السبت 25 آذار/مارس 2017
TEXT_SIZE

الوحدة العربيَّة الفريضة الغائبة

كتبت قبل أيام مقالة حول الوحدة العربيَّة، تحت عنوان: "الوحدة العربيَّة ضرورة حتميَّة"، واليوم أود أن أردف ذلك المقال بمقالة بهذا العنوان: "الوحدة العربيَّة الفريضة الغائبة". إي والله، بعد كل ما جرى ويجري في عالمنا العربي بدأت أدرك أنَّ الوحدة العربيَّة ضررة حتميَّة وفريضة غائبة، وواجب ديني، ومقصد شرعي، وغاية بحد ذاتها، لا يجوز التهاون بها بأي حال من الأحوال، إنِّي لأرى حرائق قادمة، تجري باتجاه العرب كافَّة دون استثناء ودون تمييز بين عربي وآخر، مسلم وغير مسلم، سني وشيعي، تكاد تلتهم الجميع، إنَّها تتنزل على أقاليمنا العربيَّة، وبيوتنا كما يتنزل المطر، ويصيب كلًا منا ما يصيبه من الصواعق، لا تستثني أحدًا، ولا تترك دارًا، ولا يحتمي منها ديار.
إنَّ من يظن من العرب أنَّه سينجو من تلك الفتن والحرائق بحنكته أو ما قد يسميها حكمته أو صداقاته أو علاقاته فإنَّه واهم واهم واهم، فلا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم، إنَّ الذي يظن أنَّ هناك بلدًا واحدًا من بلدان العرب أو عاصمة واحدة سوف تنجو من المصير الذي صارت إليه بغداد ودمشق وصنعاء وغيرها فإنَّه لا يقل جهلًا وعماية عن ابن نوح -عليه السلام-، الذي توهم أنَّه يمكن أن ينجو من الطوفان، وقال: ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ (هود:43)، فالفتن المحيطة بالعرب لا عاصم لأحد منها إلا الله، ومن لم يهلكه الطوفان فإنَّ الرذاذ والرطوبة والشهب كفيلة بتدميره، والقضاء عليه.
إنِّي أقول مثل ما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يودع هذه الحياة حيث: "استيقظ النبيُّ (صلَّى اللهُ عليهِ وآله وسلَّمَ) من النوم محمرًّا وجهُه يقول: (لا إله إلا اللهُ، ويلٌ للعربِ من شرٍّ قد اقترب، فتحَ اليومَ من ردمِ يأجوجَ ومأجوجَ مثلُ هذه). وعقد سفيان تسعينَ أو مائةً، قيل: أنهلِك وفينا الصالحون؟ قال: (نعم، إذا كثُر الخبثُ)"[1]، بقطع النظر عن كل ما قيل في يأجوج ومأجوج فإنَّ اسرائيل أخطر على العرب من يأجوج ومأجوج وأشد تدميرًا. لا يظنن أغنياء العرب أنَّ ما امتلكوه من بيوت أو قصور أو أسهم أو أموال أو شركات في كل بقاع الأرض سوف تحول بينهم وبين السقوط في الهاوية، فإنَّ ذلك كله لا يغني عنهم شيئًا.
لقد رأينا خلال الأسابيع الماضية كيف نزل سعر برميل البترول بين ليلة وفجرها ثمانين دولارًا، من مائة وخمسة وعشرين إلى خمسة وأربعين، وخبرنا الدورات الاقتصادية في أمريكا وأوروبا، وكيف تأكل المدخرات وتحيلها بين فترة وأخرى إلى مجرد أصفار بانهيار عملات أو أسهم أو بنوك أو أيَّة وسائل أخرى، إنَّنا في الزمن الذي يمسي الإنسان فيه غنيًا ويصبح فقيرًا، فما لم يعقل العرب ويدركوا أنَّ الغنى ليس بالمال وحده ولا بالمعادن النفيسة، ولكن بالإنسان، فيتجهوا للاستثمار بالإنسان العربي، وإنمائه، ونقل كل الخبرات الممكنة له وتعليمه وتربيته؛ وإلا فلن يكون إلا الطوفان.
إنَّنا في حاجة إلى أن يشعر أغنياؤنا أنَّ تفريطهم بالعراق وانضمامهم إلى خطة أعداء يجمعون بين العداوة والحماقة، لن يأتي إلا بالخسران، فأمثال هؤلاء جمعوا بين الجهل والغباء، وعمى القلوب وتفاهة العقول، فدمروا هذا البلد وجعلوه نهبًا مباحًا لأعدائه وأعدائهم، ولم يستبينوا النصح، ولا أظنهم قادرين على إدراكه والإحساس به لا في ضحى الغد ولا بعده، وفعلوا مثل ذلك في الشام، والآن يكرر الفعل في اليمن، وأشعر أنَّ كثيرًا من المتحكمين في الأمور في بلاد العرب لا يختلف موقفهم عن موقف الخليفة العباسي الأخير الذي ظل يردد: "بغداد تكفيني ولا يستكثرونها علي إن أنا تركت لهم الأطراف" فترك أطراف الدولة للمغول التتار، يفتكون بها، ويبتلعونها قطعة بعد أخرى، إلى أن وصلوا إلى قصره، لم يكن يسخوا على جنده، ولم يكن يقتني لهم صالح السلاح، بل كان يكنز الذهب في قصوره، ويحفر لها الخنادق ويضعها في صناديق، حتى وصل التتار إلى ما تحت قدمه وسلبوه كل شيء بعد أن سملوا عينيه، وعذبوه شر العذاب، وقتلوا أولاده، وانتهكوا عرضه بين يديه، ذلك مصير أولئك الغافلين الحالمين في النجاة وهم في عباب محيط هائج، موجه كأنَّه الجبال، لا يقوم لها أحد، ونار مشتعلة ملتهبة تنتقل من مكان لآخر بسرعة فائقة.
ماذا ننتظر لنشعر ولنسترد وعينا؟ أننتظر نفس المصير الذي صار إليه خليفة بغداد، ونردد معه وخلفه مقولته الفارغة: "بغداد تكفيني ولا يستكثرونها علي إن أنا تركت لهم الأطراف"، إنَّ هؤلاء يستكثرون على العربي الهواء الذي يتنفسه، والتراب الذي يسير عليه، والأسمال التي يرتديها، والله إنَّهم يستكثرون عليه حتى الفقر، وربما يستكثرون عليه الجهل، والمرض، ويتمنون لو وجدت أمراض أفتك من الأمراض التي تفتك به، وجهل أشد تدميرًا من الجهل الذي يتخبط فيه، وفقر أشد إيلامًا من الفقر الذي يتمرغ فيه؛ لما ترددوا في أن يدفعوه إلى تلك المضايق، لشدة حقدهم، إنَّهم يستكثرون أيَّة نعمة يرونها على عربي، مهما كان مواليًا لهم أو معاديًا. إنَّنا في حاجة إلى أن نتذكر وحدتنا، وأنَّها خشبة النجاة بالنسبة لنا، على طريقة الخنساء:
يُذَكّرُني طُلُوعُ الشمسِ صَخراً وأذكرُهُ لكلّ غُروبِ شَمْسِ
فما لم تكن الوحدة العربيَّة أمرًا نتذكره في الصباح وفي المساء، وفي الليل وفي النهار، ونحاول أن نعيد بناء الفاعليَّة في قلوبنا لتحقيقه، وتوفير الدافعيَّة التي تدفعنا إلى إعادة ذلك البناء المنهدم؛ فإنَّ النيران سوف تلتهم كل شيء، والطوفان لن بيقي على شيء، وليس هناك سيدنا نوح، ولا سفينة نوح –عليه السلام- التي يمكن أن تكون سفينة النجاة لأحد، فالكل غارقون والكل هالكون.
إنَّنا نتمنى أن تتجه مصر والسودان وليبيا بأسرع ما يمكن نحو اتحاد فدرالي، أو كونفدرالي، يهيئ لإقامة وحدة ولو بعد حين، ونتمنى على الدول المغاربيَّة: تونس والجزائر والمغرب وموريتانيا، أن تقيم فيما بينها اتحادًا كونفدراليًّا، وتهيئ نفسها بكل الوسائل للوصول إلى حالة وحدة، ولو بعد حين، ونتمنى على ما بقي من العراق وسوريا والأردن وفلسطين أن تقيم بينها اتحادًا كونفدراليًّا أو فدراليًّا تمهيدًا لوحدة. ودول مجلس التعاون تحتاج إلى أن تنتقل فورًا إلى حالة توحد فيما بينها، فلم يعد الأمر أمر مجرد تنسيق فوقي سطحي، بل لابد من اتخاذ كل ما يلزم إزالة العوائق أمام علائق تنتهي بوحدة، فلا مكانة للكيانات الصغيرة التي تحتمي بالغير في عالم اليوم، وإذا كانت الكيانات الكبرى والعملاقة اضطرت إلى التوحد تحت ضغط ظروف العصر فما بالنا نقف من وحدتنا موقف البلهاء، وأمامنا النماذج الكثيرة.
إنَّه لابد من ضم قطر مثل اليمن إلى مجلس التعاون، والدفاع عنها، وحمايتها من السقوط، وإعانة اليمنيين على أن يعيشوا بالمستوى الملائم، الذي يساعدهم على الولاء لأمتهم وإخوانهم، وكذلك الحال بالنسبة لبلدان أخرى، وأول الفرائض التي قد ترتقي إلى درجة فريضة الصلاة والصيام والزكاة والحج وترديد الشهادتين أن ترتبط هذه الكيانات كلها بأسرع ما يمكن بشبكة من المواصلات والاتصالات، التي تساعد في المستقبل على الإحساس بالفوائد، فوائد الوحدة وتجازو نفسيَّات الانفصال والتشرذم التي بنيت في العقول والقلوب عبر العصور، وبعد ذلك لابد من العمل على إيجاد تكافل وتضامن اقتصادي بين أغنياء العرب وفقرائهم، فمن العار أن نودع أموالنا في البنوك الأجنبيَّة في أمريكا وأوروبا وندفع بلداننا التي تحتاج ذلك المال إلى أن تقترضها بالفوائد المضاعفة، وهي أموال لفقيرنا حق معلوم فيها، لا يمكن تجاهله ولا يجوز تجاوزه.
إنَّ هناك أمورًا كثيرة لابد من البدء بها وعلى الفور، فهي لا تحتمل تأخير ولا تحتمل تأجيل، والنموذج الألماني والإسرائيلي من النماذج المتاحة التي يمكن دراستها، فأي يهودي أو صهيوني يصل إلى أرض فلسطين سرعان ما يقدم له العمل والهوية الجاهزة، والسكن، وما يساعده على التأقلم والانخراط في هذه البيئة الجديدة، فاتقوا الله أيُّها العرب في أنفسكم، ولا تجعلوا أنفسكم وقودًا لنار حامية، لا تبقي ولا تذر، أو طوفان مدمر لا عاصم لأحد منه.
اللهم هل بلغت اللهم فاشهد.
----------------------
• رئيس جامعة قرطبة سابقا ورئيس جامعة العلوم الإسلاميَّة والاجتماعيَّة سابقاً ورئيس المعهد العالمي للفكر الإسلامي سابقاً
الصفحة الخاصة بالدكتور طه جابر العلواني :
https://www.facebook.com/Dr.Alwani.T.J 

ركائز دينية أو مدنية للحكم.. أين المصلحة العربية؟

د. داود خيرالله
 يعاني العالم العربي من إضطرابات أمنية ودمار في الحجر والبشر، في مجتمعات هي من أكثر المجتمعات عراقة في التاريخ. ولعلّ أخطر ما يعاني هو التمزّق في النسيج الاجتماعي نتيجة نمو وانتشار الهويّات الطائفية والمذهبية الذاهبة بوحدته ومناعته.
ويعيش العالم العربي حالة تخبط وضياع ووهن يشجع الخصوم على إزدرائه ويثير شهية الطامعين للتلاعب بمصيره.
أنظمة الحكم القائمة تتسم بغياب مقومات ومؤسسات الدولة التي تضمن أمن المواطن وتسهّل وتحقق ظروف نموّه وتطوّره، وبهوّة بين الحاكم والمحكوم لا تنفكّ تزيد عمقا واتساعا. هوّة يلعب استشراء كاسح لآفة الفساد دورا هاما في تعميقها وتوسيعها. فمن الصعب أن نجد في دولة عربية حاكما يمثل طموحات ومصالح شعبه ويستمدّ شرعية حكمه من إرادة شعبية تجلّت من خلال مؤسسات دستورية تتوافر فيها ضمانات الحريّة والنزاهة. ويعيش العالم العربي تقلّصا لمفهومِ الحرّية الذي يشجّعُ على تنمية العقل العلمي والثقة بقدرة الانسان ليس فقط على فهم مجتمعه وإنما على علاج علله وتطويره. ولذلك نرى أنّه بالرغم من توافر إمكانيات إقتصادية هائلة، تبقى مجتمعات العالم العربي من أقلّ المجتمعات تنمية إقتصادية، ومؤسساته العلمية والسياسية والاجتماعية من أكثر المؤسسات تخلّفا.
هناك ما يبرر النقمة الشعبية العارمة، والرغبة الملحّة في الاصلاح السياسي والمؤسساتي السائدة في معظم، إن لم يكن جميع، المجتمعات العربية التي أصبحت دولا مستقلّة. فالدولة الحديثة، والتي تعرف بالدولة القومية وتتميّز بالحكم ذي الركائز المدنية، قد فُشلت في أن تمدّ لها جذورا في أيّ من هذه الدول، وإن اختلفت درجات الفشل من دولة الى أخرى. فمن الصعب الاثبات أن مقوّمات الدولة الحديثة، من مشاركة شعبية فعلية في الحكم، وانتشار ثقافة حكم القانون، بما في ذلك التزامُ مبدأ فصل السلطات، واحترام الحقوق والحريّات الأساسية، هي من سمات الحكم في أية دولة عربية. وأزعم أن الفساد، وبخاصة الذي رافق تنامي الثروة النفطية وتوظيفها في الاستيلاء على النفوذ السياسي، وشراء الذمم، واستغلال الفقر والجهل لدى شرائح واسعة في المجتمعات العربية، قد ساهم بشكل فعّال في إفشال مؤسسات الحكم الرشيد وتعاظم النقمة الشعبية وتوسيع الهوّة بين الحاكم والمحكوم.
ونلاحظ أنّه مع تنامي الثروة النفطية، بدأً من أوائل السبعينات من القرن الماضي، أخذ ما يعرف بتيّار الاسلام السياسي ينمو، وبخاصة برعاية بعض الدول المصدّرة للنفط، أو كردّة فعل للفساد والظلم السائدين في هذه الدول. ومع نموّ الاسلام السياسي، أخذ الخطاب القومي العربي بالانحسار والأفول. صحيح أنّ الدول المصدّرة للنفط في الجزيرة العربية لم تكن يوما من أنصار أو مؤيدي الخطاب القومي العربي، ولكنّ المسؤوليةَ عن تقلّصِ هذا الخطاب تعود بالدرجة الأولى للأخطاء والتجاوزات الجسيمة التي ارتكبتها الأحزاب والحركات القومية، وفي طليعتها ما ارتكب حزب البعث الحاكم في كل من سوريا والعراق. والخطاب القومي الذي بلغ درجة متقدّمة من النضج في فترة التحرر من الاستعمار وبناء دولة الاستقلال، تراجع وتقلّص في العقود الأربعة الماضية لهزالة وتقصير حامليه، إن لجهة تطويره أو النجاح في نشره، فضلاً عن محاربته دوليّا وإقليميا وعربيّا.
إزاء التململ الشعبي والنقمة على الظلم والفساد ، يعلن الناشطون من حَمَلَة خطاب الإسلام السياسي، أن ما تعاني منه المجتمعات العربية، لا علاج له سوى بالعودة الى ما يعتبرونه إلتزاماً بأحكام الشريعة، والانعتاق من معايير الدولة الحديثة في الحكم التي هي دخيلة على الثقافة والمعتقدات العربية، ويعملون بوسائل مختلفة لتحقيق ذلك. فمنهم من يحمل خطابا تكفيريّا متزمّتاً ويرى الحلَّ في العنف والتخلّص من كل من لا يشاركه الرأي ويعلن له الولاء. ومنهم من هو أقلّ تطرّفا في العمل على إلغاء الآخر ولكنّه يرى في التزام ما يعتبره إرادة إلاهية في الحكم ضرورة واجبة.
فيما يلي سوف أحاول أن أتفحّص ملاءمة كل من نظام الحكم ذي الركائز الدينية، ونظام الحكم ذي الركائز المدنية والتي يتحمّل الانسان مسؤولية كاملة في اختيارها، لما أعتبره مصلحة عربية، وهي بالدرجة الأولى المصلحة في الوحدة داخل المجتمع التي هي الأساس في قوّة المجتمع، وأمنه ومناعته، والمصلحة في التنمية الاقتصادية التي تنعكس خيرا على الانسان والمجتمع، وأخيرا تحقيق المشاركة الشعبية في الحكم بشكل يمكّن الانسان العربي من تفعيل جميع طاقاته الانتاجية والخلّاقة، أي بلوغ درجة راقية من الحكم الديمقراطي.
إنّ الشريعة، كما يراها أصحاب النظرية التقليدية من الفقهاء، هي إرادة الله المنزلة، وهي سابقة للدولة الاسلامية وموجِّهة للمجتمع الاسلامي ولا تتوجّه به. والوحي المنزل هو الحقيقة بتمامها، وهو صالح لكلّ زمان ومكان، وللخليقة جمعاء. لذلك فإنّ القواعد الملزمة التي مصدرها الشريعة لا يمكن تبديلها حسب تبدّل الوقائع والظروف. ويرى دعاة المذاهب السلفية أنّ الواقع يقيّم بالنسبة للنموذج المثبت في الوحي القرآني. ولذلك على السلطات السياسية والأفراد أن يعبّروا عن إيمانهم بجهودهم الدائمة في انسجام ما يقومون به من أعمال مع الوحي القرآني.
فالوحي القرآني يعتبر حقيقة أبدية ثابتة غير قابلة للتعديل، وتطال كافة مرافق الحياة. فهي وسيلة الله لحكم العالم. ويعتبر أبو العلاء المودودي، وهو فقيه باكستاني كان له تأثير كبير على حَمَلَة الخطاب الأصولي، إنّ سيادة الله على سلوك الانسان تحرم الانسان من حرّية الارادة.
بالمقابل، فإنّ هناك عددا من الفقهاء والمفكّرين الإسلامين العصريين اللذين يرفضون النظرية التقليدية. فهم يعتبرون أنّ للشريعة من المرونة ما يجعلها قابلة للتكيّف مع المستجدّ من الوقائع والأحداث. فاصحاب النظرية الحديثة من الفقهاء يعتبرون أنّ إرادة الله لم يعَبّر عنها إطلاقاً بشكل جامد وشامل كما يزعم أصحاب النظرية التقليدية. ولكنّها أتت بشكل مبادئ عامة فيها من المرونة ما يجعلها قابلة للتأويل والتطبيق بما يتلاءم مع المتبدّل من الظروف والأحوال.
هناك إختلاف جوهريّ بين ما يقول به دعاة وحَمَلَة النظرية التقليدية في الفقه، وما يقول به أصحاب النظرية الحديثة. لكنّ ما جرى ويجري في العالم العربي، وبخاصة الانتشار الواسع للفكر الوهّابي والحركات الأصولية والدعم المادي والاعلامي المتوافر لهذا النشاط، ولا ننسى الدور الذي لعبته وتلعبه باكستان في ذلك وبخاصة رعايتها لطالبان، كل ذلك لا يوحي بانحسار النظرية التقليدية لصالح النظرية الحديثة.
جميع الاديان هي من المكونات الثقافية الهامة في المجتمعات التي تعتنقها. فالدين يخلق نماذج هي ليست إنعكاسا للواقع وإنّما نماذج لتكييف الواقع. وهذه نماذجُ لا يمكن اختراقُها بالتجارب الحسّية وإنما فقط من خلال التأويل والتفسير. والدين يحتوي مفاهيم عامة للوجود هي جوهرية بالنسبة للمؤمن في جماعة دينية معيّنة.
وبما أنّ المفاهيم والرموز الدينية لا يمكن اختراقها وفهمها عن طريق إخضاعها للتجارب الحسّية والعلمية، وإنّما من خلال التأويل والتفسير، فإننا نرى دور الانسان في تكييف المفاهيم الدينية وإخضاعها لمحدودية فهمه، على الأقلّ فيما يتعلّق بتأثير الدين على السلوك البشري وخلق الثقافة الاجتماعية. فمن غير المعقول، مثلا، أن يكون الاختلاف وأحيانا التناقض في التأويل والتطبيق للمفاهيم الدينية والحقائق القطعية التي تدّعيها مختلف المدارس الفقهية والفرق الدينية، من سلفية تكفيريّة تجيز قطع الرؤوس وسبي النساء وتدمير معالم الحضارة، الى تلك التي ترى في الإسلام الدين السمح الرحوم الذي أنزل هداية للإنسانية جمعاء، هي جميعها انعكاس لإرادة الله الواحد الأحد فيما أنزل. وأن تكون جميع المذاهب السنّية والشيعية وجميع الفرق الدينية التي تدعي الإسلام، على ما بينها من اختلاف وتناقض، هي التعبير الدقيق عن مشيئة الخالق في فهم ماهيّة الاسلام. وما يقال في الاسلام ينطبق على المسيحيّة تاريخيّاً وربما بشكل أشدّ. فالحروب الدينية بين فرق دينية إدّعت المسيحية الحقّة دمّرت أوربا لعقود طويلة، وقضت على أجيال من شبابها ولم تنته إلّا بعد اتفاقية وستفاليا، في القرن السابع عشر، التي ساوت في الحقوق والواجبات بين أفراد المجتمع، بقطع النظر عن انتمائهم الطائفي، ووضعت حدّا لتدخل السلطات الدينية في شؤون الحكم.
ما تجدر ملاحظته في الخطاب السياسي الذي يستظلّ الدين هو أنّ الإنسان يلعب دورا أساسيا في تقرير وظيفة الدين في حكم المجتمع، لكن خلافاً لما هو الحال بالنسبة لمسآلة ومحاسبة وإقالة صاحب القرار في الحكم المدني، فإنّ حامل الخطاب السياسي الديني، مهما كان محدود القدرات الفكرية، كثير الأخطاء والأضرار فيما يدعو إليه، فإنّه يعطي خطابه قدسيّة ونفسه عصمة من الخطأ وحصانة من المسآلة. فهو ناقل لمشيئة الله عزّ وجلّ.
ولعلّ من أكبر التحدّيات التي تواجه حَمَلَة خطاب الحكم ذي الركائز الدينية، في مجتمع تعددت فيه المذاهب والطوائف وينشد الوحدة بين جميع مكوّناته البشرية، هو التوحّد حول تصوّر محدّد ومتفق عليه للقواعد والمبادئ والتشريعات التي يجب اختيارها لحكم المجتمع. الفئات التي تحمل الخطاب الديني وتعارض الواقع الكاسح للحكم المدني في العالم العربي، والذي أصبح من سمات الحكم في العالم أجمع، إنّما تعاند واقعا باسم تراث مناقض للواقع وسابق له. لا بأس هنا بالعودة، ولو باقتضاب شديد، الى منشأ الحكم المدني في العالم العربي لنكون على بيّنة من الواقع الذي نحن فيه ونبغي علاجه.

حتّى منتصف القرن التاسع عشر، كان العالم العربي يغطّ في سبات عميق علميّا وسياسيا وحضاريّا، وكان في معظم أقطاره جزءاً تابعا للسلطنة العثمانية خاضعا لأدوات الحكم فيها التي أساسها سلطة إستبداديّة مطلقة تربطها بجسمها علاقة تقرير وإلزام مطلقين، وهذا لا يناقض ما قالت به غالبية الفقهاء الاسلامييّن.
والسلطنة العثمانية، وحتّى أنظمة الخلافة الأخرى التي عرفها العرب، قبل أن يخرج الحكم من أيديهم، هي سلطة ذاتية لا تعرف الديمومة إلاّ لرأسها أو تسلسل رؤسائها بالأصالة أو بالتغلّب. أمّا أدواتها اليومية كالوزراء والحجّاب فهم طارئون معرّضون في كل لحظة للتسريح من الخدمة أو القتل.
التحوّل الهام الذي حصل لصالح الحكم المدني في المناطق العربية الخاضعة للحكم العثماني جاءت به دولة التنظيمات العثمانية في القرن التاسع عشر. فدولة التنظيمات تختلف عن جميع أنظمة الحكم السابقة لها بأنّها رمت الى اختراق المجتمع وهدفت الي تحويله تبعا لأفكار الدولة الحديثة ذات الهيمنة الثقافية والصلة السياسية بمواطنيها، وكانت وسيلتها في تنفيذ هذه المهمّة إدخال إصلاحات جوهرية في مجالي التربية والقانون وعلى أسس جديدة خارجة عن سلطة ما سلف من مؤسسات قام عليها أرباب الهيئة القضائية الدينية.
وقد كان لاحتكاك نخبٍ عربية بالفكر السياسي الأوربّي، والمؤسسات العلمية والقانونية الأوربّية، أثر هام جدّا في ما عرف بعصر النهضة العربية، وفي عمليّة التحوّل التي رافقت عمل دولة التنظيمات وبخاصة في مجالي التعليم والقانون. وبما أنّ القانون هو من أفعل وأرقى وسائل التغيير السياسي والاجتماعي، فقد كان للتحوّل القانوني والقضائي في ظل دولة التنظيمات، دور هام جدّا في إدخال قيم ومؤسسات الدولة الحديثة وتهميش سلطة المؤسسات الدينية.
فقد ظهر ذلك في إنشاء جهاز قضائي مستقلّ وخارج عن سلطة الهيئة القضائية الدينية، وفي تبنّي قوانين أساسية ذات أسس منفصلة تمام الانفصال عن علم واجتهاد الهيئة الدينية وتراثها. وكانت هذه القوانين في كثير من بنودها تختلف، وأحينا تتناقض، مع أحكام الشريعة.
فقد أخذ قانون العقوبات العثماني للعام ١٨٤٠، (والذي اعتمد قانون العقوبات الفرنسي بصورة رئيسية)، كأحد مصادره الأساسية بمبدأ “لا جريمة ولا عقوبة بلا نص” . ثم ألغى عقوبة الرجم في الزنى، وقطع اليد في السرقة، وألغى الردّة كجريمة، متيحا، ولأول مرة في تاريخ الاسلام، إحدى الضمانات اللازمة لتقرير الحريّات الأساسية.
ولعلّ التحوّل الأهمّ لمصلحة الحداثة والحكم المدني، الذي حصل في ظلّ دولة التنظيمات، هو التطوّر الأساسي الذي أُدخل على برامج التعليم والتربية وذلك في بناء المدارس ودور العلم، وفي إدخال العلوم الطبيعية والرياضيات وسواها من المواد نقلا عن برامج المدارس ودور العلم الأوربية، مواد لم يكن لها وجود في برامج التعليم في العالم العربي التي كانت في مجملها تتمحور حول تدريس اللغة العربية والعلوم الدينية.
دولة التنظيمات أورثت فاعليّتها الحداثية لما تلاها من دول في فترات الاستعمار والانتداب والاستقلال، وكانت التربية والمؤسسات القانونية من الأدوات الأساسية في عقلنة وعلمنة الحياة تحت رعاية الدولة، مدفوعةٌ بمنطق يسم جميع الدول الحديثة. فجاءت الدولة العربية بعد الاستقلال مدنيةً بامتياز، بالرغم من نصّ بعض الدساتير على كون الإسلام دين الدولة، ولم يكن لهذا النص أي واقع فعلي أو تأثير هام.
ليس العالم العربي مرتَهَناً بالتجربة الأوربية، وإن كانت محرّكة للتاريخ الحديث. وهو ليس ملزما حدود تجاربها التاريخية. لكنّه جزء من مشروع تاريخي كوني يتجاوز حدود الغرب. مسيرة التاريخ الكوني آيلة الى عقلانية مدنية. ومسيرة التاريخ الاجتماعي والثقافي العربي محكومة بهذا المسار، على الرغم من الصراعات الطبيعية التي تستثيرها هذه المسيرة مع القوى التي ترى مصلحة لها في إستغلال الدين والمؤسسات الدينية.
لقد اخترقت الثقافة العقلانية المدنية، من خلال دولة التنظيمات وما تلاها وأخذ عنها من دول، المجتمع العربي التقليدي. وما قام به محمّد علي في مصر من تطوير وتحديث لكافة مؤسسات الدولة، جدير بالملاحظة والاهتمام من قبل كلّ من يرغب الاطلاع على الدوافع والانجازات التي حققها تبنّي مؤسسات وقيم الدولة الحديثة. وكان كلّ ذلك تعبيرا عن التفوّق الحضاري والتاريخي لثقافة الدولة الحديثة على ثقافة المجتمع التقليدي، ولارتقاء تنظيماتها على تنظيماته، ولتقدّم عالميتها علي محليّته، ولمواءمة مرجعيّتها الفكرية والعلمية لتطوّر العصر.
وقد كان لكلّ ذلك أثرٌ هامٌ على الحقبة الوطنية ودورِها في التحرّر من الاستعمار الأجنبي، والتي امتازت بثقافة مدنية علمانية، فانتشرت مبادئ سياسية ليبرالية وقومية مع بوادر انتشار للماركسية، وانتشر الاهتمام بكافة العلوم والأبحاث العلمية.
والجدير بالذكر هو أنّ إبّان فترة التحرر من الاستعمار، لم يكن التطرّف الاسلامي الخيار التلقائي والطبيعي للعرب والمسلمين. بل إنّ الخطاب القومي هو الذي كان سائدا والقوميّون هم الذين قادوا التجمّعات العربية الى الاستقلال، وليس الدين والحركات الدينية. كان القوميون أباء الوطنية لعقود وكانت الأنظار تتجه نحوهم. لم يكن هؤلاء القوميون علمانيين مثل اتاتورك، ولكنّهم لم يلجأوا إطلاقا الى الخطاب الديني. فدولة الاستقلال كانت مدنية الأسس والقوانين بامتياز، وكانت كذلك حاضنة للحرية الدينية وحامية لها. ونحن اليوم نرى العالم العربي يتخذ وجهة تراجعية معاكسة للتاريخ فيها خروج للثقافة الدينية عن هامشيتها التاريخية في القرن العشرين، ومحاولتها تبوّء مواقع مركزية في السياسة والثقافة العربية واستثناء ما عداها، ومنها تحوّل الدولة عن موقع التفوّق على المجتمع التقليدي، الى موقع القيادة نحو التخلّف وربط الثقافة العربية الجديدة بالاسلام النفطي ووسائل اتصاله وإعلامه الضخمة. ويقيني أنّ نموّ الاقتصاد الريعي، الحليف الأساسي في تنمية آفة الفساد، يلعب دورا أساسياً في الدفع إلى هذا المنحدر.
يقول عزيز العظمة، وأشاركه الرأي، “ ليس الارتهان بالمواقف الاسلامية نادرا في تاريخنا الحديث، ولو كان متناميا في السنوات الأخيرة بفضل أصداء الاسلام السياسي، فهو في أغلب الأحوال مرتبط ارتباطا أكيدا باستقالة العقل التاريخي: فالعقل التاريخي أساس كلِّ ترقٍّ، وعنصرٌ بنيويٌّ جوهري لإقامة مجتمع معاصر”.
(العلمانية من منظور مختلف ص 310 )
أرجو أن لا يخامر أحداً شك في احترامي وتقديري للأديان جميعاً، وبخاصة الدين الاسلامي. فأنا لا أرى علّة في الإسلام أو في سواه من الأديان إطلاقا، وإنما في الذين يستغلّون الدين ويأوّلون تعاليمه، قولا وسلوكاً، بما لا يعود بخير على المسلمين وغير المسلمين وفي أحيان عديدة بما يشوّه صورة الاسلام في أذهان عقلاء البشر.
فكما أنّ للدين تأثيرٌ بالغ في سلوك الإنسان وتكييف الثقافة الاجتماعية، كذلك للإنسان تأثير هام في تظهير الصورة، وتقرير الدور الذي يلعبه الدين في المجتمع. فالمجتمعات الحيّة المبدعة تنعكس في دين حيّ مبدع، والمجتمعات التي لا حياة فيها تنعكس في دين لا يتتطوّر، ويثور على كلّ تطوّر. فلو نظرنا الى منشاء الفرق السلفية التكفيرية، والتي تعتمد العنف والإرهاب وسيلة لبلوغ أهدافها، نرى أنها إنطلقت من مجتمع هو من أكثر المجتمعات العربية تخلّفا وفساداً وتعلّقاً بتقاليد بدائية بالرغم من ثروة طائلة وإمكانيات مادّية هائلة. وهي من أقلّها قبولاً بالمشاركة الشعبية في الحكم، واحترام حقوق الانسان، وإرساء قواعد العدالة ومؤسسات وقيم الحكم الديمقراطي. والفرق التكفيرية هي وسائل تمزيق للنسيج الاجتماعي العربي، ومن موانع الوحدة التي فيها قوّة المجتمع ومناعته. يمكن أن نلاحظ بدقّة أنّ الخطاب الديني السياسي يتناقض مع الخطاب القومي العربي لاختلاف جوهري حول مفهوم الأمّة في الخطابين. ولأنّ نموذج المجتمع القومي والدولة القومية مبني على فرضيّة أنّها تشكل أمّة تجمعها قواسم مشتركة وقيم ولغة تبرر وجودها كدولة مستقلّة. فإنّ من أهمّ مميزات الخطاب القومي هو العمل من قبل حَمَلَة هذا الخطاب، وكذلك سياسة الدولة القومية، على تنمية هويّة تشدّ اليها جميعَ شرائحِ المجتمع، وخلقِ ثقافة مشتركة تربط جميع المكوّنات الاجتماعية. فعندما تكون بعض عناصر الدولة القومية غير متوافرة بشكل جازم لدى بعض الشرائح الاجتماعية، ماقد يؤثّر على وحدة المجتمع وتطوّره، تلجأ الدولة القومية الى تبنّي سياسات تضمن توافرها، كأن تفرض برامج خاصة لتعليم اللغة، أو فرض مناهج موحّدة في مراحل التعليم الابتدائي وسواها. بينما علّمتنا التجارب في العالم العربي أن انتشار الخطاب السياسي الديني يَنزِعُ الى تفكيك المجتمع الى طوائف ومذاهب وأديان تودي بوحدته وتغري الأطراف الخارجية ذات المصالح المعادية للمصلحة العربية لزرع الفتن وحصاد ريعها.
والأدلّة على ذلك في الزمن الذي نعيش فيه تكاد لا تحصى. ففي العراق لم يفعل سلاح الجوّ والقوّات الأميركية ما فعله الخطاب الديني المذهبي في تفكيك المجتمع والقضاء على وحدته ومناعته، وتمكين أطراف خارجية من بلوغ مآربها فيه. والخطاب الديني المذهبي هو السلاح الأفتك في الحرب الدائرة في سوريا وعليها.
ولو حاولنا القيام بعمليّة مسح للدول التي تعاني من إضطرابات أمنية تهدّد وحدة المجتمع وسلامته، وأمعنّا النظر في أدوات العنف والدمار الداخلية والخارجية، ووسائل التفكك الاجتماعي بوجه عام، لوجدنا ما يلي:
1) ليس بين القوى الفاعلة على الأرض، والقوى الراعية لها تمويلاً وتسليحا وتسهيلاً لمهمّاتها التدميرية، من يهدف الى، أو يدّعي القيام بما يخدم، مصلحة عربية، ناهيك بأنّ ما يقومون به فعلاً يخدم في معظم الأحيان مصلحة إسرائيلية دون أدنى شكّ. وتُظهر إسرائيل تقديرا لهذه الجهود فتقدّم خدماتها الصحيّة والعسكرية لإنجاح هذه الجهود.
2) معظم، إن لم يكن جميع القوى التي لجأت الى العنف، أكانت داخلية أم مستوردة، تعمل تحت راية دينية مذهبيّة، وتستمدّ شعاراتِها وبرامجَها من خطاب ديني مذهبيّ لا علاقة له بمطالب وأماني الشعوب في الإصلاح السياسي.
3) الدول الخارجية، وبخاصة الإقليمية، عربية وغير عربية، التي ترعى وتساعد في عملية الدمار، تقوم من خلال وسائل إعلامها الهائلة بنشر خطاب ديني مذهبي يهدف الى تمزيق النسيج الاجتماعي في الدول المعنيّة، وفي الوطن العربي على وجه العموم، وتحصر مساعداتها في التمويل والتسليح والتدريب وتجنيد الأجانب وتسهيل وصولهم إلى ساحات القتال العربية، تحصرها بالمنظمات التي تحمل خطاباً دينياً مذهبيّاً، وتعمل من أجل تحقيق أهداف مستوحاة من هذا الخطاب.
4) ليس بين القوى الفاعلة على الأرض، والتي توسّلت العنف لتحقيق أهدافها، من يدّعي العمل من أجل تحقيق أيّ من أهداف الشعوب العربية التي انتفضت بغية تحقيق إصلاحات جوهريّة في الحكم، الذي تريده ديمقراطياً يفرض حكم القانون، ويضمن الحقوق والحرّيات الأساسية لجميع المواطنين، ويحارب الفساد بفعالية.
ونلاحظ كذلك أنّ المنظمات التي تحمل الخطاب الديني التكفيري، ومعظمها من مشتقّات القاعدة، والتي تقاتل في سوريا والعراق، ترفض أي حلّ سياسي للحرب الدائرة وتؤثر الاستمرار في هدر الدم العربي والدمار ومراكمة المآسي.
من الصعب جدّا أن نجد في نشاط التنظيمات التي تحمل الخطاب الديني أو المذهبي مصلحة عربيّة فيما يتعلّق بوحدة الصفّ أو الانصهار الاجتماعي، أكان علي الصعيد المحلّي أو القومي. حتّى التنظيمات التي قدّمت خدمات أمنية جلّى، مثل حزب الله الذي قام بجهود جبّارة، وقدّم تضحيات كبرى في تحرير لبنان وضمان أمنه من الاعتداءات الاسرائيلية، والذي دافع ويدافع عن الحقّ العربي في فلسطين، وبالرغم من أنّه لا يحمل آفكارا تكفيرية تدعو الى الغاء الآخر، لا بل إنّه أظهر حكمة فائقة في العمل على وأد الفتن الطائفية في لبنان، إلّا أنّه بسبب كونه يعمل تحت راية دينية مذهبيّة قد سهّل مهمّة أطراف دولية وإقليمية ومحلّية في تأليب العديد من سنّة لبنان والعالم العربي عليه، واستعدائه في كلّ ما يفعل، وصولاً الى تعميق الشرخ في البنية الاجتماعية اللبنانية وتوسيع الهوّة المذهبية بين سنّة وشيعة في العالم العربي.
من العلل الأكثر ضرراً في الخطاب الديني هي أنّه يدفع الى تنمية هويّات فرعيّة هي من معوّقات نموّ هويّة وطنية أو قوميّة جامعة. فهو على نقيض الخطاب المدني، الوطني أو القومي، يعمل على تفكيك المجتمع. فبينما القومية بطبيعتها هي إيديولوجية ترتكز على فرضية أنّ ولاء الفرد وإخلاصَه للدولة القومية يفوق ولاءه وإخلاصه لأيّ فرد أو منظومة بشرية في المجتع، يعمل الخطاب الديني، كما شاهدنا ونشاهد في العالم العربي، على تنمية ولاءات لتنظيمات، على شكل مذاهب وطوائف، تتقدّم على الولاء للدولة المدنية الحافظة للمجتمع بكافة شرائحه البشرية، والعاملة على أمنه ووحدته وتحقيق مصالح جميع أفراده.
الخطاب الديني لا يؤمّن حاجة المواطن العربي للأمن، وهي من أهمّ الحاجات البشرية، أكان علي الصعيد المحلّي في إطار الدولة الاقليمية أو علي الصعيد القومي. بل على العكس من ذلك فهو من عوامل الشرذمة التي تذهب بقوّة المجتمع ومناعته وتضعفه في مواجهة التحدّيات الأمنية داخلية كانت أم خارجية. في حين يعمل الخطاب الوطني أو القومي، المدنيّ العقلاني بطبيعته، على جمع وتحفيز جميع طاقات المجتمع للدفاع عن جميع مصالحه الأمنية وسواها.
وما يقال عن الخطاب الديني والطائفي/ المذهبي بشأن المصالح الأمنية العربية ينطبق وربّما بشكل أشدّ علي المصالح الاقتصادية للفرد والمجتمع العربي. فالتشرذم الاجتماعي وإهمال الحلول القومية لمواجهة التحديّات الاقتصادية هو نوع من التغرّب عن العقل والعلم وما يفرضه المنطق في بناء اقتصاد متين، حيث تستثمر جميع الثروات الطبيعية والبشرية المتوافرة في العالم العربي، وتفعّل في خدمة المواطن العربي أينما وجد.

أمّا تطلّع المواطن العربي للانتماء الى مجتمع تُحفظ فيه الحقوق وتمارس الحريّات الأساسية من قبل كل مواطن، مجتعٌ يشعر فيه الانسان أنّه سيّدُ مصيره، قادرٌ على إطلاق طاقاته الخلّاقة نحو التطوّر العلمي في وطنه، ومفاخرة الأمم الأخرى، وفرض احترامه عليها جميعاً. فما علمنا وشهدنا من قول وسلوك دعاة الخطاب السياسي الذي يستظلّ الدين يؤكّد لنا أن ما يدعو إليه ليس الطريق الى ذلك. ولا بدّ لنا من مواكبة المسار العالمي في التطّور العلمي والاجتماعي والسياسي، والتزام منهج عقلاني تاريخي في التفكير.
ليس الهدف أن ننسى الدين أو المذهب أو الطائفة التي ننتمي إليها، ولكن يجب علينا أن ننظر بدقّة أكبر إلى من نحن في ضوء الواقع الذي نعيش فيه. وبالنظر لما نعاني وما نحن فيه، تبرز عدّة أسئلة هي لا شكّ في ذهن الكثيرين منّا: كيف سيكون المستقبل؟ هل سيكون استجابة لآمالنا أو تحقيقاً لما نعاني من كوابيس؟ هل سيكون صنيعة الحرّية المستنيرة أم إنتاج ظلامية العبوديّة والجهل؟ هل سنبقى أسرى غرائز بدائية ويبقى العقل معطّلاً فينا والربط بين الجهد والنتيجة مغيّبا في حياتنا؟ اعتقادي الراسخ هو أنّ المستقبل ليس مكتوبا علينا، وإنّما هو المستقبل الذي نستحقّ، أي المستقبل الذي نصنعه نحن.
----------------------------------
أستاذ في القانون - جامعة جورجتاون في واشنطن
(نص ورقة القيت في ندوة "مركز الحوار العربي" - ٧ كانون الثاني/يناير ٢٠١٥)
 

الإسلام وأخلاقيات الحرب

وجيه البعيني
(باحث لبناني)
لم يخرج المسلمون في فتوحاتهم الإسلامية تعطشاً للقتل وسفك الدماء، بل بهدف نشر دين التوحيد وبسط السلم والعدالة والتسامح. وقلما وردت في القرآن الكريم وفي قواعد الشريعة عبارة « إقتلوهم»، بل تكررت عبارة «قاتلوهم»، حيث أن الألف تفيد التبادلية، بمعنى مقاتلة من هيأ نفسه للقتال قولاً او فعلاً. أما أولئك الذين ينشدون السلم فيجب تحييدهم ومعاملتهم بكل إنسانية ورقي. الأمثلة كثيرة على ما نقول، ونورد بعضها، على سبيل المثال لا الحصر.
عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه إذا أرسل جنده للقتال، أوصاهم قائلاً: إنطلقوا باسم الله وعلى بركة الله. لا تقتلوا شيخاً فانياً، ولا طفلاً، ولا امرأة. ولا تغلوا، وأصلحوا وأحسنوا، إن الله يحب المحسنين. كذلك كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يوصي جنده بتأليف الناس، وعدم تنفيرهم بالقتل، قائلاً لهم: «تألفوا الناس وتأنوا بهم. ولا تغيروا عليهم حتى تدعوهم. فما على الأرض من أهل مدر ووبر. ألا أن تأتوني بهم مسلمين أحب إلى من أن تأتوني بأبنائهم ونسائهم وتقتلوا رجالهم».
وعلى هدي الرسول الكريم، سار الخلفاء الراشدون. فعندما أرسل أبو بكر الصديق (رضي الله عنه) أسامة بن زيد على رأس أول جيش إسلامي الى سوريا، إثر وفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم)، أوصى الجند قائلاً: لا تخونوا ، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلاً صغيراً، ولا شيخاً كبيراً ولا امرأة، ولا تقتطعوا نخلاً، ولا تحرقوه، ولا تقتطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ، ولا بقرة ، ولا بعيراً إلا لمأكلة. وسوف تمرون على قوم فرغوا أنفسهم في الصوامع، فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له».
من جهة أخرى، بعث أبو بكر (رضي الله عنه) يزيد بن أبي سفيان على رأس جيش، فخرج معه وهو يقول: «إني موصيك بعشر فاحفظهن: أنك ستلقى قوماً زعموا أنهم فرغوا أنفسهم لله في الصوامع. فذرهم وما فرغوا أنفسهم له... ولا تقتلن مولوداً، ولا امرأة، ولا شيخاً كبيراً، ولا تعقرن شجراً بدأ ثمره، ولا تحرقن نخيلاً، ولا تقطعن كرماً، ولا تذبحن بقرة، ولا شاة، ولا ما سوى ذلك من مواشي إلا لمأكلة»
وعن عمران بن الحسين، رضي الله عنهما، أنه قال «ما خطبنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) خطبة إلا أمرنا بالصدقة، ونهانا عن المثلة. حتى الكفار إذا قتلناهم لا نمثل بهم بعد القتل، ولا نجدع آذانهم وأنوفهم، ولا نبقر بطونهم، إلا أن يكونوا فعلوا ذلك بنا فنفعل بهم ما فعلوا بنا. والترك أفضل، كما قال الله تعالى».
وحول احترام الإسلام للآخر المغاير، نذكر أن الخليفة عمر بن الخطاب عندما وصل الى القدس، دعاه البطريرك صفرونيوس لتفقد كنيسة القيامة، فلبى دعوته. وأدركته الصلاة وهو فيها. فالتفت الى البطريرك وسأله» «أين أصلي؟» فأجابه البطريرك:» صلِّ مكانك». فأجاب عمر:» ما كان لعمر أن يصلي في كنيسة، فيأتي المسلمون من بعدي ويقولون هنا صلى عمر، ويبنون عليه مسجداً». ومن ثم ابتعد عن الكنبسة رمية حجر، وفرش عباءته وصلى. وجاء المسلمون من بعده وبنوا في المكان الذي صلى فيه مسجداً سمي بمسجد عمر.
من ناحية أخرى، لم تهمل السنة الشريفة ولا الشريعة الإسلامية إيلاء العناية الخاصة بالجرحى والمرضى، حتى بين صفوف الأعداء، والأسرى. ففي الحديث النبوي الشريف أن النبي الكريم قال في فتح مكة: « ألا لا يُجهزن على جريح، ولا يُتبعن مدبِر، ولا يُقتلن أسير، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن».
أما وثيقة المدينة، التي أبرمها الرسول الكريم مع أهل يثرب (المدينة المنورة)- حين هاجر إلىها مع أنصاره- فتعتبر أول دستور مدني مكتوب في تاريخ الدول. أقول دستوراً مدنياً لأنها جعلت المسلمين مع المكونات المجتمعية الأخرى في يثرب سواسية في الحقوق والواجبات. فقد نصت الوثيقة على تنظيم العلاقات بين مواطني المدينة، وجمعتهم في حلف واحد، حيث ضمت هذه الوثيقة- او الصحيفة- مواطنين من ديانات مختلفة: المسلمون من مهاجرين وأنصار، وأهل الكتاب من اليهود، وما تبقى من مشركين. وبالتالي، تشكل نوع من المواطنة على أساس الولاء للدولة عن طريق العهد، وليس عن طريق وحدة العقيدة او وحدة الجنس او العنصر. وفي ذلك دلالة على التسامح مع الآخر المغاير، حيث أعطاه الإسلام من الحقوق وأوجب عليه من الواجبات ما للمسلمين وما عليهم. وليس أدل على هذا التسامح من موقف النبي (صلى الله عليه وسلم) حين رأى يهود بني قريظة موقوفين في العراء في ظهيرة يوم قائظ. فما كان منه إلا أن خاطب المسلمين المكلفين بحراستهم قائلاً: «لا تجمعوا عليهم حر الشمس وحر السلاح وقيّلوهم واسقوهم حتى يبردوا». كما أنه نهى عن تعذيبهم. فالأسير أصبح فاقداً للحول والقوة وتجوز عليه الرحمة والتسامح كالطفل والعاجز واليتيم. ولنا في الآية الكريمة عبرة في هذا المضمار: {ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً} (الإنسان/ 8)، مما يعني أن الله تعالى قد وضع الأسير في منزلة اليتيم والمسكين المجرد من أية قوة.
أما فيما يتعلق بالمظالم المرتكبة بحق غير المسلمين، فهي مظالم تطال أتباع من ورد ذكرهم مرات ومرات في القرآن الكريم. فقد ورد ذكر موسى (عليه السلام) 136 مرة، في حين ورد ذكر عيسى (عليه السلام) 25 مرة . وبالتالي، فإن إلحاق الأذى بأتباع هذين النبيين، هو مخالفة لتعاليم القرآن الكريم وكفر بالله تعالى.
وبعد! أين من الإسلام أولئك الذين يذبحون ويقتلون الأبرياء، ويدمرون دور العبادة باسم الإسلام، علماً بأن الإسلام هو دين الوسط، دين التسامح ودين احترام الآخر؟
 

فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة

المال العربي
فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة
أ.د/ طه جابر العلواني*
نشرت الأنباء أنَّ ليبيا على وشك الإفلاس التام، وأنَّ هناك مائتين وعشرين مليار دولار قد تم تهريبها إلى حسابات في سويسرا وبريطانيا وأمريكا وهولندا، وأنَّ عمليَّات استرداد هذه المبالغ ليست سهلة، وأنَّها تستغرق سنين، وأنَّ احتمالات فقدانها بشكل نهائي أمر يكاد يكون هو الراجح، هذه ليبيا التي كانت تمول وتقرض وتتبرع بالمليارات لكثير من البلدان الأفريقيَّة وغيرها، لم تكن تتوقع أن يأتي يوم تجد نفسها فيه مهددة بالإفلاس، ولكنَّها بلغت هذا الحد وفي سرعة قياسيَّة، وقبلها العراق الذي نهبت أمواله بشكل علني واضح، فقد كانت الصناديق تملأ بالذهب حتى لو أخذ من المتاحف العراقيَّة، وبأموال البنك المركزي، وبالعملات المختلفة لتذهب إلى الخارج، ولم يكن النهب قاصرًا على أصحاب المراكز والمناصب العليا، بل وصل إلى مستوى الجند العاديين، والموظفين الصغار، وصار أبناء البلاد ملايين من المتسولين في الداخل وفي الخارج، منهم من يجمع قوت وجبته من صناديق القمامة، أو أكداس النفايات، أو ما شاكل ذلك.
وكنت قد كتبت أكثر من مرة مقالات حول ما في باطن الأرض أهو نعمة أم نقمة، وبعد ظهور هذه الحالات في العراق وليبيا وغيرهما ترجح لدي أنَّها نقمة، فقد جلبت إلينا ذباب الأمم في شكل محتلين وخاطفين ولصوص وسارقين، وجعلتنا موضع طمع لسائر أصحاب المطامع، وعرضة لاحتلال المحتلين، ومطلبًا لأهل الإجرام، والمدمرين، وانتشرت الجراحات النفسيَّة بين أبنائنا وأجيالنا الصاعدة وشبابنا وهم يرون كيف تسرق الشعوب، وكيف تزيف إرادتها، وكيف يستبد بها سراقها والمعتدون عليها، وكيف وكيف ولما ولماذا، ولا يملكون جوابًا شافيًا عن أي تساؤل من هذه التساؤلات.
لو أنَّ الذين كانت لديهم مصادر تلك الثروات كانوا عقلاء بما يكفي، ولديهم إخلاص للأمَّة، وانتماء حقيقي إليها؛ لوظفوا تلك الأموال في إحياء مواتها، وإعمار خرابها، واستثمار ترابها، وخيراتها، ولأسسوا لما بعد البترول، الذي ظن كثيرون منهم أنَّه لن ينضب، وما دروا أنَّ النضوب قد يحدث لا بالطريقة التقليديَّة بل بطرق أخرى غير تقليديَّة، فمنها طرق التلاعب بالأسعار بالرفع والخفض بمقتضى مصلحة أو مصالح الأذكياء المستغلين الخبراء في التلاعب بثروات الشعوب.
إنَّ بلدان عربيَّة مسلمة كثيرة وأفريقيَّة جارة عزيزة وأسيويَّة تحفى أقدام قادتها وهم ذاهبون آيبون للاقتراض من هذا البنك أو ذاك، ومن هذا البلد أو ذاك، يقرضهم من يقرضهم، ويمنعهم من يمنعهم، فإذا أقرضوا كان القرض بربا يفوق ربا الجاهليَّة، فهو أضعاف مضاعفة، وكميات متراكمة، تضطر الدول الفقيرة أو المحتاجة إلى اقتراضها بكل تلك الشروط المجحفة، التي تصل أحيانًا إلى حد تغيير نظم حياتها، وتتقبل ذلك، وتخضع له مكرهة للحصول على حفنة من النقد والعملات الصعبة كما يسمونها، وما أصعبها.
ولم نجد أحدًا يعتبر أو يأخذ درسًا مما يحدث، فالشياه تمشي تباعًا نحو المذبح، لا تسأل الخالف عما حدث للسالفة، وما تزال الشياه سائرة في ذات الاتجاه، لا تدري ما الذي يحدث وإذا درت تغافلت، تفرح بما يفرح الطفل به من اللعب، والقروش القليلة التي قد يقدمها إليه والداه، والمسلمون يتفرجون، والبعض ينظرون من طرف خفي إلى ما يحدث لأموال الأمَّة وخيراتها، وكيف تسرق لتكدس فيما يعرف بالبنوك الخارجيَّة، ثم تذهب، فلا ربحها سُرَّاقها من الفاسدين والمرتشين واللصوص، ولا استفادت بها شعوبها، ثم تجد شعوبها نفسها قد افتقرت بعد أن كانت غنية، وساءت حالتها، وقلَّت مواردها، وشابهت من كانت تتصدق عليه، بل ربما بلغت أسفل من ذلك الحد.
إنَّ درس العراق ثم الدرس الليبي نتمنى أن يكون درسًا مؤثرًا وفعالًا وأخيرًا لأولئك الذين شاهدوا ما حدث للبلدين، وما قد يحدث لغيرهما، ترى لو أنَّ لأهل الإيمان نظرًا بعيدًا ورؤية مستقبليَّة وخبرة كافية بالذين يتعاملون معهم هل حدث هذا؟ لو أن َّكل بلد من البلدان التي ظهرت فيها تلك الثروات وأخرجت أرضها أثقالها من المعادن النفيسة تكفلت بإنماء بلدين أو أكثر من البلدان المسلمة أو المجاورة، واستثمرت أموالها فيها، هل كانت تخسر ثرواتها بهذا الشكل؟
قبل أسابيع كان برميل البترول بمائة وعشرة دولارات، وفجأة أنزلوه إلى خمسين دولار، وسارعت بعض البلدان إلى خفض نفقاتها، والتضييق على مواطنيها، وفرض الضرائب عليهم، بدلًا من أن تغير سياساتها، فمتى يصحو النائمون، وينتبه الغافلون، ويتعقل المغترون؟
لو كانت هذه الأموال -وقد لا تزال بعض الفرص قائمة- استثمرت في مصر والسودان وبلدان المغرب العربي والبلدان الأفريقيَّة والباكستان وبنجلادش؛ لتحولت كل تلك البلدان إلى جنان، ولحفظ أولئك أموالهم من التلاعب، أو من التدمير في شراء الأسلحة، ثم إثارة الفتن لاستهلاك تلك الأسلحة، إنَّها عمليَّات انتحار، هذه العمليَّات التي نلحظها ونشهدها ونتابع أخبارها، هي أمور في غاية الخطورة، ولكنَّنا نهرب من مواجهة مشكلاتنا إلى إلقائها على أسباب غيبيَّة، وعوامل غير منظورة، لئلا يكون لها تأثير يذكر على ضمائرنا، ولئلا ينبهنا وخزها إلى الهوة السحيقة التي نسير مغمضي العيون للسقوط فيها.
فهل من معتبر؟
-----------
• أ. د. طه جابر العلواني: رئيس جامعة قرطبة سابقا ورئيس جامعة العلوم الإسلاميَّة والاجتماعيَّة سابقاً ورئيس المعهد العالمي للفكر الإسلامي سابقاً
الصفحة الخاصة بالدكتور طه جابر العلواني :
https://www.facebook.com/Dr.Alwani.T.J
 

عصر التطرّف في المناخ والأفكار!

صبحي غندور*
عالم اليوم "تعولمت" فيه مظاهر التطرّف ومشاعر الخوف والكراهية. وربّما يتحمّل مسؤوليّة هذه "العولمة السلبيّة" التطوّر العلمي في وسائل الإعلام وفي التقنيّة المعلوماتيّة، إذْ يبدو أنَّه كلّما اقترب العالم من بعضه البعض إعلاميّاً وخبريّاً، تباعد ثقافيّاً واجتماعيّاً.
عالم العالم لا يعيش الخوف من "الآخر" كإنسان أو مجتمع مختلف في ثقافته أو لونه أو معتقده فقط، بل يعيش أيضاً الخوف من الطبيعة وكوارثها، ومن فساد استهلاك بشرها لخيراتها وثرواتها.
اليوم، يعيش العالم هواجس الخوف من "التغييرات المناخية"، ممّا يهدّد بحالاتٍ عديدة من البرد القارس أو الجفاف أو الطوفان، وممّا سيترك أثراً كبيراً على فصول الاعتدال بالطبيعة (الربيع والخريف)، ويجعل الكرة الأرضية أسيرة تطرف الصيف الحار الحارق أو الشتاء البارد القاسي.
وهذا الاختلال في التوازن الطبيعي للمناخ ساهم بصنعه الإنسان الذي استخلفه الله على الأرض لبنائها وإعمارها والحفاظ عليها، فهي أمانةٌ مستخلفة من الخالق لم يُحسن الإنسان رعايتها.
وما يحدث في الطبيعة والمناخ من تطرّفٍ نراه أيضاً في الأفكار والمعتقدات، حيث يتّجه الناس أكثر فأكثر لتبعية "جماعات نارية" تشعل اللهب هنا وهناك، تحرق الأخضر واليابس معاً، فتذهب ضحية لقيادات هذه الجماعات وأفكارها، نفوسٌ بريئة وأوطانٌ عريقة!
هو عصر التطرّف في المناخ وفي الأفكار، هو عصر العودة إلى "البدائية" بما فيها تقديس "النار" ومُشعليها، بينما الناس هم حطبها ووقودها، والمسؤولية هنا هي على التابع والمتبوع معاً، وعلى المتقاعسين عن دورهم في مواجهة التطرف، وعلى المخالفين لطبيعة الحكمة الألهية في هدف الأختلاف بين البشر، وعلى المستغّلين لأمانة الأستخلاف في الأرض وفي الحفاظ على توازن الطبيعة واعتدالها.
عالم اليوم يخشى من الغد بدلاً من أن يكون كلّ يومٍ جديد مبعثاً لأملٍ جديد في حياة أفضل. شعوبٌ تعيش الخوف من إرهاب ما قد يحدث في أوطانها، وأخرى تعايش الإرهاب يوميّاً حصيلة احتلال خارجي أو تسلّط داخلي أو عبث عنف متطرف ارهابي. مجتمعاتٌ تخاف من "أشباح"، وأخرى تعيش الناس فيها كالأشباح! لكن الجميع يشتركون في الخوف من المستقبل المجهول القادم. وكلّما ازداد الشعور بالخوف، ازدادت مشاعر الكراهية لهذا "الآخر" المخيف!
إنَّ العالم يعيش هذه الحالة السلبيّة تحديداً منذ 11 سبتمبر/2001، حيث كان هذا اليوم رمزاً لعمل إجرامي مدفوع بغضب أعمى لا يفرّق بين مذنب وبريء، كما كان هذا اليوم تبريراً لبدء سياسة حمقاء قادها "محافظون جدد" في واشنطن اعتماداً على تغذية الشعور بالخوف من ناحية، ومشاعر الغضب الموصوفة بالكراهية من الناحية الأخرى.
في عقد التسعينات من القرن الماضي، وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي، كتب الكثيرون من العرب والمسلمين عن خطط إسرائيليّة لجعل "الإسلام" هو "العدو الجديد" للغرب، والبعض الآخر كتب في أميركا والغرب مبشّراً بنظريّة "صراع الحضارات". لكن كانت كلّها كتابات ومجرّد حبر على ورق إلى حين وقوع أحداث 11 سبتمبر 2001 .
إذن، أليس من الحماقة في الأفعال أو الردود عليها، أن تسير الأمور في العالم بهذا الاتجاه الذي جرى التحذير منه خلال عقد التسعينات!! وما هي المصالح العربية والإسلاميّة من تأجيج مشاعر الكراهية أو الخوف لدى هذا الطرف أو ذاك على مستوى شعوب العالم في الشرق والغرب؟!
إنّ التمييز مطلوب بين حالاتٍ ثلاث: التطرّف، العنف المسلّح، والإرهاب. فالتطرّف الفكري والسياسي قد يكون حقّاً مشروعاً لمن يشاء السير فيه من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار .. أمّا العنف المسلّح، فهو محكوم بضوابط دينية وأخلاقية وقانونية على مستوى الدول والجماعات والأفراد، ولا يعني مخالفة طرفٍ لهذه الضوابط أنّ استخدامها بات مشروعاً لدى أيِّ طرفٍ آخر.
وهناك بلا شك مسؤولية "غربية" وأميركية وإسرائيلية عن بروز ظاهرة الإرهاب بأسماء "إسلامية"، لكنّ ذلك هو عنصر واحد من جملة عناصر أسهمت في تكوين وانتشار هذه الظاهرة.
ولعلّ العنصر الأهمّ والأساس هو العامل الفكري/العقَدي حيث تتوارث أجيال في المنطقة العربية والعالم الإسلامي مجموعةً من المفاهيم التي يتعارض بعضها مع أصول الدعوة الإسلامية، ومع خلاصة التجربة الإسلامية الأولى منذ فترة الهجرة النبوية إلى المدينة وصولاً إلى نهاية عهد الخلفاء الراشدين.
ولقد ساهمت الحقبة العثمانية، ثمّ فترة الاستعمار الأوروبي من بعدها، في محاصرة الاجتهاد الإسلامي وفي الابتعاد عن المضمون الحضاري الإسلامي، والاتجاه نحو "حكم العسكريتاريا" الذي بدأه العثمانيون أصلاً بانقلاب الجيش الإنكشاري على الدولة العباسية.
أيضاً، كان للصراعات الدولية الكبرى إسهامٌ واسع في تأجيج ظاهرة التطرّف المسلّح والإرهاب باسم الإسلام. حدث ذلك في كلّ حقبة الحرب الباردة بين موسكو وواشنطن، وكانت حرب "المجاهدين الأفغان" هي الخميرة التي صنعت لاحقاً جماعات "القاعدة" وأساليبها الإرهابية في أكثر من مكان وزمان.
هي كذلك أزمة "هُوية" في مسبّبات ظاهرة التطرّف المسلّح باسم الدين، حينما تضعف الانتماءات الوطنية وتسود بدلاً منها هويّات فئوية بمضامين طائفية ومذهبية ضيقة. ولعلّ بروز ظاهرة "التيّار الإسلامي" بما فيه من غثٍّ وسمين، وصالحٍ وطالح، في مطلع الثمانينات من القرن الماضي، ما كان ليحدث بهذا الشكل لو لم يكن هناك في المنطقة العربية حالة من "الانحدار القومي" ومن ضعف للهويّة العروبية، كحصيلة لطروحات وممارسات خاطئة جرت باسم القومية وباسم العروبة، فشوّهت المضمون ودفعت ببعض النّاس إلى بدائل أخرى بحثاً عن الهويّة وعن قوى الدفع اللازمة في معاركها السياسة والاجتماعية والوطنية.
أيضاً، حينما تسقط الدولة في أيِّ وطن، يهوى الانتماء الوطني الواحد أيضاً لترتفع مكانه انتماءات أخرى هي أقلّ من نسيج الوطنية وأشدّ ارتباطاً بالخصوصيات التي يتكوّن منها أيّ مجتمع.
إنّ مواجهة نهج التطرّف تتطلّب من العرب الارتكاز إلى فكر معتدل ينهض بهم، ويُحصّن وحدة أوطانهم، ويُحقّق التكامل بين بلادهم، ويُحسّن استخدام ثرواتهم، ويصون مجتمعاتهم المعرّضة الآن لكلّ الأخطار.
لكن الفكر المعتدل المطلوب ليس هو بالفكر الواحد في كلّ مكان، ولا يجب أن يكون. فالاعتدال هو منهج وليس مضموناً عقائدياً.
وقد يكون المضمون دينياً أو علمانياً، وطنياً أو قومياً أو أممياً، لا همّ بذلك، فالمهم هو ضرورة اعتماد نهج الاعتدال ورفض التطرّف كمنهاج في التفكير وفي العمل وفي السلوك الفردي أيضاً.
فالاختلاف والتنوع في البشر والطبيعة هو سنّة الخلق وإرادة الخالق، بينما دعاة التطرّف اليوم (وهم أيضاً ينتمون إلى أديان وشعوب وأمكنة مختلفة) يريدون العالم كما هم عليه، و"من ليس معهم فهو ضدّهم"، ويكفّرون ويقتلون من ليس على معتقدهم حتّى لو كان من أتباع دينهم أو من وطنهم وقومهم.
هو فكرٌ كابوسي جاهلي يستفيد حتماً من أيّة شرارة نار يُشعلها متطرّف آخر في مكان آخر، فالحرائق تغذّي بعضها البعض، لكن النار مهما احتدّت وتأجّجت، فإنّها ستأكل في يومٍ ما – عساه قريباً- ذاتها، حتى لو تأخّرت أو تقاعست قوى الإطفاء عن دورها هنا أو هناك.
 ============================
 *مدير "مركز الحوار العربي" في واشنطن