الإثنين 23 تشرين1/أكتوير 2017
TEXT_SIZE

الإرهاب واستهداف منشآت الري في العراق

الكاتب: د.حسن الجنابي*
الجزء الأول
اولا:
احتل الارهابيون سدة الفلوجة على الفرات قبل شهرين وقد فاجأ ذلك الجميع، مسؤولين ومواطنين، ووضعهم امام حقائق لم تخطر ببال احد من قبل. فقد اعتاد الناس الحديث عن "حرب المياه" منذ التسعينيات، وكان يقصد بها حروبا محتملة بين دول تشترك بانهار دولية عابرة للحدود، نتيجة السيطرة غير المسبوقة على الموارد المائية في المنابع واعالي الانهار وزيادة استخداماتها المتنوعة وتلويثها، ما خلق حالة من التنافس بين الدول المتشاطئة لم تألفه من قبل. وعلى خلفية التناقضات السياسية والتوترات الاقليمية والحروب المتعاقبة التي نسبت او ارتبطت فعليا بالصراع على موارد الطاقة، انتشر استخدام مصطلح "حروب المياه" في الصحافة الى درجة كبيرة، نظرا لشحة الموارد المائية المشتركة والافراط في السيطرة على المنابع، وتداول افكار تصدير او استيراد المياه، والغياب التام للاتفاقيات الدولية الطويلة الامد لقسمة المياه المشتركة بين الدول المتشاطئة، فجعل ذلك احتمال قيام الحروب امرا متوقعا.
لكن الارهابيين ذوي العقلية الشريرة المخربة، جعلوا "حرب المياه" حربا داخلية تستخدم بها المياه كسلاح لتحقيق مآرب سياسية واهداف عسكرية، ضاربين بذلك عرض الحائط الحقوق الانسانية والقوانين الدولية واعراف الحروب التي تحرم استخدام او تدمير المنشآت المدنية المائية وتعريض السكان لخطر العطش او الموت.
ثانيا:
سدة الفلوجة هي منشأ هيدروليكي كبيرعلى نهر الفرات، تقع على مسافة (5) كم جنوب مدينة الفلوجة الفراتية، انشئت في العام 1985 للتحكم بمياه الفرات وبالاخص لتأمين ارواء مشاريع استصلاح كبرى تغطي مئات الآلاف من الدونمات تمثل سلة غذاء العاصمة بغداد ومحافظة بابل، وهي مشاريع ابو غريب والرضوانية واليوسفية واللطيفية والاسكندرية، فضلا عن التحكم بجريان نهر الفرات جنوبا، وبالتالي فان تشغيلها بعكس وظيفتها الاصلية، او بقصد الاساءة واحداث الضرر يعرض محافظات بغداد وبابل وكربلاء والنجف والديوانية والمثنى والناصرية والبصرة الى ضغط مائي وغذائي،بل يمثل تهديدا وحرمانا اذ قد يصل درجة العطش المميت في مناطق معينة واغراق مساحات اخرى، تسفر بالنتيجة عن حالة من العطش والجوع والنزوح وفقدان سبل العيش والاستقرار، ويخلق بيئة مناسبة لتفشي حالات الفقر وعدم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، التي تغذي بدورها شروط تمزيق النسيج الاجتماعي وانتعاش الارهاب.
ثالثا:
تضم قائمة البنى التحتية والمنشآت المائية المهددة او المستهدفة من قبل الارهابيين سلسلة من المنشآت الكبرى والحرجة التي تهدد الامن المائي والغذائي في العراق ومنها:
• سدة الرمادي على نهر الفرات وتقع الى الشمال من سدة الفلوجة، وقد انشئت في الخمسينيات للتحكم بجريان الفرات جنوبا اوبتحويل تصريفه الى بحيرة الحبانية.
• سد حديثة، وهو ثاني أكبر سد في العراق بعد سد الموصل على نهر دجلة، أنجز في اواسط الثمانينيات وبامكانه ان يتحكم بجريان نهر الفرات جنوبا الى درجة كبيرة، وتبلغ سعته الخزنية نحو (8) مليارات متر مكعب، اي بحدود 50 بالمئة من معدل جريان الفرات عند الحدود السورية خلال العشرين عاما الاخيرة، ويسهم في توليد الطاقة الكهرومائية التي ترفد العاصمة بغداد بجزء من احتياجاتها للطاقة.
• منظومة بحيرة الثرثار بدءا من سدة سامراء على نهر دجلة، وانتهاءً بمنافذها الى نهري الفرات ودجلة التي تتحكم بها نواظم كبيرة تسمح لبحيرة الثرثار من لعب دور محوري في ادارة الموارد المائية في العراق، في حماية بغداد من الفيضان وفي تحويل المياه بين نهري دجلة والفرات لتعزيز تصريفهما عند الحاجة.
• سد الموصل، وهو أكبر سد في العراق يتسع لخزن (11) مليار متر مكعب من المياه، اي اكثر من (50 بالمئة) من معدل ايرادات نهر دجلة من تركيا، استكمل انشاؤه في اواسط الثمانينيات، ويعاني السد منذ ذلك الحين من مشكلات فنية في اسسه نتيجة انشائه على تكوين صخري غير مناسب، تتسبب باحداث تجاويف وفراغات تحت اسس السد وتعرضه الى
خطر الانهيار خاصة اذا توقفت اعمال التحشية الكونكريتية الجارية منذ اكتمال السد وحتى هذه اللحظة.
رابعا:
يتمثل الخطر الارهابي الهادف للسيطرة على المنشآت المتحكمة بمياه الرافدين، في القدرة على احداث اضرار كبرى تقارب في حجمها التدميري استخدام اسلحة الدمار الشامل. فعلى سبيل المثال يمكن تعريض اجزاء شاسعة من العراق بدءا من شمال بغداد حتى مصب النهرين بالخليج، الى عطش قاتل بنفس الوقت الذي يمكن فيه اغراق المساحات المزروعة والاراضي الخصبة شمال وغرب بغداد، حيث يقضى بها على المنتوج المحلي ويتسبب في افقار فئات شعبية كبيرة تعيش على فلاحة الارض.
اما السيطرة على موقع سد الموصل او عرقلة الصيانة اليومية المستمرة منذ اواسط الثمانينيات للسد، اي منع التحشية الاسمنتية لأسس السد، يقلل من سلامة السد الذي سيحدث في حال انهياره فجيعة كبرى، اذ سيغرق مدينة الموصل والمدن والقرى الاخرى على عمود النهر حتى مدينة بغداد، ويحدث دمارا شاملا بالارواح والممتلكات.
خامسا:
إن جعل السيطرة على منشآت الري هدفا من اهداف الارهاب يطرح تحديات كبرى على الدولة العراقية، اذ انه يعكس بدءا ان لاحدود للمخيلة الارهابية في انتقاء الاهداف المطلوب تدميرها، او استخدامها في النزاعات للحصول على مكتسبات يرجى منها اضعاف الدولة وضرب أسسها، وتخريب النسيج الاجتماعي، وتدمير الشروط الساندة للحياة، وكل ما يسبب الفوضى ويشيع الخوف والرعب في نفوس المواطنين.
اما التحدي الاكبر فهو هشاشة النظام المائي في العراق، الذي كان معروفا بكفاءته، لجهة التحكم بادارته من خلال سلسلة محكمة من المنشآت المدنية التي اقيمت منذ النصف الاول من القرن العشرين وحتى يومنا هذا، بغرض الارواء وتوليد الطاقة والتزود بمياه الشرب والاحتياجات التقليدية الاخرى. فالمنشآت الكبيرة المرتبطة عضويا ببعضها، بحكم وظيفتها، كالسدود والخزانات، لابد ان تتوفر على نظام حماية كاف يمنع سقوطها من يد الدولة مهما كانت الظروف قاسية، لذلك فان سقوطها بيد الارهابيين يخلخل اسس الاستقرار ويضعف هيبة الدولة ويعرض المجتمع الى مخاطر جمة، ويجعل النظام المائي هشا.
من الجدير ذكره ان العديد من المختصين يرون ان افضل طريقة لادارة الموارد المائية هي في الحفاظ على وضعها الطبيعي دون اللجوء الى اقامة المنشآت الكبرى، التي قد تزيد مخاطرها في احيان كثيرة على منافعها، وان التطورات الاخيرة التي تكشف سعي الارهابيين للسيطرة على منشآت الري قد توحي بصحة هذا الرأي، وبغض النظر عن مديات قبول او رفض هذا الرأي، وعدم امكانية تطبيقه في ظروف العراق، اذ لعبت منشآت
الري العراقية ومنذ القدم
دورا بارزا في تقدم البلاد وتحقيق استقراره، لا يوجد خيار
آخر سوى تكثيف الجهد الوطني للحفاظ على ممتلكات الشعب
من سدود وخزانات وغيرها ولمنع وقوعها تحت سيطرة الارهابيين.
الجزء الثاني:
اولا:
تواصل مجموعات "داعش" محاولاتها الرامية لإدامة "دولتها" الظلامية من خلال السيطرة على المنشآت المائية والنفطية في العراق وسوريا، بغرض تأمين موارد مادية كبيرة لبسط نفوذها، وسحق اية محاولة لتحدي سلطاتها القادمة من اعماق التوحش وهمجية ماقبل التاريخ.
وبالرغم من بدائية وهمجية وسائلها في القتل، فهي تلجأ عند تنفيذ جرائمها الى استخدام احدث مبتكرات التكنولوجيا والاتصالات والفيديو ووسائل التواصل الاجتماعي، لنشر الرعب في نفوس السكان المدنيين، واستفزاز مشاعر وقوانين واعراف المجتمعات والدول الاجنبية، عن طريق التنكيل الشنيع بمواطنيهم المختطفين، وقطع رقابهم، وهم مدنيون وصحفيون معروفون، وحيث يلبسون ضحيتهم رداءً نظيفا خاصا تحضيرا لحز رقبته، ويلقون خطبا بلكنة لندنية،ويوثقّون جريمة القتل "اصوليا"، كأنهم يمارسون طقسا احتفاليا يرسلون به ضحاياهم الى الجحيم، فيما هم يحجزون من خلاله مقاعدا لهم في "جنة" متخيلة، ابتكرتها عقول مريضة ومتوحشة،ونفوس غارقة في الجهالة والدموية متخصصة بقتل الابرياء والضعفاء، في ظاهرة لم يسبق للبشرية ان شهدت مثيلا لها، حيث ينحاز مجرمون محليون، ويمنحون افضلية، لمجرمين غرباء قادمين من وراء البحار والحدود، ومن خارج المعايير والنظم والاخلاق البشرية المعتادة، على ابناء وطنهم من النساء والرجال والاطفال، تسبى وفقها العوائل، وتثكل النساء وتسلب الممتلكات وتهدم المساجد والمعابد والكنائس ومراكز الثقافة والتعليم والجامعات وغير ذلك من شواهد.
وفي سعيه لترسيخ نوع "جديد" من الحكم يستمر تنظيم "داعش" في البحث عن موارد له، يمسك من خلالها بعصب الحياة ويتحكم بمصائر السكان، ومن تلك الموارد الحيوية : المياه.
ثانيا:
بالرغم من هزيمتها في موقع سد الموصل، وابعاد شرورها عنه، الا ان "داعش" لم تتخل عن طموحها في السيطرة مجددا على السد الذي يتحكم الى درجة كبيرة بنهر دجلة، الذي تعتمد عليه حياة نصف المجتمع العراقي، ويمكن ان تتعرض حياة اكثر من عشرة ملايين مواطن منهم للخطر بدرجات مختلفة اذا تغلبت الارادة الشريرة لداعش، بمعاييرها القروسطية وهمجيتها، وهو امر ممكن بسبب قدرتها على ارتكاب الفظاعات دون رادع.
ومازالت قوات التحالف الدولي تقصف مواقع "داعش" على مسافات قريبة من سد الموصل، ما يعني انها لن تتخل عن رغبتها باستعادة السيطرة على السد، واظن انها لو تمكنت من ذلك فلن تنسحب او تجبر على الانسحاب دون الاضرار المتعمد بالمنشأ امعانا بايقاع اوسع الخسائر بالمدنيين والبنى التحتية الضامنة لوحدة البلاد.
بالوقت نفسه تواصل "داعش" محاولات السيطرة على سد حديثة على نهر الفرات، بعد ان سيطرت على سدة الفلوجة في نيسان الماضي، واخرجتها من وظيفتها التشغيلية،حيث اغرقت آنذاك مساحات زراعية شاسعة في شمال وغرب بغداد، وهي مناطق ستشهد في المواسم المقبلة عطشا وجفافا بسبب توقف السدة عن اداء وظيفتها التشغيلية في ارواء تلك الاراضي.
ثالثا:
شنت "داعش" ايضا اكثر من هجوم مكثف في سوريا للسيطرة على سد الطبقة على الفرات، وهو اكبر سد في سوريا بسعة خزنية تزيد على (11) مليار متر مكعب، ويتحكم الى درجة كبيرة بجريان الفرات الى العراق، لكن تلك الهجمات فشلت للآن في تحقيق اهدافها، بالرغم من ان احتمال السيطرة على السد والتحكم بنهر الفرات مازال قائما.
"فداعش" قد راهنت على عوامل عديدة منها استمرار تدفق المقاتلين والاموال، وانفتاح الحدود الدولية وبيع النفط في الاسواق الدولية، ودعم بعض الاقطاب الاقليمية، مقابل انشغال الدول المعنية باحداث داخلية ناتجة عن الفشل في انجاز مستحقات مرحلة الانتقال من الدكتاتورية الى الديمقراطية، ولا يبدو ان هذا التنظيم الارهابي عابئا بالتحالف الدولي، او بأعداد وحجم الدول المنخرطة فيه، ولا كثافة القصف الجوي على مواقعه، او التحول - المعلن على الاقل- في خطاب او مواقف اطراف كانت تعتبر داعمة له او صامتة عن افعاله، بل هو يواصل زحفه نحو مدن ومواقع ومنشآت كبيرة على الارض، كما يحصل في مدينة عين العرب (كوباني) امام الانظار، او في استعداده الدائم ومحاولاته المتكررة للسيطرة على مصفى بيجي، اضافة الى اصراره على اصدار وتطبيق نظم وتعاميم دولته المزعومة في المدن والقرى الواقعة تحت سيطرته.
رابعا:
لقد تمكنت القوات العراقية، وبمساندة السكان، من صد الهجمات المتوالية الرامية للسيطرة على مناطق اعالي الفرات في العراق وبضمنها سد حديثة، لكن "داعش" لاتزال على مسافة خمسة كيلومترات من السد، وهي تشكل - دون شك- خطرا داهما على سلامة السد، وان لم تلحق بها هزيمة عسكرية ساحقة وسريعة فان خطر تحطيم منظومة الري على الفرات يبقى قائما، وخاصة في مفاصل المنظومة الرئيسة ومنها سدة الرمادي، ونواظم التحكم بالجريان الى بحيرة الحبانية والتصريف منها، سواء الى نهر الفرات او الى بحيرة الرزازة، اي من خلال نواظم الورّار والذبان والمجرّة على التوالي.
فسد حديثة الذي يقع الى الشمال قليلا من مدينة حديثة الفراتية، بنحو270 كم شمال غرب العاصمة، هو ثاني اكبر سد في العراق بسعة خزنية تقدر بنحو 8 مليار متر مكعب، وذلك بعد سد الموصل الذي تزيد سعتها لخزنية على (11) مليار متر مكعب، وقد تزامن انشاء سد حديثة مع انشاء سد الموصل في الثمانينيات، ودخل المنشآت مرحلة التشغيل في وقت متزامن ايضا في العام 1986 واصبحا جزءا رئيسا من منظومة الري العراقي التي تضم منشآت كبرى على النهرين، والتي كانت تعتبر منظومة محكمة وانجازا هندسيا رائعا للعراق، الى ان تكشفت بعض نقاط الضعف والهشاشة فيها اثر ثلاثة عوامل رئيسة: اولها اجراءات دول الجوار في بناء سدود كبرى داخل حدودها ادت الى احداث شحة شبه دائمة في العراق، وثانيها التغيرات المناخية واحترار سطح الارض، وثالثها الهجمات الارهابية "لداعش" وابرزها سيطرة "داعش" على سدة الفلوجة وسد الموصل ومحاولاتها المستمرة الآن للسيطرة على منشآت اخرى.
خامسا:
ان لجوء "داعش" الى استخدام المياه كسلاح في حربها ضد حكومة وشعب العراق، يمثل ثاني محاولة سجلت في تاريخنا الحديث في استخدام هذا الاسلوب المحرم، ولم يسبقها بذلك سوى نظام صدام عندما لجأ الى تجفيف الاهوار العراقية في التسعينيات لتحقيق اهداف امنية -عسكرية ضد شعبه، وهذا بالتالي موضع ادانة بل جريمة ضد الانسانية وانتهاك صارخ للقانون الدولي الانساني.
ان احتلال الموصل والمدن الاخرى واستخدام اساليب القتل والبطش والتهجير والاستيلاء على الممتلكات بحد ذاته شكل تهديدا لحياة ملايين الناس، فضلا عن ان التحكم بمصادر المياه، وتحطيم نظم الري المعتادة يتسبب في افقارهم، وفعلا فان الاحصائيات الاخيرة تشير الى دفع نحو ثلاثة ملايين مواطن الى مادون خط الفقر ليبلغ 30بالمئة من سكان العراق بعد ان كان بحدود 18بالمئة قبل الهجوم "الداعشي" .
------------------------------------------------------------
• سفير ورئيس دائرة حقوق الانسان في وزارة الخارجية
 

هبوط أسعار النفط: حرب اقتصادية أم عرضٌ وطلب؟

بقلم: عامر محسن
تتداخل الآليات لقراءة ما يحصل حالياً في سوق النفط...... هبط سعر نفط غرب تكساس يوم الخميس إلى ما دون عتبة الثمانين دولاراً للبرميل، للمرّة الأولى منذ أعوام. ما بدا أنّه "انهيار" متواصل في سعر النفط العالمي ولّد كثيراً من التحليلات التي تُرجع هذه الحالة إلى قرار سياسي – اتّخذته واشنطن وتنفّذه السعودية - بضرب اقتصاديات روسيا وإيران عبر تقليص إيراداتهما النفطية. فهل من صحّة لهذه الادّعاءات؟
هذا التعليل "السياسي" لأزمة الأسعار جاء في العديد من التقارير، روسية وغربية، ذكّرت بانهيار السوق النفطية عام 1986 ودور المملكة السعودية في ضرب سعر النفط الخام عبر الرفع المفاجئ للإنتاج، وهو ما يعتبره العديد من المؤرخين اليوم استراتيجية أميركية التصميم نجحت في خنق الاتحاد السوفياتي وإسقاطه، إذ كانت العائدات النفطية مورده الأساسي للعملة الصعبة.
في آذار الفائت، كتب ابن رونالد ريغان، مايكل، مقالة على شكل رسالة موجهة إلى الرئيس الحالي باراك أوباما، يذكّره فيها بفعل والده، راوياً أن الرئيس الأسبق قد ذهب إلى السعوديين في الثمانينيات، وطلب منهم إغراق السوق. وقد أوصى ريغان الابن باعتماد استراتيجية مماثلة ضد بوتين: "إن كان رئيسنا يريد جدياً أن يبتعد بوتين عن أوكرانيا، وأن يفكّر مرتين قبل أن يباشر بإعادة بناء الإمبراطورية السوفياتية، فعليه اتباع قاعدة ريغان. عليه أن يضيّق الخناق الاقتصادي على روسيا الأم، وأن يفلسها، إلى أن تصير عاجزة عن شراء ثيابها الداخلية".
حقيقةً، فاجأت السعودية السوق حين أعلنت، في غمرة انزلاق الأسعار عن متوسطها الذي كان يفوق مئة دولار خلال السنوات الماضية، عن حسومات في عقود البيع، بمعنى أن نفطها سيعرض بأقل من السعر العالمي بدولارٍ واحد في البورصة الآسيوية، و45 سنتاً في أميركا؛ وهو ما أسهم في التراجع السريع للأسعار الأسبوع الماضي إلى أدنى مستوياتها منذ أعوام، مع تقارير تتنبأ باستمرار الانخفاض وديمومته، وتتكلم على قعرٍ دون سبعين دولاراً قد يستقر عليه برميل النفط الخام في نهاية المطاف.
لماذا لسنا في 1985؟
من الممكن عقد مقارنات تاريخية بين الوضعية الحالية وسيناريوات سابقة، لكن ليس من بينها حالة التدخل السعودي في السوق النفطية في أواخر 1985، الذي أدى إلى الانهيار الكبير في الأسعار. ما حدث عام 1985 هو أنّ إنتاج الـ"أوبك" ارتفع بأكثر من أربعة ملايين برميل في غضون أشهر، وقد جاء جلّ هذا الإنتاج الإضافي من السعودية والكويت والإمارات.
ما زال النقاش التاريخي قائماً حول دوافع حلفاء أميركا إلى رفع الإنتاج وتجاهل حصص الـ"أوبك" المقرّرة، وما إذا كان القرار اقتصادياً بحتاً أو استراتيجية سياسية في إطار الحرب الباردة، فرضتها واشنطن ونسقتها بين حلفائها. بغض النظر عن حقيقة الأمر، إنّ ما سمح للسعودية أصلاً بأداء ذاك الدور، كان يتعلّق ببنية معيّنة للسوق النفطية فرضتها أحداث عقد السبعينيات، وهي لم تعد موجودة اليوم.
منذ ارتفاع أسعار النفط عام 1973، أدّت "أوبك" دور الناظم للسوق، وهو ما عنى فعلياً أنّها حافظت على "احتياط إنتاجي" بملايين البراميل، أي قدرة إنتاج غير مستخدمة تسمح بتنظيم التوازن بين العرض والطلب حينما تدعو الحاجة إلى ذلك. بحلول أوائل الثمانينيات، كان الاحتياط الإنتاجي العالمي هو فعلياً احتياط "أوبك"، بينما المنتجون خارج المنظمة (كأميركا وكندا وروسيا) يضخّون النفط بالقدر الأقصى الذي تسمح به احتياطاتهم، بغض النظر عن حالة الأسعار.
أكثر الاحتياط الإنتاجي كان فعلياً في يد السعودية التي خفضت تصديرها النفطي إلى حدٍّ كبير، منذ أواخر السبعينيات، بهدف الحفاظ على الأسعار. فقد كان هناك خلافٌ بين السعودية و"أوبك" حول الوسيلة المعتمدة لضبط السوق: كانت "أوبك" تحبّذ التحكّم بالإنتاج وخفضه ورفعه عبر "حصص"، بينما السعودية رفضت هذا الأسلوب وارتأت الدفاع عن سعرٍ معيّن بدلاً من التحكم بمستوى العرض، أي إنها كانت تعرض النفط في البورصات العالمية بالسعر الذي تعتبره مناسباً، ولا تنتج إلا بمقدار الطلب الذي يجيئها على أساس تسعيرها، وهو ما خفض الإنتاج السعودي من أكثر من 10 ملايين برميل في أواخر السبعينيات إلى أقل من ثلاثة ملايين برميل عام 1985.
هذا الفارق بين القدرة الإنتاجية والإنتاج الفعلي (وقد بلغ أكثر من ثمانية ملايين برميل في حالة السعودية أواسط الثمانينيات) يمثّل "القدرة الاحتياطية"، وهو ما جعل السعودية في موقعٍ يخولها ضرب سوق النفط بمجرد أن تقرر فتح مواسير الإنتاج على آخرها، كما حصل في أواخر 1985، وهو أيضاً ما سمح لها باستبدال الإنتاج الكويتي والعراقي معاً، عام 1990، رافعةً إنتاجها من جديد إلى حدود 9 ملايين برميل يومياً، وهو مستوىً حافظت عليه إلى اليوم. هذا ما سهّل على أميركا خوض حرب الخليج عام 1991 بلا ضغوط من أسواق الطاقة، وعزل صدام حسين بالكامل والتخلي عن إنتاجه النفطي، والإعداد لحربٍ على العراق لفترةٍ تقارب السنة من غير أن تتأثر السوق.
اليوم صار الوضع مختلفاً بالكامل، فالسعودية لا تملك قدرة إنتاجٍ فائضة، وهي لن تقدر على إغراق السوق بالتصدير الإضافي، بل إن العديد من الخبراء يرون أن إنتاج السعودية في الأعوام الأخيرة يماثل – أو يقارب – قدرتها القصوى على ضخّ النفط من أرضها. في الحقيقة، لعل التغيير الأهم الذي طرأ على سوق النفط منذ التسعينيات يتمحور حول هذه النقطة تحديداً: فقدان "أوبك" لهامش المناورة الإنتاجي الذي كانت تملكه (بعد سنوات من الخلاف على الحصص بين الأعضاء)، ما جعل تدخّلها في سوق العرض ينحصر ضمن حدودٍ دنيا، فهي تعرف جيداً أنّها لن تتمكن من حيازة موافقة أعضاء المنظمة على خفوضات جدية وضبط سلوكهم.
عناصر الإنتاج اليوم
إذا انطلقنا من واقع أن السعودية لا تملك التأثير نفسه على الأسواق الذي كانت تتمتع به في الماضي، فما الداعي إلى انخفاض الأسعار على النحو الذي يجري حالياً، وبوتيرة تفوق كثيراً الركود النسبي الذي تشهده البورصة النفطية عادة خلال فصل الخريف؟ إن كانت هناك وضعية تاريخية تشابه الحال اليوم، فهي فترة أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، حين دفع الارتفاع الكبير في الأسعار خلال العقد السابق إلى تضخّم الإنتاج الغربي، واستغلال موارد وحقول كانت تُعَدّ "صعبة تكنولوجياً" أو غير اقتصادية في ظلّ الأسعار المنخفضة. منذ أواخر السبعينيات، بدأ نفط آلاسكا وبحر الشمال بالدخول بقوّة إلى سوق النفط، ليعوّض النمو في الطلب العالمي ويسبب "طفرة" في العرض أدّت، تدريجاً، إلى كسر الارتفاع المستمر في السعر العالمي وإدخال السوق في ركودٍ استمرّ حتى نهاية الألفية.
ارتفاع الأسعار منذ عام 2003 ولّد، هو الآخر، قفزةً مشابهة في الإنتاج الغربي، وقد جاء جلّه هذه المرّة من "المصادر غير التقليدية"، تحديداً النفط الصخري والرمول النفطية وباقي أصناف النفط الثقيل الذي كان يُعَدّ، إلى أمدٍ قريب، عصياً على الاستخراج أو غير اقتصادي. إثر استغلال هذه الموارد الجديدة الذي أتاحته - إضافة إلى ارتفاع الأسعار - وسائل تكنولوجية جديدة تسهّل استخراج النفط الثقيل والعالق في الصخور الجوفية، انعكس مسار الإنتاج الأميركي، الذي كان يتناقص باطّراد منذ السبعينيات، حتى وصل إلى 5 ملايين برميل يومياً (عام 2008)، ليرتفع اليوم إلى ما يفوق 8.5 ملايين برميل، والتوقعات تنبئ بأن يصل الإنتاج إلى أكثر من 9.5 ملايين برميل يومياً عام 2016. كلّ الإنتاج الإضافي، تقريباً، جاء من النفط "غير التقليدي".
هذا الارتفاع في الإنتاج الأميركي، إضافة إلى عودة العراق إلى السوق، وظهور منتجين كبار جدد في أفريقيا (كأنغولا)، ورفع التصدير الروسي إلى مستوىً يقارب إنتاج الاتحاد السوفياتي في سنواته الأخيرة، هو ما أغرق السوق اليوم. وقد جاءت هذه العوامل مقرونة بركودٍ اقتصادي عالمي منع السوق الآسيوية (وهي السوق الوحيدة التي تتوسع بوتيرة كبيرة هذه الأيام) من النمو كما في السنوات الماضية وابتلاع الفائض.
اللعبة السعرية
ما لا ينتبه إليه العديد من الكتّاب الذين يقصرون تحليلهم للأسعار على النيات السياسية، هو أنّ تسعير النفط ينطوي على معادلات معقّدة وحدود قد يؤدي تجاوزها إلى نتائج عكسيّة. هناك دائماً عتبات سعريّة تؤدي إلى تحوّلات بنيوية في السوق إذا ما تأرجح سعر النفط بشكل كبير، صعوداً أو نزولاً.
أهمّ هذه العوامل يتعلّق بكلفة استخراج النفط الثقيل، فإن كانت كلفة استخراج برميل النفط في السعودية لا تتعدى 3 دولارات، فإنّ تحفيز النفط العالق في الصخور الجوفية، أو تسخين الرمول النفطية لتسييلها، هي مهمات مكلفة للغاية، وتعتمد على عملية صناعية تستهلك الكثير من الطاقة والموارد. لهذا السبب، إنّ انخفاضاً حادّاً – ومستمراً - في أسعار النفط قد يؤدي إلى إخراج هذا الإنتاج من السوق وانهيار عددٍ كبير من شركات الاستخراج التي تموّل مشاريعها عادة عبر الدين والقروض، والتي افترضت أسعاراً للطاقة تتجاوز مئة دولار.
بحسب شركة "ماكنزي" للاستشارات، إنّ أغلب منتجي النفط الصخري في أميركا يحتاجون لسعرٍ يفوق 75 دولاراً للبرميل لإبقاء مشاريعهم رابحة. وتقول مصادر في صناعة الطاقة إنّ تقليص الاستثمار سيبدأ، إلى جانب إيقاف الآبار القليلة الإنتاج، ما إن تهبط الأسعار دون عتبة 85 دولاراً. لكن قبل أن يصل هذا التأثير إلى أميركا، إنّ أول من سيشعر بالأزمة سيكون النفط الكندي الثقيل. مشكلة النفط الكندي "غير التقليدي" لا تقتصر على كلفة إنتاجه العالية، بل كلفة نقله أيضاً: إذا كان نقل النفط من الخليج العربي يزيد 3 دولارات على سعر البرميل، فإنّ نقل النفط من غرب كندا يستلزم ما بين 12-15 دولاراً. هذا يعود أوّلاً إلى أنّ الإنتاج يجري في مناطق داخلية بعيدة عن السواحل وموانئ التصدير، وثانياً، إلى أنّ النفط الكندي المستخرج من الرمول والاسفلت هو ثقيلٌ وكثيف، يستلزم قدرة ضخّ كبيرة حتى يسافر لآلاف الأميال في الأنابيب وصولاً إلى خليج المكسيك أو الساحل الشرقي للولايات المتحدة. أخيراً، إنّ هذا النفط يباع أصلاً بسعرٍ أدنى من غيره – بسبب نوعيته الرديئة – وهذا "الخصم" يزيد بشكلٍ كبير كلما ضعف السوق وزاد العرض (وصل إلى ما يقارب عشرين دولاراً على البرميل العام الماضي).
بهذا المعنى، هناك حدودٌ معيّنة لانخفاض الأسعار يبدأ بعدها الإنتاج بالتراجع، بدءاً من الحقول الأكثر كلفة والأبعد عن أقاليم الاستهلاك، ما يقلب الدينامية من جديد ويخفف الضغط على السوق. لهذا السبب، يعتقد بعض الخبراء أنّ هدف السعودية هو إبقاء النفط ضمن "حدودٍ مناسبة"، تحدّ من زيادة العرض من غير أن تهزّ الأسواق وتهدد شركات الطاقة في الغرب.
في الثمانينيات، كانت استراتيجية السعودية تقوم على الدفاع عن السعر، وهو ما تخلّت عنه حين رفعت مستوى التصدير بشكلٍ كبير في أواخر 1985. اليوم، انتقلت السعودية إلى الدفاع عن الحصة السوقية فهي، عبر التنزيلات على عقود التصدير، تحجز مُشترين مضمونين لإنتاجها الضخم. في الثمانينيات، كانت السعودية تقول للمنافسين إنها قادرةٌ على قهرهم عبر احتياطها الإنتاجي، إذ لم يؤثر انهيار الأسعارعلى عائداتها الإجمالية (انخفض السعر إلى النصف تقريباً، لكن الإنتاج السعودي، بدوره، قد تضاعف). رسالة السعودية اليوم، إلى الأسواق والمنتجين، هي أنّ نفطها هو الأكثر تنافسية في العالم، وأنها آخر من يتأثر بهبوط الأسعار، وهي - إذاً - ستحرص على بيع نفطها أوّلاً بغض النظر عن حالة السوق.
-----------------------------------------
*دوليات- العدد ٢٤٢٢ السبت ١٨ تشرين الأول ٢٠١٤

 

فرصة العرب الأخيرة

د. محمد عبد العزيز ربيع
تُشكل ظاهرة داعش وأخواتها خطراً يُهدد مصير كافة أنظمة الحكم العربية، كما يهدد رسالة الإسلام الإنسانية ومستقبل العقلانية في الوطن العربي والعالم الإسلامي بوجه عام. وفي ضوء إدراك غالبية أنظمة الحكم العربية لخطر داعش، وبسبب رد الفعل الأمريكي على ما ترتكبه تلك المنظمة من جرائم بحق الإنسانية، فإن فرصة جديدة تلوح اليوم في الأفق العربي، ربما كانت الفرصة الأخيرة، ما يستوجب قيام العرب باستغلالها لإعادة ترتيب البيت العربي على أسس سليمة قبل ان يلتهم غول داعش ما تبقى لهم من فضاء يتمتعون فيه بنوع من الأمن والحرية والاطمئنان. وسأحاول في هذه الدراسة المتواضعة التركيز على القضايا التالية: ظاهرة التطرف، التحدي الإيراني، التحالف الغربي الذي يدعي معاداته للتطرف، إسرائيل والقضية الفلسطينية، محنة العرب والإسلام، والمستقبل العربي وكيفية إدارته.
داعش والتطرف: إن التطرف الذي تمثله داعش وجبهة النصرة فكراً وممارسة موجود في التراث الإسلامي، يختفي أحياناً ويطفو على السطح أحياناً أخرى تبعاً لتغير الأحوال المعيشية ومواقف الحكومات العربية، واستقرار الأوضاع السياسية، وتطور التحديات الداخلية والخارجية. وعلى سبيل المثال، لم تقم الجماهير العربية والإسلامية برفض جرائم داعش بشكل واضح والتظاهر ضدها، كما أن أصوات الفقهاء التي أدانت أفعال داعش جاءت خافتة ومترددة. وهذا يعني أن الخلايا السرطانية للتطرف الديني تجري في عروق رجال الدين وعامة المؤمنين، ما يجعلها بحاجة لعلاج شامل يقوم باستئصال هذا المرض وحرمانه من فرصة العودة مجدداً. ومع صعوبة هذا الأمر، إلا أنه ممكن من خلال تطوير الثقافة الدينية والشعبية السائدة، وتصميم برامج إعلامية ومناهج تعليمية وتربوية هادفة، وتعميمها على كافة المستويات. ولما كانت الحكومات العربية هي التي تتحكم في كل هذه الأمور، وأن قدرتها على التحكم غير مضمونة بعد حين، فإن عليها أن تبادر برسم خطة شاملة لعلاج أمراض التطرف الديني والتشوه الثقافي والغوغائية الإعلامية وتخلف مناهج التعليم والتدريس، فأنصاف الحلول لا ترضي أحداً من الناس، سواء وقفوا على اليمين أو على اليسار، كما أنها لا تعالج مرضاً مزمناً ينخر في العظام منذ زمن طويل.
التحدي الإيراني: مما لا شك فيه أن إيران في ظل الفلسفة المهيمنة على الحكم حالياً، والتي تجمع بين الأصولية الدينية والقومية الفارسية، تشكل تحدياً للدول العربية عامة ودول الخليج العربية خاصة. لذلك من حق هذه الدول أن تبدي تخوفها من الأطماع الإيرانية التي تحاول مد نفوذها خارج حدودها ليشمل العديد من الدول العربية الخليجية وغير الخليجية. لكن مواجهة التحدي الايراني لا يمكن، ولا يجوز أن تتم من خلال تدمير بعض الدول العربية مثل سوريا والعراق، لأن تدمير قطر عربي يُسهم في تراجع القوة العربية وإضعاف موقف العرب بوجه عام، ويتسبب في قتل وتهجير مئات الآلاف من الأبرياء العرب وحرمان أطفالهم من التعليم، كما أنه يؤدي إلى غياب الاستقرار والطمأنينة وانكشاف أنظمة الحكم العربية الواحد تلو الآخر. وفيما يتسبب تراجع القوة العربية في جعل عامة العرب لقمة سائغة لكل وحش طامع في خيرات بلادهم، فإن الفقر والجهل والدمار يُسهم في تعميق جذور التطرف في البنية الثقافية العربية، ويخلق عداوات بين الأنظمة والشعوب تضعف مناعة الجسم العربي ضد التحديات الحياتية بكافة أشكالها.
وهنا لا بد من التساؤل لماذا استطاعت إيران أن تستحوذ على قدرة صاروخية من إنتاجها، على الرغم من الحصار الاقتصادي والعلمي الذي يفرضه الغرب عليها، فيما فشلت مصر في تحقيق انجازات مماثلة، علماً بأن مصر تتفوق على إيران من حيث الإمكانيات البشرية، ولا تعاني من حصار اقتصادي أو علمي. وهذا يعني أن ضعف العرب يكمن أساساً في ضعف إرادة القيادات العربية على التعاون والسعي لمواجهة التحديات الخارجية والداخلية. وهذا يستوجب تجميع الإمكانيات العربية وتوجيهها نحو بناء قدرة علمية واقتصادية بإمكانها توحيد مواقف الحكومات العربية، وصيانة الأمن العربي المشترك، وتوعية الشعوب العربية، وتحقيق طموحاتها في التنمية والعدالة، وتحريرها من الفقر والتخلف وفكر التطرف.
التحالف الغربي المعادي للتطرف: الدول الغربية الرئيسية التي تبدي حماسها لمواجهة التطرف بالقوة هي ستة دول: بريطانيا، فرنسا، الولايات المتحدة الأمريكية، كندا، استراليا، وإسرائيل؛ وهذه قوى لها مصالح وأطماع في المنطقة العربية، ولديها أقليات كبيرة من المسلمين تحتم عليها اتخاذ موقف حاسم من قضية التطرف وما يتنتج عنه من عنف وإرهاب. وهنا أود الإشارة إلى أنني سأتحدث عن النخب السياسية الحاكمة والنخب الاقتصادية المتحكمة في تلك البلاد، وليس عن الشعوب؛ لأن شعوب تلك البلاد تعاني من آفات كثيرة. ويأتي في مقدمة تلك الآفات: ارتفاع معدلات البطالة، تراجع فرص العمل والأجور، اتساع فجوتي الدخل والعلم بين الأثرياء والأقوياء من ناحية والفقراء والمستضعفين من ناحية ثانية، الخوف من تنامي دائرة الفقر، التخويف من الإرهاب، واستمرار عمليات تزييف الوعي الشعبي العام. وفيما مارست بريطانيا وفرنسا أسوأ استعمار في تاريخ البشرية كان للعرب نصيب كبير من كوارثه، فإن النخب السياسية والاقتصادية فيها لم تكن يوماً صديقاً لدولة عربية أو حاكم عربي تتعامل معه باحترام وندية، وإنما كانت دوماً عدواً لدوداً لأماني العرب في النهضة والوحدة والتقدم والخلاص من التبعية.
أما فيما يتعلق ببقية الدول التي تبدي استعدادها لمواجهة التطرف، وهي أمريكا وكندا واستراليا وإسرائيل، فهي دول تطورت عبر نظام استعماري استيطاني قام على إبادة نسبة كبيرة من سكان البلاد الأصليين، وسلب أموالهم وممتلكاتهم وحرياتهم واستعبادهم ردحاً من الزمن. إن تحالف هذه الدول يأتي اليوم نتيجة لإدراكها أنها نتاج عمليات ظالمة بحق البشرية، وأن ضمان بقائها يستوجب عليها إفقار غيرها من الشعوب والهيمنة عليها بقوة السلاح والمال. وعلى سبيل المثال، كانت كندا قبل عقدين من الزمن دولة مسالمة لا تعادي أحداً ولا يعاديها أحد، لكن النخب الحاكمة فيها والمتحكمة في مصيرها تذكرت فجأة أنها تقف في نفس الخندق الذي تقف فيه أمريكا واستراليا وإسرائيل، والذي يتحمل وزر أكبر عمليات التطهير العرقي في تاريخ البشرية. ويمكن القول باختصار إن تحالف النخب السياسية والاقتصادية المتحكمة في الدول الاستعمارية القديمة والاستيطانية الحديثة لا تعادي الإرهاب فقط، وإنما تعمل أيضاً على استغلال كافة شعوب الأرض، بمن فيها شعوب بريطانيا وفرنسا وأمريكا وكندا واستراليا وإسرائيل نفسها.
ومن أجل فهم مشاريع هذه القوى وأهدافها، علينا أن نتذكر أن أمريكا هي الجهة التي قامت بتدريب وتسليح قوى القاعدة، فيما قامت دول الخليج العربية وأثرياء النفط بتمويل عمليات التدريب والتسليح. ومع أنني لا أتعاطف مع نظام الحكم السوري ولم أكن من مؤيديه يوماً، إلا أن الحقيقة تشير إلى أن بريطانيا كانت أول من تآمر على سوريا؛ إذ قامت بتدريب فريق من العملاء والمرتزقة لغزو سوريا من الخارج في عام 2009، أي قبل الربيع العربي بعامين. ولقد قام وزير خارجية فرنسا الأسبق ميشيل دوما بالكشف عن هذا السر في مقابلات تلفزيونية أجراها بالانجليزية والفرنسية، يمكن الرجوع إليها بسهولة عبر اليوتوب. إن تعاون السعودية مع أمريكا في أفغانستان على محاربة السوفييت أعطى ميلاداً لتنظيم القاعدة الذي لم يتوقف عند حدود أفغانستان، بل تمدد إلى الجزيرة العربية والصومال وشمال إفريقيا ونيجيريا وغيرها. وهذا ما يحدث اليوم بالنسبة لداعش وأخواتها. وعلى سبيل المثال، جاء على لسان قائد "أحرار الشام" القول إن هدفهم هو إقامة نظام حكم إسلامي في سوريا على غرار نظام طالبنان في أفغانستان.
نشر ديفيد إغناشيوس يوم 1/10/2014 في جريدة الواشنطن بوست فحوى مقابلة أجراها مع السيد حمزة الشمالي قائد "حركة حزم"، إحدى فئات "الجيش السوري الحر". ومما جاء في تلك المقابلة قول حمزة الشمالي "إن الشارع السوري فقد ثقته بالجيش السوري الحر، وإن السؤال الذي يوجهه السوريون لقوى المعارضة عامة هو: "هل ستجلبون لنا الفوضى أم النظام؟" ويضيف الشمالي: "إن المعارضة المعتدلة التي تدعمها أمريكا هي ضرب من الخيال إلى حد بعيد"؛ ويضيف رجل استخبارات عربية القول: "إن الجيش السوري الحر عبارة عن مافيا (عصابة إجرامية) يريد كل شخص فيها أن يكون رئيساً، وإن الشعب السوري تعب من هذه المافيا". أما فيما يتعلق بحركة حزم، فيقول إغناشيوس، "إنها تتكون من حوالي 4200 مقاتل قامت أمريكا باختيارهم وتدريبهم وتسليحهم، وأنها تدفع لكل مقاتل 150 دولار شهرياً". ومع أن أمريكا تدرك أنه ليس هناك إمكانية لخلق جيش معتدل، إلا أنها ما تزال تدرب وتسلح وتمول حركة حزم وغيرها، لأن الهدف الحقيقي ليس تحقيق السلام والاستقرار، أو إسقاط نظام بشار الأسد، وإنما إفشال الدولة السورية وتدمير مدنها واقتصادها، وتمزيق النسيج الاجتماعي والثقافي لشعبها.
إن نجاح تحالف بعض الدول العربية مع قوى الاستعمار الأوروبية والأمريكية من أجل إسقاط نظام الأسد أدى حتى الآن إلى تدمير معظم المدن السورية بما فيها من تراث عربي وإسلامي، وقتل ربما ربع مليون إنسان وتشريد الملايين من السكان وحرمان ملايين الأطفال من المدارس. وعلى افتراض أن هذا التحالف سينجح في مسعاه ويُسقط نظام الأسد، فكيف يمكن أن يكون عليه الوضع بعد ذلك؟ هل سيكون الوضع أفضل مما هو عليه في العراق أو ليبيا أو الصومال؟ كم مجموعة مسلحة ستدخل حلبة الصراع على السلطة سعياً لتحقيق مصالح خاصة أو حماية نفسها مما هو أسوأ؟ وكم منظمة إرهابية جديدة ستولد في رحم المنظمات الناشطة اليوم في مجال القتل والتدمير؟ ومن أجل إعطاء فكرة عن الطرف المستفيد مما يجري في سوريا، نشير إلى تقرير صدر عن هيئة الأمم، وبالذات عن قوى حفظ السلام على حدود سوريا مع إسرائيل، يقول التقرير إن إسرائيل تقوم بمعالجة جرحى مقاتلي داعش وجبهة النصرة في مستشفياتها. وهذا يعني أن الحكام والأثرياء العرب لم يتعلموا من تجربة أفغانستان والقاعدة، وإن دول المنطقة التي تعاونت على تدريب وتسليح وتمويل قوى التدمير في سوريا لن تنجو من عواقب أفعالها وقصر نظرها وفشلها من التعلم من تجاربها، إلا إذا تداركت الأمر قبل فوات الأوان.
إسرائيل والقضية الفلسطينية: إن الحركة الصهيونية العالمية التي تقف خلف الكيان الإسرائيلي لا تشكل خطراً على فلسطين وشعبها فقط، وإنما على كافة الدول والشعوب العربية، بل وعلى الحضارة الغربية التي تحميها، وعلى الإنسانية جمعاء. إذ إن إنشاء دولة إسرائيل قام على أنقاض شعب فلسطين حيث تم تفريغ فلسطين من غالبية سكانها عام 1948 ضمن عملية تطهير عرقي بشعة جاءت بتواطئ بريطانيا وفرنسا وأمريكا. ولما كان هدف تلك الدول هو تجزئة الوطن العربي والحيلولة دون وحدة العرب ونهضتهم، فإنها استمرت في دعم إسرائيل بالمال والسلاح والدبلوماسية، واستخدامها أداة لشل قدرة العرب على تحقيق نهضة علمية وتنسيق سياسي، وبناء نظام أمن مشترك ووحدة اقتصادية.
أما فيما يتعلق بالحضارة الغربية، فإن قيام بريطانيا وفرنسا وأمريكا واستراليا وبلجيكا واسبانيا وغيرها بتغيير بعض القوانين في بلادها كي تحمي إسرائيل من الملاحقة القانونية، كان له نتائج سلبية كبيرة على مجال الحريات العامة في دول الغرب المعنية. ولقد جاء تغيير القوانين وسن الجديد منها لحماية إسرائيل من العقاب بسبب ما ترتكبه من جرائم في بلاد العرب؛ وحماية الصهيونية من الإدانة بالعنصرية، مع أنها تجمع بين العقيدة الدينية والعقيدة القومية الشوفينية. وفيما انتفض الغرب بكل قوته ليقضي على نظام صيربيا العنصري المماثل وحرمانه من التوطن في أوروبا، فإن نفس الدول الغربية تقوم اليوم بحماية العنصرية الصهيونية. ولقد تسببت الاجراءات القانونية والسياسية لحماية إسرائيل والصهيونية في تضييق مجال الحريات العامة والحريات الأكاديمية في كافة دول الغرب المساندة لإسرائيل، وحرمان الكثير من المثقفين من ممارسة البحث العلمي بموضوعية وأمانة خوفاً من فقدان الوظيفة والحرمان من النشر. أما فيما يتعلق حرية الرأي والفكر، فلا تزال في تراجع، علماً بأنه لم يعد لها وجود في أمريكا. إن الصهيونية حركة استعمارية استيطانية تستهدف الاستيلاء على مساحات كبيرة من الوطن العربي، والتحكم في حركة الأموال على مستوى العالم، واحتكار سلطة المال والتحكم في النظام الرأسمالي العالمي. وهذا يعني أن إسرائيل تعمل على تدمير الحضارة الغربية التي تقوم أساساً على فكرتي الديمقراطية والرأسمالية، ما يجعل الصهيونية خطراً يهدد أمن الإنسانية جمعاء، ومستقبل كافة الشعوب الفقيرة والثرية على السواء.
وفي ضوء تراجع مصادر القوة الذاتية لدول الغرب الاستعمارية في العقود الأخيرة، فإنها رأت ضرورة تفتيت الدول العربية إلى دويلات على أسس طائفية ومذهبية وعرقية، وإدخالها في حروب أهلية تدميرية تقوم بتمزيق النسيج الاجتماعي والثقافي للشعوب العربية، وتشويه مصداقية دينهم وتراثهم الحضاري. وفي سبيل تحقيق هذا الهدف، فإن العقل المفكر للمؤسسة العسكرية الأمريكية قام باختراع نموذج الدولة الفاشلة والعمل على تطبيقه على الأرض، وهو النموذج الذي نراه بثقله في الصومال وليبيا والسودان والعراق وسوريا واليمن. وهذا يعني أن ما يشهده الوطن العربي اليوم من حروب أهلية ودينية هو جزء من خطة استعمارية عدوانية تستهدف أولاً، وقبل كل شيء، ضمان وجود إسرائيل كقوة طاغية وطامعة على الأرض العربية، وضمان تخلف العرب وخضوعهم لهيمنة القوى الاستعمارية، وتأمين ذهاب ريع ثرواتهم النفطية لبنوك الغرب التي تسيطر عليها قوى الصهيونية العالمية.
وعلى سبيل المثال، بعد ان التزم اوباما بضرب سوريا قبل سنة تقريباً، تراجع فجأة لأنه أدرك أن تدخل أمريكا قد يؤدي إلى هزيمة النظام السوري وتوقف القتال، وهذا يتعارض مع سياسة خلق دولة فاشلة في سوريا. كما أن علينا أن نتذكر أن اوباما رفض التدخل في العراق بعد قيام قوات داعش باحتلال الموصل، لكن حين قامت داعش بالهجوم على المنطقة التي يسيطر عليها الأكراد في العراق، فإن اوباما امر بضرب قوات داعش فوراً، فالهدف النهائي في العراق وسوريا ليس القضاء على داعش ولا تحقيق الاستقرار، وإنما تجزئة البلدين وبقاء كل منها دولة فاشلة تسهل السيطرة عليها واستغلال مواردها. ولقد جاء في مقال كتبه ديفيد إغناشيوس يوم 3/10/2014 أن الحرب في سوريا هي حرب بالوكالة تقوم مختلف الأطراف المشاركة فيها بمحاربة إيران. وهكذا تتورط عدة دول عربية في تدمير سوريا والسكوت على ما يجري في العراق من تجزئة وجرائم بهدف احتواء إيران واضعاف نقوذها خارج حدودها.
ومما ينذر باحتمال وقوع مجازر أكبر وأبشع في السنوات القادمة أن العدو الإسرائيلي يسيطر سيطرة شبه تامة على مراكز صنع القرار الأمريكي فيما يتعلق بالشرق الأوسط، ويقوم بتوظيفها لتزييف حقائق التاريخ وحمايته من طائلة القانون الدولي، وتبرير جرائمه بحق الشعبين الفلسطيني واللبناني. إن أطماع إسرائيل المعلنة في برنامج الحركة الصهيونية تشمل أراضي فلسطين والأردن، وجزءاً كبيراً من العراق ومصر، وأجزاء من سوريا ولبنان، والحصول على تعويضات من عدة دول عربية، في مقدمتها مصر والعراق وسوريا والسعودية. قد يقول البعض إن إسرائيل وقعت معاهدات سلام مع مصر والأردن، لكن من يراجع مدى التزام إسرائيل بالاتفاقات التي وقعتها مع السلطة الفلسطينية يدرك أن إسرائيل لا تحترم عهداً، وإن كل معاهدة كانت بمثابة هدنة مؤقتة لكسب المزيد من الوقت وحشد المزيد من القوة والانطلاق نحو تحقيق الهدف النهائي. وهذا يعني أنه لن تستطيع دولة عربية تحقيق نهضة وسلم اجتماعي واستقرار سياسي ما دام الكيان الصهيوني جاثماً على أرض فلسطين العربية.
إن سياسة الدول الاستعمارية ورسالة إعلامها الذي تهيمن عليه قوى الصهيونية العالمية استطاعت ان تقنع معظم الحكام العرب بمن فيهم حكام الشعب الفلسطيني أن إسرائيل باقية إلى الأبد. لكن الرجوع إلى التاريخ، بدءاً بالحروب الصليبية يثبت أنه لم يكن بإمكان حركة استعمارية استيطانية أن تغتصب أرض شعب وتعمر طويلاً، وتصبح جزءاً من المجتمع الذي يشغل المجال الحيوي الأكبر من حولها. ولنا في تجارب البيض في روديسيا وجنوب افريقيا، وتجربة فرنسا في الجزائر، وبريطانيا في هونج كونج، وهولندا في الجزر الأندنوسية خير مثال على ذلك. فبعد كل عمليات القتل والدمار واستعباد ملايين البشر، فإن كل تلك الكيانات الاستعمارية انتهت بالفشل، وهذا هو مصير إسرائيل، إذ إن استخدام أقصى درجات العنف ضد سكان فلسطين الأصليين لن ينتهي إلا بنهاية إسرائيل نفسها. قد يقول البعض لكن أمريكا وكندا واستراليا والبرتغال نجحت في مشاريعها الاستيطانية في العالم الجديد. هذا صحيح، ولكن لا يمكن المقارنة مع جنوب افريقيا أو إسرائيل وذلك لثلاثة عوامل رئيسية:
العامل الأول هو أن البيض الأوروبيين الذي استعمروا استراليا وأمريكا الشمالية والجنوبية وغيرها من جزر وصلوا إلى تلك البلاد مدججين بالسلاح فيما كان سكان البلاد الأصليين لا يعرفون سوى الرماح، ما جعل بإمكان الطرف الأول هزيمة الطرف الثاني وإبادته تقريباً. أما السبب الثاني فهو أن المستعمرين كانوا مسلحين بايديولوجية دينية تقول بتفوقهم على غيرهم من البشر، وأن سكان البلاد الأصليين كانوا همجيين ما يستوجب إبادتهم. أما السبب الثالث فهو أن هناك اليوم ضمير عالمي وتراث فكري ضخم يدحض هذه المقولات جميعاً ويقف ضدها بالكامل. وهنا تجدر الإشارة إلى أن الصليبيين الذين وصلوا إلى الأرض العربية المقدسة فشلوا في استيطانها لأنهم فشلوا في التفوق على العرب بالنسبة لقضيتي نوعية السلاح وعدد السكان، وذلك على الرغم من الايديولوجية الدينية العدوانية التي تسلحوا بها.
وعلى سبيل المثال، فيما استطاع المستعمرون الييض في كندا والبرتغال إبادة معظم السكان الأصليين والتفوق عليهم عددياً، لم يكن باستطاعة المستوطنين الفرنسين في الجزائر، ولا الهولنديين في جنوب إفريقيا، ولا اليهود في فلسطين إبادة سكان هذه البلاد الأصليين والتفوق عليهم من الناحية العددية. إذ يشير آخر إحصاء نشرته جريدة هاآرتس الإسرائيلية أن سكان فلسطين يقدرون اليوم بحوالي 12 مليون نسمة، حوالي 6.1 مليون من العرب وحوالي 5.9 مليون من اليهود، علماً بأن المقارنة من المفروض أن تكون بين العرب عامة واليهود عامة، لأن فلسطين جزء من الوطن العربي ككل، وأن اليهود الذين يقومون اليوم باستعمارها واستيطان معظمها قدموا إليها من مختلف بلاد العالم. وكما أثبت العديد من علماء أمريكا المعنيين بالاستعمار الاستيطاني، فإن المستعمرين يعيشون حياتهم يعانون من الشعور بعقدة الأمن وذنب إبادة غيرهم من البشر. لكن قناعتهم بعدم القدرة على إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وخوفهم من عواقب المحاولة تجعلهم يتمسكون بما سرقوه من غيرهم، فيما يدفعهم الشعور بفقدان الامن والأمان إلى شن الحروب للدفاع عن وجودهم واثبات تفوقهم وقدرتهم على هزيمة غيرهم من شعوب فقيرة وضعيفة.
إن من حق كل حاكم ومثقف عربي أن يتخلى عن القضية الفسطينية، لكن القضية الفلسطينية لن تخرج من عقله أو ثقافته مهما فعل. فعلى الرغم من كل التطورات التي عاشتها الشعوب العربية، وكثرة الثروات التي حصلت عليها الفئات الحاكمة والمتحكمة، والحروب التي خاضتها بعض الدول والإرهاب الذي تعرضت له، والردة الثقافية التي تحمل راية الإسلام، إلا أن فلسطين وقضيتها كانت الأكثر تأثيراً في مواقف تلك الدول وسياساتها وثقافة شعوبها بدءاً بالشعر والفن، ومروراً بالفكر والعلم والتربية، وانتهاء بالغناء والرقص والمأكولات الشعبية. وفي الواقع ليس هناك موقف عربي شعبي مشترك غير فلسطين التي تشكل بكل مآسيها محور الوحدة الثقافية بين مختلف الشعوب العربية. إذ إن فشل الحكام العرب في بناء هوية وطنية تقوم على حب الوطن، جعل الهوية القائمة على العداء للصهيونية وتحرير فلسطين هي الهوية الوحيدة القادرة على تحقيق شبه اجماع شعبي في كل دولة عربية. وعلى سبيل المثال، أخبرني مسئول عراقي كبير قبل أسابيع من استيلاء داعش على الموصل أن حكومة المالكي طلبت منه التحضير لعقد مؤتمر عن فلسطين في واشنطن، ينتقل بعدها إلى بغداد. وحين سألته عن السبب، قال إن المالكي أدرك أن تبني صدام حسين للقضية الفلسطينية مكنه من تجميع كافة طوائف الشعب العراقي من حوله.
محنة الإسلام والعرب: إن الإسلام والمسلمين يواجهون اليوم محنة صعبة تشبه المحنة التي واجهتها المسيحية والمسيحيون في أواخر القرن السادس عشر وأوائل القرن السابع عشر؛ وكل محنة تحتاج لحزم وحكمة ووعي. لذلك كان على قادة المسلمين من حكام وفقهاء ومثقفين أن يعترفوا أولاً أن العديد من الآيات القرآنية والكثير من الأحاديث المنسوبة للرسول عليه السلام قابلة للتأويل بطرق مختلفة تجعلها تبدو متناقضة. وهذا يعني أن كل تيار ديني قد يكون على حق، وأنه لا يوجد تيار ديني على حق دون سواه، ما يفرض على فقهاء كل تيار احترام الرأي الآخر كما فعل الأئمة في الماضي. إن تعدد التيارات الدينية التي تُكّفر بعضها البعض وتتمسك بأكثر التأويلات تشدداً يشكل بحد ذاته أخطر التحديات التي تواجه العرب في هذه المرحلة من تاريخهم. إن الفشل في التوصل لصيغة توافقية للتعايش السلمي، كما فعل المسيحيون، سيقود إلى جر الأمة العربية إلى حروب دينية دامية توصلها إلى حضيض التجزئة والتخلف والفقر. وهذا من شأنه أن يُحوّل الوطن العربي برمته إلى مرتع لعصابات مسلحة تعادي وطنها وشعبها وأمتها وثقافتها ودينها، فيما تأتمر بأوامر قوى استعمارية هي الأكثر استغلالاً وعنصرية وعداء للإسلام والمسلمين في التاريخ.
إن العرب بحاجة لموقف عقلاني يقبل التعددية الفكرية والثقافية والمذهبية داخل الإسلام وخارجه، وذلك حرصاً على مصداقية الإسلام وحرية الرأي والاجتهاد أولاً، وحفاظاً على وحدة العرب وأوطانهم من التشرذم والتمزيق ثانياً. كما أن الاعتراف بالتعددية الفكرية والثقافية والدينية والإثنية وحرية العبادة أمر لا بد منه للحفاظ على التراث العربي بشقيه الإسلامي والمسيحي، وصيانة العقل العربي من الانزلاق نحو الجنون الذي يدق على الأبواب بقوة. ومع أهمية التعددية بكافة أشكالها، إلا أن اقناع الإنسان العربي بالعودة إلى العقل والضمير يحتاج إلى أشياء تتجاوز التعددية كثيراً؛ إنه يحتاج إلى خلق ظروف حياتية جديدة تمحو من ذاكرته مآسي الوضع القائم، وتبعث فيه الأمل.
إن الشباب العربي الذي يعاني الفقر والبؤس وغياب فرص العمل والتعليم أحياناً، يجد نفسه يعيش في ظل أنظمة حكم استبدادية لا تحترم كرامته، وتقوم باغلاق الطرق أمامه، ما يجعله أمام خيارات ثلاثة لا رابع لها: القبول بحياة بائسة بلا أمل في مستقبل مزهر، فيما تزداد معرفته بأحوال أقرانه من شباب أمريكا وأوروبا وآسيا؛ أو محاولة الهجرة من الوطن والمخاطرة بحياته كي يصل إلى شواطئ أوروبا التي لا تريده، وتخشى ما يحمله في رأسه من أفكار ومعتقدات؛ أو الانضام لصفوف حركات الإسلام السياسي المتطرفة، والتحول إلى مجرم محترف باسم الدين، وذلك على أمل الشهادة والفوز بالجنة والحور العين. وفيما يتحول الشاب البائس المستسلم إلى عبء على نفسه ووطنه وجزء من طابور خامس نائم، يخسر الوطن والأمة الشاب المهاجر وما يملكه من إمكانيات عقلية ومواهب خلاقة. أما الشاب الذي يتحول إلى التطرف فيصبح إنساناً يعادي وطنه وأمته، ويعمل على تدمير بلده وتراثه الحضاري عن ايمان وقناعة.
إن العرب يدفعون اليوم ثمناً باهظاً من دمائهم وتراثهم ومالهم ومستقبلهم ومصداقية دينهم بسبب عدم اهتمام الحكام بتوعية الفرد العربي بما له من حقوق وما عليه من واجبات تجاه وطنه وشعبة وأمته. إن الجهل هو أكبر عدو للإنسان، وكل شيء إنساني في الإنسان؛ أما العدو الأكبر من الجهل فهو تلقين الفرد معلومات بوصفها حقائق وأحكام دينية تخالف مبدأ الحرية الفردية وتعطي الفرد حق فرض رأيه على غيره من الناس. ومع أن المثل العربي يقول "الجاهل عدو نفسه" إلا أن العصر الحالي جعل الجاهل عدو نفسه وأمته ووطنه وإنسانيته، لأن من يعادي نفسه يعادي أيضاً المجتمع الذي ينتمي إليه، وهو مجتمع يتسع كل يوم ليشمل الإنسانية جمعاء. إن تذمر الشباب العربي من تردي الأوضاع المعيشية، وغضبهم من الظلم والاهمال وغياب فرص العمل، وتطلعهم إلى هجرة أوطانهم، والأمل في الجنة والحور العين تُثبت أن الكبت والفقر يدفع الجاهل والمُحبط إلى التطرف، ويحوله إلى شخص مريض على استعداد للمشاركة في تعميق جراح أمته والإساءة لدينه، والإسهام في تدمير وطنه وتراثه وقتل أصدقائه وجيرانه.
إن الحل الإنساني الذي استهدى إليه المسيحيون في أوروبا بعد حوالي 80 سنة من القتل والتكفير والتدمير هو الاعتراف بكتاب مقدس واحد بوصفه مصدر الشرائع الدينية، وبحق كل تيار ديني أن يفسر ذلك الكتاب حسب فهمه له. بناء على ذلك، تم الاعتراف بأن كل شخص يؤمن بالإنجيل يُعتبر مسيحياً بغض النظر عن الطائفة الدينية التي ينتمي إليها ومدى التزامه بتعاليمها. فهل بإمكان المسلمين من العرب أن يقبلوا مبدأ تعدد الطوائف الدينية الذي أصبح حقيقة على أرض الواقع لا يمكن إنكارها؟ إن محاولة كل تيار إسلامي فرض وجهة نظره على غيره من الناس بقوة السيف لن تنجح في إعادة توحيد المسلمين أو حصول إجماع على رؤية مشتركة بالنسبة لأية قضية دينية أو غير دينية. لكن تمسك كل تيار بوجهة نظره ومحاولة فرضها على غيره من المؤكد أن ينجح في تعميق الخلافات بين المسلمين، وربما تدمير الإسلام نفسه كعقيدة ونظام حياة اجتماعي. إن استمرار الصراع بين تيارات الإسلام السياسي سوف يدفع ملايين المسلمين إلى الابتعاد عن دينهم، وقد بدأ يتحول على يد فقهاء التكفير وقطع الرؤوس وجهاد النكاح وسبي النساء من دين عدل وتسامح إلى فلسفة عنصرية لا تعترف بإنسانية الآخر، ولا حتى بحقه في الحياة.
فهل سيدفع العرب نفس الثمن الذي دفعه الأوروبيون قبل معاهدة وستفاليا التي أجبرتهم على إعادة النظر في دور الدين في الحياة العامة وإخراجه من ساحة العمل السياسي؟ هل في مقدور العرب أن يتعلموا من تجربة أوروبا التي راح ضحيتها حوالي عشرة ملايين إنسان، ويقبلوا وجود عدة تيارات دينية تتعايش جنباً إلى جنب في حالة سلم؟ ومع أن من شبه المؤكد أن تقبل أغلبية الشعوب العربية مبدأ تعددية الطوائف الدينية والثقافية وحرية العبادة والتعايش في سلام كما كان عليه الحال في معظم فترات التاريخ العربي، إلا أن أدبيات الحركات المتطرفة تشير إلى أنها تسير في اتجاه رفض التعددية وفرض الإكراه. قال الدكتور حسين مؤنس إن الإسلام "دين وأمة" وليس دين ودولة، وقال الدكتور إبراهيم الوزير إن الأمة هي الدولة، لأن الأمة هي التي تقوم بسن القوانين وتنظيم شؤون الحياة باتباع مبدأي الشورى والتشاور.
بناء على ما تقدم، يمكن القول إن السبيل الوحيد لوقف الصراع والتدمير الذاتي العربي يكمن في توصل كبار فقهاء السنة والشيعة إلى اتفاق ينص على وحدانية القرآن وقدسيته، والاعتراف بشرعية الاختلاف في تفسيره وتحديد دوره في حياة الناس بعيداً عن السياسة؛ ويمكن لأية مؤسسة تحظى بمصداقية مثل منظمة الدول الإسلامية أن تبادر لدعوة كبار فقهاء المسلمين لمؤتمر يسعى للتوصل إلى توافق في الرأي. ولما كان كل فقيه يفتي في أمور الدين يوظف نفسه خليفة للخالق في الأرض من دون أن يكون لديه تفويض من الله أو من رسوله، فإن التوافق المنشود لا بد أن ينص على قيام السنة بإنشاء دار إفتاء موحدة لهم، وقيام الشيعة بإنشاء دار إفتاء موحدة لهم كذلك، مع خلق آلية للتنسيق وتعاون الدارين فيما يتعلق بالقضايا الشائكة. وهذا من شأنه إذا صفت النفوس أن يقود إلى توحيد المسلمين حول جوهر دينهم، وتخفيف حدة الصراع العقائدي الدائر في بلادهم، والعمل بهدوء على اجتثاث مسبباته على المدى الطويل؛ كما أن من شأن مثل هذا الاتفاق تخفيف حدة الخلاف بين الدول العربية وإيران، والعمل على بلورة رؤية إسلامية مشتركة تجاه معسكر القوى المعادية للعرب والمسلمين عامة.
المستقبل العربي: مع كل الصعوبات والتحديات الداخلية والخارجية التي تواجه العرب اليوم، إلا أن بالإمكان حدوث نهضة عربية شاملة بسبب ما لدى الامة العربية من إمكانيات بشرية ومادية كبيرة، وموقع جغرافي استراتيجي، وتنوع ثقافي ومناخي وكثافة سكانية. وفي اعتقادي لا بد أن تبدأ عملية التغيير بالاتفاق على مبادئ عامة تحكم خطط الإصلاح، على أن تقوم نخبة من المفكرين الاستراتيجيين والمثقفين والاقتصاديين والسياسيين المتقاعدين والحقوقيين العرب بصياغتها والالتزام بالترويج لها والدفاع عنها بشتى الطرق في كافة المحافل العربية والدولية. وتتكون المبادئ المقترحة أساساً مما يلي:
1. الاعتراف بحرية الفكر والعبادة والتعبير عن الرأي، وشرعية التعددية الثقافية، مع الاهتمام بشكل خاص بنشر اللغة العربية وتطويرها ورفع مستوى المناهج المتعلقة بها.
2. الاعتراف بالحرية الاجتماعية والاقتصادية، وحق الشعوب في المشاركة في العملية السياسية.
3. الإقرار بأن كل دولة بحاجة لنظام اقتصادي اجتماعي جديد يحقق العدالة الاجتماعية.
4. الإقرار بأن هناك حاجة لإعادة هيكلة نظام التعليم بالتركيز على نوعية التعليم والتفكير النقدي والبحث العلمي، والعناية بالمواهب، وتحفيز عمليات الخلق والابتكار، وإعطاء أهمية خاصة للبعد التربوي، ونشر ثقافة المواطنة والتآلف بين الناس، وحل الخلافات بطرق الحوار السلمية.
5. توفير الخدمات الاجتماعية والتعليمية والصحية والفرص التنموية لكافة أفراد الشعب بالتساوي.
6. التزام الدولة بحماية الحريات العامة والخاصة بناء على قوانين تُعاقب كل طرف يحاول تعطيل ممارسة تلك الحقوق من خلال الاعتداء على غيره من المواطنين أو تهديدهم أو ابتزازهم، خاصة القوى الدينية التكفيرية والقوى الثقافية التقليدية.
7. التزام الدولة بمحاربة الفساد بكافة أشكاله، بما في ذلك المحسوبية والعشائرية والواسطة.
8. تشجيع الشعب على النظر إلى الثقافة بوصفها كائن حي يتطور مع تطور معطيات الحياة المادية، ويتغير مع تغير الظروف الاجتماعية، ما يعني أنه ليس هناك شيء ثابت أو مقدس فيما يتعلق بالعادات والتقاليد والأعراف وطرق التفكير المتوارثة.
إن مبادئ عملية الاصلاح التي ندعو لها متواضعة جداً إذا ما قورنت بما فعلته اليابان أو الصين حين قررت أن تنهض من غفوتها، كما أن الخطة المقترحة لاحقاً تقوم على التطور والتحول التدريجي وليس على الثورة وهدم ما هو قائم من ترتيبات سياسية واجتماعية. لذلك ندعو النخب العرية الحاكمة إلى أخذ زمام المبادرة وبدء عملية إصلاح وتغيير شاملة تعيد الأمل للجماهير العربية، وتستثير خيالها، وتحيي حبها للحرية والحياة وأوطانها، واحترامها لقادتها. إن لدى العرب من الأموال والموارد البشرية ما يكفي لبناء اقتصاد في عقود يضاهي اقتصاد ألمانيا الذي يعتبر من أقوى الاقتصاديات وأكثرها كفاءة وإنتاجية في العالم. لكن أصحاب الثروات من العرب يقفون حيارى أمام فرص الاستثمار في الوطن العربي الكبير بسبب انعدام الأمن والاستقرار، وشيوع الفساد على نطاق واسع، وتخلف القوانين، وانخفاض إنتاجية العامل العربي بوجه عام، فيما يقامرون بالاستثمار في دول الغرب التي تخرج من أزمة اقتصادية لتدخل أزمة أخرى. كما أن تردد المستثمرين العرب على الاستثمار في بلادهم يعود، على الأقل جزئياً، إلى ارتباطهم بقوى الرأسمالية العالمية والصهيونية التي لا تريد خيراً لشعب عربي أو حتى لطفل من أطفاله.
إن غياب المؤسسية من البلاد العربية جعل تفكير العرب أحادي الجانب، ينظر إلى الأمور من زاوية ضيقة تُخفي من الحقيقة أكثر مما تكشف بكثير، ما يجعلهم غير قادرين على استيعاب تعقيدات العصر الذي نعيش فيه، ووعي ما يشهده عالم اليوم من تغيرات ديناميكية وقضايا متشابكة. وعلى سبيل المثال، اتجه العرب خلال صراعهم مع الصهيونية إلى المقاومة المسلحة في بادئ الأمر، وحين فشلوا في كسب الحرب اتجهوا إلى المفاوضات السياسية، من دون أن يدركوا أن الحرب عمل سياسي بطريقة أخرى، وأن عزل العمل السياسي عن العمل العسكري يجعل من الصعب تحقيق الأهداف المرجوة. إذ فيما تعزز المفاوضات المقاومة المسلحة، تقوم المقاومة المسلحة بتعزيز المفاوضات من خلال زيادة الضغوط على الخصم ودفعه نحو تقديم المزيد من التنازلات. لكن العرب حين اختاروا خيار السلام مع العدو اتجهوا إلى التصرف كأنهم يعيشون شهر عسل مع عدو يضع نصب عينية استيطان المزيد من أراضيهم واستعمار كل شبر في بلادهم مستخدماً أمريكا التي استعمر عقول أبنائها واشترى ضمائر ساستها.
تحتاج الدول العربية أولاً إلى خطة عملية لوقف نزيف الدم في سوريا والعراق وليبيا واليمن والسودان، وتحتاج ثانياً إلى مشروع سياسي عسكري أمني يخرجها من طاحونة العنف والعنف المضاد، ويحمي فقراء الأمة العربية من المجاعة التي تهددهم، ويضمن قيام المدارس والجامعات بواجباتها التعليمية والتربوية بأمانة وإخلاص. أما على المدى الطويل، فإن البلاد العربية تحتاج إلى مشروع نهضوي شامل يقوم على أساس حوارات سياسية وفكرية بين كافة أطياف المجتمع العربي، وإشراك كافة القوى الشعبية الفاعلة في عمليات استنهاض الهمم ومواجهة تحديات العصر، وتكليف مفكري وعلماء ومثقفي هذه الأمة برسم استراتيجية تنموية تحررية إنسانية، تبني ولا تهدم، تحقق المساواة والعدالة والأمن والاستقرار. إذ في غياب مثل هذا المشروع لن تقم للعالم العربي قائمة، ولن يتحقق حلم الجماهير العربية في الحرية والنهضة، ولن تستمر دول النفط العربية بالتمتع بإيرادات النفط طويلاً.
لذلك نقترح أن تسارع الدول العربية إلى انقاذ سوريا أولاً، وذلك بتشكيل لجنة عربية تقوم بوضع خطة لحل سياسي يقوم على المشاركة بين مختلف أطياف المجتمع السوري؛ على أن تقوم اللجنة، في حال نجاحها، بالعمل على ايجاد حلول سياسية لمشاكل الصراع الدائر في ليبيا واليمن والعراق والسودان. كما أن على الدول العربية أن تقوم ثانياً بعقد مؤتمر كبير نسبياً لمفكرين استراتيجيين ومثقفين وعلماء ورجال أعمال عرب من داخل الوطن العربي وخارجه، مهمته تحديد الأخطار الداخلية والخارجية التي تحيق بالوطن العربي ككل، وتقدير الإمكانيات والفرص المتاحة التي يمكن توظيفها في عملية هادفة تفضي إلى نهضة مجتمعية، وتقييم خطورة التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية الداخلية التي تواجه كل قطر عربي على حدة، وإعداد استراتيجية شاملة لمواجهة تلك الاخطار والتحديات. ومن أجل تحقيق هذا الهدف، يشكل المؤتمر المقترح لجان عمل متخصصة تقوم بالمهام التالية:
1. حصر عناصر القوة العربية السياسية والاقتصادية والبشرية، واقتراح خطة لحشدها وتوظيفها في خدمة مصالح الأمة العربية، وإدارة علاقات العرب مع الغير من دول ومنظمات دولية.
2. تحديد معالم خطة إصلاح سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي لكل قطر عربي تتلائم مع ظروفه واحتياجاته الخاصة، بشكل يضمن تكاملها مع الخطة القومية.
3. وضع استراتيجية لتحقيق وحدة عربية نهضوية، تنطلق من قاعدة اقتصادية وتأخذ بعين الاعتبار الحقائق السياسية على الأرض وخصوصية كل قطر عربي، وترمي لتحرير الوطن العربي من التبعية بكافة أشكالها الاقتصادية والعلمية والعسكرية والأمنية.
4. رسم خطة لإقامة نظام أمن عربي مشترك تكون مهمته حماية حدود الوطن العربي، والدفاع عن مصالح وسيادة كل دولة عربية، ومساعدتها على تحرير نفسها من الوصاية الأجنبية.
5. رسم خطة عمل سلمية لإيقاف المد الصهيوني وتحرير فلسطين وإقامة دولة واحدة على أرضها، تشارك فيها قوى السلام والعدل العالمية، بمن فيها القوى اليهودية المناوئة للصهيونية والعنصرية.
6. رسم خطة إعلامية لمواجهة الصهيونية وحلفائها في كافة الساحات الرسمية والشعبية في العالم.
يعيش الواقع العربي اليوم حالة فراغ لم يسبق لها مثيل؛ وهذا يعطي دول مجلس التعاون الخليجي ومصر والمغرب والأردن مجتمعة فرصة هامة كي تقود العرب إلى الخروج من المأزق التاريخي الذي وضعوا أنفسهم فيه. إن الأخطار التي تحيق بالعرب شعوباً وحكاماً وأرضاً كبيرة للغاية، وإن أمن كل نظام عربي مهدد من الداخل والخارج على السواء. كما أنه لم يعد هناك أي احتمال لحل الصراع العربي الصهيوني من خلال التفاوض مع إسرائيل وأمريكا؛ فإسرائيل تريد التوسع والاستيطان والهيمنة على العرب، فيما تقوم أمريكا بدعم التوسع والاستيطان بالمال والسلاح والمعلومات الاستخباراتية عن العرب، وتعمل على تمكين إسرائيل من انتهاك القوانين الدولية وتجنب العقاب، وتعارض فكرة قيام دولة فلسطينية، ما يستوجب وضع خطة تحرير بديلة. ولقد جاءت تصريحات نتينياهو ووزير دفاعه خلال الأسبوع الأخير من شهر ايلول 2014 لتقول إن إسرائيل لن تنسحب من الضفة الغربية ولن توافق على قيام دولة فلسطينية
حين بدأت عملية الاستعداد لعقد مؤتمر مدريد للسلام في عام 1991، أرسل الملك حسين، بناء على طلب أمريكا، السيد عدنان أبو عودة إلى واشنطن كي يجتمع مع السيد جميس بيكر وزير خارجية أمريكا، وذلك من أجل أن يُطلعه على موقف أمريكا من المباحثات. جلس أبو عودة يستمع لبيكر حتى انتهى الوقت المحدد للاجتماع من دون أن يفهم أبو عودة مغزى رسالة بيكر، وبعد تمديد اللقاء مرتين بناء على طلب أبو عوده، قال بيكر بصراحة: "إن أمريكا لا ترى أن من مصلحتها قيام دولة فلسطينية، لذلك لن تكون هناك دولة فلسطينية". وهذا يوضح سبب مماطلة أمريكا، وقيامها بوأد كل خطوة ايجابية نحو السلام، وامتناعها عن طرح مشروع لحل سلمي. وفي غياب حل سلمي للقضية الفلسطينية لن ترى المنطقة العربية سلماً أو استقراراً، وسيخسر كل حاكم عربي يتقرب من إسرائيل ويغازلها شعبيته ومصداقيته على المستوين العربي والدولي. إن القول بأن المرحلة الحالية خطرة يستصغر فداحة الخطر، كما أن القول بأن علينا أن نسرع يقلل من أهمية السرعة. وهذا يعني أن من ينظر من الحكام العرب لهذه التحديات من زاوية مصلحية خاصة فسوف يستيقظ بعد فوات الأوان ليجد نفسه وحيداً، وقد فقد كل شيء وأصبح لا شيء، فالفرص لا تسامح مُستهتر ولا تنتظر مُغفل، والعدو لا يكترث لما يحدث لضحاياه من آلام ومآسي.
إن سياسة الدول الاستعمارية القديمة والحديثة تستهدف إضعاف مصر لكونها أقوى الدول العربية، وبالتالي حرمان الأمة العربية من قيادة فعلية، وتعطيل مشاريع التنمية في البلاد العربية عامة. فالنخب الحاكمة في الدول الاستعمارية لا تريد أن ترى العربي يقف على قدميه، لكنها لا تريده أيضاً أن يصل إلى درجة اليأس وفقدان الأمل واللجوء إلى التطرف والعنف. ولهذا سعت تلك الدول وما تزال تسعى لأن يبقى العربي طفلاً يحبو على يديه ورجليه باستطاعتها توجيهه باستخدام الجزرة والعصا، لأنه إذا وقف على رجليه فسيكون بإمكانه أن ينظر في عين المستعمر، تلك العين القبيحة التي لا ترمش خجلاً ورهبة إلا حين تقف وجهاً لوجه أمام ضحيتها.
إن تراجع القوة الاقتصادية والقدرة التنافسية لكل دول الغرب الاستعمارية تسبب في تراجع قوتها العسكرية النسبية. من ناحية ثانية، يعمل الشلل السياسي داخل أروقة صنع القرار في أمريكا على اضعاف قدرة الإدارة الأمريكية على بدء سياسة تعتمد على القتال او المال بإمكانها الاستمرار طويلاً، فأضعف حليف لأمريكا في سياستها الخارجية هو الكونجرس الأمريكي نفسه، إذ لم يعد بالإمكان الاعتماد عليه لأن مصالح أعضائه تختلف وأحياناً تتناقض مع مصالح أمريكا وشعبها. لذلك اتجهت أمريكا بالتنسيق مع غيرها من دول استعمارية إلى تبني سياسة الدولة الفاشلة لضمان سيطرتها على الدول العربية واستغلال موارد العرب وثرواتهم الطبيعية والبشرية. كما أن تلك القوى اتجهت منذ استقلال الدول العربية إلى تعطيل مشاريع التنمية في البلاد العربية بشكل عام، لأن التنمية تمكن العربي من استعادة كرامته وثقته بنفسه، والوقوف منصوب القامة واحياء تراثه العلمي والإنساني، وتجديد طموحاته الحضارية.
إن تراجع ما لدى الغرب عامة من قوة اقتصادية وعسكرية نسبية يحرمها من القدرة على حماية أي نظام عربي "حليف" يتعرض لهجوم مجموعات مسلحة مثل داعش وجبهة النصرة والقاعدة، ولنا في اليمن والعراق خير مثال على ذلك. كما أن على العرب أن يدركوا أن الإمبراطوريات التي قامت في العصور القديمة والحديثة لم تعامل دولة أخرى بوصفها حليف، فهي تنظر لكل دولة تلجأ إليها وتحتمي بها بوصفها عميل، تتعامل معه بدرجات متفاوتة من الاحترام تتناسب مع أهميته وحاجتها للخدمات التي يؤديها لها. وهذا يجعل كل دولة كبرى على استعداد للتخلي عن أي عميل إذا رأت أن مصلحتها الوطنية تتطلب ذلك، ما يجعل كل علاقة بين دولة صغيرة وأخرى كبيرة هي علاقة غير دائمة، مصيرها الزوال، خاصة وأن المصالح لا تتوقف عن التغير والتحول. وعلى من يشك في قولنا هذا أن يراجع تجارب الشعوب المختلفة مع هذه الدول الاستعمارية، فهناك تجربة الجزائر والمغرب وسوريا وفيتنام مع فرنسا، وتجربة الفلبين وفيتنام وباكستان وأفغانستان مع أمريكا، وتجربة مصر وفلسطين والصين وماليزيا مع بريطانيا.
وقبل أن نختتم هذه الدراسة نوجه للحكام العرب ثلاثة أسئلة بريئة، هدفها حثهم على التأمل.
1. ماذا كسبت كل دولة أسهمت في تدمير سوريا، وكم كسبت من حلفاء جدد لديهم الاستعداد للوقوف إلى جانبها في المسرات والمضرات؟ وكم خسرت من الأصدقاء والشعوب العربية والأموال التي كان يمكن توظيفها لاقناع الأسد بتغيير سياساته وتنمية بلاده ومشاركة السلطة مع غيره.
2. كم نصيحة سمعها حاكم عربي من بريطانيا أو فرنسا أو أمريكا أو إسرائيل وكان لها دور ايجابي في تنمية اقتصاد بلده، أو استقرار نظام حكمه، أو طمأنته واطمئنان شعبه.
3. هل اضطرار الأردن إلى التعاقد على شراء غاز من إسرائيل يصب في مصلحة أي بلد عربي خليجي او غير خليجي؟ إن شراء الغاز من إسرائيل يجعل اعتماد الأردن على إسرائيل للحصول على مصادر الماء والطاقة شبه كامل، ما يجعل الأردن تحت رحمة عدو لدود يتطلع إلى احتلال أراضيه واستيطانها؟ هل إمداد الأردن بالغاز الخليجي والاستثمار في مصادر الطاقة البديلة يخدم مصالح العرب ويحافظ على استقلال الأردن ويعزز دوره في حماية الأمن العربي؟ 
4. ما فائدة المال الذي لا يوفر لصاحبه الشعور بالأمن والاطمئنان، ولا يجلب له حب أو احترام الغير من الناس؟ هل استثماره في تنمية البلاد العربية قد تبعد عنه خطر الحرب والتطرف؟
من ناحية ثانية، إن على من يعتقد أن لدى أمريكا رغبة في مساعدة دولة فقيرة كي تنمو وتتحرر ان يفكر في حال دول أمريكا الجنوبية وما آلت الأوضاع فيها. إذ مع أن تلك الدول تشكل بالنسبة لأمريكا أرضاً بكراً قابلة للاستثمار، وأسواقاً ذات إمكانيات كبيرة، وحديقة جميلة للمتعة والترفيه عن النفس، ومصدراً رئيسياً للجريمة والعنف والمهاجرين غير الشرعيين، إلا أن امريكا اهملت تلك القارة، بل قامت بالاسهام في انهاكها وحرمانها من فرص التنمية والنمو. وعلى من يعتقد أنني أبالغ في قولي هذا، وأن أمريكا تسعى لمساعدة دول أمريكا الجنوبية أن يلقي نظرة على ما وصلت إليه أحوال تلك الدول من فقر وبؤس وتخلف. وعلى افتراض حسن نوايا أمريكا، فإن تجربتها في أمريكا الجنوبية تثبت أنها فشلت فشلاً ذريعاً في مساعدة أية دولة على تحقيق التنمية أو الاستقرار أو التخلص من عصابات تهريب المخدرات، وما تقترفه تلك العصابات عادة من جرائم بحق الأطفال والنساء والابرياء عامة.
قال أحد المسئولين الأمريكيين قبل عقود مخاطباً اليهود في نيويورك: "إن من حق اليهود أن يعيشوا ]في أمريكا[، ولكن ليس من حقهم أن يزدهروا Jews have the right to exist, but have no right to prosper" لكن اليهود استطاعوا، على الرغم من هذا الموقف الأمريكي العنصري، أن يعيشوا ويزدهروا ويسيطروا على نشاطات حيوية في كل مجال من مجالات الحياة الأمريكية، وأن يتحكموا في مؤسسات علمية ومالية وثقافية وإعلامية وترفيهية وتعليمية كثيرة جعلتهم أهم جالية في أمريكا، وأكثر الجاليات قوة ونفوذاً من النواحي السياسية والمالية والإعلامية والثقافية والتعليمية.
واليوم، يواجه العرب نفس الموقف العنصري من النخب الحاكمة في أمريكا وبريطانيا وفرنسا وكندا واستراليا وإسرائيل، فهل باستطاعة العرب ان يستمروا في العيش في أوطانهم، وأن ينهضوا على أرضهم، وأن يزدهروا في بلادهم كما فعل اليهود في بلاد كانت قبل عقود لغيرهم؟ حين تصر إسرائيل على اعتراف العرب بحقها في الوجود كدولة يهودية، وتقوم كل القوى الاستعمارية بتأييد مطلبها هذا ودعمها بالمال والسلاح وتعطيل القوانين الدولية، فإن تلك الدول تقول في الواقع إنه لا يحق لغير اليهود العيش في الأرض التي يتطلع الصهاينة إلى احتلالها واستيطانها من النيل إلى الفرات.


---------------------------------------------------------
د. محمد ربيع : www.yazour.com
 

الإسلاميون" والحاجة إلى نقد الذات

المختار بنعبدلاوي*
تستحق مبادرات "الإسلاميين" الكثير من التقدير في العشرية الأخيرة؛ لقد بذلت أحزابهم جهدا كبيرا للتلاؤم مع مقتضيات التحول الديمقراطي، وغيرت الكثير من مناهجها، ومن مصطلحاتها، وأهدافها، دون أن يكون لذلك أي أثر على عمق وأصالة الاعتقاد الديني، وهذا في الحقيقة تحول كبير، انعكس إيجابا على "الإسلاميين" الذي أصبحوا أكثر حضورا في المجال العام، وعلى خصومهم، وشركائهم، لأنه أصبحت لهم قيم مشتركة، ومعايير يمكن البناء عليها، والتعاون انطلاقا منها.
بقدر ما كان هذا التحول مفيدا للإسلاميين، الذين تحولوا، بفعل ذلك، من كتلة ساكنة، إلى قوة حيوية فعالة، انعكس على خصومهم الذين ارتفع سيف التكفير عن أعناقهم (ولو من طرف فصيل واحد من هذه القوة الصاعدة)، والذين أصبح بإمكانهم التعبير عن علمانيتهم دون وجل، ودون خوف من أن يسبق عذاب الأرض ما قد تخفيه السماء.
القيمة الكبرى الأخرى، التي حملها الإسلاميون معهم، وهي تدخل في خانة الإمكان وليس المتحقق ضرورة، أن صعودهم كان يمكنه أن يحمل معه إمكانية لرأب الفراغات التي زرعها المشروع الأطلسي، بتمزيق المنطقة إلى أعراق ومذاهب وقبائل؛ فالإسلام المفتوح والمعتدل هو الخاصية الأكثر مشاركة في المنطقة، وهو ما كان يمكن أن يمثل أفضل درعا لحمايتها، وعنصرا يعزز المشترك في زمن يعمل فيه الجميع على إذكاء الفرقة والاختلاف...
كان من الممكن أن ينتبه الإسلاميون إلى أن الغول الأطلسي لا يميز بين إسلامي وليبرالي وقومي ويساري وعلماني، لا سيما بعد انكشاف نتائج التحالف في أفغانستان، وحرب العراق، وأن الهدف هو ضرب الأبيض بالأسود، وتمزيق المنطقة إربا، وأن مصلحتهم هي أن يكونوا شركاء مع القوى الأخرى، من أجل مستقبل يحمل معه الاستقرار والحرية والكرامة؛ فهل كانوا كذلك؟
جاء بعد ذلك "الربيع العربي" بأزراره وأوزاره تقاطعا لكل النوايا الطيبة، التقت فيه كل الإرادات الحسنة، وشقت لها طريقا من أجل غد أفضل... استفاد الإسلاميون من هذا الحراك ووصلوا إلى الحكم في مصر، وتونس، وشاركوا فيه في المغرب واليمن، وكان من الممكن أن يتحقق لهم نفس الوضع في بلدان أخرى لو أن المسار الديمقراطي وجد مسالك أفضل، فكيف تعاملوا مع شركائهم في الثورة؟ وهل تصرفوا كأغلبية سياسية حكيمة؟
هل نجح الإسلاميون أن يكتشفوا، في خضم الثورة، أن الحق في التنوع والاختلاف لا يعني الآخرين فقط وأنه يشمل تلويناتهم العقدية، والمذهبية، والسياسية كذلك؟ هل اعترفوا بهذا التنوع؟ وهل احترموه؟ وهل بذلوا مساعي صادقة وجدية لتجسير هذا التنوع المذهبي والسياسي فيما بينهم؟
للأسف؛ أعمى غول السلطة الإسلاميين في بلدان "الربيع"، فأقبلوا عليها بشراهة شقتهم إلى فسطاطين: إخوانيين وسلفيين (دون الدخول في تفاصيل التنوع داخل هذين الفسطاطين نفسيهما)، فأقصوا بعضهم البعض، وأقصوا من هم دونهم حتى فشلت ريحهم في مصر، وأشرفت على ذلك في تونس، وهما البلدان اللذين نجحا في تحقيق أكبر انتصاراتهم فيها. أما في البلدان التي شاركوا فيها في السلطة، فقد تحولوا من قوة منافحة عن المجتمع إلى قوة في يد الدولة، وأعادوا إنتاج نفس السيناريوهات التي رأيناها مع القوى الأخرى في الماضي، و بصورة ممجوجة أحيانا.
لقد أدى "حب السلطة" بالإسلاميين في مصر، وتشبتهم بها إلى تفكك الكتلة التي أنجزت الثورة، وعودة العسكر إلى الحكم، فأعادوا دواليب التاريخ إلى الخلف. ولحسن الحظ أن الحس النقدي لحركة النهضة لا زال حيا بصورة جعلها تستتفيد من الدرس المصري، وتقفز فوق المطب الذي كاد أن يفتك بها، ويودي بتونس إلى مهالك لا تحتملها...
إن لا تاريخانية (المقصود هو العودة إلى أحقاد الماضي لتبرير تطاحنات الحاضر) التجربة السياسية لدى الإسلاميين ليست إلا الرزية الأصغر، أما الرزية الأكبر فهي أنهم حولوا الإسلام من درع حام للمنطقة إلى شتات مذهبي وإقصائي يمزقها. تصرف جزء كبير من إسلاميي "السنة"، وقسم من إسلاميي "الشيعة" كعصب مذهبية، وعادوا إلى التاريخ لكي يلتقطوا جميع مبررات الاقتتال المنسية، ففتحوا أوطانهم للغازي والأجنبي، وهيؤوا الشرط الإقليمي لخسارة قضاياهم الكبرى، وفقدان مقدساتهم المحتلة، ربما، إلى الأبد.
لم يتصرف الإسلاميون منذ اندلاع ثورات "الربيع العربي" كسياسيين، ولا حتى كمسلمين بل تمنطقوا بمذاهبهم، وخاضوا حروبا مدمرة على بعضهم البعض، استفاد منها أعداؤهم فقط: من المستفيد من تدمير العراق وسورية التي كان يطلق عليها، وإلى عهد قريب، مسمى دول الطوق؟ من المستفيد من استمرار الحصار على غزة؟ ومن العزلة التي ما فتئت تعانيها السلطة الوطنية في رام الله؟ وإلى أية درجة لعبت هذه الأيديولوجيا العقيمة دورا في تحويل الصومال إلى دولة فاشلة، وتقسيم السودان؟ وما هو نصيبها من المسؤولية في محو التنوع الديني والثقافي، الذي كان عنصر قوة واستثناء في المنطقة العربية، ودليلا على تسامحية المسلمين في مقابل المذابح الدينية التي عرفها الغرب؟
أكثر من هذا، وحتى بمقاييس المذاهب، ألا يحق لنا أن نقول أن: الأغلبية "السنية" المطمئنة على وضعها هي من يفترض أن يعطي الضمانات للأقليات النووية؟
كان الشيعة العرب دائما معتزين بانتمائهم لمدرسة النجف، في مقابل مدرسة قم الفارسية، لا سيما مع وجود أغلب المراقد المقدسة في العراق، وكان انتماؤهم إلى المنطقة العربية غالبا على أي انتماء آخر، لكن بدل أن يعمل "الإسلاميون السنة"، حكومات وحركات، على الدفع بمنطق التقارب، تحت مظلة منظمة المؤتمر الإسلامي أو خارجها، سقطوا في سياسة المحاور، وفي المزايدة الإخوانية السلفية، فدفعوا بجانب من الشيعة العرب إلى البحث عن الحماية، والتخندق خارج المنطقة العربية، تماما كما وجد عدد كبير من أصحاب العمائم السنية في تركيا "الحلف الطلسي" راعيا مريحا.
بهذه الصورة حول الإسلاميون الإسلام من قوة جامعة إلى أداة مشتتة، وخربوا دول الطوق في سورية والعراق ولبنان بالتشجيع على أولوية "قتال الروافض"، تحت مبررات استعاروها من التاريخ، ومن قواميس التبديع والابتداع المتهالكة، بل ووضعوا "حركة حماس" وبقية فصائل المقاومة في غزة في حيص بيص، بين من يمدها بالسلاح والتدريب، وبين من يقبل أن يغمض أعينه أو أن لا يغمضها على مرور هذا السلاح والتدريب.
لقد خسرت "حماس" جزءاً أساسيا من الدعم العسكري والسياسي الذي كانت تتلقاه دون أن يكون هناك من يمكنه أن يعوضها ما خسرته، لا سيما وأن المحور السني انقسم بدوره إلى معسكرين يقاتلان "عدوا واحد مفترضا" في سورية، ويقتتلان بصورة أشد فيما بينهما، بينما يجري أحدهما وراء الآبار النفطية في العراق (داعش) ويكتفي الآخر (النصرة) برفع علم الانتداب على سورية على بوابة القنيطرة، أمتارا قليلة في مقابل القوات الإسرائيلية، كما هو الحال بين حرس الحدود في أي بلدين متجاورين.
عندما نمعن في هذه الأخطاء التي يؤدي كل العالم العربي والإسلامي ثمنها، يبتبين لنا أن جريرة الإسلاميين أنهم تصرفوا كقوة دينية حين كان يفترض بهم أن يتصرفوا كقوة سياسية، وكطائفة مذهبية حين كان يجب أن يتصرفوا كقوة دينية حكيمة ومتسامحة.
إن هذه الأخطاء التي دفع العالم العربي ثمنا كبيرا لقاءها لا زالت قابلة للمراجعة والإصلاح إذا انتبه "الإسلاميون" أن قوتهم الحقيقية إنما هي في المجتمع، وأنهم إذا خسروا المجتمع فلن تقوم لهم قائمة بعد ذلك.
لا زالت هذه الأخطاء قابلة للإصلاح إجمالا، إذا انتبه الإسلاميون أنهم بولج المجال لم يعودوا يمارسون العقيدة بالمعنى الشخصي والتقليدي، بل أصبحوا يرتدون جبة السياسة، من الرأس إلى أخمص القدمين، وأن القرارات السياسية لا تؤخذ بناء على المذهبية الضيقة، ولا حتى على التأويلات الدينية الأعم، ولكنها تنبني على رؤية سياسية للمرحلة، في ظل إحساس عميق بالمسؤولية، وبناء على مشروع قادر على التحقق، بالاستناد إلى قاعدة بشرية، وإلى حلفاء سياسيين، وإلى قيم أخلاقية وسياسية، وأن السلطة ليست إلا وسيلة لذلك، بل قد لا يصبح لها من معنى خارج هذه الأهداف.

 

-----------------------------------------------

*أستاذ جامعي في المملكة المغربية ورئيس مركز الدراسات والأبحاث الإنسانية في الدار البيضاء

 

عن الثقافة العربية وكيفية احياء دورها الحضاري

للثقافة معنيان متمايزان، لكنهما متواصلان: أحدهما عام والآخر ذو مدلول محدد. في المعنى العام نقصد بالثقافة عموم خبرة المجتمع، الحاضرة والموروثة: أي النمط الكامل لحياة المجتمع، بما في ذلك لغته، أدبه، فنونه، نمط عيشه، سلوكه الاجتماعي، ترتيبه لأولوياته، وطريقة تعامله مع قضاياه واهتماماته.
 بهذا المعنى العام نستطيع القول أن كل مجتمع وطني، كبير أو صغير، يعيش ثقافة خاصة به، بصرف النظر عن جدارة ثقافته، وأن هناك مئاتا من الثقافات عبر العالم تتمايز عن بعضها في الموروث من الخبرات والعقائد والأعراف، وتتفاوت في حاضرها بمقدار استقرارها الاجتماعي، نضجها السياسي، انضباطها الخلقي، ومحصولها من المعرفة ومهارات التنظيم والإنتاج.
بهذا المعنى أيضا تشكل الثقافة أحد أهم المكونات الخمس لهوية المرء، إلى جانب الوطن، الدين، العرق، التخصص المهني. على أن الثقافة والعرق هما الأدل على الهُوية، كونهما الأعمق جذرا في تكوينها، فقد يستبدل امرؤ، إذا ما شاء، وطنا بوطن، دينا بدين، مهنة بأخرى، لكنه لا يملك أن ينسلخ من ثقافته أو عرقه بمجرد أن يريد.
أما المعنى الآخر للثقافة فيدل تحديدا على نصيب موفور من المعرفة والتهذيب، يتحلى به شخص ما فنقول عنه أو عنها أنه أو أنها شخص مثقف. في النسق نفسه، عندما نعهد في شخص ما تميزاً معرفيا وخلقيا، نقول أنه أو أنها على ثقافة عالية. من ذلك تتضح لنا مفارقة ظريفة: مع أننا بالمعنى العام للثقافة نستطيع القول أن لكل مجتمع ثقافة، في المعنى الآخر لا نستطيع القول أن كل فرد ضمن أيما ثقافة شخص مثقف. هذه الثنائية في معنى الثقافة نجد ما يوازيها في اللغة الإنكليزية: فكلمة culture تعني خبرة المجتمع ككل، كما تعني الوفر المعرفي والصقل الخلقي على صعيد الأفراد.
*من هو المثقف؟
هو الشخص الذي يمتلك قدرا وافيا من المعرفة بقضايا العصر، وطنية وعالمية، بحيث يستطيع أن يكوّن رأيا حصيفا إزاء ما يهمه منها، وأن يعبر عن رأيه ويدعو اليه الآخرين إذا شاء. لا يكون المثقفون بالضرورة على توافق في آرائهم، كما لا يكون جميعهم على نفس درجة الاهتمام والالتزام بالقضايا العامة. لا ضير ولا غرابة في ذلك، فللناس رؤاهم، والمثقف كأي واحد منهم، مواطن حر، إذا شاء أسهم في قضايا مجتمعه، وإذا شاء عزف.
*ما علاقة الثقافة بالحضارة؟
من نظرنا في التاريخ لا نجد حضارة إلا أنها نشأت وليدة ثقافة حية استثرت ذاتيا بتقدم معرفي، بمراس على التنظيم، بوفر في الإنتاج، وبرقي في الأخلاق. بهذا المعنى، الثقافة أم الحضارة، لكننا نجد البنت َسرعان ما تتفوق على الأم عندما الحضارة، بأفق أوفى وأشمل نظرا في الشأن الإنساني، تتجاوز إطار الثقافة التي خرجت من رحمها بادئ الأمر. هكذا تحصل في الخبرة العربية الإسلامية عندما تحضرت الثقافة العربية بالإسلام، ولاحقا استقبلت معارف حضارات أخرى، معاصرة وسابقة. هكذا تعدت الثقافة العربية حدود ذاتها وأنجبت حضارة الإسلام.
*ما العلاقة بين الثقافة العربية والقومية العربية؟
العروبة قومية ثقافية بقدر ما هي ثقافة قومية، لذا نفي وجود القومية العربية، كما نسمع ادعاء ذلك أحيانا من البعض، في الحقيقة نفي لوجود الثقافة العربية التي ارتبطت بها ولا تزال هوية الإنسان العربي، داخل الوطن العربي وفي المهجر.
في واقع الحال المتشخص بالقومية العربية متشخص بالثقافة العربية، والعكس صحيح، بصرف النظر عن فارق عرق أو دين أو لون أو منشأ وطني. ذلك أن العروبة يوم أن تحضرت بالإسلام خفضت العرق وأعلت الأخوة في الدين والتماثل في الخلق، شجبت التفاضل بالمال والجاه والسلطة، وباركت التمايز بالتقوى والعلم وخدمة الناس. إثر فتح مكة، أعلن النبي العربي الفصم بين الماضي الجاهلي المؤكد عصبية العرق، والحاضر الإسلامي المؤكد كرامة الإنسان، فدعا قومه إلى ترك الاستعلاء بالنسب، وأصّل بينهم المساواة. قال مخاطبا قوما ما عرفوا قبلاً سوى العصبيةَ القبلية قاعدةً للحياة: "يا معشرَ قريش: إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء. الناس من آدم وآدم من تراب".
بذلك أخرج نبي الإسلام قومه من عروبة عرق ونسب قبلي إلى عروبة ثقافة رحبة، متوائمة مع عالمية الإسلام وإنسانية مقاصده. بذلك أهّل العروبةَ لتكون الثقافة المركزية في الإسلام، لتكوّن أمة وسطا شهيدة على نفسها وشاهدة على الناس، ولتسلك بذلك مسلكَ القدوة بين الأمم. قبل ذلك وصف القرآن الكريم نفسه مكررا بعربي، لا انتساباً لعرق، وإنما اتصافاً بثقافةٍ شرحة بليغة خيرة.
*هل نحتاج لاستراتيجية ثقافية؟
نعم نحتاج. ذلك لأن حفظ الثقافة بالنسبة لنا يعني حفظ الهوية الوطنية والقومية بسواء. من هنا ضرورة أن يكون لدينا عملا نشطا وهادفا لأجل تعزيز الارتكاز الثقافي وتوطيده. من أهم استحقاقات المرحلة الراهنة، على ما أرى، تأصيل ثقافة المعرفة في خبرتنا الوطنية، بمعنى إحداث حراك ثقافي يعرّض أفقنا الفكري، ينمّي رصيدنا المعرفي، يطور قدراتنا العملية، ويمكننا من إنجاز تقدم كمي ونوعي معا في ترادف واتساق. ذلك يعني تأصيل المعرفة كقيمة متصدرة بين القيم التي نعتد بها، نحتكم إليها، ونستبصر بمعطاها في تدبير ما يعنينا من شؤون عامة وخاصة. بذلك نولي ثقافتنا الوطنية - الموصولة طبعا بالثقافة العربية عبر الوطن العربي الكبير - وجهة معرفية تتطور بها مع الزمن إلى ثقافة معرفية بامتياز، قادرة على دعم تنمية وطنية إنسانية، جامعة ومستدامة. إجمالا، أرى أن يكون التركيز الثقافي، وطنيا وعربيا، على الأبعاد التالية:
البعد الفكري: لأجل ضمان سلامة منهجية التفكير
البعد المعرفي: لأجل إنماء ثقافة المعرفة
البعد الاقتصادي: لأجل زيادة الإنتاج وعدالة التوزيع بترادف واتساق
البعد الخلقي: لأجل تأكيد ضرورة الاستقامة في الحياة
البعد الإصلاحي: لأجل تفعيل التوجه الإصلاحي كواجب وطني مستدام
البعد العروبي: لأجل تعزيز الثقافة العربية بمضمونها الحضاري
البعد الإنساني: لأجل تأكيد المشترك الإنساني عالميا
*ماذا يتطلب العمل لأجل تفعيل هذه الأبعاد في الثقافة العربية؟
يتطلب وعيا جماهيريا بأهمية الثقافة كحاضنة جامعة ترتبط بها الهوية الوطنية والقومية معا. يتطلب رعاية من الدولة من حيث توفير ممكنات النماء الثقافي. يتطلب إسهاما فاعلا من المثقفين من خلال أعمالهم الأدبية والمعرفية وعموم نشاطاتهم المدنية. يتطلب غرسا مبكرا من خلال المناهج التعليمية لتنشأ الأجيال مثمنة ثقافتها العربية الإسلامية التي شكلت تاريخيا ولا تزال إحدى أثرى الروافد في تنظيم الشأن الإنساني وترشيده عبر العالم.
* ثورة ثقافية؟
لا أراني مائلا إلى خيار الثورة من أي نوع للتعامل تصحيحيا مع أيما شأن وطني. الثورة قلما تكون مأمونة العواقب، بل إنها في الأعم تتلف أكثر مما تفتح مجالا للتعمير. ذلك أن الإتلاف سهل، أما الإعمار فشاق ومكلف. تجارب العالم العربي بالثورات مريرة ومخيبة على امتداد الحقب الأخيرة. الأجدى أن نثابر بإصرار على مسار الإصلاح بمنهجية مؤسسية تطويرية مستدامة. خير أن نتقدم حثيثا ضامنين سلامة ما ننجز من أن نخاطر بفورة ثورية يصعب التحكم في مسارها ودرء ما قد تحدث من تلف. من دروس التاريخ الحديث: الثورة الثقافية في الصين على امتداد عقدٍ بين الستينات والسبعينات من القرن الماضي ألحقت بالبلاد أفدح الأضرار. من بعدها نهجت الصين نهجا تطوريا في الإصلاح.
* تأثير وتأثر الثقافات المختلفة في سياق التطور المرتقب
في سياق التطور الحضاري الذي أرصده عبر العالم أرى توجها متسارعا نحو مماثلة مؤسسات الحكم وأطر حقوق الإنسان واستحقاقات المواطنة من جهة، ومماثلة أنماط العيش والإدارة والإنتاج والتجارة والتعليم وسواها من مرافق الحياة، من الجهة الأخرى: اجمالا، أرى عولمة بامتياز. من ذلك أستشرف تبلور حضارة عالمية ذات معايير ومواصفات إنسانية موحدة، تتناغم تحت سمائها سائر الثقافات بفاعليات متفاوتة بمقدار ما تمتلك كل ثقافة من عناصر التقدم وقدرات التأثير. من هنا أرى فرصة أمام مختلف الثقافات، من خلال إسهامات إيجابية وفاعلة، أن تجعل حضارة الغد حضارة جامعة، راسية في مبادئ وقيم أخلاقية عالمية، وملتزمة بمقاصد عليا تخدم الشأن الإنساني بأسره، كما في مجالات ضمان حقوق الإنسان، حفظ الأمن، نشر العلم، تحقيق اليسر المعيشي، حفظ البيئة الطبيعية، توفير العناية الصحية، وسواها من الأمور الحيوية التي تسعى لتحقيقها في أوطانها سائر الشعوب.
إجمالا، أطمح أن أرى حضارة الغد حضارة إنسانية بامتياز: رحبة ونبيلة، مستوعبة وراعية لتنوع خبرات الشعوب. فمع أن الحال الإنساني في جوهره حال واحد، وهو الفطرة التي فطر الله الناس عليها، حال يصلح بذات الأسباب ويفسد بذات الأسباب مهما كانت الفوارق الثقافية، إلا أن خبرات الشعوب تتنوع، وفي التنوع تكامليا إفراز لخير ما يمكن أن يحققه الإنسان على مدرج الارتقاء. إن تاريخ الحضارات، من حيث نهوض كل حضارة بدفع من حضارة سبقتها أو زامنتها، يشهد لمثل هذا التدافع الإيجابي المستدام بين الأمم.
الثقافة العربية، بمركزية موقعها في حضارة الإسلام، تأتي بمخزون حضاري وفير يؤهلها أن تشكل رافدا عظيما من روافد حضارة الغد الجامعة، لكن هذا لن يتأتى من حال الركود العربي الراهن. لكي يكون للثقافة العربية إسهام جدير في حضارة الغد لا بد لأهلها أن يحدثوا أولا تحولا ذاتيا في ثلاثة أمور حيوية:
- عليهم أن يتضامنوا فيطوروا مجتمعا عربيا متواصلا، متكاملا ومتعاونا في تفعيل شتى إمكانات الحياة الإيجابية، ومن ثم أن ينجزوا تنمية إنسانية شاملة ضمن الأوطان وعبر الوطن العربي الكبير.
- عليهم أن يرتقوا إلى نظام ديمقراطي واف وشفاف، نظامٍ قائم وضوحا على مبدأ المشاركة العامة في صنع القرار العام.
- عليهم اقتباس معارف العصر، ومن ثم إنماؤها ذاتيا، وانتهاج المنهج المعرفي في تدبير الشأن الوطني والقومي بأفضل ما يستطاع، وعمل هذا كله بتواؤم مع المشترك الإنساني الذي ينبغي أن تنتهي إليه وتصب في إنمائه الإسهامات البناءة من نتاج جميع الثقافات.
* دور المثقفين العرب في إحياء الثقافة العربية
إحياء ثقافة أيما أمة لا يكون خارج إطار إصلاح وإنماء وضع تلك الأمة ككل، وإنما يأتي شقا حيويا من برنامج الإصلاح والإنماء. لقد جاء تراجع الأمة العربية وانحسار ثقافتها ضمن تراجع الخبرة الإسلامية عامة، وجاء مُسبَبا بأربع: بتجزؤ الوطن، بهجر الشورى، بالانصراف عن الاجتهاد المعرفي، وبالاختصام الداخلي. إعادة بناء وضع الأمة وإحياء ثقافتها يتطلب نقضا لعناصر التراجع تلك: يتطلب تحديدا توجيه الأوطان والأمة ككل وجهة التضامن والحوكمة الرشيدة والتقدم المعرفي والوئام الاجتماعي. ذلك بدوره يتطلب ريادة تاريخية فائقة من المثقفين العرب، بل وتثبتا شجاعا في الصدق والصبر واللاعنف، مع الاستعداد طردا لبذل جهد جهيد ومديد.
العروبةُ ثقافةٌ ثرةٌ خيرة: في طيها سمين أكثر كثيراً من زبد، طيب أكثر كثيراً من غث، صالح أكثر كثيراً من طالح. حريٌ بهذا السمينِ والطيبِ والصالحِ أن يُستظهر، وخليق بعرب هذا العصر أن يدَعوا الزبَدَ والغث والطالح ويُعنوا تحديدا بما يصلح ويفيد. لا تتقدم ثقافة، بل لا تتعافي، دون أن تتجاوز سلبيات ماضيها، ودون أن تستحضر إيجابياتٍ انبنتْ فيها من قديمٍ، فتحي تلك من جديد. ولو أن كل جيل آثر قعودا قي ماضيه على نهوض في حاضره وطموحِ صعودٍ في مستقبله، لما خطت أمةٌ خطوةً إلى الأمام.
============================
*صادق جواد سليمان، سفير عُماني سابق في واشنطن وطهران، والمنشور أعلاه هو من نص مقابلة في العدد الأول لمجلة "شرق-غرب" العمانية: عدد يوليو/أغسطس 2014. المجلة شهرية ثقافية تصدر في مسقط عن دار "زوايا للصحافة والنشر". أجرى المقابلة مدير تحرير المجلة، عقيل بن عبد الخالق اللواتي.