الإثنين 21 آب/أغسطس 2017
TEXT_SIZE

أمين الريحاني والتجدّد العربي بعد مائة عام...!

كيف نقرأ رؤية الريحاني للتغيير في المجتمع العربي
الدكتورة نجمة حجّار*
أحب أولا أن أثني على جهود "مركز الحوار العربي" في العاصمة الأميركية، وعلى الاهتمام بدور الفكر والمفكرين في المجتمع العربي. أشكر بشكل خاص مي الريحاني وصبحي غندور للجهد الذي بذلاه لتنظيم لقاء الليلة. ويسعدني ويشرفني التحاور معكم حول رؤية أمين الريحاني في التجدد والتغيير العربي. فالريحاني كان كاتبًا ومفكرًا فعّالاً في عصره وبيئته. ولا شك أنه في حياته وأعماله وروحه وفكره وأدبه ما زال، حتى بعد مئة سنة، نموذجًا للمفكّرين الفاعلين الذين نتطلع اليهِم "لإعادة تصويب البوصلة" كما قال كلوفيس مقصود في كتابه من زوايا الذاكرة (ص13) وصبحي غندور في مقالته الأخيرة، ولإحداث التغيير المنشود في الوطن العربي.
من المفيد أن نقرأ رؤية الريحاني في التجدد العربي في سياق حياته وتكوّنه الفكري بين مؤثرات غربية وعربية استفاد منها وانتقدها في الوقف نفسه؛ وفي سياق عصره والبيئات التي كان يتحرك ويعمل فيها بين الشرق والغرب. وفي حوار الليلة، سأحاول التركيز على الأسئلة والآراء التي طرحها الريحاني، والتحديات التي استجاب لها. وطبعًا، لا بد لنا ونحن نواجه قضايا التغيير العربي، والأزمات المصيرية الوجودية، من أن نسأل أنفسنا، إلى أيّ حد يمكننا أن نتعلم من رؤية الريحاني وسيرته الفكرية لخدمة مجتمعاتِنا العربية والإنسانية في هذا العصر؟
"إنها بداية الربيع العربي" (أمين الريحاني، كتاب خالد، صدر سنة 1911).
هكذا منذ مائة عام أطلق أمين الريحاني حلمه بالتجدّد العربي. من قلب العالم العربي، في الجامع الأموي بدمشق، أعلن بطله "خالد" بداية التغيير لإحياء مجد العرب والإسلام. كفّروه. من أين لابن لبنان العائد من نيويورك أن يتكلم بلسان العروبة؟ ترك "خالد" الميدان. وبقي الريحاني على ثباته! ما لبث يكرر: "أنا لبناني متطوّع في خدمة البلاد العربية، وكلنا منها. وإني عربي متطوّع في خدمة الإنسانية، وكلنا منها" (التطرّف والإصلاح).
بهذه الحيوية والشجاعة والثبات، أعلن الريحاني انتماءه إلى الوطن العربي والوطن الإنساني معًا، والتزامه بخدمة العرب والإنسانية جمعاء. كلمة قالها مرارًا ودعا سائر العرب ليجعلوها شعارهم في الحياة. طبعًا لا يمكن أن نفهم كلمة الريحاني على أنها تناقض أو تذبذب في الانتماء، ولا بمعنى "أزمة الهوية" التي يعانيها الكثير من عرب اليوم، المغتربين والمستغربين والمغرَّبين (كل لفظة تعبر عن فئة من العرب الذين استوعبتهم بلاد الغربة، أو أولئك الذين تغرّبوا واغتربوا وهم في بلادهم).
إنما تعبر كلمة الريحاني عن اعتزازه بهويته الديناميكية وبإنسانيّته الفكرية. على الرغم من الهجرة، أو ربما بسبب الهجرة ومعاناة النفي عن الوطن (أو حتى داخل الوطن)، وبسبب الأحداث العالمية التي عاصرها وعاشها، ما تردد الريحاني يومًا في توكيد التزامه بقضايا الوطن العربي والمجتمع الإنساني. فكما أن حبه للبنان، أرض مولده، لم يتعارض أبدًا مع ولائه للوطن العربي الأكبر، كان هذا الولاء والحب أساس إخلاصه في خدمة الإنسانية.
قلت "الشجاعة والثبات" لأن الريحاني عاش في عالم لا يختلف كثيرًا عن عالمنا اليوم: عالم مقسّم بين قوي وضعيف، مسيطِر ومسيطَر عليه (وربما كانت حدود التقسيم كما يراها البعض اليوم)، بين عالم متمدّن وآخر بعيد وغريب عن الحضارة والتمدن (لا بل عالم متوحّش). ككثيرين منّا نحن العرب الذين نعيش في العالم الغربي اليوم، انتمى الريحاني إلى عالم الشرق وعالم الغرب في آن واحد دون تذبذب في انتمائه إلى أي منهما. بالعكس، رغم الأزمات الكثيرة، أو بسبب هذه الأزمات التي واجهت أهله ووطنه العربي، أصبحت هويته الديناميكية أكثر حضورًا وأصبح هو أكثر ثباتًا وإصرارًا على خدمة القضايا العربية والنضال في سبيل الحق العربي في المحافل الدولية، ومن موقعه كمفكِّر وناشط عربي، وإن كان يعتزّ بجنسيته الأميركية المكتسبة.
هذه الرؤية الإنسانية إنما هي ردّة فعل إيجابية على تشكّل شخصية الريحاني في عالمين وثقافتين مختلفتين. فحياته وتجربته الفكرية تعكس اجتهاده الثابت والعنيد لإقامة نوع من التوازن في انتمائه الشرقي-الغربي معًا في علاقة ديناميكية تهدف ليس فقط إلى الانشغال بقضايا الشرق والغرب ولكن أيضًا إلى تقريب هذين العالمين الواحد من الآخر وتفعيل علاقتهما لما فيه مصلحة شعوبـهما ومصلحة الإنسانية.
لم يكن الريحاني قد بلغ الثانية عشرة من عمره عندما هاجر إلى الولايات المتحدة سنة 1888، من بين أوائل اللبنانيين والسوريين الذين هاجروا بحثًا عن مساحة من الحرية وفرص لحياة أفضل في العالم الجديد. بدل اللجوء إلى حياة العزلة والانعزال، انخرط الريحاني في الثقافة العالمية لمدينة نيويورك، فانشغل بالفنون (التمثيل والرسم والكتابة)، بالإضافة إلى كل ما تقدمه نيويورك من وسائل اللهو والحياة الليلية الصاخبة. وفي نفس الوقت التزم ببرنامج صارم وضعه للتثقُّف بمطالعة الآداب العربية والغربية. هكذا وبعكس توقعات عائلته والتقاليد السائدة في أوساط المهاجرين العرب، خطّ الريحاني طريقه في عالم الكتابة والفنون في أميركا وأصبح أول مفكِّر عربي ثنائي اللغة وأول كاتب باللغتين العربية والإنكليزية في المهجر الأميركي. فهو ليس فقط مؤسس أدب المهجر، لكنه برأيي الأب الروحي والفكري للأدب الأميركي-العربي.
بعد أكثر من عشر سنوات على رحلته الأولى إلى نيويورك عاد الريحاني إلى وطنه الأول. وتكرّرت عوداته ورحلاته بين العالم الجديد والعالم القديم كان أهمها رحلته في الجزيرة العربية (1922-1923) لــ"تمهيد السبيل إلى التفاهم" فيما بين العرب، ورحلاته الأميركية (في السنوات 1929 و1939) دفاعًا عن حق العرب في فلسطين. وقد عززت رحلته العربية تحوّله من ماروني من جبل لبنان يخاف "بعبع" العرب إلى وطني قومي عربي في خدمة قضيتهم التي أصبحت "قضيته" (ملوك العرب). أما في رحلاته الأميركية فكان أول عربي يقف على منابر الجمعيات والجامعات الأميركية، الإنكليزية، محذرًا من "نكبة فلسطين بالصهيونية" (المغرب الأقصى)، قبل حوالي عشرين سنة من نكبة 1948.
أثناء تجواله في عوالم الشرق والغرب، نمت شخصية الريحاني في خطين متوازيين، انفتاح فاعِل على الثقافة الغربية، والتزام فعلي بالقضايا العربية. فتنته الحرية الأميركية فسألها: "متى تحولين وجهك نحو الشرق أيتها الحرية؟ . . . متى تدورين مع البدر حول الأرض لتنيري ظلمات الشعوب المقيدة والأمم المستعبدة؟" (الريحانيّات) لكن استبداد الرأسمالية ومساوئ الديمقراطية الليبرالية، كما خبرها في أميركا، أقلقته. فانتقد تمدن أهل الغرب المؤسَّس على "الاستئثار" و"روح التجارة الخبيثة"، لأن مثل هذا التمدن برأيه "لا يولد إلا الظلم والرذيلة" (الريحانيّات). في نفس الوقت، تفاعُل الريحاني مع المجتمعات العربية في الوطن والمهجر، نبّهه إلى مشكلات التخلّف والجهل والتعصّب في هذه المجتمعات، وإلى الهيمنة الاستعمارية الغربية على الثقافة ومصير الشعوب العربية. وهكذا التزم فكريًا وفعليًا ببرنامج للعمل والكفاح الجاد الدؤوب، فكتب المقالات في الصحف العربية والإنكليزية، وألقى المحاضرات في أميركا وأوروبا والعالم العربي، ونشر العديد من الكتب في فنون أدبية جديدة ومتعددة كالشعر والرواية والقصة القصيرة والمسرح والمقالة، وكتب باللغتين في مواضيع فكرية متنوعة كالنقد الأدبي والفني والتاريخ والفلسفة والفكر الاجتماعي والسياسي، بالإضافة إلى كتب الرحلات والسيرة والرسائل.
لا شك أن معاناة المهاجرة الدائمة وتحدياتها (مع كل ما تحمله عملية المهاجرة من آلام الانسلاخ عن الوطن والتأقلم في الوطن الآخر)، هي التي ميّزت الريحاني عن سائر أدباء المهجر في زمانه، ولا أبالغ بالقول في زماننا. ولا شك أيضًا أن تثقُّف الريحاني على كبار الأدباء والمفكِّرين في الشرق والغرب، ودخوله معهم في حوار وجدل فكري (في تعليقاته على هوامش مطالعاته وفي كتاباته)، أهّله لأن يكون المحاور الأول بين ثقافة العرب والغرب. تفاعلُه مع الثقافة الغربية (قراءة ونتاجًا)، وبشكل خاص ملكته للغة الإنكليزية مكّنته من التحاور مع جمهور غربي مثقَّف يجهل الكثير عن الثقافة العربية. وفي نفس الوقت، تعمقّه المعرفي بالثقافة العربية ونهله اللغة من ينابيعها الأولى أتاح للريحاني التحاور بلغته الأم مع فئات واسعة من العرب على مختلف المستويات والاهتمامات الفكرية والسياسية.
ربّما لكل هذه العوامل، ولحكمته ومعرفته الموسوعية لقّب الريحاني في زمانه بـ"فيلسوف الفريكة". طبعًا لم يكن الريحاني فيلسوفًا بالمعنى التقليدي للكلمة، لكنه كان بحق مفكِّرًا متعمقًا حكيمًا. لا شك أنه برؤيته الفكرية الواسعة وبتصوّره لمجتمع متكافئ قائم على أسس الحرية والحق والعدالة الانسانية، وجهادِه لتحقيق هذه الرؤية، ارتفع الريحاني إلى مصاف الفلاسفة والمفكّرين العالميين الذين أعجب بهم أمثال أبي العلاء المعري وتولستوي.
وضع الريحاني لنفسه شعار "قل كلمتك وامشِ" وعاش بموجبه. لم يكتفِ بالقول لأن الكلمة عنده هي بداية العمل الذي لا يكل.
في العام 1935، ردّ الريحاني على استفتاء أجرته مجموعة من شباب الجامعة الأميركية نصه، "ما هو هدفكم الأسمى من جهادكم، وكيف ترجون الوصول إلى هذا الهدف؟" بالمختصر المفيد كتب، "هدفي في الحياة: أن أبذل ما في طاقتي كتابة وخطابة وعملاً لتحرير الإنسان من قيود الجهل والفقر والخوف، وتخفيف الآلام البشرية وإزالة الأوهام والأضاليل في العقائد والتعاليم السياسية والاجتماعية والدينية. ووسيلتي إليه: الفكر الحر والبحث الحر والقول الحر مجردًا من كل تحزب وتعصب وأهواء شخصية" (الريحانيّات).
كما ناقشت في دراساتي عنه، أقول إن الريحاني مفكِّر عضوي ملتزم. في غايته لتحرير الإنسان من القيود الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وفي أسلوبه في معالجة القضايا التي شغلته تميّز الريحاني المفكِّر الفاعِل عن مفكِّري زمانه، وكثيرين من مثقَّفي عصرنا من حملة الشهادات الجامعية. ما يتفرّد به الريحاني أن رغبته الصادقة في خدمة البشرية أينما كانت رافقتها ثقة أكيدة بالنفس وشعور بالواجب بتوجيه الانتقاد لثقافتي ومجتمعي الغرب والشرق لكشف عيوبهما والاستفادة من حسنات كل منهما. هذا النقد المزدوج البنّاء هو المبدأ الذي قامت عليه فكرة التقدم عند الريحاني، وهي فكرة أساسية في تصوّره للتجدّد العربي والتغيير.
الجدير بالذكر أن النقد المزدوج والتبادل الحضاري (التبادل الثقافي والمعرفي على أسس حضارية كالتساهل والاحترام المتبادل)، من أهم الأفكار التي تطورت عند الريحاني مع ارهاصات التغيير في الوطن العربي في أوائل القرن العشرين، وهي من أكثر أفكاره ثباتًا واستمرارية. عام 1913 كتب من نيويورك لـ"صديق عزيز" في مصر، "إني في بلاد الغربة لا ارى حسنة من حسنات التمدن إلا وأتمناها لبلادي . . . وأعد نفسي سعيدًا إذا تمكنت وإياك وإخواننا المفكِّرين المخلصين من رفع نقاب الجهل الكثيف ليرى العرب شيئًا من نور العلم الذي هو أساس المدنية الجديدة. إني أتمثل دائمًا أمة عربية ناهضة عاملة مستيقظة، لا تنفر من الأوروبيين ولا تخشاهم، بل تقف أمامهم معتمدة على نفسها مستقلة بأمرها، . . . أمة أبيّة، كريمة، عزيزة، ظافرة، كسائر أمم الغرب صاحبات الصولة والاقتدار. وإننا لا نفوز بأمنيتنا هذه إلا إذا اقتدينا باليابانيين، فنأخذ عن أوروبا حسناتها فنضمها إلى حسناتنا، ونعززها بالسعي والعمل والجد والنشاط" (رسائل أمين الريحاني). لم يتخلَّ الريحاني عن فكرة التبادل الثقافي. بل بقي ثابتًا في إيمانه وتفاؤله بأن التبادل الحضاري هو السبيل الأضمن ليحقق العرب التقدم والتغيير المنشود والفوز في معركة الحضارة، معركتهم في الداخل والخارج، مع الذات ومع الأمم الشرقية الأخرى (إيران مثلاً) ومع الغرب (القوميّات).
من هذا المنطلق يجب أن نفهم نقده المزدوج لما في الثقافتين والمجتمعين من سيئات. والأهم من هذا أسلوبه الجريء والعنيد في انتقاد ما رآه معوّقًا لمسيرة التقدم الحضاري. في العالم العربي، انتقد الريحاني بشدة وثبات كل أشكال التعصب الديني والطائفي والمذهبي والقبلي والإقليمي. رفض الفينيقية اللبنانية والفرعونية المصرية والمارونية السياسية والوحدة الإسلامية السورية وفكرة الوحدة الإسلامية باعتبارها كلها أيديولوجيات انعزالية. في نفس الوقت هاجم الاستعمار الأوروبي واستعلاء الغرب، وانتقد خطاب الاستشراق (أو بعض مظاهره) ومدارس الإرساليات الأجنبية والمؤسسات الطائفية في الوطن العربي. كما استنكر تشرذم العرب ورضوخهم للسياسات الأوروبية الهادفة إلى التفرقة فيما بينهم لتعزيز سيادة الاستعمار والامبريالية في الوطن العربي.
لم يفوّت الريحاني أي فرصة لرفع صوته بالنقد البنّاء. الواقع الاجتماعي والسياسي، الظلم والجهل والتخلف والانشطارات في الوطن العربي كلها شددت من عزمه على الفعل والالتزام بالقضايا الوطنية. كتب وحاضر ونظّم جمعيات ثقافية وسياسية، وفاوض السياسيين والناشطين في العمل السياسي؛ نظم المظاهرات و"أيام الغضب" وشارك بالمقاومة السلمية والإضرابات والمقاطعة الاقتصادية. تعرّض للنفي والتهميش. أُحرقت كتبه وصودرت ومُنعت في عدد من البلدان العربية. ومع ذلك بقي هذا الناشط الحر والسياسي "غير المحترف" ثابتًا في مواقفه، مثابرًا على العمل لتحقيقها. لم ينتمِ إلى أي حزب أيديولوجي أو سلطة سياسية أو نظام حكم واستمر في طرح الأسئلة المحرجة والوقوف إلى جانب الحق في مواجهة ذوي السلطة أيًا كان شكلها دينية أو فكرية أو سياسية.
أود التوقف هنا عند موقف الريحاني من القضية الفلسطينية ودفاعه الشجاع عن حقوق الفلسطينيين في أرضهم، ومناشدته الملوك والرؤساء العرب للوقوف بوجه المخططات الصهيونية في فلسطين. صحيح أن الريحاني لم يعش ليرى النكبة التي حذّر منها. لكن ما يحصل في فلسطين والعالم العربي اليوم، يزيد من تقديرنا لجهد الريحاني الفكري والفعلي، خاصة فهمه المتعمق للأوضاع السياسية الداخلية والإقليمية والدولية، وتحذيره من انقسامات الفلسطينيين، ورؤيته الواضحة للسلام العالمي انطلاقا من السلام في فلسطين.
انشغل الريحاني بإشكاليات التغيير في الوطن العربي. لكنه تفرّد (عن معاصريه ومعاصرينا) برؤيته التقدمية (بالمعنيين تصوره لسبل التقدم وريادته الفكرية) للتجدّد العربي والتحرّر من قيود التخلّف واستعمار الغرب من جهة، وجهاده الفكري والسياسي لتفعيل العلاقة بين العرب فيما بينهم ومع العالم الغربي من جهة ثانية. عاش الريحاني في زمن وصل فيه استعمار الغرب للوطن العربي أقصى درجاته. أدرك بدقة ملاحظته أن أخطر العقبات التي تحول دون التغيير في المجتمع العربي هي حالة التخلّف والتشرذم والتجزئة السياسية التي سببتها الانقسامات الطائفية والقبلية والإقليمية، بتشجيع من سياسة "فرّق تسد" التي اعتمدتها القوى الأوروبية العظمى. وأيقن أن الروح العربية القومية هي خلاص العرب وأن الوحدة الوطنية هي السبيل الوحيد لمواجهة التحديات الداخلية والتحرر من استبداد الاستعمار وسياسات التوسع الغربي.
نادى الريحاني ببناء مجتمع عربي على أسس ديمقراطية (كالمساواة بين الطوائف والأديان وبين الرجال والنساء)، وبإقامة علاقات متكافئة للتعاون الثقافي والسياسي بين العالم العربي والغرب. وشدّد على أن تقوم علاقات العرب فيما بينهم ومع الغرب على مبادئ الحق والعدالة والاحترام المتبادل. حلم الريحاني بمجتمع عربي عَلماني موحد يقوم على مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص والحرية التي اعتبرها من حقوق الإنسان المشروعة، وعمل على بناء هذا المجتمع (لو أنه استخدم لفظة "عَلماني" و"عَلمانية" فقط في سياق الحديث عن التعليم والمدارس) (القوميّات). بذل جهدًا جبّارًا لمساعدة العرب في تحقيق التنمية الاجتماعية والتقدم الثقافي والاقتصادي والوحدة الوطنية. وحثهم في نفس الوقت على مباشرة حوار ثقافي فاعل وايجابي وبنّاء فيما بينهم اولاً ومع المجتمعات الغربية من جهة ثانية.
أصر الريحاني على أنه يستحيل على العرب تحقيق التغيير الحقيقي والتقدم ما لم يتوحدوا. والوحدة مستحيلة ما لم تحل الهوية الوطنية الشاملة محل الهويات المذهبية والمحلية الضيقة. لذا ناشد العرب بتنمية الروح الوطنية والقومية العربية غير الدينية لمواجهة الولاءات الطائفية والمحلية والقبلية. هذه الروح الجامعة الشاملة هي العروبة العلمانية. هي برأيه التي ستقود العرب إلى النصر في معركتهم من أجل التقدم والتحرر من الاستعمار، وهي التي ستعيد إليهم مجدهم ومكانتهم بين الأمم المتحضرة ليساهموا مجددًا في الحضارة الإنسانية العالمية.
على هذا الأساس أصر الريحاني على بناء دولة عربية عَلمانية يتساوى فيها كل المواطنين في الحقوق والواجبات. في الدولة الوطنية القائمة على فصل الدين عن الشؤون الزمنية والسياسة، رأى الريحاني الحل لمشكلة الأقليات التي استغلتها الدول الاوروبية لتثبيت الاستعمار في الوطن العربي. فالعروبة وحدها (وهي عنده فكرة ثقافية لا اثنية ولا عرقية)، يمكن أن تمنح المسيحيين والأقليات الأخرى حق المواطنة وتؤسس لدولة يتساوى فيها جميع المواطنين. هذا التركيز على الحرية والمساواة وتكافؤ الفرص كمبدأ أساسي للوحدة هو أهم ما يميز رؤية الريحاني الإنسانية للقومية العربية.
والجدير بالملاحظة أن مفهوم الريحاني للوحدة مفهوم عملي وديناميكي. فتصورّه للوحدة تطوّر خاصة بعد الحرب العظمى من الوحدة الوطنية الصغرى بين لبنان وسوريا (بما فيها فلسطين) من جهة، ووحدة الجزيرة العربية من جهة ثانية، إلى الوحدة القومية العربية الكبرى، أي الوحدة الثقافية والجغرافية والسياسية بين بلدان المشرق العربي. فالوحدة العربية القومية إذن تطور طبيعي وضروري لتحقيق مستقبل عربي أفضل. لذا يجب أن تتم تدريجيًا على أسس ديمقراطية تحترم حرية وإرادة كل الشعوب العربية المعنية بالوحدة، بالإضافة إلى احترام خصوصيات هذه الشعوب ومصالحها.
تجدر الإشارة هنا إلى براغماتية الريحاني وتصوره العملي للوحدة العربية. ففيما يخص نظام الحكم السياسي أصرّ على أن يتناسب مع ظروف البلدان العربية وخصوصياتها الثقافية والاجتماعية والسياسية (مثلاً الملكية الدستورية تتناسب مع أوضاع الجزيرة العربية بينما النظام الجمهوري البرلماني يناسب لبنان وسوريا). ومن الناحية العملية وضع الريحاني عددًا من الشروط اللازمة لتحقيق الوحدة. ففي الجزيرة العربية مثلاً حث على تطوير المؤسسات السياسية والبنى التحتية وتنمية الطاقات البشرية بالتربية والتعليم. وفي لبنان وسوريا أصر على ضرورة تأسيس حكم مدني ديمقراطي وعلى التنمية الاقتصادية والتحرر من الانتداب الفرنسي ومن الهيمنة الثقافية الغربية. هذه الشروط مرتبطة بشكل مباشر بفكرة التقدم عند الريحاني، وبمبادئ الحرية والعدالة والمساواة التي أصر على أنها شروط جوهرية بدونها لا يمكن بناء الأمة العربية الجديدة. وبرأيي، هذا الإصرار هو الذي يجعل من الريحاني رائد الديمقراطية وحقوق الإنسان في الخطاب العربي القومي المعاصر.
ليس فقط لريادتها ولكن ربّما أيضًا بسبب عمليتها وواقعيتها، ما زالت الأفكار التي طرحها الريحاني لمواجهة تحدّيات التغيير منذ مائة عام تتردّد في الأوساط الفكرية. ويرى فيها البعض حلولًا ممكنة لكثير من القضايا العربية المعاصرة خاصة في إطار حركات التغيير الديمقراطي والثورات والانتفاضات التحرّرية التي يشهدها الوطن العربي اليوم. ولا شك أن رؤية الريحاني العلمانية المنفتحة على الثقافات والشعوب الأخرى، خاصة في إطار البحث عن السلام في العالم، هي رؤية بديلة لأيديولوجيا التطرف سواء في الخطاب الديني والمذهبي والطائفي، أو خطاب "صراع الحضارات" الذي يروّج له بعض المستشرقين والاستراتيجيين في الغرب (ومنهم أولاد عرب!)
لا شك أن الشعوب العربية بدأت نضالها من أجل النهضة والتغيير منذ قرنين من الزمن. لكنها لم تصل إلى غايتها المنشودة بعد. رغم الحراك الشعبي والثورات، ومع العنف الذي يعيشه العالم العربي اليوم، تجد الشعوب العربية نفسها، أكثر من أي وقت مضى، عاجزة عن تقرير مصيرها في عالم يسيطر عليه الآخرون. ولا شك ايضًا أن "الأصدقاء" في الخارج مدّوا يد المساعدة، في أكثر من مناسبة، لـ"تحرير" الشعوب العربية. أثناء الإعداد الأميركي لغزو العراق بحجّة التحرير وإحلال الديمقراطية (سنة 2003)، انتقد المفكِّر الفلسطيني الأميركي إدوارد سعيد السياسة الأميركية قائلاً، "إنهم يجعلون من الديمقراطية مسألة تافهة عندما يدّعون أن هذا ما يفعلونه في الشرق الأوسط. لا أعتقد أنه حدث في التاريخ أن تحققت الديمقراطية بالقصف والغزو. لا شك أننا مقبلون على أوقات عصيبة" (E. W. Said, Culture and Resistance, 144).
سبق الريحاني إدوارد سعيد إلى مثل هذا التحذير بأكثر من سبعين سنة. في الثلاثينيات، خاصة بعد أن انكشفت نوايا الحليف الغربي على أرض الواقع العربي، وانقلبت المساعدة الصديقة إلى حماية ووصاية وانتداب واحتلال، حذّر الريحاني الدول الغربية من سياسة التدخل والهيمنة الثقافية والسياسية في العالم العربي. رغم اعتزازه بجنسيته الأميركية المكتسبة وما تقدمه أجواء الحرية في أميركا، حذّر من أنه لا يمكن فرض الحرية والديمقراطية بالقوة سواء بثورة من الداخل أو باحتلال من الخارج. كعربي عاش في الشرق والغرب، وكمواطن أميركي استفاد من الفرص التي أتاحتها الديمقراطية الأميركية، على سيئاتها، حلم الريحاني بتأسيس مجتمع عربي ديمقراطي بمساعدة غربية (خاصة في مجال العلوم والتكنولوجيا والإدارة). واجتهد فكرًا وفعلاً لمساعدة العرب شعوبًا وحكومات لبناء هذا المجتمع حتى يساهموا في الحضارة الإنسانية ويستعيدوا دورهم الفاعل بين الأمم. لكنه أصر على أن التغيير لا يمكن أن يفرض عليهم من الخارج بل يجب أن ينبع من الداخل وبالأخص من داخل ذواتهم.
في محاضرة ألقاها أمام جمهور أميركي مثقَّف في جامعة إلانوي سنة 1930، حذّر الريحاني الغربيين من فرض مفهومهم للحرية والديمقراطية على العرب والمسلمين، "ليس قبل أن تنمو قدراتهم الفكرية ... وعلى كل حال من الخطر فرض التغيير عليهم بالقوة." وشدّد على أن السبيل الوحيد لتحقيق التقدم والحفاظ على السلام العالمي هو "التفاهم والاحترام المتبادل" بين الشعوب والأمم "بغض النظر عن الطبقة أو الدين أو العرق أو اللون." بلغة إنكليزية بليغة وأسلوب ساخر قال لسامعيه، "إذا فرضتم علي وجهة نظركم بواسطة التشريع أو الدين ستجعلون مني عبدًا أو منافقًا أو حمارًا، هذا إذا قبلت تشريعكم أو دينكم. إما إذا لم أرضخ ولجأتم أنتم إلى القوة فستحصل اضطرابات وصراع وثورة وحرب" (Rihani, The White Way and the Desert, 21). باعتبار إيـمان الريحاني الراسخ بمبادئ الحرية والمساواة بين الشعوب، لا يمكن فهم قوله على أنه معاد للديمقراطية أو للحرية؛ ولا انتقاده للغرب كموقف معادٍ لأميركا كما قد يفسَّر في الأجواء الراهنة.
يجب ألا يغيب عن بالنا أن الريحاني عاش ذروة الزمن الامبريالي. معاينته للاستعمار بمختلف أشكاله، المكشوفة وغير المعلنة، زادت من قناعته بأن مبادئ العدالة الغربية التي أعجب بها لم تطبقها القوى العظمى على الأمم الصغرى (وهذا ما توصل إليه بعض المفكِّرين العرب أمثال إدوارد سعيد وكلوفيس مقصود وهشام شرابي وحليم بركات في أميركا، وأحمد الشبول في أستراليا، وغيرهم بعد أكثر من سبعين سنة).
عانت الشعوب العربية من الهيمنة الغربية على مقدراتها ومصيرها منذ أكثر من مائتي سنة. والريحاني كان المفكِّر الوحيد في عصره الذي جسّد في حياته وفكره ونشاطه عمق هذه المعاناة الجماعية على مستوى البلاد العربية كلها. من هذا المنطلق رأى أن الاستعمار الغربي (السيطرة السياسية والهيمنة الثقافية)، أعظم النكبات التي ألـمّت بالعرب في تاريخهم الحديث.
النضال ضد الحكم الأجنبي لم يصرف الريحاني عن معركة العرب الداخلية من أجل الحرية السياسية والعدالة الاجتماعية والاقتصادية والتقدم الثقافي والفكري. من هنا كان نقده المزدوج للامبريالية الغربية وللجمود والتخلّف العربي. بمعرفته الواسعة وخبرته العميقة أمل الريحاني في إحداث تقدّم على الصعيد الداخلي (في السياسة والاقتصاد والمجتمع)، وتغيير في النظرة المتبادلة والعلاقة بين العالمين الغربي والعربي.
طبعًا الريحاني ابن زمانه. كان يأمل بأن تأخذ التطورات العالمية مسارًا إيجابيًا خاصة في إطار علاقات العرب فيما بينهم ومع الدول الأوروبية، وما كان يرى أنه تدخل أميركي إيجابي على صعيد الاقتصاد والسياسة. بتفاؤل المفكِّر، رأى الريحاني أن العالم مقبل ليس على "صراع الحضارات" كما تنبأ صموئيل هانتنغتون فيما بعد، ولكن على حقبة جديدة من "حوار الثقافات"، يكون له فيها الدور الفاعل.
خبراته في كل من الشرق والغرب مكنته من تقدير نقاط القوة في كل من العالمين دون أن يجهل (أو يتجاهل) نقاط ضعفهما. فالتزم برسالة هادفة إلى تقريب العالمين الواحد من الآخر وتشجيع العلاقات الايجابية بينهما. خاطب القراء والمستمعين وأصحاب الرأي والقرار لحثهم على التلاقي حول الخير المشترك والعمل على التفاهم وتبادل القيم والخبرات على أسس التساهل وتبادل الاحترام. فانشغل بتفعيل الدور العربي في الحوار الثقافي، وهو الهم الرئيسي لكثير من المفكِّرين العرب اليوم المنتشرين في بلاد الشرق والغرب.
أود التشديد على أن خطاب الريحاني الرصين ودعوته للتحاور العقلاني بين الشرق والغرب يجب ألا يصرف انتباهنا عن شجاعته الأخلاقية والتزامه الفعلي بالدفاع عن الحقوق المشروعة وكرامة الشعوب الضعيفة التي تشمل العرب. صحيح أن فكره يكشف عن ملامح صوفية وبراغماتية في آن واحد، لكن دفاعه عن كرامة الشعوب العربية وحقوقها المهدورة لم يتزعزع أبدًا.
قلت في أكثر من مناسبة إن الريحاني هو رائد اتجاه الأنسنة في الفكر العربي الحديث. وما يميزه عن كثير من المفكِّرين المعاصرين هي تلك الثقة بالنفس والجرأة التي أعلن بها تمسّكه بهويته العربية وبرؤيته الإنسانية في زمن كان فيه العرب العنصر المغلوب. ربما لهذا استحقّ لقب "فيلسوف الفريكة". ويجب ألا ننسى أنه من هذا الموقع بالذات، كمفكِّر عربي إنساني أصبح الريحاني من أبرز المدافعين عن حركة التحرّر القومية في "البلدان العربية جمعاء"، على حد تعبيره، وأول عربي على الإطلاق يدافع عن الحقوق العربية في فلسطين من على المنابر وممرات السياسة والدبلوماسية الدولية. بثبات وجرأة دافع الريحاني عن حق الشعوب بتقرير مصيرها، لأنه "حق مقدس" من حقوق الإنسان الطبيعية (وصيّتي). فعمل في سبيل استقلال لبنان وسوريا من الانتداب الفرنسي وحاضر في أميركا للرد على الإدعاءات الصهيونية والدفاع عن حق العرب في فلسطين. دفاعه عن الفلسطينيين كان نابعًا من إيمانه الثابت بعدالة قضيتهم وحقهم بالحرية كحق أساسي من حقوق الإنسان، ومن إيمانه المخلص بأن "تحقيق السلام في العالم يتوقف بنحو أو بآخر على السلام في الأراضي المقدسة" (Rihani, The Fate of Palestine, 30).
قال الريحاني إنه "بطبعه رجل سلام" (Rihani, Letters to Uncle Sam, 12). ومع ذلك ناضل ضد الاستبداد والظلم: استبداد السلطنة العثمانية، واستبداد الحكومات الوطنية في ظل الانتداب، وظلم الحكام والملوك المستأثرين بالسلطة، والظلم الذي ألحقه الاستعمار بالعرب، خاصة في فلسطين حيث حذّر من النكبة قبل وقوعها سنة 1948. مع رؤيته المسالمة دافع الريحاني عن حق الشعوب في النضال لتقرير مصيرها. وقد ارتقى دفاعه عن هذا الحق إلى أرفع مستوياته في وصيته "الفكرية" التي خطّها بيده سنة 1931 لتتلى بعد موته.
قبل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بأكثر من خمس عشرة سنة، أعلن الريحاني أن الحرية حق إنساني "مقدّس"، وحثّ الأمم المستعبدة على الجهاد في سبيلها. طبعًا هذا لا يعني أنه أعلن "الحرب المقدسة" كما يفهم "الجهاد" المتطرفون الإسلاميون وبعض المدّعين من "خبراء الشرق الأوسط". فالريحاني استخدم لفظة جهاد بمعناها الصحيح اي بذل الجهد. إلا أنه رفع الجهاد الروحي والمقاومة السلمية فوق المقاومة المسلحة (باستثناء دعوته السوريين في الحرب العظمى للمشاركة بتحرير البلاد حتى لا يحرّرها ويحكمها الأجنبي). وقد تأكدت له هذه الحقيقة خاصة بعد أن تحققت مخاوفه من نوايا الحلفاء الغربيين وأدرك حقيقة "وعود الحرب اللماعة التي خدعت كثيرين" غيره من العرب (القوميّات).
طالب الريحاني بالتغيير الثوري. لكن الثورة كما فهمها يجب أن تنبثق من داخل الأمم والشعوب، رجالاً ونساء. آمن بأن التحرّر لا يكون بالتغيير السياسي وحده، فنبّه بعد إعلان الدستور العثماني سنة 1909 إلى أنه إذا لم يحرر الإنسان نفسه من "التقية والخوف والذلة والجبانة"، "فمئة قانون ومئة دستور لا تحرره." إنها "الثورة الخلقية" تلك التي تحدّث عنها وهي التي ستُحدث "الانقلاب العظيم" والتغيير الحقيقي وتساعد في "ارتقاء" الحياة العربية. "أناشدكم بالحرية"، قال في خطاب بعنوان "الثورة الخلقية"، "إخواني! أرفعوا أعلام الآداب في البلاد، شيّدوا صروح التهذيب، أسّسوا معاهد للفنون، فإن الآداب والتهذيب والفنون هي القوى المعنوية الروحية ... التي يتوقف عليها تحرير الإنسان، وتحرير الشعوب والأمم" (القوميّات).
مهما تغيرت الظروف بقي الريحاني ثابتًا في رأيه أن النهضة العربية تتوقف "على مقدمتين جوهريتين: الأولى تستوجب " تنقية الدين وتخليصه من السياسة" كـ"شرط جوهري للإصلاح الحقيقي الذي يبتدئ فيّ وفيكم ويتدرج ... إلى رؤسائنا وحكامنا." هذا يقود إلى المقدمة الثانية وهي التربية والتهذيب كشرط جوهري للتطور الهادئ والثابت ولتنمية الشعور الخالص للوطن (القوميّات).
عندما أعلن "بداية الربيع العربي" منذ مائة سنة، كان الريحاني واعيًا أن "الشرق الجديد قد بدأ ... يلهو بلعبته الجديدة - بتقرير المصير، والاستقلال، والبرلمان، والدستور." لكنه وهو "في حال التحول" كان بحاجة إلى "طريقة أخرى غير الثورة مثلاً، هي طريقة التطور الطبيعي" التي تقضي على "أسباب التقهقر، الجهل والكسل والادعاء." كان الريحاني يأمل بإصلاح الأمة قبل السياسة، وهذا لا يكون إلا بالتربية العصرية، "التربية الحقة" القائمة على عدة أصول اختصرها بـ: "الاعتماد على النفس، كرامة النفس، حسن الظن بالناس، حرية الإرادة، الجرأة الأدبية، نبذ العقائد والتقاليد القديمة البالية، الصراحة في الصدق والقول، الاستقامة في الرأي وفي العمل، حب العدل والإنصاف واللاطائفية في السياسة وفي الآداب" (التطرّف والإصلاح). "عشرة أصول في تكوين الأخلاق العالية" تخلّق الريحاني بها قولاً وفعلاً. وهي برأيه أكثر ما تحتاجه البلاد العربية للتحرّر، لا للرمح والسيف، ولا للمدافع والمدرعات، ولا للطائرات المدمرة، بل لــ"سلاح الفكر" إذا كان لا بد من السلاح، كما أكّد في مقالة "إصلاح الأمة" (نشرت في التطرّف والإصلاح).
انشغل الريحاني بالمستقبل العربي. منذ مائة سنة أعلن أن التجدّد العربي لا يمكن أن يقوم إلا على مبادئ العقلانية والحرية والديمقراطية العلمانية. لكنه أصرّ على أن التغيير الحقيقي لا يقوم بثورة مسلحة، لا حركات دينية أو مقاومة سياسية مسلحة في الداخل، ولا معارضة داخلية أو خارجية تدعمها القوات البحرية والجوية الآتية من الشرق أو الغرب. فالثورة الحقيقية مسؤولية المفكِّرين النساء والرجال. هم روّاد الثورة الطبيعية الثابتة في الأمم الشرقية والغربية، وهم كما يقول الريحاني، "مثقِّفونا جميعًا في الشرق كنا أم في الغرب" (Rihani, The White Way and the Desert, 31).
---------------------------
*أستاذة الأدب العربي في جامعة سيدني- أستراليا
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. ">عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
هذه الدراسة قدمت في مركز الحوار العربي بمنطقة العاصمة الأميركية الأربعاء 27 أيار - مايو 2015، وقد استندت هذه الدراسة على أبحاث ودراسات منشورة وغير المنشورة حول فكر وأدب أمين الريحاني.
فيما يلي لائحة بمؤلفات الدكتورة نجمة حجّار، المنشورة بالعربية والانكليزية:
• حجّار، نجمة (تحقيق)، أمين الريحاني والتجدّد العربي: تحدّيات التغيير في الأدب والفكر والمجتمع. بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2102.
• حجّار، نجمة، "أمين الريحاني والتجديد الفكري"، أمين الريحاني والتجدّد العربي. بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2102، ص 9-39.
• حجّار، نجمة، " رؤية أمين الريحاني في حقوقيّة المرأة بين الواقع والمتخيَّل"، أمين الريحاني والتجدّد العربي. بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2102، ص 172-184.
Hajjar, Nijmeh, The Politics and Poetics of Ameen Rihani: The Humanist Ideology of an Arab-American Intellectual and Activist, London & New York, I. B. Tauris, 2010. (Hardcover book) ISBN: 9781 1 84885 266 2; (e-Book 2011) ISBN: 1848852665.
Hajjar, Nijmeh, “A Feminist Reading of Juhan: Rihani’s Avant-garde Vision of Arab and Muslim Feminism”, in Ameen Rihani's Arab-American Legacy: From Romanticism to Postmodernism, Naji Oueijan (ed.), Louaize Lebanon, Notre Dame University Press, 2012, pp. 77-116.
Hajjar, Nijmeh, “Between Patriotism and Nationalism: Ameen Rihani’s Vision for Lebanon and Syria”, in The Origins of Syrian Nationhood, Adel Beshara (ed.), London, Routledge, 2011, pp. 163-189.
Hajjar, Nijmeh, “An Arab-American Intellectual: Engaging East and West”, in Literature and Aesthetics (Sydney), Vol. 17, No. 2, December 2008, pp. 120-137.
Hajjar, Nijmeh, “An Arab-American Intellectual Engaging East and West”.

http://ojs-prod.library.usyd.edu.au/index.php/LA/article/view/4975
Hajjar, Nijmeh, “Ameen Rihani’s Humanist Vision of Arab Nationalism”, in Ameen Rihani: Bridging East and West. A Pioneering Call for Arab-American Understanding, N. C. Funk & B. J. Sitka (eds), Lanbam, Boulder, New York, Toronto, Oxford, University Press of America, 2004, pp. 134-147.
Hajjar, Nijmeh, “Ameen Rihani’s Discourse on Progress, Justice and Democracy: Dynamics of Theory and Practice”, in Kahlil Gibran & Ameen Rihani: Prophets of Lebanese-American Literature, N. Oueijan, A. Eid, C. Kfoury & D. Salameh (eds), Beirut, Notre Dame University Press, 1999, pp. 133-173.
Hajjar, Nijmeh, “Immigrant Arabic Poets and Writers and the Modern Arab Renaissance”, in Voices (Canberra: National Library of Australia), Vol. III, Winter 1993, pp. 44-50.
كتب منشورة في مواضيع أخرى:
* حجّار، نجمة، مديح النبي في الشعر والغناء العربي، غاياته وأساليبه: دراسة فنيّة نقدية. بيروت، بيسان، 2012.
*حجّار، نجمة، العربيّة لغة وحياة. بيروت، بيسان، 2005
 

ما قصة الجزر المحتلة من إسرائيل...؟

الغالبية العظمى من الشعب "السعودي" لا يعرف أن هناك جزراً وممرات بحرية "سعودية" محتلة من قبل اسرائيل منذ 1967...!
والجزيرتان صنافير و تيران من بين تلك الجزر الواقعة على البحر الأحمر، بل وتعتبر حارستان للمنفذ الوحيد إلى البحر الأحمر.

جزيرة صنافير مساحتها: 33 كم مربع
http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AC%D8%B2%D9%8A%D8%B1%D8%A9_%D8%B5%D9%86%D8%A7%D9%81%D9%8A%D8%B1.org/wiki/%D8%AC%D8%B2%D9%8A%D8%B1%D8%A9_%D8%B5%D9%86%D8%A7%D9%81%D9%8A%D8%B1
 

جزيرة تيران مساحتها: 80 كم مربع

http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AC%D8%B2%D9%8A%D8%B1%D8%A9_%D8%AA%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86

الموقع...
كما هو واضح...الجزيرتان لهما موقع استراتيجي مهم للغاية بالنسبة لاسرائيل، لأنهما تحرسان منفذها الوحيد إلى البحر الأحمر. وتقيم إسرائيل في هاتين الجزيرتين محطة كبيرة للانذار المبكر. كما أن إسرائيل تحتاج إلى ممر بحري "آمن" لمرور السفن، الذي يمر إلى جانب هاتين الجزيرتين وصولاً إلى ميناء إيلات الإسرائيلي شمالاً..!
الجزيرة الكبرى هي تيران والصغرى هي صنافير ولو وضعت أي دولة فيها معدات عسكرية لتمكنت أن تشل حركة السفن الاسرائيلية عبر ميناء إيلات وخليج العقبة تماما. بينما تدعي "السعودية" أن الجزيرتين ، تيران وصنافير، بأنهما من الجزر المرجانية غير المهمة، وبأنهما غير مأهولتين بالسكان لذلك فهم لايأبهون بهما... ولكن يبدو أن ذلك موقف غير دقيق..! لأن أهميتهما بسبب الموقع الاستراتيجي الحساس حيث يقعان في بوابة مضيق تيران، وهذا الموقع يُسيطر على بوابة خليج العقبة وإيلات الإسرائيلية وهما يُعادلان في الأهمية بالنسبة للموقع كجزر حنيش التي استرجعتها اليمن من أرتيريا عبر التحكيم الدولي.
وعلى سبيل الفرض بأن "السعوديين" فعلاً غير آبهين في فرض سيادتهم على هاتين الجزيرتين لكونهما "مُجرد جزراً مُرجانيةً غير مأهولة، ولا توجد فيها ثروات معدنية أو بترولية"، فلماذا دخلوا في نزاع دامي مع اليمن على بعض الجزرالمُرجانية الصغيرة المُشابهة، ومن ضمنها جزيرة فرسان مع أنها لا تقع على أي منفذ بحري كما هي حال جزيرتي تيران وصنافير..؟

قصة الاحتلال...

احتلت إسرائيل هاتين الجزيرتين في عام 1967 ، في وقت كان الملك فيصل قد أعطى لمصر السيطرة على هاتين الجزيرتين خلال فترة حربها مع اسرائيل نظراً لأهميتهما الإستراتيجية والجغرافية وقطع مرور السفن إلى ميناء إيلات الإسرائيلي. أما بعد نكسة 67 واحتلال اسرائيل لأجزاء من عدة دول عربية من بينها هاتين الجزيرتين؛ صارت "السعودية" ومصر، ترمي كل منهما مسؤولية الجزر على الأخرى كي لا تتورط أي من الدولتين أما شعبيهما بملكية هاتين الجزيرتين المحتلتين. وكان الرئيس المصري الراحل أنور السادات قد قال عنهما: " لا ياعم الجزر مش بتاعتنا دول تبع أرض الحجاز"، ورفض ضمهما في اتفاقية كامب ديفيد...؟
إن الجزيرتين بالفعل أراضي تعود للحجاز "السعودية"، وإذا أردت البحث في الموضوع، فستجد أنهما جزيرتان تابعتان لأرض الحجاز"السعودية"، وتوضح الصورة على الرابط أدناه، أن ملكية جزيرة صنافير تعود للمملكة العربية السعودية:
http://up.g4z4.com/uploads/007b4bfcff.jpg

والناظر إلى خريطة المملكة العربية السعودية المعلقة في الدوائر الحكومية وكتب الجغرافيا السعودية يجد أن هاتين الجزيرتين تابعتين للسعودية وليس لمصر.

مصير الجزيرتين..؟

غادرت اسرائيل الجزيرتين عسكريا فقط بعد اتفاقية كامب ديفيد، ولكن بعد أن تم الاتفاق على حرية مرور السفن الإسرائيلية واعتبار مضيق تيران ممر دولي، فقدت السعودية سيادتها على هذا المرر الملاحي المهم، والذي يمثل عنق الزجاجة إلى ميناء إيلات الإسرائيلي عبر البحر الأحمر.
وبعد أن خرجت إسرائيل عسكريا من الجزر، يبدو أنها أرادت ضمان سلامة هذا المنفذ تماما بصورة لا تسبب لها أية متاعب في المستقبل، لذلك تم الاتفاق على أن تدار هاتان الجزيرتان من قبل الأمم المتحدة بقوة متعددة الجنسيات "تمثلها أمريكا ومصر حالياً" والتي تم فتح مكتب لها في الجزيرة لمراقبة التزام جميع الأطراف.
منذ ذلك الحين و حتى يومنا هذا، والسعودية لا تملك السيادة على هذه المنطقة الإستراتيجية على البحر الأحمر، بينما السيادة لإسرائيل التي استبدلت وجود جنودها على الجزر بقوات "متعددة الجنسية"، لمراقبة وحماية المنفذ تضمن تحقيق مطلبها وهو حرية إبحار سفنها في هذه المنطقة المائية وعلى مرمى حجر من الأراضي السعودية دون أن يجرؤ أحد على قول كلمة واحدة...!!!

الخلاصة، أن الجزيرتان أصبحتا ضمن حدود إسرائيل بإدارة أمريكية ومسمى عالمي لعدم لفت الإنتباه..!!؟
 

 

الوحدة العربيَّة الفريضة الغائبة

كتبت قبل أيام مقالة حول الوحدة العربيَّة، تحت عنوان: "الوحدة العربيَّة ضرورة حتميَّة"، واليوم أود أن أردف ذلك المقال بمقالة بهذا العنوان: "الوحدة العربيَّة الفريضة الغائبة". إي والله، بعد كل ما جرى ويجري في عالمنا العربي بدأت أدرك أنَّ الوحدة العربيَّة ضررة حتميَّة وفريضة غائبة، وواجب ديني، ومقصد شرعي، وغاية بحد ذاتها، لا يجوز التهاون بها بأي حال من الأحوال، إنِّي لأرى حرائق قادمة، تجري باتجاه العرب كافَّة دون استثناء ودون تمييز بين عربي وآخر، مسلم وغير مسلم، سني وشيعي، تكاد تلتهم الجميع، إنَّها تتنزل على أقاليمنا العربيَّة، وبيوتنا كما يتنزل المطر، ويصيب كلًا منا ما يصيبه من الصواعق، لا تستثني أحدًا، ولا تترك دارًا، ولا يحتمي منها ديار.
إنَّ من يظن من العرب أنَّه سينجو من تلك الفتن والحرائق بحنكته أو ما قد يسميها حكمته أو صداقاته أو علاقاته فإنَّه واهم واهم واهم، فلا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم، إنَّ الذي يظن أنَّ هناك بلدًا واحدًا من بلدان العرب أو عاصمة واحدة سوف تنجو من المصير الذي صارت إليه بغداد ودمشق وصنعاء وغيرها فإنَّه لا يقل جهلًا وعماية عن ابن نوح -عليه السلام-، الذي توهم أنَّه يمكن أن ينجو من الطوفان، وقال: ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ (هود:43)، فالفتن المحيطة بالعرب لا عاصم لأحد منها إلا الله، ومن لم يهلكه الطوفان فإنَّ الرذاذ والرطوبة والشهب كفيلة بتدميره، والقضاء عليه.
إنِّي أقول مثل ما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يودع هذه الحياة حيث: "استيقظ النبيُّ (صلَّى اللهُ عليهِ وآله وسلَّمَ) من النوم محمرًّا وجهُه يقول: (لا إله إلا اللهُ، ويلٌ للعربِ من شرٍّ قد اقترب، فتحَ اليومَ من ردمِ يأجوجَ ومأجوجَ مثلُ هذه). وعقد سفيان تسعينَ أو مائةً، قيل: أنهلِك وفينا الصالحون؟ قال: (نعم، إذا كثُر الخبثُ)"[1]، بقطع النظر عن كل ما قيل في يأجوج ومأجوج فإنَّ اسرائيل أخطر على العرب من يأجوج ومأجوج وأشد تدميرًا. لا يظنن أغنياء العرب أنَّ ما امتلكوه من بيوت أو قصور أو أسهم أو أموال أو شركات في كل بقاع الأرض سوف تحول بينهم وبين السقوط في الهاوية، فإنَّ ذلك كله لا يغني عنهم شيئًا.
لقد رأينا خلال الأسابيع الماضية كيف نزل سعر برميل البترول بين ليلة وفجرها ثمانين دولارًا، من مائة وخمسة وعشرين إلى خمسة وأربعين، وخبرنا الدورات الاقتصادية في أمريكا وأوروبا، وكيف تأكل المدخرات وتحيلها بين فترة وأخرى إلى مجرد أصفار بانهيار عملات أو أسهم أو بنوك أو أيَّة وسائل أخرى، إنَّنا في الزمن الذي يمسي الإنسان فيه غنيًا ويصبح فقيرًا، فما لم يعقل العرب ويدركوا أنَّ الغنى ليس بالمال وحده ولا بالمعادن النفيسة، ولكن بالإنسان، فيتجهوا للاستثمار بالإنسان العربي، وإنمائه، ونقل كل الخبرات الممكنة له وتعليمه وتربيته؛ وإلا فلن يكون إلا الطوفان.
إنَّنا في حاجة إلى أن يشعر أغنياؤنا أنَّ تفريطهم بالعراق وانضمامهم إلى خطة أعداء يجمعون بين العداوة والحماقة، لن يأتي إلا بالخسران، فأمثال هؤلاء جمعوا بين الجهل والغباء، وعمى القلوب وتفاهة العقول، فدمروا هذا البلد وجعلوه نهبًا مباحًا لأعدائه وأعدائهم، ولم يستبينوا النصح، ولا أظنهم قادرين على إدراكه والإحساس به لا في ضحى الغد ولا بعده، وفعلوا مثل ذلك في الشام، والآن يكرر الفعل في اليمن، وأشعر أنَّ كثيرًا من المتحكمين في الأمور في بلاد العرب لا يختلف موقفهم عن موقف الخليفة العباسي الأخير الذي ظل يردد: "بغداد تكفيني ولا يستكثرونها علي إن أنا تركت لهم الأطراف" فترك أطراف الدولة للمغول التتار، يفتكون بها، ويبتلعونها قطعة بعد أخرى، إلى أن وصلوا إلى قصره، لم يكن يسخوا على جنده، ولم يكن يقتني لهم صالح السلاح، بل كان يكنز الذهب في قصوره، ويحفر لها الخنادق ويضعها في صناديق، حتى وصل التتار إلى ما تحت قدمه وسلبوه كل شيء بعد أن سملوا عينيه، وعذبوه شر العذاب، وقتلوا أولاده، وانتهكوا عرضه بين يديه، ذلك مصير أولئك الغافلين الحالمين في النجاة وهم في عباب محيط هائج، موجه كأنَّه الجبال، لا يقوم لها أحد، ونار مشتعلة ملتهبة تنتقل من مكان لآخر بسرعة فائقة.
ماذا ننتظر لنشعر ولنسترد وعينا؟ أننتظر نفس المصير الذي صار إليه خليفة بغداد، ونردد معه وخلفه مقولته الفارغة: "بغداد تكفيني ولا يستكثرونها علي إن أنا تركت لهم الأطراف"، إنَّ هؤلاء يستكثرون على العربي الهواء الذي يتنفسه، والتراب الذي يسير عليه، والأسمال التي يرتديها، والله إنَّهم يستكثرون عليه حتى الفقر، وربما يستكثرون عليه الجهل، والمرض، ويتمنون لو وجدت أمراض أفتك من الأمراض التي تفتك به، وجهل أشد تدميرًا من الجهل الذي يتخبط فيه، وفقر أشد إيلامًا من الفقر الذي يتمرغ فيه؛ لما ترددوا في أن يدفعوه إلى تلك المضايق، لشدة حقدهم، إنَّهم يستكثرون أيَّة نعمة يرونها على عربي، مهما كان مواليًا لهم أو معاديًا. إنَّنا في حاجة إلى أن نتذكر وحدتنا، وأنَّها خشبة النجاة بالنسبة لنا، على طريقة الخنساء:
يُذَكّرُني طُلُوعُ الشمسِ صَخراً وأذكرُهُ لكلّ غُروبِ شَمْسِ
فما لم تكن الوحدة العربيَّة أمرًا نتذكره في الصباح وفي المساء، وفي الليل وفي النهار، ونحاول أن نعيد بناء الفاعليَّة في قلوبنا لتحقيقه، وتوفير الدافعيَّة التي تدفعنا إلى إعادة ذلك البناء المنهدم؛ فإنَّ النيران سوف تلتهم كل شيء، والطوفان لن بيقي على شيء، وليس هناك سيدنا نوح، ولا سفينة نوح –عليه السلام- التي يمكن أن تكون سفينة النجاة لأحد، فالكل غارقون والكل هالكون.
إنَّنا نتمنى أن تتجه مصر والسودان وليبيا بأسرع ما يمكن نحو اتحاد فدرالي، أو كونفدرالي، يهيئ لإقامة وحدة ولو بعد حين، ونتمنى على الدول المغاربيَّة: تونس والجزائر والمغرب وموريتانيا، أن تقيم فيما بينها اتحادًا كونفدراليًّا، وتهيئ نفسها بكل الوسائل للوصول إلى حالة وحدة، ولو بعد حين، ونتمنى على ما بقي من العراق وسوريا والأردن وفلسطين أن تقيم بينها اتحادًا كونفدراليًّا أو فدراليًّا تمهيدًا لوحدة. ودول مجلس التعاون تحتاج إلى أن تنتقل فورًا إلى حالة توحد فيما بينها، فلم يعد الأمر أمر مجرد تنسيق فوقي سطحي، بل لابد من اتخاذ كل ما يلزم إزالة العوائق أمام علائق تنتهي بوحدة، فلا مكانة للكيانات الصغيرة التي تحتمي بالغير في عالم اليوم، وإذا كانت الكيانات الكبرى والعملاقة اضطرت إلى التوحد تحت ضغط ظروف العصر فما بالنا نقف من وحدتنا موقف البلهاء، وأمامنا النماذج الكثيرة.
إنَّه لابد من ضم قطر مثل اليمن إلى مجلس التعاون، والدفاع عنها، وحمايتها من السقوط، وإعانة اليمنيين على أن يعيشوا بالمستوى الملائم، الذي يساعدهم على الولاء لأمتهم وإخوانهم، وكذلك الحال بالنسبة لبلدان أخرى، وأول الفرائض التي قد ترتقي إلى درجة فريضة الصلاة والصيام والزكاة والحج وترديد الشهادتين أن ترتبط هذه الكيانات كلها بأسرع ما يمكن بشبكة من المواصلات والاتصالات، التي تساعد في المستقبل على الإحساس بالفوائد، فوائد الوحدة وتجازو نفسيَّات الانفصال والتشرذم التي بنيت في العقول والقلوب عبر العصور، وبعد ذلك لابد من العمل على إيجاد تكافل وتضامن اقتصادي بين أغنياء العرب وفقرائهم، فمن العار أن نودع أموالنا في البنوك الأجنبيَّة في أمريكا وأوروبا وندفع بلداننا التي تحتاج ذلك المال إلى أن تقترضها بالفوائد المضاعفة، وهي أموال لفقيرنا حق معلوم فيها، لا يمكن تجاهله ولا يجوز تجاوزه.
إنَّ هناك أمورًا كثيرة لابد من البدء بها وعلى الفور، فهي لا تحتمل تأخير ولا تحتمل تأجيل، والنموذج الألماني والإسرائيلي من النماذج المتاحة التي يمكن دراستها، فأي يهودي أو صهيوني يصل إلى أرض فلسطين سرعان ما يقدم له العمل والهوية الجاهزة، والسكن، وما يساعده على التأقلم والانخراط في هذه البيئة الجديدة، فاتقوا الله أيُّها العرب في أنفسكم، ولا تجعلوا أنفسكم وقودًا لنار حامية، لا تبقي ولا تذر، أو طوفان مدمر لا عاصم لأحد منه.
اللهم هل بلغت اللهم فاشهد.
----------------------
• رئيس جامعة قرطبة سابقا ورئيس جامعة العلوم الإسلاميَّة والاجتماعيَّة سابقاً ورئيس المعهد العالمي للفكر الإسلامي سابقاً
الصفحة الخاصة بالدكتور طه جابر العلواني :
https://www.facebook.com/Dr.Alwani.T.J 

ركائز دينية أو مدنية للحكم.. أين المصلحة العربية؟

د. داود خيرالله
 يعاني العالم العربي من إضطرابات أمنية ودمار في الحجر والبشر، في مجتمعات هي من أكثر المجتمعات عراقة في التاريخ. ولعلّ أخطر ما يعاني هو التمزّق في النسيج الاجتماعي نتيجة نمو وانتشار الهويّات الطائفية والمذهبية الذاهبة بوحدته ومناعته.
ويعيش العالم العربي حالة تخبط وضياع ووهن يشجع الخصوم على إزدرائه ويثير شهية الطامعين للتلاعب بمصيره.
أنظمة الحكم القائمة تتسم بغياب مقومات ومؤسسات الدولة التي تضمن أمن المواطن وتسهّل وتحقق ظروف نموّه وتطوّره، وبهوّة بين الحاكم والمحكوم لا تنفكّ تزيد عمقا واتساعا. هوّة يلعب استشراء كاسح لآفة الفساد دورا هاما في تعميقها وتوسيعها. فمن الصعب أن نجد في دولة عربية حاكما يمثل طموحات ومصالح شعبه ويستمدّ شرعية حكمه من إرادة شعبية تجلّت من خلال مؤسسات دستورية تتوافر فيها ضمانات الحريّة والنزاهة. ويعيش العالم العربي تقلّصا لمفهومِ الحرّية الذي يشجّعُ على تنمية العقل العلمي والثقة بقدرة الانسان ليس فقط على فهم مجتمعه وإنما على علاج علله وتطويره. ولذلك نرى أنّه بالرغم من توافر إمكانيات إقتصادية هائلة، تبقى مجتمعات العالم العربي من أقلّ المجتمعات تنمية إقتصادية، ومؤسساته العلمية والسياسية والاجتماعية من أكثر المؤسسات تخلّفا.
هناك ما يبرر النقمة الشعبية العارمة، والرغبة الملحّة في الاصلاح السياسي والمؤسساتي السائدة في معظم، إن لم يكن جميع، المجتمعات العربية التي أصبحت دولا مستقلّة. فالدولة الحديثة، والتي تعرف بالدولة القومية وتتميّز بالحكم ذي الركائز المدنية، قد فُشلت في أن تمدّ لها جذورا في أيّ من هذه الدول، وإن اختلفت درجات الفشل من دولة الى أخرى. فمن الصعب الاثبات أن مقوّمات الدولة الحديثة، من مشاركة شعبية فعلية في الحكم، وانتشار ثقافة حكم القانون، بما في ذلك التزامُ مبدأ فصل السلطات، واحترام الحقوق والحريّات الأساسية، هي من سمات الحكم في أية دولة عربية. وأزعم أن الفساد، وبخاصة الذي رافق تنامي الثروة النفطية وتوظيفها في الاستيلاء على النفوذ السياسي، وشراء الذمم، واستغلال الفقر والجهل لدى شرائح واسعة في المجتمعات العربية، قد ساهم بشكل فعّال في إفشال مؤسسات الحكم الرشيد وتعاظم النقمة الشعبية وتوسيع الهوّة بين الحاكم والمحكوم.
ونلاحظ أنّه مع تنامي الثروة النفطية، بدأً من أوائل السبعينات من القرن الماضي، أخذ ما يعرف بتيّار الاسلام السياسي ينمو، وبخاصة برعاية بعض الدول المصدّرة للنفط، أو كردّة فعل للفساد والظلم السائدين في هذه الدول. ومع نموّ الاسلام السياسي، أخذ الخطاب القومي العربي بالانحسار والأفول. صحيح أنّ الدول المصدّرة للنفط في الجزيرة العربية لم تكن يوما من أنصار أو مؤيدي الخطاب القومي العربي، ولكنّ المسؤوليةَ عن تقلّصِ هذا الخطاب تعود بالدرجة الأولى للأخطاء والتجاوزات الجسيمة التي ارتكبتها الأحزاب والحركات القومية، وفي طليعتها ما ارتكب حزب البعث الحاكم في كل من سوريا والعراق. والخطاب القومي الذي بلغ درجة متقدّمة من النضج في فترة التحرر من الاستعمار وبناء دولة الاستقلال، تراجع وتقلّص في العقود الأربعة الماضية لهزالة وتقصير حامليه، إن لجهة تطويره أو النجاح في نشره، فضلاً عن محاربته دوليّا وإقليميا وعربيّا.
إزاء التململ الشعبي والنقمة على الظلم والفساد ، يعلن الناشطون من حَمَلَة خطاب الإسلام السياسي، أن ما تعاني منه المجتمعات العربية، لا علاج له سوى بالعودة الى ما يعتبرونه إلتزاماً بأحكام الشريعة، والانعتاق من معايير الدولة الحديثة في الحكم التي هي دخيلة على الثقافة والمعتقدات العربية، ويعملون بوسائل مختلفة لتحقيق ذلك. فمنهم من يحمل خطابا تكفيريّا متزمّتاً ويرى الحلَّ في العنف والتخلّص من كل من لا يشاركه الرأي ويعلن له الولاء. ومنهم من هو أقلّ تطرّفا في العمل على إلغاء الآخر ولكنّه يرى في التزام ما يعتبره إرادة إلاهية في الحكم ضرورة واجبة.
فيما يلي سوف أحاول أن أتفحّص ملاءمة كل من نظام الحكم ذي الركائز الدينية، ونظام الحكم ذي الركائز المدنية والتي يتحمّل الانسان مسؤولية كاملة في اختيارها، لما أعتبره مصلحة عربية، وهي بالدرجة الأولى المصلحة في الوحدة داخل المجتمع التي هي الأساس في قوّة المجتمع، وأمنه ومناعته، والمصلحة في التنمية الاقتصادية التي تنعكس خيرا على الانسان والمجتمع، وأخيرا تحقيق المشاركة الشعبية في الحكم بشكل يمكّن الانسان العربي من تفعيل جميع طاقاته الانتاجية والخلّاقة، أي بلوغ درجة راقية من الحكم الديمقراطي.
إنّ الشريعة، كما يراها أصحاب النظرية التقليدية من الفقهاء، هي إرادة الله المنزلة، وهي سابقة للدولة الاسلامية وموجِّهة للمجتمع الاسلامي ولا تتوجّه به. والوحي المنزل هو الحقيقة بتمامها، وهو صالح لكلّ زمان ومكان، وللخليقة جمعاء. لذلك فإنّ القواعد الملزمة التي مصدرها الشريعة لا يمكن تبديلها حسب تبدّل الوقائع والظروف. ويرى دعاة المذاهب السلفية أنّ الواقع يقيّم بالنسبة للنموذج المثبت في الوحي القرآني. ولذلك على السلطات السياسية والأفراد أن يعبّروا عن إيمانهم بجهودهم الدائمة في انسجام ما يقومون به من أعمال مع الوحي القرآني.
فالوحي القرآني يعتبر حقيقة أبدية ثابتة غير قابلة للتعديل، وتطال كافة مرافق الحياة. فهي وسيلة الله لحكم العالم. ويعتبر أبو العلاء المودودي، وهو فقيه باكستاني كان له تأثير كبير على حَمَلَة الخطاب الأصولي، إنّ سيادة الله على سلوك الانسان تحرم الانسان من حرّية الارادة.
بالمقابل، فإنّ هناك عددا من الفقهاء والمفكّرين الإسلامين العصريين اللذين يرفضون النظرية التقليدية. فهم يعتبرون أنّ للشريعة من المرونة ما يجعلها قابلة للتكيّف مع المستجدّ من الوقائع والأحداث. فاصحاب النظرية الحديثة من الفقهاء يعتبرون أنّ إرادة الله لم يعَبّر عنها إطلاقاً بشكل جامد وشامل كما يزعم أصحاب النظرية التقليدية. ولكنّها أتت بشكل مبادئ عامة فيها من المرونة ما يجعلها قابلة للتأويل والتطبيق بما يتلاءم مع المتبدّل من الظروف والأحوال.
هناك إختلاف جوهريّ بين ما يقول به دعاة وحَمَلَة النظرية التقليدية في الفقه، وما يقول به أصحاب النظرية الحديثة. لكنّ ما جرى ويجري في العالم العربي، وبخاصة الانتشار الواسع للفكر الوهّابي والحركات الأصولية والدعم المادي والاعلامي المتوافر لهذا النشاط، ولا ننسى الدور الذي لعبته وتلعبه باكستان في ذلك وبخاصة رعايتها لطالبان، كل ذلك لا يوحي بانحسار النظرية التقليدية لصالح النظرية الحديثة.
جميع الاديان هي من المكونات الثقافية الهامة في المجتمعات التي تعتنقها. فالدين يخلق نماذج هي ليست إنعكاسا للواقع وإنّما نماذج لتكييف الواقع. وهذه نماذجُ لا يمكن اختراقُها بالتجارب الحسّية وإنما فقط من خلال التأويل والتفسير. والدين يحتوي مفاهيم عامة للوجود هي جوهرية بالنسبة للمؤمن في جماعة دينية معيّنة.
وبما أنّ المفاهيم والرموز الدينية لا يمكن اختراقها وفهمها عن طريق إخضاعها للتجارب الحسّية والعلمية، وإنّما من خلال التأويل والتفسير، فإننا نرى دور الانسان في تكييف المفاهيم الدينية وإخضاعها لمحدودية فهمه، على الأقلّ فيما يتعلّق بتأثير الدين على السلوك البشري وخلق الثقافة الاجتماعية. فمن غير المعقول، مثلا، أن يكون الاختلاف وأحيانا التناقض في التأويل والتطبيق للمفاهيم الدينية والحقائق القطعية التي تدّعيها مختلف المدارس الفقهية والفرق الدينية، من سلفية تكفيريّة تجيز قطع الرؤوس وسبي النساء وتدمير معالم الحضارة، الى تلك التي ترى في الإسلام الدين السمح الرحوم الذي أنزل هداية للإنسانية جمعاء، هي جميعها انعكاس لإرادة الله الواحد الأحد فيما أنزل. وأن تكون جميع المذاهب السنّية والشيعية وجميع الفرق الدينية التي تدعي الإسلام، على ما بينها من اختلاف وتناقض، هي التعبير الدقيق عن مشيئة الخالق في فهم ماهيّة الاسلام. وما يقال في الاسلام ينطبق على المسيحيّة تاريخيّاً وربما بشكل أشدّ. فالحروب الدينية بين فرق دينية إدّعت المسيحية الحقّة دمّرت أوربا لعقود طويلة، وقضت على أجيال من شبابها ولم تنته إلّا بعد اتفاقية وستفاليا، في القرن السابع عشر، التي ساوت في الحقوق والواجبات بين أفراد المجتمع، بقطع النظر عن انتمائهم الطائفي، ووضعت حدّا لتدخل السلطات الدينية في شؤون الحكم.
ما تجدر ملاحظته في الخطاب السياسي الذي يستظلّ الدين هو أنّ الإنسان يلعب دورا أساسيا في تقرير وظيفة الدين في حكم المجتمع، لكن خلافاً لما هو الحال بالنسبة لمسآلة ومحاسبة وإقالة صاحب القرار في الحكم المدني، فإنّ حامل الخطاب السياسي الديني، مهما كان محدود القدرات الفكرية، كثير الأخطاء والأضرار فيما يدعو إليه، فإنّه يعطي خطابه قدسيّة ونفسه عصمة من الخطأ وحصانة من المسآلة. فهو ناقل لمشيئة الله عزّ وجلّ.
ولعلّ من أكبر التحدّيات التي تواجه حَمَلَة خطاب الحكم ذي الركائز الدينية، في مجتمع تعددت فيه المذاهب والطوائف وينشد الوحدة بين جميع مكوّناته البشرية، هو التوحّد حول تصوّر محدّد ومتفق عليه للقواعد والمبادئ والتشريعات التي يجب اختيارها لحكم المجتمع. الفئات التي تحمل الخطاب الديني وتعارض الواقع الكاسح للحكم المدني في العالم العربي، والذي أصبح من سمات الحكم في العالم أجمع، إنّما تعاند واقعا باسم تراث مناقض للواقع وسابق له. لا بأس هنا بالعودة، ولو باقتضاب شديد، الى منشأ الحكم المدني في العالم العربي لنكون على بيّنة من الواقع الذي نحن فيه ونبغي علاجه.

حتّى منتصف القرن التاسع عشر، كان العالم العربي يغطّ في سبات عميق علميّا وسياسيا وحضاريّا، وكان في معظم أقطاره جزءاً تابعا للسلطنة العثمانية خاضعا لأدوات الحكم فيها التي أساسها سلطة إستبداديّة مطلقة تربطها بجسمها علاقة تقرير وإلزام مطلقين، وهذا لا يناقض ما قالت به غالبية الفقهاء الاسلامييّن.
والسلطنة العثمانية، وحتّى أنظمة الخلافة الأخرى التي عرفها العرب، قبل أن يخرج الحكم من أيديهم، هي سلطة ذاتية لا تعرف الديمومة إلاّ لرأسها أو تسلسل رؤسائها بالأصالة أو بالتغلّب. أمّا أدواتها اليومية كالوزراء والحجّاب فهم طارئون معرّضون في كل لحظة للتسريح من الخدمة أو القتل.
التحوّل الهام الذي حصل لصالح الحكم المدني في المناطق العربية الخاضعة للحكم العثماني جاءت به دولة التنظيمات العثمانية في القرن التاسع عشر. فدولة التنظيمات تختلف عن جميع أنظمة الحكم السابقة لها بأنّها رمت الى اختراق المجتمع وهدفت الي تحويله تبعا لأفكار الدولة الحديثة ذات الهيمنة الثقافية والصلة السياسية بمواطنيها، وكانت وسيلتها في تنفيذ هذه المهمّة إدخال إصلاحات جوهرية في مجالي التربية والقانون وعلى أسس جديدة خارجة عن سلطة ما سلف من مؤسسات قام عليها أرباب الهيئة القضائية الدينية.
وقد كان لاحتكاك نخبٍ عربية بالفكر السياسي الأوربّي، والمؤسسات العلمية والقانونية الأوربّية، أثر هام جدّا في ما عرف بعصر النهضة العربية، وفي عمليّة التحوّل التي رافقت عمل دولة التنظيمات وبخاصة في مجالي التعليم والقانون. وبما أنّ القانون هو من أفعل وأرقى وسائل التغيير السياسي والاجتماعي، فقد كان للتحوّل القانوني والقضائي في ظل دولة التنظيمات، دور هام جدّا في إدخال قيم ومؤسسات الدولة الحديثة وتهميش سلطة المؤسسات الدينية.
فقد ظهر ذلك في إنشاء جهاز قضائي مستقلّ وخارج عن سلطة الهيئة القضائية الدينية، وفي تبنّي قوانين أساسية ذات أسس منفصلة تمام الانفصال عن علم واجتهاد الهيئة الدينية وتراثها. وكانت هذه القوانين في كثير من بنودها تختلف، وأحينا تتناقض، مع أحكام الشريعة.
فقد أخذ قانون العقوبات العثماني للعام ١٨٤٠، (والذي اعتمد قانون العقوبات الفرنسي بصورة رئيسية)، كأحد مصادره الأساسية بمبدأ “لا جريمة ولا عقوبة بلا نص” . ثم ألغى عقوبة الرجم في الزنى، وقطع اليد في السرقة، وألغى الردّة كجريمة، متيحا، ولأول مرة في تاريخ الاسلام، إحدى الضمانات اللازمة لتقرير الحريّات الأساسية.
ولعلّ التحوّل الأهمّ لمصلحة الحداثة والحكم المدني، الذي حصل في ظلّ دولة التنظيمات، هو التطوّر الأساسي الذي أُدخل على برامج التعليم والتربية وذلك في بناء المدارس ودور العلم، وفي إدخال العلوم الطبيعية والرياضيات وسواها من المواد نقلا عن برامج المدارس ودور العلم الأوربية، مواد لم يكن لها وجود في برامج التعليم في العالم العربي التي كانت في مجملها تتمحور حول تدريس اللغة العربية والعلوم الدينية.
دولة التنظيمات أورثت فاعليّتها الحداثية لما تلاها من دول في فترات الاستعمار والانتداب والاستقلال، وكانت التربية والمؤسسات القانونية من الأدوات الأساسية في عقلنة وعلمنة الحياة تحت رعاية الدولة، مدفوعةٌ بمنطق يسم جميع الدول الحديثة. فجاءت الدولة العربية بعد الاستقلال مدنيةً بامتياز، بالرغم من نصّ بعض الدساتير على كون الإسلام دين الدولة، ولم يكن لهذا النص أي واقع فعلي أو تأثير هام.
ليس العالم العربي مرتَهَناً بالتجربة الأوربية، وإن كانت محرّكة للتاريخ الحديث. وهو ليس ملزما حدود تجاربها التاريخية. لكنّه جزء من مشروع تاريخي كوني يتجاوز حدود الغرب. مسيرة التاريخ الكوني آيلة الى عقلانية مدنية. ومسيرة التاريخ الاجتماعي والثقافي العربي محكومة بهذا المسار، على الرغم من الصراعات الطبيعية التي تستثيرها هذه المسيرة مع القوى التي ترى مصلحة لها في إستغلال الدين والمؤسسات الدينية.
لقد اخترقت الثقافة العقلانية المدنية، من خلال دولة التنظيمات وما تلاها وأخذ عنها من دول، المجتمع العربي التقليدي. وما قام به محمّد علي في مصر من تطوير وتحديث لكافة مؤسسات الدولة، جدير بالملاحظة والاهتمام من قبل كلّ من يرغب الاطلاع على الدوافع والانجازات التي حققها تبنّي مؤسسات وقيم الدولة الحديثة. وكان كلّ ذلك تعبيرا عن التفوّق الحضاري والتاريخي لثقافة الدولة الحديثة على ثقافة المجتمع التقليدي، ولارتقاء تنظيماتها على تنظيماته، ولتقدّم عالميتها علي محليّته، ولمواءمة مرجعيّتها الفكرية والعلمية لتطوّر العصر.
وقد كان لكلّ ذلك أثرٌ هامٌ على الحقبة الوطنية ودورِها في التحرّر من الاستعمار الأجنبي، والتي امتازت بثقافة مدنية علمانية، فانتشرت مبادئ سياسية ليبرالية وقومية مع بوادر انتشار للماركسية، وانتشر الاهتمام بكافة العلوم والأبحاث العلمية.
والجدير بالذكر هو أنّ إبّان فترة التحرر من الاستعمار، لم يكن التطرّف الاسلامي الخيار التلقائي والطبيعي للعرب والمسلمين. بل إنّ الخطاب القومي هو الذي كان سائدا والقوميّون هم الذين قادوا التجمّعات العربية الى الاستقلال، وليس الدين والحركات الدينية. كان القوميون أباء الوطنية لعقود وكانت الأنظار تتجه نحوهم. لم يكن هؤلاء القوميون علمانيين مثل اتاتورك، ولكنّهم لم يلجأوا إطلاقا الى الخطاب الديني. فدولة الاستقلال كانت مدنية الأسس والقوانين بامتياز، وكانت كذلك حاضنة للحرية الدينية وحامية لها. ونحن اليوم نرى العالم العربي يتخذ وجهة تراجعية معاكسة للتاريخ فيها خروج للثقافة الدينية عن هامشيتها التاريخية في القرن العشرين، ومحاولتها تبوّء مواقع مركزية في السياسة والثقافة العربية واستثناء ما عداها، ومنها تحوّل الدولة عن موقع التفوّق على المجتمع التقليدي، الى موقع القيادة نحو التخلّف وربط الثقافة العربية الجديدة بالاسلام النفطي ووسائل اتصاله وإعلامه الضخمة. ويقيني أنّ نموّ الاقتصاد الريعي، الحليف الأساسي في تنمية آفة الفساد، يلعب دورا أساسياً في الدفع إلى هذا المنحدر.
يقول عزيز العظمة، وأشاركه الرأي، “ ليس الارتهان بالمواقف الاسلامية نادرا في تاريخنا الحديث، ولو كان متناميا في السنوات الأخيرة بفضل أصداء الاسلام السياسي، فهو في أغلب الأحوال مرتبط ارتباطا أكيدا باستقالة العقل التاريخي: فالعقل التاريخي أساس كلِّ ترقٍّ، وعنصرٌ بنيويٌّ جوهري لإقامة مجتمع معاصر”.
(العلمانية من منظور مختلف ص 310 )
أرجو أن لا يخامر أحداً شك في احترامي وتقديري للأديان جميعاً، وبخاصة الدين الاسلامي. فأنا لا أرى علّة في الإسلام أو في سواه من الأديان إطلاقا، وإنما في الذين يستغلّون الدين ويأوّلون تعاليمه، قولا وسلوكاً، بما لا يعود بخير على المسلمين وغير المسلمين وفي أحيان عديدة بما يشوّه صورة الاسلام في أذهان عقلاء البشر.
فكما أنّ للدين تأثيرٌ بالغ في سلوك الإنسان وتكييف الثقافة الاجتماعية، كذلك للإنسان تأثير هام في تظهير الصورة، وتقرير الدور الذي يلعبه الدين في المجتمع. فالمجتمعات الحيّة المبدعة تنعكس في دين حيّ مبدع، والمجتمعات التي لا حياة فيها تنعكس في دين لا يتتطوّر، ويثور على كلّ تطوّر. فلو نظرنا الى منشاء الفرق السلفية التكفيرية، والتي تعتمد العنف والإرهاب وسيلة لبلوغ أهدافها، نرى أنها إنطلقت من مجتمع هو من أكثر المجتمعات العربية تخلّفا وفساداً وتعلّقاً بتقاليد بدائية بالرغم من ثروة طائلة وإمكانيات مادّية هائلة. وهي من أقلّها قبولاً بالمشاركة الشعبية في الحكم، واحترام حقوق الانسان، وإرساء قواعد العدالة ومؤسسات وقيم الحكم الديمقراطي. والفرق التكفيرية هي وسائل تمزيق للنسيج الاجتماعي العربي، ومن موانع الوحدة التي فيها قوّة المجتمع ومناعته. يمكن أن نلاحظ بدقّة أنّ الخطاب الديني السياسي يتناقض مع الخطاب القومي العربي لاختلاف جوهري حول مفهوم الأمّة في الخطابين. ولأنّ نموذج المجتمع القومي والدولة القومية مبني على فرضيّة أنّها تشكل أمّة تجمعها قواسم مشتركة وقيم ولغة تبرر وجودها كدولة مستقلّة. فإنّ من أهمّ مميزات الخطاب القومي هو العمل من قبل حَمَلَة هذا الخطاب، وكذلك سياسة الدولة القومية، على تنمية هويّة تشدّ اليها جميعَ شرائحِ المجتمع، وخلقِ ثقافة مشتركة تربط جميع المكوّنات الاجتماعية. فعندما تكون بعض عناصر الدولة القومية غير متوافرة بشكل جازم لدى بعض الشرائح الاجتماعية، ماقد يؤثّر على وحدة المجتمع وتطوّره، تلجأ الدولة القومية الى تبنّي سياسات تضمن توافرها، كأن تفرض برامج خاصة لتعليم اللغة، أو فرض مناهج موحّدة في مراحل التعليم الابتدائي وسواها. بينما علّمتنا التجارب في العالم العربي أن انتشار الخطاب السياسي الديني يَنزِعُ الى تفكيك المجتمع الى طوائف ومذاهب وأديان تودي بوحدته وتغري الأطراف الخارجية ذات المصالح المعادية للمصلحة العربية لزرع الفتن وحصاد ريعها.
والأدلّة على ذلك في الزمن الذي نعيش فيه تكاد لا تحصى. ففي العراق لم يفعل سلاح الجوّ والقوّات الأميركية ما فعله الخطاب الديني المذهبي في تفكيك المجتمع والقضاء على وحدته ومناعته، وتمكين أطراف خارجية من بلوغ مآربها فيه. والخطاب الديني المذهبي هو السلاح الأفتك في الحرب الدائرة في سوريا وعليها.
ولو حاولنا القيام بعمليّة مسح للدول التي تعاني من إضطرابات أمنية تهدّد وحدة المجتمع وسلامته، وأمعنّا النظر في أدوات العنف والدمار الداخلية والخارجية، ووسائل التفكك الاجتماعي بوجه عام، لوجدنا ما يلي:
1) ليس بين القوى الفاعلة على الأرض، والقوى الراعية لها تمويلاً وتسليحا وتسهيلاً لمهمّاتها التدميرية، من يهدف الى، أو يدّعي القيام بما يخدم، مصلحة عربية، ناهيك بأنّ ما يقومون به فعلاً يخدم في معظم الأحيان مصلحة إسرائيلية دون أدنى شكّ. وتُظهر إسرائيل تقديرا لهذه الجهود فتقدّم خدماتها الصحيّة والعسكرية لإنجاح هذه الجهود.
2) معظم، إن لم يكن جميع القوى التي لجأت الى العنف، أكانت داخلية أم مستوردة، تعمل تحت راية دينية مذهبيّة، وتستمدّ شعاراتِها وبرامجَها من خطاب ديني مذهبيّ لا علاقة له بمطالب وأماني الشعوب في الإصلاح السياسي.
3) الدول الخارجية، وبخاصة الإقليمية، عربية وغير عربية، التي ترعى وتساعد في عملية الدمار، تقوم من خلال وسائل إعلامها الهائلة بنشر خطاب ديني مذهبي يهدف الى تمزيق النسيج الاجتماعي في الدول المعنيّة، وفي الوطن العربي على وجه العموم، وتحصر مساعداتها في التمويل والتسليح والتدريب وتجنيد الأجانب وتسهيل وصولهم إلى ساحات القتال العربية، تحصرها بالمنظمات التي تحمل خطاباً دينياً مذهبيّاً، وتعمل من أجل تحقيق أهداف مستوحاة من هذا الخطاب.
4) ليس بين القوى الفاعلة على الأرض، والتي توسّلت العنف لتحقيق أهدافها، من يدّعي العمل من أجل تحقيق أيّ من أهداف الشعوب العربية التي انتفضت بغية تحقيق إصلاحات جوهريّة في الحكم، الذي تريده ديمقراطياً يفرض حكم القانون، ويضمن الحقوق والحرّيات الأساسية لجميع المواطنين، ويحارب الفساد بفعالية.
ونلاحظ كذلك أنّ المنظمات التي تحمل الخطاب الديني التكفيري، ومعظمها من مشتقّات القاعدة، والتي تقاتل في سوريا والعراق، ترفض أي حلّ سياسي للحرب الدائرة وتؤثر الاستمرار في هدر الدم العربي والدمار ومراكمة المآسي.
من الصعب جدّا أن نجد في نشاط التنظيمات التي تحمل الخطاب الديني أو المذهبي مصلحة عربيّة فيما يتعلّق بوحدة الصفّ أو الانصهار الاجتماعي، أكان علي الصعيد المحلّي أو القومي. حتّى التنظيمات التي قدّمت خدمات أمنية جلّى، مثل حزب الله الذي قام بجهود جبّارة، وقدّم تضحيات كبرى في تحرير لبنان وضمان أمنه من الاعتداءات الاسرائيلية، والذي دافع ويدافع عن الحقّ العربي في فلسطين، وبالرغم من أنّه لا يحمل آفكارا تكفيرية تدعو الى الغاء الآخر، لا بل إنّه أظهر حكمة فائقة في العمل على وأد الفتن الطائفية في لبنان، إلّا أنّه بسبب كونه يعمل تحت راية دينية مذهبيّة قد سهّل مهمّة أطراف دولية وإقليمية ومحلّية في تأليب العديد من سنّة لبنان والعالم العربي عليه، واستعدائه في كلّ ما يفعل، وصولاً الى تعميق الشرخ في البنية الاجتماعية اللبنانية وتوسيع الهوّة المذهبية بين سنّة وشيعة في العالم العربي.
من العلل الأكثر ضرراً في الخطاب الديني هي أنّه يدفع الى تنمية هويّات فرعيّة هي من معوّقات نموّ هويّة وطنية أو قوميّة جامعة. فهو على نقيض الخطاب المدني، الوطني أو القومي، يعمل على تفكيك المجتمع. فبينما القومية بطبيعتها هي إيديولوجية ترتكز على فرضية أنّ ولاء الفرد وإخلاصَه للدولة القومية يفوق ولاءه وإخلاصه لأيّ فرد أو منظومة بشرية في المجتع، يعمل الخطاب الديني، كما شاهدنا ونشاهد في العالم العربي، على تنمية ولاءات لتنظيمات، على شكل مذاهب وطوائف، تتقدّم على الولاء للدولة المدنية الحافظة للمجتمع بكافة شرائحه البشرية، والعاملة على أمنه ووحدته وتحقيق مصالح جميع أفراده.
الخطاب الديني لا يؤمّن حاجة المواطن العربي للأمن، وهي من أهمّ الحاجات البشرية، أكان علي الصعيد المحلّي في إطار الدولة الاقليمية أو علي الصعيد القومي. بل على العكس من ذلك فهو من عوامل الشرذمة التي تذهب بقوّة المجتمع ومناعته وتضعفه في مواجهة التحدّيات الأمنية داخلية كانت أم خارجية. في حين يعمل الخطاب الوطني أو القومي، المدنيّ العقلاني بطبيعته، على جمع وتحفيز جميع طاقات المجتمع للدفاع عن جميع مصالحه الأمنية وسواها.
وما يقال عن الخطاب الديني والطائفي/ المذهبي بشأن المصالح الأمنية العربية ينطبق وربّما بشكل أشدّ علي المصالح الاقتصادية للفرد والمجتمع العربي. فالتشرذم الاجتماعي وإهمال الحلول القومية لمواجهة التحديّات الاقتصادية هو نوع من التغرّب عن العقل والعلم وما يفرضه المنطق في بناء اقتصاد متين، حيث تستثمر جميع الثروات الطبيعية والبشرية المتوافرة في العالم العربي، وتفعّل في خدمة المواطن العربي أينما وجد.

أمّا تطلّع المواطن العربي للانتماء الى مجتمع تُحفظ فيه الحقوق وتمارس الحريّات الأساسية من قبل كل مواطن، مجتعٌ يشعر فيه الانسان أنّه سيّدُ مصيره، قادرٌ على إطلاق طاقاته الخلّاقة نحو التطوّر العلمي في وطنه، ومفاخرة الأمم الأخرى، وفرض احترامه عليها جميعاً. فما علمنا وشهدنا من قول وسلوك دعاة الخطاب السياسي الذي يستظلّ الدين يؤكّد لنا أن ما يدعو إليه ليس الطريق الى ذلك. ولا بدّ لنا من مواكبة المسار العالمي في التطّور العلمي والاجتماعي والسياسي، والتزام منهج عقلاني تاريخي في التفكير.
ليس الهدف أن ننسى الدين أو المذهب أو الطائفة التي ننتمي إليها، ولكن يجب علينا أن ننظر بدقّة أكبر إلى من نحن في ضوء الواقع الذي نعيش فيه. وبالنظر لما نعاني وما نحن فيه، تبرز عدّة أسئلة هي لا شكّ في ذهن الكثيرين منّا: كيف سيكون المستقبل؟ هل سيكون استجابة لآمالنا أو تحقيقاً لما نعاني من كوابيس؟ هل سيكون صنيعة الحرّية المستنيرة أم إنتاج ظلامية العبوديّة والجهل؟ هل سنبقى أسرى غرائز بدائية ويبقى العقل معطّلاً فينا والربط بين الجهد والنتيجة مغيّبا في حياتنا؟ اعتقادي الراسخ هو أنّ المستقبل ليس مكتوبا علينا، وإنّما هو المستقبل الذي نستحقّ، أي المستقبل الذي نصنعه نحن.
----------------------------------
أستاذ في القانون - جامعة جورجتاون في واشنطن
(نص ورقة القيت في ندوة "مركز الحوار العربي" - ٧ كانون الثاني/يناير ٢٠١٥)
 

الإسلام وأخلاقيات الحرب

وجيه البعيني
(باحث لبناني)
لم يخرج المسلمون في فتوحاتهم الإسلامية تعطشاً للقتل وسفك الدماء، بل بهدف نشر دين التوحيد وبسط السلم والعدالة والتسامح. وقلما وردت في القرآن الكريم وفي قواعد الشريعة عبارة « إقتلوهم»، بل تكررت عبارة «قاتلوهم»، حيث أن الألف تفيد التبادلية، بمعنى مقاتلة من هيأ نفسه للقتال قولاً او فعلاً. أما أولئك الذين ينشدون السلم فيجب تحييدهم ومعاملتهم بكل إنسانية ورقي. الأمثلة كثيرة على ما نقول، ونورد بعضها، على سبيل المثال لا الحصر.
عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه إذا أرسل جنده للقتال، أوصاهم قائلاً: إنطلقوا باسم الله وعلى بركة الله. لا تقتلوا شيخاً فانياً، ولا طفلاً، ولا امرأة. ولا تغلوا، وأصلحوا وأحسنوا، إن الله يحب المحسنين. كذلك كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يوصي جنده بتأليف الناس، وعدم تنفيرهم بالقتل، قائلاً لهم: «تألفوا الناس وتأنوا بهم. ولا تغيروا عليهم حتى تدعوهم. فما على الأرض من أهل مدر ووبر. ألا أن تأتوني بهم مسلمين أحب إلى من أن تأتوني بأبنائهم ونسائهم وتقتلوا رجالهم».
وعلى هدي الرسول الكريم، سار الخلفاء الراشدون. فعندما أرسل أبو بكر الصديق (رضي الله عنه) أسامة بن زيد على رأس أول جيش إسلامي الى سوريا، إثر وفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم)، أوصى الجند قائلاً: لا تخونوا ، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلاً صغيراً، ولا شيخاً كبيراً ولا امرأة، ولا تقتطعوا نخلاً، ولا تحرقوه، ولا تقتطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ، ولا بقرة ، ولا بعيراً إلا لمأكلة. وسوف تمرون على قوم فرغوا أنفسهم في الصوامع، فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له».
من جهة أخرى، بعث أبو بكر (رضي الله عنه) يزيد بن أبي سفيان على رأس جيش، فخرج معه وهو يقول: «إني موصيك بعشر فاحفظهن: أنك ستلقى قوماً زعموا أنهم فرغوا أنفسهم لله في الصوامع. فذرهم وما فرغوا أنفسهم له... ولا تقتلن مولوداً، ولا امرأة، ولا شيخاً كبيراً، ولا تعقرن شجراً بدأ ثمره، ولا تحرقن نخيلاً، ولا تقطعن كرماً، ولا تذبحن بقرة، ولا شاة، ولا ما سوى ذلك من مواشي إلا لمأكلة»
وعن عمران بن الحسين، رضي الله عنهما، أنه قال «ما خطبنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) خطبة إلا أمرنا بالصدقة، ونهانا عن المثلة. حتى الكفار إذا قتلناهم لا نمثل بهم بعد القتل، ولا نجدع آذانهم وأنوفهم، ولا نبقر بطونهم، إلا أن يكونوا فعلوا ذلك بنا فنفعل بهم ما فعلوا بنا. والترك أفضل، كما قال الله تعالى».
وحول احترام الإسلام للآخر المغاير، نذكر أن الخليفة عمر بن الخطاب عندما وصل الى القدس، دعاه البطريرك صفرونيوس لتفقد كنيسة القيامة، فلبى دعوته. وأدركته الصلاة وهو فيها. فالتفت الى البطريرك وسأله» «أين أصلي؟» فأجابه البطريرك:» صلِّ مكانك». فأجاب عمر:» ما كان لعمر أن يصلي في كنيسة، فيأتي المسلمون من بعدي ويقولون هنا صلى عمر، ويبنون عليه مسجداً». ومن ثم ابتعد عن الكنبسة رمية حجر، وفرش عباءته وصلى. وجاء المسلمون من بعده وبنوا في المكان الذي صلى فيه مسجداً سمي بمسجد عمر.
من ناحية أخرى، لم تهمل السنة الشريفة ولا الشريعة الإسلامية إيلاء العناية الخاصة بالجرحى والمرضى، حتى بين صفوف الأعداء، والأسرى. ففي الحديث النبوي الشريف أن النبي الكريم قال في فتح مكة: « ألا لا يُجهزن على جريح، ولا يُتبعن مدبِر، ولا يُقتلن أسير، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن».
أما وثيقة المدينة، التي أبرمها الرسول الكريم مع أهل يثرب (المدينة المنورة)- حين هاجر إلىها مع أنصاره- فتعتبر أول دستور مدني مكتوب في تاريخ الدول. أقول دستوراً مدنياً لأنها جعلت المسلمين مع المكونات المجتمعية الأخرى في يثرب سواسية في الحقوق والواجبات. فقد نصت الوثيقة على تنظيم العلاقات بين مواطني المدينة، وجمعتهم في حلف واحد، حيث ضمت هذه الوثيقة- او الصحيفة- مواطنين من ديانات مختلفة: المسلمون من مهاجرين وأنصار، وأهل الكتاب من اليهود، وما تبقى من مشركين. وبالتالي، تشكل نوع من المواطنة على أساس الولاء للدولة عن طريق العهد، وليس عن طريق وحدة العقيدة او وحدة الجنس او العنصر. وفي ذلك دلالة على التسامح مع الآخر المغاير، حيث أعطاه الإسلام من الحقوق وأوجب عليه من الواجبات ما للمسلمين وما عليهم. وليس أدل على هذا التسامح من موقف النبي (صلى الله عليه وسلم) حين رأى يهود بني قريظة موقوفين في العراء في ظهيرة يوم قائظ. فما كان منه إلا أن خاطب المسلمين المكلفين بحراستهم قائلاً: «لا تجمعوا عليهم حر الشمس وحر السلاح وقيّلوهم واسقوهم حتى يبردوا». كما أنه نهى عن تعذيبهم. فالأسير أصبح فاقداً للحول والقوة وتجوز عليه الرحمة والتسامح كالطفل والعاجز واليتيم. ولنا في الآية الكريمة عبرة في هذا المضمار: {ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً} (الإنسان/ 8)، مما يعني أن الله تعالى قد وضع الأسير في منزلة اليتيم والمسكين المجرد من أية قوة.
أما فيما يتعلق بالمظالم المرتكبة بحق غير المسلمين، فهي مظالم تطال أتباع من ورد ذكرهم مرات ومرات في القرآن الكريم. فقد ورد ذكر موسى (عليه السلام) 136 مرة، في حين ورد ذكر عيسى (عليه السلام) 25 مرة . وبالتالي، فإن إلحاق الأذى بأتباع هذين النبيين، هو مخالفة لتعاليم القرآن الكريم وكفر بالله تعالى.
وبعد! أين من الإسلام أولئك الذين يذبحون ويقتلون الأبرياء، ويدمرون دور العبادة باسم الإسلام، علماً بأن الإسلام هو دين الوسط، دين التسامح ودين احترام الآخر؟