الإثنين 24 نيسان/أبريل 2017
TEXT_SIZE

"ملكة الصحراء" يعاين حياة مستشرقة بريطانية قسمت دول المنطقة

محمود الزواوي

فيلم "ملكة الصحراء" (Queen of the Desert) (2016) من أفلام الدراما والسيرة الذاتية، وهو من إخراج وسيناريو المخرج الألماني المخضرم فيرنر هيرتزوج. وهذا الفيلم من الأفلام المستقلة، وهو من إنتاج أميركي – مغربي مشترك.

ويتعلق فيلم "ملكة الصحراء" بحياة المرأة البريطانية جيرترود بيل (الممثلة نيكول كيدمان)، وهي مستشرقة وكاتبة وعالمة آثار ومستكشفة ورسامة خرائط شغلت منصب ملحقة سياسية في الإمبراطورية البريطانية في المنطقة العربية خلال الربع الأول من القرن العشرين قبل وخلال وبعد الحرب العالمية الأولى، وكانت المرأة الوحيدة التي شغلت منصبا سياسيا في القوات البريطانية في تلك الأيام. وعاشت خلال هذه الفترة في سوريا الكبرى والعراق وتنقلت على نطاق واسع في الجزيرة العربية وإيران وتركيا واختلطت بالقبائل العربية وزعمائها. وكانت هذه المرأة البريطانية تجيد اللغة العربية بطلاقة إلى جانب اللغات الفارسية والفرنسية والألمانية والتركية والإيطالية. وعاصرت الضابط البريطاني توماس إدوارد لورنس الملقب بلورنس العرب (الممثل روبرت باتينسون) الذي عاش في المنطقة العربية خلال الفترة نفسها. وأطلق علي جيرترود بيل لقب "لورنس العرب الأنثى". وتعزى إليها مسؤولية تخطيط الحدود بين الأردن والعراق والإسهام في تأسيس الدولة العراقية، التي أجريت مفاوضات حولها مع الزعماء العرب بموافقة كبار المسؤولين السياسيين والعسكريين البريطانيين، وعلى رأسهم ونستون تشرشل الذي شملت مناصبه العديدة خلال تلك الفترة وزير الداخلية ووزير الدولة للحرب والذي أصبح فيما بعد واحدا من أشهر رؤساء الوزراء البريطانيين، بما في ذلك رئاسة الوزارة البريطانية خلال معظم الحرب العالمية الثانية. يشار إلى أن جيرترود بيل هي ابنة عم كليمينتين أوجيلفي زوجة ونستون تشرشل.

وعرف عن جيرترود بيل ارتباطها بالمنطقة العربية التي عاشت فيها قرابة نصف عمرها، ودخلت في حياة البدو وقامت بدراستهم عن قرب. وتوفيت ودفنت في بغداد. وقد عبّرت عن عشقها للصحراء عند عودتها من بريطانيا إلى المنطقة العربية بقولها "لأول مرة في حياتي أعرف من أنا. إن قلبي ليس ملكا لأحد سوى الصحراء. وكلما تعمقنا في غمر أنفسنا في الصحراء، كلما ظهر كل شيء كالحلم".

ويجمع فيلم "ملكة الصحراء" بين العديد من المقومات الفنية، بما في ذلك قوة أداء الممثلة نيكول كيدمان وتجسيدها الواقعي لشخصية بطلة القصة جيرترود بيل، في واحد من أقوى أدوارها. وتهيمن الممثلة نيكول كيدمان على فيلم "ملكة الصحراء" وتظهر في جميع مشاهد الفيلم باستثناء المشهد الافتتاحي. وشمل إعدادها لأداء دورها في هذا الفيلم التدرب على ركوب الجمال، وقامت باقتناء ناقة أطلقت عليها اسم باربي. كما يتميز الفيلم ببراعة التصوير على يد المصور النمساوي بيتر زيتلنجر الذي يبرز جمال الصحراء التي تتحول إلى شخصية رئيسية من شخصيات الفيلم، وبراعة الموسيقى التصويرية للموسيقار الألماني كلوس باديلت. وافتتح فيلم "ملكة الصحراء" في مهرجان برلين السينمائي الدولي الذي رشح فيه لجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم. وعرض هذا الفيلم في أربعة مهرجانات سينمائية أخرى هي مهرجانات معهد الأفلام الأميركي والمهرجان السينمائي البريطاني ومهرجان سينديز المقدوني ومهرجان بلغراد السينمائي. وبلغت تكاليف إنتاج هذا الفيلم 36 مليون دولار.

وصورت مشاهد فيلم "ملكة الصحراء" في الأردن، بما في ذلك البتراء، وفي عدة مواقع في المغرب وفي لندن. واشترك في هذا الفيلم عدد كبير من الممثلين والفنيين المغاربة الذين شملوا 50 ممثلا و1500 من ممثلي الكومبارس و65 فنيا.

ويشتمل الرصيد السينمائي للمخرج فيرنر هيرتزوج على الإخراج والتأليف والإنتاج والتمثيل والتصوير والمونتاج وهندسة الصوت، وقام بإخراج 67 فيلما سينمائيا ومسلسلا تلفزيونيا عبر مسيرته السينمائية التي استمرت أكثر من 50 عاما، وفاز بتسع وأربعين جائزة سينمائية بينها أربع من جوائز مهرجان كان السينمائي وثلاث من جوائز مهرجان البندقية السينمائي وواحدة من جوائز مهرجان برلين السينمائي الدولي ومهرجان سندانس للأفلام المستقلة.

وشارك في إنتاج فيلم "ملكة الصحراء" 22 من فنيي التصوير وإدارة المعدّات الكهربائية و18 في قسم الصوت وتسعة من البدلاء وثمانية في القسم الفني وستة في كل من المونتاج وقسم الموسيقى والماكياج وخمسة في تصميم الأزياء، بالإضافة إلى أربعة من مساعدي المخرج.

ومن الجدير بالذكر أن الدور الإقليمي الذي قامت به جيرترود بيل في المنطقة العربية يفوق كثيرا دور توماس إدوارد لورنس (لورنس العرب)، من حيث دورها في التقسيم الجغرافي الدائم للمنطقة وعمق العلاقات مع الزعماء العرب والقبائل العربية والتأثير الثقافي وطول الفترة الزمنية التي عاشتها في المنطقة. ويعود تفوق سمعة لورنس على جيرترود بيل إلى التقارير الصحفية المثيرة للصحفي الأميركي لويل توماس الذي قام بتغطية تحركات لورنس في المنطقة على مدى عدة سنوات والتي جلبت للورنس شهرة واسعة في الإعلام الأميركي والغربي بشكل عام، وذلك إلى جانب الفيلم الشهير "لورنس العرب" (1962) الذي جلب للورنس المزيد من الشهرة.