضيف شيئا إلى كفاءة الاقتصاد الحقيقي، إلا أن الكوارث والأزمات تنقل الثروة من دافعي الضرائب إلى الأثرياء. وقال إن الوضع سيستمر على هذا النحو طالما بقي من أسماهم بعبيد هذا النظام صامتين، وطالما لم يتبعوا هذا النهج الذي تبلور في ميدان التحرير في مصر أيام الانتفاضة. 
وتحدث تشومسكي أيضا عن العالم الذي سيتركه هذا الجيل للأجيال القادمة، وقال إن الصورة قاتمة ولا تدعو للفخر، وإن هناك ظلالا داكنة تخيم على هذا الإرث وأهمها الحرب النووية والكوارث البيئية لأنها تتعلق ببقاء النوع. وذكر أنه لا تبذل أي جهود جدية حيال هذين الأمرين، بل تتخذ قرارات حاليا تزيد من هذين الخطرين. فعلى سبيل المثال قال إن دراسة علمية مرموقة أفادت منذ أسبوعين بأن مئة مليون شخص سيموتون في غضون عشرين عاما بسبب تغير المناخ وغالبيتهم في الدول الفقيرة. وأضاف تشومسكي أن نتائج هذه الدراسة لم تنشر في وسائل الاعلام الأمريكية بل على العكس جاءت النتائج عكسية وتمثلت في تسريع ذوبان جليد القطب ومحاولة استغلال الموارد الجديدة وزيادة استخدام الوقود الحفري للتعجيل بالكارثة. 
أما عن خطر الحرب النووية فقال تشومسكي إن وسائل الاعلام تخوض فيها يوميا ولكن بطريقة تبدو غريبة لعين المراقب المستقل للأحداث. وأضاف أن الخطر الأكبر من الناحية النووية في الوقت الحالي ينبع من الشرق الأوسط، فالصورة العامة في الغرب تقول إنه من الخطير للغاية السماح لايران بامتلاك قدرة نووية على الرغم من امتلاك قوى عديدة للقدرة على إنتاج أسلحة نووية. لكن تشومسكي أشار إلى أن السبب الحقيقي للقلق صاغه الجنرال لي باتلر القائد السابق للقيادة الاستراتيجية الأمريكية عندما قال، إن تسلح دولة في منطقة الشرق الأوسط بالأسلحة النووية أمر خطير لأنه قد يدفع دول أخرى لفعل الشيء نفسه. 
وأضاف تشومسكي أن باتلر لم يكن يشير إلى إيران وإنما إلى إسرائيل وذكر أن مشاركين في استطلاعات للرأي بين الأوروبيين قالوا إنهم يرون أن إسرائيل هي أخطر دولة في العالم، وأنها تأتي حتى قبل إيران في الترتيب. وقال إن استطلاعات رأي مماثلة جرت في العالم العربي واختار المشاركون فيها إسرائيل لتكون هي أخطر دولة في العالم تليها الولايات المتحدة. وذكر أن إيران لا تعتبر تهديدا كبيرا بين المواطنين العاديين وفقا لاستطلاعات الرأي في الغرب، لكن وسائل الاعلام تلتزم بآراء الأنظمة الدكتاتورية لذا "نسمع دائما أن العرب يريدون تحركا حاسما تجاه إيران لكن الحقيقة هي أن الشعوب لا تريد هذا، وإنما آراء الحكام المستبدين هي المهمة بالنسبة لأفكار الغرب عن الديمقراطية." وقال إن هذا يعكس من بين أمثلة عديدة الخوف العميق في الغرب من الديمقراطية. 
وقال تشومسكي إن هناك دولتان "مارقتان" تنتهكان ميثاق الأمم المتحدة الذي ينص على عدم استخدام القوة في النزاعات الدولية هما الولايات المتحدة وإسرائيل. وأضاف أن التهديدات التي تتعرض لها إيران ليست شفوية فحسب فهناك حرب دائرة تشمل الاغتيالات وهناك حرب اقتصادية وحرب الكترونية ضد إيران. وقال تشومسكي إن هناك طريقة مباشرة لإنهاء أي خطر نووي يمكن أن تمثله إيران وهو إقامة منطقة خالية من الأسلحة النووية في الشرق الأوسط. وأشار تشومسكي إلى مؤتمر دولي سيعقد في غضون شهور في فنلندا حول هذا المقترح الذي يلقى قبولا طاغيا في العالم وحتى بين إسرائيليين. وقال إن مصر تقدمت بهذا الاقتراح في عام 1995 لكن الولايات المتحدة تعيق تحقيقه منذ ذلك الحين لاشتراطها استثناء إسرائيل من المنطقة الخالية من الأسلحة النووية. وأضاف أنه ما لم يكن هناك ضغط شعبي كبير في الولايات المتحدة فلن يحدث شيء، لكن هذا الضغط الشعبي الكبير لن يحدث ببساطة لأن وسائل الإعلام الأمريكية لا تتحدث عن الموضوع، وقال إن هذا يشير إلى نوع آخر أكثر تعقيدا من القمع في المجتمعات التي تتمتع بالحرية مثل الولايات المتحدة. 
ويعتبر تشومسكي هو مؤسس علم اللغويات الحديث وله أكثر من مئة كتاب تتنوع موضوعاتها بين اللغويات والعلوم السياسية. ومن أشهر كتبه "الهيمنة أم البقاء والنظام العالمي الجديد والقديم والدول المارقة" و "9 – 11 هل كان هناك بديل؟" و "احتلوا بروكلين" الصادر في مايو- أيار الماضي. 
 

حقيقة التشيع والتسنن من وجهة نظر الفيلسوف شريعتي للتقريب المذهبي

كان من اللازم في ظل ما تعيشة الأمة من تفتت وانقسامات وتشردم وخلافات بل وحروب يطفو المذهبي فيها علي السياسي أن نستعيد ونستذكر بعض الأصوات العاقلة الهادئة عسي أن تكون هذه الكلمات حجراً في بركة راكدة.

يُعد فيلسوف الثورة الإسلامية في إيران الشهيد الدكتور علي شريعتي الملقب ب"المعلم" واحداَ من القلائل الذين تجردوا عن هوي التمذهب والتشدد أو التخاصم، وسعي بكل ما أوتي من قوة إلي لملمة الصفوف تجاه الوحدة بل إنه قد خصص كتابا يُعد معلما من معالم الفكر الشيعي في العصر الحديث ألا وهو " التشيع العلوي والتشيع الصفوي".
ولد علي بن محمد تقي شريعتي في مزيتان في منطقة خراسان عام 1933 نشأ في أسرة متدينة معروفه بالفقه والعمل، ونشط وهو في الثانوية العامة في التيار الذي قاده رئيس الوزارء السابق مصدق ثم تخرج بتفوق من كلية الآداب ليُرسل في بعثة دراسية لفرنسا، ويحصل علي الدكتوراه واحده في علم الاجتماع الديني والأخرى في تاريخ الإسلام، وهناك كان على اتصال بجبهة التحرير الجزائرية والتقى مفكرى فرنسا البارزين أمثال فرانز فانون وسارتر، ثم عاد الي إيران ليؤسس"حسينية الإرشاد" وهو المعهد الذي هاجم فيه تعصب رجال الدين من الشيعة ضد السنة، ثم مالبث أن أعتقل مرات في فرنسا وفي إيران لتبنيه أفكاراً إصلاحية ثورية كبناء الدولة الإسلامية وإعادة صياغة الذات والمجتمع اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وثقافيا علي نحو إسلامي حقيقي، كما اهتم بجوهر المساواه والعدل وتنقيه الإسلام مما شابه عبر القرون، خلف لنا حوالي مائة وعشرون (120) عملاً ما بين الفلسفي والأدبي والاجتماعي والسياسي كلها تتخذ من الإسلام القبس، استشهد في لندن علي يد جهاز المخابرات التابع للشاه- آنذالك- السافاك عام 1977
يشيد كاتبنا بالرؤية التي يتمتع بها شيخ الأزهر السابق محمود شلتوت وإخوانه في تدعيم حركة التقريب بين المذاهب الإسلامية ويصف هذا الدور بأنه واع ومسئول، هذا بخلاف وجود النفوس العالية التي تأبي الهزيمة أمام دسائس المتصيدين في الماء العكر من أعداء الداخل والخارج.

انتشار العدوين وانحسار الأخوين

يعزو شريعتي انتشار الخلاف والخصام المذهبي إلي ما يُسميه انتشار العدوين المتآخيين "التشيع الصفوي والتسنن الأموي" وانحسارالأخوين " التشيع العلوي والتسنن المحمدي"، فما هو التشيع الصفوي والتسنن الأموي؟

التشيع الصفوي: نسبه الي الدولة الصفوية التي حكمت إيران وزعمت انحدارها من نسل الإمامة لتُضفي شرعية زائفة علي سلطتها الزمنية، ويري المعلم أن الحركة الصفوية ورجال الدين المرتبطين بها عملوا علي إضفاء الطابع المذهبي وبعث القومية الإيرانية والوطنية لتبدو في صورة وشاح ديني أخضر، وركزت أجهزة الدعاية الصفوية علي نقاط الإثارة والاختلاف بين السنة والشيعة وأهملت نقاط الاشتراك، وحرصت علي تعطيل أو تبديل أو إهمال الشعائر والسنن والطقوس الإسلامية المشتركة بين المسلمين، ويرفض ماكانت تقوم به هذه الدولة عبر رجالها الذين كانوا يجوبون الشوارع ويُرغمون المارة والعامة علي لعن الشيخين "أبي بكر وعمر"، ويصف هذه الأعمال ب"الوحشية والإرهابية" ويؤكد أن السباب والشتيمه واللعن هما من منطق التشيع الصفوي، ويرمي شريعتي هذا النوع من التشيع بأنه "تشيع الجهل والفرقة والبدعة، وتشيع المدح والثناء للسلطات، وتشيع الجمود والركود بتأدية طقوس عبادية ومذهبية دخيله علي التشيع الأصيل، وهو تشيع ندب الحسين، وتشيع يُعطل مسؤليات المسلم، وهو تشيع للفكر الصفوي الدخيل".

التسنن الأموي: الذي يستغل عنوان المذهب السني لتمرير المخططات الرامية لفرض الهيمنة علي مقدرات الشعوب، وتبرير أعمال السلاطين، والتبرع بالأحكام والفتاوي الجاهزة، لتتناغم مع التوجه الرسمي للحكومات، ف"التشيع الصفوي" وقرينه "التسنن الأموي" كلاهما مذهب اختلاف وشقاق، والحقد والضغينة هي من خصائصهما، لأن كليهما يمثلان الإسلام الرسمي، وكلاهما دين حكومي، الأول لتبرير الحكم الصفوي والثاني لتبرير الوجود الأموي في موقع الخلافة.

وبكل شجاعة وندرة يُصرح الشهيد أن "كل رموز التشيع الموجود في إيران وشعائره، رموز مسيحية ومظاهر مسيحية، أدخلها الصفويون علي يد طلائع الغزو الفكري الغربي، لكي يفصلوا إيران تماما عن الإسلام السني، الذي كان مذهب الدولة العثمانية عدوتها التقليدية، كما أن الصفويين قد ارتكبوا ذلك الخطأ الفادح بالتحالف مع الأوروبيين ضد العثمانيين مما أودي بإيران وبالدولة العثمانية معاً"، وينهي بقوله " ولو خرجت كل المظاهر الدخيلة علي التشيع فلن يبقي هناك أي خلاف يذكر بين مذاهب الإسلام".

ويرد مفكرنا علي التخاصم والتقاذف الحاصل بين أنصار التشيع الصفوي وبعض رجال التسنن الأموي بأن غرض هذه الأمور هي خلق الأحقاد بين المسلمين، واستغفال الأذهان لمسائل هامشية وقضايا مفتعلة، والشيع العلوي والمنهج الحسيني وتشوية صورة الحوزة العلمية الشيعية الكبري في أذهان الجيل المثقف.

أما "التشيع العلوي" فهو حركة ثورية، تمارس الجهاد فكراً وسلوكاَ، لتواجه الأنظمة ذات الطابع الاستبدادي والطبقي، وهذا التشيع يتبني إقامة العدل، ورعاية حقوق الجماهير المستضعفة، وهو تشيع الوحدة والسنة، فشعار هذه المدرسة هو ثقافة الاستشهاد ونشر الحق وإقامة العدالة، وإن الشيعي العلوي هو الذي يسير علي خطي ونهج الإمام علي بن أبي طالب.

ويخلص شريعتي إلي أن الحل في أسلوب الطرح، والنهج المتبع في المناقشة والاحتجاج، فالسبيل الوحيد الكفيل بتحقيق ذلك هو توفير قاعدة علمية مشتركة وراسخة بين الأَخوين المستعدَيَيْن " التشيع العلوي " و"التسنن المحمدي" لمواجهة العدوين المتآخيين " التشيع الصفوي" و" التسنن الأموي".

ويصل بشريعتي الأمر الي القول بأن" الاختلاف بين التشيع العلوي والتسنن المحمدي ليس أكثر من الاختلاف بين عالمين وفقيهين من مذهب واحد حول مسألة علمية... وأن التشيع العلوي والتسنن المحمدي طريقان متلاقيان من يسير في أحدهما لابد أن يأتي اليوم الذي يلتقي فيه مع صاحبه ليصبحا معاً وحدة واحده" وفي المقابل فإن " المسافة بين وجهي التشيع العلوي والتشيع الصفوي هي عين المسافة بين الجمال المطلق والقبح المطلق".

نموذج علــى مؤســس "الوحدة الإسلامية"

يقدم شريعتي شخصية الصحابي إمام المتقين ورابع الخلفاء الراشدين علي بن أبي طالب، كنموذج حي وراقي، لعملية تأسيس الوحدة الإسلامية والترفع عن الخلافات، والسعي المتواصل نحو التوحيد لا التشتيت، وهو يقدم شخصية الإمام باعتبارها باعثة علي التمسك بشعار الوحدة، وشعار التفاهم، وشعار المسيرة الواحدة، والصف الواحد ضد العدو الخارجي، بل إنه يسرد بعض الأمثلة التاريخية المعبرة عن المنطق المعتدل المنصف للتشيع العلوي كاستعانة الخليفة الثاني عمر بن الخطاب بالإمام علي في بعض المسائل الفقهية أو المشكلات الحياتية، وهذا المنطق يضاهي في اعتداله منطق علماء التسنن المحمدي فمثلا كان علماء التسنن المحمدي يقرون بالفضل للإمام جعفر الصادق، وهذا الإمام الشافعي يعلن محبته لآل البيت، وذاك الإمام مالك بن أنس يرفض أن يُعمم علي المسلمين فقهه بقرار من الخليفة المنصور، ويعلن شيخ الأزهر محمود شلتوت عن فتواه بجواز التعبد بالمذهب الجعفري، هذه مجرد أمثلة يضعها كاتبنا ليوضح الفرق بين منطقين.

'قيام إسلام رسالي أممي بلا مذاهب

يرى الأخ الشهيد في المرحلة الثالثة من مراحل مشروعه الفكري النهضوي الكبير "العودة الي الذات الإسلامية" ضرورة العمل علي قيام إسلام عالمي أممي، لا تُكونه قومية أو عرقية أو نعرات مذهبية، بل يكون الإسلام الرسالي هو الجنسية وهو الوطن، ويعطي مثالاً ب"اتحاد الغرب الرأسمالي مع الغرب الشيوعي، وبالأمس كان اتحاد المسيحية والاستعمار أو توافق المسيح والقيصر" وبالتالي " فلابد من قيام العالمية الإسلامية" وينبغي أن "تسكت الخلافات المذهبية تماماً وأن تُدرك مصادرها وتبعاتها وعواقبها والأيدي التي تحركها، وهي الأيدي نفسها التي تحرك مبدأ فصل الدين عن السياسة وتقصد بالدين الإسلام فحسب".

دور العلماء في النظر للآخر المذهبي

ينادي كاتبنا بأعلي صوته على العلماء من الطرفين فيخاطب علماء الشيعة ويقول " علي علماء ومفكري الشيعة أن يوضحوا أن أجهزة الدعاية للتسنن الأموي تستغل الأقاويل والمزاعم التي يتشدق بها رجالات التشيع الصفوي للإساءة إلي كل الشيعة، وتشويه صورتهم عند إخوانهم السنة، وفي المقابل فإن أجهزة دعاية التشيع الصفوي تفعل الشيء ذاته، فتقتنص أقاويل ودعاوي ومزاعم النواصب والوهابيين وتلصقها باسم السنة جميعا"

ويحث علماء السنه علي التحري والتروي فيقول" على العلماء المخلصين من السنة أن يفندوا هذه المزاعم ويدفعوا هذه الشبهات التي تثار ضد إخوانهم من الشيعة وليقولوا لأبناء جلدتهم أن الشيعة هم من صلب الإسلام لا غير، ليسوا أعداء للمسلمين، ولا حلفاء للصهاينة...لكي لا يقعوا في شرك الأعداء وينشغلوا عن معاداه اعدائهم الذين تسللوا الي عقر دار المسلمين بمعاداة إخوانهم الشيعة".

هكذا رسم لنا شريعتي صورته عن التقريب بين أهل المذاهب بقبول الاختلاف وإحسان الظن والبعد عن التشنجات وإعادة قراءة التاريخ وأحداثه بصورة نقدية ومغربلة، كي لا نقع في خطيئة التراشق بالتكفير والزندقة وأن ننتبه الي ما ينسجه أعداء الأمة للوقيعة بين أصحاب الملة الواحدة


 

مبدأ التنوير : " كن شجاعا واستخدم عقلك بنفسك!"

بدأ المفكرون الاوربيون منذ عصر النهضة يستعيدون افكار واراء الفلاسفة الاغريق، وبخاصة افلاطون وارسطو ، ويطورونها ويضعون اللبنات الاولى للفكر الفلسفي الحديث، الذي عمق الصراع بين الدولة القومية الناشئة وبين هيمنة الكنيسة،

اِقرأ المزيد...

خطر تنامي دور القبيلة والطائفة في العراق

قبل اكثر من قرن، أي في عام 1910، كتب احد نواب بغداد في البرلمان العثماني يقول: "أسلم للمرء ألف مرة ان يعتمد على العشيرة من ان يعتمد على الحكومة،" لان العشيرة مهما كانت ضعيفة فانها تقف الى جانب اعضائها اذا وقع أي ظلم عليهم".

اِقرأ المزيد...