الأحد 30 نيسان/أبريل 2017
TEXT_SIZE

ملامح الإقتصاد السياسي للصراع في العراق

د. مظهر محمد صالح*
تعيش الجغرافية السياسية للعراق ومنذ 10 حزيران 2014 وحتى اليوم الى تعرض عسكري وعمليات حربية واسعة ومكثفة في مواجهة قوى إرهابية خارجية إحتلت عدد من المدن والبلدات في غرب وشمال غرب العراق، معززة بعمل وإسناد مجموعات مسلحة محلية غامضة في تحالفها مع القوى الإرهابية. كما حل اللوجستك العسكري والعمليات القتالية محل متطلبات الإستقرار و البناء و إستمرار النشاط الإقتصادي المدني والعمليات الانتاجية و التسويقية المرتبطة به وعلى امتداد مساحة من أراضي جمهورية العراق زادت على 35% منه.
في حين تعرضت محاور النقل والتوريد وإمدادات السلع والبضائع والمستلزمات المختلفة وإنتقال الاشخاص من والى خارج البلاد عبر الطرق البرية الى التعثر والإنقطاع ولاسيما المحاور الغربية والشمالية والشمالية الغربية منها، معرضّة في الوقت نفسه إمدادات البلاد ومستورداته من شركاء العراق التجاريين من دول الجوار او من خلال النقل العابر(الترانسيت) منها الى الشلل او التوقف ولاسيما بلدان: سوريا والاردن وتركيا .ولايخفى أن النشاط الإقتصادي، ان وجد اليوم، في مناطق الصراع مع الارهاب، ( او التي هي تحت مفهوم الإحتلال حالياً)، لا يُعتد به في الحسابات الاقتصادية للدخل القومي، بل هي ضمن الإقتصاد الأسود او غير القانوني .
فالتقديرات الأولية تؤشر ان ثمة تدهور في مكونات الناتج المحلي الاجمالي في تلك المناطق يقدر بنحو 10% من قيمة الناتج الاجمالي المذكور سنوياً، والذي اصبح ضمن الإقتصاد غير الشرعي وخارج الحسابات الوطنية او حسابات الدخل القومي، ناهيك عن الدمار الذي حصل في الثروة الوطنية من بنى تحتية مختلفة ومكونات راسمالية مادية منتجة، أمست محطمة او متوقفة عن العمل او مسروقة اوتحت سيطرة الارهاب حالياً. واذا كان حجم السكان ممن هم تحت خط الفقر يقدر بنحو 19% قبل العاشر من حزيران في عموم العراق، فأن خط الفقر قد زاد اليوم ليلامس نسبة لاتقل عن 30% من سكان البلاد او اكثر، ويعزز ذلك وجود مليون ونصف مهاجر من المحافظات موضوع الصراع مع الارهاب، مضافاً اليهم معاناة السكان المحليين انفسهم ممن يواجهون الإرهاب بشتى الوسائل والذين إنقطعت بهم سبل الحياة المدنية وأساسيات الحياة كافة، كخدمات المياة والصحة والدواء والتعليم والكهرباء والعمل المنتج للدخل والإستقرار الإجتماعي وإنعدام معايير الحرية والتعبير عن الراي ونفاذ القانون.
ولايخفى ان مؤشرات البطالة الفعلية التي بلغت 12% قبل العاشر من حزيران قد ارتفعت اليوم وفق تقديراتنا الاولية الى 20%، او ربما اكثر بسبب توقف النشاط الإقتصادي في خمس محافظات تشكل اليوم مسرحاً للعمليات العسكرية. علما ان البطالة الفعلية بين صفوف الشباب ربما ترتفع إجمالاً الى 38% في الوقت الحاضر بدلا عن 24-28%، كما كان مقدر لها.
أصبحت إقتصاديات جنوب ووسط العراق اليوم، (عدا كردستان)، بمثابة القوة الإقتصادية الوحيدة الماسكة بزمام الوضع الإقتصادي الكلي والرافعة المالية في البلاد. فسلامة العمليات النفطية وإرتفاع طاقات إنتاج تصدير النفط الخام من حقول الجنوب والإنتاج الزراعي المحلي المستقر نسبياً هناك، فضلا عن التوسع في توريد السلع واللوازم المختلفة وانتقالها برا اوبحرا عبر الممرات الجنوبية والجنوبية الشرقية للبلاد، قد اسهمت بشكل واضح في الإستقرار الإقتصادي للعراق. كما ان إرتفاع إجمالي صادرات العراق من النفط الخام من الحقول الجنوبية الى حوالى مليونين وتسعمائة الف برميل يومياً (2,9 مليون برميل/يوم) ، سيعزز من عائدات العراق وموارده المالية، ذلك بغض النظر عما أصاب حقول نفط كركوك من مفاجآت أدخلته بعد العاشر من حزيران ضمن الخلاف الناشب بين المركز والاقليم، (اقليم كردستان).
وبناء على ذلك فان إنتاج حقول نفط كركوك البالغة 400الف برميل يومياً، (كمعدل معد للتصدير)، مضافا اليها 400 الف برميل يومياً تصدرمن حقول كردستان وعلى وفق مؤشرات موازنة عام 2014، (غير المقرة)، قد وضع السياسة المالية الإتحادية و مشروع قانون الموازنة أمام تحدي جديد آخر. فبدلا عن تسوية الخلاف على عوائد تبلغ 16 مليار دولار سنويا عن قيمة تصدير نفط خام حقول كردستان في موازنة عام 2014، فأن الامر سيتطور الى موضوع اضافة 16 مليار دولار أخرى سنويا في قائمة الخلافات النفطية بين المركز والإقليم في حال تصدير نفط كركوك ضمن سلة صادرات نفوط كردستان مستقبلا .

ان إقتصاد الحرب في وضعه الحالي الذي كان يكلف نفقات اضافية يومية على ميزانية البلاد بنحو 5-6 مليون دولار قبل احداث 10 حزيران المنصرم، اصبح بدون شك في وضع مختلف في مستوى تحمل أعباء مواجهة الإرهاب بعد 10 حزيران والتي غدت تكلّف البلاد يوميا أربع مرات ماكانت تتحمله من نفقات اضافية يومية قبل العاشر من حزيران والتي يقتضيها اليوم مسرح العمليلت من متطلبات الإسناد والتجهيز والتعبئة الحربية. وننوه ان مستوى المعيشة في البلاد لم يتأثر ولاسيما في الجغرافية السياسية الآمنة والبعيدة عن مجريات الحرب المباشرة والصدام المسلح مع الإرهاب. فسياسة الباب المفتوح في توفير عرض فائض من السلع واللوازم والخدمات الى السوق العراقية، كمستوردات تموّلها عوائد النفط أصبحت ظاهره متجذّرة في الحياة الاقتصادية العراقية. فاستيراد المواد الإستهلاكية من مختلف المناشيء وبقوة تنافسية للمناشيء الرخيصة، قد جعل الرقم القياسي السنوي لاسعار المستهلك، (كمقياس للتضخم)، يسجل مستوىً متدنياً من حالات اللاتضخم بل وفر درجة عالية من الإستقرار المائل نحو الركود اي إستقرار مصحوب بالبطالة وهو امر يثير مخاوف من شبه ركود اقتصادي في حاضنة ريعية، كثيفة الموارد المالية، ضعيفة الانتاج وشديدة البطالة. فبعد ان بلغ التضخم السنوي المحسوب في شهر نيسان من العام الحالي نسبة متدنية لا تتجاوز، ( 1 واربعة من المئة )، صاحبتها نسبة من البطالة الفعلية بنحو 12%، نجد في الوقت نفسه، وعلى سبيل المفارقة، ان الرقم القياسي السنوي لاسعار المستهلك في الولايات المتحدة الامريكية قد سجل في شهر مايس نفسه، ( 1 وسبعة من المئة)، وبنسبة بطالة بنحو 6% (ونيف)، مما يعني ان الإقتصاد الامريكي قد بدأ يغادر مرحلة الركود صوب الإستقرار في وقت ظل الاقتصاد العراقي منغمساً بحالة إستقرار سعري فريدة في نوعها مع ميل الى الكساد بسبب البطالة العالية. ولكون العراق يقع ضمن منطقة الدولار الامريكي، فان القيمة الحقيقية لسعر صرف الدينار العراقي امست اعلى من سعر صرف الدينار الاسمي المعلن. وان مافعله البنك المركزي من سياسة نقدية، (متساهلة)، ذلك بخفض الفائدة على حسابات الودائع لديه الى 1% وهو اجراء صائب لاسناد العمليات الإئتمانية التي تؤازر التنمية والإستثمار الحقيقي، ولكن على الرغم من ذلك فقد ناقض البنك المركزي نفسه بإعلانه عن سياسة إنكماشية، (متشددة)، مفادها بيع مايساوي (5 ) ترليونات دينار من حوالات البنك المذكور لسحب السيولة النقدية الممثلة بالاحتياطيات النقدية المصرفية الفائضة، مما عُدّ امرٌ متناقضcontradictory ،، في تسيير السياسة النقدية نفسها بإجراءات غير متماثلة في وقت واحد!! وبهذا لابد من التوقف عن عمليات السوق المفتوحة ذات الطبيعة الإنكماشية القاضية ببيع حوالات البنك المركزي بالدينار العراقي، كسياسة متشددة إنكماشية تستهدف السيطرة على مناسيب السيولة، والتي إذا ما تحققت فعلا ستتولى التاثير بسحب ما لايقل عن 13-15% من النقد الأساس المتداول في السوق المصرفية، مضافا الى ذلك الآثار الإنكماشية البالغة في إستمرار فاعلية مزاد بيع العملة الاجنبية ودوره في تعقيم السيولة النقدية بالدينار وإمتصاصها على نحو فائق يومياً. الامر الذي سيعظّم من قوة الإنكماش الإقتصادي وإستمرار حالة الركود

إنعكست أحداث ما بعد 10 حزيران 2014 على الإقتصاد الوطني وحالة التوقعات فيه مولّدة على الرغم من ذلك اثارا طفيفة في إرتفاع مستويات التضخم والتي يعود معظمها الى حالة الطلب المفاجيء على المواد الغذائية والوقود وخلق توقعات تضخمية مؤقتة. ففي شهر مايس الماضي، (وقبل اندلاع الأعمال الإرهابية على نطاق واسع)، شهدت البلاد على سبيل المثال انخفاضاً بالغاً في فقرة المواد الغذائية، (والتي يؤلف وزنها في فقرات الرقم القياسي لإسعار المستهلك بالعراق، (كمقياس للتضخم)، بنحو 30% من الفقرات الإجمالية لذلك الرقم القياسي. ولكن جاءت الأحداث العسكرية وعملياتها في مواجهة الإرهاب وانعكاساتها في تصرفات قوى السوق المحلية ذات تاثير واضح، إذ تعرضت فقرة المواد الغذائية الى الإرتفاع المفاجيء في شهر حزيران مقارنة بشهر مايس من العام الحالي بنحو يزيد على ( موجب 3%) في حين شهدت الفقرة نفسها في شهر مايس مقارنة بشهر نيسان الماضي انخفاضاً مفاجيً بلغ (سالب 5%). ولاسباب موضوعية وسلوكية ناجمة عن احداث 10 حزيران، قام الافراد من فورهم بالطلب الاضافي على المواد الغذائية القابلة للخزن وخلق إنفاق إضافي على العرض المتاح. في حين تحسست السياسة الإقتصادية الموقف وعمدت على مواجهة الطلب الفائق على المواد الغذائية عبر توسيع مصادر الإستيراد وتخفيف معايير وضوابط التوريد السلعي والإكتفاء بشهادة المنشأ من منافذ الإستيراد المختلفة .علماً ان المحورين الجنوبي و الشرقي واللذين تم استحداثهما قد ساعدا على التدفق السريع للسلع من دول الجوار و ساهم في إمتصاص موجّة الطلب ويسر من العرض الغذائي ومخزوناته حالا، فضلاً عن الغاء، (الرزنامة)، الزراعية للموسم الصيفي التي فرضت على توريد العديد من السلع الزراعية المنافسة للمنتج المحلي والمتدفقة من دول الجوار وبنحو 15 منتج.
وعلى الرغم من ذلك فقد إرتفع التضخم السنوي المقاس في شهر حزيران ليبلغ 2 ونيف بالمئة بدلاً من 1 ونيف من المئة، مما يعني ان الإقتصاد الوطني مازال في دائرة الإستقرار العالية حتى الساعة، ولكن مازالت ترافقه اليوم بطالة قسرية إضافية ولدّها إحتلال الإرهاب لاكثر من محافظة في آن واحد وعطّل نشاطها الإقتصادي.
--------------------------------------------------------------
 * باحث إقتصادي ونائب محافظ البنك المركزي السابق حقوق النشر محفوظة لشبكة الإقتصاديين العراقيين ، بغداد في 12 تموز 2014. يسمح بالاقتباس واعادة النشر بشرط الاشارة الى المصدر

 

العقل والحوار ودورهما في معالجة الغلوّ

أ.د. أسعد السحمراني* --- أستاذ العقائد والأديان المقارنة في جامعة الإمام الأوزاعي
تمهيد وإشكاليات: حلّت في العالم نوازل الغلوّ والتطرّف في أكثر من أمّة، وموقع، وجهة من جهات العالم أجمع، وقد تجلّى ذلك من خلال مظاهر متعدّدة منها الاستعمار الاحتلالي الذي أعطى لنفسه الحقّ في اغتصاب أرض الآخرين، واستباحة حرماتهم، ومنه الاستعمار الاستيطاني الإحلالي كما الحال في الاغتصاب الصهيوني لفلسطين، ومن مظاهر ذلك نشر القواعد العسكريّة، والأساطيل الحربيّة، وانفلات الرأسمالية المتوحّشة من أيّة قيود أو ضوابط. وقد ترافق هذا كلّه مع غلوّ تحت ستار الالتزام الديني عند أكثر من فريق، أو مجموعة تلتزم فقهاً معيّناً، أو فكراً خاصاً، وقد أدّى ذلك إلى ازدياد الغلوّ، ونمو حركات التطرّف، وبروز التعصّبات الرديئة هنا وهناك.
إنّ التطرّف والعصبيات ليسا خاصّين بالمسلمين وحدهم كما ينتشر في وسائل الإعلام، بل الصحيح أن المناهج الفئويّة التعصّبيّة قد تصل إلى حدّ العنصريّة في مثل حال الصهيوأمريكان، والذين دفعت أفعالهم ومواقفهم إلى ردّات أفعال غير محسوبة النتائج.
هذه المقالة متّجهة إلى المسلمين لتدرس مكانة العقل والحوار ودورهما في معالجة الغلوّ والتطرّف والتعصّب.
ومن مقاصد المقالة دفع المفتريات عن الإسلام الذي أساء له غلاة من المعادين له أو ممن ينتمون إليه، لأن الإسلام يمقت الغلوّ، ويؤسّس لبنيان اجتماعي قاعدته المركزيّة الرحمة.
يصل الكلام بعد هذا التقديم إلى إشكاليّات منها:
1- هل يقبل الإسلام، دين الرحمة، الغلوّ والتطرّف والتعصّب؟
2- ما هو دور العقل في تحقيق الفهم السليم للإسلام وإزالة الجهل أو مستوى نصف المتعلّم الذي يسبّب التطرّف؟
3- هل يستطيع المنهج الحواري حول موضوعات المشترك الإنساني التأسيس للتعارف الذي يبني علاقات فيها قبول الآخر والإقرار بالتنوّع؟
4- إذا كانت العقلانيّة والحواريّة من الإسلام، ولهما حضور فيه فما الذي عطّلهما ممّا ولّد الحالات التعصّبيّة والعنفيّة التي زرعت فتناً هي أكبر من القتل وأشدّ منه إيلاماً، وهل تزيد الفتن عن القتل في التخريب والدمار وإهلاك الحرث والنسل؟
العقل أكرم مخلوق:
الإنسان كائن عاقل، وقد ميّز الله -تعالى- الإنسان بنعمة العقل، والعقل أساس المعرفة والعلم، وهو مناط التكليف. عند مراجعة "لسان العرب" نجد فيه: " عقل: العقل: الحِجْر والنهى ضدّ الحُمق... ابن الأنباري: رجل عاقل؛ وهو الجامع لأمره ورأيه، مأخوذ من عقلت البعير إذا جمعت قوائمه، وقيل: العاقل الذي يحبس نفسه ويردّها عن هواها، أُخِذ من قولهم: قد اعتُقِل لسانه؛ إذا حُبِس ومُنِع الكلام... والعقل: التثبّت في الأمور... وسمّي العقل عقلاً لأنّه يعقل صاحبه عن التورّط في المهالك، أي يحبسه، وقيل: العقل: هو التمييز الذي به يتميّز الإنسان من سائر الحيوان... وعقل الشيء يعقله عقلاً: فهمه."[1]
إنّ استعراض المعاني والمدلولات التي تقع في دائرة العقل، -وقد مرّ ذكرها- تبيّن أهميّة العقل في الفهم، والضبط، وتجنّب المخاطر، وجعل اللسان في حالة راقية في أساليب التعبير، وبذلك كان العقل دلالة على انتفاء كلّ أشكال الجهل والحُمق، فهو النهى والرشاد.
وقال الزمخشريّ: "عقل فلان بعد الصبا، أي: عرف الخطأ الذي كان عليه."[2]
فالعقل قوّة اكتساب العلوم والخبرات، وهو قوّة مراجعة للأقوال والأفعال كي يصار بعدها إلى تحديد ما هو صواب لتثبيته، وما هو خطأ لتصويبه.
والعقل مناط التكليف، فإذا فقد إنسان عقله بات غير مؤاخذ ولا محاسب ولا يكون مكلفاً بعبادة، ولا هو مسؤول عمّا يفعل، وفي المأثور: "إذا أخذ الله -تعالى- من الإنسان ما وهب سقط ما وجب."
أمّا الحديث النبويّ الشريف فقد جاء فيه: "حدثنا أبو بكر عبد الله بن يحيى بن معاوية الطلحي، وأفادنيه أبو الحسن الدارقطني، حدّثنا سهل بن المرزبان بن محمد ابو الفضل التميمي الفارسي- سنة تسع وثمانين ومائتين- حدّثنا عبدالله بن الزبير الحميدي، حدّثنا سفيان بن عيينة، عن منصور، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عائشة قالت:
حدّثني رسول الله-تعالى- عليه الصلاة والسلام أنّ أوّل ما خلق الله سبحانه وتعالى العقل، فقال: أقبل فأقبل، ثمّ قال: أدبر فأدبر، ثمّ قال: ما خلقت شيئاً أحسن منك، بك آخذ، وبك أعطي.
ثم قال رسول الله-تعالى- عليه الصلاة والسلام: من كان له واعظ من نفسه كان له من الله تعالى حافظ."[3]
نعمة العقل هذه التي خصّ بها الخالق سبحانه الإنسان هي التي جعلته مؤهّلاً للتعلّم، وقد بيّن الحقّ سبحانه ذلك في قوله تعالى: ﴿وإذ قال ربّك للملائكة إنّي جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبّح بحمدك ونقدّس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون. وعلّم آدم الأسماء كلّها ثمّ عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين.﴾ (سورة البقرة، الآيتان: 30، 31).
ما عِلْمُ الأسماء الذي علّمه الله - تعالى- لآدم الإنسان الأوّل؟ الجواب: كلّ شيء أو مخلوق له اسم يتميّز به ويُعرف به، ولكلّ اسم مفهوم، وكلّ مفهوم ينشأ عنه حالة من الإدراك، وكلّ إدراك يتشكّل بكلّ مكوّناته وعياً، والوعي بمجموعه تتبلور منه الفكرة ويكون الإنسان بسبب ذلك مفكراً، والمفكّر من اكتسب معارف وعلوماً، والمعارف والعلوم تمكّن صاحبها من الموازنة والتأمّل تمهيداً للترجيح، والاختيار الإرادي، فيصدر عن ذلك القرار بأمر معيّن، والقرار المفكر فيه، والمبني على العلم والخبرة هو الذي يكون بعده السلوك القويم والفعل المثمر، وبذلك يكون العقل الآدمي المستعدّ لقبول علم الأسماء هو الأساس والمرتكز لما هو سليم من القول والسلوك، ولما هو راقٍ من الفكر والعقل.
إنّ المشكلة هي عند قبيل من الناس تمكّن منهم الجهل، والتزموا السّفه، وهؤلاء عطّلوا عمل العقل بمهامه المتعدّدة والمتنوّعة التي شاء الله -تعالى- فكان ما فعلوه نذير شؤم، حيث حمل هذا القبيل من أبناء الأمّة مفاهيم منهجها التهويل أو التهوين، واتّبعهم أغرار من الناس، والدهماء الذين لا يفرقون بين الناقة والجمل، فكان بسبب ذلك ما يغشى الساحات في هذه الآونة.
لقد شكّل كتاب: (التفكير فريضة إسلاميّة) لعبّاس محمود العقّاد مادّة فيها الفوائد في هذا الباب. وإذا كان الرشد من علامات البلوغ والنضج، ومن سمات الشخصيّة المتّزنة القويمة قولاً وفعلاً، فإنّ العقل الرشيد معه أنواع أخرى من العقل والتعقّل.
قال العقّاد: " ومن أعلى خصائص العقل الإنساني: (الرشد) وهو مقابل لتمام التكوين في العاقل الرشيد، ووظيفة الرشد فوق وظيفة العقل الوازع، والعقل المدرك، والعقل الحكيم، لأنّها استيفاء لجميع هذه الوظائف، وعليها مزيد من النضج، والتمام، والتمييز بميزة الرشاد حيث لا نقص ولا اختلال، وقد يؤتى الحكيم من نقص في الإدراك، وقد يؤتى العقل الوازع من نقص في الحكمة، ولكن العقل الرشيد ينجو به من هذا وذاك."[4]
العقل الوزاع يجعل الإنسان في مأمن من الزلل أو الانحراف، ومن عطّل عقله الوازع يسقط في مهاوٍ لا تحمد عقباها، وبهذا يكون المطلوب من الإنسان الفرد أن يستحضر عقله الوازع كي يضبط سلوكه وكلّ ما يصدر عنه، والعمليّة التربويّة محتاجة لتغذية النداء الداخلي في كلّ فرد (الضمير)، ومن ثمّ يكون الواجب تعزيز قدرات العقل الوازع على المستوى الجمعي لتسير المجتمعات في صيرورتها باتّجاه بعيد من المفاسد والفتن، ومن أمراض التعصّب والتطرّف.
ممّا جاء في النصوص القرآنية:
﴿وقالوا لو كنّا نسمع أو نعقل ما كنّا في أصحاب السعير.﴾ (سورة الملك، الآية 10)
﴿ ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحقّ ذلكم وصّاكم به لعلكم تعقلون.﴾ (سورة الأنعام، الآية 151)
وتأتي آياتٌ كثيرة فيها أمر أو نهي أو زجر، وفيها استنهاض لعزائم العقل، والتوجيه إلى التعقّل كي يتحقّق التزام الإنسان ذي العقل الوازع بالشريعة، وبمنظومتها القيميّة في كلّ صغيرة وكبيرة، وفي هذا تأكيد على أنّ من أراد أن يكون من أهل الهدى والرشاد ليس أمامه إلاّ التعقّل طلباً للوازع الضابط لما يصدر من الإنسان، وعندها لن يكون من أقوال هذا الإنسان إلاّ ما تمثّل فعلاً في سلوكه.
"وهذا عدا الآيات الكثيرة التي تبتدئ بالزجر وتنتهي إلى التذكير بالعقل، لأنّه خير مرجع للهداية في ضمير الإنسان."[5] كقوله تعالى: ﴿أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون.﴾ (سورة البقرة، الآية 44)
لكنّ العقل الوازع محتاج لقدر من الوعي والفهم، وهذا يكوَّن بالإدراك مع عدم الوقوف عند مجرّد الإدراك بل أن يتّبع الإدراك فهم، فوعي، فمعرفة، وعلم. وقوله تعالى: ﴿ والراسخون في العلم يقولون آمنّا به كلّ من عند ربنا وما يذّكر إلا أولو الألباب.﴾ (سورة آل عمران، الآية 7). فالإدراك له حدود أمّا الفهم والتعقّل والتأمّل فلا حدود لها، وهي تقدّم جديداً في عالم الفكر والعلم.
بعد ذلك يأتي دور الحكمة والعقل الحكيم، لأنّ الحكمة تجعل المفاهيم ثاقبة، والمواقف متأنّية، والخيارات متوازنة فالحكمة نعمة كبرى لا مكان معها للسّفه أو الحمق، وقال الله -تعالى- بشأنها: ﴿ يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا وما يذّكر إلا أولو الألباب.﴾ (سورة البقرة، الآية 269).
يأتي بعد ذلك الدور للعقل الرشيد، لأنّ هذا العقل مستوعب لكلّ خصائص العقل الوازع، والعقل المفكّر، والعقل الحكيم، وهو عقل اجتمعت لصاحبه سمات الإيمان والعلم الراجح، والخبرة بشؤون الحياة، هذا مع التأنّي والتأمّل والموازنة بين المواقف، وصاحب العقل الرشيد من كان في موقع المرجعيّة، ومن ازدادت به الثقة.
وتحضر هنا حكاية النبي موسى عليه السلام وهو الكليم حين التقى العبد الصالح صاحب العلم اللّدنّي (علم إلهامي سديد من مصدر ربّاني)، وعندما التقيا أنطق الله -تعالى- موسى عليه السلام بما جاء في الآية الكريمة: ﴿قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشداً.﴾ (سورة الكهف، الآية 66)
هذه الرحلة مع العقل الذي يكون نهجه بصيرة ونظر ومعارف هي التي تجعل الإنسان حرًّا من كلّ قيد دنيويّ المصدر، بل هو عقل متّجه إلى الله -تعالى- موحّداً خاضعاً طائعاً، وبالمقابل لا يقبل قيداً من مصدر دنيوي فالإسلام لم تقم فيه العبادة على الهياكل لأنّ كلّ موقع في الأرض صالح للسجود، والمسلم مطالب أن يتّجه إلى ربّه تعالى مباشرة، ولا وسائط. وقوله تعالى: ﴿واذا سألك عبادي عنّي فإني قريب أجيب دعوة الداعِ إذا دعانِ﴾ (سورة البقرة، الآية 186).
ويفيد هنا أن يعود البحث إلى العقّاد الذي قال: " لا هيكل في الإسلام، ولا كهانة حيث لا هيكل... فكلّ أرض مسجد، وكلّ من في المسجد واقف بين يدي الله -تعالى- ودين لا هيكل فيه ولا كهانة لن يتجه فيه الخطاب - بداهة- إلى غير الإنسان العاقل حراً طليقاً من كلّ سلطان يحول بينه وبين الفهم القويم والتفكير السليم." [6]
إنّ الجهل والسّفه عاملا تخريب ومنهما نشأت وتنشأ ظواهر الغلوّ والتعصّب، عطفاً على عوامل أخرى. لقد نبّه الإمام محمّد عبده إلى هذا بقوله: "إنّ أعدى أعداء العليم هو الجاهل، وأعدى أعداء الحكيم هو السّفيه، وما تقرّب أحد إلى الله -تعالى- بأفضل من العلم والحكمة."[7]
إنّ المشكلة في قبيل عطّل دور العقل منبهراً بالأجنبيّ، وبالوافد المسموم، وبقبيل آخر عمد إلى الجمود متذرّعاً بالمحافظة والتزام الموروث حتّى لو لم يبقَ له حضور. وبداعٍ من هذين الاتّجاهين انقسم الناس غير الأسوياء بين جامد رافض لكلّ تقدّم ولكلّ جديد، وبين جامد متنكّر لكلّ القيم والذمم والخصائص والخصوصيّات. ولشكيب أرسلان كلام طيّب في هذه المسألة قال فيه: " ومن أكبر عوامل انحطاط المسلمين: الجمود على القديم، فكما أن آفة الإسلام هي الفئة التي تريد أن تلغي كل شيء قديم، بدون نظر فيما هو ضار منه أو نافع، كذلك آفة الإسلام هي الفئة الجامدة التي لا تريد أن تغيّر شيئاً، ولا ترضى بإدخال أقلّ تعديل على أصول التعليم الإسلامي ظنّاً منهم بأنّ الاقتداء بالكفار كفر، وأن نظام التعليم الحديث من وضع الكفار.
فقد أضاع الإسلام جامد وجاحد.
أمّا الجاحد فهو الذي يأبى إلاّ أن يفرنج المسلمين وسائر الشرقيين، ويخرجهم عن جميع مقوّماتهم ومشخصاتهم، ويحملهم على إنكار ماضيهم."[8]
وقال أرسلان: " وبقي علينا المسلم الجامد، فإنه ليس بأخفّ ضرراً من الجاحد وإن كان لا يشركه فى الخبث وسوء النية، وإنما يعمل ما يعمله عن جهل وتعصب. فالجامد هو الذي مهّد لأعداء المدنية الإسلاميّة الطريق لمحاربة هذه المدنية محتجين بأنّ التأخر الذي عليه العالم الإسلامي إنّما هو ثمرة تعاليمه. والجامد هو سبب الفقر الذى ابتلي به المسلمون لأنه جعل الإسلام دين آخرة فقط. ... والجامد هو الذي شهر الحرب على العلوم الطبيعيّة والرياضيّة والفلسفيّة وفنونها وصناعاتها بحجّة أنّها من علوم الكفّار، فحرم الإسلام ثمرات هذه العلوم."[9]
إنّ الجامدين الذين تسلّحوا بعقيدة التقليد حذو النعل بالنعل، لم يفطنوا - على ما يبدو- أنّ الإسلام قد ذمّ التقليد بلا تمحيص وتدقيق للموروثات عند غير المسلمين وبذلك فإنّه لن يقبله للمسلمين، والآيات القرآنية التي جاءت تبيّن ذلك كثيرة منها قوله تعالى: ﴿قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين.﴾ (سورة الأنبياء، الآية 53) هذا ما جاء بلسان قوم إبراهيم عندما سألهم عن الأصنام التي يعبدونها فلم يجدوا ما يبرّرون به فعلتهم سوى حجّة تقليد السلف والتزام الموروث رغم أنّه موروث يحمل من يلتزمه إلى الشرك والضلال. وقال تعالى: ﴿ وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أَوَ لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون.﴾ (سورة البقرة، الآية 170)
وقال تعالى:﴿ إنهم ألفوا آباءهم ضالين. فهم على آثارهم يهرعون.﴾ (سورة الصافات، الأيتان 69، 70)
إنّ الموانع التي تسدّ سُبُل التقدّم الفكري، وتقود إلى الجمود الذي يؤسّس للتخلّف فالموت، إنّما هي من مصدر التشبّث بالموروثات التي تحتاج لدراسة معمّقة مع تمحيص وصولاً إلى التصفية والتنقية. فالتقليد للسلف دون اعتماد الفحص والدراسة مانع للتجديد والتحديث، ويزداد خطره إذا خضع الناس لهيمنة السلطان المستبدّة باسم الدين أو المذهب أو الحكم أو الملك، لأنّ الجامد الجاهل، والخائف الجبان لا يمكنهما أن يصنعا التحرّر ولا التقدّم.
إنّ تعطيل العقول من سمات حركات الغلو والتطرّف لأنّ عقلاً مستنيراً لا يستطيع نصف متعلّم أو جاهل أن يسيطر عليه. هذا يوجب على قادة الرأي والمربّين أن يعملوا لكسر رابطة التقليد، ونفض غبار الجمود، وأن لا يقرّ الإنسان بالعبودية لغير الله تعالى.
فالإسلام الذي كان فيه أوّل كلمة في الوحي: "إقرأ"، لا يقرّ بجهل ولا جمود ولا تقليد أعمى. وإذا أعطي الكلام من جديد للعقاد فإنّه قال في هذا الشأن: " أكبر الموانع في سبيل العقل عبادة السلف التي تسمّى بالعرف، والاقتداء الأعمى بأصحاب السطلة الدينية، والخوف المهيمن لأصحاب السلطة الدنيوية.
والإسلام لا يقبل من المسلم أن يلغي عقله ليجري على سنّة آبائه وأجداده، ولا يقبل منه أن يلغي عقله خنوعاً لمن يسخّره باسم الدين في غير ما يرضي العقل والدين، ولا يقبل منه أن يلغي عقله رهبة من بطش الأقوياء وطغيان الأشداء."[10]
هذا هو الداء الدويّ الذي انتشرت عدواه بين مجموعات كثيرة في المجتمع فكان فتّاكاً لا بل مهلكاً، وقد انساق كثيرون إلى العصبيّة المنتنة، والجهالة العمياء طاعة لأمراء مجموعات لا يأتمنهم عاقل على بضائع حانوت صغير، فكيف يكون مقبولاً أن يؤتمنوا على الدين؟ أو كيف يجوز أن يؤتمنوا على الأجيال والدماء والحرمات؟
نتائج تعطيل العقل، والاستسلام لغلاة لا نصيب لهم في الفقه والعلم بادية للعيان حيث تجوّل البصر والبصيرة، ولا علاج إلا بالفكر الرشيد الذي يستطيع أن يقود سفينة النجاة إلى شواطئ الأمان، والذي يقود الأمّة إلى التقدّم والفلاح، وهو الذي يؤصّل شخصيّة الفرد والمجتمع على الوسطية التي هي هويّة الأمّة، هذه الوسطية التي لا تقبل الإفراط أو التفريط ولا التهويل أو التهوين، بل فكر مستنير، وعقل رشيد، وميول متوازنة، وسلوك قويم، هذا ما وجّهت إليه الآية الكريمة ﴿وكذلك جعلناكم أمّة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً.﴾ (سورة البقرة، الآية 143)
إنّ العنت الذي نتج من فعل الجهالة والجمود والتطرّف دفع كثيرين كي يحتكموا إلى غير الإسلام، حيث أشاع المتطرّفون حرجاً وتضييقاً وتشدّداً في غير مكانه، وهو تشدّد يتمسّك بالشكل ولا ينفذ إلى المضمون ممّا يدفع إلى خلاصة هي: "إنّ المبالغة في الشكل والمظهر دليل على فراغ في المضمون والجوهر."
وقد قال الإمام محمّد عبده تحت عنوان: (جناية الجمود على الشريعة وأهلها): "هذا الجمود في أحكام الشريعة جرّ إلى عسر حمل الناس على إهمالها. كانت الشريعة الإسلاميّة أيّام كان الإسلام إسلاماً سمحة تسع العالم بأسره، وهي اليوم تضيق على أهلها، حتّى يضطرّوا إلى أن يتناولوا غيرها، وأن يلتمسوا حقوقهم فيما لا يرتقي إليها، وأصبح الأتقياء من حملتها يتخاصمون إلى غيرها."[11]
هذا التضييق والإفراط بالتمسّك بالموروث أيًّا كان أدّى إلى مفاهيم تخالف كون الإسلام دين الرحمة والسماحة. وقد بات مسلمون يعانون من الآثار السلبيّة للتطرّف والجمود والجهل. ويفيد في هذا السياق ذكر قصّة جرت هذه وقائعها: "قصدت أم لفتاة جامعيّة عالماً في مركز عمله في إحدى كليّات الدراسات الإسلاميّة والشريعة، وعندما قابلته سألته عن الجواب على حالة حصلت بينها وبين ابنتها الجامعيّة. وما قالته المرأة: يا شيخ لقد قالت لي ابنتي بالأمس كلاماً غريباً لم أتوقّعه، وكنّا معاً في لقاء ثنائيّ، وسؤال الفتاة هو: يا أمّاه! ألا يوجد دين أرحم من الإسلام بالمرأة كي ندخل فيه؟."
هذه الواقعة واحدة من كثير الحوادث والمواقف، والذي أوصل إلى هذا جامدون مغالون فهمهم قاصر عن فقه أحكام الإسلام. فليتأمّل العقلاء في حال الأمّة اليوم؛ حيث انتشر الغلاة والمتطرّفون والتكفيريون، وقد عاثوا في البلاد ظلماً وانتهاكاً للدماء والحرمات متستّرين بالدين الذي هو براء منهم، وهؤلاء زرعوا الإرهاب والخوف والدمار والتخريب، وأفرحوا أعداء الأمّة الصهيوأمريكان وغيرهم وقدّموا لهم خدمات يعجز الأعداء عن تحقيقها.
وإذا راجع العالم الرشيد سيرة هؤلاء يصل إلى نتيجة هي: إنّ من يشكّلون هذه المجموعات التي تحرس التخلّف وتنشر الفساد، إنّما هم من الجهلة أو ناقصي العلم، والصنف الثاني أشدّ خطراً.
وقد قال شكيب أرسلان في هؤلاء: " من أعظم أسباب تأخّر المسلمين الجهل، الذي يجعل فيهم من لا يميّز بين الخمر والخل، فيتقبل السفسطة[12] قضية مسلمة ولا يعرف أن يرد عليها.
ومن أعظم أسباب تأخر المسلمين العلم الناقص، الذي هو أشد خطراً من الجهل البسيط، لأن الجاهل إذا قيض الله-تعالى- له مرشداً عالماً أطاعه ولم يتفلسف عليه، فأما صاحب العلم الناقص فهو لا يدري ولا يقتنع بأنه لا يدري، وكما قيل: ابتلاؤكم بمجنون خير من ابتلائكم بنصف مجنون، وأقول:
وابتلاؤكم بجاهل، خير من ابتلائكم بشبه عالم."[13]
نعم إنّه بلاء عظيم ذلك الجهل، والأفهام المغلوطة التي تشوّه الفكر، وتشوّش العقيدة، وتفسد الآراء، ويكون سبب ذلك تضليل يتيه أصحابه عن جادّة الصواب. إنّ أنصاف المتعلّمين أو أشباه العلماء هم من لا يتقن سوى فنّ المظهر مع إهمال للجوهر فتجدهم يكتفون بالشكليّات، ويقودون معهم العامّة إلى ما نراه ونلاحظه من مفاسد جمّة، من جملتها التكفير وما يترتّب عليه من سفك الدماء واستباحة الحرمات. ومكمن الخطر وجود تيّار يمشي مخدوعاً إلى غير المقاصد السليمة قد أُعطي إمكانات من الإعلام والسلاح والمال وظّفها من أجل تجنيد المرتزقة ممّا عطّل دور العلماء المستنيرين إمّا بسبب ما نشروه من إرهاب قولي وفعلي، وإمّا لأنّهم عطّلوا العقول عندما ملأوا البطون والجيوب.
قال الشيخ محمّد الغزالي معلّقاً على ذلك: " إنّ هذه الأسباب هي التي قادت إلى بروز ما تشهده المجتمعات الإسلاميّة والعربية من ظواهر الغلوّ والإرهاب والعنف والتي سفكت دماءً، وهدّمت مؤسّسات وزرعت الرعب هنا وهناك، كما أنّ الجهلة من العوام الذين يسيئون للدين بمفاهيمهم الخاطئة وعلومهم المرتجلة يمارسون شكلاً من أشكال التسلّط والديكتاتوريّة على العلماء المستنيرين الذي كثيراً ما يحجمون عن إعلان موقف، أو إطلاق مبادرة لا لشيء إلا لخوفهم من استغلال من قِبل العوامّ في غير ما يقصده صاحب الموقف أو المبادرة."[14]
إنّ تعطيل العقول مع الإرهاب والغلوّ سهّل الطريق لأطر حركيّة متطرّفة تعيث في الأرض فساداً، وتشوّه صورة الإسلام دين الرحمة والسماحة، وتعطي صورة بشعة عن المسلمين عندما تصوّرهم بأنّهم إرهابيين وقتلة، وتضعف الأمّة من خلال الفتن والاحتراب الداخليّ ممّا يجعل الأمّة العربيّة والعالم الإسلامي طعماً لمن أراد من الصهيوأمريكان وسواهم. لذلك يصحّ القول: "وهذه الأطر الحركيّة يتبنّاها الأعداء ويموّلونها لأنّها تخدمهم من خلال العبث بالوحدة الوطنيّة، وزرع الفوضى وعدم الاستقرار، وكذلك ستؤدّي إلى توليد حالات عنف مماثلة أو مقاومة لهم، وهكذا يُدخلون المجتمعات في النزف الدموي بكلّ ما يحمله من مخاطر. هذه الأطر الحركيّة المتطرّفة تنفرد بطرح مفاهيم تتستّر وراء الشعار الديني لتخفي تعصّبها وأحقادها وعنفها، علماً أن ما يطرحونه أو يمارسونه يخالف جوهر الدين الذي يقوم على السماحة والرحمة، والذي يحدّد ميادين وظروف استخدام القوّة."[15]
الحوار ضرورة للنسيج الاجتماعي:
يشكّل الحوار الركن الرئيس في التأسيس لمجتمع يتحقّق لنسيجه الاستقرار، لأنّ الحوار قاعدة التواصل، ولا اجتماع بشري بلا تواصل، والحوار تنجلي من خلاله الحقائق، وتتبيّن المواقف، والحوار يقرّب بين الأفهام والمفاهيم، وتوقّف الحوار أو انقطاعه يولّد الشحناء والفتن، وينفرط بتوقّف الحوار العقد الاجتماعي، وتفكّك عرى المجتمع من الأسرة إلى الأمّة.
والمراقب الخبير لحال اجتماعنا البشريّ الإسلامي يلاحظ ما يعتريه من أنواع البلاء بأشخاص منفعلين غير فاعلين، وبمتعالمين بعيدين عن العلمائيّة، وبفاسدين مفسدين يحاضرون في الأخلاق والعفّة، وبخانعين للمستبدّ والغاصب يجهرون بأصوات مشحونة بمزاعم الحريّة والتحرّر، ومن البلاء مرتزقة يتزيّون بزيّ العلماء، وهم جهلة أو ناقصو المعرفة يسخّرهم الأعداء ليخدموهم في الحلّ والترحال.
لذلك كان الحوار ضرورياً لوصل ما انقطع، ولردم الفجوات التي باعدت بين الناس، وهي فجوات أحدثتها الطائفيّة البغيضة، والعصبيّات الرديئة، والفئويّات المقيتة.
الحوار لغة: "الحَوْرُ: الرجوع على الشيء وعنه... الحَوْرُ التَّحَيُّرُ، والحَوْرُ: الرجوع... والحَوْرُ: النقصان بعد الزيادة، لأَنه رجوع من حال إِلى حال، وفي الحديث: (نعوذ بالله من الحَوْرِ بعد الكَوْرِ.) معناه من النقصان بعد الزيادة، وقيل: من فساد أُمورنا بعد صلاحها."[16]
وفي معجم النفائس الكبير: " حاوره محاورة وحواراً: جاوبه وراجعه الكلام... تحاور القوم تحاوراً: تراجعوا الكلام وتجاوبوا."[17]
غرض هذه الوقفة اللغويّة هو التمييز بين مصطلحات متقاربة هي: الجدل، والمناظرة، والحوار. فالجدل أساسه ثبات على الموقف الذي يلتزمه إنسان يحاول استمالة الطرف الآخر إليه دون تراجع ولا تنازل. والجدل نوعان: جدل محمود، هو الذي تكون فيه الدعوة للعقيدة السليمة والفكر القويم والقيم السامية، والجدل المذموم؛ هو الذي يقوم على فكر عقيم ومفاهيم فاسدة.
والمناظرة مرادّة بين طرفين غايتها جلاء الحقيقة وبيانها، والمناظر يهمّه المعرفة اليقينيّة، ولا يبالي سواء ظهرت الحقيقة على يديه أو على يدي غيره.
والحوار وهو العنوان الذي يعالجه المقال إنّما أساسه مرادّة بالكلام بين طرفين مع استعداد كلّ منهما للمراجعة، والتراجع أو التنازل حيال ما يطرحه الآخر من أجل التأسيس لمساحة مشتركة، هذه المساحة هي اللقاء على المشتركات التي تجمع ولا تفرّق، وتوحّد ولا تبدّد، وتصنع الألفة وتقاوم الفتنة. فلا اجتماع بشري مستقرّ دون حوار إيجابي يضع أصحابه نصب أعينهم التعارف والتلاقي.
"الحوار إذاً، أخذ وردّ في الكلام بين طريفين يبدأ من طرح لفكرة يبدأ منه أحد الطرفين، فيقوم الطرف الآخر بتمثّل هذا الطرح، ويردّ عليه فينتج من ذلك تجاوب يولّد عند كلّ من الطرفين مراجعة لما طرحه الطرف الآخر، ولذلك يكون المحاور مستعدًّا للتراجع أو التنازل عن بعض مواقفه، أو بعض ما في مواقفه؛ أو أنّه يكون مستعدًّا للتحوّل من حال إلى حال."[18]
وهناك من يميّز بين الحوار والمساجلة فالحوار فعل إيجابي، أمّا المساجلة فهي سلوك سلبي عماده المخاصمة والمنازعة، وهو بكلمة: حرب كلاميّة. "فالحوار يفترض استعداداً مبدئياً و معلناً و مقبولاً من كل طرف لقبول حجّة الطرف الآخر إن أصابت موقع الحقيقة وكبد الصواب. والحوار يفترض قبول كل طرف لتعديل مواقفه التي كان عليها قبل بدء الحوار إلى مواقف أخرى جديدة يثبت الحوار صدقها. أمّا المساجلة فهي شيء آخر مختلف تماماً يقف على نقيض الحوار. إنها حرب الآراء والكلمات والصرخات تستخدم فيها كلّ فنون الحرب المعروفة مشروعة كانت أم غير مشروعة. غاية الحوار هي بناء موقف جديد أكثر تقدماً ونضجاً وعقلانية من الموقف الفكري السابق على الحوار. أمّا غاية السجال فهي هدم أفكار الطرف الآخر، و لا بديل عن ذلك، و دون ذلك الحرب و الخصومة و القتال."[19]
الحوار الإيجابي الذي ينزع فتائل الفتن والعداوة، ويؤسّس للتعارف والتواصل ضرورة حيث ارتفع سيل الغلو، وبات في مستوى يجرف الكثير من الأبرياء، وقد شكّل هذا الغلوّ مناخاً إرهابياً أو حالة من الرهاب (فوبيا) أفسدت النسيج الاجتماعي في أكثر من موقع في الأمّة.
أما الأصل فإنه التواصل المؤسّس على الفهم السليم للدين، والفكر القويم في مختلف الحقول والميادين. فالحوار المطلوب هو ما يكون في السياسة، والإدارة، والاقتصاد، وشؤون الأسرة، وحقوق الإنسان وكرامته، والمثل والقيم، والبيئة والفنّ... الخ، والشرط الرئيس أن ينطلق الحوار من ثوابت ومعايير واضحة، وأن تكون مقاصده سامية، وأن يعتمد كلّ المطلوب في آداب الحوار من العلم والتواضع واحترام الآخر المحاور والابتعاد عن السخرية والعناد العقيم المعطّل للحوار.
ويأتي السؤال: لماذا الحوار ضرورة؟
الجواب هو: "إنّ التواصل ضروري بين الناس على تنوع عقائدهم، وتعدد أفكارهم، وتقارب قيمهم أو تباعدها، وهذا نتيجة التنوع في اللغة والثقافة والميول والمقاصد، وهذا التنوع آية ربّانية حيث الناس من أصل واحد، ومع ذلك توزّعوا وأصبح الاختلاف سنّة كونيّة، لكن العيش الكريم الذي يؤمِّن سعادة الإنسان المستخلف في الأرض يحتاج إلى مواقع للقاء وفق أسس وقواعد وضوابط، ولا يكون ذلك بدون أساليب للتواصل أبرزها ثلاثة هي: الجدل، المناظرة، الحوار، كلّ ذلك تمهيداً للتعارف، لأنّ العلاقات التي تقوم على التعارف هي العلاقات التي تكتسب صفة الاستمراريّة، أمّا ما قام من العلاقات على الجهل بالآخر فإنّها ستنفكّ، وستكون نتائجها غير مرضية."[20]
لقد جاء الأمر الإلهي موجّهاً العلاقات إلى قاعدة التعارف، وذلك في قوله تعالى: ﴿ياأيّها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير.﴾ (سورة الحجرات، الآية 13)
التعارف مرتكز رئيس لقيام علاقات سليمة، وخلاف التعارف من التصادم والتناكر يفسد كلّ ودّ، وكلّ علاقة بين طرفين أو أكثر. ولا اجتماع بشري تستقيم أحواله دون حوار غرضه التعارف تمهيداً للتقارب فالتلاقي فالتآلف. إنّ تحويل الكلام بين طرفين إلى منحى فيه غلوّ وتعصّب هو ما جعل التناكش مكان التناقش، والتناكر بدل التعارف، والقطيعة بدل الاتصال.
تأسيساً على ما تقدّم "يكون الحوار بين الناس ضرورة، وهذه الضرورة ملازمة لوجود الإنسان ولمسيرته في هذه الحياة الدنيا التي استودعه الخالق سبحانه فيها، كما أنّ الحوار يجب أن يكون منهجاً لرسم العلاقات وتأطيرها، ولا يمكن لأحد أن يتصوّر اجتماعاً إنسانياً من اثنين من الأسرة، فالمحلّة، فالقرية، فالمدينة، فالوطن، فالأمّة إلى العالم بأسره، وليس فيه حوارات حول أمور متعدّدة، وبصيغ شتّى، منها السلبي ومنها الإيجابي، ومنها المتوافق، ومنها المتعارض أو المتناكر... الخ.
... فالحوار لا تكون فيه معاندة، بل منهجه يستلزم أن يدخله الأطراف، وعندهم الجاهزيّة للتنازل أو للتراجع عما يبيّن لهم الآخرون عدم جدواه، أو الاستعداد للانتقال إلى ما يطرحه الآخر، إذا كان ما يطرحه محقًّا في مواجهة باطلٍ ما. وقد أسّس اللغويّون لهذا حين قالوا: المحاورة، المجاوبة، والتحاور؛ التجاوب والمتجاوب هو من هجر السلبية والمعاندة والتعصّب للرأي ليأخذ بما يبدو له عند الحوار مع آخرين أنّه الصواب والحقّ."[21]
الحوار المطلوب هو في المشترك الإنساني، والحوار الممكن هو ما كان حواراً بين الحضارات يتمّ فيه تبادل الإنجازات والخبرات والاكتشافات والاختراعات، أو أن يكون حواراً بين أتباع الأديان والمعتقدات في المشترك الإنساني. وهناك ملاحظة هي: الخطأ الجسيم في تداول مصطلح (حوار الأديان). فدين لا يتحاور مع دين لا في العقيدة ولا في العبادات، والصحيح أن أتباع الأديان والمعتقدات يتحاورون في المشترك الإنساني كالمواطنة والسياسة والاقتصاد وحقوق الإنسان وحقوق المرأة وحقوق الطفل والبيئة وما إلى ذلك من الموضوعات.
أمّا بشأن معالجة الغلوّ والتطرّف فإنّ الحوار ضروري بين الحكماء والخبراء من أهل العلم، ومن هم في موقع القيادة، ومعهم المربّون، كي يصوغوا الخطط والمشاريع لمعالجة الآثار الكارثيّة للتطرّف؛ لذلك تكون ضرورة الحوار من أجل إنضاج الأفكار والمشروعات العلاجيّة لداء الغلوّ المقيت. وإذا كان التفكير فريضة فإنّ الحوار واجب لا تثمر فريضة التعقّل والتفكير بدونه.
يخلص الكلام في الحوار إلى سؤال هو: ما مقاصد الحوار؟
"الجواب هو الآتي: إنّ مقاصد الحوار الأساسيّة تتمحور في ميدان تحقيق كرامة الإنسان المستخلف في الأرض، والارتقاء في كلّ الأمور التي تخصّه من المعتقد، إلى الحريّات العامّة، والتأسيس للعيش الكريم، هذا إضافة إلى نشر العدل وصيانة الحقوق بدون مساس بها، ويكون ذلك بإزالة كلّ ظلم وجور، أو استبداد واستغلال، وإنهاء كلّ احتلال سواء كان استيطانياً إحلالياً كالاغتصاب الصهيوني لفلسطين، أو كان استعمارياً كالاحتلال الأمريكي للعراق وأفغانستان، هذا مع وقف أعمال نشر إرهاب الدولة الذي تمارسه الولايات المتّحدة الأمريكيّة والحلف الأطلسي من خلال نشر القواعد العسكريّة والأساطيل، ووقف كلّ تسلّط وهيمنة في أيّ ميدان من ميادين الحياة كانوا، كما هي حال الهيمنة والتدخّل والاختراق الأوروأمريكي في قارّتيّ آسيا وأفريقيا. ولعلّ ما يصلح أساساً لحوارٍ مجدٍ ومثمر هو مقاصد الشريعة الإسلامية التي توافق عليها علماء الأصول، وهذه المقاصد هي: حفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ الدين، وحفظ النسل، وحفظ المال."[22]
جاء في النصّ القرآني موضوع الحوار في الآيات الكريمات في قوله تعالى: ﴿وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالاً وأعز نفراً . ودخل جنّته وهو ظالم لنفسه قال ما أظنّ أن تبيد هذه أبداً. وما أظنّ الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربّي لأجدنّ خيراً منها منقلباً. قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثمّ من نطفة ثمّ سوّاك رجلاً. لكنّا هو الله ربّي ولا أشرك بربّي أحداً.﴾ (سورة الكهف، الآيات 34-38)
جاء الوحي الإلهي بلسان شخصين يتحاوران الأوّل غير مؤمن، ودخل الحوار متفاخراً بما له وبساتينه ومقتنياته ظانّاً أنّها مؤبّدة لا تبيد، وواجهه المؤمن بمحاججة أساسها عقيدة التوحيد متسلّحاً بالإيمان، ومذكّراً بمراحل خلق الإنسان وتطوّره إلى أن أصبح رجلاً، والختام: إنّ المؤمن متمسّك بإيمانه بربّه سبحانه ولن تغريه أو تغويه مفاتن الدنيا التي باهى بها محاوره.
" هذا الحوار فيه تأصيل لمنهج الحوار مع غير المؤمن بأن يكون الأمر تذكيراً، وإقناعاً بالحكمة والمحاججة لا انفعال فيه، ولا اتّهام أو تطاول على الجوانب الشخصيّة، وفي هذا الحوار تعليم لنا بأنّ الأساس في الاستقامة العقيدة، وإفراد الله -تعالى- بالعبودية، وشكره سبحانه على نعمه، وبعد ذلك لا بأس أن يمتلك الإنسان الثمر والثروة، أو أن يكون له الأولاد والأنصار والنفر، وبهذا أثمر هذا الحوار تقارباً في المفاهيم، وتحديداً للمنطلقات السليمة، وأساسها توحيد الله تعالى، والابتعاد عن الرشك."[23]
إنّ الحوار بين المسلمين على تنوّع الفقه والفكر والمذاهب، والحوار بين المسلمين والمسيحيين، ومن ثمّ الحوار مع كلّ الأمم، وعلى مختلف المستويات يحتاج تحديد المرجعيّة التي تحدّد قواعد الحوار ومنطلقاته ومقاصده، وهي في الإسلام القرآن الكريم والسنّة النبويّة الشريفة.
خاتمة:
إنّ التحدّيات التي فرضتها أجواء الغلوّ في الأمّة العربيّة، والعالم الإسلامي لها أسباب كثيرة، منها الجهل والفهم المغلوط للدين، ومنها الأهواء التي ألبسها بعضهم رداء زعم فيه أن يلتزم الدين، ومنها الفقر والظلم والتهميش، ومنها الاستبداد والاستعباد، ومنها الاغتصاب الصهيوني ومحاولات التهويد وكلّ مؤامرات المستعمرين، وغير ذلك كثير، لكن أيًّا كانت أسباب الغلوّ والتطرّف فإنّ الدواء الناجع هو التعقّل والتفكير، وامتلاك قوّة العقل الرشيد بعد العقل الحكيم وقبلهما العقل الوازع والعقل المدرك والمفكر، ومع هذه القوى التعقلية الواجب أن يُعتمد الحوار أسلوباً من أجل التقريب، والتلاقي، والتآلف فالوحدة بعيداً من أشكال الفتن كلّها، ومن أجل صياغة شخصيّة الفرد والمجتمع على أسس الوسطيّة والاعتدال والاتّزان، فالعقلانيّة والحواريّة أصلان للشخصيّة الرشيدة والرصينة التي يحتاجها مجتمع الأمّة من أجل الارتقاء الحضاري مع التحرّر والتحرير، ومن أجل أن ينتظم نسيج المجتمع على أساس من قيم الخير والعدل والتراحم والحقّ.
=============================================
*مسؤول الشؤون الدينية في المؤتمر الشعبي اللبناني، وأمين الشؤون الخارجيّة في اتّحاد الكتّاب اللبنانيين.
 

الفساد ومعوّقات التطور في العالم العربي

الفساد ومعوّقات التطور في العالم العربي
داوود خير الله*
المراقب للعالم العربي وأنظمة الحكم فيه يرى هوة بين الحاكم والمحكوم لا تنفك تزيد عمقا واتساعا. فمن الصعب أن نجد في دولة عربية حاكما يمثّل طموحات ومصالح شعبه، ويستمد شرعية حكمه من إرادة شعبية تجلّت من خلال مؤسسات دستورية تتوافر فيها ضمانات الحرية والنزاهة. كما يرى المراقب فوضى أمنية ودمارا في العديد من الأقطار العربية هي نتيجة تخبط سياسي وغياب لمقوّمات ومؤسسات الدولة التي تضمن أمن الوطن، وتخلق وتسهّل ظروف نموه وتطوره. ويلاحظ أن مفهوم الحرية لم يتخذ له جذورا، وأن العقل العلمي والثقة بقدرة الإنسان، ليس فقط على فهم مجتمعه وإنما على تطويره، قد تراجعا عما كانا عليه منذ عقود. ويلاحظ المراقب بدقة عالما تتوافر فيه إمكانيات اقتصادية هائلة ولكنه من أقل الدول نموا اقتصاديا.
إن هذا المشهد العربي للتخبط السياسي، والفوضى الأمنية، والتخلف العلمي، والركود الاقتصادي، لا يمكن أن يشكل مناخا للتطور والنمو، وهو انعكاس لمعوقات كثيرة سوف أقتصر على الدور الذي يلعبه الفساد في أهمها.
في مفهوم الفساد
ليس هناك إجماع على تعريف شامل يطال أبعاد الفساد كافة، ويحظى بموافقة جميع الباحثين فيه، وإن كان التعريف الأكثر رواجا هو الذي يدور حول استغلال أو سوء استعمال الوظيفة العامة من أجل المصلحة الخاصة. إلا أن لمثل هذا التعريف فائدة محدودة في محاربة ظاهرة الفساد بأوجهها المتعددة. لذلك تجنب مندوبو أعضاء الأسرة الدولية عندما اجتمعوا لصياغة أهم المواثيق الدولية حتى الآن بشأن الفساد، تبّني تعريف شامل للفساد معتبرين أن مثل هذا التعريف غير ممكن وغير ضروري(1). فاتفاقية الأمم المتحدة ضد الفساد (لعام 2003) تركت للدول الأعضاء إمكانية معالجة أشكال مختلفة من الفساد قد تنشأ مستقبلا على أساس أن مفهوم الفساد فيه من المرونة ما يجعله قابلا للتكيّف بين مجتمع وآخر(2).
علّة الفساد الأساسية تكمن في كونه يؤدي إلى تلف تدريجي وانحراف عن الصلاح لكل جسم تطاله، سواء كان الجسم ماديا أو معنويا ويحرفه عن القيام بالوظيفة التي من أجلها وجد. إنني أجد في التعريف الفيلولوجي (اللغوي) مساعدا هاما في توضيح مفهوم الفساد خاصة كمعوّق للتطور. ففي القواميس الفرنسية والانجليزية، واستنادا إلى الأصل اللاتيني للكلمة، يوصف الفساد بأنه حالة تعفّن، انحلال، انحراف، قبح، تلف تدريجي، تدهور. أما بالعربية فيعتبر الفيروزابادي في قاموسه "المحيط"، ومثله بطرس البستاني في "محيط المحيط" أن الفساد هو ضد الصلاح. وفي المنجد الجديد في اللغة العربية المعاصرة جاء تحت مادة "فسد فسادا: تفسّخ، أنتن، وأصبح غير صالح" وكذلك "جاوز الصواب والحكمة وانحطت أخلاقه" والفاسد هو الذي "لا صلاح فيه، مخالف للناموس الأدبي... ميّال إلى الشر يفعله عن معرفة وتعمّد أو يحرّض عليه".
إن الفساد داء ينهش النسيج الاجتماعي من جوانبه الثقافية والسياسية والاقتصادية، وتعتبر منظمة الشفافية العالمية إنه من أكبر التحديات التي تواجه عالمنا الحديث. فهو يقوّض الحكم الصالح، ويشوّه السياسة العامة، ويدفع إلى إساءة توزيع الموارد، ويضر بالقطاع الخاص وتنميته، ويلحق أكبر الضرر بالفقراء(3).
الفساد لصيق بالطبع البشري وهو موجود في جميع المجتمعات. لكن بعضها كان أكثر نجاحا في إدراك مخاطره والحد من انتشاره وفتكه. مع الأسف أن مجتمعنا العربي، بمسؤوليه ونخبه المثقفة، هو من أقل المجتمعات إدراكا لمخاطر الفساد وأكثرها تقاعسا في علاجه.
الباحثون في الفساد يميّزون بين ما يدعونه الفساد الصغير (Petty Corruption)، أي الفساد على المستوى البيروقراطي كالرشوة لموظف لاختصار مدة تقديم الخدمة، وسواه مما يعتبر ذا أثر ضئيل في المجتمع مقارنة بالأعمال الفاسدة التي يقوم بها أصحاب القرار السياسي والتي هي فساد سياسي ذو أثر سلبي كلي في المجتمع وتعتبر فسادا كبيرا.(4)
وبالرغم من أن الفساد بأشكاله كافة يلحق الضرر بالمجتمع ومكافحته ضرورة، فإنني سأركز هنا على الفساد السياسي بشكل خاص.
لعل الهوة بين الحاكم والمحكوم هي من أهم سمات الحكم في معظم إن لم يكن جميع الدول العربية، ولا يضاهيها وضوحا وانتشارا سوى آفة الفساد. والفساد السياسي ليس فقط انحرافا عن طاعة القوانين والأعراف والقواعد الخلقية. لكنه يتجلى أكثر ما يتجلى في التلاعب بالقوانين ومؤسسات الدولة من قبل السلطات الحاكمة لبلوغ أهداف شخصية. فالفساد السياسي هو انحراف عن القيم العقلانية والقانونية ومبادئ الدولة الحديثة(5)، وهو لا يؤثر فقط في توزيع الموارد، وإنما في كيفية اتخاذ القرارات والتلاعب بالمؤسسات والقوانين في الدولة، ما يؤدي إلى انحلالها وبطلان مفاعليها.
العلّة الأساس في انتشار الفساد في العالم العربي هي غياب حكم القانون وثقافة حكم القانون على الصيعدين الرسمي والشعبي، وبخاصة فعالية القواعد القانونية واجبة التطبيق في مساءلة الحاكم وتقييم عمله. وهذه علّة يسود انتشارها في الأنظمة القمعية وكذلك في الدول التي تقترب بسمات الحكم فيها من الدول الفاشلة.
إن حكم القانون هو انعكاس للنضح السياسي في المجتمع وهو تعبير عن إرادة الشعب في الحكم الذاتي ويسود في الدول التي بلغت مرحلة متقدمة من تنمية القيم والمؤسسات الديمقراطية والمشاركة الشعبية في الحكم. فالقانون بما يحتويه من قيم وأهداف هو انعكاس للإرادة الشعبية ورمز سيادتها. والقانون هو الحاكم الفعلي في الدولة التي تعتمد نظاما ديمقراطيا في الحكم. ولذلك فإن لحكم القانون مقوّمات أساسية سوف أذكر بعضها. المجتمع الذي يسود فيه حكم القانون جميع المسؤولين فيه يُسألون أمام القانون كما جميع الأفراد والمؤسسات. نعلم يقينا أن هذا المبدأ مفقود في مجتمعاتنا العربية إن لجهة ممارسة المسؤول في السلطة أو لجهة الثقافة العامة التي تطالب المسؤول وتلزمه بالتقيّد بذلك. والمجتمعات المتقدمة سياسيا اعتمدت مبدأ فصل السلطات وتوزيعها بحيث لا تستطيع سلطة فرض هيمنتها في الحكم. وهذا المبدأ موجود بالشكل في معظم الدساتير العربية لكن السلطة الفعلية في معظمها تنحصر في رأس السلطة التنفيذية وبعض المتنفذين في الدولة. والقوانين في الدول التي يسود فيها حكم القانون يتم تبنيها وتطبيقها بشكل عادل وفعّال وضامن لحقوق جميع المواطنين. وغياب الفساد هو من أهم مميزات المجتمعات التي يسود فيها حكم القانون. فالفساد ينتشر في غياب حكم القانون وضعف الأجهزة التي تتولى تطبيقه.
غياب ثقافة حكم القانون لا بل جهل المسؤولين والنخب المثقفة أهمية القانون كمعبّر عن الإرادة الشعبية وحافظ للحقوق والواجبات في المجتمع هو في رأيي من أهم معوقات التطور في العالم العربي. فالقانون هو خزّان القيم، وهو وسيلة هندسة اجتماعية والطريق الأسلم والأرقى لكل تغيير في المجتمع. والقانون هو أداة توضيح وتعديل للعلاقة بين المواطن والدولة وبين المواطنين فيما بينهم، وهو وسيلة إنشاء المؤسسات وضمان فعاليتها، وهو الضامن لحقوق الشعب وأمنه ونموّه الاقتصادي والسياسي.
والجهل بأهمية القانون، وغياب ثقافة حكم القانون في المجتمعات العربية، هما من موانع إقامة عقد اجتماعي في ظل دولة يكون هو الرابط القيمي فيها، والجاذب الأساسي في الانتماء الوطني، والمانع لنمو هويات وانتماءات فرعية، تعمل على تمزيق النسيج الاجتماعي كما نشاهد في أقطار عربية عدة، مسهّلا بذلك بلوغ أهداف من لا يريد سلاما ولا تقدما في العالم العربي.
ديناميكية العلاقة بين الفساد وحكم القانون تفرض صراعا وجوديا بين الإثنين. فالفساد يمنع تبني قوانين تحد من مضاره، ويعمل على إضعاف المؤسسات المولجة بالتطبيق الفعاّل للقوانين القائمة. وترسيخ حكم القانون وتطبيق القوانين بفعالية، هما أضمن الوسائل للقضاء على الفساد. وفضلا عن دوره في إضعاف أو تغييب حكم القانون، يشكل الفساد مانعا أساسيا من بناء نظام ديمقراطي. فالشفافية والمساءلة والانفتاح التي هي من أهم مقوّمات الحكم الديمقراطي، هي كذلك عناصر رئيسية في محاربة الفساد. وهناك باحثون يدعون إلى تبنّي الديمقراطية كوسيلة لمحاربة الفساد. ملفت أن الدول العشرين الأقل فسادا في العالم، حسب مؤشر منظمة الشفافية العالمية، بينها ثمان عشرة (18) دولة هي ديمقراطية بامتياز، والاستثناءان هما سنغافورة وهونج كونج وكلتاهما معروفة بفعالية استثنائية لحكم القانون لديها.(6)
أود الآن أن أسلط بعض الضوء على دور الفساد في إعاقة نمو أهم حاجات المجتمع: الاقتصاد والأمن.
الفساد والتنمية الاقتصادية
الاهتمام الجدي بدراسة موضوع الفساد على مستوى دولي بدأ مع التركيز على التنمية الاقتصادية في الدول الفقيرة وتلك التي ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية نتيجة إنتهاء الاستعمار وخروج المستعمر منها. وحتى منتصف التسعينات من القرن الماضي لم تكن منظمات التنمية الدولية، وعلى رأسها البنك الدولي، تولي اهتماما خاصا موضوع الفساد وأثره في إعاقة التنمية الاقتصادية بالرغم من توافر أدلة على أن ما يقارب نصف الأموال والمساعدات الخارجية المخصصة للتنمية كان ينتهي في الحسابات الخاصة لبعض القيادات والزعامات في بعض الدول الأفريقية لدى المصارف الخاصة في دول أوروبية.
الفساد يشكل إعاقة كبرى في وجه التنمية الاقتصادية. فهو يزيد كلفة المعاملات والمشاريع والصفقات ويحد من دوافع الإستثمار كما يحد من دخل الدولة بسبب التلاعب في التحصيل الضريبي.
إن مناخا اقتصاديا واجتماعيا يسوده الفساد يمكّن مقدمي الخدمات وملتزمي المشاريع من تجاهل معايير الجودة والمهنية فيقومون بأعمال تضر بالمجتمع وبالاقتصاد العام (كشّق الطرقات التي تنهار لأسباب كان بالإمكان تجنبها، والمستشفيات التي تقدم خدمات علاجية دون المستوى المطلوب). ثم أن الفساد يضعف حكم القانون كما ذكرنا وهو ما يسهّل إجراء معاملات وعقود غير مبررة اقتصاديا كأن ترسي المناقصات العامة ليس على من يقدم الخدمة الأفضل بالسعر الأنسب، بل على من يدفع الرشوة الأكثر إغراءا. هناك دراسات وأبحاث عدة شملت العديد من الدول تثبت أنه كلما تزايد الفساد تدنى الدخل القومي وكذلك الاستثمار والانفاق على التعليم(7).
وانطلاقا من الأدلة على ما للفساد من تأثير سلبي في التنمية الاقتصادية، واقتناع القيّمين على منظمات التنمية الدولية بمخاطر الفساد على النمو الاقتصادي، فقد قامت هذه المنظمات باتخاذ إجراءات وبذل جهود من شأنها الحد من انتشار الفساد وربط منح قروضها والقيام باستثماراتها باتخاذ إجراءات فعالة من قبل الدول المعنية للحد من الفساد.
ومن السمات البارزة للاقتصاد العربي التي تستحق اهتماما خاصا بالنسبة إلى انتشار الفساد، الاعتماد بصورة رئيسية على الدخل الريعي الذي قوامه الإيرادات النفطية والفوائض المالية في مؤسسات القطاع العام والتحويلات الخارجية. ومن خصائص الدخل الريعي أنه ينتج عن امتلاك الدولة مصادر هذا الدخل ويؤول للخزينة العامة، أو لبعض الفئات الحاكمة، تلقائيا ودون رضى أو تعاون أطراف أخرى في المجتمع، كما هي الحال في الإيرادات الضريبة، وبالتالي لا يمر في قنوات تعرضه للمساءلة والمحاسبة. فمعظمه نتاج لإتفاقيات تعقدها الدولة مع جهات خارجية بعيدا عن الشفافية والمراقبة العامة، خاصة مع وجود النظم العائلية والسلطوية في العديد من الدول العربية. وبذلك تصبح ملكية العوائد الريعية والتصرف بها عنصرا هاما في تعزيز قوة النظام وتمكينه من تخصيص مبالغ ضخمة لحماية نفسه وإدامة حكمه.
لا شك في أن مثل هذا الوضع من غياب الشفافية والمساءلة يباعد بين الحاكم والمحكوم ويبرر الشكوك حول شرعية الحكم ويضعف مؤسسات الدولة ويؤدي إلى انتشار الفساد والمزيد من القمع والتضييق على الحريات العامة وحقوق الإنسان.
قد لا يكون الفساد هو السبب الوحيد لتخلف العالم العربي في النمو الاقتصادي بالرغم من إمكاناته الهائلة، لكنه بالنظر لانتشاره الواسع في كافة مرافق الحياة فهو من أهم المعوّقات.
في الفساد والأمن
ليس للدولة مسؤولية تضاهي مسؤوليتها عن أمن المجتمع والمقيمين على أرضها. تكاد الوظيفة الأمنية للدولة تكون المبرر الأساسي لقيامها كدولة مستقلة ومنحها حقوقا سيادية ومنع الدول الأخرى من التدخل في شؤونها الداخلية. فالاستقرار الأمني المنبثق عن الرضا الشعبي هو من أهم معالم الشرعية للنظام السياسي والقيّمين عليه.
انطلاقا من هذه الحقائق، نلاحظ أنه لم يحدث أن عانى العالم العربي في الزمن المعاصر ما يعانيه الآن من فوضى أمنية، واضطراب وحروب داخلية، وتنامي هويات فرعية هي أدوات تفكيك للروابط الاجتماعية في الدولة وتقويض مناعتها.
غياب المشاركة الشعبية في الحكم والهوة بين الحاكم والمحكوم هي من أبرز سمات أنظمة الحكم في معظم إن لم يكن جميع الدول العربية. فالانتفاضات الشعبية والمظاهرات التي عمت العديد من العواصم العربية في مطلع ما سمّي ب "الربيع العربي" قبل اختطافه والتحكم بمساره، كانت تعبيرا صادقا عن نقمة شعبية ورغبة في إقامة إصلاحات جوهرية في أنظمة الحكم السائدة. واللافت أن الشكوى من الفساد تصدرت مبررات الانتفاضات الشعبية في جميع الأقطار التي عرفتها ومعها عرفت إضطرابا أمنيا. فالفساد عندما ينتشر ويتجذر، يقّوض سلطة الدولة ومؤسساتها ويفتح المجال للتمرد. والفساد يزيد من مخاطر النزاعات الداخلية، والنزاعات بدورها تضاعف من مخاطر الفساد. للإثنين علاقة متداخلة متفاعلة تهدد الأمن والاستقرار وبخاصة في الدول التي يحيق بها العنف(8).
الربط بين الفساد وعدم الاستقرار السياسي والنزاع المسلح أصبح من المواضيع التي تلقى اهتماما خاصا لدى الباحثين في الآونة الأخيرة. تقرير هام للبنك الدولي عام 2011 عن التنمية الدولية وموضوعه "النزاعات المسلحة والأمن والتنمية"، أظهر أن للفساد أثرا بليغا في تزايد مخاطر اللجوء إلى العنف عن طريق إثارة الشعور بالظلم وتدمير فعالية المؤسسات الوطنية والقيم الاجتماعية(9). وكذلك تقرير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD) حول الفساد وبناء الدولة، جاء فيه أن الفساد هو مكمن الهشاشة لدى الدول، وأن بعض أنواع الفساد هو أساس انتزاع الشرعية في الدول التي عرفت العنف والنزاع المسلح. وفي العديد من الدول التي تعرضت لنزاعات مسلحة أكدت استطلاعات الرأي أن الفساد يتصدر شكاوى المواطنين فيها(10).
إن إحدى عشرة دولة من أصل العشرين دولة الأكثر معاناة من آفة الفساد، حسب مقاييس ومؤشرات منظمة الشفافية العالمية، عانت كذلك من نزاعات مسلحة واضطراب أمني، وإن خمسا من هذه الدول الإحدى عشرة هي دول أعضاء في جامعة الدول العربية(11).
إن معظم الدول التي تعاني من الفساد، تعاني أيضا من مؤسسات سياسية وقضائية وإدارية واقتصادية ضعيفة. ونتيجة لذلك ليس فيها من رادع فعّال للسلوك الفاسد. والمؤسسات الضعيفة في الدولة هي عادة نتيجة خلافات داخلية وربما حروب أهلية وتدمير مادي ومعنوي لهذه المؤسسات. ولنا في لبنان مختبر ودليل حسّي على صحة هذه الاستنتاجات. ثم أن الحروب الأهلية والاضطراب الأمني يخلقان مناخا للابتزاز وفرض الخوات حيث يصبح انصياع المواطن ورضوخه للأمر الواقع ضرورة تفرضها طبيعة الحياة. ومع ذهاب الشعور بالأمن وغياب مؤسسات تضمن للمواطن ما يتوقعه من حقوق، يفقد ولاءه للدولة وشعوره بشرعية الحكم فيها. ومن آثار الفساد السلبية كذلك أنه يقضي على الثقة بين الأفراد في المجتمع. وبذلك يزيد في صعوبة التلاقي في تنظيمات تعمل على إزالة المعوّقات لاستقرار وتطوير المجتمع(12).
أود هنا التوقف قليلا عند الأثر المدمّر لنوع من الفساد يسود الآن في العالم العربي قد تكون عرفته مجتمعات أوروبية في القرون الوسطى، إبان الحروب الصليبية، ولكن لم تعرفه مجتمعات أخرى في العصر الذي نعيش، ألا وهو استغلال الحاجات الإيمانية لبلوغ أهداف سياسية، وقد قيل فيه أنه أسوأ أنواع الفساد. الفساد بطبيعته هو اعتماد وسيلة لبلوغ هدف أو إشباع حاجة لا مسوّغ قانونيا أو خلقيا لها. كأن يلجأ من يحتاج نفوذا سياسيا مثلا إلى شراء الذمم في عملية انتخابية من خلال استغلال الفقر والجهل لدى شرائح شعبية عن طريق إشباع حاجة مادية بتقديم بعض المال أو الغذاء أو سواهما مما يضمن له أصوات بعض الناخبين. وهناك العديد من الأعمال الفاسدة حيث الوسيلة هي اللجوء إلى إشباع الحاجات المادية أو الاجتماعية للمستهدف في العمل الفاسد. أما استغلال الحاجات الإيمانية كالوعد بنيل الشهادة ودخول الجنة عن طريق ازهاق أرواح أبرياء وتدمير مجتمعات بهدف بلوغ أهداف سياسية فهذا فساد لا يقارن بسواه ويستحضر التأمل بحكمة الآية الكريمة "من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض، فإنما قتل الناس جميعا"(13). هكذا تضليل لا ينحصر ضرره بضحايا يقومون بأعمال العنف وضحاياهم. ولكن بالنظر لما يصحبه من تنام مشوّه للهويات الفرعية والانتماءات المذهبية والطائفية والدينية وإثارة الهواجس والضغائن لديها، كما نشاهد الانتشار السريع لهذا الوباء في مجتمعاتنا العربية، نرانا بصدد تفكيك الروابط بين المكوّنات البشرية للمجتمع. ما قد يعيق ربما لأجيال إعادة اللحمة فيما بينها وتمكينها من إقامة دولة متماسكة متضامنة بحد أدنى من الوحدة في الداخل التي هي مصدر المناعة، وهي السلاح الأقوى والأفعل في مقاومة التهديدات لأمنها، خارجية كانت أو داخلية.
نظرة عابرة لعالمنا العربي ترينا مجتمعات تتهددها نزاعات أهلية وأخرى هي في خضم حرب أهلية وثالثة خرجت لتوّها من هذه الحرب، لكن الفساد يلعب دورا محوريا فيها جميعا. فهناك دراسات قيمّة ومفيدة عن دور الفساد في التسبب بالنزاعات المسلحة والحروب الأهلية، وكذلك في المد بعمر هذه الحروب والنزاعات وخلق العقبات في وجه إيجاد حلول لها. ومعظم هذه الدراسات يقدم أدلة هي متوافرة في حالات العنف المسلح الذي يعانيه العديد من الدول العربية، ومنها تهريب السلاح، وإضعاف المؤسسات الأمنية للدولة، وإحلال عصابات مسلحة محلها تسيطر على موارد ومقدرات اقتصادية للدولة، ناهيك بأن الحروب بذاتها تخلق مناخا ملائما لانتشار الفساد والكسب غير المشروع.(14) وهناك أيضا دراسات عن علاقة الفساد بالأعمال الإرهابية يمكن الإفادة منها في فهم تعاظم دور الإرهاب في الإضطراب الأمني الذي يعاني منه العالم العربي.(15)
ما يمكن قوله عن استشراء الفساد ودوره في تعطيل مؤسسات الدولة لجهة حكم القانون والنمو الاقتصادي والاستقرار الأمني، ربما ينسحب على جميع مرافق الحياة العامة في العالم العربي ويشكل عنصر إعاقة أساسياً في وجه التطور من كافة جوانبه، إضافة إلى تجاهل حقوق الإنسان والمعاناة المؤلمة التي يعيشها المواطن العربي وبخاصة الفقراء والمهمشون الذين يجمع الباحثون على أنهم أكثر المتضررين من الفساد (16).
إزاء هذا المشهد من التخبط السياسي والاجتماعي العربي والتآكل في فعالية المؤسسات العامة، يتبادر إلى الذهن سؤال بديهي هو لماذا يعيش العالم العربي هذه الحالة من التردي والانحطاط، ولماذا تمكن الفساد من هذا الانتشار الفتاك وهل من وسائل لوقف مفاعيله وعكس مسار المجتماعات العربية؟ تجارب مجتمات أخرى تشير إلى نجاحات لافتة من التطور في مجالات مختلفة بما فيها التغلب على آفة الفساد.
لن أتناول حالات النجاح في مكافحة الفساد لبعض الدول والوسائل التي اعتمدت في ذلك. فمنشورات منظمة الشفافية العالمية، والبنك الدولي، ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية وغيرها وثّقت للعديد منها. لكن جميع التجارب الناجحة في مكافحة الفساد والحد من انتشاره انطلقت من وعي لمخاطره وإرادة لإزالة هذه المخاطر.
الشكوى والمعاناة من الفساد تعّم المجتمعات العربية جميعا ولكن ذلك لا يرقى إلى وعي مخاطر الفساد الذي يدفع الى رغبة جادة بالتخلص من هذه المخاطر. لأن إدراك الخطر من قبل عاقل يترجم عملا هدفه إزالة الخطر أو درؤه. فليس هناك ما يدل إطلاقا على أن في المجتمعات العربية إدراكا من قبل المسؤولين أو النخب المثقفة لأهمية المخاطر والأضرار التي يلحقها الفساد بالمجتمع وما يشكل من إعاقة في سبيل نموه وتطوره. ولعل العلة الأساس والمعوّق الأهم في وجه التطور هي الشح في رأس المال البشري. فهو العنصر الأفعل في كل تطور وتنمية بما في ذلك التنمية الاقتصادية. وفي اعتقادي إن النخب المثقفة تتحمل المسؤولية الكبرى عن العجز عن مواجهة التحديات والتغلب على الصعوبات التي تواجه المجتمعات العربية. فالنخب المثقفة في المجتمعات الحية هي إلى حد ما بمثابة الدماغ في الجسم الاجتماعي. فعليها بالدرجة الأولى يقع عبء وعي المخاطر التي تتهدد المجتمع واقتراح وسائل درئها. وهي التي يجب أن تلعب الدور الأساس في وضع قواعد السلوك السياسي والاجتماعي وفي شرح هذه القواعد وفي مراقبة المسؤول عن تطبيقها.
عندما أتكلم عن تقصير أو علة في النخب المثقفة العربية فأنا بالطبع لا أعني أن ليس هناك مثقفون عرب ربما يفوقون بقدراتهم الفكرية وإنتاجهم العلمي العديد من مثقفي أرقى المجتمعات الغربية وأكثرها تطورا، ولكن ما لم ينعكس التطور الفكري والعلمي لدى المثقف العربي في حياة وسلوك المجتمع الذي يعيش فيه يبقى مهمّشا وعديم الفاعلية.
من هذا المنطلق أقول أن هذه النخب تشكو عللاً ثلاثاً فيها الإجابة ربما على التساؤل عن فشل النخب المثقفة في القيام بدورها. فهي أولا لم تبلغ من النضج السياسي والاجتماعي والوعي لمسؤوليتها ما يدفعها إلى التعمق في فهم العلل التي يعاني منها مجتمعها والعمل الفعّال على حلول لهذه العلل تخلصا من الخطر الجسيم الذي تشكله على حياتها في المجتمع. وهذا التقصير باد في الانتاج العلمي لمراكز الأبحاث، إذا وجدت، وفي غياب الحركات الفكرية والتنظيمات السياسية. لا أعرف سببا مقنعا لهذا التقاعس ولا زلت غير مقتنع بالمألوف من الأعذار بأن الأنظمة القمعية هي العقبة الأساس في وجه ظهور الحركات الفكرية والتنظيمات السياسية. فالانظمة القمعية هي من التحديات الواجب مواجهتها وهي من العلل الرئيسية الواجب معالجتها. ثم أن وجود هذه الأنظمة لم يمنع ظهور تنظيمات هي عنوان التخلف الفكري وضحالة النضج السياسي وأداة تدمير وتفكيك اجتماعي عربي. ثم لو اعتمدنا مجتمعا أو بلدا عربيا كلبنان مثلا، الذي لا يندرج في خانة انظمة الحكم القمعية، وحاولنا أن نقيّم الدور الذي تلعبه نخبه المثقفة في معالجة العلل الفتاكة التي يعاني منها، والتي تدنو به من مصاف الدول الفاشلة، لما وجدنا ما يمكّن هذه النخب من المفاخرة به.
صحيح أن مفهوم الحرية، المنبثق عن ثقة بالنفس، والملازم للفضول العلمي وحب الاستطلاع، لم يتخذ له جذورا في الثقافة العربية المعاصرة وقد يكون لذلك بعض الأثر في تقصير النخب المثقفة عن لعب دور فعّال في مجتمعاتها، لكن هذا الموضوع يستحق وبإلحاح دراسة وربما دراسات معمّقة.
والعلة الثانية التي يعاني منها المثقف العربي، والإنسان العربي بعامة، هي هروبه من تحمّل المسؤولية، وافتقاره لفهم أهمية مبدأ الربط بين الجهد والنتيجة. وهذه العلة هي من سمات المجتمعات المتخلفة، ولعلها من أهم معالم الاختلاف عن المجتمعات المتطورة علميا وسياسيا. فالحروب الأهلية والتذابح بين المواطنين تصبح بنظر بعض مثقفينا حروب الآخرين على أرضنا. وعمليات التدمير الذاتي وهدم العمران والتمزق الاجتماعي من خلال تنمية هويات فرعية وانتماءات مذهبية وطائفية هي مسؤولية أطراف خارجية. واستعادة الحق العربي في فلسطين، هذا إذا بقي من يتذكر ذلك، هي مسؤولية سوانا. حتى التحليل السياسي لمآل نزاع داخلي غالبا ما يكون نوعا من التكهّن أو استقراء لمواقف ونشاطات الدول الخارجية. فنادرا ما نسمع أو نقرأ لمسؤول أو مثقف أن العلة فينا وعلاجها مسؤوليتنا الحصرية، وذلك انطلاقا من شعورنا بأننا شعب سيد حر، وعليه أن يتصرف تصرّف الأسياد الأحرار في تطوير حاضره وصناعة مستقبله.
والعلة الثالثة التي يعاني منها المثقف العربي بعامة هي نقص في الجرأة الأدبية وميل إلى الرضوخ لإغراءات الفساد. فلو توفر لعدد من المثقفين الذين يعون جيدا أسباب العلة ومخاطرها، ويدركون أيضا كيفية علاجها ومن هو الأكثر أهلية للقيام بهذا العلاج، لكنهم يقدرون أن المجاهرة برأيهم في هذا الصدد قد تكون له آثار سلبية على مصالحهم، كحرمانهم امتيازا أو وظيفة أو صفقة محتملة فيؤثرون الصمت. وسوف أحاول أن أعطي مثلا علّه يساعدنا على تصوّر مدى نضج رأس المال البشري لدينا وفاعلية مثقفينا.
من الصعب أن نجد في المجتمع هيئة تعكس حيويته في نموه وتطور مؤسسات الحكم فيه، وكذلك دور وفعالية نخبه المثقفة في ذلك كله، وخاصة في مكافحة الفساد، تضاهي الإعلام بوسائله المتنوّعة. فالإعلام الحر المسؤول هو من أهم دعائم الديمقراطية، وقد سمّي بالسلطة الرابعة في الحكم الديمقراطي بالنظر لدوره في مراقبة المسؤولين في السلطة، والتحقيق فيما يقومون به من أعمال وإطلاع المواطنين عليها. ربما هذا ما دفع توماس جيفرسون، أحد كبار الرؤساء المؤسسين للولايات المتحدة، إلى القول "لو خيّرت بين أن يكون لنا حكومة بلا صحف أو صحف بدون حكومة، لما ترددت لحظة في تفضيل الخيار الثاني"(17).
الأعلام المستقل الكفؤ يلعب دورا أساسيا في فضح الفساد وتعبئة المجتمع ضد مرتكبيه وممارسة الضغط من أجل الإصلاح. فالإعلام الحر المسؤول باستطاعته رفع مستوى المساءلة من خلال المراقبة والتحقيق في أعمال المسؤولين الذين خانوا الثقة الشعبية في توليهم الوظائف العامة، وذلك بفضح الفساد وجعل الثمن الذي يدفعه الفاسدون والمفسدون غاليا وموجعا. كما أنه يساعد على نشر النزاهة والشفافية والمساءلة كجزء من الثقافة السياسية والإجتماعية(18). وهناك من يعتبر أن الإعلام الدقيق، الموضوعي، الشامل، هو قلب التنمية العادلة وهو بمثابة الأوكسجين للأسواق والنشاط الاقتصادي(19). والإعلام الحر النزيه الذي ينقل المعلومة بصدق ودقة، يلعب دورا أساسيا في الحياة الديمقراطية. فالديمقراطية التي توصف بأنها حكم الشعب مبنية على فرضية أن للشعب الحق بالاطلاع على المعلومات التي هي أساس قراراته واختياره. وحق المواطن بالتعبير عن الرأي منوط بواجب السلطة تمكينه من الإطلاع على الوقائع الضرورية. والإعلام هو الواسطة وهو الضمانة لإلزام السلطة القيام بواجبها في تمكين المواطن من الحصول على المعلومات من جهة، وممارسته الحق في الاطلاع عليها من جهة أخرى.
فأين يقع الإعلام العربي وما هي إنجازاته في مكافحة الفساد وتفعيل مساءلة الحاكم وخلق واقع يجعل العقاب على ممارسة الفساد يفوق بكثير فوائده. وأين دور الإعلام العربي في نشر أسس النزاهة والشفافية وجعلها جزءا من ثقافة المجتمع السياسية والاجتماعية؟ وأين إنجازات الأعلام العربي في ترسيخ وتعزيز الممارسة الديمقراطية في الحكم؟ هناك لا شك بعض التجارب الجريئة لفضائية، أو صحيفة، أو شبكة من شبكات التواصل الاجتماعي، قامت وسارت ضد التيار في التزامها الصدق في نشر المعلومة، والتعبير عن وعي الوجدان الشعبي أو بعض النخب المثقفة لمصلحة وطنية أو قومية. ولكن مثل هذه التجارب تبقى استثناءا للمألوف من الإعلام العربي. وبالتالي فإن فعالية الإعلام العربي على وجه العموم هي غالبة في تأثيرها السلبي كحليف للفساد والمفسدين وبعيدة كل البعد عن لعب دور فعّال في خلق ثقافة النزاهة والشفافية والمساءلة في المجتمع، ناهيك بتعزيز المؤسسات الديمقراطية في الحكم والقيام بدور الحارس للمصالح الشعبية في المجتمع. ولعل أسطع دليل على فشل، لا بل التأثير السلبي للإعلام العربي، يكمن في أن أضخم وسائل الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب وأكثرها انتشارا، تموّلها وترعاها أنظمة وأموال دول عربية هي من أكثر الدول حاجة لمحاربة الفساد وأبعدها عن الديمقراطية وحقوق الإنسان وحكم القانون والمشاركة الشعبية في الحكم. ومع ذلك فليس لهذه الوسائل الإعلامية تأثير إيجابي يذكر في مجتمعات هذه الدول وأنظمة الحكم فيها. لا بل إن بعضها يلعب دورا بالغ الخطورة في الحضّ على تفكيك أواصر الدولة والدمار الذي نزل وينزل في العديد من الدول التي أصيبت بما سمي ب "الربيع العربي" وذلك بازدراء سافر للحد الأدنى للمعايير المهنية. فالإعلام عوضا عن أن يكون الرافعة الأساسية للقوى المناهضة للفساد والعاملة على تحرير المجتمع من معوّقات تطوره، هو ومعه مثقفون نافذون من ضحايا الفساد ومعوّقات التطور.
إن البحث في مسألة التطور الاجتماعي اقترن تاريخيا بتطور مفهوم الحرية ووعي الإنسان لقدراته العقلية على فهم مجتمعه والعمل على تطويره لما فيه مصلحته. ويقيني أن أي تطور يمكن توقعه في العالم العربي لن يكون سوى انعكاس لتطور في مفهوم الحرية المنبثقة عن ثقة بالنفس والقدرات العقلية للإنسان العربي ورغبة في مواكبة عصره في مجالات الحياة كافة.
=================================================
الهوامش:
(1) فيما يتعلق بالنقاش الذي دار في الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن الموافقة على تبنّي "إتفاقية الأمم المتحدة ضد الفساد" أنظر المستند رقم (GA10119).
(2) أنظر (UN Office on Drugs & Crime “High Level Conference for the Signature of the United Nations Convention Against Corruption” 9-11-2003, Merida, Mexico, Fact Sheet).
(3) أنظر Transparency International, http://www.transparency.de/mission.html (December 15, 1998).
(4) أنظر “Political Corruption: An Introduction to the Issues”. By Inge Amundsen 1999. CHR. Michelsen Institute: Development Studies & Human Rights, p.1.
(5) أنظر نفس المصدر ص 3.
(6) أنظر Transpnsparency International, Corruption Perception Index; Kaufmann, “Myths & Realities”, p.90; Mark E. Warren “Democracy Against Corruption” paper presented at the Conference on the Quality of Government at the University of Gotenberg, Nov. 17-19, 2005.
(7) أنظر “The Impact of Corruption on Regime Legitimacy: A Comparative Study of Four Latin American Countries”. By Mitchell A. Seligson. The Journal of Politics, Vol. 64, No. 2, May 2002, p.410.
(8) أنظر”Corruption as a Threat to Stability & Peace”. Publications of Transparency International, February 2014. P.11
(9) أنظر 2011 WDR pp.7-8
(10) أنظر "العوامل والآثار في النمو الاقتصادي والتنمية" لجورج العبد في الفساد والحكم الصالح في البلاد العربية من منشورات مركز دراسات الوحدة العربية عام 2004، صفحة 18.
(11) أنظر المصدر نفسه، صفحة 18.
(12) أنظر الحاشية رقم (7) صفحة 427.
(13) أنظر المائدة، 32.
(14) أنظر “Corruption as a Threat to International Security & Conflict Resolution: A systems Approach to Preventing than Stopping Corruption” by Jonas Hartelius & Edgar Borgenhammer. Svensaa Carnegie Institutet. Carnegie International Report Series 1. Stockholm 2011, p.20.
(15) أنظر “To Bribe or to Bomb” by Teets J C, and Chenoweth E. (2009), in Rotberg R I (Ed) (2009), Corruption, Global Security & World Order, Washington, D.C. Brookings Institution Press, pp 167-193.
(16) أنظر “Corruption in Justice & Security”, publication of Transparency International, May 2011, No.285. كذلك أنظر الحاشية رقم (9) أعلاه.
(17) أنظر Daniels, Dustin R., “Freedom of the Media as Freedom from Corruption”, (2011) Honors Thesis. Parep 10. P.4. http://diginole.lib.fsu/uhm/10
(18) أنظر “Overview of Corruption in the Media in Developing Countries”, Publication Transparency International, Feb. 2013, No. 368, p.2.
(19) أنظر “The Media, Exposing Corruption & Economic Vitality”, by Richard N. Winfield. A paper delivered in Amman, Jordan, December 7, 2006 at Conference on Media Law in the Gulf: Challenges & Opportunities.
=======================
*د. داود خير الله--- أستاذ في القانون الدولي - جامعة جورج تاون – واشنطن، وعضو مجلس أمناء "المنظمة العربية لمكافحة الفساد"

 

هل النفوذ الأميركي ينحسر فعلاً؟

بقلم: صبحي غندور*

هناك مقولةٌ تتردّد الآن كثيراً مفادها أنّ النفوذ الأميركي في العالم ينحسر، وبأنّ الولايات المتحدة تشهد حالاً من الضعف في مواقع عديدة في العالم.
طبعاً، تعتمد هذه المقولة على ما حدث في السنوات العشر الماضية من بروز للدورين الروسي والصيني في أزماتٍ دولية مختلفة ومن ظهور لمجموعة "البريكس"، التي تضمّ إضافةً إلى روسيا والصين كلاً من الهند والبرازيل وجنوب إفريقيا، كمثال على وجود تعدّدية قطبية في عالم اليوم، بعد هيمنة القطب الأميركي الأوحد عقب انتهاء "الحرب الباردة" وسقوط المعسكر الشيوعي الذي كان يُنافس القطب الأميركي لنصف قرنٍ من الزمن.
صحيح أنّ الولايات المتحدة قد فشلت في تحقيق الكثير من أهدافها ومشاريعها في حروب وصراعات مختلفة حدثت في السنوات العشر الماضية. وصحيحٌ أيضاً أنّ هناك سعياً روسياً وصينياً دؤوباً لتكريس نظام متعدّد الأقطاب في العالم. وصحيحٌ كذلك أنّ عدّة دول في قارات العالم تحبّذ الآن حصول تعدّدية قطبية. لكن هل النفوذ الأميركي ينحسر فعلاً ؟ وهل تتصرّف أميركا الآن على أساس وجود تعدّدية قطبية في العالم، أو في الحدّ الأدنى، هل سلّمت واشنطن بهذه المتغيّرات الدولية الجارية حالياً؟!.
الإجابة عن هذه التساؤلات تتطلّب رؤيةً دقيقة لواقع أزمات دولية حاصلة الآن، ولكيفيّة الانتشار الأميركي الراهن في العالم. فالرئيس الأميركي أوباما عاد مؤخّراً من جولة آسيوية كان هدفها الأول تعميق العلاقات الأمنية والاقتصادية والسياسية مع دولٍ تُشكّل بيئةً جغرافية مهمّة للصين، وبعضها (كاليابان) له مشاكل مع الصين وتاريخٌ سيء في العلاقات. ومن بين الدول الأربع التي زارها أوباما، ثلاثٌ منها تحتوي على وجود عسكري أميركي مهم منذ الحرب العالمية الثانية: اليابان، الفيليبيين وكوريا الجنوبية. وهناك الآن قرار أميركي بتحويل ما يُقارب ثلثي القوة البحرية الأميركية إلى منطقة المحيط الهادئ وجنوب شرق آسيا. فواشنطن تقوم الآن بخطواتٍ استباقية لمنع تحوّل القوة الاقتصادية الصينية إلى قوّة عسكرية ضخمة منافسة للولايات المتحدة.
أمّا محاولات التحجيم الأميركي لروسيا فهي متعدّدة رغم حرص واشنطن على عدم حدوث تصادم عسكري مع القوة العسكرية الروسية، التي هي الثانية عالمياً بعد الولايات المتحدة وتملك صواريخ نووية عابرة للقارات ولم تصطدم معها أميركا في أسوأ ظروف "الحرب الباردة"، حيث حرصت موسكو وواشنطن (كما تحرصان الآن) على إبقاء الصراعات بينهما في ساحات الآخرين، ومن خلال الحروب بالوكالة عنهما وليس بالأصالة منهما. ولعلّ الأزمة الأوكرانية، وقبلها جورجيا، ومعها الآن سوريا، لأمثلة عن كيفية سعي واشنطن لتحجيم النفوذ الروسي العالمي، ولمشاركة روسيا في مناطق هي محسوبةٌ كلّياً لموسكو. فالبعض يتصوّر الآن أنّ موسكو تنتصر في المسألة الأوكرانية بينما واقع الحال هو أنّ واشنطن ومعها "الناتو" قد وصلا إلى الحدود الإستراتيجية المباشرة للاتحاد الروسي، بعد أن امتدّا أصلاً إلى دول أوروبا الشرقية وأصبح جزءٌ من هذه الدول عضواً في حلف "الناتو".
ولا أعلم ما هو معيار "الانحسار" الأميركي إذا كانت الولايات المتحدة قد أضافت على أوروبا الغربية أوروبا الشرقية، وهي الآن تدقّ أبواب روسيا من خلال المراهنة على تقسيم أوكرانيا بين "شرق روسي" و"غرب أميركي"، ففي كلّ الأحوال ستكون روسيا خاسرة في الأزمة الأوكرانية حتّى لو سيطرت على القرم وعلى أجزاء من شرق أوكرانيا. فأوكرانيا هي أمام ثلاثة احتمالات: تسوية سياسية تقوم على نظام فيدرالي يُهيمن فيه "الناتو" سياسياً وأمنياً على العاصمة وعلى أجزاء من أوكرانيا، ودون إعلان الانضمام لحلف "الناتو"، أو حرب أهلية ستنتهي حتماً في تقسيم أوكرانيا، أو تورّط عسكري روسي مباشر في كل الأراضي الأوكرانية وصراعات مسلحة مع مجموعات مدعومة من "الناتو"، ممّا يستنزف روسيا في منطقة إستراتيجية مهمّة جداً للأمن القومي الروسي.
ويحضرني هنا ما قاله الرئيس الأميركي أوباما منذ أسابيع قليلة حينما سأله صحفي أميركي عن مدى صحّة ما يُقال بأنّ إيران تربح في سوريا وبأنّ واشنطن ضعيفة هناك، حيث ردّ أوباما أنّ سوريا كلّها كانت مع إيران قبل تفجّر الأزمة الدموية فيها، بينما إيران وحلفاؤها هم الذين يستنزفون الآن هناك. ولعلّ هذه النظرة الأميركية تنطبق أيضاً على النفوذ الروسي في سوريا، حيث كانت كل سوريا حليفة لروسيا بينما الآن هناك جماعات ومناطق على علاقة قوية جداً مع الولايات المتحدة. وفي أي تسوية مستقبلية للأزمة السورية سيكون هناك حضور لمن هم على علاقة جيدة مع واشنطن!.
   وإذا كان معظم أوروبا يدور الآن في الفلك الأميركي، وغالبية دول المنطقة العربية تقيم حكوماتها علاقات خاصة مع واشنطن، وإيران تتفاوض الآن مع واشنطن، والهند وباكستان كلاهما يحرص على تطوير العلاقات مع أميركا رغم ما بينهما من صراع طويل، والنفوذ الأميركي يمتدّ الآن إلى دولٍ إفريقية عديدة كانت إمّا تحت الوصاية الفرنسية أو مناطق صراع مع المعسكر الآخر في فترة "الحرب الباردة"، فأين يكون "الانحسار" الأميركي؟!.
هناك بتقديري فارقٌ كبير بين مقولة "الانحسار" وبين عدم نجاح واشنطن في السنوات الماضية بتحقيق كل ما كانت تريده أو ما خطّطت له من مشاريع. وهذا ينطبق على حربيها في العراق وأفغانستان، وعلى "مشروع الشرق الأوسطي الكبير"، وعلى الحرب الإسرائيلية على لبنان في العام 2006، وعلى ما يحدث في سوريا، وعلى المراهنة على حكم "الأخوان المسلمين" في مصر. ففي هذه الحروب والأزمات فشلت واشنطن في تحقيق ما تريده بشكلٍ كامل لكنّها حتماً استطاعت استنزاف خصومها وجعلهم في موقع المدافع عن وجوده بعدما نجحت واشنطن جزئياً في تحجيم دورهم. فالولايات المتحدة لم تكسب حتماً معارك اقتلاع وجود أخصامها، لكنّها نجحت طبعاً في تحجيم نفوذهم وفي مدّ تأثيراتها على مناطق لم تكن محسوبة لها.
السياسة الأميركية ليست حتماً "قضاءً وقدراً"، وهي تشهد تقلباتٍ كثيرة وتغييراتٍ في الأساليب معتمدةً على نهجٍ "براغماتي"، لكن هدفها ما زال هو بقاء الولايات المتحدة القوّة الأعظم في العالم. وما فشل في ظلّ إدارة "جمهورية" سابقة من أسلوب الغطرسة العسكرية، يتمّ الان الاستعاضة عنه في ظلّ إدارة "ديمقراطية" بما اصْطُلِح على تسميته ب"القوة الناعمة"، وهو المصطلح الذي رافق مجيء أوباما للبيت الأبيض.
وهدف هذا المقال ليس التهويل بالقوة الأميركية أو بنقض توصيف عالم اليوم المتعدّد الأقطاب فعلاً، بل هو دعوة لفهم الواقع والانطلاق منه، وعدم اعتبار النجاح في الدفاع عن الوجود ببعض المواقع تراجعاً نهائياً من قبل "المهاجمين" أو قبولاً تلقائياً بحقوق "المدافعين".
------------------------------------------------
 *مدير "مركز الحوار العربي" في واشنطن.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. ">عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.  

القضاءُ والقدَر مُقابل مسؤوليَّةِ الإنسان

من تجلِّياتِ العقلِ المجُتمَعيّ ومن أسباب تخلفنا الحضاري
فصل من كتاب "الأمة العربية بين الثورة والانقراض"
بقلم: علاء الدين الأعرجي

مقدِّمة
في هذا البحث سنُركِّز على ظاهرةٍ خطيرة كانت وما تزال تؤثِّرُ سلبًا في المسيرةِ التقدُّميَّة للأُمَّةِ العربيَّة وتُساهمُ في تخلُّفها عن رَكبِ الحضارةِ الحديثة، وأَقصدُ بها ظاهرةَ الإيمانِ بالقضاءِ والقدَر، المنتشرةَ في معظمِ أوساطِ المجتمعِ العربيّ، وخاصَّةً الإسلاميّ، بما فيه كثيرٌ من المتعلِّمين، وبوجهٍ أخصّ لدى الطبقاتِ الفقيرة والجاهلة التي تُشكِّلُ قرابةَ 50 في المئة من المجتمعِ العربيّ (حوالى نصف الشعب العربيّ أُمّيّ، حسب ”تقارير التنمية البشريَّة للأُمم المتَّحدة“).[1] وأهمِّـيَّةُ بحثِ هذه الظاهرة تنجمُ عن أنَّها تؤدِّي إلى عدم شعور الإنسانِ العربيّ شعورًا عميقًا وفعَّالاً بمسؤوليَّتِه تجاهَ نفسه وإزاءَ مجتمعِه، وبالتالي تُساهم في شَلِّ المبادراتِ الشخصيَّة والكفاحِ المُثمِر لتغيير الأوضاع المتردِّية الراهنة، وبالتالي في تفاقُمِ أزمةِ التطوُّرِ الحضاريّ. وكمثالٍ على ذلك، أقول: إنَّني كنتُ وما أزال أتعمَّدٌ أن أَخوضَ في الحديث مع العديد من المهاجرين العرب في هذا البلد (أمريكا)، وخاصَّةً عامَّة الناس الذين يُمارسون الأعمالَ التجاريَّةَ الصغيرة مثل أصحابِ المتاجر العربيَّة التي تبيعُ الموادَّ الغذائيَّة مثلاً. وبعد أن نتبادلَ الرأيَ حول أوضاع أُمَّتنا الراهنة المتفاقمة، أُلاحظُ أنَّ معظمَهم، إن لم يكن جميعهم، يُنهي كلامَه، بعد أن يشكوَ مِمَّا يحدثُ في البلدِ الأُمّ من مآسٍ ونكبات، بقولٍ من هذا النوع: ”إنَّها مشيئةُ الله ولا مردَّ لها،“ أو ”ننتظرُ رحمتَه سُبحانَه وتعالى،“ أو ”لا حَولَ ولا قوَّةَ إلاَّ بالله،“ أو ”إنَّ الله مع الصابرين“، أو ”ندعو الله سُبحانه وتعالى إلى خلاصِ الأُمَّة من هذه الغمَّة.“ وأَهمُّ من ذلك أنَّ أحدَهم كان، غالبًا، يُردِّدُ لي بحرارةٍ قولَه: ”كلُّ ما أسالُ الله، سُبحانه وتعالى، أن يُبقيَ الأوضاعَ المتردِّية والجارية حاليًّا على وضعِها من التردِّي ولا يزيدَها سوءًا.“ وهذا قِمّةُ التشاؤم والاستسلام لِما يُعتقَدُ أنَّه قضاءُ الله وقدَرُه.[2] فهو لا يفكِّرُ أصلاً بمسؤوليَّتِه عن هذا التدهوُرِ وما يُمكنُ عملُه لوَقفِه، بل يتركُ مسؤوليَّةَ ذلك على عاتقِ الله سبحانه وتعالى حصرًا.
كما إنَّ جميعَ العباراتِ السابقة تدلُّ، إضافةً إلى ذلك، على العجزِ والتواكُلِ والعزاء، الأمرُ الذي يدلُّ على مدى تغلغُل قِيَمِ القضاءِ والقدَرِ في العقلِ المجتمَعيّ. ونحن لا نُريدُ أن نُقلِّلَ من قدرةِ الله تعالى، ولكنَّنا نتأسَّى بالآيةِ الكريمة: ”وما تُقدِّموا لأنفسكم من خيرٍ تَجدوه عند الله إنَّ الله بما تعملون بصير“ (البقرة 110)؛ وبالحديثِ المنسوبِ إلى الرسول (ص): ”إعقلْ وتوكَّلْ“ أو ”إعقِلها وتوكَّلْ“، وهو جوابٌ لِمَن سأله: ”أأعقلُها [أي الناقة] وأتوكَّل أم أُطلقها وأتوكَّل؟“ لأنَّ إطلاقَ الناقة قد يؤَدِّي إلى ضياعِها. وهذا يُبرهنُ أنَّ على الإنسانِ أن يفعلَ جميعَ ما في طاقته لتجنُّبِ الضرَرِ واستجلابِ الخير، ثمَّ يتوكَّل، لا أن يظلَّ قاعدًا، أو يتركَ الأُمورَ تجري على عواهنِها، وينتظرَ رحمةَ الله أن تُصلحَها. كما نتذكَّرُ القولَ المأثور، المنسوب إلى الإمام عليّ (ع): ”إعمَلْ لدُنياك كأنَّكَ تعيشُ أبدًا واعمَلْ لآخرتِك كأنَّكَ تموتُ غدًا.“
وعندما كنت أدعو هؤلاء الناسَ وغيرَهم من المعارف والأصدقاء المتعلِّمين أو المثقَّفين، إلى الاشتراك في اجتماعاتٍ أو تظاهُراتٍ يُنظِّمُها بعضُ المؤسَّساتِ الأمريكيَّة للتعبير عن الرأي المخالِف، خاصَّةً في ما يتعلَّقُ بقضايانا الساخنة،- قضية فلسطين، الحصار على العراق- لا أجدُ آذانًا صاغية؛ ونادرًا جدًّا ما كان يحضرُ تلك الأنشطة أفرادٌ قلَّة يُعَدُّون على الأصابع، في حين يحضرُها الأمريكيُّون بالآلاف عادةً، ومع ذلك ينبغي أن نكون حَذِرين من التعميم، لأنَّ قليلاً من التظاهرات المتعلِّقة بالقضايا العربيَّة الساخنة حضرَها عددٌ كبيرٌ من العرب.
إذًا تنطلقُ هذه الدراسة من فرضيَّةٍ مَفادُها أنَّ العربَ خاصَّةً، والمسلمين عامَّةً، يميلون في الغالب إلى الإيمانِ بالقضاءِ والقدَرِ أكثرَ من مَيلِهم إلى حرِّيةِ الإنسانِ ومسؤوليَّتِه إزاءَ نفسِه وأُمَّتِه ووطنِه؛ مع التسليم بوجودِ مُحاولاتٍ لتعديلِ هذا الاتِّجاه، سواءٌ بواسطة حركاتٍ دينيَّة أو عَلمانيَّة. لكنَّ هذه الحركاتِ والأنشطةَ ظلَّت محصورةً في أوساطٍ معيَّنة؛ وتأثيراتُها بقيَت محدودة. ونأملُ، مع ذلك، أن تتوسَّعَ أَمثالُ هذه الحركات، خاصَّةً ذات الاتِّجاهِ العقلانيّ المستنير، الذي يتوخَّى بثَّ روحِ المسؤوليَّة الشخصيَّة وإطلاقَ طاقاتِ الإنسانِ العربيّ الخلاَّقة لِحَفزِ قُدراتِه الإبداعيَّة عِوضًا عن الإبقاءِ على روحِ التقليدِ الاتِّباعيَّة، وذلك عن طريقِ تفعيلِ عقلِه الفاعِل ضدًّا لعقله المنفعِل. وأظنُّ أنَّ ذلك يُمكنُ أن يتحقَّق، إلى حدٍّ كبير، بتفعيلِ أركانِ مجتمعِ المعرفة الخمسة، التي حدَّدَها ”تقريرُ التنميةِ الإنسانيَّة العربيّ للعام 2003“، ألا وهي: 1) إطلاق حرِّيـَّاتِ الرأيِ والتعبيرِ والتنظيم؛ 2) النشرُ الكامل للتعليم راقي النوعيَّة؛ 3) توطينُ العلم؛ 4) التحوُّل نحو نمطِ إنتاجِ المعرفة في البِنيةِ الاجتماعيَّةِ والاقتصاديَّة؛ 5) تأسيسُ نموذجٍ مَعرِفيٍّ عربيٍّ عامّ، أصيل، مُنفتِح ومُستنير.[3]
بعضُ تجلِّياتِ الإيمانِ بالقضاءِ والقدَر
لذلك سنُحاولُ أن نُحلِّلَ ونُجذِّر، في هذا الفصل، ظاهرةَ الإيمانِ بالقضاءِ والقدَر، التي نعتبرُها من الآفاتِ التي ترسَّخَت في العقلِ المجتمعيِّ العربيّ، وبالتالي بالعقلِ المنفعِلِ للفردِ العاديّ الذي أصبح يقبلُ القهرَ والظلمَ والكوارث، باعتبارِها قدَرًا مُحتَّمَاً، بل يعتبرُها بعضُهم امتحانًا من الله لمدى صبرِه وإيمانِه: ”فاصبروا إن الله يُحبُّ الصابرين“، ويتأسَّى بصبرِ أيُّوب. كما إنَّ هناك عشراتِ الأمثلةِ والأقوالِ الشعبيَّة التي يُردِّدُها العربيّ، وبخاصَّة المسلم، تدلُّ على مدى تعلُّقِه بالقضاءِ والقدَر، وعجزِ الإنسانِ عن التحكُّمِ بحاضرِه ومُستقبلِه؛ منها الأمثالُ المصريَّةُ السائدة مثل ”إللي انكَتب عالجبين لازِم تشوفُه العين“، و”قِسمتي كِدَه“، و”اجري يا بن آدم جَري الوحوش غير نصيبك ما تحوش“، و”العبد في التفكير والربّ في التدبير“، و”العين صابتني وربّ العرش نجّاني“، و”درهم حظّ ولا قنطار شطارة“؛ والأمثال العربيَّة الأُخرى كـ”لا تفكِّر، لها مُدبِّر“، و”إذا وقع القدَر عَميَ البصر“، و”قِسمة ونصيب“، و”المكتوب ما منه مهروب“، و”سبع صنايع والبخت ضايع“.
ومُقابل ذلك هناك أمثالٌ وأقوالٌ تتضمَّنُ مسؤوليّةَ الإنسانِ عن أعمالِه، لكنَّها قليلةٌ وغيرُ منتشرة، ولا فاعلة كالمجموعةِ الأُولى. منها ”اللي ما يزرع ما يحصد“، و”العيشة تدبير“، و”اقعُدْ على وَكرِ الدبابير وقُلْ هذا تقدير“ (يقال في معرض السخرية)، و”القرش الأبيض ينفع في اليوم الأسود“.
لماذا ظهرَت وبرزَت الأمثالُ والأقوالُ التي تدلُّ على التواكُلِ والاستسلام أكثر من تلك التي تحثُّ على العملِ وتحمُّلِ المسؤوليَّة؟ سؤالٌ سنُجيب عنه فيما بعد، خصوصًا في الفصل الخاصِّ بتعرُّضِ الأُمّةِ العربيَّة للقهرِ والاستبداد خلال الـ14 قرنًا الماضية.
وغالبًا ما تُعزى جميعُ المصائبِ والنوائب التي تحلُّ بالأُمَّة إلى قضاءِ الله وإرادتِه، في نهاية الأمر، أو بالأحرى إلى أسبابٍ يعتبرُها البعضُ عقابًا لأهلها من الله تعالى على تقصيرِهم في شؤونِ دُنياهم أو آخرتِهم. مثلاً: يرى الكاتبُ منير شفيق، في كتابه ”الإسلامُ وتحدِّياتُ الانحطاطِ المعاصِر“، أنَّ هزيمة العام 1967 كانت ”عقوبةً حتميَّة“ كان لا بدَّ من أن ”تدفعَها الأُمَّة...كمُحصَّلة طبيعيَّة لمحاربةِ الإسلام والسَّيرِ في طريق التغريب.“ [4]
كما قام الشيخ محمَّد مُتولِّي الشعراوي، وزيرُ الأوقافِ السابق في مصر، بالتوجُّه بالشكر إلى الله في صلاة ركعتَين، شاكرًا له صنيعَه لأنَّ ”مصر لم تنتصر.“ وقيل إن سببَ الهزيمة كان قدَرًا من الله وعقوبةً لأنَّ السلاحَ الذي حاربَت به كان سلاحًا كافرًا.[5]
وفي مطلع عام 2005 حدثَ زلزالٌ أَرضيٌّ عنيف، في أعماق المحيط الهنديّ، فسبَّبَ كارثة ”تسونامي“ في منطقة جنوب شرق آسيا شملَت الفلبّين وأندونيسيا وماليزيا والهند وسيرلانكا وبلدانا أُخرى، ووصلت إلى القرن الإفريقيّ، وحصدَت قرابةَ ثلاثمئة أَلف إنسان، وخاصَّةً من الفقراء وعامَّة الناس. وتفسيرًا لذلك كتبَ أحدُ ”الدكاترة“ المعروفين في مصر في إحدى الصحُف المصريَّة إنَّ هذه الكارثة حصلَت كإنذارٍ وعقابٍ من الله بسببِ ما كان يُقترَفُ من ذنوبٍ في تلك البلدان الساحليَّة التي كان يرتادُها السيّاح من مختلفِ أرجاءِ العالمَ.
وقد وصف نزار قبَّاني ظاهرةَ الإيمان بالقضاءِ والقدَر السائدة لدى العرب على النَّحوِ التالي:
نجلسُ بالجوامع تنابلاً كسالى...
ونشحذُ النصرَ على عدوِّنا من عنده تعالى.

ومع ذلك، هناك في العصر الحديث مَن يُعارضُ هذه النزعةَ الاتِّكاليَّةَ أو القدَريَّة.
يقول أبو القاسم الشابي:
إذا الشعبُ يومًا أرادَ الحياةَ
فلا بدَّ أن يستجيبَ القدَرْ
ولا بدَّ للَّيلِ أن ينجلي
ولا بدَّ لِلقَيدِ أن ينكسِرْ
و يقولُ شوقي:
وما نيل المطالبِ بالتمنَّي ولكنْ تؤخذ الدُنيا غِلابا
وهكذا نحن نُلاحظُ وجودَ صراعٍ بين قِيَمِ الجَبر (كتعبيرٍ آخَر عن القضاءِ والقدَر) التقليديَّة القديمة وقِيَمِ القُدرةِ والتمكُّن وحُرِّيـَّةِ الاختيار التي أنشأت الحضارةَ الحديثة، وأهمِّـيَّةِ مُواجهةِ الإنسانِ لمسؤوليَّاتِه. ومع ذلك فما تزالُ الأغلبيَّةُ العُظمى من العربِ يدينون بالجَبر أكثرَ مِمَّا يَدينون بالاختيار، حسب تقديرنا.[6]
لكنَّ كلَّ ذلك لا يعني أنَّ معظمَ العربِ وحدهم يؤمنون بالقضاءِ والقدَر، بل إنَّ معظمَ المجتمعاتِ البشريَّة، أو ربَّما جميعها، آمنَت، في بعضِ مراحلِ تطوُّرِها الماضية أو الراهنة بالقضاءِ والقدَر. ولكنْ من الملاحَظ أنَّه كلَّما ارتفعَ المجتمعُ في سلَّمِ التقدُّم والرقيّ المادّيّ والفكريّ، استطاع معظمُ أفرادِه أن يتغلَّبوا على هذه النزعة، خاصَّةً إذا تمكَّن، ذلك المجتمع، من تفسير الظواهر الطبيعيَّة، واستطاع أن يُسخِّرَها لخدمتِه وتقدُّمِه. وعلى العكس من ذلك نلاحظُ أنَّ جميعَ المجتمعات البدائيَّة، بما فيها القديمة أو المعاصرة، تؤمنُ بشكلٍ أو آخَر بالقضاءِ والقدَر.
التعريفُ بالقضاءِ والقدَر
القضاءُ في الاصطلاح: ”عبارةٌ عن الحُكم الكلِّيّ الإلهيّ في أعيانِ الموجودات على ما هي عليه من الأحوال الجارية من الأزلِ إلى الأبد“، مثلَ الحُكمِ بأنَّ كلَّ نفسٍ ذائقةٌ الموت (الجرجانيّ: ”التعريفات“). والقَدَرُ في اللغة: القضاء، والحُكم، ومبلغُ الشيء، والطاقة، والقوَّة، ويُطلَق على ما يَحْكمُ به الله من القضاءِ على عِبادِه، وعلى تعلُّقِ الإرادة بالأشياءِ في أوقاتِها. ويقول الأشعريَّة إنَّ القضاءَ هو قضاءُ الله الثابت في إرادتِه الأزليَّة المتعلِّقة بالأشياء على ما هي عليه فيما لا يزال. ويعني قَدَرُه إيجادَ الأشياء على قَدْرٍ مخصوص، وتقدير معيَّن في ذواتها وأحوالها.
وكتعريف تقريبّي، وفي المفهوم السائد، على الصعيد العامّ، كما في المفهوم الوارد في هذا البحث، يعني تعبير ”القضاء والقدر“ أنَّ الإنسانَ مُسيَّر لا مُخيَّر، ولا يستطيعُ أن يتحكَّمَ بحياته، حاضرِه أو مُستقبلِه ومصيرِه، أي إنَّه عاجزٌ عن تغييرِ أو تعديلِ ظروفهِ الخاصَّة ناهيك عن التحكُّم بالعالَمِ الخارجيّ. وغنيٌّ عن القَول إنَّه سينشأُ تناقضٌ بين هذا المفهومِ ومدى مسؤوليَّةِ الإنسانِ عن أعمالِه سواءٌ قانونيًّا أو أخلاقيًّا أو دينيًّا. فكيف يُمكنُ أن يكونَ الإنسانُ مسؤولاً عن أفعالِه ما دامت مُقدَّرة عليه من قِبَلِ سلطةٍ خارجةٍ عن إرادتِه؟ كما يتعلَّقُ الأمرُ بموضوعاتٍ تتعلَّقُ بالفلسفةِ بوجهٍ عامّ وفلسفةِ القانونِ والأخلاق، بوجهٍ خاصّ، مِمَّا يطولُ فيه البحثُ والحديث.[7] لذلك سنكتفي في هذه الحلقة بالتحدُّث عن القضاءِ والقدَر في التاريخ العربيِّ الإسلاميّ، بما فيه الفكرُ الإسلاميّ، لأننا نفترضُ أنَّ العقلَ المجتمعيَّ العربيَّ متأثِّرٌ بالجانبِ المظلمِ من ذلك التاريخ.
القضاءُ والقدَرُ في التاريخ العربيِّ الإسلاميّ
سنقسِّمُ هذا الفصلَ إلى ثلاثةِ فروع: الأوَّل يتعلَّقُ باستعراضِ النصوصِ الدينيَّة التي تدعمُ القضاءَ والقدَر، أو تدعمُ مسؤوليَّةَ الإنسانِ وحرِّيـَّتَه. والثاني يتعلَّقُ بواحدةٍ من أهمِّ الحركاتِ المُعارِضة للقضاءِ والقدَر في الإسلام، ألا وهي حركةُ ”المُعتزِلة“. والثالث يتعلَّقُ بالحُكم الاستبداديّ ”المُلك العَضوض“ وأثرِه في توطيدِ عقليَّةِ الاستسلامِ للقضاءِ والقدَر.
أوَّلاً، في النصوصِ الدينيَّة: يُمكنُ القولُ إنَّ التفسيرَ الإسلاميَّ لظاهرة القضاء والقدر يستندُ إلى كثيرٍ من الآيات الواردة في القرآن الكريم، ومنها ﴿إنّا كلّ شيءٍ خلقناه بقدَر﴾ (القمر: 49)، و﴿ قُلْ لن يُصيبَنا إلاَّ ما كتبَ الله لنا﴾ (التوبة: 51). و﴿ قُلْ لا أَملكُ لنفسي ضَرًّا ولا نفعًا إلاَّ ما شاءَ الله﴾ (يونس: 49)، و﴿ما أصاب من مُصيبةٍ في الأرضِ ولا في أنفسكم إلاَّ في كتابٍ من قبل أن نَبْرَأَها إنَّ ذلك على الله يسير﴾ (الحديد: 22)، و﴿وكلُّ صغيرٍ وكبير مُسْتَطَر﴾ (القمر: 53)، و﴿إنَّ الله يُضِلُّ مَن يشاء ويهدي من يشاء﴾، و﴿فلم تقتلوهم ولكن الله قتلَهم﴾ (الأنفال 17) وغيرها.
ولكنْ ينبغي أن نلاحظَ وجودَ آياتٍ أُخرى مُناقضة ومُعدِّلة تخالفُ ظاهرَ هذه النصوص. ومنها ﴿إنَّ الله لا يُغيِّرُ ما بقومٍ حتَّى يُغيِّروا ما بأنفسهم﴾، فإذا أَتممنا الآية فسينقلبُ المعنى إلى ضدِّه: ﴿وإذا أراد الله بقوم سوءًا فلا مردَّ له﴾ (الرعد: 11)، و﴿مَن عملَ صالحًا فلنفسِه ومَن أساءَ فعليها، وما ربُّكَ بظلاَّمٍ للعبيد﴾ (فُصِّلت:46)، و﴿ذلك بما قدَّمَت يداك وإنَّ الله ليس بظلاَّمٍ للعبيد﴾ (الحجّ: 10)، و﴿قُلْ يا قوم اعملوا على مكانَتِكُم إنّي عامل، فسوف تعلمون﴾ (الأنعام: 135)، و﴿ومن يكسبْ إثمًا فإنَّما يكسبُه على نفسِه﴾ (النساء: 111)، و﴿ما ظلمناهم ولكنْ ظلموا أنفسَهم﴾ (هود: 101). وهناك عددٌ كبير آخَر من أمثال هذه الآيات. ولكنْ من الملاحَظ أنَّ الآياتِ الأُولى المتعلِّقة بالقضاءِ والقدَر معروفةٌ ومُعتبَرة ومُتَّبعة أكثر من آياتِ المجموعة الثانية المعاكِسة التي تُشدِّد على مسؤوليِّةِ الإنسان، وذلك لأسبابٍ تتعلَّقُ بالعقلِ المجتمعيِّ العربيِّ والإسلاميّ الذي يستنجد، في عصرِ الانحطاط، بكلِّ الوصفاتِ الجاهزة، المُهدِّئة أو المُخدِّرة، على النحوِ الذي سنُحاولُ تفسيرَه فيما بعد.
تفسيرُ الجابري: في كتابِه ـ”التراث والحداثة“
يرى المفكِّرُ محمَّد عابِد الجابري أنَّ في القرآن آياتٍ تُفيدُ الجَبْرَ وأُخرى تُفيدُ الاختيار. ولكنْ يجبُ أن نأخذَ بنظرِ الاعتبار أسبابَ النزول ومُراعاةَ قصدِ الشارع. ويرى أنَّ الآياتِ التي تُفيد الجبرَ إمَّا أن تتعلَّقَ بالماضي باعتبار أنَّ ما حدثَ في الماضي لا يمكنُ تغييرُه، مثل﴿سنَّة الله التي خلَت من قبل ولن تجدَ لسنَّةِ الله تبديلا﴾، وإمَّا أنَّها نزلَت للحَثِّ على الصبرِ والتضحية في الصراع مع قُرَيش أوَّلاً، وحين الغزواتِ والحروب مع الكفَّار ثانيًا. يقول: ”إنَّ الآياتِ التي تُفيد الجبرَ في هذا المقام لم تكنْ تدعو إلى الاستسلام، بل بالعكس، كانت تحثُّ على الصبر وتدعو إلى التضحية. ولكنَّ السياسةَ فيما بعد هي التي وظَّفَت هذه الآياتِ في أغراضِها بعد أن قطَعَتها من سياقِها وعزلَتها عن أسبابِ نزولها، أي عن تاريخيَّتِها.“ [8] ومع تقديرِنا لرأي الجابري، فإنَّنا نرجح أنَّه يَنـْصَبُّ على ما يجب أن يكون، أكثرَ مِمَّا ينصبُّ على ما هو كائنٌ فعلاً.
ثانيًا، القَدَريّـِـة والمُعـتزِلة
منذُ أن ظهرَت مسألةُ القضاءِ والقدَر أو الجَبر التي رفعَها الأُمويُّون في الشام، لتبرير حكمهم، انبثقَت حركةٌ فكريَّةٌ وسياسيَّةٌ مُعارضة تقولُ بحرِّيـَّةِ الإرادة أُطلِق عليها اسمُ ”القَدَريّة“ (بمعنى القُدرة أو الاستطاعة، لا الجَبر)، رفعوا شعارًا يقول بقدرة الإنسان على ”خَلـْــقِ أفعاله، وبالتالي مسؤوليته عنها...“ فأطلقَ عليهم خصومُهم مُصطلحَ ”القَدَرِيَّة“ (من قَدِرَ قدَرًا بمعنى اقتدَرَ، لا من القضاء والقَدَر الخارج عن إرادة البشر)، استنادًا إلى حديثٍ نسبوه إلى الرسول (ص) يقول فيه:”القَدَريّة مَجوسُ هذه الأُمَّة.“ وكان الذين يؤمنون بحرّيـِّةِ الإرادة يرفضون هذا الوصف ويقولون إنَّه يصدقُ على الذين يقولون بالقضاء والقدَر، ومع ذلك لُصقَ بهم هذا الاسمُ حتَّى اليوم.[9]
والمسألةُ التي أُثيرت بين المتكلِّمين الأوائل هي صفةُ ”العِلم“ التي تُسبَغُ على الله تعالى، باعتباره عالمًا بكلِّ شيء، بما في ذلك علمُه منذ الأزَلِ بما سيكون. ومن هنا ظهرَت قضيَّةُ التناقُضِ بين عِلمِ الله السابق وبين عَدلِه. وثار السؤالُ الخطيرُ التالي: كيف يُمكنُ أن يُحاسِبَ الله الإنسانَ على أعمالِه وهو يعلمُ مُقدَّمًا ما سيحدثُ له، ولماذا يطلبُ منه القيامَ بأُمورِ معيَّنة ويمنعُ عنه أُمورًا أُخرى، وهو عالِمٌ مُسبَّقًا بأنَّه سيتبعُها أو لا يتبعُها؟
يقول أحمد أمين: ”نشأَت الأبحاثُ الدينيَّة في هذا الموضوع لمَّا نظرَ الإنسانُ فرأى أنَّه، من ناحية، يشعرُ بأنَّه حرُّ الإرادة يفعلُ ما يشاءُ وأَنَّه مسؤولٌ عن عملِه، وهذه المسؤوليَّة تقتضي الحرِّية. فلا معنى لأن يُعذَّبَ أو يُثابَ إذا كان كالريشة في مهبِّ الريح لابدَّ أن تتحرَّكَ بحركته وتسكنَ بسكونه. ومن ناحية ثانية رأى أنَّ الله عالِمٌ بكلِّ شيء، أحاط عِلمُه بما كان وما سيكون، فعَلِمَ بما سيصدر عن كلِّ فرد من خيرٍ أو شرّ، وظنَّ أنَّ هذا يستلزمُ حتمًا أنَّه لا يستطيعُ أن يعملَ إلاَّ على وَفقِ ما علمَ الله، فحارَ في ذلك بين الجبرِ والاختيار، وأخذ يُفكِّر: هل هو مُجبَر أو مُختار.“[10] ومن جهةٍ ثالثة، برزَ السؤالُ الخطيرُ الآخَر: إذا كان الإنسانُ يعملُ وَفقَ عِلمِ الله، أو إرادته، فهل يُمكنُ أن يفعلَ الله الظلمَ أو القبيح؟ ولماذا يُعذب الكافر الطالح، ويُثاب المؤمن الصالح، إذا كان الإنسان مُجْبَرٌ وليس مُخَيَّر؟
وبالإضافة إلى المناقشات ”الكلاميَّة“، والفلسفيَّة، كان لهذه القضيَّة انعكاساتٌ وتداعياتٌ سياسيَّة خطيرة. ذلك لأنَّ من المُمكن أن يغتصبَ الحاكمُ سدَّةَ الحُكم بالقوَّة، ويدَّعي أنَّ ذلك كان بعِلمِ الله وإرادته. فضلاً عن أنَّ بإمكانِه أنْ يظلمَ ويقتلَ جميعَ مُعارضيه ويسلبَ وينهبَ الأموال، ويرتكبَ جميعَ الموبِقات، مُدَّعيًا أنَّ ذلك يحدثُ بناءً على إرادةِ الباري عزَّ وجَلّ. وقد ظهرَت هذه المسألةُ في مطلعِ العصرِ الأُمويّ، كما قلنا. فالأُمويُّون الذين استولَوا على الحُكمِ بالقوَّة استنَدوا في شرعيَّةِ حُكمِهم إلى قضاءِ الله وقدَرِه، كما سيأتي شرحُه.
ويذكر التاريخ أنَّ أسبقَ مَن بشَّرَ بمبدإِ حُرِّية الإرادة ومسؤوليَّةِ الإنسان عن أعماله مَعَبد الجُهني وغَيلان الدمشقيّ. الأوَّلُ قتلَه الحجَّاج صَبرًا (أي بعد أن أَوثقَه ومنعَ الطعامَ عنه)، وقام هشام بن عبد الملك بقَطعِ يدَي الثاني ورجلَيه وقتلِه وصَلبِه، وكان ذلك في عام 106 للهجرة (724م).[11] وكان غَيلان الدمشقيّ قد تعلَّم مع واصل بن عطاء على يَدِ اثنَين من آلِ البَيت من أحفاد عليّ بنِ أبي طالب وأولادِ محمَّد بنِ الحنفيَّة.[12] ثمَّ ذهبَ إلى البصرة لينضمَّ إلى حلَقةِ الحسَن البَصريّ الذي كان يتحدَّثُ في مسجِدِ البصرة، مُفنِّدًا آراءَ مَن يُبرِّرُ أعمالَ الملوكِ الدامية بأنَّها قَدرٌ من الله.
وكان الحسَن البصريّ يتمتَّعُ بمكانةٍ دينيَّةٍ وعِلميَّة واجتماعيَّة عالية. وبينما كان يستشيرُه الخليفةُ الصالحُ عُمَر بنُ عبد العزيز في كثيرٍ من المناسبات، كان يختلفُ معه بقيَّةُ الخلفاءِ الأُمويِّين وخاصَّةً الخليفةَ عبدَ الملك بنَ مروان (65-86هـ/685-705م). وقد أبقى عليه الأُمويُّون لعدَّةِ اعتباراتٍ سياسيَّة ومَصلحيَّة. يذكرُ الدينوري في كتابه ”الإمامة والسياسة“: ”أنَّ مَعبد الجُهَني وعطاءَ بنَ يسار دخَلا على الحسَن البَصريّ، وهو يُحَدِّثُ في مجلس البصرة كعادتِه، فسألاه: ’يا أبا سعيد، إنَّ هؤلاء الملوك يسفكون الدماء، ويأخذون الأموال، ويفعلون كذا وكذا، ويقولون: إنَّما تجري أعمالُنا على قدَرِ الله.‘ فأجابَهما الحسَن:’ كَــذبَ أعداءُ الله.‘ “ [13]
ويُذكَرُ أنَّ عبدَ الملك بنَ مروان أرسلَ إلى الحسَن البصريّ رسالةً مُطوَّلة، عبَّر فيها عن قلقِه عمَّا بلغَه عنه من كلامٍ حول ”القدَر“، وطلبَ فيها توضيحَ موقفِه؛ وفيها كثيرٌ من التهديدِ المبطَّن، إذْ يتَّهمُه بأنَّ ما يقولُه قد يُعتبَرُ ”بِدعة“، لأنَّه لم يسمعْ به من قبل، ويطلبُ منه سندَه ومرجعيَّتَه. فأجابه الحسَنُ البصريّ برسالةٍ مُطوَّلة أُخرى تتضمَّنُ كثيراً من التحدِّي. ومِمَّا قاله فيها: ”واعلَمْ، يا أميرَ المؤمنين أنَّ الله لم يجعل الأُمورَ ’حتماً‘ على العباد، ولكنْ قال لهم إن فعلتم كذا فعلتُ بكم كذا، وإنَّما يُجازيهم بالأعمال... ولكنَّ الله قد بيَّنَ لهم مَن قَدمَ لهم ذلك ومَن أضلَّهم، فقال: ﴿وقالوا ربَّنا إنَّا أطعنا سادتَنا وكُبراءَنا فأَضلُّونا السبيلا﴾ (الأحزاب 67).‘ ويقول الله تعالى: ﴿إنَّا هَديناه السبيلَ إمَّا شاكرًا وإمَّا كَفورا﴾“ (الإنسان: 3).
ويُعلِّقُ الجابري على هذه الرسالة الهامَّة قائلاً إنَّها ”تضعُنا أمام خطابٍ جديد في المعارضة، خطابٍ ينسفُ إيديولوجيَّة الجَبر الأُمويّ فيؤَكِّدُ أنَّ أعمالَ الناسِ ليست حتماً عليهم بل هم يأتونها باختيارهم، وبالتالي فهم مسؤولون مُحاسَبون. والخطابُ مُوجَّه مُباشرةً إلى أمير المؤمنين، صيغةً ومضمونًا؛ فإضافةً إلى استعمال صيغة النداء ”يا أميرَ المؤمنين، وذِكر ”فرعون“ و”السادات“ و”الكُبراء“... الذين أضلُّوا أقوامَهم، نجدُ النصَّ يستحضرُ هؤلاء ليُعطيَ لمسألةِ الجَبرِ والاختيار كاملَ مضمونِها السياسيّ. ومن هنا ستنطلقُ حركةٌ تنويريَّة جعلَت قضيّتَها الأساسيَّة نشرَ وَعيٍ جديدٍ بين الناس، الوعيِ باَّنَّ الإنسان، والحكَّام في المقدَّمة، يفعلُ ما يفعلُ بإرادتِه واختياره، وأنَّ الله لا يرضى الظلمَ فكيف يُجبرُه على فِعلِه؟“[14] ومُجملُ القول إنَّ الذين قالوا بحرِّيةِ الإرادة أُطلِق عليهم ”القَدَرية“، كما أسلفنا، ثمَّ اشتُهِروا بـ”المُعتزِلة“ فيما بعد. وقيل كثيرٌ عن سببِ إطلاقِ هذه الصفةِ الأخيرة أو هذا الاسمِ على هذه الفرقة. ومن ذلك قولهُم إنَّ واصلَ بنَ عطاء وعَمرو بنَ عُبيد اعتزلا حلَقةَ الحسنِ البصريّ، لاختلافِهم معه في مسألةِ مُرتكبِ الكبيرة. وقال الشريفُ المرتضى في كتابِه ”المـــُــنية والأمل“، إنَّ تسميتَهم بالمعتزلة جاءت ”لاعتزالهم كلَّ الأقوالِ الـمُحدَثة“، أي الأقوالِ السابقة في مُرتكبِ الكبيرة. وقيلَ غيرُ ذلك.
وتتلخَّصُ أُصولُ فرقةِ ”العَدل والتوحيد“ التي سُمِّيَت فيما بعد بـ”المُعتزِلة“، في خمسة مبادئ هي: التوحيدُ والعَدلُ والمَنزلةُ بين المنزلتَين، والوعدُ والوعيد، والأمرُ بالمعروفِ والنَّهيُ عن المُنكَر.
والذي يهمُّنا من هذه الأُصول، في المقام الأوَّل، هو ”العدلُ“، بما أنَّه يرتبطُ بموضوعِنا. ومعناه عدمُ نسبةِ الظُّلمِ إلى الله. أمَّا الظلمُ الذي يجري في الواقع، فإنَّه من صُنع الإنسان، باعتباره خالقًا لفِعلِه لأنَّه حرُّ الإرادة وقادرٌ على الفِعلِ الحسَن أو السيِّئ، الحقِّ أو الباطل. وهكذا يكونُ الإنسانُ حرًّا ومسؤولاً عن أفعالِه، وإلاَّ كيف يمكنُ أن يُحاسبَه الله (العادل). ويُقرِّرُ المُعتزلة ” أنَّ للإنسانِ قدرةً وإرادةً ومشيئةً واستطاعة قد خلقَها له خالقُه، وأنَّها تؤَدِّي وظائفَها، بشكلٍ مستقلٍّ وحُرّ، فيما يتعلَّقُ بالأفعالِ المقدورة للإنسان، ومن ثَمّ فإنَّ الإنسانَ هو خالقُ أفعالِه، على سبيلِ الواقع لا المجاز، ونسبةُ هذه الأفعالِ إليه هي نسبةٌ حقيقيَّة، وبالتالي فإنَّ الجزاءَ، ثوابًا أو عقابًا، هو أمرٌ منطقيٌّ ليست فيه شُبهةُ جَور تلحقُ بالباري سُبحانَه، كما هو الحالُ إذا قال المرءُ برأيِ المُجْبِرة.“ [15]
فهؤلاء يرفعون لواءَ الجبرِ، ويُنكرون حرِّيةَ الإرادة ولا يجعلون العقابَ ولا الثوابَ مرتبطًا بالفاعلِ البشريّ بل بمشيئةِ الله، إن شاءَ عاقبَ، وإن شاءَ لا يُعاقِب. [16].
ومن المعروفِ أنَّ أصحابَ الفكرِ الجَبريِّ يستندون في دعواهم إلى ”العِلمِ الإلهيِّ السابق“، الذي وردَ في القرآنِ الكريم في كثير من الآيات؛ منها: ﴿ألم تعلمْ أنَّ الله يعلمُ ما في السماءِ والأرض، إنَّ ذلك في كتاب﴾ (الحجّ:70). كما استندوا إلى آيات يدلُّ ظاهرُها على الجَبر، منها ﴿ولو شئنا لأتَينا كلَّ نفسِ هُداها ولكنْ حقَّ القولُ منِّي لأملأنَّ جهنَّمَ من الجنَّةِ والناسِ أجمعين﴾ (السجدة: 13).
وأوَّلُ مَن قال بـ”الجَبْريَّة“ جَهم بنُ صَفوان، لذلك سُمِّيَت هذه الفرقة ”الجَهْمِيَّة“. وكان يقول ” إنَّ الإنسانَ مجبورٌ لا اختيارَ له ولا قدرة، ولا يستطيعُ أن يعملَ غيرَ ما عمِل، وإنَّ الله قُدَّرَ عليه أعمالاً لا بدَّ أن تصدرَ منه، وإنَّ الله يخلقُ فيه الأفعالَ كما يخلقُها في الجماد، فكما يجري الماءُ ويتحرَّكُ الهواءُ ويسقطُ الحجر، فكذلك تصدرُ الأفعالُ عن الإنسان، يُصدرُها الله فيه وتُنسَبُ إلى الإنسانِ مجازًا كما تُنسَبُ إلى الجمادات. فكما يُقالُ أثمرت الشجرةُ، وجرى الماءُ، وطلعَت الشمسُ، وأمطرت السماء، وأنبتَت الأرضُ، كذلك يُقالُ كتبَ محمَّد، وقضى القاضي، وأطاع فلان، وعصى فلان، كلُّها من نوعٍ واحد على طريقِ المجاز. والثوابُ والعقابُ جَبر، كما إنَّ الأفعالَ جَبر، والله قـــَـدَّرَ لفُلانٍ فِعلَ كذا وقدَّرَ له أن يُثاب، وقدَّرَ على الآخَر المعصية وقدَّرَ أن يُعاقَب.“[17]
نلاحظُ هنا هذا الصراعَ المتواصلَ بين العقلِ والنَّقل. فالمعتزِلةُ آمنوا بالعقلِ وفسَّروا النصوصَ الدينيَّة تفسيرًا منطقيًّا فلسفيًّا. وهم أسدوا بذلك خدمةً كبيرةً للإسلام حينما تعرَّضَ لهجماتِ عقائدِ الفرسِ المانويَّة وغيرِها من العقائد غير الإسلاميَّةِ الأُخرى التي انتشرَ دُعاتُها مُستفيدين من إباحةِ حرِّيةِ الجدَلِ والمناظرة، في العصرِ العبَّاسيِّ الأوَّل. فلم يكُن أصحابُ الحديث (النقل) مُسلَّحين إلاَّ بالنصوص؛ القرآنِ والسنَّة. بينما يتطلَّبُ الأمرُ مُحاجَّةَ الخصمِ بالدليلِ العقليِّ الذي يُتقنُه المعتزلة. أمَّا الفلاسفة فكانوا لا يتعرَّضون للدين إلاَّ إذا تعارض مع الفلسفة، فيعملون على تكييفِ الفلسفة بُغيَة أن لا تتعارضَ مع الدين. فهم فلاسفةٌ أوَّلاً ثمَّ مُتديِّنون ثانيًا. بينما يتَّسمُ المعتزلة بكونهم مُتديِّنين أوَّلاً وآخرًا، ومع ذلك فهم مُسلَّحون بالحُجَجِ المُقنِعة والأدلّةِ الدامغة. وكان بينهم خُطباءُ بُلَغاء، وعُلماءُ فُقهاء، من أمثال النظّام والجاحظ وبِشر بنِ المعتمر وأحمد بن أبي دؤاد. وهم الذين اخترعوا علومَ البيانِ والبلاغة. فكانوا يتحدَّثون بلُغةٍ فصيحةٍ سائغة ومؤَثِّرة تفهمُها العامَّة وتُقدِّرُها الخاصَّة. ويُمثِّلُ هؤلاء الجيلَ الثاني بعد عُلماء وخُطباء بارزين من أمثال الحسَن البصريّ وواصل بن عطاء. أَمَّا الفلاسفة فيتحدَّثون ”بعباراتٍ جافَّة غامضة، كأنَّها رموزٌ وإشارات.“ [18]
ثالثًا: ”المُلكُ العَضوض“
الاستبدادُ والقهرُ يؤَدِّيان إلى الإيمانِ بالقضاءِ والقدَر
لعلَّ أوَّلَ مَن صرَّحَ بقضاءِ الله أو بـ"الحقِّ الإلهيِّ" في مُواصلةِ الحُكم، في الإسلام، هو الخليفةُ عثمان بن عفَّان، حين طُلِبَ إليه التنحِّي عن الخلافة، فقال قولتَه المشهورة: ”واللهِ لا أنزعُ ثوبًا سربلَنيه الله.“
ويُمكنُ القولُ إنَّ فكرةَ القضاءِ والقدَر طُرِحَت لأوَّل مرَّة لتتَّخذَ أبعادًا سياسيَّة أسفرَت عمَّا أُطلِق عليه تسميةُ ”المُلك العضوض“، عندما خاطبَ مُعاوية بنُ أبي سفيان جيشَه في صفِّين، وهو يستعدُّ لقتال الإمام عليّ بن أبي طالب، قائلاً، بين أُمورٍ أُخرى: ”وقد كان من قضاءِ الله أن ساقتنا المقاديرُ إلى هذه البقعة من الأرض، ولفَّتْ بيننا وبين أهلِ العراق.“ ثمَّ تلا قولَه تعالى ”ولو شاءَ الله ما اقتَتلوا، ولكنَّ الله يفعلُ ما يُريد﴾ (البقرة: 253). [19]
وأدركَ مُعاوية، بعد أن استتبَّ له الحُكم، أنَّه يحتاجُ إلى التماسِ الشرعيَّة في الحُكم بعد أن اغتصبَه بالقوَّة، ففقدَ شرعيَّةَ الشُّورى التي أُسِّسَ عليها الحُكمُ في الإسلام. وهكذا فإنَّه لجأَ إلى التماسِ الشرعيَّةِ في القضاءِ والقدَر، وكأنَّ الله هو الذي قضى بسابقِ عِلمِه أن يتولَّى الأُمويُّون الحُكم. فخطبَ في أهلِ الكوفة قائلاً: ”يا أهلَ الكوفة، أتراني قاتلتُكم على الصلاةِ والزكاةِ والحجّ، وقد علمتُ أنَّكم تُصلُّون وتُزكُّون وتحجُّون، لكنّي قاتلتُكم لأتأمرَ عليكم وعلى رقابِكم، وقد أتاني الله ذلك وأنتم كارهون.“[20]
وخطبَ بمناسبةِ تنصيبِ ابنِه يَزيد خليفةً له قائلاً: ”إنَّ أمرَ يزيد قد كان قضاءً من الله، وليس لِلعبادِ الخيرةُ من أمرِهم.“ ثمَّ ردَّدَ عُمّالُه هذا المبدأ، فقال زياد بن أبيه في خطبتِه المعروفة بـ”البتراء“: ” أيُّها الناس، إنّا أصبحنا لكم ساسة وعنكم ذادة، نسوسُكم بسُلطانِ الله الذي أعطانا، ونذودُ عنكم بفَيء الله الذي خوَّلَنا.“[21]
كما قال مُعاوية بعد أن تمَّت له البيعة في المدينة: ”إنّي ما وليتُها بمحبَّة علمتُها منكم، ولا مسرَّة بولايتي، ولكنَّي جالدتُكم بسيفي هذا مُجالَدة.“ وأضاف: "إنَّني أردتُ أن أَتَّبعَ سُنَّةَ أبي بكر وعُمر، ولكنَّ نفسي نفرَت من ذلك نفارًا شديدًا... فإن لم تجدوني خيرَكم، فإنِّي خيرٌ لكم ولاية... وإن لم تجدوني أقومَ بحقِّكم كلِّه، فاقبلوا مني بعضَه...“ [22]
وقصَّةُ أَخذِ البيعة ليزيد مشهورة، تذكرُها كتبُ التاريخ. ومُلخَّصُها أنَّ معاوية بعد أن جمَعَ الناسَ ودعا الوفودَ من جميع الأمصار، في عام 55 هـ؛ قام يزيد بنُ المقفَّع خطيباً، فقال: ”أميرُ المؤمنين هذا“ مُشيرًا إلى معاوية، ”فإنْ هلكَ فهذا“ مُشيرًا إلى يزيد، ”فمَن أبى فهذا“ مُشيرًا إلى سيفِه. فقال له مُعاوية: ”اجلِسْ فإنَّكَ سيِّدُ الخطباء.“[23]
وعندما تُوفِّيَ مُعاوية، خطبَ ابنُه يزيد قائلاً: ”الحمدُ لله الذي ما شاءَ صنَع، ومَن شاءَ أعطى، ومَن شاءَ منَع، ومَن شاءَ خفَض، ومن شاءَ رفَع. “[24] 25 كما جرى توظيفُ الحديثِ النبَويِّ لِدَعمِ وجهةِ نظرِ الأُمويِّين، فقالوا إنَّ الله لا يُحاسبُ الخلفاءَ لأنَّه هو الذي جعلَهم أُمراء، ووضعوا حديثًا مَفادُه ”إنَّ الله تعالى إذا استرعى عبدًا رعيَّةً كتبَ له الحسنات ولم يكتبْ له السيِّئات.“ وذُكِرَت أحاديثُ أُخرى، منها أنَّ ”من قام بالخلافة ثلاثةَ أيَّام لم يدخل النار.“ وقال مُعاوية: ”قد أَكرمَ الله الخلفاءَ الكرامة، أنقذَهم من النار، وأوجبَ لهم الجنَّة، وجعلَ أنصارَهم أهلَ الشام.“ وخطبَ هشام بنُ عبدِ الملك حين وَليَ الخلافة فقال: ”الحمدُ لله الذي أنقذَني من النار بهذا المقام.“ ويُقال إنَّه جمعَ أربعين شيخًا شهِدوا له أنَّ ما على الخُلفاء حسابٌ ولا عِقاب. [25]
ويُشير الشيخ علي عبد الرازق إلى أنّ ”الخلافة في الإسلام لم ترتكزْ إلاَّ على القوَّة الرهيبة، وأنَّ تلك القوَّةَ كانت، إلاَّ في القليلِ النادر، قوَّةً مادِّيةً مُسلَّحة.“ ويُذكِّرُنا، بين أُمورٍ أُخرى كثيرة، بالطريقةِ التي فرَضت البيعةَ ليزيد بنِ مُعاوية المذكورة آنفًا، ثمَّ يُشيرُ إلى ”استباحةِ يَزيد لدَمِ الحُسَين ابنِ فاطمة الزهراء، بنتِ رسولِ الله (ص)“، وكيف ”انتهكَ حُرمةَ مدينةِ الرسول“، وكيف ”استباحَ عبدُ الملك بنُ مروان بيتَ الله الحرام ووطئَ حِماه.“ [26]
كما تذكرُ كتبُ التاريخ أنَّ عبدَ الملك بنَ مروان ارتقى مِنبرَ رسولِ الله (ص) في المدينةِ المنوَّرة، وقال قَولتَه الشهيرة: ”واللهِ لا يأمرُني أحدٌ بتقوى الله بعد مقامي هذا إلاَّ ضربتُ عُنقَه.“[27]
كما حكمَ العبَّاسيُّون استنادًا إلى مبدإ ”الإرادة الإلهية“. خطب أبو جعفر المنصور قائلا: ”أيُّها الناسُ إنَّما أنا سلطانُ الله في أرضه، أسوسُكم بتوفيقِه... وحارسُه على مالِه، أعملُ فيه بمشيئتِه وإرادتِه وأُعطيه بإذنه.“ [28]
وهكذا، ومنذ أن تحوَّلَ الحُكمُ إلى ”مُلكٍ عَضوض“، بعد الخلافةِ الراشدة، تداولَ السلطةَ الملوكُ الذين حكَموا بقضاءِ الله وقدَرِه. وتوطَّدَ هذا المفهومُ أكثر عن طريقِ تبريرِ الفُقهاء للمُلك العَضوض تحت ذريعةِ ”دَرءُ المفاسدِ مُقدَّمٌ على جَلبِ المصالح“، و”مَن اشتدَّت وطأتُه وجبَت طاعتُه،“ حتَّى قال قائلُهم:
وطاعةُ من إليه الأمرُ لـَـزْمٌ وإن كانوا بغاة ًفاجرينا
وتُصوِّرُ أبياتُ دِعبِل الخُزاعيّ هذا الوضعَ الاستبداديَّ المتواصِل:
الحمد لله لا صبرٌ ولا جَلدٌ ولا عزاءٌ إذا أهلُ البِلى رقدوا
خليفة مات َلم يحزنْ له أحدٌ وآخرٌ قامَ لم يفرحْ به أحدُ
فمرَّ ذاكَ ومُــــرُّ الشؤم يتبعُه وقامَ هذا وقام النحسُ والنَـكدُ
ويقول أبو بكر الخُوارزميّ في وصفِ سيرةِ حاكم: ”فما زال يفتحُ علينا أبوابَ المظالم، ويحتلبُ فينا ضَرْعَ الدنانير والدراهم، ويسيرُ في بلادِنا سيرةَ لا يسيرُها السِّـنَّورُ في الغار، ولا يستجيزُها المسلمون في الكفَّار، حتَّى افتقرَ الأغنياء، وانكشفَ الفقراء، وحتَّى تركَ الدِّهقانُ ضيعتَه، وجحدَ صاحبُ الغلّةِ غلَّتَه، وحتَّى نشفَ الزرعُ والضَّرع، وأُهلِكَ الحرثُ والنسل، وحتَّى أخربَ البلاد، بل أخربَ العِباد، وحتَّى شوَّق إلى الآخرة أهلَ الدنيا، وحبَّبَ الفقرَ إلى أهلِ الغنى... والله ما الذئبُ في الغنَمِ بالقياسِ إليه إلاَّ من المصلحين، ولا السّوس في الخَزِّ في الصيف عنده إلاَّ من المحسِنين.“ [29]
وأستدركُ فأقول إنَّ ذلك الظلمَ والقهرَ يُصاحبُه إغداقٌ كبيرٌ على العُلماءِ والشعراء، فقيل في ذلك: ”يَهبُ الأمير ما لا يملك.“ لذلك ازدهرت العلومُ والآداب بل ازدهرت الحضارة العربية الإسلامية بوجه عام. ونحن هنا لا نبحث هذه النقطة لأن بحثنا ينصب على تعوّد العقل المجتمعي العربي على الاستبداد والقهر حصراً.
ومن جهة أخرى، يقول أحمد أمين إنَّ الخُلفاءَ ”على الجملة نهَّابون وهَّابون.“ أمَّا قُضاةُ بعضِ الخُلفاء، فحدِّثْ عنهم ولا حرَج.
قال بديعُ الزمان الهمذانيّ في وصفِ أحدِ القُضاة: ”يا للرجال وأين الرجال؟ وليَ القضاءَ مَن لا يملكُ من آلاتِه غيرَ السِّباب، ولا يعرفُ من أدواته غيرَ الاختذال! وما رأيُك في سوسٍ لا يقعُ إلاَّ على صوفِ الأيتام، وجرادٍ لا يسقطُ إلاَّ على الزرعِ الحرام، ولصٍّ لا ينتقبُ إلاَّ على خزانةِ الأوقاف؟“. [30]
ولئنْ طفقَ المتنِّبي يُدبِّجُ القصائدَ العصماءَ في مَدحِ سَيفِ الدولة، فإنَّ هذا كان ”ينهبُ الناسَ ويُصادرُ أموالَهم ليمنحَها للمتنبِّي وأمثالِه، فيصوغون له قلائدَ المدح، فينطبقُ عليه الحديث ’ليتَها ما زَنتْ ولا تصدَّقتْ.‘ وكان قاضيه يُسهِّلُ له كلَّ مَظلمة حتَّى قال يومًا: ’من هَلَك فلِسيفِ الدولة ما ملَك.‘(انطر المرجع السابق).
ويقول الجابريّ: ”إنَّ التاريخَ العربيَّ لم يعرفْ قطُّ ظاهرةَ الصراع من أجل الحدِّ من سلطةِ الحاكمِ الفَرد أو فرضِ قيودٍ أو رقابةٍ عليه“... ”ألم يُضطرَّ الفقهاءُ في كلِّ عصرٍ من الإفتاءِ بجوازِ توليةِ المفضولِ على الأفضل؟... أمَّا الخروجُ على الإمام فقد تجنَّبوا الإفتاءَ به بدعوى اتِّقاءِ الفِتنة.“ ومن هنا جرى ترسيخُ روحِ الاستسلامِ ومبدإ ”ليس بالإمكان أحسنُ مِمَّا كان،“ [31]أو بالأحرى الاستسلام للقضاءِ والقدَر ومشيئةِ الله، بغيةَ تعزيةِ النفسِ ومُصالحةِ الذات للقبول بالأمر الواقع.
ومع اعترافِنا الكامل بالجانبِ المشرِق للتاريخِ العربيِّ الإسلاميّ، وإكبارِنا له، فيجبُ أن لا نغفلَ بحثَ الجوانبِ المعتمِة منه أيضًا. وقد أسهَبنا في الشرحِ وتثبيتِ بعض الحقائقِ التاريخيَّة المُرَّة، لأنَّنا غالبًا ما ننسى أو نتناسى هذا الجانب، ونتمسَّكُ بترديدِ الجانبِ المشرِق والمعروف، [32] وبذلك نفشلُ في تفهُّمِ إشكاليَّتِنا، وتشخيصِ أدوائنا، بعقلٍ فاعِلٍ لا مُنفعِل.
وفضلاً عن كلِّ ذلك، فقد تفاقمَت خصائصُ الاستبداد خلال فترةِ الانحطاطِ والسيطرةِ العثمانيَّة، مع وجودِ فتراتٍ تتميَّزُ بقَهرٍ أكثر أو أقلَّ نسبيًّا، حتَّى وصلنا إلى عصر الاحتلالِ الغربيِّ في العصرِ الحديث، ثمَّ الحُكم الوطنيّ الذي ظهرَ أنَّهُ أدهى وأمرَّ من عصرِ الاحتلال، أحيانًا، وخاصَّةً في العراق، الذي كان يُمثِّلُ أهمَّ مركزٍ للحضارةِ العربيَّةِ الإسلاميَّة.
وهكذا فإنَّ هذه الأوضاعَ الاستبداديَّة استمرَّت على نحوٍ أو آخَر حتَّى اليوم، على وجهِ العموم، في معظمِ أجزاء العالَمِ العربيِّ والإسلاميّ. لذلك يلجأ الإنسانِ العربيِّ المظلوم إلى الإيمانُ بالقضاءِ والقدَر، وتسليمُ أمرِه إلى الله تعالى باعتبارِ أنَّ الدنيا فانية وأنَّها جسرٌ للآخِرة، والعاقبةُ للصابرين والمتَّقين.
ولمَّا كان العقلُ المجتمعيُّ يُمثِّلُ ذاكرةَ الأُمَّة ومُحصَّلةَ ظروفِها وتاريخِها، فإنَّه يُصبحُ في هذه الحالة مشحونًا بهذه القيمة (القضاء والقدَر)، إلى جانبِ قِيَمٍ أُخرى متعدِّدة. بَيدَ أنَّ القِيمَ المتفوِّقة، أي التي تؤَثِّرُ في الوحدةِ المجتمعيَّة أكثرَ من غيرها، خاصّةً بسببِ طولِ الفترةِ التي توالت فيها الأحداثُ والظروفُ المُفضِية إلى هذه القيمة، أقولُ في هذه الحالة، تظهر تلك القيمة (أي القضاء والقدَر) في سلوك أعضاء المجتمع بقَدرٍ أكبر. ويُمكنُ أن نُفسِّرَ ذلك بأنَّ العقلَ المجتمعيَّ يُشبهُ، إلى حدٍّ بعيد، العقلَ الباطنَ بالنسبة للفرد، بموجب مدرسةِ التحليل النفسيّ، كما ذكرنا سابقًا. فهو يخزنُ التجاربَ المختلفة. ولكنَّ التجاربَ القاسية والمتواصلة، خاصَّةً في فترة الطفولة، تُؤثِّر في سلوك الفرد أكثر، وتظهرُ بأشكالٍ مختلفة، وقد تُشكِّلُ عُقدًا نفسيَّة أو سلوكيَّاتٍ مرَضيَّة معيَّنة. ويُمكنُ مقارنةُ طفولةِ الفردِ بتاريخ المجتمع البشريّ أو طفولتِه، وقد لاحظنا بعضَ ملامحِه التي توحي بتغلُّبِ فكرةِ القضاءِ والقدَر على العقلِ المجتمعيّ وبالتالي على العقلِ المنفعِل للفردِ، العُضوِ في ذلك المجتمع.
وهكذا فقد أوضحنا آنفًا كما في بحثِنا الموسَّع المعنوَن بـ”حالُ العربِ في المهجر“ [33] أنَّ القهرَ الطويلَ الذي تعرَّضَ له الفردُ العربيُّ خلال تاريخِه الماضي ظلَّت آثارُه ترافقُه حتَّى بعد أن انتقلَ إلى المهجر، حيث توافرَت له سُبلُ حرِّيةِ التفكيرِ والتعبيرِ والنشرِ والتجمُّع والتنظيمِ السياسيّ، والتصويتِ الحرّ، أي جميع الحرّيات الأساسيّة التي كان يفتقدُها في وطنِه الأُمّ. ومع ذلك نجدُه يكاد يكونُ مشلولاً، في الغالب، حتَّى في حالِ تعلُّقِ الأمرِ بحقوقِه ومصالحِه في المهجر، فضلاً عن مصالح ومُعضلاتِ وطنِه الأُمّ. فهو لا يُشارك، على الأغلب، في الانتخاباتِ العامَّة أو المحلّيَّة، ولا في الاجتماعات والتظاهرات العامَّة، ونادرًا ما يُناقشُ أو يعترضُ على الآراءِ المُتجنِّية على العربِ والمسلمين التي تحفلُ بها وسائطُ الإعلام الأمريكيَّة خاصَّةً. لذلك نجدُ المنظَّماتِ العربيَّة والإسلاميَّة ضعيفة في أمريكا، ونلاحظُ أنَّ اللوبي العربيّ معدوم أو هزيل جدًّا، بالمقارنة مع سواه، مع أنَّ العربَ والمسلمين يعدُّون حوالى ستَّة ملايين في الولاياتِ المتَّحدة، حسب معظم التقديرات، وعلى الرّغم من أنَّ جماعاتٍ كبيرة من العرب الذين يعيشون في أمريكا هم من المتعلِّمين.
والسببُ في هذا التقاعس، كما أرى، هو أنَّ التعرُّضَ الطويلَ للقَهرِ والاستبداد الذي مرَّ به المجتمعُ العربيّ أدَّى إلى أن يألفَ الفردُ ذلك القَهر. ولا يحدثُ ذلك من خلال ما يتعرَّضُ له الفردُ من قَهرٍ في حياتِه فحَسب، بل ما تعرَّضَ له آباؤه وأجدادُه خلال الأجيالِ السابقة، لأنَّ ذلك الفردَ يتأثَّرُ بالقِيَمِ الراسخةِ والمتوارَثة التي تُشكِّلُ نسيجَ ذلك العقلِ المجتمعيّ السائد (أي العقل العربيّ والإسلاميّ في هذه الحالة، مع إمكانِ تعميمِ هذه القاعدة على أيِّ عقلٍ مجتمعيٍّ آخَر، وذلك في خصائصَ أُخرى مختلفة؛ وهذا بحاجةٍ إلى بحثٍ يخرج عن موضوعنا). فالعقلُ المجتمعيُّ يحتفظُ بهذه الخاصِّـيّة (القهر)، لِكونِها تُصبحُ جزءًا فعّالاً من ذلك العقلِ المجتمعيّ الذي يُؤثِّرُ بدورِه في ”العقلِ المنفعِل“ للفردِ العربيّ.
وهكذا يتحوَّلُ إلى قَهرٍ داخليّ مُعشِّش وُمتشعِّب ومُتجذِّر في أعماقِ الذاتِ العربيَّة، يصعبُ جدًّا الفكاكُ منه حتَّى لو تحرَّرَت منه من الخارج. لذلك لم يتمكَّن العربُ من الاستفادةِ من حرِّيتِهم في المهجر إلاَّ القليلَ النَّزر، خلال عشرات السنوات الماضية.
وهنا أُعيدُ إلى الأذهانِ مثالاً ذكرتُه في كتاباتٍ سابقة: الطيرُ الذي يولَدُ في القفَص يتعذَّرُ عليه التمتُّعُ بحرِّيتِه، بل يعجزُ عن الطيرانِ إذا أُطلِقَ سراحُه، ويظلُّ حائرًا متردِّدا كيف يتصرَّفُ بحرِّيتِه، ثمَّ يسعى إلى العودةِ إلى سجنِه (قفَصِه) الأبديّ، لأنَّه يُشكِّلُ بيتَه الوحيد، وعشَّه الذي ألفَه منذ ولادتِه. وقد جربت ذلك مع بعض من طيور الحبّ التي كنت أعتني بها في فترة سابقة.
ومن جملةِ الشواهدِ على وجودِ هذا القَهرِ الكامن والمغروسِ في العقلِ المجتمعيِّ العربيّ، وبالتالي العقل الفرديّ، أنَّ الجيلَين الثاني والثالث وما بعدهما، من الجالية العربيَّة في المهجر، تكون أقلَّ تهيُّبًا وتحفُّظًا، بل أكثر عقلانيَّةً وتقحُّماً ونشاطًا سياسيًّا أو اجتماعيًّا. وسببُ ذلك، كما هو واضح، أنَّ أبناءَنا وأبناءَ أبنائنا يتحرَّرون من سلطةِ عقلِهم المجتمعيّ الأصليّ وينتقلون إلى التأثُّرِ أو الخضوعِ للعقلِ المجتمعيِّ الجديد تدريجيًّا. هذا العقلُ الذي يرتبطُ بالتطوُّراتِ التي حدثَت في المجتمعِ الغربيّ، خاصَّةً خلال القرونِ الثلاثةِ الماضية، لاسيَّما في ما يتعلَّقُ بحقوقِ الإنسانِ وحرِّيته ومسؤوليَّتِه، في الوقتِ الذي كان فيه المجتمعُ العربيّ خاضعًا لجميعِ أصنافِ الاستبدادِ والقَهرِ والاستغلال، سواءٌ من الداخل (الحاكم المستبدّ)، أو من الخارج (المستعمِر الأجنبيّ).
* * *
خاتمة
خلاصةُ القول إنَّ العقلَ المجتمعيَّ العربيَّ السائد ميَّال، بوجهٍ عامّ، نحو التواكل والاستسلام (لا تُفكِّرْ، لها مُدبِّر). والسببُ في ذلك، كما لاحظنا، أنَّ العقلَ المجتمعيَّ العربيّ المعاِصر متأثِّرٌ بوجهٍ خاصّ بالجوانبِ المتخلِّفة من ماضي الأُمَّة، جانبِ القَهرِ والاستبداد، الذي استمرَّ، منذ أربعة عشر قرناً تقريبًا، أكثرَ مِمَّا هو متأثِّرٌ بالجوانبِ الحضاريَّة من تاريخِها، كما ذكرنا سابقًا.
والمحصَّلةُ العامَّةُ النهائيَّة لحركةِ المجتمعِ العربيّ تنحدرُ نحو التراجعِ والتخلُّف، إن لم نقُلْ تنزلقُ نحو هاويةٍ ليس لها قرار، وذلك في جميع الميادين، كما تؤَكِّدُ تقاريرُ ”حال الأمَّة“ السنويَّة، التي يُصدرُها ”المؤتمرُ القوميُّ العربيّ“، والتقاريرُ السنوِيَّة التي أصدرَها مؤخَّرًا ”برنامجُ الأمَمِ المتَّحدة الإنمائيّ“ تحت عنوان ”تقريرُ التنميةِ الإنسانيَّة العربيَّة“.[34]
وهكذا أرى أن هذا العقل المجتمعي العربي المتخلف يشكل السبب الرئيس لفشل مشروعُ النهضةِ الذي رفعَه رُوَّادُها منذ منتصفِ القرنِ التاسعَ عشَر، فضلاً عن فشلَ مشروعُ الثورةِ الذي رفعَه رموزُها منذ الخمسينيَّات من القرن الماضي. كما قد تفشل الثورة الأخيرة التي أطلق عليها صفة الربيع العربي، الذي تبدو عليه طلائع الخريف. ونحن نُرجِّحُ أنَّ من أهمِّ أسبابِ فشلِ مشاريعِ إنقاذِ ما يُمكنُ إنقاذُه من بقايا هذه الأُمَّة، كان وما يزال عقلَها المجتمعيَّ التراثيّ الذي أُعِدَّ للماضي ولم يُعدَّ للحاضِر ولا للمستقبل، وخاصَّةً فيما يتعلَّقُ بالإيمانِ بالقضاءِ والقدَر، الأمرُ الذي يؤَدِّي إلى اليأسِ من قُدرةِ الذاتِ على تحسينِ الأوضاع. وما لم نَسعَ لتغييرِ هذا الحال، من خلال تعديلِ وغربلةِ عقلِنا المجتمعيِّ التقليديّ، وبالتالي تعديل وتعقيل عقلِنا الفرديِّ المنفعِل بذلك العقلِ المجتمعيّ، بواسطة عقلِنا الفاعل، الذي اعتكفَ وتقزَّمَ منذ عشرة قرونٍ تقريبًا، فإنَّ جميعَ المحاولاتِ السطحيَّة والحركاتِ الإصلاحيَّة ستبوءُ بالفشَل، كالسابق.
===========
1. برنامجُ الأُممِ المتَّحدة الإنمائيّ: ”تقريرُ التنميةِ الإنسانيَّة العربيَّة للعام 2002“ (عمَّان: المكتبُ الإقليميّ للدوَلِ العربيَّة، برنامجُ الأُمم المتَّحدة الإنمائيّ، 2002)، ص47
2. أنظر مقالي بعنوان ”هيكل، والبقَّال الفيلسوف، والمقاومة المسلحة“، صحيفة ”القُدس العربيّ“، لندن، 13/ أكتوبر/2004.
3. برنامجُ الأُممِ المتَّحدة الإنمائيّ: ”تقريرُ التنمية الإنسانيَّة العربيَّة للعام 2003“ (عمّان: المكتبُ الإقليميّ للدوَلِ العربيَّة. برنامجُ الأممِ المتَّحدة الإنمائيّ، 2003)، ص 11.
4. منير شفيق: ”الإسلام وتحدِّياتُ الانحطاطِ المعاصِر“، ص 108-109، عن جورج طرابيشي: ”المثقَّفون العرب والتراث“ (لندن: رياض الريِّس للكتب والنشر، 1991)، ص 27.
5. جورج طرابيشي، المرجع الوارد في الفقرة السابقة، ص 27.
6. يتعرَّض حليم بركات لظاهرة القضاء والقدر، ويتَّخذُ موقفًا دفاعيًّا بشأنها، حين يُشيرُ إلى وجود صراعٍ بينها وبين قِيَمِ المسؤوليَّة وحرِّية الإرادة. أنظرْ كتابَه ”المجتمعُ العربيّ في القرنِ العشرين“ (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربيَّة، 2000)، ص 655.ومع اعترافِنا بهذا الصراع، كما أشرنا ، فإنَّنا نعتقد أنَّ القِيمَ الأُولى هي الفائزة في هذا الصراع، بدليلِ انتشارِها وعموميَّتِها، خاصَّةً لدى العامَّة، بل لدى كثيرٍ من المتعلِّمين، وهم أكثريَّةُ المجتمعِ العربيّ، كما أسلفنا.
7. فيما يتعلَّقُ بالجانبِ الفلسفيّ، هناك عدَّةُ مراجعَ تبحثُ في هذه الموضوعات، ومنها بالعربيَّة: ”الموسوعة العربيَّة المختصرة“، بإشراف زكي نجيب محمود (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصريَّة، 1963)، مادَّة ”حتميَّة“ و”حرِّية الإرادة“. كذلك ”المعجم الفلسفيّ“، جميل صليبا، مادَّة ”جبريّة“ ومادَّة ”حتمية“. وفي الإنكليزيَّة The Encyclopedia of Philosophy, Macmillan Publishing Co. 1972,، مادَّة Fatalism جبريَّة، ومادَّة Determinism حتميَّة. وأرجو أن نُميِّزَ بين الجبريَّة والحتميَّة، فالأُولى تُعلِّقُ ضرورةَ حدوثِ الأشياء على مبدإٍ أعلى منها، يُسيّرُها كما يشاء، فهي إذاً ضرورة مُتعالية. أمَّا الثانية فإنَها تعني أنَّ للظواهر الطبيعيَّة عِلَلاً تُحدِثُها، وهي مبدأُ السببيِّة عينُه، فالعلَّة توجِبُ حدوثَ المعلول (أنظر ”المعجم الفلسفيّ“)، أي إنَّه لابدَّ من أن يكون لكلِّ ظاهرة أو حدَث سببٌ معيَّن، معروفٌ أو غيرُ معروف، ولكنْ يمكنُ معرفتُه. ويترتَّبُ على ذلك أنَّنا يُمكنُ أن نستشرفَ المستقبلَ إذا عرفنا الحاضرَ معرفةً كافية، كما يقول العالم الفرنسي لابلاس (أنظر هنري برجسون: ”التطوُّرُ الخالق“: ترجمة وتلخيص بديع الكَسم (القاهرة: دار الفكر العربيّ، بلا تاريخ)، ص 24.
8.محمَّد عابِد الجابريّ: ”التراثُ والحداثة“ (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1991)، ص 59.
9. أحمد أمين: ”فجر الإسلام“ (بيروت: دار الكتاب العربيّ، 1975)، ص 284.
10. أَحمد أمين، المرجع السابق، ص 283.
11. أحمد أمين، المرجع السابق، ص 284-285.
12. ”الفِرَقُ الإسلاميَّة“ في ”موسوعة الحضارة العربيَّة الإسلاميَّة“ (بيروت: المؤسَّسة العربيَّة للدراسات والنشر، 1986)، المجلَّد الثاني، ص 581 أو 291 .
13. إبنُ قُتَيبة الدينوريّ: ”الإمامةُ والسياسة“ (القاهرة: مكتبة مصطفى الحلبي، 1963)، ص 441. عن الجابريّ: ”العقلُ الأخلاقيُّ العربيّ“ (بيروت: مركز دراسات الوحدةِ العربيَّة، 2001)، ص 81.
14. الجابريّ: ”العقلُ السياسيّ العربيّ“ (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربيَّة، ط 2، 1992)، ص 310.
15. ”موسوعةُ الحضارةِ العربيَّة الإسلاميَّة“، المرجع السابق، المجلد الثاني، ص 586 أو 296.
16. الجابريّ: ”العقلُ الأخلاقيُّ العربيّ“، المرجع السابق، ص 83.
17. أَحمد أمين: ”فجرُ الإسلام“، المرجع السابق، ص 286.
18. احمد أمين: ”ضُحى الإسلام“ (بيروت: دار الكتاب العربيّ، ج 3، ط10)، ص 204.
19.  إبنُ أبي الحديد: ”شرحُ نهجِ البلاغة“، ج11، ص497. عن الجابريّ: ”العقلُ السياسيُّ العربيّ“، المرجع السابق، ص 260
20. إبنُ قُتَيبة: ”الإمامةُ والسياسة“، ج1، ص 183-191. عن الجابريّ: ”العقلُ السياسيّ العربيّ“، المرجعُ السابق، ص260.
21. الجابريّ: ”العقلُ الأخلاقيُّ العربيّ“، المرجعُ السابق، ص 80.
22. شهابُ الدين أحمد بن عبد ربّه الأندلسيّ: ”العِقدُ الفريد“ (القاهرة: المكتبةُ التجاريَّةُ الكُبرى، 1953)، ج 4، ص 147.
23. إبنُ عبد ربّه الأندلسيّ: ”العِقدُ الفريد“ (القاهرة: المكتبة التجارية الكبرى، 1935)، الجزء الثاني، ص 307. عن عَليّ عبد الرازق: ”الإسلامُ وأُصولُ الحكم“ (بيروت: دار الحياة، 1978)، ص 74.
24. الجابريّ: ”العقلُ الأخلاقيُّ العربيّ“، المرجع السابق، ص 80. كما كرَّر الجابريّ هذا القولَ في ”الدين والدولة وتطبيق الشريعة“، ص 83 و84. ولم أعثر على المصدر الأصلي في هذا الخبر، مع أنني راجعت المرجع الذي أحال إليه في "العقل السياسي العربي"، الفصل السابع.
25. أوردَها ابنُ عساكر والبلاذري، عن حسَين عطوان: ”الفِرَقُ الإسلاميَّة في بلاد الشام في العصرِ الأُمويّ“ (بيروت: دار الجيل، 1986)، ص 76.
26. علي عبد الرازق: ”الإسلام وأُصولُ الحُكم“، المرجع السابق، ص 75. كما يُشير د. فرَج فودة إلى حادثة استباحة مدينةِ الرسول، من جانب قائدِ جيشِ يَزيد، مُسلم بن عقبة، وذلك في كتابه ”الحقيقة الغائبة“، ص 80، استنادًا إلى تاريخ ”الكامل“ لابن الأثير، ج 5، ص 310-314، وكتاب الدينوري ”الأخبار الطوال“ (بيروت: دار المسيرة)، ص 267.
27. السيوطيّ: ”تاريخُ الخلفاء“، ص 219، عن فرَج فودة: ”الحقيقة الغائبة“، ص 76.
28. الجابريّ: ”الدينُ والدولةُ وتطبيقُ الشريعة“ (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربيَّة، 1996)، ص 84، 85.
29. أحمد أمين: ”ظُهر الإسلام“ (بيروت: دار الكتاب العربيّ، ط 3 ،1969)، الجزء الثاني، ص 267. ، 268، 269.
30. احمد امين، المرجع الأخير، ص 268.
31. الجابريّ: ”الديمقراطيَّة وحقوقُ الإنسان“ (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربيَّة، ط 2، 1997)، ص 52.
32. أقصد بالجانب المشرق الذي ساد فيه العدل والمساواة، ولكنه لم يتجاوز 32 عاماً، أي خلال فترة الخلافة الراشدة التي استغرقت أقل من ثلاثين عاماً، ولاسيما خلافة أبي بكر وعمر وعليّ وخلال حُكم الخليفةُ الأُمويّ الصالح عُمَر بن عبد العزيز، التي دامت سنتَين وثلاثة أشهر فقط، ثمَّ مات وهو لم يتجاوز الأربعين. ويقول فرَج فودة إنَّه مات مسمومًا، في أرجحِ الأقوال:انظر ”الحقيقة الغائبة“، طبعة خاصَّة، بلا تاريخ، ص 56.
33. دراسة من 50 صفحة قُدِّمَت إلى ”المؤتمرِ القوميّ العربيّ“ في دورة عام 1998، المعقودة في القاهرة، ونُشِرت في عدَّة صحُف على حلقات، منها صحيفة ”القُدس العربيّ“، لندن.
34. برنامجُ الأُممِ المتَّحدة الإنمائيّ: ”تقريرُ التنميةِ الإنسانيَّة العربيَّة“، مرجع سابق.