الأربعاء 24 أيار 2017
TEXT_SIZE

قصص عراقية تواجه العنف بالضحك

"فوق بلاد السواد" طرح آخر للسياسة والدين والتقاليد

بقلم عمار المأمون

قد يجد الإنسان متنفسا من العنف الممارس ضده في الضحك، بوصفه تحررا، ولو جزئيا، لتكون النكتة وروايتها من تقنيات التنفيس النفسي، ولكن من الصعب تحويل هذا الفعل إلى عمل فني مختلف عن السائد، كونه الأكثر تبادلا بين البشر نصيا وشفهيا. وتتعدد أشكال التعبير الفني الساخر من الواقع كفن الكاريكاتور والكتابة وغيرهما.

حب الحياة في مواجهة الحرب

يرى فرويد النكتة بوصفها تنفيسا عن متعة مكبوتة لدى المتلقي، وأقرب للانعتاق لدى الراوي، وهذا الرأي ينطبق على المجموعة القصصية “فوق بلاد السواد”، للكاتب العراقي الشاب أزهر جرجيس، حيث يحكي فيها المؤلف سلسلة من المرويات والحكايات اللاسعة، بمزيج من الضحك والسوداويّة والسخريّة، مستندا إلى تاريخ العراق المعاصر وعلاقته مع الموت والمنافي والحروب.

تقع المجموعة، الصادرة هذا العام عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، في 155 صفحة من القطع المتوسط بواقع 34 قصة، عدّها الناقد والأكاديمي حسن سرحان من القصص التي تضمن فرادتها وسط المشهد الأدبي المعاصر، يقول سرحان “لا تستثني سخرية المؤلف ميدانا يمكن أن تصل إليه، فهي تطال السياسة وتقترب من الدين وتلامس التقاليد من غير أن تدّعي الفلسفة ولا أن تتصنع الحكمة، ذلك أن أزهر

جرجيس لا يريد لنصّه، أو هكذا هو ظني، أن يعيد إنتاج شوبنهاور ولا أن يكرر نسخَ بيرغسون. كتابات جرجيس بسيطة، واضحة، ليست متعددة الأبعاد ولعل هذا ما سيضمن لها فرادتها في وسط ثقافي يتغذى على التراجيديا، وسياق تأريخي يحسب الموت فعلاً “جاداً” ويسخر من الضحك بحجة كونه موقفا لا يناسب المرحلة”.

البناء الساخر

يؤسس جرجيس للحكاية في قصصه القصيرة معتمدا على الحدث الواحد، إذ لا تشعُبات أو أحداث جانبية، بل لغة مكثفة ودقيقة لبناء روتين الإضحاك الذي ينتهي بجملة تشكّل المحفّز على الضحك.

البناء الساخر الذي يقدمه جرجيس عبر اللغة والشخصيات التي تتسم بالتراجيديّة، يمنعنا من أن نتعاطف معها، بل يجعلنا نقف إلى جانبها، هي لا تستدعي شفقتنا، بل نراها بسخريتها من الحدث المأساوي أو المفارقة التي مرت بها تستفزنا بقوتها، لأنها رغم كل شيء، تضحك.

يلجأ جرجيس في مجموعته لعدة تقنيات للنكتة، حيث يستخدم اللغة المحكية اليومية باللهجة العراقية، والتي قد يغيب معناها عن بعض القراء، والتي عادة هي التي تحمل الفكاهة للإحالات التي تمتلكها، بالإضافة إلى المسميّات والمرويات المرتبطة بالعراق والبيئة الشعبية الخاصة به، إلى جانب مفارقات الدين والسياسة والعنف المرتبط بهما من جهة، والدجل والخداع الممارسين باسمهما من جهة أخرى، لتكشف المجموعة زيف النظام القمعي ورجال الدين، بحيث تكون النكتة أداة نقديّة، هدفها لا مجرد الإضحاك السطحي، بل العمل في طبقات المجتمع واختراقها عبر خلق المفارقات، إما تلك التي تلد من الموقف والتناقضات التي يحويها، إما الشخصيات والأدوار التي تلعبها وتتنكر بها.

مفارقات المنفى

تمتاز قصص المجموعة المتنوعة بانتمائها إلى الأدب الساخر، حيث برع الكاتب بخط بصمته الخاصة في هذا الأسلوب الأدبي. وهو ما دأب عليه منذ سنوات في معظم كتاباته التي تزخر بها الصحافة الورقية والإلكترونية.

كما تستحضر المجموعة المفارقة التي يمر بها الشعب العراقي، عبر أنماط وشخصيات نراها تتحرك بين فضاء الوطن/ العنف، وفضاء/ المنفى، حيث نلاحظ تداخل هذين الفضاءين عبر الذاكرة أحياناً، أو عبارة إعادة تكوينهما في الحلم، أو عبر الواقع في المنفى، واستحضار الـ”هناك” المتمثل بالوطن، فالشخصيات لا تستطيع الفكاك من هويات العنف والمعاناة، فهي محكومة بها جسدياً كآثار التعذيب، والتي لا تفارق الشخوص في المنافي وأراضي اللجوء، لتحضر النكتة أو الدعابة حينها كتمرين للذاكرة، كوسيلة للانعتاق من الماضي، كأن الضحك بوجه الموت، يعني أنّنا انتصرنا وما زلنا أحياء.

الضحك ضد العنف

القصص والشخصيات التي يخلقها جرجيس مشابهة لنا، تحكي وتتحدث مثلنا، لا نشعر بالغرابة تجاهها، هي ليست مفتعلة، بل صادقة في ما تقول، فرحلات العذاب التي تمر بها للوصول إلى “هناك”، والصعوبات التي تصطدم بها، سواء رحلات التهريب المرعبة أو عوامل اللغة وغرابتها، كلها بإمكانها تشكيل ارتباط عاطفي معها، أما الدعابة التي نقرأها في النهاية فهي تلمسنا، وكأن القارئ سيقولها لو كان في ذات السياق، ما يجعل العنف الذي تختزنه القصص والشخصيات يتبدد أمام المفارقة، الغروتيسك والتصعيد التراجيدي يتحول لما يشبه القدر الذي نسخر منه لعجزنا عن تغييره.

يحضر الحب في المجموعة بوصفه مرتجلا أكثر منه عميقا، وليد المصادفات، وكأن النهاية المرتبطة به محتومة بالفشل، فالحب في المهجر مثلا هو البحث عن حضن دافئ، هو قلق من الأنثى/ الوطن التي فقدها المهاجر، حضن للحصول على لحظات من الأمان الذي ما تلبث ذاكرة العنف أن تبددها، وهذا العنف يتجلى في بعض القصص التي تتناول حالات الهيستيريا والجنون بسبب شدة ما شهده العراقيون وما خسروه، وكأن الفقدان يجعل “الآخر” دائما في موضع الرحيل، فالأنثى في المنفى بعد فقدان الوطن، تتحول إلى وسيلة لإعادة تشكيل الماضي عبر وجودها جسدا ولغة، وهنا يُبرز جرجيس الفكاهة لتكون الشَعرة التي تبدد المتخيّل عن ذاك المهجر/ المنفى بوصفه، لا، ولن يشابه الوطن.

تمتاز حكايات وقصص "فوق بلاد السواد" بالاختصار والتكثيف ولها هدف سياسي واجتماعي. إنها تغرف مباشرة من خزين الواقع المليء بالأحداث والحياة والشخوص والصور الغنية. إنه كتاب يمنحنا فيه المؤلف، الماسك بناصية فن السخرية وصاحب الطاقة الكبيرة في التهكم، فسحة من المرح وسط كل هذا الخراب والظلام والموت الذي يحيق بحياتنا..إنه يقول لنا؛ لا تزال ثمة كوة للأمل والفرح في الحياة.

يذكر أن الكاتب أزهر جرجيس من مواليد العراق عام 1973 وهو يقيم حاليا في النرويج منذ عام 2008 ويعمل في مجال الصحافة والترجمة.

---------------------------------------------------------------------

للمزيد تابع الرابط التالي:

http://www.alarab.co.uk/empictures/inpics/_14592574988.jpg