الثلاثاء 22 آب/أغسطس 2017
TEXT_SIZE

هل النفوذ الأميركي ينحسر فعلاً؟

بقلم: صبحي غندور*

هناك مقولةٌ تتردّد الآن كثيراً مفادها أنّ النفوذ الأميركي في العالم ينحسر، وبأنّ الولايات المتحدة تشهد حالاً من الضعف في مواقع عديدة في العالم.
طبعاً، تعتمد هذه المقولة على ما حدث في السنوات العشر الماضية من بروز للدورين الروسي والصيني في أزماتٍ دولية مختلفة ومن ظهور لمجموعة "البريكس"، التي تضمّ إضافةً إلى روسيا والصين كلاً من الهند والبرازيل وجنوب إفريقيا، كمثال على وجود تعدّدية قطبية في عالم اليوم، بعد هيمنة القطب الأميركي الأوحد عقب انتهاء "الحرب الباردة" وسقوط المعسكر الشيوعي الذي كان يُنافس القطب الأميركي لنصف قرنٍ من الزمن.
صحيح أنّ الولايات المتحدة قد فشلت في تحقيق الكثير من أهدافها ومشاريعها في حروب وصراعات مختلفة حدثت في السنوات العشر الماضية. وصحيحٌ أيضاً أنّ هناك سعياً روسياً وصينياً دؤوباً لتكريس نظام متعدّد الأقطاب في العالم. وصحيحٌ كذلك أنّ عدّة دول في قارات العالم تحبّذ الآن حصول تعدّدية قطبية. لكن هل النفوذ الأميركي ينحسر فعلاً ؟ وهل تتصرّف أميركا الآن على أساس وجود تعدّدية قطبية في العالم، أو في الحدّ الأدنى، هل سلّمت واشنطن بهذه المتغيّرات الدولية الجارية حالياً؟!.
الإجابة عن هذه التساؤلات تتطلّب رؤيةً دقيقة لواقع أزمات دولية حاصلة الآن، ولكيفيّة الانتشار الأميركي الراهن في العالم. فالرئيس الأميركي أوباما عاد مؤخّراً من جولة آسيوية كان هدفها الأول تعميق العلاقات الأمنية والاقتصادية والسياسية مع دولٍ تُشكّل بيئةً جغرافية مهمّة للصين، وبعضها (كاليابان) له مشاكل مع الصين وتاريخٌ سيء في العلاقات. ومن بين الدول الأربع التي زارها أوباما، ثلاثٌ منها تحتوي على وجود عسكري أميركي مهم منذ الحرب العالمية الثانية: اليابان، الفيليبيين وكوريا الجنوبية. وهناك الآن قرار أميركي بتحويل ما يُقارب ثلثي القوة البحرية الأميركية إلى منطقة المحيط الهادئ وجنوب شرق آسيا. فواشنطن تقوم الآن بخطواتٍ استباقية لمنع تحوّل القوة الاقتصادية الصينية إلى قوّة عسكرية ضخمة منافسة للولايات المتحدة.
أمّا محاولات التحجيم الأميركي لروسيا فهي متعدّدة رغم حرص واشنطن على عدم حدوث تصادم عسكري مع القوة العسكرية الروسية، التي هي الثانية عالمياً بعد الولايات المتحدة وتملك صواريخ نووية عابرة للقارات ولم تصطدم معها أميركا في أسوأ ظروف "الحرب الباردة"، حيث حرصت موسكو وواشنطن (كما تحرصان الآن) على إبقاء الصراعات بينهما في ساحات الآخرين، ومن خلال الحروب بالوكالة عنهما وليس بالأصالة منهما. ولعلّ الأزمة الأوكرانية، وقبلها جورجيا، ومعها الآن سوريا، لأمثلة عن كيفية سعي واشنطن لتحجيم النفوذ الروسي العالمي، ولمشاركة روسيا في مناطق هي محسوبةٌ كلّياً لموسكو. فالبعض يتصوّر الآن أنّ موسكو تنتصر في المسألة الأوكرانية بينما واقع الحال هو أنّ واشنطن ومعها "الناتو" قد وصلا إلى الحدود الإستراتيجية المباشرة للاتحاد الروسي، بعد أن امتدّا أصلاً إلى دول أوروبا الشرقية وأصبح جزءٌ من هذه الدول عضواً في حلف "الناتو".
ولا أعلم ما هو معيار "الانحسار" الأميركي إذا كانت الولايات المتحدة قد أضافت على أوروبا الغربية أوروبا الشرقية، وهي الآن تدقّ أبواب روسيا من خلال المراهنة على تقسيم أوكرانيا بين "شرق روسي" و"غرب أميركي"، ففي كلّ الأحوال ستكون روسيا خاسرة في الأزمة الأوكرانية حتّى لو سيطرت على القرم وعلى أجزاء من شرق أوكرانيا. فأوكرانيا هي أمام ثلاثة احتمالات: تسوية سياسية تقوم على نظام فيدرالي يُهيمن فيه "الناتو" سياسياً وأمنياً على العاصمة وعلى أجزاء من أوكرانيا، ودون إعلان الانضمام لحلف "الناتو"، أو حرب أهلية ستنتهي حتماً في تقسيم أوكرانيا، أو تورّط عسكري روسي مباشر في كل الأراضي الأوكرانية وصراعات مسلحة مع مجموعات مدعومة من "الناتو"، ممّا يستنزف روسيا في منطقة إستراتيجية مهمّة جداً للأمن القومي الروسي.
ويحضرني هنا ما قاله الرئيس الأميركي أوباما منذ أسابيع قليلة حينما سأله صحفي أميركي عن مدى صحّة ما يُقال بأنّ إيران تربح في سوريا وبأنّ واشنطن ضعيفة هناك، حيث ردّ أوباما أنّ سوريا كلّها كانت مع إيران قبل تفجّر الأزمة الدموية فيها، بينما إيران وحلفاؤها هم الذين يستنزفون الآن هناك. ولعلّ هذه النظرة الأميركية تنطبق أيضاً على النفوذ الروسي في سوريا، حيث كانت كل سوريا حليفة لروسيا بينما الآن هناك جماعات ومناطق على علاقة قوية جداً مع الولايات المتحدة. وفي أي تسوية مستقبلية للأزمة السورية سيكون هناك حضور لمن هم على علاقة جيدة مع واشنطن!.
   وإذا كان معظم أوروبا يدور الآن في الفلك الأميركي، وغالبية دول المنطقة العربية تقيم حكوماتها علاقات خاصة مع واشنطن، وإيران تتفاوض الآن مع واشنطن، والهند وباكستان كلاهما يحرص على تطوير العلاقات مع أميركا رغم ما بينهما من صراع طويل، والنفوذ الأميركي يمتدّ الآن إلى دولٍ إفريقية عديدة كانت إمّا تحت الوصاية الفرنسية أو مناطق صراع مع المعسكر الآخر في فترة "الحرب الباردة"، فأين يكون "الانحسار" الأميركي؟!.
هناك بتقديري فارقٌ كبير بين مقولة "الانحسار" وبين عدم نجاح واشنطن في السنوات الماضية بتحقيق كل ما كانت تريده أو ما خطّطت له من مشاريع. وهذا ينطبق على حربيها في العراق وأفغانستان، وعلى "مشروع الشرق الأوسطي الكبير"، وعلى الحرب الإسرائيلية على لبنان في العام 2006، وعلى ما يحدث في سوريا، وعلى المراهنة على حكم "الأخوان المسلمين" في مصر. ففي هذه الحروب والأزمات فشلت واشنطن في تحقيق ما تريده بشكلٍ كامل لكنّها حتماً استطاعت استنزاف خصومها وجعلهم في موقع المدافع عن وجوده بعدما نجحت واشنطن جزئياً في تحجيم دورهم. فالولايات المتحدة لم تكسب حتماً معارك اقتلاع وجود أخصامها، لكنّها نجحت طبعاً في تحجيم نفوذهم وفي مدّ تأثيراتها على مناطق لم تكن محسوبة لها.
السياسة الأميركية ليست حتماً "قضاءً وقدراً"، وهي تشهد تقلباتٍ كثيرة وتغييراتٍ في الأساليب معتمدةً على نهجٍ "براغماتي"، لكن هدفها ما زال هو بقاء الولايات المتحدة القوّة الأعظم في العالم. وما فشل في ظلّ إدارة "جمهورية" سابقة من أسلوب الغطرسة العسكرية، يتمّ الان الاستعاضة عنه في ظلّ إدارة "ديمقراطية" بما اصْطُلِح على تسميته ب"القوة الناعمة"، وهو المصطلح الذي رافق مجيء أوباما للبيت الأبيض.
وهدف هذا المقال ليس التهويل بالقوة الأميركية أو بنقض توصيف عالم اليوم المتعدّد الأقطاب فعلاً، بل هو دعوة لفهم الواقع والانطلاق منه، وعدم اعتبار النجاح في الدفاع عن الوجود ببعض المواقع تراجعاً نهائياً من قبل "المهاجمين" أو قبولاً تلقائياً بحقوق "المدافعين".
------------------------------------------------
 *مدير "مركز الحوار العربي" في واشنطن.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. ">عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.  

القضاءُ والقدَر مُقابل مسؤوليَّةِ الإنسان

من تجلِّياتِ العقلِ المجُتمَعيّ ومن أسباب تخلفنا الحضاري
فصل من كتاب "الأمة العربية بين الثورة والانقراض"
بقلم: علاء الدين الأعرجي

مقدِّمة
في هذا البحث سنُركِّز على ظاهرةٍ خطيرة كانت وما تزال تؤثِّرُ سلبًا في المسيرةِ التقدُّميَّة للأُمَّةِ العربيَّة وتُساهمُ في تخلُّفها عن رَكبِ الحضارةِ الحديثة، وأَقصدُ بها ظاهرةَ الإيمانِ بالقضاءِ والقدَر، المنتشرةَ في معظمِ أوساطِ المجتمعِ العربيّ، وخاصَّةً الإسلاميّ، بما فيه كثيرٌ من المتعلِّمين، وبوجهٍ أخصّ لدى الطبقاتِ الفقيرة والجاهلة التي تُشكِّلُ قرابةَ 50 في المئة من المجتمعِ العربيّ (حوالى نصف الشعب العربيّ أُمّيّ، حسب ”تقارير التنمية البشريَّة للأُمم المتَّحدة“).[1] وأهمِّـيَّةُ بحثِ هذه الظاهرة تنجمُ عن أنَّها تؤدِّي إلى عدم شعور الإنسانِ العربيّ شعورًا عميقًا وفعَّالاً بمسؤوليَّتِه تجاهَ نفسه وإزاءَ مجتمعِه، وبالتالي تُساهم في شَلِّ المبادراتِ الشخصيَّة والكفاحِ المُثمِر لتغيير الأوضاع المتردِّية الراهنة، وبالتالي في تفاقُمِ أزمةِ التطوُّرِ الحضاريّ. وكمثالٍ على ذلك، أقول: إنَّني كنتُ وما أزال أتعمَّدٌ أن أَخوضَ في الحديث مع العديد من المهاجرين العرب في هذا البلد (أمريكا)، وخاصَّةً عامَّة الناس الذين يُمارسون الأعمالَ التجاريَّةَ الصغيرة مثل أصحابِ المتاجر العربيَّة التي تبيعُ الموادَّ الغذائيَّة مثلاً. وبعد أن نتبادلَ الرأيَ حول أوضاع أُمَّتنا الراهنة المتفاقمة، أُلاحظُ أنَّ معظمَهم، إن لم يكن جميعهم، يُنهي كلامَه، بعد أن يشكوَ مِمَّا يحدثُ في البلدِ الأُمّ من مآسٍ ونكبات، بقولٍ من هذا النوع: ”إنَّها مشيئةُ الله ولا مردَّ لها،“ أو ”ننتظرُ رحمتَه سُبحانَه وتعالى،“ أو ”لا حَولَ ولا قوَّةَ إلاَّ بالله،“ أو ”إنَّ الله مع الصابرين“، أو ”ندعو الله سُبحانه وتعالى إلى خلاصِ الأُمَّة من هذه الغمَّة.“ وأَهمُّ من ذلك أنَّ أحدَهم كان، غالبًا، يُردِّدُ لي بحرارةٍ قولَه: ”كلُّ ما أسالُ الله، سُبحانه وتعالى، أن يُبقيَ الأوضاعَ المتردِّية والجارية حاليًّا على وضعِها من التردِّي ولا يزيدَها سوءًا.“ وهذا قِمّةُ التشاؤم والاستسلام لِما يُعتقَدُ أنَّه قضاءُ الله وقدَرُه.[2] فهو لا يفكِّرُ أصلاً بمسؤوليَّتِه عن هذا التدهوُرِ وما يُمكنُ عملُه لوَقفِه، بل يتركُ مسؤوليَّةَ ذلك على عاتقِ الله سبحانه وتعالى حصرًا.
كما إنَّ جميعَ العباراتِ السابقة تدلُّ، إضافةً إلى ذلك، على العجزِ والتواكُلِ والعزاء، الأمرُ الذي يدلُّ على مدى تغلغُل قِيَمِ القضاءِ والقدَرِ في العقلِ المجتمَعيّ. ونحن لا نُريدُ أن نُقلِّلَ من قدرةِ الله تعالى، ولكنَّنا نتأسَّى بالآيةِ الكريمة: ”وما تُقدِّموا لأنفسكم من خيرٍ تَجدوه عند الله إنَّ الله بما تعملون بصير“ (البقرة 110)؛ وبالحديثِ المنسوبِ إلى الرسول (ص): ”إعقلْ وتوكَّلْ“ أو ”إعقِلها وتوكَّلْ“، وهو جوابٌ لِمَن سأله: ”أأعقلُها [أي الناقة] وأتوكَّل أم أُطلقها وأتوكَّل؟“ لأنَّ إطلاقَ الناقة قد يؤَدِّي إلى ضياعِها. وهذا يُبرهنُ أنَّ على الإنسانِ أن يفعلَ جميعَ ما في طاقته لتجنُّبِ الضرَرِ واستجلابِ الخير، ثمَّ يتوكَّل، لا أن يظلَّ قاعدًا، أو يتركَ الأُمورَ تجري على عواهنِها، وينتظرَ رحمةَ الله أن تُصلحَها. كما نتذكَّرُ القولَ المأثور، المنسوب إلى الإمام عليّ (ع): ”إعمَلْ لدُنياك كأنَّكَ تعيشُ أبدًا واعمَلْ لآخرتِك كأنَّكَ تموتُ غدًا.“
وعندما كنت أدعو هؤلاء الناسَ وغيرَهم من المعارف والأصدقاء المتعلِّمين أو المثقَّفين، إلى الاشتراك في اجتماعاتٍ أو تظاهُراتٍ يُنظِّمُها بعضُ المؤسَّساتِ الأمريكيَّة للتعبير عن الرأي المخالِف، خاصَّةً في ما يتعلَّقُ بقضايانا الساخنة،- قضية فلسطين، الحصار على العراق- لا أجدُ آذانًا صاغية؛ ونادرًا جدًّا ما كان يحضرُ تلك الأنشطة أفرادٌ قلَّة يُعَدُّون على الأصابع، في حين يحضرُها الأمريكيُّون بالآلاف عادةً، ومع ذلك ينبغي أن نكون حَذِرين من التعميم، لأنَّ قليلاً من التظاهرات المتعلِّقة بالقضايا العربيَّة الساخنة حضرَها عددٌ كبيرٌ من العرب.
إذًا تنطلقُ هذه الدراسة من فرضيَّةٍ مَفادُها أنَّ العربَ خاصَّةً، والمسلمين عامَّةً، يميلون في الغالب إلى الإيمانِ بالقضاءِ والقدَرِ أكثرَ من مَيلِهم إلى حرِّيةِ الإنسانِ ومسؤوليَّتِه إزاءَ نفسِه وأُمَّتِه ووطنِه؛ مع التسليم بوجودِ مُحاولاتٍ لتعديلِ هذا الاتِّجاه، سواءٌ بواسطة حركاتٍ دينيَّة أو عَلمانيَّة. لكنَّ هذه الحركاتِ والأنشطةَ ظلَّت محصورةً في أوساطٍ معيَّنة؛ وتأثيراتُها بقيَت محدودة. ونأملُ، مع ذلك، أن تتوسَّعَ أَمثالُ هذه الحركات، خاصَّةً ذات الاتِّجاهِ العقلانيّ المستنير، الذي يتوخَّى بثَّ روحِ المسؤوليَّة الشخصيَّة وإطلاقَ طاقاتِ الإنسانِ العربيّ الخلاَّقة لِحَفزِ قُدراتِه الإبداعيَّة عِوضًا عن الإبقاءِ على روحِ التقليدِ الاتِّباعيَّة، وذلك عن طريقِ تفعيلِ عقلِه الفاعِل ضدًّا لعقله المنفعِل. وأظنُّ أنَّ ذلك يُمكنُ أن يتحقَّق، إلى حدٍّ كبير، بتفعيلِ أركانِ مجتمعِ المعرفة الخمسة، التي حدَّدَها ”تقريرُ التنميةِ الإنسانيَّة العربيّ للعام 2003“، ألا وهي: 1) إطلاق حرِّيـَّاتِ الرأيِ والتعبيرِ والتنظيم؛ 2) النشرُ الكامل للتعليم راقي النوعيَّة؛ 3) توطينُ العلم؛ 4) التحوُّل نحو نمطِ إنتاجِ المعرفة في البِنيةِ الاجتماعيَّةِ والاقتصاديَّة؛ 5) تأسيسُ نموذجٍ مَعرِفيٍّ عربيٍّ عامّ، أصيل، مُنفتِح ومُستنير.[3]
بعضُ تجلِّياتِ الإيمانِ بالقضاءِ والقدَر
لذلك سنُحاولُ أن نُحلِّلَ ونُجذِّر، في هذا الفصل، ظاهرةَ الإيمانِ بالقضاءِ والقدَر، التي نعتبرُها من الآفاتِ التي ترسَّخَت في العقلِ المجتمعيِّ العربيّ، وبالتالي بالعقلِ المنفعِلِ للفردِ العاديّ الذي أصبح يقبلُ القهرَ والظلمَ والكوارث، باعتبارِها قدَرًا مُحتَّمَاً، بل يعتبرُها بعضُهم امتحانًا من الله لمدى صبرِه وإيمانِه: ”فاصبروا إن الله يُحبُّ الصابرين“، ويتأسَّى بصبرِ أيُّوب. كما إنَّ هناك عشراتِ الأمثلةِ والأقوالِ الشعبيَّة التي يُردِّدُها العربيّ، وبخاصَّة المسلم، تدلُّ على مدى تعلُّقِه بالقضاءِ والقدَر، وعجزِ الإنسانِ عن التحكُّمِ بحاضرِه ومُستقبلِه؛ منها الأمثالُ المصريَّةُ السائدة مثل ”إللي انكَتب عالجبين لازِم تشوفُه العين“، و”قِسمتي كِدَه“، و”اجري يا بن آدم جَري الوحوش غير نصيبك ما تحوش“، و”العبد في التفكير والربّ في التدبير“، و”العين صابتني وربّ العرش نجّاني“، و”درهم حظّ ولا قنطار شطارة“؛ والأمثال العربيَّة الأُخرى كـ”لا تفكِّر، لها مُدبِّر“، و”إذا وقع القدَر عَميَ البصر“، و”قِسمة ونصيب“، و”المكتوب ما منه مهروب“، و”سبع صنايع والبخت ضايع“.
ومُقابل ذلك هناك أمثالٌ وأقوالٌ تتضمَّنُ مسؤوليّةَ الإنسانِ عن أعمالِه، لكنَّها قليلةٌ وغيرُ منتشرة، ولا فاعلة كالمجموعةِ الأُولى. منها ”اللي ما يزرع ما يحصد“، و”العيشة تدبير“، و”اقعُدْ على وَكرِ الدبابير وقُلْ هذا تقدير“ (يقال في معرض السخرية)، و”القرش الأبيض ينفع في اليوم الأسود“.
لماذا ظهرَت وبرزَت الأمثالُ والأقوالُ التي تدلُّ على التواكُلِ والاستسلام أكثر من تلك التي تحثُّ على العملِ وتحمُّلِ المسؤوليَّة؟ سؤالٌ سنُجيب عنه فيما بعد، خصوصًا في الفصل الخاصِّ بتعرُّضِ الأُمّةِ العربيَّة للقهرِ والاستبداد خلال الـ14 قرنًا الماضية.
وغالبًا ما تُعزى جميعُ المصائبِ والنوائب التي تحلُّ بالأُمَّة إلى قضاءِ الله وإرادتِه، في نهاية الأمر، أو بالأحرى إلى أسبابٍ يعتبرُها البعضُ عقابًا لأهلها من الله تعالى على تقصيرِهم في شؤونِ دُنياهم أو آخرتِهم. مثلاً: يرى الكاتبُ منير شفيق، في كتابه ”الإسلامُ وتحدِّياتُ الانحطاطِ المعاصِر“، أنَّ هزيمة العام 1967 كانت ”عقوبةً حتميَّة“ كان لا بدَّ من أن ”تدفعَها الأُمَّة...كمُحصَّلة طبيعيَّة لمحاربةِ الإسلام والسَّيرِ في طريق التغريب.“ [4]
كما قام الشيخ محمَّد مُتولِّي الشعراوي، وزيرُ الأوقافِ السابق في مصر، بالتوجُّه بالشكر إلى الله في صلاة ركعتَين، شاكرًا له صنيعَه لأنَّ ”مصر لم تنتصر.“ وقيل إن سببَ الهزيمة كان قدَرًا من الله وعقوبةً لأنَّ السلاحَ الذي حاربَت به كان سلاحًا كافرًا.[5]
وفي مطلع عام 2005 حدثَ زلزالٌ أَرضيٌّ عنيف، في أعماق المحيط الهنديّ، فسبَّبَ كارثة ”تسونامي“ في منطقة جنوب شرق آسيا شملَت الفلبّين وأندونيسيا وماليزيا والهند وسيرلانكا وبلدانا أُخرى، ووصلت إلى القرن الإفريقيّ، وحصدَت قرابةَ ثلاثمئة أَلف إنسان، وخاصَّةً من الفقراء وعامَّة الناس. وتفسيرًا لذلك كتبَ أحدُ ”الدكاترة“ المعروفين في مصر في إحدى الصحُف المصريَّة إنَّ هذه الكارثة حصلَت كإنذارٍ وعقابٍ من الله بسببِ ما كان يُقترَفُ من ذنوبٍ في تلك البلدان الساحليَّة التي كان يرتادُها السيّاح من مختلفِ أرجاءِ العالمَ.
وقد وصف نزار قبَّاني ظاهرةَ الإيمان بالقضاءِ والقدَر السائدة لدى العرب على النَّحوِ التالي:
نجلسُ بالجوامع تنابلاً كسالى...
ونشحذُ النصرَ على عدوِّنا من عنده تعالى.

ومع ذلك، هناك في العصر الحديث مَن يُعارضُ هذه النزعةَ الاتِّكاليَّةَ أو القدَريَّة.
يقول أبو القاسم الشابي:
إذا الشعبُ يومًا أرادَ الحياةَ
فلا بدَّ أن يستجيبَ القدَرْ
ولا بدَّ للَّيلِ أن ينجلي
ولا بدَّ لِلقَيدِ أن ينكسِرْ
و يقولُ شوقي:
وما نيل المطالبِ بالتمنَّي ولكنْ تؤخذ الدُنيا غِلابا
وهكذا نحن نُلاحظُ وجودَ صراعٍ بين قِيَمِ الجَبر (كتعبيرٍ آخَر عن القضاءِ والقدَر) التقليديَّة القديمة وقِيَمِ القُدرةِ والتمكُّن وحُرِّيـَّةِ الاختيار التي أنشأت الحضارةَ الحديثة، وأهمِّـيَّةِ مُواجهةِ الإنسانِ لمسؤوليَّاتِه. ومع ذلك فما تزالُ الأغلبيَّةُ العُظمى من العربِ يدينون بالجَبر أكثرَ مِمَّا يَدينون بالاختيار، حسب تقديرنا.[6]
لكنَّ كلَّ ذلك لا يعني أنَّ معظمَ العربِ وحدهم يؤمنون بالقضاءِ والقدَر، بل إنَّ معظمَ المجتمعاتِ البشريَّة، أو ربَّما جميعها، آمنَت، في بعضِ مراحلِ تطوُّرِها الماضية أو الراهنة بالقضاءِ والقدَر. ولكنْ من الملاحَظ أنَّه كلَّما ارتفعَ المجتمعُ في سلَّمِ التقدُّم والرقيّ المادّيّ والفكريّ، استطاع معظمُ أفرادِه أن يتغلَّبوا على هذه النزعة، خاصَّةً إذا تمكَّن، ذلك المجتمع، من تفسير الظواهر الطبيعيَّة، واستطاع أن يُسخِّرَها لخدمتِه وتقدُّمِه. وعلى العكس من ذلك نلاحظُ أنَّ جميعَ المجتمعات البدائيَّة، بما فيها القديمة أو المعاصرة، تؤمنُ بشكلٍ أو آخَر بالقضاءِ والقدَر.
التعريفُ بالقضاءِ والقدَر
القضاءُ في الاصطلاح: ”عبارةٌ عن الحُكم الكلِّيّ الإلهيّ في أعيانِ الموجودات على ما هي عليه من الأحوال الجارية من الأزلِ إلى الأبد“، مثلَ الحُكمِ بأنَّ كلَّ نفسٍ ذائقةٌ الموت (الجرجانيّ: ”التعريفات“). والقَدَرُ في اللغة: القضاء، والحُكم، ومبلغُ الشيء، والطاقة، والقوَّة، ويُطلَق على ما يَحْكمُ به الله من القضاءِ على عِبادِه، وعلى تعلُّقِ الإرادة بالأشياءِ في أوقاتِها. ويقول الأشعريَّة إنَّ القضاءَ هو قضاءُ الله الثابت في إرادتِه الأزليَّة المتعلِّقة بالأشياء على ما هي عليه فيما لا يزال. ويعني قَدَرُه إيجادَ الأشياء على قَدْرٍ مخصوص، وتقدير معيَّن في ذواتها وأحوالها.
وكتعريف تقريبّي، وفي المفهوم السائد، على الصعيد العامّ، كما في المفهوم الوارد في هذا البحث، يعني تعبير ”القضاء والقدر“ أنَّ الإنسانَ مُسيَّر لا مُخيَّر، ولا يستطيعُ أن يتحكَّمَ بحياته، حاضرِه أو مُستقبلِه ومصيرِه، أي إنَّه عاجزٌ عن تغييرِ أو تعديلِ ظروفهِ الخاصَّة ناهيك عن التحكُّم بالعالَمِ الخارجيّ. وغنيٌّ عن القَول إنَّه سينشأُ تناقضٌ بين هذا المفهومِ ومدى مسؤوليَّةِ الإنسانِ عن أعمالِه سواءٌ قانونيًّا أو أخلاقيًّا أو دينيًّا. فكيف يُمكنُ أن يكونَ الإنسانُ مسؤولاً عن أفعالِه ما دامت مُقدَّرة عليه من قِبَلِ سلطةٍ خارجةٍ عن إرادتِه؟ كما يتعلَّقُ الأمرُ بموضوعاتٍ تتعلَّقُ بالفلسفةِ بوجهٍ عامّ وفلسفةِ القانونِ والأخلاق، بوجهٍ خاصّ، مِمَّا يطولُ فيه البحثُ والحديث.[7] لذلك سنكتفي في هذه الحلقة بالتحدُّث عن القضاءِ والقدَر في التاريخ العربيِّ الإسلاميّ، بما فيه الفكرُ الإسلاميّ، لأننا نفترضُ أنَّ العقلَ المجتمعيَّ العربيَّ متأثِّرٌ بالجانبِ المظلمِ من ذلك التاريخ.
القضاءُ والقدَرُ في التاريخ العربيِّ الإسلاميّ
سنقسِّمُ هذا الفصلَ إلى ثلاثةِ فروع: الأوَّل يتعلَّقُ باستعراضِ النصوصِ الدينيَّة التي تدعمُ القضاءَ والقدَر، أو تدعمُ مسؤوليَّةَ الإنسانِ وحرِّيـَّتَه. والثاني يتعلَّقُ بواحدةٍ من أهمِّ الحركاتِ المُعارِضة للقضاءِ والقدَر في الإسلام، ألا وهي حركةُ ”المُعتزِلة“. والثالث يتعلَّقُ بالحُكم الاستبداديّ ”المُلك العَضوض“ وأثرِه في توطيدِ عقليَّةِ الاستسلامِ للقضاءِ والقدَر.
أوَّلاً، في النصوصِ الدينيَّة: يُمكنُ القولُ إنَّ التفسيرَ الإسلاميَّ لظاهرة القضاء والقدر يستندُ إلى كثيرٍ من الآيات الواردة في القرآن الكريم، ومنها ﴿إنّا كلّ شيءٍ خلقناه بقدَر﴾ (القمر: 49)، و﴿ قُلْ لن يُصيبَنا إلاَّ ما كتبَ الله لنا﴾ (التوبة: 51). و﴿ قُلْ لا أَملكُ لنفسي ضَرًّا ولا نفعًا إلاَّ ما شاءَ الله﴾ (يونس: 49)، و﴿ما أصاب من مُصيبةٍ في الأرضِ ولا في أنفسكم إلاَّ في كتابٍ من قبل أن نَبْرَأَها إنَّ ذلك على الله يسير﴾ (الحديد: 22)، و﴿وكلُّ صغيرٍ وكبير مُسْتَطَر﴾ (القمر: 53)، و﴿إنَّ الله يُضِلُّ مَن يشاء ويهدي من يشاء﴾، و﴿فلم تقتلوهم ولكن الله قتلَهم﴾ (الأنفال 17) وغيرها.
ولكنْ ينبغي أن نلاحظَ وجودَ آياتٍ أُخرى مُناقضة ومُعدِّلة تخالفُ ظاهرَ هذه النصوص. ومنها ﴿إنَّ الله لا يُغيِّرُ ما بقومٍ حتَّى يُغيِّروا ما بأنفسهم﴾، فإذا أَتممنا الآية فسينقلبُ المعنى إلى ضدِّه: ﴿وإذا أراد الله بقوم سوءًا فلا مردَّ له﴾ (الرعد: 11)، و﴿مَن عملَ صالحًا فلنفسِه ومَن أساءَ فعليها، وما ربُّكَ بظلاَّمٍ للعبيد﴾ (فُصِّلت:46)، و﴿ذلك بما قدَّمَت يداك وإنَّ الله ليس بظلاَّمٍ للعبيد﴾ (الحجّ: 10)، و﴿قُلْ يا قوم اعملوا على مكانَتِكُم إنّي عامل، فسوف تعلمون﴾ (الأنعام: 135)، و﴿ومن يكسبْ إثمًا فإنَّما يكسبُه على نفسِه﴾ (النساء: 111)، و﴿ما ظلمناهم ولكنْ ظلموا أنفسَهم﴾ (هود: 101). وهناك عددٌ كبير آخَر من أمثال هذه الآيات. ولكنْ من الملاحَظ أنَّ الآياتِ الأُولى المتعلِّقة بالقضاءِ والقدَر معروفةٌ ومُعتبَرة ومُتَّبعة أكثر من آياتِ المجموعة الثانية المعاكِسة التي تُشدِّد على مسؤوليِّةِ الإنسان، وذلك لأسبابٍ تتعلَّقُ بالعقلِ المجتمعيِّ العربيِّ والإسلاميّ الذي يستنجد، في عصرِ الانحطاط، بكلِّ الوصفاتِ الجاهزة، المُهدِّئة أو المُخدِّرة، على النحوِ الذي سنُحاولُ تفسيرَه فيما بعد.
تفسيرُ الجابري: في كتابِه ـ”التراث والحداثة“
يرى المفكِّرُ محمَّد عابِد الجابري أنَّ في القرآن آياتٍ تُفيدُ الجَبْرَ وأُخرى تُفيدُ الاختيار. ولكنْ يجبُ أن نأخذَ بنظرِ الاعتبار أسبابَ النزول ومُراعاةَ قصدِ الشارع. ويرى أنَّ الآياتِ التي تُفيد الجبرَ إمَّا أن تتعلَّقَ بالماضي باعتبار أنَّ ما حدثَ في الماضي لا يمكنُ تغييرُه، مثل﴿سنَّة الله التي خلَت من قبل ولن تجدَ لسنَّةِ الله تبديلا﴾، وإمَّا أنَّها نزلَت للحَثِّ على الصبرِ والتضحية في الصراع مع قُرَيش أوَّلاً، وحين الغزواتِ والحروب مع الكفَّار ثانيًا. يقول: ”إنَّ الآياتِ التي تُفيد الجبرَ في هذا المقام لم تكنْ تدعو إلى الاستسلام، بل بالعكس، كانت تحثُّ على الصبر وتدعو إلى التضحية. ولكنَّ السياسةَ فيما بعد هي التي وظَّفَت هذه الآياتِ في أغراضِها بعد أن قطَعَتها من سياقِها وعزلَتها عن أسبابِ نزولها، أي عن تاريخيَّتِها.“ [8] ومع تقديرِنا لرأي الجابري، فإنَّنا نرجح أنَّه يَنـْصَبُّ على ما يجب أن يكون، أكثرَ مِمَّا ينصبُّ على ما هو كائنٌ فعلاً.
ثانيًا، القَدَريّـِـة والمُعـتزِلة
منذُ أن ظهرَت مسألةُ القضاءِ والقدَر أو الجَبر التي رفعَها الأُمويُّون في الشام، لتبرير حكمهم، انبثقَت حركةٌ فكريَّةٌ وسياسيَّةٌ مُعارضة تقولُ بحرِّيـَّةِ الإرادة أُطلِق عليها اسمُ ”القَدَريّة“ (بمعنى القُدرة أو الاستطاعة، لا الجَبر)، رفعوا شعارًا يقول بقدرة الإنسان على ”خَلـْــقِ أفعاله، وبالتالي مسؤوليته عنها...“ فأطلقَ عليهم خصومُهم مُصطلحَ ”القَدَرِيَّة“ (من قَدِرَ قدَرًا بمعنى اقتدَرَ، لا من القضاء والقَدَر الخارج عن إرادة البشر)، استنادًا إلى حديثٍ نسبوه إلى الرسول (ص) يقول فيه:”القَدَريّة مَجوسُ هذه الأُمَّة.“ وكان الذين يؤمنون بحرّيـِّةِ الإرادة يرفضون هذا الوصف ويقولون إنَّه يصدقُ على الذين يقولون بالقضاء والقدَر، ومع ذلك لُصقَ بهم هذا الاسمُ حتَّى اليوم.[9]
والمسألةُ التي أُثيرت بين المتكلِّمين الأوائل هي صفةُ ”العِلم“ التي تُسبَغُ على الله تعالى، باعتباره عالمًا بكلِّ شيء، بما في ذلك علمُه منذ الأزَلِ بما سيكون. ومن هنا ظهرَت قضيَّةُ التناقُضِ بين عِلمِ الله السابق وبين عَدلِه. وثار السؤالُ الخطيرُ التالي: كيف يُمكنُ أن يُحاسِبَ الله الإنسانَ على أعمالِه وهو يعلمُ مُقدَّمًا ما سيحدثُ له، ولماذا يطلبُ منه القيامَ بأُمورِ معيَّنة ويمنعُ عنه أُمورًا أُخرى، وهو عالِمٌ مُسبَّقًا بأنَّه سيتبعُها أو لا يتبعُها؟
يقول أحمد أمين: ”نشأَت الأبحاثُ الدينيَّة في هذا الموضوع لمَّا نظرَ الإنسانُ فرأى أنَّه، من ناحية، يشعرُ بأنَّه حرُّ الإرادة يفعلُ ما يشاءُ وأَنَّه مسؤولٌ عن عملِه، وهذه المسؤوليَّة تقتضي الحرِّية. فلا معنى لأن يُعذَّبَ أو يُثابَ إذا كان كالريشة في مهبِّ الريح لابدَّ أن تتحرَّكَ بحركته وتسكنَ بسكونه. ومن ناحية ثانية رأى أنَّ الله عالِمٌ بكلِّ شيء، أحاط عِلمُه بما كان وما سيكون، فعَلِمَ بما سيصدر عن كلِّ فرد من خيرٍ أو شرّ، وظنَّ أنَّ هذا يستلزمُ حتمًا أنَّه لا يستطيعُ أن يعملَ إلاَّ على وَفقِ ما علمَ الله، فحارَ في ذلك بين الجبرِ والاختيار، وأخذ يُفكِّر: هل هو مُجبَر أو مُختار.“[10] ومن جهةٍ ثالثة، برزَ السؤالُ الخطيرُ الآخَر: إذا كان الإنسانُ يعملُ وَفقَ عِلمِ الله، أو إرادته، فهل يُمكنُ أن يفعلَ الله الظلمَ أو القبيح؟ ولماذا يُعذب الكافر الطالح، ويُثاب المؤمن الصالح، إذا كان الإنسان مُجْبَرٌ وليس مُخَيَّر؟
وبالإضافة إلى المناقشات ”الكلاميَّة“، والفلسفيَّة، كان لهذه القضيَّة انعكاساتٌ وتداعياتٌ سياسيَّة خطيرة. ذلك لأنَّ من المُمكن أن يغتصبَ الحاكمُ سدَّةَ الحُكم بالقوَّة، ويدَّعي أنَّ ذلك كان بعِلمِ الله وإرادته. فضلاً عن أنَّ بإمكانِه أنْ يظلمَ ويقتلَ جميعَ مُعارضيه ويسلبَ وينهبَ الأموال، ويرتكبَ جميعَ الموبِقات، مُدَّعيًا أنَّ ذلك يحدثُ بناءً على إرادةِ الباري عزَّ وجَلّ. وقد ظهرَت هذه المسألةُ في مطلعِ العصرِ الأُمويّ، كما قلنا. فالأُمويُّون الذين استولَوا على الحُكمِ بالقوَّة استنَدوا في شرعيَّةِ حُكمِهم إلى قضاءِ الله وقدَرِه، كما سيأتي شرحُه.
ويذكر التاريخ أنَّ أسبقَ مَن بشَّرَ بمبدإِ حُرِّية الإرادة ومسؤوليَّةِ الإنسان عن أعماله مَعَبد الجُهني وغَيلان الدمشقيّ. الأوَّلُ قتلَه الحجَّاج صَبرًا (أي بعد أن أَوثقَه ومنعَ الطعامَ عنه)، وقام هشام بن عبد الملك بقَطعِ يدَي الثاني ورجلَيه وقتلِه وصَلبِه، وكان ذلك في عام 106 للهجرة (724م).[11] وكان غَيلان الدمشقيّ قد تعلَّم مع واصل بن عطاء على يَدِ اثنَين من آلِ البَيت من أحفاد عليّ بنِ أبي طالب وأولادِ محمَّد بنِ الحنفيَّة.[12] ثمَّ ذهبَ إلى البصرة لينضمَّ إلى حلَقةِ الحسَن البَصريّ الذي كان يتحدَّثُ في مسجِدِ البصرة، مُفنِّدًا آراءَ مَن يُبرِّرُ أعمالَ الملوكِ الدامية بأنَّها قَدرٌ من الله.
وكان الحسَن البصريّ يتمتَّعُ بمكانةٍ دينيَّةٍ وعِلميَّة واجتماعيَّة عالية. وبينما كان يستشيرُه الخليفةُ الصالحُ عُمَر بنُ عبد العزيز في كثيرٍ من المناسبات، كان يختلفُ معه بقيَّةُ الخلفاءِ الأُمويِّين وخاصَّةً الخليفةَ عبدَ الملك بنَ مروان (65-86هـ/685-705م). وقد أبقى عليه الأُمويُّون لعدَّةِ اعتباراتٍ سياسيَّة ومَصلحيَّة. يذكرُ الدينوري في كتابه ”الإمامة والسياسة“: ”أنَّ مَعبد الجُهَني وعطاءَ بنَ يسار دخَلا على الحسَن البَصريّ، وهو يُحَدِّثُ في مجلس البصرة كعادتِه، فسألاه: ’يا أبا سعيد، إنَّ هؤلاء الملوك يسفكون الدماء، ويأخذون الأموال، ويفعلون كذا وكذا، ويقولون: إنَّما تجري أعمالُنا على قدَرِ الله.‘ فأجابَهما الحسَن:’ كَــذبَ أعداءُ الله.‘ “ [13]
ويُذكَرُ أنَّ عبدَ الملك بنَ مروان أرسلَ إلى الحسَن البصريّ رسالةً مُطوَّلة، عبَّر فيها عن قلقِه عمَّا بلغَه عنه من كلامٍ حول ”القدَر“، وطلبَ فيها توضيحَ موقفِه؛ وفيها كثيرٌ من التهديدِ المبطَّن، إذْ يتَّهمُه بأنَّ ما يقولُه قد يُعتبَرُ ”بِدعة“، لأنَّه لم يسمعْ به من قبل، ويطلبُ منه سندَه ومرجعيَّتَه. فأجابه الحسَنُ البصريّ برسالةٍ مُطوَّلة أُخرى تتضمَّنُ كثيراً من التحدِّي. ومِمَّا قاله فيها: ”واعلَمْ، يا أميرَ المؤمنين أنَّ الله لم يجعل الأُمورَ ’حتماً‘ على العباد، ولكنْ قال لهم إن فعلتم كذا فعلتُ بكم كذا، وإنَّما يُجازيهم بالأعمال... ولكنَّ الله قد بيَّنَ لهم مَن قَدمَ لهم ذلك ومَن أضلَّهم، فقال: ﴿وقالوا ربَّنا إنَّا أطعنا سادتَنا وكُبراءَنا فأَضلُّونا السبيلا﴾ (الأحزاب 67).‘ ويقول الله تعالى: ﴿إنَّا هَديناه السبيلَ إمَّا شاكرًا وإمَّا كَفورا﴾“ (الإنسان: 3).
ويُعلِّقُ الجابري على هذه الرسالة الهامَّة قائلاً إنَّها ”تضعُنا أمام خطابٍ جديد في المعارضة، خطابٍ ينسفُ إيديولوجيَّة الجَبر الأُمويّ فيؤَكِّدُ أنَّ أعمالَ الناسِ ليست حتماً عليهم بل هم يأتونها باختيارهم، وبالتالي فهم مسؤولون مُحاسَبون. والخطابُ مُوجَّه مُباشرةً إلى أمير المؤمنين، صيغةً ومضمونًا؛ فإضافةً إلى استعمال صيغة النداء ”يا أميرَ المؤمنين، وذِكر ”فرعون“ و”السادات“ و”الكُبراء“... الذين أضلُّوا أقوامَهم، نجدُ النصَّ يستحضرُ هؤلاء ليُعطيَ لمسألةِ الجَبرِ والاختيار كاملَ مضمونِها السياسيّ. ومن هنا ستنطلقُ حركةٌ تنويريَّة جعلَت قضيّتَها الأساسيَّة نشرَ وَعيٍ جديدٍ بين الناس، الوعيِ باَّنَّ الإنسان، والحكَّام في المقدَّمة، يفعلُ ما يفعلُ بإرادتِه واختياره، وأنَّ الله لا يرضى الظلمَ فكيف يُجبرُه على فِعلِه؟“[14] ومُجملُ القول إنَّ الذين قالوا بحرِّيةِ الإرادة أُطلِق عليهم ”القَدَرية“، كما أسلفنا، ثمَّ اشتُهِروا بـ”المُعتزِلة“ فيما بعد. وقيل كثيرٌ عن سببِ إطلاقِ هذه الصفةِ الأخيرة أو هذا الاسمِ على هذه الفرقة. ومن ذلك قولهُم إنَّ واصلَ بنَ عطاء وعَمرو بنَ عُبيد اعتزلا حلَقةَ الحسنِ البصريّ، لاختلافِهم معه في مسألةِ مُرتكبِ الكبيرة. وقال الشريفُ المرتضى في كتابِه ”المـــُــنية والأمل“، إنَّ تسميتَهم بالمعتزلة جاءت ”لاعتزالهم كلَّ الأقوالِ الـمُحدَثة“، أي الأقوالِ السابقة في مُرتكبِ الكبيرة. وقيلَ غيرُ ذلك.
وتتلخَّصُ أُصولُ فرقةِ ”العَدل والتوحيد“ التي سُمِّيَت فيما بعد بـ”المُعتزِلة“، في خمسة مبادئ هي: التوحيدُ والعَدلُ والمَنزلةُ بين المنزلتَين، والوعدُ والوعيد، والأمرُ بالمعروفِ والنَّهيُ عن المُنكَر.
والذي يهمُّنا من هذه الأُصول، في المقام الأوَّل، هو ”العدلُ“، بما أنَّه يرتبطُ بموضوعِنا. ومعناه عدمُ نسبةِ الظُّلمِ إلى الله. أمَّا الظلمُ الذي يجري في الواقع، فإنَّه من صُنع الإنسان، باعتباره خالقًا لفِعلِه لأنَّه حرُّ الإرادة وقادرٌ على الفِعلِ الحسَن أو السيِّئ، الحقِّ أو الباطل. وهكذا يكونُ الإنسانُ حرًّا ومسؤولاً عن أفعالِه، وإلاَّ كيف يمكنُ أن يُحاسبَه الله (العادل). ويُقرِّرُ المُعتزلة ” أنَّ للإنسانِ قدرةً وإرادةً ومشيئةً واستطاعة قد خلقَها له خالقُه، وأنَّها تؤَدِّي وظائفَها، بشكلٍ مستقلٍّ وحُرّ، فيما يتعلَّقُ بالأفعالِ المقدورة للإنسان، ومن ثَمّ فإنَّ الإنسانَ هو خالقُ أفعالِه، على سبيلِ الواقع لا المجاز، ونسبةُ هذه الأفعالِ إليه هي نسبةٌ حقيقيَّة، وبالتالي فإنَّ الجزاءَ، ثوابًا أو عقابًا، هو أمرٌ منطقيٌّ ليست فيه شُبهةُ جَور تلحقُ بالباري سُبحانَه، كما هو الحالُ إذا قال المرءُ برأيِ المُجْبِرة.“ [15]
فهؤلاء يرفعون لواءَ الجبرِ، ويُنكرون حرِّيةَ الإرادة ولا يجعلون العقابَ ولا الثوابَ مرتبطًا بالفاعلِ البشريّ بل بمشيئةِ الله، إن شاءَ عاقبَ، وإن شاءَ لا يُعاقِب. [16].
ومن المعروفِ أنَّ أصحابَ الفكرِ الجَبريِّ يستندون في دعواهم إلى ”العِلمِ الإلهيِّ السابق“، الذي وردَ في القرآنِ الكريم في كثير من الآيات؛ منها: ﴿ألم تعلمْ أنَّ الله يعلمُ ما في السماءِ والأرض، إنَّ ذلك في كتاب﴾ (الحجّ:70). كما استندوا إلى آيات يدلُّ ظاهرُها على الجَبر، منها ﴿ولو شئنا لأتَينا كلَّ نفسِ هُداها ولكنْ حقَّ القولُ منِّي لأملأنَّ جهنَّمَ من الجنَّةِ والناسِ أجمعين﴾ (السجدة: 13).
وأوَّلُ مَن قال بـ”الجَبْريَّة“ جَهم بنُ صَفوان، لذلك سُمِّيَت هذه الفرقة ”الجَهْمِيَّة“. وكان يقول ” إنَّ الإنسانَ مجبورٌ لا اختيارَ له ولا قدرة، ولا يستطيعُ أن يعملَ غيرَ ما عمِل، وإنَّ الله قُدَّرَ عليه أعمالاً لا بدَّ أن تصدرَ منه، وإنَّ الله يخلقُ فيه الأفعالَ كما يخلقُها في الجماد، فكما يجري الماءُ ويتحرَّكُ الهواءُ ويسقطُ الحجر، فكذلك تصدرُ الأفعالُ عن الإنسان، يُصدرُها الله فيه وتُنسَبُ إلى الإنسانِ مجازًا كما تُنسَبُ إلى الجمادات. فكما يُقالُ أثمرت الشجرةُ، وجرى الماءُ، وطلعَت الشمسُ، وأمطرت السماء، وأنبتَت الأرضُ، كذلك يُقالُ كتبَ محمَّد، وقضى القاضي، وأطاع فلان، وعصى فلان، كلُّها من نوعٍ واحد على طريقِ المجاز. والثوابُ والعقابُ جَبر، كما إنَّ الأفعالَ جَبر، والله قـــَـدَّرَ لفُلانٍ فِعلَ كذا وقدَّرَ له أن يُثاب، وقدَّرَ على الآخَر المعصية وقدَّرَ أن يُعاقَب.“[17]
نلاحظُ هنا هذا الصراعَ المتواصلَ بين العقلِ والنَّقل. فالمعتزِلةُ آمنوا بالعقلِ وفسَّروا النصوصَ الدينيَّة تفسيرًا منطقيًّا فلسفيًّا. وهم أسدوا بذلك خدمةً كبيرةً للإسلام حينما تعرَّضَ لهجماتِ عقائدِ الفرسِ المانويَّة وغيرِها من العقائد غير الإسلاميَّةِ الأُخرى التي انتشرَ دُعاتُها مُستفيدين من إباحةِ حرِّيةِ الجدَلِ والمناظرة، في العصرِ العبَّاسيِّ الأوَّل. فلم يكُن أصحابُ الحديث (النقل) مُسلَّحين إلاَّ بالنصوص؛ القرآنِ والسنَّة. بينما يتطلَّبُ الأمرُ مُحاجَّةَ الخصمِ بالدليلِ العقليِّ الذي يُتقنُه المعتزلة. أمَّا الفلاسفة فكانوا لا يتعرَّضون للدين إلاَّ إذا تعارض مع الفلسفة، فيعملون على تكييفِ الفلسفة بُغيَة أن لا تتعارضَ مع الدين. فهم فلاسفةٌ أوَّلاً ثمَّ مُتديِّنون ثانيًا. بينما يتَّسمُ المعتزلة بكونهم مُتديِّنين أوَّلاً وآخرًا، ومع ذلك فهم مُسلَّحون بالحُجَجِ المُقنِعة والأدلّةِ الدامغة. وكان بينهم خُطباءُ بُلَغاء، وعُلماءُ فُقهاء، من أمثال النظّام والجاحظ وبِشر بنِ المعتمر وأحمد بن أبي دؤاد. وهم الذين اخترعوا علومَ البيانِ والبلاغة. فكانوا يتحدَّثون بلُغةٍ فصيحةٍ سائغة ومؤَثِّرة تفهمُها العامَّة وتُقدِّرُها الخاصَّة. ويُمثِّلُ هؤلاء الجيلَ الثاني بعد عُلماء وخُطباء بارزين من أمثال الحسَن البصريّ وواصل بن عطاء. أَمَّا الفلاسفة فيتحدَّثون ”بعباراتٍ جافَّة غامضة، كأنَّها رموزٌ وإشارات.“ [18]
ثالثًا: ”المُلكُ العَضوض“
الاستبدادُ والقهرُ يؤَدِّيان إلى الإيمانِ بالقضاءِ والقدَر
لعلَّ أوَّلَ مَن صرَّحَ بقضاءِ الله أو بـ"الحقِّ الإلهيِّ" في مُواصلةِ الحُكم، في الإسلام، هو الخليفةُ عثمان بن عفَّان، حين طُلِبَ إليه التنحِّي عن الخلافة، فقال قولتَه المشهورة: ”واللهِ لا أنزعُ ثوبًا سربلَنيه الله.“
ويُمكنُ القولُ إنَّ فكرةَ القضاءِ والقدَر طُرِحَت لأوَّل مرَّة لتتَّخذَ أبعادًا سياسيَّة أسفرَت عمَّا أُطلِق عليه تسميةُ ”المُلك العضوض“، عندما خاطبَ مُعاوية بنُ أبي سفيان جيشَه في صفِّين، وهو يستعدُّ لقتال الإمام عليّ بن أبي طالب، قائلاً، بين أُمورٍ أُخرى: ”وقد كان من قضاءِ الله أن ساقتنا المقاديرُ إلى هذه البقعة من الأرض، ولفَّتْ بيننا وبين أهلِ العراق.“ ثمَّ تلا قولَه تعالى ”ولو شاءَ الله ما اقتَتلوا، ولكنَّ الله يفعلُ ما يُريد﴾ (البقرة: 253). [19]
وأدركَ مُعاوية، بعد أن استتبَّ له الحُكم، أنَّه يحتاجُ إلى التماسِ الشرعيَّة في الحُكم بعد أن اغتصبَه بالقوَّة، ففقدَ شرعيَّةَ الشُّورى التي أُسِّسَ عليها الحُكمُ في الإسلام. وهكذا فإنَّه لجأَ إلى التماسِ الشرعيَّةِ في القضاءِ والقدَر، وكأنَّ الله هو الذي قضى بسابقِ عِلمِه أن يتولَّى الأُمويُّون الحُكم. فخطبَ في أهلِ الكوفة قائلاً: ”يا أهلَ الكوفة، أتراني قاتلتُكم على الصلاةِ والزكاةِ والحجّ، وقد علمتُ أنَّكم تُصلُّون وتُزكُّون وتحجُّون، لكنّي قاتلتُكم لأتأمرَ عليكم وعلى رقابِكم، وقد أتاني الله ذلك وأنتم كارهون.“[20]
وخطبَ بمناسبةِ تنصيبِ ابنِه يَزيد خليفةً له قائلاً: ”إنَّ أمرَ يزيد قد كان قضاءً من الله، وليس لِلعبادِ الخيرةُ من أمرِهم.“ ثمَّ ردَّدَ عُمّالُه هذا المبدأ، فقال زياد بن أبيه في خطبتِه المعروفة بـ”البتراء“: ” أيُّها الناس، إنّا أصبحنا لكم ساسة وعنكم ذادة، نسوسُكم بسُلطانِ الله الذي أعطانا، ونذودُ عنكم بفَيء الله الذي خوَّلَنا.“[21]
كما قال مُعاوية بعد أن تمَّت له البيعة في المدينة: ”إنّي ما وليتُها بمحبَّة علمتُها منكم، ولا مسرَّة بولايتي، ولكنَّي جالدتُكم بسيفي هذا مُجالَدة.“ وأضاف: "إنَّني أردتُ أن أَتَّبعَ سُنَّةَ أبي بكر وعُمر، ولكنَّ نفسي نفرَت من ذلك نفارًا شديدًا... فإن لم تجدوني خيرَكم، فإنِّي خيرٌ لكم ولاية... وإن لم تجدوني أقومَ بحقِّكم كلِّه، فاقبلوا مني بعضَه...“ [22]
وقصَّةُ أَخذِ البيعة ليزيد مشهورة، تذكرُها كتبُ التاريخ. ومُلخَّصُها أنَّ معاوية بعد أن جمَعَ الناسَ ودعا الوفودَ من جميع الأمصار، في عام 55 هـ؛ قام يزيد بنُ المقفَّع خطيباً، فقال: ”أميرُ المؤمنين هذا“ مُشيرًا إلى معاوية، ”فإنْ هلكَ فهذا“ مُشيرًا إلى يزيد، ”فمَن أبى فهذا“ مُشيرًا إلى سيفِه. فقال له مُعاوية: ”اجلِسْ فإنَّكَ سيِّدُ الخطباء.“[23]
وعندما تُوفِّيَ مُعاوية، خطبَ ابنُه يزيد قائلاً: ”الحمدُ لله الذي ما شاءَ صنَع، ومَن شاءَ أعطى، ومَن شاءَ منَع، ومَن شاءَ خفَض، ومن شاءَ رفَع. “[24] 25 كما جرى توظيفُ الحديثِ النبَويِّ لِدَعمِ وجهةِ نظرِ الأُمويِّين، فقالوا إنَّ الله لا يُحاسبُ الخلفاءَ لأنَّه هو الذي جعلَهم أُمراء، ووضعوا حديثًا مَفادُه ”إنَّ الله تعالى إذا استرعى عبدًا رعيَّةً كتبَ له الحسنات ولم يكتبْ له السيِّئات.“ وذُكِرَت أحاديثُ أُخرى، منها أنَّ ”من قام بالخلافة ثلاثةَ أيَّام لم يدخل النار.“ وقال مُعاوية: ”قد أَكرمَ الله الخلفاءَ الكرامة، أنقذَهم من النار، وأوجبَ لهم الجنَّة، وجعلَ أنصارَهم أهلَ الشام.“ وخطبَ هشام بنُ عبدِ الملك حين وَليَ الخلافة فقال: ”الحمدُ لله الذي أنقذَني من النار بهذا المقام.“ ويُقال إنَّه جمعَ أربعين شيخًا شهِدوا له أنَّ ما على الخُلفاء حسابٌ ولا عِقاب. [25]
ويُشير الشيخ علي عبد الرازق إلى أنّ ”الخلافة في الإسلام لم ترتكزْ إلاَّ على القوَّة الرهيبة، وأنَّ تلك القوَّةَ كانت، إلاَّ في القليلِ النادر، قوَّةً مادِّيةً مُسلَّحة.“ ويُذكِّرُنا، بين أُمورٍ أُخرى كثيرة، بالطريقةِ التي فرَضت البيعةَ ليزيد بنِ مُعاوية المذكورة آنفًا، ثمَّ يُشيرُ إلى ”استباحةِ يَزيد لدَمِ الحُسَين ابنِ فاطمة الزهراء، بنتِ رسولِ الله (ص)“، وكيف ”انتهكَ حُرمةَ مدينةِ الرسول“، وكيف ”استباحَ عبدُ الملك بنُ مروان بيتَ الله الحرام ووطئَ حِماه.“ [26]
كما تذكرُ كتبُ التاريخ أنَّ عبدَ الملك بنَ مروان ارتقى مِنبرَ رسولِ الله (ص) في المدينةِ المنوَّرة، وقال قَولتَه الشهيرة: ”واللهِ لا يأمرُني أحدٌ بتقوى الله بعد مقامي هذا إلاَّ ضربتُ عُنقَه.“[27]
كما حكمَ العبَّاسيُّون استنادًا إلى مبدإ ”الإرادة الإلهية“. خطب أبو جعفر المنصور قائلا: ”أيُّها الناسُ إنَّما أنا سلطانُ الله في أرضه، أسوسُكم بتوفيقِه... وحارسُه على مالِه، أعملُ فيه بمشيئتِه وإرادتِه وأُعطيه بإذنه.“ [28]
وهكذا، ومنذ أن تحوَّلَ الحُكمُ إلى ”مُلكٍ عَضوض“، بعد الخلافةِ الراشدة، تداولَ السلطةَ الملوكُ الذين حكَموا بقضاءِ الله وقدَرِه. وتوطَّدَ هذا المفهومُ أكثر عن طريقِ تبريرِ الفُقهاء للمُلك العَضوض تحت ذريعةِ ”دَرءُ المفاسدِ مُقدَّمٌ على جَلبِ المصالح“، و”مَن اشتدَّت وطأتُه وجبَت طاعتُه،“ حتَّى قال قائلُهم:
وطاعةُ من إليه الأمرُ لـَـزْمٌ وإن كانوا بغاة ًفاجرينا
وتُصوِّرُ أبياتُ دِعبِل الخُزاعيّ هذا الوضعَ الاستبداديَّ المتواصِل:
الحمد لله لا صبرٌ ولا جَلدٌ ولا عزاءٌ إذا أهلُ البِلى رقدوا
خليفة مات َلم يحزنْ له أحدٌ وآخرٌ قامَ لم يفرحْ به أحدُ
فمرَّ ذاكَ ومُــــرُّ الشؤم يتبعُه وقامَ هذا وقام النحسُ والنَـكدُ
ويقول أبو بكر الخُوارزميّ في وصفِ سيرةِ حاكم: ”فما زال يفتحُ علينا أبوابَ المظالم، ويحتلبُ فينا ضَرْعَ الدنانير والدراهم، ويسيرُ في بلادِنا سيرةَ لا يسيرُها السِّـنَّورُ في الغار، ولا يستجيزُها المسلمون في الكفَّار، حتَّى افتقرَ الأغنياء، وانكشفَ الفقراء، وحتَّى تركَ الدِّهقانُ ضيعتَه، وجحدَ صاحبُ الغلّةِ غلَّتَه، وحتَّى نشفَ الزرعُ والضَّرع، وأُهلِكَ الحرثُ والنسل، وحتَّى أخربَ البلاد، بل أخربَ العِباد، وحتَّى شوَّق إلى الآخرة أهلَ الدنيا، وحبَّبَ الفقرَ إلى أهلِ الغنى... والله ما الذئبُ في الغنَمِ بالقياسِ إليه إلاَّ من المصلحين، ولا السّوس في الخَزِّ في الصيف عنده إلاَّ من المحسِنين.“ [29]
وأستدركُ فأقول إنَّ ذلك الظلمَ والقهرَ يُصاحبُه إغداقٌ كبيرٌ على العُلماءِ والشعراء، فقيل في ذلك: ”يَهبُ الأمير ما لا يملك.“ لذلك ازدهرت العلومُ والآداب بل ازدهرت الحضارة العربية الإسلامية بوجه عام. ونحن هنا لا نبحث هذه النقطة لأن بحثنا ينصب على تعوّد العقل المجتمعي العربي على الاستبداد والقهر حصراً.
ومن جهة أخرى، يقول أحمد أمين إنَّ الخُلفاءَ ”على الجملة نهَّابون وهَّابون.“ أمَّا قُضاةُ بعضِ الخُلفاء، فحدِّثْ عنهم ولا حرَج.
قال بديعُ الزمان الهمذانيّ في وصفِ أحدِ القُضاة: ”يا للرجال وأين الرجال؟ وليَ القضاءَ مَن لا يملكُ من آلاتِه غيرَ السِّباب، ولا يعرفُ من أدواته غيرَ الاختذال! وما رأيُك في سوسٍ لا يقعُ إلاَّ على صوفِ الأيتام، وجرادٍ لا يسقطُ إلاَّ على الزرعِ الحرام، ولصٍّ لا ينتقبُ إلاَّ على خزانةِ الأوقاف؟“. [30]
ولئنْ طفقَ المتنِّبي يُدبِّجُ القصائدَ العصماءَ في مَدحِ سَيفِ الدولة، فإنَّ هذا كان ”ينهبُ الناسَ ويُصادرُ أموالَهم ليمنحَها للمتنبِّي وأمثالِه، فيصوغون له قلائدَ المدح، فينطبقُ عليه الحديث ’ليتَها ما زَنتْ ولا تصدَّقتْ.‘ وكان قاضيه يُسهِّلُ له كلَّ مَظلمة حتَّى قال يومًا: ’من هَلَك فلِسيفِ الدولة ما ملَك.‘(انطر المرجع السابق).
ويقول الجابريّ: ”إنَّ التاريخَ العربيَّ لم يعرفْ قطُّ ظاهرةَ الصراع من أجل الحدِّ من سلطةِ الحاكمِ الفَرد أو فرضِ قيودٍ أو رقابةٍ عليه“... ”ألم يُضطرَّ الفقهاءُ في كلِّ عصرٍ من الإفتاءِ بجوازِ توليةِ المفضولِ على الأفضل؟... أمَّا الخروجُ على الإمام فقد تجنَّبوا الإفتاءَ به بدعوى اتِّقاءِ الفِتنة.“ ومن هنا جرى ترسيخُ روحِ الاستسلامِ ومبدإ ”ليس بالإمكان أحسنُ مِمَّا كان،“ [31]أو بالأحرى الاستسلام للقضاءِ والقدَر ومشيئةِ الله، بغيةَ تعزيةِ النفسِ ومُصالحةِ الذات للقبول بالأمر الواقع.
ومع اعترافِنا الكامل بالجانبِ المشرِق للتاريخِ العربيِّ الإسلاميّ، وإكبارِنا له، فيجبُ أن لا نغفلَ بحثَ الجوانبِ المعتمِة منه أيضًا. وقد أسهَبنا في الشرحِ وتثبيتِ بعض الحقائقِ التاريخيَّة المُرَّة، لأنَّنا غالبًا ما ننسى أو نتناسى هذا الجانب، ونتمسَّكُ بترديدِ الجانبِ المشرِق والمعروف، [32] وبذلك نفشلُ في تفهُّمِ إشكاليَّتِنا، وتشخيصِ أدوائنا، بعقلٍ فاعِلٍ لا مُنفعِل.
وفضلاً عن كلِّ ذلك، فقد تفاقمَت خصائصُ الاستبداد خلال فترةِ الانحطاطِ والسيطرةِ العثمانيَّة، مع وجودِ فتراتٍ تتميَّزُ بقَهرٍ أكثر أو أقلَّ نسبيًّا، حتَّى وصلنا إلى عصر الاحتلالِ الغربيِّ في العصرِ الحديث، ثمَّ الحُكم الوطنيّ الذي ظهرَ أنَّهُ أدهى وأمرَّ من عصرِ الاحتلال، أحيانًا، وخاصَّةً في العراق، الذي كان يُمثِّلُ أهمَّ مركزٍ للحضارةِ العربيَّةِ الإسلاميَّة.
وهكذا فإنَّ هذه الأوضاعَ الاستبداديَّة استمرَّت على نحوٍ أو آخَر حتَّى اليوم، على وجهِ العموم، في معظمِ أجزاء العالَمِ العربيِّ والإسلاميّ. لذلك يلجأ الإنسانِ العربيِّ المظلوم إلى الإيمانُ بالقضاءِ والقدَر، وتسليمُ أمرِه إلى الله تعالى باعتبارِ أنَّ الدنيا فانية وأنَّها جسرٌ للآخِرة، والعاقبةُ للصابرين والمتَّقين.
ولمَّا كان العقلُ المجتمعيُّ يُمثِّلُ ذاكرةَ الأُمَّة ومُحصَّلةَ ظروفِها وتاريخِها، فإنَّه يُصبحُ في هذه الحالة مشحونًا بهذه القيمة (القضاء والقدَر)، إلى جانبِ قِيَمٍ أُخرى متعدِّدة. بَيدَ أنَّ القِيمَ المتفوِّقة، أي التي تؤَثِّرُ في الوحدةِ المجتمعيَّة أكثرَ من غيرها، خاصّةً بسببِ طولِ الفترةِ التي توالت فيها الأحداثُ والظروفُ المُفضِية إلى هذه القيمة، أقولُ في هذه الحالة، تظهر تلك القيمة (أي القضاء والقدَر) في سلوك أعضاء المجتمع بقَدرٍ أكبر. ويُمكنُ أن نُفسِّرَ ذلك بأنَّ العقلَ المجتمعيَّ يُشبهُ، إلى حدٍّ بعيد، العقلَ الباطنَ بالنسبة للفرد، بموجب مدرسةِ التحليل النفسيّ، كما ذكرنا سابقًا. فهو يخزنُ التجاربَ المختلفة. ولكنَّ التجاربَ القاسية والمتواصلة، خاصَّةً في فترة الطفولة، تُؤثِّر في سلوك الفرد أكثر، وتظهرُ بأشكالٍ مختلفة، وقد تُشكِّلُ عُقدًا نفسيَّة أو سلوكيَّاتٍ مرَضيَّة معيَّنة. ويُمكنُ مقارنةُ طفولةِ الفردِ بتاريخ المجتمع البشريّ أو طفولتِه، وقد لاحظنا بعضَ ملامحِه التي توحي بتغلُّبِ فكرةِ القضاءِ والقدَر على العقلِ المجتمعيّ وبالتالي على العقلِ المنفعِل للفردِ، العُضوِ في ذلك المجتمع.
وهكذا فقد أوضحنا آنفًا كما في بحثِنا الموسَّع المعنوَن بـ”حالُ العربِ في المهجر“ [33] أنَّ القهرَ الطويلَ الذي تعرَّضَ له الفردُ العربيُّ خلال تاريخِه الماضي ظلَّت آثارُه ترافقُه حتَّى بعد أن انتقلَ إلى المهجر، حيث توافرَت له سُبلُ حرِّيةِ التفكيرِ والتعبيرِ والنشرِ والتجمُّع والتنظيمِ السياسيّ، والتصويتِ الحرّ، أي جميع الحرّيات الأساسيّة التي كان يفتقدُها في وطنِه الأُمّ. ومع ذلك نجدُه يكاد يكونُ مشلولاً، في الغالب، حتَّى في حالِ تعلُّقِ الأمرِ بحقوقِه ومصالحِه في المهجر، فضلاً عن مصالح ومُعضلاتِ وطنِه الأُمّ. فهو لا يُشارك، على الأغلب، في الانتخاباتِ العامَّة أو المحلّيَّة، ولا في الاجتماعات والتظاهرات العامَّة، ونادرًا ما يُناقشُ أو يعترضُ على الآراءِ المُتجنِّية على العربِ والمسلمين التي تحفلُ بها وسائطُ الإعلام الأمريكيَّة خاصَّةً. لذلك نجدُ المنظَّماتِ العربيَّة والإسلاميَّة ضعيفة في أمريكا، ونلاحظُ أنَّ اللوبي العربيّ معدوم أو هزيل جدًّا، بالمقارنة مع سواه، مع أنَّ العربَ والمسلمين يعدُّون حوالى ستَّة ملايين في الولاياتِ المتَّحدة، حسب معظم التقديرات، وعلى الرّغم من أنَّ جماعاتٍ كبيرة من العرب الذين يعيشون في أمريكا هم من المتعلِّمين.
والسببُ في هذا التقاعس، كما أرى، هو أنَّ التعرُّضَ الطويلَ للقَهرِ والاستبداد الذي مرَّ به المجتمعُ العربيّ أدَّى إلى أن يألفَ الفردُ ذلك القَهر. ولا يحدثُ ذلك من خلال ما يتعرَّضُ له الفردُ من قَهرٍ في حياتِه فحَسب، بل ما تعرَّضَ له آباؤه وأجدادُه خلال الأجيالِ السابقة، لأنَّ ذلك الفردَ يتأثَّرُ بالقِيَمِ الراسخةِ والمتوارَثة التي تُشكِّلُ نسيجَ ذلك العقلِ المجتمعيّ السائد (أي العقل العربيّ والإسلاميّ في هذه الحالة، مع إمكانِ تعميمِ هذه القاعدة على أيِّ عقلٍ مجتمعيٍّ آخَر، وذلك في خصائصَ أُخرى مختلفة؛ وهذا بحاجةٍ إلى بحثٍ يخرج عن موضوعنا). فالعقلُ المجتمعيُّ يحتفظُ بهذه الخاصِّـيّة (القهر)، لِكونِها تُصبحُ جزءًا فعّالاً من ذلك العقلِ المجتمعيّ الذي يُؤثِّرُ بدورِه في ”العقلِ المنفعِل“ للفردِ العربيّ.
وهكذا يتحوَّلُ إلى قَهرٍ داخليّ مُعشِّش وُمتشعِّب ومُتجذِّر في أعماقِ الذاتِ العربيَّة، يصعبُ جدًّا الفكاكُ منه حتَّى لو تحرَّرَت منه من الخارج. لذلك لم يتمكَّن العربُ من الاستفادةِ من حرِّيتِهم في المهجر إلاَّ القليلَ النَّزر، خلال عشرات السنوات الماضية.
وهنا أُعيدُ إلى الأذهانِ مثالاً ذكرتُه في كتاباتٍ سابقة: الطيرُ الذي يولَدُ في القفَص يتعذَّرُ عليه التمتُّعُ بحرِّيتِه، بل يعجزُ عن الطيرانِ إذا أُطلِقَ سراحُه، ويظلُّ حائرًا متردِّدا كيف يتصرَّفُ بحرِّيتِه، ثمَّ يسعى إلى العودةِ إلى سجنِه (قفَصِه) الأبديّ، لأنَّه يُشكِّلُ بيتَه الوحيد، وعشَّه الذي ألفَه منذ ولادتِه. وقد جربت ذلك مع بعض من طيور الحبّ التي كنت أعتني بها في فترة سابقة.
ومن جملةِ الشواهدِ على وجودِ هذا القَهرِ الكامن والمغروسِ في العقلِ المجتمعيِّ العربيّ، وبالتالي العقل الفرديّ، أنَّ الجيلَين الثاني والثالث وما بعدهما، من الجالية العربيَّة في المهجر، تكون أقلَّ تهيُّبًا وتحفُّظًا، بل أكثر عقلانيَّةً وتقحُّماً ونشاطًا سياسيًّا أو اجتماعيًّا. وسببُ ذلك، كما هو واضح، أنَّ أبناءَنا وأبناءَ أبنائنا يتحرَّرون من سلطةِ عقلِهم المجتمعيّ الأصليّ وينتقلون إلى التأثُّرِ أو الخضوعِ للعقلِ المجتمعيِّ الجديد تدريجيًّا. هذا العقلُ الذي يرتبطُ بالتطوُّراتِ التي حدثَت في المجتمعِ الغربيّ، خاصَّةً خلال القرونِ الثلاثةِ الماضية، لاسيَّما في ما يتعلَّقُ بحقوقِ الإنسانِ وحرِّيته ومسؤوليَّتِه، في الوقتِ الذي كان فيه المجتمعُ العربيّ خاضعًا لجميعِ أصنافِ الاستبدادِ والقَهرِ والاستغلال، سواءٌ من الداخل (الحاكم المستبدّ)، أو من الخارج (المستعمِر الأجنبيّ).
* * *
خاتمة
خلاصةُ القول إنَّ العقلَ المجتمعيَّ العربيَّ السائد ميَّال، بوجهٍ عامّ، نحو التواكل والاستسلام (لا تُفكِّرْ، لها مُدبِّر). والسببُ في ذلك، كما لاحظنا، أنَّ العقلَ المجتمعيَّ العربيّ المعاِصر متأثِّرٌ بوجهٍ خاصّ بالجوانبِ المتخلِّفة من ماضي الأُمَّة، جانبِ القَهرِ والاستبداد، الذي استمرَّ، منذ أربعة عشر قرناً تقريبًا، أكثرَ مِمَّا هو متأثِّرٌ بالجوانبِ الحضاريَّة من تاريخِها، كما ذكرنا سابقًا.
والمحصَّلةُ العامَّةُ النهائيَّة لحركةِ المجتمعِ العربيّ تنحدرُ نحو التراجعِ والتخلُّف، إن لم نقُلْ تنزلقُ نحو هاويةٍ ليس لها قرار، وذلك في جميع الميادين، كما تؤَكِّدُ تقاريرُ ”حال الأمَّة“ السنويَّة، التي يُصدرُها ”المؤتمرُ القوميُّ العربيّ“، والتقاريرُ السنوِيَّة التي أصدرَها مؤخَّرًا ”برنامجُ الأمَمِ المتَّحدة الإنمائيّ“ تحت عنوان ”تقريرُ التنميةِ الإنسانيَّة العربيَّة“.[34]
وهكذا أرى أن هذا العقل المجتمعي العربي المتخلف يشكل السبب الرئيس لفشل مشروعُ النهضةِ الذي رفعَه رُوَّادُها منذ منتصفِ القرنِ التاسعَ عشَر، فضلاً عن فشلَ مشروعُ الثورةِ الذي رفعَه رموزُها منذ الخمسينيَّات من القرن الماضي. كما قد تفشل الثورة الأخيرة التي أطلق عليها صفة الربيع العربي، الذي تبدو عليه طلائع الخريف. ونحن نُرجِّحُ أنَّ من أهمِّ أسبابِ فشلِ مشاريعِ إنقاذِ ما يُمكنُ إنقاذُه من بقايا هذه الأُمَّة، كان وما يزال عقلَها المجتمعيَّ التراثيّ الذي أُعِدَّ للماضي ولم يُعدَّ للحاضِر ولا للمستقبل، وخاصَّةً فيما يتعلَّقُ بالإيمانِ بالقضاءِ والقدَر، الأمرُ الذي يؤَدِّي إلى اليأسِ من قُدرةِ الذاتِ على تحسينِ الأوضاع. وما لم نَسعَ لتغييرِ هذا الحال، من خلال تعديلِ وغربلةِ عقلِنا المجتمعيِّ التقليديّ، وبالتالي تعديل وتعقيل عقلِنا الفرديِّ المنفعِل بذلك العقلِ المجتمعيّ، بواسطة عقلِنا الفاعل، الذي اعتكفَ وتقزَّمَ منذ عشرة قرونٍ تقريبًا، فإنَّ جميعَ المحاولاتِ السطحيَّة والحركاتِ الإصلاحيَّة ستبوءُ بالفشَل، كالسابق.
===========
1. برنامجُ الأُممِ المتَّحدة الإنمائيّ: ”تقريرُ التنميةِ الإنسانيَّة العربيَّة للعام 2002“ (عمَّان: المكتبُ الإقليميّ للدوَلِ العربيَّة، برنامجُ الأُمم المتَّحدة الإنمائيّ، 2002)، ص47
2. أنظر مقالي بعنوان ”هيكل، والبقَّال الفيلسوف، والمقاومة المسلحة“، صحيفة ”القُدس العربيّ“، لندن، 13/ أكتوبر/2004.
3. برنامجُ الأُممِ المتَّحدة الإنمائيّ: ”تقريرُ التنمية الإنسانيَّة العربيَّة للعام 2003“ (عمّان: المكتبُ الإقليميّ للدوَلِ العربيَّة. برنامجُ الأممِ المتَّحدة الإنمائيّ، 2003)، ص 11.
4. منير شفيق: ”الإسلام وتحدِّياتُ الانحطاطِ المعاصِر“، ص 108-109، عن جورج طرابيشي: ”المثقَّفون العرب والتراث“ (لندن: رياض الريِّس للكتب والنشر، 1991)، ص 27.
5. جورج طرابيشي، المرجع الوارد في الفقرة السابقة، ص 27.
6. يتعرَّض حليم بركات لظاهرة القضاء والقدر، ويتَّخذُ موقفًا دفاعيًّا بشأنها، حين يُشيرُ إلى وجود صراعٍ بينها وبين قِيَمِ المسؤوليَّة وحرِّية الإرادة. أنظرْ كتابَه ”المجتمعُ العربيّ في القرنِ العشرين“ (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربيَّة، 2000)، ص 655.ومع اعترافِنا بهذا الصراع، كما أشرنا ، فإنَّنا نعتقد أنَّ القِيمَ الأُولى هي الفائزة في هذا الصراع، بدليلِ انتشارِها وعموميَّتِها، خاصَّةً لدى العامَّة، بل لدى كثيرٍ من المتعلِّمين، وهم أكثريَّةُ المجتمعِ العربيّ، كما أسلفنا.
7. فيما يتعلَّقُ بالجانبِ الفلسفيّ، هناك عدَّةُ مراجعَ تبحثُ في هذه الموضوعات، ومنها بالعربيَّة: ”الموسوعة العربيَّة المختصرة“، بإشراف زكي نجيب محمود (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصريَّة، 1963)، مادَّة ”حتميَّة“ و”حرِّية الإرادة“. كذلك ”المعجم الفلسفيّ“، جميل صليبا، مادَّة ”جبريّة“ ومادَّة ”حتمية“. وفي الإنكليزيَّة The Encyclopedia of Philosophy, Macmillan Publishing Co. 1972,، مادَّة Fatalism جبريَّة، ومادَّة Determinism حتميَّة. وأرجو أن نُميِّزَ بين الجبريَّة والحتميَّة، فالأُولى تُعلِّقُ ضرورةَ حدوثِ الأشياء على مبدإٍ أعلى منها، يُسيّرُها كما يشاء، فهي إذاً ضرورة مُتعالية. أمَّا الثانية فإنَها تعني أنَّ للظواهر الطبيعيَّة عِلَلاً تُحدِثُها، وهي مبدأُ السببيِّة عينُه، فالعلَّة توجِبُ حدوثَ المعلول (أنظر ”المعجم الفلسفيّ“)، أي إنَّه لابدَّ من أن يكون لكلِّ ظاهرة أو حدَث سببٌ معيَّن، معروفٌ أو غيرُ معروف، ولكنْ يمكنُ معرفتُه. ويترتَّبُ على ذلك أنَّنا يُمكنُ أن نستشرفَ المستقبلَ إذا عرفنا الحاضرَ معرفةً كافية، كما يقول العالم الفرنسي لابلاس (أنظر هنري برجسون: ”التطوُّرُ الخالق“: ترجمة وتلخيص بديع الكَسم (القاهرة: دار الفكر العربيّ، بلا تاريخ)، ص 24.
8.محمَّد عابِد الجابريّ: ”التراثُ والحداثة“ (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1991)، ص 59.
9. أحمد أمين: ”فجر الإسلام“ (بيروت: دار الكتاب العربيّ، 1975)، ص 284.
10. أَحمد أمين، المرجع السابق، ص 283.
11. أحمد أمين، المرجع السابق، ص 284-285.
12. ”الفِرَقُ الإسلاميَّة“ في ”موسوعة الحضارة العربيَّة الإسلاميَّة“ (بيروت: المؤسَّسة العربيَّة للدراسات والنشر، 1986)، المجلَّد الثاني، ص 581 أو 291 .
13. إبنُ قُتَيبة الدينوريّ: ”الإمامةُ والسياسة“ (القاهرة: مكتبة مصطفى الحلبي، 1963)، ص 441. عن الجابريّ: ”العقلُ الأخلاقيُّ العربيّ“ (بيروت: مركز دراسات الوحدةِ العربيَّة، 2001)، ص 81.
14. الجابريّ: ”العقلُ السياسيّ العربيّ“ (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربيَّة، ط 2، 1992)، ص 310.
15. ”موسوعةُ الحضارةِ العربيَّة الإسلاميَّة“، المرجع السابق، المجلد الثاني، ص 586 أو 296.
16. الجابريّ: ”العقلُ الأخلاقيُّ العربيّ“، المرجع السابق، ص 83.
17. أَحمد أمين: ”فجرُ الإسلام“، المرجع السابق، ص 286.
18. احمد أمين: ”ضُحى الإسلام“ (بيروت: دار الكتاب العربيّ، ج 3، ط10)، ص 204.
19.  إبنُ أبي الحديد: ”شرحُ نهجِ البلاغة“، ج11، ص497. عن الجابريّ: ”العقلُ السياسيُّ العربيّ“، المرجع السابق، ص 260
20. إبنُ قُتَيبة: ”الإمامةُ والسياسة“، ج1، ص 183-191. عن الجابريّ: ”العقلُ السياسيّ العربيّ“، المرجعُ السابق، ص260.
21. الجابريّ: ”العقلُ الأخلاقيُّ العربيّ“، المرجعُ السابق، ص 80.
22. شهابُ الدين أحمد بن عبد ربّه الأندلسيّ: ”العِقدُ الفريد“ (القاهرة: المكتبةُ التجاريَّةُ الكُبرى، 1953)، ج 4، ص 147.
23. إبنُ عبد ربّه الأندلسيّ: ”العِقدُ الفريد“ (القاهرة: المكتبة التجارية الكبرى، 1935)، الجزء الثاني، ص 307. عن عَليّ عبد الرازق: ”الإسلامُ وأُصولُ الحكم“ (بيروت: دار الحياة، 1978)، ص 74.
24. الجابريّ: ”العقلُ الأخلاقيُّ العربيّ“، المرجع السابق، ص 80. كما كرَّر الجابريّ هذا القولَ في ”الدين والدولة وتطبيق الشريعة“، ص 83 و84. ولم أعثر على المصدر الأصلي في هذا الخبر، مع أنني راجعت المرجع الذي أحال إليه في "العقل السياسي العربي"، الفصل السابع.
25. أوردَها ابنُ عساكر والبلاذري، عن حسَين عطوان: ”الفِرَقُ الإسلاميَّة في بلاد الشام في العصرِ الأُمويّ“ (بيروت: دار الجيل، 1986)، ص 76.
26. علي عبد الرازق: ”الإسلام وأُصولُ الحُكم“، المرجع السابق، ص 75. كما يُشير د. فرَج فودة إلى حادثة استباحة مدينةِ الرسول، من جانب قائدِ جيشِ يَزيد، مُسلم بن عقبة، وذلك في كتابه ”الحقيقة الغائبة“، ص 80، استنادًا إلى تاريخ ”الكامل“ لابن الأثير، ج 5، ص 310-314، وكتاب الدينوري ”الأخبار الطوال“ (بيروت: دار المسيرة)، ص 267.
27. السيوطيّ: ”تاريخُ الخلفاء“، ص 219، عن فرَج فودة: ”الحقيقة الغائبة“، ص 76.
28. الجابريّ: ”الدينُ والدولةُ وتطبيقُ الشريعة“ (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربيَّة، 1996)، ص 84، 85.
29. أحمد أمين: ”ظُهر الإسلام“ (بيروت: دار الكتاب العربيّ، ط 3 ،1969)، الجزء الثاني، ص 267. ، 268، 269.
30. احمد امين، المرجع الأخير، ص 268.
31. الجابريّ: ”الديمقراطيَّة وحقوقُ الإنسان“ (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربيَّة، ط 2، 1997)، ص 52.
32. أقصد بالجانب المشرق الذي ساد فيه العدل والمساواة، ولكنه لم يتجاوز 32 عاماً، أي خلال فترة الخلافة الراشدة التي استغرقت أقل من ثلاثين عاماً، ولاسيما خلافة أبي بكر وعمر وعليّ وخلال حُكم الخليفةُ الأُمويّ الصالح عُمَر بن عبد العزيز، التي دامت سنتَين وثلاثة أشهر فقط، ثمَّ مات وهو لم يتجاوز الأربعين. ويقول فرَج فودة إنَّه مات مسمومًا، في أرجحِ الأقوال:انظر ”الحقيقة الغائبة“، طبعة خاصَّة، بلا تاريخ، ص 56.
33. دراسة من 50 صفحة قُدِّمَت إلى ”المؤتمرِ القوميّ العربيّ“ في دورة عام 1998، المعقودة في القاهرة، ونُشِرت في عدَّة صحُف على حلقات، منها صحيفة ”القُدس العربيّ“، لندن.
34. برنامجُ الأُممِ المتَّحدة الإنمائيّ: ”تقريرُ التنميةِ الإنسانيَّة العربيَّة“، مرجع سابق.
  

معركة البرلمان: اللعب بأوراق الاستقطاب في الانتخابات العراقية

ملخص
يشهد العراق في 30 إبريل/نيسان 2014 أول انتخابات برلمانية بعد انسحاب القوات الأميركية من البلد. وربما تكون هذه الانتخابات هي الأهم، بسبب ما يمكن أن تنطوي عليه نتائجها والخريطة السياسية التي ستتشكّل في ضوئها من تأثير كبير في تحديد المسارات المستقبلية للبلد. وهي تجري وسط استقطابين، الاستقطاب الطائفي والاثني المعتاد والذي يسهم في شرعنة وتحسين فرص القوى التي تدعي الدفاع عن "الجماعة الطائفية او الإثنية" وتمثيل مصالحها، ومن جانب ثان هناك استقطاب سياسي بين القوى المركزية والقوى المضادة للمركز. وفي حين يدفع الاستقطاب الأول نحو قيام اصطفافات إثنية وطائفية متقابلة، فإن الاستقطاب الثاني يقود إلى اصطفافات سياسية تعكس صراعاً ضمنياً بين طريقتين لإدارة الدولة، ومن المحتمل أن تشهد مرحلة ما بعد الانتخابات تسويات أو حالات تأزم جديدة ناتجة عن التداخل بين هذين الاستقطابين.
مقدمة
يشهد العراق في 30 إبريل/نيسان 2014 أول انتخابات برلمانية بعد انسحاب القوات الأميركية من البلد. وربما تكون هذه الانتخابات هي الأهم بسبب تأثير نتائجها والخريطة السياسية التي ستتشكّل في ضوئها على تحديد المسارات المستقبلية للبلد. ويمكن القول: إن بقاء رئيس الوزراء الحالي، نوري المالكي، لدورة ثالثة، أو رحيله من منصبه، هو القضية الأساسية الأكثر أهمية في هذه الانتخابات. ويبرز ذلك في جانبين، الأول: أدى نجاح المالكي في توطيد سلطته داخل مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية إلى أنه بات مصدر تهديد لحلفائه التقليديين من القوى الإسلامية الشيعية، فضلاً عن خصومه من القوى السنية والكردية؛ والثاني: يجري التنافس الانتخابي إلى حد كبير حول البقاء في السلطة -بالنسبة للمالكي- أو انتزاع السلطة -بالنسبة لخصومه-، ولا يجري على أساس التنافس بين رؤى واضحة حول كيفية معالجة القضايا الرئيسية في البلاد كالانقسامات الطائفية والإثنية وإدارة الموارد والإرهاب والعنف السياسي.
سنحاول في هذه الورقة تقديم صورة عن طبيعة الأوضاع والاستقطابات التي تجري فيها الانتخابات، والقوى السياسية المتنافسة فيها، والعوامل الخارجية المؤثرة فيها.
الصراعات والأوضاع الداخلية
تجري الانتخابات في ظل احتدام التوترات السياسية والانقسامات الطائفية والاثنية، وتصاعد مستوى العنف إلى معدلات غير مسبوقة منذ العام 2008؛ فمن جهة، تستمر العمليات العسكرية في محافظة الأنبار عبر اشتباكات بين القوات العراقية وبعض العشائر المتحالفة معها من جانب، وتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، وقوى محلية متمردة من جانب آخر. وتتصاعد موجة التفجيرات والسيارات المفخخة في العاصمة بغداد والتي تستهدف غالبًا المناطق الشيعية، وقد طالت مؤخرًا تجمعًا انتخابيًا لجماعة (عصائب أهل الحق) الشيعية (1) ، التي يعتقد على نطاق واسع أنها تشارك في العمليات المسلحة ضد داعش والجماعات السنية المسلحة (2) . كما جرى اغتيال بعض المرشحين السنة في الموصل والبصرة (3) ، فيما يبدو أنه عمل مزدوج من الجماعات السنية المتطرفة والرافضة للانتخابات، ومن الميليشيات الشيعية.
يرتبط العنف "الطائفي" المتصاعد بإخفاق الحكومة والقوى السياسية العراقية في التعامل مع المشاعر السائدة في الوسط السني، وأبرزها التهميش ووجود سياسات تمييزية طائفية تتبعها الحكومة العراقية والقوى الأمنية. فبعد عام كامل من الاحتجاجات في المدن ذات الغالبية السنية، لم تشهد العملية السياسية ولا السياسة الحكومية تعديلات واضحة، أو طرحًا لرؤية ناضجة حول سبل ردم الانقسام الطائفي في البلاد. هذه البيئة التي تتسم بالاستقطاب والشكوك المتبادلة وفّرت تربة خصبة لنمو و"شرعنة" الجماعات المتطرفة على الجانبين، وينتج عن ذلك إضعاف لشرعية العملية السياسية وتصاعد في معدلات العنف. وتندرج هذه الأحداث في تيار أكبر، حيث قام النظام السياسي الحالي على فكرة "التمثيل الإثنو-طائفي"، وسمح بصعود القوى ذات الولاء الهوياتي الفرعي عبر آليات المحاصصة والنظام الانتخابي، وبات وجود تلك القوى واستمراريتها يرتبط كثيرًا بقدرتها على الاستثمار في هذه الانقسامات لا على ردمها.
ومن جهة أخرى، تجري الانتخابات في ظل استمرار الخلاف بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان حول احتساب حصة الإقليم من الميزانية العامة، وهو جزء من صراع أوسع على تنظيم إدارة الموارد النفطية والغازية في البلد؛ فبينما ترى الحكومة الاتحادية أنها صاحبة القرار النهائي في رسم السياسة النفطية، والإشراف على عمليات التعاقد والتصدير، اتَّجه إقليم كردستان إلى التعاقد مع الشركات الأجنبية بشكل مستقل عن الحكومة الاتحادية، كما شيّد أنبوبًا نفطيًا مستقلاً يربط حقول النفط الكردستانية بتركيا بدون المرور بأنبوب النفط الوطني الذي تسيطر عليه الحكومة الاتحادية، ويعتبر الإقليم أن ذلك ينسجم مع بنود الدستور العراقي الذي منح الأقاليم صلاحيات واسعة (4) .
وتدخل هذه الانقسامات في إطار الصراع حول صياغة النظام السياسي الراهن في العراق، وهو صراع يجري إلى حد كبير بين اتجاه ميال للمركزية يمثله رئيس الوزراء الحالي، واتجاه ميال لتقوية الأقاليم والأطراف، وتمثل القوى الكردية أبرز الداعمين له. فبينما يبني المالكي برنامجه الانتخابي على فكرة الدولة القوية، ويرى في نفسه الممثل الوحيد لسلطة الدولة في مقابل قوى يعتبر أنها تحاول تفكيك البلد وتقاسم ثرواته فيما بينها، فإن القوى المناوئة له والتي اتسعت لتشمل بعض حلفائه السابقين من الشيعة، كمقتدى الصدر وعمار الحكيم، تعتقد أن لدى المالكي ميلاً سلطويًا نحو تركيز السلطات بيده. ويبدو أن القوة المتنامية لرئيس الوزراء بفعل سيطرته المتزايدة على أجهزة الدولة، والقوات المسلحة، ونفوذه المتعاظم في الهيئات والمؤسسات المستقلة والجهاز القضائي، أشعر بقية الأطراف بأن قواعد النظام الذي تمت صياغته في الدستور الحالي باتت عرضة للخطر، وأن نجاح المالكي بتوطيد سلطته سيؤدي إلى إضعافهم جميعًا، خصوصًا وأن معظم القوى الرئيسية تعتمد في تمويل نفسها وتوسيع شبكات الدعم الخاصة بها على ما تستحصله من ريع عبر المناصب والمؤسسات التي تتقاسمها فيما بينها (5) .
يعني ذلك أن الانتخابات الراهنة تجري وسط استقطابين: الاستقطاب الطائفي والإثني المعتاد والذي يسهم في شرعنة وتحسين فرص القوى التي تدعي الدفاع عن "الجماعة الطائفية أو الإثنية" وتمثيل مصالحها، ثم الاستقطاب السياسي بين القوى المركزية والقوى المضادة للمركز. وفي حين يدفع الاستقطاب الأول نحو قيام اصطفافات إثنية وطائفية متقابلة، فإن الاستقطاب الثاني يقود إلى اصطفافات سياسية تعكس صراعًا ضمنيًا بين طريقتين لإدارة الدولة، ومن المحتمل أن تشهد مرحلة ما بعد الانتخابات تسويات أو حالات تأزم جديدة ناتجة عن التداخل بين هذين الاستقطابين.
التنافس الانتخابي
تعكس خريطة القوى السياسية الراهنة اتجاهات متعددة، يرتبط بعضها بطبيعة الاستقطابين المذكورين، في حين يرتبط بعضها الآخر بالنظام الانتخابي أو بحراكات اجتماعية مستقلة نسبيًا عن النخبة السياسية المهيمنة؛ فالخاصية الأولى للتنافس الانتخابي الراهن هي أنه يجري بين قوى ذات لون إثني او طائفي واحد في إطار التمايز بين القواعد الانتخابية الإثنو-طائفية بخلاف ما جرى في الإنتخابات السابقة؛ ففي انتخابات العام 2010، جرى التنافس الرئيسي في الجزء العربي من العراق (أكثر من 80% من السكان) بين القائمة العراقية بزعامة الليبرالي الشيعي، إياد علاوي، والتي انضمت إليها معظم القوى السنية الرئيسية، وبين ائتلاف دولة القانون بزعامة المالكي، حيث ركز الطرفان خطابهما السياسي على شكل من "القومية العراقية" وعلى بناء دولة قوية وتجاوز الطائفية، وتوفرت فرصة تجاوز الحدود الطائفية بفضل نجاح "العراقية" في الحصول على دعم غالبية سنية وعدد مهم من الأصوات الشيعية فحصلت على المركز الأول في الانتخابات، لكن الانتخابات الحالية تشهد مزيدًا من الفرز بين الدائرتين التصويتيتين: "الشيعية والسنية" وغيابًا لقوة رئيسية تمتلك مشروعا وإمكانيات حقيقية لعبور الحدود الطائفية.
يعكس ذلك أن عملية "التطييف" التي تسارعت في العراق منذ العام 2003 قد نجحت في تأسيس وقائع سياسية-اجتماعية وفي شرعنة الكيانات الطائفية كتصنيفات سياسية فاعلة. غير أنه يعكس أيضًا نوعًا من التكيف مع طبيعة التنافس الانتخابي؛ فمنذ حكم المحكمة الاتحادية بعد الانتخابات البرلمانية الماضية بأن الكتلة الأكبر التي يحق لها تشكيل الحكومة يمكن أن تتشكل بعد الانتخابات ولايُشترط فيها أن تكون القائمة الانتخابية الفائزة بالمركز الأول (6) ، باتت معظم القوى السياسية تدرك أن عليها أن "تحصّن" قواعدها الانتخابية وتركز على الفوز بأصوات قاعدتها الإثنو-طائفية، ومن ثَمّ الانتقال بعد الانتخابات إلى تحالفات أوسع. ويبدو أن ذلك خدم معظم القوى المهيمنة في البرلمان والحكومة في إعادة تدوير نفسها بأسماء أو صيغ جديدة، وهي جميعًا تتبنى "التغيير" كشعار، لكنه "تغيير" يرتبط بتحسين مكانتها في معادلة توزيع السلطة والموارد أكثر من علاقته بتطوير طريقة عمل النظام.
يعني ذلك أن الحكومة القادمة ستتشكّل بعد مرحلتين من الاصطفافات، المرحلة الأولى: مرحلة الاصطفافات الانتخابية، وفيها تتنافس قوى من نفس اللون الطائفي أو الاثني على الفوز بغالبية أصوات الجماعة الإثنو-طائفية، وهي في هذه الحالة تنقسم إلى قوى "متشددة" و"معتدلة" و"وسطية"، ولكنها في العموم مواقف تكتيكية غايتها التموضع الانتخابي ولا تعكس توجهًا سياسيًا-فكريًا ثابتًا. المرحلة الثانية: هي اصطفافات ما بعد الانتخابات، وفيها ستجري تحالفات جديدة حسب حالة الاستقطاب الإثنو-طائفي، بحيث تعيد تلك القوى المتنافسة سابقًا التحالف فيما بينها لتمثيل "الجماعة الإثنو-طائفية"، أو حسب الاستقطاب السياسي، بحيث تتضامن قوى من ألوان إثنو-طائفية مختلفة في إطار تحالف أوسع هدفه دعم الاتجاه المركزي أو دعم الاتجاه المضاد، أو على الأرجح، ستجري تحالفات تتأثر بكلا الاستقطابين معًا.
خريطة القوى السياسية
على المستوى الشيعي، يجري التنافس بين ثلاث قوى رئيسية، هي: ائتلاف دولة القانون، بزعامة المالكي، وائتلاف المواطن، بزعامة عمار الحكيم، والكتلة الصدرية التي تتمثل بعدة قوى، أبرزها: (كتلة الأحرار). ومع ترسخ التصنيفات الطائفية ضمن العرف السياسي العراقي، يبدو أن قضية استمرار رئيس الوزراء الحالي في السلطة أو رحيله عنها بات مرهونًا إلى حدّ كبير بالتنافسات والتوافقات الشيعية-الشيعية. وفي الوقت الذي يبدو فيه المالكي واثقًا من أنه "سيكتسح القوى الشيعية المنافسة" (7) ؛ فإن قادة في كتلتي الحكيم والصدر أعلنوا صراحة أن مرشح رئاسة الوزراء المقبل سيأتي من بين صفوفهم (8) .
كان ائتلاف المالكي يقف على يسار ائتلاف الصدر-الحكيم في الانتخابات الماضية عندما حاول الظهور كقوة غير طائفية تسعى لبناء وتوطيد سلطة الدولة، لكنه يتجه في هذه الانتخابات إلى اليمين مقارنة بمواقف أكثر اعتدالاً يتبناها الحكيم والصدر؛ فبينما يرى المالكي أن بقاءه في السلطة يتطلب الفوز بأكبر عدد ممكن من الأصوات الشيعية والظهور كأكبر كتلة ممثلة للإرادة الشيعية، يرى الحكيم والصدر أن قدرتهما على بناء تحالفات أو تفاهمات لاحقة مع القوى السنية والكردية ستمثل ورقتهما الرابحة بعد الانتخابات. يبدو ائتلاف المالكي أكثر "شيعية" من أي وقت مضى، وقد جذب إليه قوى اليمين الشيعي، مثل: "منظمة بدر" التي هي جزء من الائتلاف، وجماعة أهل الحق الممثلة انتخابيًا بكتلة "الصادقون" والتي دخلت في تحالفات مع المالكي في عدة محافظات. ويقوم الخطاب الانتخابي للمالكي على شعار "حكومة الأغلبية"؛ حيث يعتبر أن الوقت قد حان لاستبدال "حكومة الشراكة" التي يراها غطاء لمحاصصة تكرس تشرذم الدولة، بحكومة يقودها هو ويتولى تعيين وزرائها لتعمل كفريق منسجم (9) . يشاركه الحكيم الحديث عن حكومة بـ "فريق منسجم" لكنه يعتبر أن هذا الانسجام يتحقق من خلال "شراكة الأقوياء" لا من خلال الاقصاء (10) ، بينما يركز الصدر على نقد "الميول الديكتاتورية" للمالكي وتفرده بالسلطة (11) .
على المستوى السني، يبدو المشهد أكثر تشرذمًا بعد انفراط عقد القائمة العراقية، وتنامي الصراعات بين القوى الوريثة لها، وعودة الحياة إلى تيار راديكالي يرفض الانتخابات ويدعو الى مقاطعتها. وفي الوقت الذي يعوّل فيه المالكي على تحقيق اختراقات عن طريق التحالف مع بعض الأطراف السنية من أجل تعزيز هامش المناورة لديه في مواجهة خصومه الشيعة، فإن هنالك قوى سنية تسعى إلى طرح نفسها كممثلة –ولاحقًا- مفاوضة عن المكون العربي-السني في مواجهة مسعى المالكي.
أبرز القوى السنية هو ائتلاف "متحدون" الذي يتزعمه رئيس البرلمان أسامة النجيفي والذي جمع إليه معظم القوى السياسية والاجتماعية السنية الداعمة لنهج المشاركة بالانتخابات كالحزب الإسلامي ومؤتمر صحوة العراق. وتتبنى بعض الشخصيات والقوى المكونة للائتلاف الدعوة لإنشاء "إقليم سني" على غرار إقليم كردستان. وعند هذه النقطة يفترق هذا الائتلاف مع ائتلاف "العربية" الذي يتزعمه نائب رئيس الوزراء، صالح المطلك، والذي يحتفظ بموقف ناقد للتصنيف الطائفي ويسعى لتقديم نفسه كطرف "عروبي" من أجل كسب أصوات العرب السنة في مناطق الاستقطاب العربي-الكردي. ورغم أن المطلك وجّه في أكثر من مناسبة نقدًا شديدًا للمالكي وعبّر عن الرفض لاحتمال استمراره في منصبه (12) ؛ فإن بعض تحالفاته الراهنة والخصومات السنية-السنية تجعل ائتلافه، أو جزءًا من هذا الائتلاف، في نظر البعض حليفًا سنيًا محتملاً للمالكي. وهنالك قائمة انتخابية جديدة تحمل اسم "كرامة"، يقودها رجل الأعمال خميس الخنجر (13) ، الذي كان قد لعب دورًا رئيسًا في تأسيس القائمة العراقية، وتعتبر نفسها المعبّر عن حركة الاعتصامات والاحتجاجات التي شهدتها المناطق السنية؛ كما أن هناك قوى دينية وعشائرية رأت أن النخبة السياسية السنية التي تمثلت في القائمة العراقية ووريثاتها اتخذت موقفًا مهادنًا وبراغماتيًا وبالتالي فقدت شرعية تمثيل الصوت السني. وفي الوقت الذي تتنافس هذه الكتلة مع "متحدون" على ذات القاعدة الانتخابية، يظل احتمال دخول الطرفين في تحالف بعد الانتخابات لتعزيز الموقف التفاوضي السني واردًا.
على المستوى الكردي، تتنافس القوى الرئيسية الثلاث: الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة رئيس الإقليم، مسعود بارزاني، وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة رئيس الجمهورية الغائب بسبب المرض، جلال طالباني، وحركة التغيير بزعامة نيشروان مصطفى. يساعد هذا التنافس على تحديد الأوزان النسبية لهذه القوى، خصوصًا مع التراجع التدريجي في قوة حزب الاتحاد الوطني وصراع الأجنحة والقيادات في داخله، وصعود حركة التغيير إلى منزلة القوة الكردية الثانية بعد انتخابات برلمان الإقليم الأخيرة. وفي حين أظهرت أزمة تشكيل حكومة إقليم كردستان وجود صراع حاد بين هذه القوى حول السلطة والموارد داخل الإقليم، فإنه من غير الواضح بعد ما إذا كان هذا الصراع يمكن أن يؤدي لاحقًا إلى إضعاف التنسيق بين تلك القوى في المفاوضات التي ستتبع الانتخابات (14) .
هنالك أيضًا قوى أخرى خارج الإطار التصنيفي الإثنو-طائفي، مثل: ائتلاف "الوطنية" الذي يتزعمه إياد علاوي (15) ، و"التحالف المدني الديمقراطي" الذي يضم مجموعة من اليساريين والليبراليين والمستقلين (16) ، وكلا الائتلافين يتنافسان على ما يمكن تسميته بالقاعدة "المدنية" التي يصعب تقييم حجمها نظرًا لعمق الاستقطاب الطائفي. وإذا ما تمكن هذان الائتلافان من دخول البرلمان، يمكن لتحالفهما أن ينشئ قوة عددية ضاغطة باتجاه طرح نواة لبديل "غير طائفي" في المستقبل. وهنالك قوة جديدة تحمل اسم "ائتلاف العراق" (17) ، وتدعو في برامجها إلى دور أكبر للتكنوقراط ورجال الأعمال، ويقودها رجل أعمال مثير للجدل هو فاضل الدباس الذي يُنظر إليه كحليف محتمل للمالكي (18) . وفي الحقيقة، فإن ما يبدو وكأنه صعود في نفوذ وتأثير رجال الأعمال، يعكس حالة تساند متنامية بين الطبقة السياسية والطبقة المالية موضوعها الأساسي عقود الدولة التي تمثل الغاية الأساسية لمعظم رجال الأعمال بسبب ما تدرّه من أرباح هائلة، في ظل جهاز بيروقراطي غارق في الفساد وعدم الكفاءة.
التأثيرات الخارجية
تراجع النفوذ الأميركي كثيرًا منذ انسحاب القوات الأميركية نهاية العام 2011، وقد تجلّى ذلك في الخطوات التي اتخذها رئيس الوزراء نوري المالكي ضد بعض خصومه الداخليين، وفي الخيارات التي اعتمدها في سياسته الخارجية، والتي يبدو أنها تأثرت كثيرًا بالنفوذ المتعاظم لإيران في العراق. لقد لعبت إيران دورًا مهمًا في تأمين دورة ثانية للمالكي عبر الضغط الذي مارسته على القيادات الشيعية، وتحديدًا مقتدى الصدر، للقبول بالتجديد له. وتكرر الأمر ثانية عندما انضم مقتدى الصدر إلى الزعيم الكردي مسعود بارزاني وقادة القائمة العراقية في جهد مشترك لسحب الثقة من رئيس الوزراء؛ حيث أسهمت الضغوط الإيرانية على الرئيس جلال طالباني وعلى مقتدى الصدر في إفشال هذا التحرك (19) .
ما زال يُنظر إلى إيران بوصفها الطرف الخارجي الأكثر تأثيرًا في تحديد الخيارات الشيعية بعد الانتخابات، وبالتالي في رسم الصفقة السياسية التي ستتمخض عنها المفاوضات. ولذلك يبدو المالكي مهتمًا بضمان الدعم الإيراني عبر تحالفاته مع قوى قريبة من إيران (منظمة بدر وعصائب أهل الحق)، وعبر اقتراب مواقفه الخارجية كثيرًا من الموقف الإيراني، خصوصًا في الشأن السوري، ونقده المتصاعد لخصوم إيران الإقليميين كالسعودية. في الوقت نفسه، يبدو أن القوى الشيعية المنافسة (المجلس الإسلامي الأعلى والتيار الصدري) حاولوا ترميم علاقاتهم مع الإيرانيين لضمان أن لا يكون الموقف الإيراني منحازًا إلى المالكي؛ فقد قام زعيم المجلس الأعلى عمار الحكيم وقيادات أخرى في تنظيمه بزيارات متكررة لإيران يبدو أنها تمخضت فعلاً عن تحسن في العلاقات بعد تباعد نسبي حصل إثر وفاة زعيم المجلس السابق، عبد العزيز الحكيم، وانفتاح المجلس على دول الخليج (20) . كما أن نقد مقتدى الصدر العلني للدور الإيراني واتخاذه مواقف بدت غير ملائمة بالنسبة للجانب الإيراني، قد تسبب في تدهور نسبي للعلاقة بين الجانبين. ومؤخرًا تسربت أنباء عن اجتماع بين الصدر ومسؤولين إيرانيين لـ "تصحيح" علاقة الجانبين، كما أرسل التيار الصدري رسائل بهذا الاتجاه عبر عملية إعادة هيكلة داخلية تمثلت بحل هيئة الأمناء في التيار الصدري، وتكليف القيادي، كرار الخفاجي، الذي يحتفظ بعلاقات جيدة مع الإيرانيين، بإدارة الملف السياسي للتيار (21) . ورغم كثرة ما يشاع عن تفضيل الإيرانيين للمالكي، فإن القيادة الإيرانية لم تتخذ موقفًا نهائيًا على الأرجح، وهي بانتظار أن تفرز نتائج الانتخابات خريطة سياسية تتحدد فيها الأوزان النسبية للكتل المختلفة.
ويحتفظ الإيرانيون بعلاقات جيدة مع الاتحاد الوطني الكردستاني الذي تراجع نفوذه كثيرًا في الآونة الأخيرة، بينما يرتبط الحزب الديمقراطي الكردستاني، القوة الرئيسية في كردستان، بعلاقات وثيقة مع تركيا، تمنح أنقرة نفوذًا مهمًا إلى جانب ما تتمتع به من تأثير على القوى السنية، وبشكل خاص "متحدون" و"كرامة". ورغم أن الطموحات التركية في بناء نفوذ إقليمي قد تراجعت نسبيًا، إلا أن تأثيرها في العراق لم يتلاش تمامًا، وهنالك احتمال كبير أن يتجه الأتراك إلى اعتماد نهج تعاوني لا تنافسي مع الإيرانيين في ممارسة دورهم داخل العراق، خصوصًا بعد تحسن علاقات الجانبين إثر زيارة أردوغان إلى طهران مؤخرًا.
خاتمة
وفق الخريطة الانتخابية الراهنة، لن يحصل أي طرف على الأغلبية الضرورية لتشكيل الحكومة، وسيضطر إلى تشكيل تحالفات لاحقة، وقد تعيد هذه التحالفات التمحور السياسي الطائفي، وتنتهي بالتالي إلى تشكيل حكومة "شراكة" جديدة على أساس نسب "المكونات"، أو أن التحالفات ستتشكل على أساس استقطاب سياسي بين فريق داعم للمالكي أو فريق معارض له. لكن الأوزان السياسية التي ستفرزها الانتخابات للقوى المتنافسة هي التي ستقرر إمكانية غلبة أحد الاصطفافين. ويبدو أن الاتجاه الراجح هو أن مسعى تأمين منصب رئيس الوزراء لصالح المالكي أو لصالح أحد منافسيه الشيعة، هو الذي سيقود المرحلة الأولى من العملية التفاوضية، وستكون إلى حد كبير مرحلة ردم الفجوة بين التوقعات وبين الأوزان الحقيقية للكتل الشيعية المختلفة. وإن لم يتم حسم هذه المواجهة مبكرًا، قد تنشأ اصطفافات بديلة أو أزمات لاحقة تهدد قدرة النظام السياسي الراهن على الاستمرار.
___________________________________________________________________
*حارث حسن، باحث في الشؤون السياسية العراقية.
المصادر:
1) أ.ف.ب، تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" يتبنى الهجوم على تجمع انتخابي ببغداد، إيلاف:
http://www.elaph.com/Web/News/2014/4/898404.htm l
2) العالم الجديد، 24 إبريل/نيسان 2014.
3) انظر مثلاً: القرطاس نيوز، اغتيال الشيخ الدوسري المرشح عن قائمة "متحدون" بالانتخابات العراقية:
http://moheet.com/2014/04/26/2054799/%D8%A7%D8%BA%D8%AA%D9%8A%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%8A%D8%AE-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D8%B3%D8%B1%D9%8A-%D9%85%D8%B1%D8%B4%D8%AD-%D9%82%D8%A7%D8%A6%D9%85%D8%A9-%D9%85%D8%AA%D8%AD%D8%AF.html
4) Denise Natali, “Iraq’s Oil Brinkmanship”, Almonitor, January 23 2014.
5) Marisa Sulivan, “Maliki’s Authoritarian Regime”, Institute for the Study of War, Aprli 2013.
6) حيدر القدوة، المحكمة الاتحادية العليا... الكتلة الأكبر في البرلمان تشكل الحكومة المقبلة، المدينة:
http://www.al-madina.com/node/235350
7) انظر حوار المالكي مع قناة الميادين، 25 إبريل/نيسان 2014:
http://www.almayadeen.net/ar/Programs/Episode/Ph4OOaJl,0yRk6MYAS2kcg/2014-04-25-%D9%86%D9%88%D8%B1%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%8A---%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B2%D8%B1%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82%D9%8A
8) انظر مثلاً: قناة السومرية، حديث الوطن -خاص الانتخابات 10- النائب حاكم الزاملي، ائتلاف الأحرار
https://www.youtube.com/watch?v=jGdVSXxzt78  لتفاصيل كاملة عن القوى السياسية المتنافسة في الانتخابات، انظر: المفوضية المستقلة العليا للانتخابات، انتخاب مجلس النواب 2014:
http://www.ihec.iq/ar/index.php/parliament-2014.html
9) قناة المنار، لقاء خاص مع دولة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي:
https://www.youtube.com/watch?v=dtKCDvTK1dM
10) الفرات نيوز، السيد عمار الحكيم: ليس معيارنا أغلبية سياسية أو شراكة محاصصة بل نحن مع الجميع من أجل عراق موحد متصالح مع النفس:
http://wwww.alforatnews.com/modules/news/article.php?storyid=53123
11) Harith Hasan, “New Shia Politics and the Maliki-Sadr Competition”, Atlantic Council, 17 November 2013:
http://www.atlanticcouncil.org/blogs/menasource/new-shia-politics-and-the-maliki-sadr-competition-in-iraq
12) Saleh Mutlag, “Say No to Civil War”, Foreign Policy, 3 April 2014:
http://www.foreignpolicy.com/articles/2014/04/03/say_no_to_civil_war
13) الحرة عراق، الإعلان عن ائتلاف الكرامة بزعامة رجل الأعمال "خميس الخنجر" لخوض الانتخابات البرلمانية:
https://www.youtube.com/watch?v=RjVIuCZdQJo
14) Wladimir Van Wilgenburg, “Talabani’s Party Stung by Loss in Iraqi Kurdistan Elections”, Almonitor, 11 October 2013:: http://www.al-monitor.com/pulse/originals/2013/10/talabani-loses-kurdistan-elections.html
Namo Abdulla, “Iraqi Kurdistan: Old Structures, New Realities”, 12 February 2014:
http://www.aljazeera.com/indepth/opinion/2014/02/iraqi-kurdistan-old-structures--201421264244206457.html
15) المدى برس، علاوي يشكل ائتلاف "الوطنية" لخوض انتخابات مجلس النواب ويرجح التحالف مع النجيفي والمطلك:
http://www.almadapress.com/ar/news/22667/%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%88%D9%8A-%D9%8A%D8%B4%D9%83%D9%84-%D8%A7%D8%A6%D8%AA%D9%84%D8%A7%D9%81-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D8%AE%D9%88%D8%B6-%D8%A7%D9%86%D8%AA%D8%AE
16) التيار الديمقراطي، البرنامج الانتخابي للتحالف المدني الديمقراطي:
http://www.tdiraq.com/?p=2510
17) انظر الموقع الإلكتروني للائتلاف:
http://etelafaliraq.com
18) صحيفة العالم البغدادية، 120 مليون دولار لتشكيل "قائمة سنية" تنافس "متحدون" وتتحالف مع المالكي بعد الانتخابات:
http://www.alaalem.com/index.php?aa=news&id22=13914
19) علاء يوسف، تصريحات الصدر بشان إيران تثير الجدل في العراق، الجزيرة نت:
http://www.aljazeera.net/news/pages/e537587d-f2c5-4ac7-837a-f6a30a537baf
20) الشرقية، رئيس المجلس الإسلامي الأعلى عمار الحكيم يبحث مع المرشد الإيراني علي خامنئي العلاقات الثنائية بين العراق وإيران:
http://www.alsharqiya.com/?p=74779
21) السومرية، التيار الصدري يحل هيئة أمنائه ويكلف كرار الخفاجي بإدارة ملفه السياسي:
http://www.alsumaria.tv/news/97231/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%8A%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%AF%D8%B1%D9%8A-%D9%8A%D8%AD%D9%84-%D9%87%D9%8A%D8%A6%D8%A9-%D8%A7%D9%85%D9%86%D8%A7%D9%87-%D9%88%D9%8A%D9%83%D9%84%D9%81-%D9%83%D8%B1%D8%A7%D8%B1/ar
--------------------------------------------
المصدر: مركز الجزيرة للدراسات
 

دعوة إلى إعادة كتابة الدستور وتفعيل الرقابة على الأموال العامة

 

خبراء وباحثون اقتصاديون يشخصون مواطن والخلل والضعف في الاداء الحكومي خلال السنوات الماضية
شدد خبراء وباحثون ومختصون في الشأن الاقتصادي على ضرورة ايجاد الحلول المناسبة لاخراج الاقتصاد العراقي من المشاكل التي يعانيها ومواطن الخلل البنيوي في التشريعات المتعلقة بهذا الجانب والتي تسببت في احداث الكثير من الارباكات من اهمها تدهور الاداء الحكومي في تنفيذ المشاريع ما ادى الى انتشار الفساد وتخلف التنمية في عموم البلاد .
جاء ذلك خلال الندوة الموسعة التي عقدها " معهد التقدم للسياسات الانمائية " يوم الجمعة الماضي الخامس والعشرين من نيسان الجاري وادارها الدكتور مهدي الحافظ وزير التخطيط الاسبق / رئيس المعهد ..
وشهدت الندوة عرض ورقة نقاشية للخبير الاقتصادي توفيق المانع تناول خلالها العجز في الميزانية وضرورة مراجعة الايرادات والنفقات لتخفيض العجز .. وكان لكل من السيدة مدير المصرف العراقي للتجارة حمدية الجاف والخبير القانوني الدكتور زهير الحسني تعقيبات على تلك الورقة .
ملامح الأداء الحكومي بعد التغيير
وفي مستهل الندوة تحدث الدكتور مهدي الحافظ عن بعض ملامح الاداء الحكومي في العراق لمرحلة مابعد التغيير عام 2003 وما تلاه من تشكيل عدد من الحكومات المتعاقبة وتشريع الدستور .. مبينا معضلات الحياة في العراق لازالت تتعقد وتتفاقم على نحو مقلق فلم يتحقق الاصلاح الاقتصادي الذي كان هدفا اساسيا لعملية التغيير الذي نجم عنه استمرار عائدات الصناعة النفطية في ان تلعب دورا موجها وقائدا للفعاليات الاقتصادية الاساسية .
إعادة النظر بنهج الاقتصاد ونظريته العامة
وتساءل الحافظ كيف يمكن لبلد مثل العراق ان ينمو ويتطور بنحو طبيعي ووفق الحاجات الوطنية وموارده المالية الطبيعية الكبيرة ما لم يجري اعادة النظر بنهج الاقتصاد ونظريته العامة ؟ .. موضحا ان مصلحة النمو الاقتصادية والتنمية الشاملة تكمنان في اقتصاد السوق الذي يجمع بين ادارة الدولة والسوق بصورة متزاوجة وهذا ما يفرض ان يكون مرجعا توجيهيا وعمليا للاداء الاقتصادي المنشود وهو النهج الذي يدعم تطور القطاع الخاص ويجعله رائدا حقيقيا للاقتصاد الوطني ويوفر امكانات التنويع الشامل.
حماية موارد الدولة وتنفيذ المشاريع
واشار الحافظ الى ان الاصلاح المطلوب هو ذلك المنحى العلمي الذي يهدف لحماية موارد الدولة وضبط تنفيذ المشاريع والخطط الاقتصادية بصورة صارمة وعادلة فالوقائع تشير الى ان مستوى التنفيذ قد انخفض بشكل لافت وادى الى ضياع الاموال في بعض المجالات .. منوها .. الى ان السياسة المالية والنقدية هي الاخرى حافلة بالعيوب ومنها عدم التقييد بالاتفاقات السابقة بين وزارة المالية والبنك المركزي العراقية عام 2006 التي كانت تهدف الى اعادة هيكلة القطاع المصرفي الحكومي المتمثلة بمصرفي الرشيد والرافدين وتسوية ميزانيتهما وبناء علاقات عادلة وبناءة مع المصارف الاهلية الخاصة وازالة جميع المعوقات عن طريق خلق بيئة سليمة لعملها واصلاح البنى التحتية للمصارف والالتزام بالرقابة والتسجيل الائتماني والضمانات الضرورية واطر التدقيق المالي والمحاسبة.
غياب الرؤى والأهداف الاقتصادية
بعد ذلك بدأ الخبير الاقتصادي توفيق المانع بعرض ورقته عن العجز في الميزانية وضرورة مراجعة الايرادات والنفقات لتخفيض العجز .. اشار في مقدمتها الى غياب الروؤى واهداف للاقتصاد العراقي ألقائم الذ ي اصبح اقتصاد رغبات وتمني غير موجه تتحكم به ظروف العرض والطلب وحسب متطلبات السوق .. داعيا الى ضرورة البحث وألتعامل مع ألقطاع ألخاص ألذي هو بعيد عن ألانظمة والقوانين التي تصب في هيمنة الدولة واحتكارها وتكفي الاشارة الى موضوع المصارف بموضوع التحويل وما ترتب عليه فلو أخذنا على سبيل المثال لا الحصر دورة راس ألمال فهي اقصر دورة اذ تودع الاموال في الصندوق بعد استقطاع الخمسة بالمائة من مبالغ التعويضات فيتم تحويله الى حوالات في المصارف المختصة والمبالغ المصروف للاشخاص فيتم اما تحويله الى الخارج بصورة اوأخرى او يتم اكتنازه لدى المواطنين المقتدرين اي لايمر بالسوق او بعملية التنمية والاستثمار او الاعمار اذن لايوجد للمال دور بالاقتصاد او البناء وهنا الحديث عن القطاع الخاص
وبين المانع ان الاقتصاد العراقي يتصف بأنخفاض انتاجية العمل في القطاعات كافة وهذا يعود الى ضعف مؤهلات ومهارات القوى البشرية وطبيعة التقنية ألمستخدمة , ومدى كفاءة ادارة النشاط الاقتصادي وتكفي الاشارة الى مقولة ( أن التنمية تقلل معامل الولادة ). 
متأخرون علميا وتقنيا !
واشار المانع الى القطاع النفطي الذي شهد ارتفاعأ في نسبة الزيادة التي يعتمد عليها في رفد الايرادات بسبب عدم اعطائه اية اولوية لتطويره وجعل تطور الصناعة النفطية العراقية تواكب وتنافس من الناحية التقنية والانتاجية كبريات الدول والشركات النفطية وخصوصآ غياب الصناعات ألتحولية وبالتحديد استمرار الاعتماد على تصدير التفط الخام وبيعه مطروحا فوصلت نسبة الاقتصاد الريعي والاقتصاد الاحادي الجانب 96 % ، ولكننا ومع ما نتمتع به من تلك الثروات وكذلك الموارد البشرية المدربة والخبرات العالية ونتيجة لتلك السياسات اصبحنا متأخرين علميا وتقنيا واصبحت صناعتنا النفطية تشغل وتدار بما يكفي فقط لتسيير عجلة الانتاج اليومي ودون سياسة تطويرية واضحة المعالم والمستقبل .
هجرة الخبراء العاملين في الصناعة النفطية
واوضح المانع .. ان تلك السنوات شهدت تراجعا واضحا ناتج عن عوامل عدة اهمها زيادة التقادم للمعدات المستخدمة والغير قادرة على تحمل اي زيادة في الانتاج والتي لم تخضع لاي تطوير او تحديث او استبدال ، كما ان هجرة عدد كبير من خبراء الصناعة النفطية العراقيين ومتخصصيها الى خارج البلد افقدنا كما هائلا من الموارد البشرية المدربة والتي تحمل خبرة عالية في مجالاتها ، كما ان استبدال تلك الكوادر وخلال سنوات طويلة بكوادر جديدة لم تخضع لاي تطوير وتدريب لرفع امكانياتها المهنية ايضا يمكن اعتباره عاملا من عوامل تراجع الصناعة النفطية ... موضحا ان التطور الدولي الهائل في العلوم والتكنولوجيا والذي تبنت عدد كبير من الشركات الاجنبية تنفيذ هذا التطور لرفع امكانيات كوادرها ساهم وبشكل كبير وعلى مدى سنوات من العمل المتواصل على خلق كوادر مهنية عالية التدريب والكفاءة توزعت تلك الكوادر للعمل في مكاتب تلك الشركات المنتشرة في العديد من دول العالم وتحقيق الكفاءة المطلوبة , وقد تنوعت منافذ التطوير المستخدمة .. وفي يتعلق بامكانات الشركات العراقية النفطية .. اوضح المانع ان السنوات التي مرت بها الشركات النفطية في ظل الحصار قد عرضتها الى مشاكل كثيرة ساهمت في خلق حالة واضحة من التراجع في الاداء ككل وبالخصوص الجوانب الادارية والمالية
التدريب وتطوير المهارات
وفي ختام ورقته دعا الخبير الاقتصادي توفيق المانع الى ضرورة ايلاء التدريب اهتماما خاصا لتطوير مهارات الموظفين ورفع كفائاتهم.
وفيما يتعلق بالمنظومات اوصى المانع بالعمل على تطوير نظم العمل الحالية من اجل الاستعانة بتطوير اي منظومة مالية او ادارية لابد من تطوير نظم العمل المساندة لها وكذلك البنى التحتية اللازمة وهذه تتم اما بجهود داخلية في الشركة او بالاستعانة بالخبرة الخارجية والتي سترسم صورة واضحة لحجم الاستثمار المطلوب في تلك المستلزمات .. فضلا عن تدقيق المستندات قبل الدفع.
الوطنية وحب العراق هما معيار البناء السليم
الى ذلك اشارت السيدة مدير عام المصرف العراقي للتجارة حمدية الجاف في مداخلتها الى ان العراق يعاني في جميع مناحي الحياة وكذلك هناك مشكلة في تلكؤ المشاريع المنفذة في عموم البلاد .. عازية هذا التلكؤ الى تاخر اقرار الموازنة بالدرجة الاولى فضلا عن استشراء الفساد الذي ادى الى ان يتم احالة الكثير من المشاريع الى شركات غير كفوءة .. لافتة الى ان هذا الفساد ادى ايضا الى عزوف الشركات الاجنبية الرصينة عن الدخول الى العراق ليس بسبب الوضع الامني كما يتحجج الفاسدون انما بسبب التعقيد في الاجراءات والمساومات والاتاوات التي تفرض على هذه الشركات كل هذه الاسباب ادت الى تدني مستويات التنفيذ في الميزانية العامة للدولة. 
ودعت الجاف الى ضرورة اجراء الاصلاحات المطلوبة والقضاء على الفساد من خلال الانتخابات المقبلة واختيار الاشخاص المناسبين لادارة البلاد وكذلك من خلال احالة المشاريع الى شركات رصينة بالاعتماد على معيار الرصانة والكفاءة والاعمال المماثلة .. فضلا عن تفعيل الصناعات الانشائية لتوفير المواد الاولية للبناء لاسيما في مجال السكن لان البلاد بحاجة الى اكثر من (3) ملايين وحدة سكنية. 
واختتمت الجاف حديثها بالقول ان الحكومة لاتتحمل الاخفاق وحدها وان كان القسم الاكبر يقع على عاتقها انما الشعب هو الاخر يتحمل جزءا من المسؤولية .. داعية الى جعل الوطنية وحب العراق هما الاساس في العمل وليس الانتماءات الجانبية التي خربت كل شيء في البلد. 
الحسني : رغم الفشل ثمة نجاح وإنتاج !
فيما تحدث الخبير القانوني الدكتور زهير الحسني معقبا على ورقة الخبير الاقتصادي توفيق المانع قائلا : ان العراق ومنذ عام 1964 قام على اساس هيمنة القطاع العام وتهميش القطاع الخاص .. وبعد عام 2003 كانت هناك توجهات وطموحات بان يتحول العراق الى اقتصاد السوق ولكن الذي حدث هو التحول من نظام اقتصادي شمولي الى نظام هلامي لاشكل له .. مبينا ان الضعف الذي انتاب الاداء الحكومي كان نتاجا طبيعيا للصراعات السياسية التي تشهدها الساحة العراقية بين الحكومة والبرلمان فالحكومة لاتستطيع ان تصلح الاقتصاد بسبب الخلل البنوي .. ومن جانب اخر فان القطاع الخاص كان قطاعا ضعيفا غير قادر على المبادرة لكونه منقسم على نفسه الى قسمين القسم الاول تجاري طفيلي يرتبط ببعض الساسة الذين تحولوا الى سملسرة في السوق .. لافتا الى ان هذا الحال يجعل من الصعوبة تطبيق قانون التعرفة الجمركية لانها تتعارض مع مصالح هؤلاء الساسة .
واضاف الحسني .. انه وعلى الرغم من هذه الصورة السوداوية للمشهد في البلاد الا انه هناك مؤسسات في الدولة تعمل وتنتج ..هناك انتاج على صعيد القطاعين العام والخاص .. مشيرا الى انطلاق المبادرة الزراعية ونجاحها من خلال تحقيقيها اهدافا مهمة لعل في مقدمتها ان البلد سيكتفي ذاتيا من الحبوب خلال العام المقبل .. ولكن المشكلة اننا ربما لانستطيع وقف الاستيراد بنحو مفاجيء لاننا سنقع تحت تاثيرات وضغود دولية واقليمية من الدول والسماسرة الذين يقومون بتصدير بضائعهم الى البلاد وهذا يرتبط بقانون التعرفة الجمركية ايضا وصعوبة تطبيقه .. مضيفا ومن النجاحات الاخرى هي اطلاق المبادرة السكنية التي تعد بداية موفقة لحل ازمة السكن في العراق وهذه المبادرة وجميع العقود التي تم توقيعها والتي ستوقع كانت من العقود الشفافة والرصينة ومع شركات عالمية معروفة بعيدا اي تاثيرات جانبية
واشار الحسني الى المبادرة الصناعية التي سيتم اطلاقها قريبا بعد اقرار الموازنة والتي تتضمن خطة طموحة لحل مشكلة اكثر من (192) شركة من شركات القطاع العام المعطلة .. كما ان المبادرة تسعى لدعم القطاع الخاص الصناعي .. موجها الدعوة الى الصناعيين العراقيين الى المساهمة بقوة في المشاريع الصناعية التي تتبناها المبادرة
وفيما يتعلق بعقود التراخيص النفطية اوضح الحسني ان هذه العقود هي عقود خدمة وليست عقود شراكة كما يعتقد البعض .. مبينا ان السياسة النفطية في العراق سياسة ناجحة ولكن الفشل هو في ادارة الموارد النفطية .. مقترحا بناء ميناء صخري في الخليج يوفر للعراق جرفا قاريا بمساحة 12 الف ميل بحري. 
وتحدث الحسني ايضا عن قوة وضعف القانون الذي ينعكس على قوة وضعف اداء الدولة والحكومة والمشاكل الدستورية وازدواجية اجراءات النزاهة وسوى ذلك من القضايا المهمة .. مشيرا الى ان العجز في الموازنة هو عجز افتراضي وليس حقيقيا لان الموازنة احتسبت على اساس سعر 90 دولار لبرميل النفط في الوقت الذي تصل فيه الاسعار الى 110 دولارات .. كما التخصيصات السنوية للوزارات والمحافظات لايتم صرفها بنسبة مائة في المائة انما بنسب قد تصل الى 50 او 60 في المائة والباقي يستخدم لتغطية العجز في الموازنة .
المبادرة الصناعية دون مستوى طموح القطاع الخاص
وشهدت الندوة طرح العديد من الافكار والرؤى من قبل الخبراء والباحثين والمعنيين بالشأن الاقتصادي في العراق الذين شاركوا فيها .. حيث اشار رئيس احاد رجال الاعمال السيد راغب رضا بليبل في معرض تعليقه الى حجم الفساد المستشري في جسد الدولة العراقية والذي تسبب في تأخير تنفيذ الكثير من المشاريع لاسيما تلك المنفذة من قبل القطاع الخاص الذي تسلق على اكتافه بعض الطفيليين الذي لايمتلكون الخبرة والكفاءة .. وهذا ادى بطبيعة الحال الى تفاقم الكثير من المشاكل منها هجرة رؤوس الاموال الى الخارج وتنامي نسب البطالة والفقر وهجرة الشباب بحثا عن فرص عمل.
وبين بلبيل ان القطاع الخاص لايعول كثيرا على المبادرة الصناعية لانها لم تأت ملبية لطموحات القطاع الحاص وكان من المفروض ان يتم اشراك هذا القطاع في اعدادها.
هذه أسباب التلكؤ في المشاريع
اما الخبير المهندس الاستشاري هشام المدفعي فقد اشار في مداخلته الى الاسباب الكامنة وراء تدني مستوى الاداء مبينا ان اغلب المشاريع المحالة على الشركات العالمية قد تم انجازها بنحو كامل .. اما الشركات العربية والتركية فقد تلكأ البعض منها اما الشركات العراقية فقد دخلت طبقة جديدة من المغامرين بالمقاولات لايمتلكون الخبرة لذا فقد اخفق قطاع الانشاءات .. فضلا عن فشل اتحاد المقاولين العراقيين في السيطرة على نشاطات في قطاع الانشاءات وافتقار معظم المحافظات الى قيادات مهنية او متخصصة ذات خبرة في اختيار الافضل لتنفيذ العمل .. رافق ذلك غياب المواصفات العراقية لتنفيذ الاعمال وعدم تواجد اي مفهوم لاداب مزاولة المهنة وغياب التوجيهات وسيطرة الحكومة الاتحادية في توجيه قطاع الانشاءات مما دفع كل محافظة ان تسلك الطريق المعروف لديها .
قوانين ردع المتجاوزين كافية .. ولكن
من جانبه رآى الخبير القانوي عادل اللامي ان القوانين العقابية الموجودة هي كافية لردع المتجاوزين لو احسن تطبيقها على النحو المطلوب .. ولكن المشكلة هي غياب الارادة لتطبيق هذه القوانين من جانب ووجود طبقة من الفاسدين المتنفذين الذين يمنعون تطبيق مثل هذه الانظمة والقوانين وهذا الحال ادى الى حدوث حالة كبيرة من التلكؤ في تنفيذ المشاريع فضلا تدنى مستوى الاداء الحكومي بنحو عام .
التنسيق بين الجامعات والمؤسسات الحكومية
استاذة علم الاجتماع في جامعة بغداد الدكتورة فوزية العطية اشارت الى انه وبعد تجربة عشرة اعوام اصبحنا بحاجة الى اعادة النظر في الكثير من القضايا المهمة فنحن لازلنا نعتمد الكوتة وقانون ادارة الدولة .. داعية الى ايجاد حالة من التنسيق بين الجامعة والمؤسسات الحكومية بهدف الاستفادة من الخبرات الجامعية والبحوث والدراسات .. فضلا عن الاطلاع على تجارب الدول الاخرى واعادة كتابة الدستور والمحافظة على الثروة البشرية لان الشباب والخبرات تهاجر خارج البلد.
غياب القطاع الخاص وهيمنة القطاع الحكومي
الخبير المصرفي الدكتور علي الفكيكي قال اننا نتحدث كثيرا عن اقتصاد السوق ولكن في واقع الحال لازال القطاع العام هو المسيطر على مقاليد الاقتصاد فعملية الاستيراد تتم من قبل المؤسسات الحكومية اما القطاع الخاص فهو مجرد مقاول لدى القطاع العام غير قادر على اداء دوره المطلوب في ظل غياب الدعم الحكومي لهذا القطاع وهجرة رؤوس الاموال الى الخارج وبروز بعض الطفيليين لواجهة القطاع الخاص .
الحكومة والبرلمان يتحملان السبب
الدكتور كفاح الجواهري .. تساءل : من هي الحكومة ومن هو البرلمان .. مبينا ان الحكومة جاءت من رحم البرلمان وبالتالي فهي لاتختلف عنه لهذا فان قضية تحميل البرلمان مسؤولية التلكؤ في تنفيذ الخطط لوحده ليس صحيحا لان كلاهما متمم للاخر .. لافتا الى ان المشكلة تكمن في نوعية القائمين على ادارة الحكومة واستشراء الفساد ..مبينا ان من يقوم بحفر الابار النفطية هي الشركات العراقية وهذه مشكلة كبيرة لانها تعمل بمثابة مقاول ثانوي وهذا سبب من اسباب التردي والتلكؤ
هناك مشكلة في تطبيق المواصفات القياسية العراقية.
فيما اشار المستورد العراقي ماجد حميد الساغدي في مداخلته الى عدم وجود اية علاقة بين قانون التعرفة الجمركية وبين تطبيق المواصفات القياسية على البضائع المستوردة .. مبينا ان هناك مشكلة في تطبيق مواصفات الجودة فهذه المواصفات يتم تطبيقها في منافذ البصرة فقط اما المنافذ الغربية فهي خارج سيطرة الحكومة ومنافذ اقليك كردستان لها مواصفات اخرى ووجود مثل هذه الاشكالات ادى اى ارتفاع اسعار الفحص في الجنوب وانخفاضها في منفذ ابراهيم الخليل الامر الذي ادى الى حدوث حالى الكساد في الموانيء العراقية .
السيد غالب الانصاري كان اخر المتحدثين وقد دعا في مداخلته الى تشكيل رابطة باسم رابطة ابناء ثورة 14 تموز 1958 لتكون عنوانا للنزاهة والتفاني في تنفيذ المشاريع .. مشيرا الى المسؤولين الحكوميين في تلك الحقبة لم يكونوا فاسدين انما كانون يتسابقون من اجل تنفيذ مهامهم.
غياب الشفافية وظهور الضبابية في تنفيذ المشاريع
واشار الانصاري الى ان ضعف الحكومة يعد من الاسباب الرئيسة وراء غياب البناء الحقيقي لان هذا الضعف يؤدي الى ضعف القانون وغياب عوامل الردع للمتجاوزين على المال العام .. وغياب الشفافية ادى ضبابية الموقف وعدم معرفة الكثير من الاموال الكبيرة التي استحوذ عليها الفاسدون سواء من خلال العقود الوهمية او غيرها من الاساليب الملتوية .
وفي ختام الندوة اكد الدكتور مهدي الحافظ رئيس " معهد التقدم للسياسات الانمائية "ان هناك خللا بنيويا كبيرا ناتج عن ضعف الدولة وعدم قدرتها على ادارة الامور بنحو سليم .. مشيرا الى وجود مشكلة في ادارة الاموال العراقية .
 

الـبـصـرة كـمـا عـرفـتـها

بقلم الدكتور طلعت الخضيري
-----------------------------

يقول المثل الاماراتي "الي ميشوف البصرة يموت وبقلبة حسرة". او الأغنية البصراوية القائلة "أحيهَ واموت عالبصرة, خلت بقلبي حسرة، البصرة بيهه الزبير، بيهه النخل، وبيهه الخير ".

ولدت في البصرة سنه 1924 لذا سأسترد الذاكرة الى الفترة الواقعة بين سنه 1930 الى سنه 1946 حيث تركتها للدراسة خارج العراق.

سأحاول في ما سأكتبه شرح تلك الأيام والسنين وانا لست بمؤرخ او باحث اجتماعي وإنما استرد الذاكرة الى كل ما كان يدور حولي في تلك المدينة ولتلك الحقبة من الزمن.

سأكون أمينا مع نفسي في ما سأذكره وأتمنى ان يكون في ما أكتبه فائدة لأبناء هذا الجيل والأجيال القادمة، حيث العالم في تطور والمجتمعات في تطور، قد يكون نحو الأحسن أو نحو الأسوأ ولكن التطور هو سنه الحياه وكما كان يقول لنا مدرس التاريخ في ثانويه البصرة الأستاذ عبد الكريم المناصير- التأريخ هو مرآه للماضي ومنظار للمستقبل - فليكن في ما سأكتبه نوع من التأريخ الذي ذهب ولن يعود.

الجزء الأول - البصرة مفتاح العراق

موقع البصرة الجغرافي كان ولا يزال ارتباط العراق سواء برا او بحرا مع عدد من الدول المجاورة له. البصرة مرتبطة برا بالكويت وايران والسعودية، وبحرا مع دول الخليج الأخرى وكذلك مع دول افريقيا و الشرق الأقصى.

فكما نرى آثار السومريين في البحرين وغيرها من دول الخليج. نقرأ عن رحلات السندباد مغادرا البصرة الى جزر الشرق الأقصى البعيدة وحسب قول بعض العلماء الفرنسيين ان تلك الرحلات لم تكن كلها خياليه حيث وصف عادات شعوب حقيقيه واسماء جزر ليست خياليه حيث ذكر على سبيل المثال جزر الواق الواق البعيدة وهي موجوده واسمها الآن واكي واكي وايام الدولة العباسية كانت الأبله هي ميناء البصرة وقد تكون حسب بعض المؤرخين منطقه العشار الآن حيث سميت كذلك لما يؤخذ من العشر على البضائع القادمة اليها.

وما سأكتبه من احداث عاصرتها في الربع الثاني من القرن العشرين حيث تمت النقلة الحضارية من أيام الاحتلال ا لعثماني الى العصر الحديث بعد استقلال العراق الغير الكامل حيث بقى لمده طويله تحت التوجيه والنفوذ البريطاني.

سكان البصرة
--------------

قبل البحث عن ذلك يجب علينا اولا دراسة من هم سكان العراق وماهي جذورهم.
فإذا رجعنا الى التأريخ القديم، منذ أيام الحضارة السومرية وما بعدها لوجدنا أن الموجات البشرية استوطنت وادي الرافدين وقد قدمت من جميع الاتجاهات تارة من الجزيرة العربية وتاره اخرى من الشرق من البلاد الفارسية وتاره اخرى من الشمال لغربي او الشمال الشرقي كالحيثيون واليونايون، فالإسكندر المقدوني مثلا بعد وفاتة في مدينة بابل ترك من بعده خليفته سلوقس يبني عاصمته سلوقيا على الضفة الغربية من نهر دجله جنوب بغداد يقابلها على الضفة الشرقية عاصمه فارس المدائن وقد دام التواجد اليوناني حوالي مائتي سنه .

وتعرض العراق الى احتلال فارسي وعثماني وغيرهما مما ترك بالتأكيد بصمه على هويه سكانه.

أما البصرة كغيرها من موانئ العالم وما جاورها من دول فكان اهلها ايضا هم نتيجة امتزاج اقوام مختلفة من عشائر عربيه واقوام اخرى من بلاد فارس او الهند او افريقيا وغيرهم عاشوا وتعايشوا في هذا البلد الأمين فتميزت البصرة بعلمائها وأدباءها في العصر العباسي.

وفي الحقبة التي عشتها في البصرة نجد أهالي البصرة مزيج من الأقوام مع اختلاف الأديان والمذاهب فنجد المسلمين من المذهب السني والشيعي والمسيحيين بمختلف مذاهبهم من كاثوليك وأرثدوكس وبروتستانت كذلك اليهود والصابئة.

كذلك نجد أهالي البصرة مزيج من الوافدين اليها من انحاء العراق المختلفة او الدول المجاورة فالنجادة قادمون من نجد وسكن معظمهم قضاء الزبير والحساوية قدموا من الأحساء في المملكة العربية السعودية والبحارنة قدموا من البحرين كذلك كان هناك الكثير من ابناء الخليج من الكويت او الأمارات العربية او عُمان، كما كانت هناك جاليه إيرانية وهنديه وأخرى من أصول أفريقية وغيرهم.
كان أثرياء البصرة يشترون ويمتلكون العبيد وبالذات الأفارقة ممن يتم خطفهم او شرائهم على الساحل الشرقي في افريقيا وكانت جزيرة زنجبار من أهم مراكز تجارتها. وكان أثرياء البصرة كما هو حالهم في بغداد يمتلكون الكثير من هؤلاء.

وكان شيوخ العشائر في جنوب العراق يمتلكون ايضا الكثير من العبيد الأفارقة.

وتواجد الأفارقه في البصرة يرجع منذ العهد العباسي حيث حدثت ثوره الزنج في منطقه ابو الخصيب (احتمال المنطقة المجاورة لنهر أبو فلوس) وتم القضاء عليها من قبل الخليفة العباسي الواثق.

جغرافية البصرة
----------------

مدينه البصرة تقع على نهر شط العرب الذي هو نتيجة عن اتصال نهر الفرات ونهر دجله في القرنة كذلك يصب به رافد مهم شمال المعقل وهو نهر الكرمة ومصدره الأهوار الواقعة في السهول المنخفضة المتصلة بنهر الفرات ودجله ويمتد نهر شط العرب الى نحو مائه كيلومتر جنوب مدينه البصرة ويصب فيه في مدينه المحمرة الإيرانية نهر كارون المهم الذي هو مصدر مهم للمياه العذبة والرواسب الطينية في شط العرب حيث يحمل تيار المد مياهه شمالا نحو مدينه البصرة.

ومن الأنهر المهمة التي حفرت في العهد العباسي حسب ما أظن هم نهر الرباط جنوب المعقل ثم نهر الخندق شمال منطقه العشار ثم نهر العشار في منتصف منطقه العشار ثم نهر الخورة جنوب العشار ثم نهر السراجي جنوب منطقه البراضعية ثم انهر صغيره جنوبه حتى نهر ابو الخصيب وبعده نهر ابو فلوس.

وفي الضفة الشرقية لشط العرب جنوب قريه التنومه وما تسمى بقضاء شط العرب, يوجد نهر الصالحية الذي يتفرع من شط العرب في الجهة المقابلة لنهر الخورة ثم يمتد جنوباً ليلتقي مع شط العرب مره أخرى قرب أبو الخصيب.

بسبب كثره الأنهار وتعددها امتدت مزارع النخيل والأشجار المثمرة على ضفتي النهر وسأتحدث لاحقا عن الزراعة في البصرة.

وكانت مدينه البصرة قد بنيت عند الفتح الإسلامي في منطقه الزبير الآن أي حوالي 30 كيلومتر غرب شط لعرب في منطقه موقعه الجمل التي حدثت بين جيش الأمام علي رضي الله عنه وجيش السيدة عائشة ام المؤمنين زوجه الرسول رضي الله عنها وقتل بها الزبير ابن العوام رضي اللة عنه وطلحه ولا يزال مرقدهما هناك وبني في عهد الأمام علي رضي الله عنه اول مسجد في العراق وهو في شرق ناحيه الزبير اليوم وتبقى منه احد اركان جداره ويسمى خطأ بالمناره. وفي شماله على بعد حوالي عشره امتار كان متبقيا دار الأمام حيث كنا نشاهد بعض غرفه و مع الأسف لم يتم الحفاظ على هذا الإرث المهم وتهدم ما تبقى منه بعد سنين قليله.

على شط العرب وشمال نهر العشار كانت منطقه العشار ويعتقد انها كانت ميناء البصرة ألقديم الأبله ويذكر الدكتور طارق الكاتب في كتابه عن البصرة قد تكون منطقه العشار مدينه تأريخيه سومريه او غيرها وكان يتمنى في كتابه ان يتم المزيد من التنقيب الأثري فيها.

منطقه العشار محصورة بين نهر الخندق شمالا ونهر العشار جنوبا كانت مركز المدينة في العهد العثماني حيث توجد به القشله وهي مركز الحكومة آنذاك وكان بنائها موجود حتى الأربعينيات حيث كان مركز الشرطة في المدينة وكان هناك بناء على نهر العشار موقعه الآن جسر شارع الكويت يمتلكه الوالد وكانت به غرف به حواجز من القضبان الحديدية واعتقد انه كان سجن في العهد العثماني.

والعشار هو المركز التجاري للبصرة وكان به ميناء عثماني يقع على ضفة شط العرب وشمال صدر نهر العشار ترسو به الباخرة القادمة من الهند ولم يكن جنوب نهر العشار مأهولا حتى بدء شخص مسيحي اسمه المعلم عزيز بامتلاك الأراضي وبيعها لاحقاً فبنيت المنطقة جنوب النهر ومنها شارع الوطني الذي اصبح الشارع التجاري المهم في المنطقة وسميت المنطقة بالعزيزية.

أما شمال نهر العشار فكان شارعه المهم التجاري هو سوك المغايز وسمي بعد ذلك سوق الصيادلة وكان به أجمل المخازن التجارية التي كان يملكها الهنود مثل جاشيمال أو الصيدليات المهمة منها صيدليه الريحاني وصيمح وباكوس وجوليس وكان هاذا السوق يتقاطع مع سوق شعبي سموه شارع الخضيري حيث يقع عليه جامع الخضيري الذي بناه قاسم باشا الخضيري وهو جامع لأهل السنه وكان أمامه في الثلاثينيات السيد رشيد من أهالي تكريت كذلك كان هناك جامع اخر لأهل السنه على نهر العشار هو جامع الأمير او جامع مقام علي ويئمهُ المسلمون من الطائفتين السنيه والشيعية. وكان أمامه شهاب الدين القيسي وهو أخ أحد العلماء في بغداد وعم المصارع العراقي الأمريكي المشهور عدنان القيسي ألذي أشتهر في بغداد في السبعينيات.

وتوجد في العشار المتصرفية وما نسميه الآن المحافظة أما محله البصرة فهي مدينه اخرى تبعد حوالي خمس كيلومترات غرب العشار وتقع ايضا على نهر العشار نجد بها العوائل البصرية القديمة (منطقة الموفقية) والبيوت القديمة على طراز العهد العباسي، ولا تزال الى حد الأن بعض هذه البيوت ذات الشناشيل موجودة على ضفة نهر العشار والتي يتم صيانتها وادارتها من قبل الدولة ومنها بيت الوالي العثماني وسميت المنطقة ايضاً حي الباشا نسبهً الى هذا البيت.

بساتين النخيل
-------------

كانت البصرة تزهو ببساتين النخيل على ضفتي شط العرب. والنخلة تزرع كفسائل ويتطلب حوالي من ستة الى ثماني سنوات حتى تعطي ثمارها. وانواع التمر كثيره ومتنوعة اهمها البرحي والحلاوي والساير والخضراوي أما الزهدي فسعره منخفض ويصدر الى الهند وغيرها من الدول الفقيرة آنذاك.

الأنواع الجيدة كانت تنضف وتكبس في مكابس كثيره تسمى بالجراديغ واجود الشركات المصنعة للتمور كانت شركه أصفر (ولصاحبها لقب كونت من فرنسا وهو ايضا قنصل فخري لها) وشركه مارين وهاتين الشركتين كانتا تصنعان اجود انواع التمور المحشوة باللوز والجوز وتباع بالأسواق المحلية او تصدر الى اوربا وامريكا.

وقد وهب رب العالمين البصره مضخة طبيعية تصعد الماء في الجداول الكثيرة لسقي البساتين كل ست ساعات وذلك لحدوث ظاهره المد والجزر فسبحانه وتعالى بقدرته وبكرمه على البشر لم تكن البساتين بحاجة لأي مضخات ميكانيكية للسقاية.

وكان تفصيل البساتين منسق على الشكل التالي: لكل بستان منفذ مائي يسمى (الأردبه) يوصل الماء من شط العرب إلى النهر الرئيسي في البستان ومن هذا النهر تتفرع على الجانبين الأنهر الصغيرة ويزرع النخيل والأشجار المثمرة في المساحات بين الأنهر.

ومن أشجار الأثمار كانت تكثر أشجار البرتقال والنارنج والالنكي والطرنج والليمون الحلو والحامض وكذلك أشجار الرمان والتين والعنب وكانت تكثر في ابو الخصيب زراعه أشجار المانكه وفي الفاو شجيرات الحنه.

يقطف التمر عاده في شهر ايلول بعد ان كان في استمرار نضوجه يمر بمراحل مختلفة من النضوج من خلاله الى رطب ثم الى تمره.

وكان يباع أيضا سعف النخيل او الفسائل اتي تكثر حول النخلة ويستفاد ايضا من الكرب الذي هو اصل السعفة بعد تيبسه.

شباب العائلة في بستان قصر الوالد في البراضعية في نهايه الثلاثينيات

وكان في العادة أن تكون حصه الفلاح من المحصول هو الثُمن (1\8) من قيمه بيع التمور ويترك له مبلغ بيع السعف او الكرب وكان المالك يدفع اجور تنظيف الأنهار وصيانتها كذلك حرث الأرض وتسميدها.

وكان الفلاحين يعيشون في بيوت من الطين واكثرهم كانوا يمشون حفاه الأقدام والنخله تحتاج الى عنايه خاصه من تسميد وتلقيح وقص السعف وحراثه الأرض لمكافحه الأعشاب الضارة ومكافحه الحشرات (الدوباس) واخيرا قطف التمر الناضج.

وكانت الأنهار تنظف وترفع الأطيان من قعرها بصوره مستمرة بواسطه الفلاحين وباستعمالهم المسحاة وعاده بأجور يوميه .

كانت مياه المد تصعد عالية في الأنهر وخصوصا في ايام القمر وهو بدر. وكنا نسبح في النهر المجاور لبيتنا في قريه البراضعية أيام الصيف.

وكانت البواخر في شط العرب او في ميناء المعقل تنقل التمور المصدرة الى كل أنحاء العالم كذلك سفن الخليج الشراعية المسماة (البوم) تنقل التمور الى موانئ الخليج او الهند.

مزارع صحراء الزبير

---------------------

تمتد الصحراء غرب قضاء الزبير الى الجزيرة العربية. وتربه الصحراء غرب الزبير هي تربه قابله للزراعة لأنها متكونه من مزيج من الأتربة الناتجة عن ترسبات المياه العذبة والبحرية والرمال الصحراوية وكانت المنطقة كلها جزء من البحر والدليل على ذلك اننا نجد بها الأصداف البحرية المختلفة.

تكثر في المنطقة غابات شجره الأثل وهي شجره تشابه اوراقها اوراق شجره الصنوبر و لا تحتاج الا الى القليل من الماء وتقاوم حراره وجفاف الصحراء ويستفاد زارعوها من اخشابها. وفي ايام الربيع تكثر السفرات الى منطقة الاثل (كشتة) وينصب بعضهم الخيام الكبيرة حيث يقيمون فيها لعدة اسابيع لتكون كمنتزه لأهالي البصرة.
 يتواجد الكثير من ابار المياه الجوفية العذبة الصالحة للشرب و لزراعه بعض الخضروات وامتدت المزارع فيما بعد لزراعه الطماطم والبصل والثوم وغيرها من الخضروات حتى منطقه صفوان الحدودية مع الكويت.

الجزء الثاني - سكان البصرة

كما ذكرت يتوزع سكان البصرة على المناطق المختلفة التي كانت مقسمة الى محلات يقابلها في اللهجة المصرية الحارات لتكون مدن صغيره كالعشار والبصرة (أو تسمى البصرة القديمة) والزبير وابو الخصيب .

منطقه العشار كان يسكنها خليط من التجار والموظفين والكسبة والأجانب، بينما منطقه البصرة كانت تسكنها العوائل البصرية القديمة واليهود وغيرهم، اما الزبير فكان يسكنها الوافدون من نجد وهي في تماس مع الصحراء المشتركة مع دولة الكويت والمملكة العربية السعودية.

واذا اتجهنا الى الجنوب فسنمر على بساتين النخيل والقرى المختلفة ومنها البراضعية والسراجي ومهيجران وعويسيان وابو مغيره وابو الجوزي والسبيليات وغيرها حتى نصل الى ابو الخصيب وهي مدينه صغيره تكثر بها البيوت القديمة والأزقة الضيقة ويسكنها الكثير من الأهالي من الأصل الخليجي .

وكان يربط العشار بأبو الخصيب طريق جميل جدا متعرج تحوطه البساتين وقد زرع احد المتصرفين على جانبيه اشجار اوراد الدفلة ذات الألوان المختلفة. ويخترق الطريق انهار وجسور كثيره.

أما في شمال مدينه البصرة فتوجد مناطق الأهوار وهي مساحات مائية كبيره تكثر بها الطيور المهاجرة وبها خزين كبير من الأسماك ويسكنها صيادي السمك ومربي الجواميس وهي ابقار سوداء ويسمى مربيها المعدان. أما بقيه العشائر في المنطقة فهم خليط من عشائر لهم صلات قرابة مع سكان مدينه العمارة والناصرية والبصرة.

تجار البصرة
-------------

كان تجار البصرة اكثرهم من الوافدين عليها من مناطق العراق المختلفة او القادمين من نجد او الخليج العربي او ايران او الهند او الشركات الأجنبية المختلفة .

ومن التجار في ذلك الوقت كان من عائلتنا الوالد عبد الوهاب وكان في الأربعينيات رئيس غرفه زراعه البصرة واخيه هاشم وكان في نفس المدة رئيس غرفه تجاره البصرة وفالح وعطا وثابت وعبد الجبار (وولده عبد الكريم) وجعفر. ومن التجار ايضا عبد الرزاق السبتي صاحب اكبر حمام في العشار وعائله الرحماني ومن النجادة الوافدين من نجد عوائل كثيره منهم حمد و سليمان الذكير والعقيل والبسام والمهيدب وعبد اللطيف المنديل وعبد المحسن الشعيبي ومن اصل كويتي عائله الصباح وكان منهم زميلي في الدراسة الثانوية الشيخ ناصر الصباح وعائله النقيب ومنهم السيد هاشم وكان لديه لقب نقيب الأشراف والسيد حامد النقيب (وأحد اولادة وأسمة محمود كان زميلي في الدراسة). عائله البدر تسمى في الكويت بالجناعات وتسمى ايضا بعائله السالم البدر وعائله جاسم الصقر والغانم وثنيان الجاسم (وكان بعض أولادة زملائي بالدراسة) وعائلة الحمد وكان ابنه محمد زميل اخي في الدراسة (وعين في الستينيات من القرن الماضي سفير دولة الكويت في بغداد) وغيرهم.

ومن عوائل البصرة القديمة عائله الزهير وبركات والنعمة والرِشيد والعبد الواحد (والمعروف منهم محمد سعيد العبد الواحد وصالح العبد الواحد) ثم عائله باش اعيان وهي عائله اعطيت لقب باش اعيان من الحكومة العثمانية اي رئيس الأعيان وذات اصل يرجع الى اشراف العهد العباسي واشتهر منهم صالح الباشاعيان وعائله المناصير ومنهم الحاج مصطفى المناصير والرديني والكرطاس وعائله الشيخ خزعل أمير المحمرة السابق الذي توفى في سجنه في طهران بعد الحرب العالمية الأولى ونزحت عائلته للبصرة ومنهم ولده جاسب واخوته.

ومن الطائفة المسيحية كان الكونت اصفر وهو قنصل فخري لفرنسا وصاحب مكبس من اجود انواع التمور يشابهه في ذلك عائله مارين والتاجر عبد الكريم الصايغ.

ومن العوائل اليهودية كانت عائله لاوي وقد يكون الاسم الصحيح ليفي وعائله عدس والعائلتين لديهم وكالات سيارات فورد وشوفروليت في البصرة كذلك من العوائل الأخرى طويق ويعقوب نوح ومير شنطوب وكوهين وغيرهم. وهناك عوائل بصريه اخرى اعتذر لعدم المامي بهم جيدا.

دور السكن
-----------

كان الفرق شاسع بين الطبقات الاجتماعية آن ذاك، صنفت حسب الإمكانيات المالية.

فكان هناك من يسكن الصرائف وهي اكواخ من القصب كذلك البيوت المبنية من الطين او البيوت البسيطة المبنية من الطابوق واخيراً القصور.

والبيوت الكبيرة التي هي من العصر العباسي او ما اقدم من ذلك كانت كالبيوت البغدادية القديمة مكونه من مدخل إسمه (المجاز) ثم يليه فسحه كبيره مفروشه بالطابوق المربع (الفرشي) الكبير ويسمى (الحوش) ويحيطه طابقين من الغرف والمرافق المختلفة اما الطابق العلوي فيكون عاده ذو شرفه مربعه تطل على الطابق الأرضي ويكون فيه غرف للسكن.

وفي أكثر البيوت البصرية كانت هناك غرفه تسمى ديوانيه للضيوف الرجال والأخرى تسمى الحريم للنساء.

وكان هناك ما يسمى بالخان. وكان والدي يملك واحداً على ضفة نهر العشار قرب ساعة سورين ويتألف من طابق أرضي يحتوي على مكاتب تجارية ومخازن البضائع المستوردة كالاعاب اليابانية، أما الطابق العلوي فقد كان بمثابه فندق ويسمى مسافرخانة.

قصور البصرة

---------------

كانت البصرة تضم عدة قصور جميله, في ما يلي بعض التفاصيل:

1- قصر سيد طالب النقيب.

وهو قصر كبير اصبح الأن اطلال ويقع في منطقه السبيليات قرب أبو الخصيب ومع الأسف لم تعمل له ايه صيانه ويسكنه الأن المهجرون من اهالي الفاو وغيرهم.

والقصر يقع على ضفاف شط العرب وكان صاحبه من رجال السياسة المتنفذين وكانت لديه مليشيات أيام الحكم العثماني ثم عين وزير داخليه في بداية الحكم الملكي ونفاه الإنكليز بعد ذلك الى الهند حيث توفى هناك. وعلى ما أتذكر ان السفينة البحرية التي نقلت جثمانهُ مرت امام بيتنا ليلاًً وكانت مضائه بمصابيح كثيرة وقيل أن عبدالرزاق المير (سمي فيما بعد الأمير) كان يرافق السيد طالب النقيب في الهند وعاد مع نعشهِ.

2- قصر أغا جعفر.

ويقع في قريه السراجي التابعة لقضاء ابو الخصيب في جنوب قريه البراضعية. يسمى ايضا قصر ابو السباع حيث يوجد تمثالين لأسدين أمام القصر يقودان الى درج ينحدر الى النهر.

والقصر يقع على ضفاف شط العرب وبجانبه نهر السراجي. والقصر كبير الحجم ذو هندسه معماريه جميله وشرفات تطل على شط العرب. استملكته الدولة في السبعينيات من القرن الماضي وصار جزء من منتزه السراجي ثم اصبح بعد ذلك جزء من القصور الرئاسية في التسعينيات وجدد حسب أوامر الرئيس السابق واحيطت به البحيرات واصبح بعد ذلك جزء من القصور الرئاسية ان ذاك والتي اصبحت في عام 2003 مركز قياده القوات البريطانية.

3- قصر الحاج عبد الوهاب الخضيري (والدي).

بني سنه 1932 وازيل من قبل الدولة سنه 1952 لعمل كورنيش البراضعية.

والقصر من اجمل قصور البصرة واسع ذو طابقين تحيط الطابق الثاني شرفه على جهاته الثلاثة. ويقع القصر في قريه البراضعية وعلى ضفاف شط العرب. وتحيطه عده حدائق وبستان مساحتها مايقارب الخمس دونمات.

4- قصر سيد هاشم النقيب.

ويقع على ضفاف شط العرب (محاذياً لما عرف فيما بعد الكورنيش ومجاوراً لفندق شيراتون الان) جنوب نهر العشار وهو قصر كبير وجميل واصبح بعد ذلك متحف.

5- قصر محمد خلف العبد الواحد.

ويقع على ضفة نهر العشار قرب المتصرفية. وهو قصر جميل ذو هندسة خاصه به تعلوه القباب البيضاء وقد ازيل في الستينيات من القرن الماضي لعمل كورنيش نهر العشار.

وهناك قصور اخرى امثال قصر سيد حامد النقيب في محله البصرة وقصر عبد الجبار الخضيري على ضفة نهر العشار وقصر عبد الرزاق المير في محله الخربطلية جنوب المعقل وقصر القنصلية البريطانية على ضفاف شط العرب (قرب جسر التنومة العائم) والذي اصبح بعد ذلك مقر جامعه البصرة ويجاورهُ قصور عبد اللطيف المنديل وعبد المحسن الشعيبي.
كذلك اود ذكر بيوت الشناشيل في محله البصرة القديمة في محله الموفقية وما تسمى ايضا محله الباشا حيث قصر الوالي التركي أبان الحكم العثماني وعلى ضفاف نهر العشار وغيرها من بيوت عوائل البصرة الواسعة في محله البصرة. كذلك قصر هاشم الخضيري و صالح العبد الواحد في البراضعية وهما قرب قصر الوالد.
وعلى الضفة الشرقية من شط العرب في منطقه كوت الجوع القريبة من نهر الصالحية يوجد قصر عبد الكاظم الشمخاني وهو قصر جميل فيه شرفة واسعة ومحاط ببستان نخيل.

الأديان والمذاهب المختلفة
---------------------------

كان المسلمون في البصرة من المذهبين السني والشيعي وتكون النسبة مختلطه في أحياء المدينة المختلفة ثم يكثر اتباع المذهب الشيعي حول المدينة بينما يكون المذهب السني هو السائد في ابو الخصيب والزبير.

وكان اتباع الطائفة اليهودية والمسيحية والصابئة حالهم كحال المسلمين يعيشون كلهم في سلام واحترام كلٌ لهُ دينه او مذهبه. فكانت المساجد السنية والشيعية تتجاور لبعضها. أما الكنائس المسيحية فكانت في منطقة العشار. أما مركز العبادة اليهودي فكان في محله البصرة القديمة.

وكان لأتباع المذهب السني جامعين في العشار أولهما جامع الخضيري الذي بناه في وسط محله العشار قاسم باشا الخضيري وكان الوالد يقوم بأموره من بعده وكان امام الجامع من اهالي تكريت لمده طويله. أما الجامع الأخر فهو جامع المقام (جامع الأمير) والذي يقع على صدر نهر العشار وكان إمامهُ شهاب الدين القيسي ويقصدهُ اتباع المذهب الشيعي ايضاً.

وكانت في محله البصرة جوامع قديمة متعددة سنية أقدمها جامع الكواز الذي بني قبل حوالي الأربعمائة سنه من قبل عائلة باشا أعيان وبه مقبرة عائلتهم.
أما اتباع المذهب الشيعي فكانت لهم جوامع متعددة سواء بالبصرة او بالعشار او القرى الأخرى. وكان من اشهر علمائهم الميرزا جمال الدين والسيد عبد الله الموسوي.

وفي الزبير يوجد جامع الزبير حيث به قبر الصحابي الزبير ابن العوام رضي الله عنه وفي شرق المدينة أطلال جامع الأمام علي رضي الله عنه وهو اثر لما بناه الأمام علي رضي الله عنه وقربه (بجوار طريق الكويت البصرة) يوجد مرقد طلحه الذي استشهد في موقعه الجمل. أما المسيحيون فكانت لهم كنيسه قرب نهر الخندق ذات قبه كبيره وكنيسه اخرى قرب سوق المغايز وكنيسه بناها الجيش البريطاني بروتستانتيه قرب مدخل نهر العشار وكان للأرمن ايضاً دار عباده خاصه بهم وهم من طائفه الأرثدوكس.
وكان لليهود معبدهم في محله البصرة وكان لديهم حاخام معتمد يرأس شؤون الطائفة الدينية.
وكان التعايش تام بين جميع الأديان والطوائف والاحترام متبادل بين جميع افرادها.

اللغات الدارجة
----------------
كانت اللغة الدارجة او ما تسمى بالعامية مزيج من اللغة العربية الفصحى وكلمات عربية محرفة، وقد نبهنا بذلك مدرسنا للغة العربية في مدرسه الثانوية (الإعدادية) وهو مصري الجنسية الذي عين بعد ذلك مدرس في دار المعلمين في بغداد اننا نتكلم الكثير من الكلمات العربية الفصحى القديمة كما أن موقع البصرة الجغرافي وتماسها مع دول اخرى لا تتكلم العربية كذلك أن الاحتلال العثماني الذي طال حوالي الأربعمائة سنه على العراق ككل ترك بصماته على اللهجة العراقية والبصرية على الخصوص فكما كنا نستعمل الكلمات الإيرانية أمثال (جاي خانه، بوسطه خانه) وغيرها كنا نستعمل الكلمات التركية أمثال (الكوزلغ) اي العوينات والبوينباغ أي الرباط وغيرها من الكلمات التركية.
وتركت اللغة الإنكليزية اثرها ايضا فكل الأجزاء الميكانيكية للسيارة كانت اسماء بريطانية محرفه.
وهناك اللهجة الخاصة بأهالي البصرة القدماء واللهجة البغدادية او الموصلية وغيرها للوافدين على المدينة وكانت اللغة الدارجة للمسيحين تقارب اللهجة الموصلية حيث كان اكثرهم وافدين منها طالبين الرزق في البصرة. أما الطائفة اليهودية فكانت لهم لهجتهم وكلماتهم العامية الخاصة بهم ايضا و المشابهة ايضا للهجه الموصلية. والصابئة كانت لغتهم تقارب سكان مدينه العمارة وما حولها حيث الكثير منهم قدموا من تلك المنطقة.

لباس أهل البصرة
-----------------
قبل استقلال البلاد في العشرينيات كان اللباس السائد عند أهالي القرى الدشداشة وفي المناسبات يلبس الشخص العباءة ويغطي رأسه بالكوفية (الجفية) بدون عقال ويكون لونها اسود وابيض لأهالي البصرة وابيض واحمر للنجادة ويلبس الناس النعال الجلدي بدل الحذاء.
أما التجار من الأصل البغدادي فكانوا يلبسون الملابس الصفراء اللون. ومتكونه من عمامة صفراء تسمى الكشيدة، وزبون (شبه المعطف)، واليمني (حذاء لونه احمر او اصفر) او حذاء عادي، و يلبسون حزام من القماش او الجلد، ثم تلبس العباية.

ويلبس موظفي الدولة ووجهاء المدينة الملابس الأوربية ويسمى (باش بوزغ) ويضعون على رؤوسهم الطربوش الأحمر ثم تلته بعد ذلك السداره التي صممها الملك فيصل الأول وتسمى ايضا بالفيصليه.

أما علماء الدين فالسنة يلبسون الطربوش الأحمر يلف حولهُ القماش الأبيض ثم الملابس العربية من رداء طويل ويكون لعلماء الشيعة ايضا اما طربوش احمر يلف حولهُ القماش الأخضر (السيدية) او العمامة السوداء أو البيضاء.

ورجال الدين المسيحيون لهم لباسهم الخاص الملون بالأسود والأحمر ويتدلى الصليب على صدورهم أما الحاخام اليهودي فيكون لباسه الأسود مع عمامة سوداء.

ورجال الدين الصابئة يلبسون كوفيه بيضاء ودشداشه وعبائه وتكون لحاهم طويله.
 أما نساء البصرة فكان البعض منهن وبخاصه من الأصل البغدادي يلفون رؤسهم بالعصْابًه السوداء ويغطين وجوههن بالبوشية السوداء ويلبسن رداء اسود يسمى بالصْايًه وتكون ملابسهم سوداء ثم العباءة وينتعلن في ارجلهن البابوج الأسود.

أما نساء القرى فكن يلبسن العباءة ويلففن حول الوجه قماش اسود يسمى الفوطه بدون غطاء وجه (البوشي) واذا صادفت امرأه رجل في طريقها فتغطي وجهها بالعباءة ويلبسن النعال الأسود. ونساء الأهوار كن يلبسنَ ثياب سوداء وتضع المسنات منهن على رؤسهن عمامة سوداء واحياناً تغرز الشابات في انفهن حلقة من الذهب وتسمى الخزامه. ومن الملابس الأخرى للنساء الثوب الهاشمي الذي هو ايضا منتشر في دول الخليج ويشبه الساري الهندي.

وصادفت ذات مره امراه مسيحيه ذاهبه للكنيسة وهي تلبس عبائه ملونه وتغطي وجهها ببرقع ملون وكانت هذه عاده النساء المسيحيات في الموصل او بغداد حسب ظني. وتلى بعد ذلك في الثلاثينيات الجيل الجديد من البنات والشابات السافرات. وكانت الشابات وطالبات المدارس سافرات يلبسن الملابس الحديثة.

وكانت من مظاهر الزينة التي انقرضت الان لبس حلقة كبيرة من الذهب في اسفل الساق اي فوق الكعب وتسمى الحجل، اما ما يلبسة الاطفال فتكون حلقة ذهبية تحاط بها أجراس ذهبية صغيرة وتسمى الجناجل. وكانت تلبس ايضاً في الزند حلقة اخرى من الذهب وفي الغالب تكون على شكل افعى وتسمى الزنادي. وكان عقد الذهب المتدلي من الرقبة يسمى كردانة. وأحيانا تلبس النساء القرويات وبالأخص في الأهوار حلقه ذهبيه توضع في شحمه الأنف وتسمى (خزامه) واطلق هاذا الأسم في بغداد على مدفع عثماني ضخم وسمي طوب أبو خزامه.

الأسماء
--------

كان اهل السنه يقلدون الأتراك بتسميه اولادهم وبناتهم امثال الأسماء طلعت ومدحت ونشأت وغيرها كذلك تسبق كلمة عبد أسم الجلالة امثال عبد الوهاب وعبد الجبار، أو اسماء الرسول صلى الله عليه وسلم. اما الطائفة الشيعية فكانت تكثر لديهم الأسماء التي تسبق بعبد لأسم الجلالة او اسماء ألأمه الاثني عشر امثال عبد علي وعبد الحسين عبد الحسن وعبد الزهرة وغيرها، او اسماء الرسول صلى الله عليه وسلم.

وكانت الطائفة المسيحية تسمي اولادها وبناتها بأسماء العائلة المالكة البريطانية امثال فكتور وفكتوريا والبير والبرتين وادوارد واحياناً عبد المسيح. أما اسماء اليهود فكانت مشابه لأسماء ما ذكر من انبيائهم امثال عزرا وحسقيل وكوهين وغيرها. كان الصابئه يسمون اولادهم بأسماء عربيه عاديه ليس لها صبغه دينيه.

الحِرف المختلفة
----------------

الأطباء
كان هناك أطباء هنود قدموا مع الجيش البريطاني ثم استقروا بعد الحرب العالمية الأولى في البصرة ومنهم الدكتور ديفد وهو طبيب باطنيه حاذق عمل في عيادته الخاصة بالعشار حتى وفاته في السبعينيات وكان هناك ايضا الدكتور بورانسيك طبيب امراض العيون وهو من طائفه السيخ الهندية وكان يلبس العمامة وفقد امواله في التجارة في الخمسينيات ثم هاجر الى دول الخليج والدكتور لامير الهندي وكان جراح.

ومن العراقيين كان الدكتور وداد الكاتب من أصل حلبي واستقر بالبصرة و كان مدير مستشفى البصرة والدكتور لويس يلده والدكتور جمال الفحام من اصل سوري برع في التجارة ايضا ومن اوائل خريجي الكلية الطبية العراقية كان الدكتور محمد حسين السعدي جراح مشهور امتلك مستشفى وعمل في مستشفى البصرة حتى السبعينيات والدكتور الحمداني والدكتور جلال الخضيري والدكتور شمس الدين النقيب خريج بريطانيا والدكتور عتيشه وخلوف من لبنان وعبد الحميد الطوخي من مصر وطبيب الأسنان الوحيد في البصرة في الثلاثينيات كان الدكتور صبيح مصطفى وكان قد درس طب الأسنان في دمشق.

المحامون
----------

اشتهر منهم حسن عبد الرحمان العاني وعبد الرحمان العمر وكان الأثنان اصحاب كفائه وذمه. كذلك المحامي محمد أحمد خان بهادر وهو من أصل ايراني اتقن اللغة العربية وكان قد قدم الى البصرة بعد الحرب العالمية الأولى وكان يمتلك مكتبه كبيره وتقلد منصب نقيب المحامين لبعض الوقت والمحامي إسكندر منصور كان ايضا من مشاهير المحامين في البصرة وحسين الجميل ومكي الجميل وعبد الجليل برتو.

التجار
------

كانت التجارة متنوعه فمنهم من كان يمارس تجاره القومسيون مثل الوالد حيث كانوا يستلمون الحبوب من جميع انحاء العراق حيث تخزن وتنظف في سقائف كانت تسمى بالأسياف واكثرها في محله الخندق او ما تسمى ايضا مقام علي ثم تباع الى تجار التصدير الى الخارج ويأخذ تاجر القومسيون عمولته عن ذلك كما كان هناك مكبسي التمور او مستوردي البضائع من اوربا او اليابان وغيرها من الدول او تجار السوق المحلية.
وتمور البصره يتم تصديرها الى جميع أنحاء العالم حيث تغلف بعبوات جيده واحيانا تحشى التمور بالجوز او اللوز وتعقم قبل تصديرها ضد التسوس او الحشرات والرخيصه منها تصدر بعبوات كبيره من أوراق السعف التي تسمى بالخصاف وتصدر للهند اوغيرها من دول الشرق الأقصى.

وكانت أكثر عوائل البصرة تمتلك مزارع النخيل وتعيش من أيرادها، ويطلق عليهم إسم الملاكهَ.
وكانت البصرة مركز الشركات التجارية الأجنبية وشركات التأمين ولم تكن هناك مصارف عراقية وإنما بريطانية منها البنك العثماني الذي كان يقع في موقع مصرف الرافدين بالعشار الآن وكان هناك بنك اخر اسمه ايسترن بنك.

الصياغ
--------

كان الحرفيون في صياغه الذهب من الصابئة وأشهرهم زهرون كان هناك أيضا من الطائفة اليهودية والمسيحية من يمارس تلك المهنة.وكانت المصوغات في غايه الدقه والجمال اما ذهبيه أو فظيه وتطلى بماده ملونه تسمى المينه.. واشتهر زهرون بعمل النخله الفضيه ويكون التمر المدلى منها من الذهب وكانت تهدى ألى الملوك و كبار الشخصيات.

النجارون
----------

هؤلاء الحرفيون الذين ساهموا في تشييد قصور البصرة وعمل الأثاث المنزلية وبعضها مشابه للأثاث الهندي.

البناؤون
--------

وكان يسمى البنه (الأسطة) وبرعوا في مهنتهم التقليدية ومنهم الكثير من أهالي بغداد وهم الذين بنو قصور البصره الجميله بدون الأستعانه بأي عامل أجنبي.

الفنانون
--------

لم تشهد البصرة في تلك الحقبة نهضه فنيه لا في الغناء ولا في الرسم . ولكن كانت هناك فرق شعبية رجالية يشابه غنائها الغناء الخليجي وفرق شعبيه نسائيه من أصل أفريقي يسمون بالدكاكة.
وقد زارت البصرة فرقه الممثل المصري يوسف وهبي وبضمنها الممثلة أمينه رزق وأدت مسرحيات مختلفة لمده اسبوع في مسرح أقيم في أحدى الساحات وقد شاهدت مسرحيه على كرسي الاعتراف كذلك زارت الفنانة المصرية فاطمه رشدي البصرة مرتين وقد شاهدت لها على مسرح سينما الحمراء مسرحيه قيس وليلى وقد ادت الفنانة فاطمه رشدي بها دور قيس. وكذلك زارت البصرة المطربه المصرية المشهورة نادرة وغنت في إحدى الملاهي.

وكانت في البصرة دارين للسينما الأولى تسمى الحمراء لصاحبيها عبود و حبيب الملاك وكانت تقع قرب ساحه أم البروم في العشار والأخرى سينما الوطني لصاحبها عبدالمجيد سلومي في شارع الوطني في العشار وكان هناك في الأربعينيات سينما صيفيه كانت تسمى ايضا سينما الوطني الصيفية في العشار واخرى لقريبي عبد الكريم الخضيري واسمها شط العرب وكان يشتري ايضاً الافلام المصرية ومنها مانال نجاحاً كبيراً وأخص منها فلم عنتر وعبلة وفلم القلب له واحد لصباح.

وكانت الأفلام السينمائية في البداية صامتة أمثال أفلام شارلي شابلن و ميكي ماوس ثم تلتها الأفلام الناطقة الغير ملونة وبعدها في بداية الأربعينيات بدأ عرض الأفلام الملونة وتسمى تكني كولور ومن أشهرها كان الفلم الأجنبي حرامي بغداد.

وكان هناك ملهى شرقي يطل على ساحه ام البروم اسمه ملهى الفارابي وخلال الحرب العالمية الثانية كان هناك ملهى غربي في العشار مقابل مبنى المتصرفية تعمل به راقصات أجنبيات ويسمون بالكيت كات.

اما بالنسبة للمذياع (راديو) في ذلك الزمن، كانت الاجهزة كهربائية وكبيرة الحجم وتستعمل ثلاث موجات قصيرة ومتوسطة وطويلة والأصوات المستلمة كثيرة الضوضاء (وشوشة).
وفي الثلاثينيات كنا نستمع الى اذاعة قصر الزهور التي كان يديرها الملك غازي وايضاً كانت هناك اذاعة بغداد.

وفي فترة الحرب كنا نتتبع اخبارها من اذاعه لندن واذاعة الشرق الاوسط التي كانت تبث من مدينة يافا والتي زرتها في سنة 1944 عندما ذهبنا لعلاج اخي وكذلك اذاعة برلين وكان مذيعها يونس بحري وهذه الاذاعة كان الاستماع اليها ممنوع خلال الحرب ويرسل المخالف الى المعتقلات التي أسست في منطقة الفاو والعمارة طوال فترة الحرب.

النوادي
---------

كان هناك نادي الميناء في المعقل وأعضائه غالبيتهم من الأجانب والقليل من العراقيين واستمر في وجوده حتى يومنا هاذا والأخر نادي الموظفين في العشار ويقع قرب ساحه تمثال أسد بابل الأن وكان أعضائه من موظفي الدولة والشخصيات من أهالي البصرة.
ألمقاهي الشعبيه
ألمقاهي الشعبيه انتشرت في العشار في الشارع الممتد من شارع المغايز وحتى ساحه أم البروم حيث تمتد الأرائك الخشبيه ويتمتع روادها بالشاي يوزع عليهم في الأستكانات وهي اقداح صغيره ممزوجا بكثير من السكر وشديد الحراره بحيث يسكب شاربه بعضه في الصحن الصغير الموضوع تحت الأستكانه ويرتشفه تدريجيا.
وفي ذالك الشارع كان يوجد محل الدوندرمه التي تسمى الأن ايس كريم وكان صاحبه أيراني الجنسيه وأسمه زينل واشتهر بألذ أنواع الدوندرمه بنكهاتها المختلفه من الفواكه.
وكانت قهوه التجار تقع قرب جامع الخضيري يؤمها التجار صباحا وتكون بمثابه البورصه حيث يتتبعون حاله السوق وينتشر بينهم الدلالون للتفاوض على البيع والشراء.. وكنت أمر عليها صباح كل يوم في طريقي الى مدرستي الأبتدائيه وارى الوالد والأقارب وغيرهم من التجار يتداولون فيما بينهم.

الصحافة
---------

كانت هناك صحيفتان هما الناس لعبد القادر السياب والثغر لأحد أفراد عائله النعمة. ومن كُتاب البصرة ايضاً الكاتب طه الفياض ..واكثر ما يكتب بها هي الأخبار المحليه فكانت رقابه الحكومه شديده على الصحف والمجلات وكانت تغلق بأمرها من حين لأخر ومن الصحف في تلك الفترة صحيفه حبزبوز الهزليه الأنتقاديه واخرى للشاعر الكرخي تصدران في بغداد ونتلهف على قرائتها وكان الملا عبود الكرخي يصل البصره لاستلام الأشتراكات وويل للذي لايشترك في جريدته حيث كان عرضة للهجاء بقصيده من قصائد صاحب الجريده وبعكس ذالك فالمدح يكال على من يكرمه واحدهم اطلق عليه الكرخي لقب صاحب العطوفة. وكان والدي يستظيفه عند اقامته في البصره في الفندق الذي كان يملكه والمطل على نهر العشار..

العملات النقدية
----------------
في بداية الثلاثينيات كنا نتعامل بالعملة الهندية اي الروبية والبيزة والقران والعانة ثم دخلت العملة العراقية من دينار وريال وهو مائتين فلس ثم الدرهم وهو خمسون فلس والعشرين فلس ثم الأربعة فلوس ثم الفلس حسب ما أتذكر.

الجزء الثالث -- الأعياد والمناسبات الاجتماعية والدينية

أعياد المسلمين

قبل عيدي الفطر والأضحى يذهب الأهل لشراء الملابس والأحذية الجديدة لهم ولأولادهم ونذهب جميعا للحلاق ومساء العيد نستحم جميعا وكان الحمام به خزان ماء يغلى بإشعال الخشب والأحطاب تحته وتمتد الحرارة الى ارضيه الحمام ويمتلئ الهواء ببخار الماء الرطب الحار.

وفي صباح العيد نذهب لتقبيل أيادي الوالد ونستلم العيدية ونقبل الوالدة وتنصب في المدينة والقرى (دواليب الهوا) حيث يذهب الأطفال بملابس العيد الزاهية.

أما في عائلتنا فكان الوالد يدعو الأقارب لتناول الغداء واحيانا يدعوهم إلى سفرات الى بستان المطوعة المقابلة الى مدينه المحمرة الإيرانية ويكون الذهاب اليها بالماطور (الزورق الميكانيكي) ونشاهد على الساحل الإيراني أطلال قصر الشيخ خزعل (الفِيليهَ) ثم تمثال ملك ايران رضا بهلوي على ضفة تلاقي شط العرب ونهر الكارون مؤشرا بيده نحو شط العرب وكان يرسو على ضفاف نهر الكارون بعض البواخر الحربية الإيرانية للتباهي بها. وكنا نقضي اليوم بكامله في البستان مع ضيوفنا .
 وكانت هناك سفره اخرى الى اطلال أور في أحد الأعياد وكانت السفرة شاقه حيث لم يكن الطريق واضح او معبد وقد تهنى لعده مرات قبل وصولنا إلى هدفنا. وفي ما يلي صورة عائلية لتلك السفرة.

وكان لقصر الوالد بستان كبيره بها علاوة على النخيل انواع الأشجار المثمرة من تين وبرتقال والليمون الحلو والللالنكي والرمان وشجره مانكة كذلك كانت هناك (قمريه) وهي سقف من الخشب المتقاطع تتسلق عليها اثمار العنب كذلك كانت مختلف الأنواع من الورود منها اوراد الجوري والياسمين والرازقي فكنا نسرح ونمرح بها طول ايام العيد وكان لدينا زورق بغدادي (جلبوت) نتنزه به فوق مياه شط العرب حيث تكثر في أيام العيد الأبلام العشارية والماطورات وعليها كل اجناس البشر مستبشرين وينطلق بعضهم بالأغاني تصاحبها احيانا الأدوات الموسيقية المتنوعة من عود وكمان وطبله (دنبك) ودف.

وفي أحد الأعياد ذهبت مع طلاب مدرستنا الابتدائية صباح اول أيام العيد أمام دار المتصرفية حيث خرج على احد شرفاتها السيد هاشم النقيب وكان يسمى نقيب الأشراف وكان شيخا وقورا يلبس الكشيده البيضاء والزي العربي ودعى الى صلاح الأمه وإلى رفاهيتها. وصباح احد الأعياد أيضا ذهبت مع بقيه طلبه مدرستنا الابتدائية نجمع التبرعات لفلسطين ونضع شاره من القماش الأسود على صدر من يتبرع لنا بالنقود التي توضع في صندوق صغير كنا نحمله لذلك الغرض.

الأعياد المسيحية
----------------

تحتفل الطائفة المسيحية بعيد ولاده المسيح (الكريسمس) وتدق اجراس الكنائس ويتوجه الناس اليها بملابسهم الجديدة وقد دعينا ونحن اطفال لدى عائله الدكتور خلوف اللبناني وشاهدنا المراسيم والشجرة المزينة بالمصابيح الملونة كذلك تمثيليه عن ولاده المسيح.

وفي عيد رأس السنه الميلادية كان الوالد يدعى اليها ويوزع علينا في اليوم التالي طرابيش الورق الملونة والصفارات وغيرها مما كانت تعطى له في الحفلة ولتواجد الشركات الأجنبية والقنصليات كان الوالد يذهب اليها بالزي الأسود (ألأسموكنك).

أعياد اليهود
-----------

كان للطائفة اليهودية أعيادها ايضا وكان في أحدها يقام قوس من النخيل امام بيوتهم يسمى العرزوله وما كنا نعرف الكثير عن أعيادهم.

الصابئة
--------
كانت لهم ايضا أعيادهم ولم يكن لنا إلمام بها.

شهر رمضان

-------------

كان بالنسبة لنا كأطفال أو صبيان هو شهر الأكلات اللذيذة، حيث يتفنن الطباخ بتقديم أنواع المشويات من كباب وغيره والحلويات المختلفة من محلبي وكلاج وانواع القيمر مع الدبس والبقلاوة وغيرها .

وكان الوالد يدعو الأقارب للإفطار طوال ايام شهر رمضان ويعمل ايضا وليمتين متتاليتين لأهالي قريه البراضعية ويقسمون على وجبتين كل وجبه حوالي عشرون ضيفا.

وأتذكر أنه عندما يحين موعد الإفطار مع الأقارب تبدأ عصبيتهم قبل الإفطار وينظرون الى الوقت في الساعة العربية في انتظار موعد الإفطار. ويقول بعظهم الآن الساعة الهَ جارك اي تبقى ربع ساعه الى الأفطار واخيراً يصيح احدهم بفرح (طبكت الساعة) أي حان وقت الإفطار.

عاشوراء
---------

كانت الأيام العشرة لأحياء ذكرى استشهاد الأمام الحسين رضي الله عنه أيام حزينة حيث تقام به قراءة فصول استشهاد حفيد الرسول واصحابه الكرام يوميا في المساجد والحسينيات الشيعية كذلك وتكون هناك (قرايات) للرجال واخرى للنساء تقرأها لهن (الملايه). وتسير مواكب الضاربين انفسهم بالزناجيل على الظهر او القامات على الجبين او يسير البعض وهم يلطمون صدورهم المكشوفه بأيديهم. وتنتهي المراسيم في ظهر اليوم العاشر بقرائه شامله ليوم الاستشهاد واحياناً تعمل (التشابيه) في الشوارع يقوم بها ممثلون يمثلون بها استشهاد الأمام رضي الله عنه وأصحابه الكرام.

وفي منتصف اليوم العاشر تقام ولائم الغداء في جميع انحاء المدينة وهي عاده (الهريس) تطبخ في جدور كبير معلقه فوق نيران الحطب المشتعلة.

وكان الوالد وغيره من المذهب السني يشاركون اخوانهم من المذهب الشيعي بحضورهم مجالس العزاء.

عيد نوروز
-----------

وهو عيد الربيع في أيران وعند الأكراد في 21 اذار من كل سنه. وكان يسمى عندنا بالكسله. وتدوم به الأحتفالات منذ الصباح الباكر وحتى المساء وتبدأ القوارب النهرية (الماطورات) والأبلام العشارية تسير في شط العرب ناقله الشباب والراقصات والراقصين مع أدواتهم الموسيقية المختلفة فتسير المراكب في شط العرب ثم تدخل في نهر الخورة حيث يتجمع الناس على ضفتيه وتستمر الزوارق بالدخول والخروج في النهر وشط العرب طول النهار.

ويرقص على تلك البواخر الراقصون والراقصات ويستمر ذلك حتى المساء وكنا عاده نقضي النهار في بستان لنا على ضفاف نهر الخورة مع المدعوين حيث نتغدى ويكون الموسم موسم الفواكه حيث تكثر على الموائد من برتقال وخس وليمون حلو.

ليالي شط العرب
----------------

كنا نشاهد في ليالي الصيف وبالأخص القمرية منها الأبلام العشارية وعلى متنها الشباب ومعهم الآلات الموسيقية تتهادى على مياه النهر واحيانا تقف على الضفاف حيث يستمر الغناء والعزف على العود والكمان حتى ساعه متأخرة من الليل.

دوائر البصرة الحكومية
------------------------
سوف أشرح في ما يلي دوائر الدولة في البصرة.

المتصرفية
-----------
كان العراق يقسم الى ألويه (محافظات) يدير كل منها المتصرف (المحافظ) ويقسم اللواء الى أقضيه مثل قضاء القرنة ونواحي امثال السيبة وشط لعرب والزبير ويرأسها قائم مقام أو مدير ناحيه.

والمتصرفية كانت في العشار وكان ولا يزال بنائها جميل مزين بالأقواس الأندلسية.

دائرة مدير المعارف (التربية)
---------------------------
كانت تقع في العشار وكان يرأسها لسنوات عديده شخص اسمه عبد الرزاق ابراهيم.
في الثلاثينيات لم تكن هناك في منطقة العشار الا مدرسه واحده ابتدائية للبنين وأسمها مدرسه الدبة أو العشار في محله الخندق (مقام علي) حيث اتممت انا واخي كمال دراستنا بها. وكان هناك مدرسة ابتدائية اخرى في محله القبلة في حي البصرة القديمة.

وكانت هناك مدرسه اخرى ابتدائية للبنات ومدرسه متوسطة وثانويه (اعداديه) في العشار كان بجوارها مسرح لمديره المعارف تقام به بعض المسرحيات الطلابية او الفرق الوافدة من بغداد وغيرها من الفعاليات الاجتماعية او الثقافية. وقد اكملنا أنا وأخي كمال دراستنا بها ومن احد طلابها كان الشاعر بدر شاكر السياب الذي كنت اسبقه بعده سنوات وكان نحيف القامه حاد الذكاء وقد عاش خلال تلك الدراسة مع قريبه عبد اللطيف السياب في بيت قريبه الحاج عامر الكامل وكان بيته في منطقه الكزارة قرب نهر الخورة واتمنى ان تسمى تلك المدرسة بأسم ذلك الشاعر الكبير.

وكانت هناك اقدم المدارس الأهلية مدرسه ألأرساليه التبشيرية الأمريكية في العشار والتي سميت في ما بعد مدرسه الرجاء وكان مديرها لمده عقود الأمريكي فان نيس وكنا نسميه مستر وانيس وكانت تدرس المرحلة الابتدائية فقط. كذلك مدرسه الطائفة اليهودية الابتدائية في حي البصرة القديمة واسمها الأليانس اي التعاون بالفرنسية وكانت تدرس بها اللغة العبرية والفرنسية والعربية حسب ما اخبرني به أحد المعارف. وليس لدي إلمام بالمدارس الأخرى في اللواء (المحافظة).

كانت الدراسة صباحي ومسائي وكان كل صف به عدد محدود من الطلاب وكان المدرس يبذل جهد كبير في التدريس وكان الطلبة يكنون لمدرسيهم كل ود واحترام
وكان المدرسون والمدرسات علاوة على العراقيين منهم كان بعضهم من الدول العربية لسوريا ولبنان وفلسطين ومصر واحيانا كان مدرس اللغة الإنكليزية بريطاني الجنسية. ومن مدرسينا في الثانوية أذكر أبراهيم نعوم للغة الإنكليزية وحبيب هدايا للفيزياء وعبد الكريم المناصير للتأريخ وأحمد النقشبندي للدين .

الصحة
-------
وكان يرأسها رئيس الصحة وتقع الدائرة بضمن بنايه المستشفى الملكي. ويشرف رئيس الصحة على المستشفى الوحيد بالبصرة وعيادات الأطباء وغيرها من شؤون الصحة.

وكان المستشفى الوحيد قد بني في منطقه باب الزبير لجفاف مناخها وبُعدها عن المدينة. وسميََ بعد ذلك بالمستشفى الملكي، وكان يعمل به أطباء بريطانيون وأجانب ثم بدأ الأطباء العراقيون بالعمل بعد تخرجهم من الكلية الطبية التي انشأت في بغداد. وكان أول هؤلاء الجراح محمد حسين السعدي.

وكان هناك الكثير من الأمراض المتوطنة في البصرة أمثال الملاريا والبلهارسيا ومرض السل والتراخوما والتيفوئيد وغيرها. وشخصياً أصبت بمرض الملاريا لعدة مرات وتم علاجي من قبل الدكتور الهندي ديفد.

المحكمة
--------
كانت تقع في منطقه البصرة القديمة قرب البلدية. وكان رئيس المحكمة في الثلاثينيات بريطاني، وبتخرج الطلاب من كليه الحقوق في بغداد بدأ تعيينهم في محكمه البصرة ومن الأوائل منهم أخي نوري واندرس عشو وحقي الجيبجي وعبد الحافظ الطه وعلاء الوسواسي والسيد هادي صالح وغيرهم وقد افتتحت بعد ذلك محاكم فرعيه في الأقضية والنواحي. وكان الحكام مشهورين بالنزاهة والعدل وكنت اشاهد اخي نوري يسهر ليلا لدراسة الملفات التي ستعرض عليه فيما بعد .

سجن البصرة
--------------
يقع مقابل المستشفى وهو سجن على ما اعتقد تم بناؤه في بداية الدولة العراقية اسوه بالمستشفى.

البلدية
------
وكانت تقع في البصرة القديمة مقابل المحكمة ويرأسها رئيس البلدية ومنهم عبد الجليل بيرتو و حسن خالد النقيب.

دائرة الطابو (التسجيل العقاري)
-------------------------------
كانت في بيت قديم واسع في محله البصرة القديمة وبجانبها دكاكين المعقبين الذين يعقبون المعاملات كذلك الكتبة (ألأرظحلجية) الذين يكتبون للأميين طلباتهم الى الدائرة المعنية وكان مثل ذلك يحصل أمام جميع دوائر الدولة.

دائرة البريد
-----------
وكما نسميها باللغة الدارجة (البوسطه خانه) وسميت بعد ذلك بدائرة البريد والبرق وتقع في بنايه كبيره على الضفة الجنوبية لنهر العشار مقابل جسر شارع الكويت الآن تقريبا.

كان البريد دقيق ومنتظم وكان يوجد أمام البناية صندوق بريد أحمر اللون يشابه ما كان موجود في بريطانيا في ذلك الوقت.

والهاتف (التلفون).

----------
و جهاز الهاتف كما نشاهده في الافلام القديمة يتكون من الجهاز المنفصل عن جهاز السمع (السماعة)، وجهاز التكلم اما ان يكون على المنضدة او نوع اخر يعلق على الجدار وتعلق به السماعة. اما الاتصال بالمدن الاخرى فيكون بواسطة بدالة البريد وتسمى سنترال وكان الخط غير واضح (كثير الوشوشة) ويتطلب منا التكلم بصوت عالي (صياح).

مديرية الشرطة
---------------
كانت تسمى القشلة التي كانت في العشار ثم انتقلت الى المتصرفية بعد ذلك.

دائرة الموانئ

--------------
بنيت دائرة الموانئ العراقية في منطقه المعقل ببنايه كبيره تعلوها قبه كبيره وكان يرأسها لعده عقود البريطاني الكرنل ورد وكانت مسؤوله عن الميناء الوحيد في المعقل كذلك المرور في شط العرب حيث كانت البواخر الكبيرة تدخله من الفاو حتى الميناء في المعقل ويعين مرشدون كانوا أجانب ثم استبدلوا بعراقيين يقودون البواخر من مدخل المياه الإقليمية في الخليج حتى رصيف المعقل.

وكان هناك رصيف اخر على ضفة نهر شط العرب وقرب مدخل نهر العشار وذلك منذ الحكم العثماني وكانت ترسو به باخره واحده للركاب تأتي من الهند اسبوعيا وتسمى (الميل) أي باخره البريد ويأتي على ظهرها الكثير من الهنود (وخصوصاً من طائفة البهرة) لزياره الأماكن المقدسة في العراق.

وكان ميناء المعقل هو الميناء الوحيد بالبصرة كما اسلفت وترسو به البواخر القادمة من مختلف أنحاء العالم وينشط باستيراد ما يحتاجه العراق كذلك تصدير التمور والشعير والحنطة في مواسمها.

وعندما لا يتسع الميناء لجميع البواخر القادمة ترسو البواخر في وسط شط العرب وتربط بطوافات منتشرة على سطح النهر أو تستعمل ما لديها من معدات للرسو (ألأنكر) وترسوا بجنبها الجنائب او السفن الشراعية (المهيلات) لأنزال حمولتها أو بالعكس وبواسطه رافعات الباخرة. وتتكاثر الزوارق الصغيرة (المشاحيف) حولها لبيع ركابها المواد الغذائية والفواكه وغيرها. وكان هناك متعهدون لتجهيز البواخر بالغذاء اللازم.

وكانت القطع العسكرية البريطانية تزور البصرة من فرقاطات وطرادات وكان من المعتاد عند وصولها لمنطقه العشار ان تطلق مدافعها اثنان وعشرون طلقه مدفع صوتيه للتحية ويتجول بعد ذلك ملاحوها في اسواق العشار للتنزه والتبضع.

وكانت السفن الشراعية المسماة بالبوم تدخل شط العرب قادمه من الهند وسلطنه عمان وبقيه موانئ الخليج وكنا نشاهدها وهي تمخر مياه شط العرب ناشرتاً اشرعتها عندما تكون الرياح مؤاتيه لها او تسحب بواسطه القارب ويجذف بحارتها لسحبها نحو مرساها وهم يغنون الأغاني الخليجية .

النقل النهري
-------------
في بداية القرن كان هناك أسطول من البواخر النهرية والجنائب تنتقل من البصرة الى بغداد وبالعكس وكانت هناك شركه بريطانية تسمى (بيت لنج) وأخرى تعود الى عبد القادر الخضيري واهم بواخره (القادري) لنقل المسافرين والبضائع.

توقفت بواخر المسافرين تدريجيا وبقت الملاحة النهرية لنقل البضائع فقط، وقد امتلكت شركات حنا الشيخ وعبد الجبار الخضيري ثم ولده عبد الكريم بعده وعبد المنعم الخضيري إخوته بواخر صغيرة وجنائب لهذا الغرض.
 وكانت تستعمل في شط العرب الزوارق السريعة الخشبية (الماطورات) والسفن الشراعية الكبيرة (المهيلات) والزوارق لنقل الأشخاص والتنزه وهو البلم العشاري الذي يسير أما بالمجاذيف أحدهما مجذاف طويل أمامي مربوط بجانب الزورق ويتحكم به البلام والذي يجلس في القسم الأمامي من الزورق والبلام الأخر يجلس في القسم الخلفي من الزورق وبيده مجذاف صغير يسمى الغرافة لتوجيه مسار الزورق يمينا ويساراً حيث لا توجد دفه توجهه وعندما يكون تيار الماء شديدا حيث لا ينفع به التجذيف يستعمل البلامة المردي وهو عود طويل من القصب القوي المستورد من الخارج يركزه الملاح الأمامي والخلفي في قعر النهر ويدفع به البلم الى الأمام. 

ويقال ان كلمه المردي هي كلمه سومريه، ويغطى البلم العشاري الذي يتسع عاده لأربعه ركاب بغطاء طويل يظلل الركاب وكذلك يمكن انزال ستائر من الجانبين. وهناك ا(الدوسة) وهي لوحه من الخشب تستعمل لمشي البلام الأمامي عليها ذهابا وايابا عند استعماله المردي كذلك لأنزال الركاب على الرصيف. وكان محل جلوس الركاب مجهز بوسائد مريحه (مخدات) ذات الوان زاهيه.

وكانت تشاهد على شط العرب المشاحيف القادمة من الأهوار وهي زوارق صغيره من الخشب مغطاه بالقار، قاعها مسطح تستعمل في الأهوار وتأتي للبصرة لبيع الحليب ومشتقاته من الأجبان او الزبدة والكريمة (القيمر) الى اهل البصرة او الى البواخر الراسية في شط العرب وكان في العادة تقودها النساء القادمات من مناطق الهور (المعيديات) اللاتي يبعن مشتقات الحليب في شوارع العشار وأزقتها. وهذه المشاحيف يرجع تأريخها الى العهد السومري حيث شاهدتها في المتحف العراقي ومتاحف هولندا.
اما بالنسبة للسفن الشراعية الكبيرة (المهيلات) فكانت عند توقف الرياح، تسحب بواسطة حبل يربط في مقدمتها والطرف الأخر يربط بالملاحين وهم يقومون بسحب السفينة من على ضفاف النهر وقد شاهدت ذلك لمرة واحدة فقط. وباعتقادي ان هذه الطريقة كانت تستخدم على نهر الفولكا في روسيا سابقاً.

الطرق والجسور
----------------
كانت الطرق معبده داخل التجمعات السكنية المهمة أمثال العشار والبصرة والمعقل وابو الخصيب والزبير وكانت ترتبط فيما بينها بطرق معبده وتُرِكت طرق اخرى غير معبده أمثال ما بين ابو الخصيب والفاو أو طريق بصرة و بغداد فكانت المواصلات تنقطع على تلك الطرق ايام الأمطار أو الفيضانات.

ولم يكن هناك اي جسر على نهر شط العرب فأهالي منطقه شط العرب المقابلة للعشار كانوا يجتازون النهر أما بالماطورات (الزوارق السريعة) او في الأبلام العشارية وكانت بعض الزوارق تغرق بمن عليها بين حين وآخر عند هبوب الرياح القوية وخصوصا إذا كان اتجاهها آتيا من الجنوب فتكسو شط العرب الأمواج العالية المخيفة.
وكان هناك جسر واحد على نهر الكرمة مكون من جنائب العائمة (دوب) يربط طريق بصرة بغداد من الجانبين حسب ما أتذكر.

مطار البصرة
--------------
وقد أنشئ سنه 1936 وتوجد به قطعه رخاميه تذكاريه يذكر بها ان المطار قد بني في عهد الملك غازي.

ومطار البصرة كان المطار الرئيسي في المنطقة حيث كانت تهبط به جميع الطائرات القادمة من اوربا الى الشرق الأقصى وبالعكس.

وكان به فندق وصالة انتظار ومطعم يديره طباخ سويسري كذلك مكاتب شركات الطيران المختلفة. وكانت تحيط به عدة حدائق فسيحة ومسبح. وكان من يخدم فيه يدرب بصوره جيده وبعضهم يبدأ بتدريبهم منذ سن مبكر.

وكانت هناك طائره مدنيه مائية تهبط على شط العرب وترسو امام المطار وقد سافر بها الوالد واخي كمال الى فلسطين للعلاج وقد هبطت على سطح بحيره الحبانية قبل ان تهبط على سطح بحيره طبرية في فلسطين.

وكنا نذهب الى المطار للجلوس في صالته الكبيرة لنشاهد ركاب الطائرات المختلفة المارة به وهم يجلسون به لمده قصيره خلال عبورهم به الى مختلف الاتجاهات في العالم.

والجدير بالذكر اننا كنا نتناول المثلجات اللذيذة المسماة بالدوندرمة (آيسكريم) والتي تقدم بأكواب معدنية فضية.

الكهرباء والماء
---------------
كانت دائرة الكهرباء وأجهزتها تقع في منطقه العشار غرب بنايه المتصرفية.

أما دائرة الماء وخزاناتها فكانت تقع في البراضعية جنوب العشار ومجاوره لبيتنا وكان مديرها في الثلاثينيات هندي يسكن مع عائلته بنفس الموقع وكانت تربطنا به وعائلته صداقه وكان يدعونا الى مشاهده الأفلام السينمائية التي كان يعرضها لنا.

وموقع اساله الماء هو في شمال الموقع الحالي في البراضعية.

قطار البصرة بغداد
--------------------
سبق انشاء سكه الحديد بين البصرة وبغداد انشاء سكه الحديد بين بغداد والموصل من قبل المانيا في العهد العثماني أما ما بين البصرة وبغداد فقد تم ذلك بعد دخول الجيش البريطاني الى العراق سنه 1914 لأغراض عسكريه وكانت الإدارة اولا بريطانية وبقى مدير محطه القطار في البصرة بإدارة هندي اسمه صبري حتى الأربعينيات، وقد ذكرهُ الشاعر ملا عبود الكرْخي بإحدى قصائدهِ الشعبية.

وكانت هناك سكه واحده للذهاب والإياب وكان قطار الركاب غير مكيف حيث يصل المسافر الى الجهة المقصودة وهو مغطى بالتراب.

وكانت هناك ثلاث درجات للركاب:
الدرجة لأولى مقصوره لشخص واحد ممكن تحويلها للمنام.
الدرجة الثانية مقصوره لأربعه أشخاص للمنام أيضا.
أما الدرجة الثالثة فكانت تحتوي على أرائك خشبيه للجلوس فقط.
وكانت هناك عربة للطعام وكانت نوعية الطعام والخدمات بها جداً ممتازة. وببدء الحرب العالمية الثانية أدخلت العربات المكيفة تدريجيا.

وكان القطار يغادر البصرة ليلاً ليصل الى بغداد في الساعة العاشرة من صباح اليوم التالي تقريباً. ويتلاقى القطاران القادمان من البصرة وبغداد في محطه السماوة.
ومن العادة عند توقف القطار في محطه المسيب، يشتري الركاب من الباعة المتجولين في المحطة القيمر (كريم) الذي اشتهرت به هاذه المدينة.

وكان اهل البصرة عند سفرهم الى بغداد يأخذون معهم الهدايا (الصوغهَ) الى اقاربهم هناك ومنها تنكات ( الصناديق المعدنية) من التمور او الأسماك البحرية التي اشتهرت بها البصرة أو طرشي ابو الخصيب أو حلاوة نهر خوز. وكانت توضع في عربه الأمانات التي تقع في نهاية القطار كذلك يحملون معهم الغذاء اللازم للسفرة (المتاع).

وسائط النقل البريه الأخرى
--------------------------
في الثلاثينيات كانت هناك لاتزال العربات تسحبها الخيول الهزيلة وكان سائقها يسمى ( العربنجي) وكان الصغار يتراكضون خلفها ويحاول البعض التسلق خلفها فإذا استطاعوا ذلك يصرخ البقيه منبهين السائق الى ذلك بكلمات (وراك وراك) وحينئذ يقوم العربنجي بمد سوطه الى الخلف لضرب الأطفال المتعلقين بمؤخره العربة .

أما السيارات الخاصة فكانت قليله العدد لا يتعدى عددها العشرات ويملكها اثرياء المدينة والأجانب ومثل ذلك سيارات الأجرة أو الحافلات التي كان جدارها من الخشب.

سيارة الوالد في الثلاثينيات مع السائق الحاج مال الله وأحد موضفي الوالد (سلمان الغصوني)

الثروة السمكية
---------------
الثروة السمكية في البصرة متوزعه على الأهوار وشط العرب وساحل الخليج وما يتفرع منه بضمنه خور الزبير.

ففي الأهوار تكثر أسماك المياه العذبة حيث يصطادها الأهالي بالفالة (رمح بنهايته معدن مدبب) أو بالشبكة أما في شط العرب فكان يستعمل (الكركور) للصيد وهو قفص من المعدن يترك في قعر النهر وبه الطعم تدخله السمكة ولا تستطيع مغادرته.

وتكثر أسماك الماء الحلو في شط العرب أمثال سمك الشبوط والحمري علاوة على الأسماك الموسمية التي تصعد من الخليج أمثال (الصبور) الذي يكثر في اوقات الربيع واحيانا كان من الكثرة ورخص الأسعار بحيث كان المزارعون يستعملونه لسماد النخيل وهو سمك كثير الأشواك ولكن اشواكه غير مؤذيه وتهضم بسهوله اذا تم ابتلاعها وكان أهل لبصره يتلذذون بأكله ويحشى بكثير من التوابل والتمر الهندي والثوم مما يؤدي اكلةُ الى العطش وضجر اكلهِ ولذلك قيل المثل "مثل الصبور مأكول مذموم". وكان ضيوفنا القادمون من بغداد يعانون من مشقه في أكل الصبور وتجنب أشواكه.

وفي فصل الصيف يكثر سمك الشانك (مشابه لسمك الشعري في دولة الأمارات) في شط العرب قادماً من الخليج العربي ويصطاد بالشص (عصا تنتهي بالخيط والسنارة) أو بواسطة (البِلدْ) وهو خيط طويل ينتهي بالطعم وبثقل يرمى بعيداً عن الشاطئ. ويصطاد سمك القرش (كوسج) خلال موسم الصيف ايضا بواسطه (البلد) ولكن بحبل غليظ و سناره كبيره. ويستعمل بعض الصيادون (السْلية) وهي شبكه ترمى على شكل دائرة محمله بأثقال معدنيه على سطح الماء فتذهب الى الأعماق فتنكمش (تغلق) حيث تتعلق بها أسماك النهر.

وأحيانا اخرى كان الأهالي يغلقون مدخل الأنهر الفرعية لشط العرب بشبكه بعد نهاية المد حيث تتعلق بها الأسماك عند حصول الجزر ومحاولتها الخروج من النهر وتسمى العملية (يسكر النهر). ويتم اصطياد سمك الصبور في فصل الربيع ويسمى الصيادين (الهيالة) حيث يمدون شباكهم الطويلة والمربوطة بزوارقهم ومثبت فيها كرب النخيل لكي تطفوا الشباك على المياه عبر شط العرب محمولة بتيار الماء الجاري، وتستمر هذه العملية لبضعة ساعات وبعدها يتم رفع الشباك مع الاسماك المتعلقة بها.

ويكثر في شط العرب في ايام الصيف سمك القرش (الكوسج) ويفترس احيانا أرجل السابحون من الصبية في النهر وكان منظر عادي أن نرى بعضهم في شوارع البصرة بأطرافهم المبتورة.

سمك الزبيدي والمزلق يصطاد من الخليج، أما الروبيان فيكثر في الخليج والأهوار على حد سواء.
وكانت تكثر على جانبي الأنهر الصغيرة السرطانات (أبو الجنيب) وكنا نستعمله كطعم لصيد الأسماك وخصوصا سمك الشانك.

الطيور
-------
كانت تمر في سماء البصرة الطيور المهاجرة المختلفة متجهه شمالاً او جنوباً حسب فصول السنه. أما في بساتين البصرة لم تكن هناك الا اعدادا قليله من الطيور وهي الحمام والغراب الملون بلون اسود وابيض والعصافير والبلابل وأحيانا الببغاوات الهندية التي تعشعش في أعالي النخيل ويمر احيانا الهدهد وطائر السنونو المهاجرة.
وكانت من آنٍ لآخر تغزو المنطقة اسراب الجراد ويأكلها الناس مشويا.
وفي الشتاء تكثر طيور النورس فوق مياه شط العرب وبالأخص حول البواخر البحرية الراسية فيه حيث تلتقط ما يرما اليها من طعام من تلك البواخر.

الحيوانات
---------
كانت تكثر في شوارع البصرة وأزقتها الكلاب السائبة والقطط وكانت الخنازير البريه تكثر في بساتين المطوعة وغيرها وكنا نسمع ليلا صياح ابن آوى الذي كان يكثر في بساتين الصالحية على الضفة الشرقية المقابلة لنا من شط العرب وفي الصحراء كان الأهالي يصطادون (الضب) وهو من الزواحف ويقال ان لحمه لذيذ.
وفي الصحراء كانت ايضا تتواجد الغزلان.

وتتواجد الثعابين (الحيايا) في الصحراء و الأهوار. وكانت العقارب تكثر في الصحراء.

أهوار البصرة
--------------
وهي مسطحات مائية واسعه يكثر بها نبات قصب البردي والذي أُستعمل فيما بعد في مصنع للإنتاج الورق شيد لاحقاً قرب قضاء القرنة.
ويعيش أهالي الأهوار يعيشون بعزله عن المدن على جزر منتشرة وبيوتهم من القصب ويربون أبقار الجاموس التي تنتج الحليب العالي الدسم ومشتقاته من الأجبان او القيمر (الكريم). كذلك تكثر في الأهوار الأسماك و أيضاً الطيور المهاجرة التي تهاجر اليها من جميع مناطق أوربا و روسيا خلال الشتاء القارس في تلك الدول.

وكانت هناك مواسم لاصطياد الطيور في الأهوار ويرتادها الكثير من هواه الصيد قادمين اليها من مختلف انحاء العالم.
ومياء الأهوار تأتيها من نهري دجله والفرات والكثير منها مشتركه بين لواء البصرة والناصرية.

وفي منطقه الأهوار الكثير من المناطق الأثرية للمدن السومرية والأكدية ويتم تهريب الآثار احيانا من تلك المناطق الى المتاحف العالمية المختلفة بالرغم من تشديد القوانين عليها.

ألمناخ
البصره اتصفت بمناخ بارد شتاء وحار صيفا, ودرجه الحراره شتاء قد تصل الى الصفر ’وشتاء تجتمع عائلتنا حول موقد النار ويسمى البخاري وبه يشعل الفحم الحجري ويستعمل الأهالي المنقله المحمله بالفحم الملتهب و استعملت ايضا المدفئات النفطيه وتسمى بالصوبه ..وفي فصل الشتاء تكثر الرياح والأمطار اما في الصيف فالجو حار ورطب وقد تصل الحراره الىما أعلى الخمسون درجه مؤويه..
والجو يتأثر باتجاه الرياح, فالشماليه منها قد يكون مصدرها البحر الأبيض المتوسط أو هضاب تركيا او سيبريا أما الجنوبيه وهي عاليه الرطوبه تصل اليها من الخليج والهند أو منخفضات البحر الأحمر أو شرق أفريقيا.

آثار البصرة ومعالمها
---------------------
البصرة هي اول مدينه عربية بنيت عند فتح الجيوش الإسلامية للعراق وبنى الأمام علي ابن ابي طالب رضي الله عنه جامع الزبير كما اسلفت شرق مدينه الزبير الحالية وبجنبه دار الخلافة ولا يزال هذا الأثر موجود حتى الأن وحوله بنيت مدينه البصرة ويكتشف المنقبون الأثريون بيوتها القديمة حتى وقتنا هذا وتشاهد في المنطقة قطعات الآجر المنتشرة على السطح ولمسافات كبيره وقرب المسجد.

وفي منطقه الزبير وقرب المسجد كانت موقعه الجمل حيث استشهد بها الصحابي الزبير ابن العوام رضي الله عنه ويوجد ضريحهُ في جامع الزبير وسط مدينه الزبير أما ضريح طلحه فيوجد حيث دارت المعركة قرب جامع الأمام علي رضي الله عنه ويقع قرب الطريق الواصل بين البصرة والكويت.

وتوجد في الزبير مقبره اهل السنه وبها ضريح الأمام حسن البصري وفوق الضريح يوجد برج صغير مخروطي الشكل سلجوقي العمارة مشابه ما هو موجود في بغداد في مقبره الأمام الغزالي في الرصافة ومقبره الشيخ معروف في الكرخ.

وفي البصرة أضرحه كثيره اخرى منتشرة في أنحاء مختلفه من المدينه وبعضها يقع على جانب طريق العشار ابو الخصيب ومنها ضريح الجوزي والسراجي وخليفه ابن علي قرب قريه البراضعية ونهر الخورة وغيرهم واترك الى علماء الآثار شرح ذلك.

مكتبات البصرة
---------------
كانت هناك في الأربعينيات مكتبه حكومية واحدة أما المكتبات الأهلية الخاصة فأهمها كانت مكتبه عائله باش أعيان في البصرة وكانت تظم الكثير من المخطوطات العربية من العهد العباسي وكان المحامي محمد خان بهادر يحتفظ أيضا بمكتبه هامه في بيته وسبق ان شاهدتها بنفسي.

وكانت هناك مكتبات لبيع الكتب والمجلات اهمها مكتبة فيصل حمود في البصرة القديمة ومكتبة عبدالحميد في سوق المغايز في العشار. ومن مجلات ذالك الزمن الهلال والمصور والرواية والأثنين وكلها مصرية.

ألفيضانات
كانت الفياضانات تحدث في فصل الربيع فتغمر المياه القادمه من شط العرب أراضي واسعه من البساتين أو الصحراء األمجاوره لأيران أو ألمملكه السعوديه والكويت أو الأهوار مما يحدث أنقطاع المواصلات مع العماره أو الفاو وأحيانا حتى الزبير فكنت أشاهد المياه تغطي جانبي الطريق بين البصره والزبير ..ويكثر خلال ذالك تواجد البعوض وينتشر مرض الملاربا بين السكان.
وقد عمل الوالد سد ترابي خلف بساتينه الواقعه على نهر الصالحيه لتمنع المياه القادمه من الشرق من الحدود الأيرانيه عن بساتينه.

الجزء الرابع - أحداث اجتماعية

وفاه الملك فيصل الأول
-----------------------
من أوائل ذكرياتي كانت وفاه الملك فيصل الأول في اوائل الثلاثينيات من القرن الماضي حيث اتذكر معالم الحزن التي عمت على المدينة وخرجت المظاهرات تندب الملك الفقيد ومن الأهازيج التي اذكرها حتى اليوم كانت تردد (مات وتهنى بموتته، حره وشريفه موتته). ويذكر المؤرخون حتى يومنا هذا فضل الملك فيصل الأول على تحديث العراق وجمع الطوائف المختلفة في اتجاه واحد وهو نمو وتحديث بلدهم وكان الملك فيصل يتمتع بثقافه جيده حيث درس ونشأ في إسطنبول أيام الحكم العثماني.
وحاول الملك فيصل تحسن العلاقات مع الدول المجاوره فزار تركيا وأيران لهاذا الغرض واجتمع بالمغفور له الملك عبد العزيزالسعود وكان أحد أقاربي وهو ألحاج ياسين الخضيري أحد من حضر ذالك الأجتماع وروى لي أحد الأقارب أنه في أنتظار وصول الملك عبد العزيز كان يدخن سيكاره وفوجىء بقدوم الملك فرمى سيجارته حث كان يمنع التدخين في المملكه ولاكن الملك ابتسم واخبر الحاج ياسين أننا نمنع التدخين في المملكه حتى لايبذر الفرد ماله في ذالك.

ذكرت الأميره بديعة في مقابله تلفزيونيه أن ألحاج ياسين الخضيري أستضافهم في قصر يطل على نهر دجله مجور لبيته في شارع الرشيد ببغداد واعتقد انه بيت اخيه عبد القادر.. 

والمعروف ان ا لحاج ياسين الخضري جمعته صداقة بالملك فيصل الأول واخيه الملك علي والكثير من الساسة العراقيين أمثال ياسين الهاشمي وذكر طه الهاشمي في مذكراته أن الحاج ياسين الخضيري كان يدير أملاك ياسين الهاشمي عندما ألتجأ الى سوريا بعد أنقلاب بكر صدقي ثم توفى في دمشق .
وهناك قصه طريفه رواها لي رئيس التشريفات الملكية السابق تحسين قدري عندما كان لاجئا في سويسرا وهي كما رواها لي وكنت قد سمعتها قبلا من الأقارب:—

كان وجهاء بغداد يضعون على رؤوسهم الطربوش التركي وكان يسمى بالفينه فاستبدلها الملك فيصل بالسداره أو الفيصليه ورفض الحاج ياسين ارتداء الفيصليه لاعتزازه بطربوشه الذي كان ذكرى للعهد العثماني ..فدعى الملك فيصل الحاج ياسين لوليمه عشاء وطلب من تحسين قدري أن يقدم له السداره موضوعه على طبق من الفضه على أنها هديه من الملك ويرغب منه ان يهدي الملك طربوشه مما أحرج قريبي الحاج ياسين ذالك وتقبل ان يضع السداره على رأسه بدل الطربوش الذي اهداه للملك

الملك غازي
------------
يجمع المؤرخون ان الملك غازي كان له شعوره الوطني واحلامه في مستقبل افضل للعراق وإنه لم يصل الى اهدافه.

وفي اواخر الثلاثينيات أنشأ في قصر الزهور في بغداد محطه أذاعه (راديو) وكانت تذيع الأناشيد الوطنيه ورغبات الملك وتطلعاته وكانت علاقته متوترة مع السفارة البريطانية في بغداد وكنا نحن الشباب نراه كمثلنا الأعلى لنيل أهدافنا. ومن هوايات الملك غازي قياده السيارات السريعة وقيادة طائرتهِ المسماة بالنسر الذهبي بنفسه.

وقد زار البصرة قبل وفاته بمده قصيره في منتصف الثلاثينيات وقد تجمعنا مع طلاب المدارس الأخرين في الشارع المقابل لشارع المغايز فظهرت في السماء طائره الملك (النسر الذهبي) وهي ملونه بلون اصفر ذهبي وبعد هبوطه في مطار البصرة شاهدنا موكب الملك يمر من امامنا بسيارة مكشوفه وهو يقف عليها ويضع امام عينيه نضاره سوداء قاتمه يحيي الجماهير المصطفة على جوانب الطريق.

وبعد مده سمعنا بمقتل الملك مما أثار شعور الشعب بالغضب والحزن، وكان الاعتقاد السائد انه اغتيل بسبب مواقفه المتشددة في السياسة.

وفاة السياسي ياسين الهاشمي
-----------------------------
بعد قيام الانقلاب العسكري بقيادة بكر صدقي، التجأ السياسي ياسين الهاشمي الى الشام حيث توفى ودفن في دمشق.
واقيم له بعد وفاته مأتم كبير في سينما الحمراء في البصرة حضرتهُ وتكلم به الكثير من شخصيات البصرة عن ذلك السياسي الذي ترك بصمه خاصه به على سياسه العراق.

زيارة أحد شيوخ الأمارات
--------------------------
في نهاية الثلاثينيات زار أحد شيوخ الأمارات (وقد يكون المغفور له الشيخ شخبوط) مدينة البصرة واحتفلت الحكومة بزيارته واقيمت له حفله استقبال ليتعرف على رجال الحكومة ووجهاء المدينة وحضرها والدي. واخبرنا والدي بأن الشيخ كان يستقبل الضيوف بوجه مبتسم وبترحاب عربي كعادتهم في ذلك الوقت.

زيارة ولي عهد المملكة العربية السعودية الأمير سعود
----------------------------------------------------
زار في أواخر الثلاثينيات المغفور له ولي عهد المملكة العربية السعودية الأمير سعود البصرة وكان طويل القامه مهيب الطلعه ويرتدي الملابس العربيه ورأيته يمر بالسيارة متوجهاً الى دار المتصرف في العشار حيث أقام. وقد أنتظرت ذالك لمده طويله على جانب الطريق لأرى ذالك المشهد

زيارات رجال الدولة العراقية البصرة
-----------------------------------
كان نوري السعيد وياسين الهاشمي وغيرهم من رؤساء الوزارات العراقية يزورون البصرة من حين لأخر فيتسابق وجهاء البصرة لدعوتهم لمآدب الغداء والعشاء وكان والدي ينتقد اهالي البصرة لأنهم لا يطلبون شيء لمدينتهم بعكس اهالي الموصل الذين كانوا يكثرون من طلباتهم لتحسين مدينتهم عند زياره رجال الدولة لها.

نوري ألسعيد
--------------
في بدايه الأربعينيات زار نوري السعيد البصره بزياره خاصه وكان ذالك في شهر رمضان.. واتصل بوالدي وطلب زيارته بعد الفطور لما كانت لنوري السعيد م علاقه وديه مع قريبنا الحاج ياسين .

وكان من عاده الوالد الأستماع ألى ألنشره الأخباريه لأذاعه برلين لتتبع أخبارالحرب .. وكان الأستماع ألى هاذه الأذاعه ممنوع في المحلات العامه حيث كان المذيع يونس بحري يقذف الشتائم ألى الوصي عبد الأله ونوري السعيد ويعطي الوعود والأمال الى الشعوب العربيه.

أنتظار لوصول نورالسعيد طلب من اخي أن ينتظر وصوله في ساحه القصر وتحذيرهم عند وصوله حيث كان قد حان وقت أذاعه الأخبار من برلين.. وحدثت المفاجئه حين دخول نوري السعيد الغرفه وهم يستمعون ألى برلين حيث لم يقم المرحوم أخي كمال بما عهد أليه.. فاظطرب وخجل الحاظرون وأغلق عمي هاشم الراديو قائلا أن أحد الأطفال فتح الراديو سهواعلى أذااعه برلين.. وذالك خجلا من نوري السعيد الذي كما ذكرت كان مستهدفا من تلك الأذاعه.. فضحك السياسي الداهيه وقال انت ايضا استمع ألى أذاعه برلين.. حيث انني منعتها عن الجاهل الذي يصدق على كل ما يقال.. بينما على الذكي العالم ان يتتبع جميع الأذاعات حتى يعلم الحقيقه وأنها ليست ممنوعه على أمثالكم.

طرفه تاريخيه
أخبرني المرحوم الدكتور عبد الرحمان جيجان بما يلي .
أنه كان طالبا خلال الحرب العالميه الثانيه في ألمانيا...وكان يعمل عمل اضافي في أذاعه برلين العربيه حيث يطبع النشرات الأخباريه وغير ذالك ليذيعها المذيع يونس بحري.

وبعد الحرب العراقيه البريطانيه لسنه 1941 ولجوء رئيس الوزراء رشيد عالي الكيلاني ألى برلين حددت له مقابله مع هتلر وكان من المفروض أن يحضرها ويقوم بالترجمه السفير الألماني السابق في بغداد غروبا ولكنه كان لا يزال في أسطمبول فكلف يونس بحري والدكتور عبد الرحمان جيجان لحضور المقابله والترجمه. فتمت حسب قول الدكتور عبد الرحمان مقابلتان بين رشيد عالي الكيلاني وهتلر وكانت أحدى المواضيع طلب هتلر ان يذيع رشيد عالي الكيلاني طلب الى العراقيين والعرب الأنضمام الى مساعده الجيش الألماني أو الأنخراط بقوة تشكل لهاذا الغرض مقابل وعد ألمانيا له بتحرير الدول العربيه واستقلالها التام وطلب رشيد عالي ان يقدم له هتلر وعد تحريري بذلك ولكنه رفض واستطرد بانتي لست بحاجه لذالك لأن الجيش الألماني هو في طريقه لحتلال جبال القفقاس الروسيه وسيصل ألى بغداد قريبا وانتهت المباحثه بذالك

وسألته عن أنطباعه عن هتلر فقال رجل قوي الشخصيه متوتر الأعصاب يحاول السيطره على عصبيته بصعوبه.

وقصه طريفه أنه بنهايه الحرب تشرد هو وزميله يونس بحري وسمعوا أن قائد قوه الحلفاء ألقائد عمر برادلي ومقره في مدينه هايدلبرك الألمانيه فذهبو أليه ليساعدهم في محنتهم..فضحك وقال لهم انكم تعتقدون بأنني من أصل عربي..والحقيقه أن ليست لي صله بالعرب وأنما أنا ولدت في ألأسكندريه ووالدي أمريكيان وأحب والدي أن يسميني بهاذا الأسم وليس لي أي جذور عربيه ومع ذالك فسأدعكم تتناولون الغذاء في مطعم الجيش واستمر ذالك الى حين مغادره الجنرال برادلي لمركزه وبذالك انتهت الوجبات الغذائيه لهم.

أحداث سياسيه واجتماعيه عاصرتها
-----------------------------------
عند احتلال العراق بعد الحرب العالمية الأولى كانت هناك مدرستان بريطانيتان تحاولان دراسة كيفية حكم البلد أولاهما المدرسة البريطانية في الهند التي كانت تحاول تطبيق الأستعمار البريطاني في الهند على العراق والأخرى المدرسة البريطانية في مصر التي كان رأيها مختلف في كيفيه حكم العراق ومن هؤلاء كانت المس بيل وعبد الله فلبي اللذان ساندا إقامة الملكية وحكم الملك فيصل الأول.

وبعد ثوره العشرين في العراق أخذت بريطانيا القرار بالرأي الثاني وأخذ البلد يتجه تدريجيا الى الحكم الذاتي ثم الاستقلال التام.

وكنا في الثلاثينيات نشعر بشده لحب الوطن ونتحمس لكل مطالب الاستقلال التام ونطالب بتحرير فلسطين وفي نهاية الثلاثينيات بدء في المدارس نظام الفتوه حيث كنا نلبس ملابس خاصه من قماش الخاكي ويدربنا احيانا ضباط من الجيش على فن المسيرة والنظام العسكري ونحمل الرماح الخشبية وكنا نحلم (خطأً) ان المانيا وهتلر سيقومان بتحرير فلسطين ومسانده الدول العربية في استقلالها التام وكانت هناك الكثير من الأناشيد الحماسية أمثال (يافتوه هيا للجهاد) و (يا أوربا لا تغالي لا تقولي الحرب طال سوف تأتيك الليالي نورها نور الحراب).

وكانت اذاعه برلين ومذيعها يونس بحري تلهب الشعور الوطني في نفوسنا. حتى حدث ما حدث في اول مايس سنه 1941.

حرب رشيد عالي الكيلاني أو حرب مايس 1941

---------------------------------------------------
بدأت العلاقات البريطانية وحكومة رشيد عالي الكيلاني ويسندهُ القواد العسكريون الأربعة بالتوتر في الأشهر الأولى من سنه 1941 وقبل الحرب بأسابيع دخلت شط العرب اكبر بارجه عسكريه بريطانية (سبق وان دخلت النهر) ورست أمام منطقه العشار وكانت تحمل طائره مائية تحلق بين حين واخر فوق المدينة وكانت تلك البارجة تناور بمدافعها باتجاه المدينة.

وفي نهاية شهر نيسان شاهدنا باخرتين لحمل المسافرين وهما تسيران من امام بيتنا محمله بالجنود الهنود الذين كانوا يلوحون لنا بالتحية بمناديلهم البيضاء. وكانت في البصرة لا تزال هنالك قاعده جويه بريطانية وهي قاعده الشعيبة.

وفي فجر أحد أيام شهر مايس 1941 سمعنا طلقات الرصاص في منطقه العشار واتضح ان الجيش البريطاني كان يقوم باحتلال منطقه العشار وكانت هناك مقاومه بسيطة من قبل مركز الشرطة في العشار وكان الجيش العراقي قد انسحب من المدينة حسب اعتقادي وتلى ذلك أعمال النهب والسلب في سوق المغايز في العشار ولم يحدث مثل ذلك في منطقه البصرة القديمة حيث كان الشيخ صالح باش اعيان لديه من الأتباع المسلحين ما يكفي للحفاظ على أمن المنطقة كما اشيع في وقته.

وبعد انتهاء الحرب التي طالت نحو الشهر حكم البريطانيون المدينة حكماً مباشر. وكان في البصرة خبير بريطاني زراعي في احدى الشركات البريطانية والذي عُين كمستشار عسكري بريطاني في البصرة وهو في الحقيقة كان كحاكم عسكري فعلي واسمه الميجر داوسن.

وشعرنا بمهانه الاحتلال مع الأسف وتبخرت كل احلامنا آن ذاك.

البصرة خلال الحرب العالمية الثانية

-----------------------------------
بعد احتلال البصرة سنه 1941 كثرت أعداد جيوش الحلفاء المارة بها وكان الجنود من مختلف الدول يتجولون في شوارعها.
ومدت سكه حديد بين البصرة ومدينه الأهواز الإيرانية لتوصيل المعونات العسكرين القادمة بحراً الى البصرة وتمريرها الى الجيش السوفيتي وكنا نشاهد البواخر الراسية أمام بيتنا وهي محمله بالطائرات المغلفة والذخائر الحربية الأخرى.
وبني جسر خشبي على شط العرب أمام مطار البصرة وفوقه سكه الحديد التي ذكرتها أعلاه.

وخلال سنوات الحرب كان الأهالي يشعرون بوطأة الغلاء وبدأ في العراق نظام التموين. وتوقف بعض التجار عن اعمالهم أمثال والدي بينما اثرى غيرهم ثراءً فاحشاً خلال تلك المدة وكان يطلق عليهم لقب أثرياء الحرب.

الختام
------
اختتم ما كتبته عن مدينه البصرة العريقة لحقبه الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي ذاكراً وأنا من اهلها اعتزازي وامتناني لما قدمت لي تلك المدينة العظيمة وأهلها الطيبين من رفاهيه العيش وانا سعيد بانني استطعت كطبيب اخصائي بأمراض الأطفال أن أقدم لجيل من اطفالها وخلال سنوات عديده كل ما تعلمته في دراستي في سويسرا وعملي بمستشفياتها من علاج طبي مما أعتز به اليوم متمنيا لأهل البصرة ما يستحقونه من سعادة وتقدم.