الثلاثاء 22 آب/أغسطس 2017
TEXT_SIZE

"الطلياني" ... تفوز بجائزة بوكر للرواية العربية

فازت رواية "الطلياني" للكاتب التونسي شكري المبخوت بالجائزة العالمية للرواية العربية التي تعرف بجائزة "بوكر العربية" في دورتها الثامنة للعام 2015.
واختيرت الرواية الفائزة باعتبارها أفضل عمل روائي باللغة العربية نشر خلال الاثني عشر شهرا الماضية. واختيرت الرواية الفائزة من بين 180 رواية مرشحة من 15 بلدا عربيا.
وقال مريد البرغوثي، رئيس لجنة تحكيم الجائزة خلال الاعلان عن الفائز في حفل اقيم في أبوظبي مساء الاربعاء: "بداية شكري المبخوت كصاحب رواية أولى، مدهشة كبداية روايته ذاتها، مشهد افتتاحي يثير الحيرة والفضول، يسلمك عبر إضاءة تدريجية ماكرة وممتعة إلى كشف التاريخ المضطرب لأبطاله ولحقبة من تاريخ تونس".
تدور أحداث الرواية في تونس، بطلها عبد الناصر الملقب بالطلياني بسبب وسامته. إلا أن الرواية ليست فقط قصته، إذ يستخدم الروائي تاريخ بطله في النضال السياسي ومغامراته العاطفية كخلفية لتأمل تاريخ تونس الحديث بكل تعقيداته، وخصوصا فترة الانقلاب الذي قام به زين العابدين بن علي على نظام الحبيب بورقيبه في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي.
ولد شكري المبخوت في تونس العام 1962 وهو يقيم فيها. ويشغل منصب رئيس جامعة منوبة (شمال تونس).ومع أن "الطلياني" هي رواية المبخوت الأولى، إلا أنه أكاديمي وناقد معروف وله الكثير من الكتابات في النقد الأدبي. وحصل الفائز بالجائزة على مبلغ نقدي قيمته خمسون ألف دولار. وستترجم روايته إلى اللغة الإنكليزية. ويؤدي الفوز بالجائزة إلى تحقيق مبيعات أعلى للرواية فضلا عن حصول الكاتب على تقدير عالمي.
كانت لجنة التحكيم قد عمدت إلى حصر خيارها ضمن قائمة قصيرة تضم ست روايات كشف عنها في شباط - فبراير الماضي في مؤتمر صحافي عقد في الدار البيضاء المغربية. وترأس لجنة التحكيم الشاعر والكاتب الفلسطيني مريد البرغوثي وضمت في عضويتها كذلك الشاعرة والناقدة والخبيرة الإعلامية البحرينية بروين حبيب والأكاديمي المصري وأستاذ الأدب المقارن في جامعة لندن أيمن الدسوقي والناقد والأكاديمي العراقي وأستاذ الأدب المقارن في جامعة بغداد نجم عبدالله كاظم والأكاديمية والمترجمة والباحثة اليابانية كاورو ياماموتو.
والجائزة العالمية للرواية العربية هي مكافأة سنوية تختص بمجال الإبداع الروائي باللغة العربية. وهي اطلقت في أبوظبي العام 2007. وترعى الجائزة "مؤسسة جائزة بوكر" في لندن، بينما تقوم "هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة" في الإمارات العربية المتحدة بدعمها ماليا. وجرى خلال الحفل الاربعاء تكريم الروائيين الخمسة الآخرين المدرجين على القائمة القصيرة وقد نال كل واحد منهم مبلغ عشرة الاف دولار بمن فيهم الفائز. وستترجم اعمالهم ايضا الى الانكليزية. وقد حاز الجائزة العام الماضي الروائي العراقي أحمد سعداوي عن رواية "فرانكشتاين في بغداد". أما الفائزون في السنوات السابقة فهم الكويتي سعود السنعوسي واللبناني ربيع جابر والمغربي محمد الاشعري والسعودي عبده خال والمصريان يوسف زيدان وبهاء طاهر.
 

إمبراطور الأمراض" يسقط عن عرشه

صدر حديثاً كتاب عن السرطان للطبيب والمؤلف سيدارثا مخرجي، عنوانه «امبراطور كل الامراض». وكان السرطان قد تربّع على عرشه لآلاف السنين. ولمناسبة اليوم العالمي للسرطان، جئنا لنقول ان هذا «الامبراطور» خسر الكثير من جبروته، وبدأ يسقط تدريجاً عن عرشه. وذلك بسبب التقدم العلمي الكبير والمعرفة المتراكمة عن ماهية المرض وكيفية القضاء عليه. ولكنه يؤلمني ان أقول انه لا تزال هناك هوة كبيرة بين حجم المعرفة التي نملكها اليوم والنسبة الضئيلة منها التي تستعمل واقعياً في معالجة هذه الامراض والوقاية منها. لقد كانت الانجازات في تطوير أدوية جديدة وعلاجات أكثر فعالية كبيرة جداً، الا ان التقدم الذي يعنى بالوقاية من هذه الأمراض كان أكبر. وها نحن اليوم قد تمكنا من الوقاية منها بنسبة 75 في المئة. انه لمهم جداً أن نؤمّن أفضل علاج للمرض لكن من الأهم بكثير أن نؤمّن الوقاية منه. لذا اخترت اليوم أن تكون الوقاية محور المقال هذا.
أولاً - أثبتت الاحصاءات الحديثة ان 25 في المئة من الامراض السرطانية على الأقل يعود سبب الإصابة بها الى التدخين. فلو تمكنا من تطوير سياسات صحية فعالة للقضاء على التدخين، نكون وفّرنا على البشرية 2.8 مليون إصابة سنوياً.
ثانياً - من أهم ما تعلمناه في السنوات الخمس والعشرين الماضية ان 30 في المئة من الامراض السرطانية تسببها التهابات جرثومية تقليدية. كما تعلمنا ايضاً ان معالجة هذه الالتهابات تمنع الاصابة بهذه السرطانات. ان الشفاء من هذه الالتهابات يتم إما بواسطة التلقيح وإما باستعمال المضادات الحيوية. بالنسبة الى التلقيح، أصبح لدينا لقاحان: واحد ضد سرطان عنق الرحم، وآخر ضد سرطان الكبد. الاول يقضي على الالتهابات التي سببها الفيروس «Human Papilloma Virus» في عنق الرحم وبالتالي يمنع الاصابة بالسرطان. لذلك اصبح من الضروري تلقيح جميع الاناث بين عمر 10 و30 سنة. أما سرطان الكبد وهو من أكثر الامراض انتشاراً في السعودية ومنطقة الخليج العربي، فمن أهم أسبابه التهاب جرثومي بفيروس C hepatitis، واللقاح ضد هذا الفيروس يمنع الالتهاب الجرثومي وبالتالي الاصابة بسرطان الكبد. أما المنحى الثاني لمعالجة هذه الالتهابات فهو استعمال المضادات الحيوية. والامثلة هنا عديدة. فبعض سرطانات المعدة تسببه بكتيريا اسمها H.pylori. وسرطان المثانة وهو من أكثر السرطانات انتشاراً في مصر والعراق، ويسببه في البلدين الالتهاب الناتج عن جرثومة البلهارسيا.
ثالثاً - هناك 20 في المئة من الامراض السرطانية يمكننا الوقاية منها بالتقيد بهذه الارشادات:
1- عدم التعرض لأشعة الشمس لمدة طويلة، ومنع استعمال الاشعة فوق البنفسجية في صالونات التجميل.
2- الإقلال من مادة الأسبستوس التي كثيراً ما تستعمل في بناء المنازل والأبنية.
3- التأكد من ضبط المفاعلات النووية وعدم تسرب الاشعاعات منها. وعدم تكرار ما حصل في تشيرنوبل.
4- الإقلال من استعمال المواد الكيماوية في تحضير الطعام وحفظه. كما ان نصيحتي هي القليل من الطعام والكثير من الرياضة. فقد أثبتت الأبحاث العلمية ان السمنة ترفع نسبة الاصابة بالسرطان.
5- عدم الافراط في شرب الكحول.
في هذا اليوم بالذات نتوجه الى حكّام العالم والى جميع المؤسسات التي تُعنى بقضية الصحة بما فيها منظمة الصحة العالمية ونقول: هناك 14 مليون إصابة جديدة بالسرطان سنوياً، ونحن قادرون بالمطلق على الوقاية من عشرة ملايين إصابة منها. هل تريدون الإصرار على الفشل؟ أم تريدون أن تجعلوا من هذه الاحصاءات حافزاً لوضع سياسات صحية قابلة للتطبيق للوصول الى أهدافنا؟ ألم يحن الوقت لنضع قضية الصحة في أعلى سلم أولوياتنا؟ كما ان المسؤولية تقع على عاتق كل واحد منا. فالحياة هي هبة من الله، والصحة هي المدخل الى الحياة. الحفاظ على الصحة هو تمجيد لعمل الله. ولولا الحياة لم يملأ مجد الله هذه الارض.
كل امرئ سيموت في يومه. هذا هو الناموس. إلا أن هناك فارق كبير بين أن يموت المرء في يومه أم يموت في يوم غير هذا اليوم.
 ------------
* رئيس مركز سالم للسرطان - هيوستن، تكساس
 

عشاق عكد النصارى

من أكثر الأشعار المُغنّاة التي نسجوا حولها الأساطير والحكايات، كانت قصيدة ( يا راهب الدير) لشاعر مغمور. انتشرت بين مغنيّات العصر العباسي، غنّتها مؤنسة جارية بنت المهدي كما تذكر الروايات، ووجدنا لها ليلة في (ألف ليلة وليلة)، وغنّاها المصريون، وأنشدها أهل الشام، واشتهر في مقامها العراقيون وأولهم شيخ المقامات محمد القبانجي.
قائل هذه الأبيات بتواتر الأخبار، جنديّ مسلم جاء من مصر أيام الخلافة العباسية وسكن (عكد النصارى) في بغداد، ثم ما لبث أن أضحى عاشقاً في هوى فتاة نصرانية. وبعد قصّة حبّ زلزلت قلبه كان عليه أن يعود إلى بلاده مع الجند العائدين، فحنّ وبكى وشبك عشره على رأسه، وسأل راهب الدير: (هل مرّت بك الإبلُ؟) ثمّ تحسّر على وصل وتوسّل : (يا حادي العيس عرّج كي أودّعهم / يا حادي العيس في ترحالك الأجلُ) حتى آلمه العشق، وأودى بعقله وحياته!
وعندما غنّى محمد القبانجي مقام (النصارى) تقدم صحفيّ مسيحيّ ببلاغ يتهمه بالطائفية أيام لم يعرف العراق معنى الطائفية. هناك اجتمع المسيحيون في (عكد النصارى) وكتبوا بلاغاً بأسمائهم وقدّموه إلى المحكمة يعلنون وقوفهم مع القبانجي، ما دعاه أن يردّ لهم التحيّة بأحسن منها ، ويُغنّي لهم ( أنا مغرم بالنصارى) بنوع من الامتنان والعرفان بالجميل!
ووجدت الشيخ محمد سعيد الحبوبي وهو بركان هادر من الشعر والمشاعر، يمرّ في عكد النصارى فيستوحي من (العكد) أحلى قصائده ويناجي الحبيب قائلاً : فلو رأتك النصارى في كنائسها .. مُصوّراً ربّعت فيك الأقانيما .
وهذا هو الشاعر البديع حافظ جميل أبو نواس العراق تخطف جمار قلبه طالبة مسيحية قادمة من دمشق اسمها (ليلى تين) يلتقيها في الجامعة الأميركية ببيروت فيغازلها بقصيدة رقيقة غناها المطرب ناظم الغزالي: (يا تين يا توت يا رمان يا عنبُ / يا خير من حوت الأغصانُ والكتبُ) .. وفي بيت آخر (حلفتُ بالكرم يا ليلى وبالتوت / وما ضمّ صدرك من درّ وياقوت )، و (يا توتُ يا ليت ظلّ التوت مضجعنا / وأنت ليتك يا رمّانُ ترضعنا).
لم تكتمل القصيدة. اشتكت ليلى إلى عمادة الجامعة ما تلقاه من مضايقات حافظ جميل ووشايات الطلاب. عاد حافظ إلى العراق دون أن يظفر لا بليلى ولا بالتين، غير أن الحظ شاء أن يجتمعا بعد طول فراق ونوى حين جاءت ليلى للتدريس في دار المعلمات ببغداد.. كان اللقاء في (عكد النصارى) واكتملت القصيدة!
وإذا كان عكد النصارى أشهر أحياء بغداد التي سكنها المسيحيّون ، فمن الملفت إن أشهر منارة في تاريخ بغداد، منارة جامع الخلفاء، سمقت وشهقت في هذا المكان أيضاً... ويوماً حدثني الشيخ جلال الحنفي عن ذكريات من مجلس الأب انستاس ماري الكرملي في عكد النصارى. قال لي: من الكرملي تعلمت العربية وهو من أسبغ عليّ لقب الحنفي!
مسجد تجاوره كنيسة، شيخ في مجلس راهب، مسلم عاشق يصبو في هوى مسيحية. لا بُدّ هناك من لغز عجيب يدفع هذه العذابات نحو (سمراء من قوم عيسى).. ولو كانت هذه السمراء تضرب بالناقوس لتفتك بالقلوب!
هكذا كان هو العراق منارة الثقافة والعلوم، اين هو اليوم من هذه اللحمة والتآخي والمحبة بين اطيافه. حسبنا الله ونعم الوكيل...
---------------------
يا تين يا توت يا رمان
يا تين يا توت يا رمان يا عنبُ
     يا خَير ما أجْنَت الأغصان و الكُثـُبُ
يا مشتهَى كلِّ نفسٍ مسَّها السَّغَب
يـا بُـرْءَ كلِّ فؤادٍ شبَّـهُ الوَصَبُ
***
يا تينُ سَقيًا لِزاهي فَرعك الخَضِلِ
يـا وارفَ الظلِّ بينَ الجِـيدِ والمُقَلِ
هفَـا لكَ التوتُ فاغمُر فـاهُ بالقُبَـلِ
فالكَـرْمُ نشوانُ والرمـَّانُ في شُغُـلِ
**
يا تينُ زِدْني على الأكدار أكدارا
ولا تَـزدْني تَعِـلاّتٍ وأعـذارا
هَبْـني هَزارًا وهَبْ خدَّيْـكَ نُوَّارا
فهل يَضِيرُكَ طيرٌ شَمَّ أزهارا
***
نـاداكِ بِـالتـِّين يـا لَيـْلَى مُنـادِيـكِ
والتِّينُ بَعضُ جَنَى الأَطياب مِن فِيكِ
لو كان يُجْدي الفِدا في عَطْفِ أهْليكِ
لَرُحْتُ بـالرُّوحِ أفـْديـهم وأَفـْديـكِ
***
كتَمْتُ حُبَّكِ عن أهلي ولو عرَفوا
شـدَدْتُ رَحْـلي إلى بغـدادَ لا أقِفُ
هَذِي دُمُوعي على الخدَّيْنِ تنذرِفُ
يا مُنْيةَ القَلْبِ هل وَصْلٌ وأنصرِفُ
 

إنتهاء حقبة التجارة بقوافل الحيوانات في مناطق النيبال

لأجيال عدة كان التجار وقطعانهم المنوعة من البغال وثيران التيبيت بمثابة شريان الحياة للمناطق النائية النيبالية الواقعة في قلب جبال الهملايا المذهلة والخطيرة في كثير من الأحيان.
وقد تحدى التجار بشجاعة الطرقات الوعرة القديمة ناقلين الملح والحبوب وغيرها من السلع بين هضبة التيبيت المجاورة في الصين والمرتفعات الوسطية في النيبال، وهي مهنة استمرت لقرون. إلا أن خطة حكومة النيبال لشق طريق عند حدود المنطقة المعزولة تعني أن مصدر رزق التجار وطريقة عيشهم التقليدية ستذهب إلى غير رجعة.
وستسمح الطريق للسيارات والشاحنات للمرة الأولى بنقل البضائع بعد أن كان ذلك محصورا بشكل شبه كامل بقطعان الحيوانات التي كانت تمثل قوافل التجار.
وقال التاجر راشهي كامي لوكالة الصحافة الفرنسية خلال تحميله البضائع على ظهور البغال في مدينة سيميكوت الواقعة على ارتفاع حوالى ثلاثة آلاف متر عن سطح البحر "إننا لا نذهب إلى الأماكن التي فيها طرقات بل فقط إلى المواقع التي لا يمكن الوصول إليها عبر الطرقات. لا يمكننا حتى التفكير في منافسة الشاحنات". وأضاف "عندما ستشق الطريق، سأواجه مشكلة كبيرة. لن أتمكن من العمل بعدها"، في إشارة إلى أنشطته التجارية مع المجموعات المقيمة في مقاطعة هوملا وجوارها في أقصى شمال غرب النيبال. إلا أن هذه الطريق الجديدة لم تدفع بالجميع إلى اليأس. فالكثير من سكان هوملا البالغ عددهم 50 ألفا والمقيمون في جبال الهملايا يأملون في أن يصبح العديد من السلع الباهظة حاليا متوافرا في القريب العاجل وبأسعار بخسة. وخلال موسم التجارة الذي يستمر بين آذار- مارس وتشرين الثاني- نوفمبر، أي في الفترة التي يكون فيها الطقس جميلا، يمضي كامي لياليه خارج المنزل على الدرب الجبلية.
يتناوب الرعاة على النوم وكذلك على الانتباه إلى النار أو التنبه من خطر التعرض لهجمات النمور والذئاب والحيوانات المفترسة الأخرى. وهذه المهنة التي سلط الضوء عليها فيلم "هملايا" المرشح لجائزة أوسكار سنة 1999، محفوفة بالمخاطر. فقد هوى أحد زملاء كامي في النهر وغرق العام الماضي، حتى أن كامي نفسه البالغ 38 عاما كاد يخسر حياته عندما علق في عاصفة ثلجية قرب الحدود النيبالية الصينية سنة 2012.
وقال هذا الرجل وهو والد لأربعة أبناء "عندها فكرت أنه يتعين علي البحث عن عمل آخر لكسب قوت العيش لكن هذا الأمر الوحيد الذي باستطاعتي فعله".
ويجاهد الكثير من التجار لعيش حياة كريمة في هذه المنطقة الفقيرة من العالم التي يستورد سكانها بعض السلع من الهند المجاورة أو مناطق أخرى. لكن قبل خمسين عاما، كانت هذه التجارة مزدهرة وأرباحها مرتفعة كما أن الحيوانات المزينة بأجراس ورداءات زاهية كانت منتشرة في هذه المناطق الجبلية المكسوة بالثلوج. وقال توندهوب لاما البالغ 67 عاما لوكالة الصحافة الفرنسية إن القوافل كانت شريان الحياة بالنسبة لهذه المنطقة الجبلية وتوفر لكل أسرة مقيمة فيها المواد الأولية من الأرز والحبوب والملح وكل ما كانوا يحتاجونه.
وكان لاما لا يزال مراهقا عندما حذا حذو والده وجده وتمرس في هذه التجارة وقام بمقايضة الشعير المزروع محليا بالملح الوارد من التيبت الذي كان يعمد في وقت لاحق إلى بيعه مقابل الأرز من التلال الوسطى في النيبال. وقد كانت الرحلة الممتدة على أسبوعين إلى المناطق الحدودية تكشف عالما شاسعا لم تصله الحداثة. وقال لاما "لم يكن ثمة شيء هناك -- كنا نتفاوض مع رحل تيبيتيين مقيمين في خيم كانوا يجلبون لنا الملح والصوف لنبادله بالحبوب"، مضيفا "حينها كنا نحن الاغنياء". وواجهت هذه التجارة أولى انتكاساتها الكبيرة عندما أدخلت النيبال امدادات مدعومة من الملح المدعم باليود من الهند في عام 1973، بهدف الحد من أمراض مثل تضخم الغدة الدرقية والقماءة. وتلقى سوق الملح المستورد من التيبيت ضربة قوية إلا أن التجار تكيفوا سريعا وبدأوا يستوردون ملابس رخيصة من الهند كانوا يبيعونها مقابل أموال نقدية داخل النيبال أو يقايضونها مقابل الصوف والزبدة على الحدود الصينية. وفي أشهر الوفرة، كانت عائلة لاما تجني ما يصل إلى 20 ألف روبية (201 دولار) -- ما يكفيهم لتحمل الشتاءات القاسية عندما تؤدي الثلوج المتساقطة إلى قطع الممرات الجبلية المستخدمة في التجارة.
وصرح لاما "كانت الحياة مليئة بالتحديات لكنني كنت أحب المغامرات والسفر". وبعد أقل من عقد، سددت حكومة النيبال ضربة أخرى لكن هذه المرة من دون أن يتمكن التجار من استعادة عافيتهم. فقد سمحت قوانين جديدة لحماية الغابات للسكان المحليين باستقاء ضرائب مرتفعة مقابل استخدام المراعي التقليدية لحيواناتهم.
وقال المشرع السابق في مقاطعة هوملا شهاكا باهادور لاما للوكالة إن "صناع القرار في كاتماندو لم يكترثوا يوما لما يعنيه ذلك بالنسبة لنا نحن سكان الجبال، لم يفكروا يوما بحاجاتنا".
وبعد الفشل في التقيد بمتطلبات القوانين الجديدة، انتهى الأمر بالرعاة القدماء مثل توندهوب لاما بالإقلاع عن التجارة، وهو باع حيواناته من ثيران التيبت والأغنام والأحصنة للتوقف عن الاهتمام بمزرعته. أما اليوم، فإن التجار القلائل المتبقين يقولون إنه لم يعد أمامهم أي خيارات للعمل لكنهم لا يزالون يسافرون في اتجاه الحدود الصينية، وقد اختفى الرحل التيبيتيون وتغيرت أوضاع التجارة. ويباع على الحدود ملابس صينية رخيصة ومعدات زراعية ومشروبات.
ويجمع كثيرون على أن الحداثة يجب أن تطال المنطقة المحرومة إلا أنهم يأسفون لقرب اختفاء هذا النوع من التجارة التقليدية عبر قوافل الحيوانات. وأكد المشرع السابق لاما أن "نمط حياتنا بدائي لدرجة أننا لا نستطيع الاستمرار في ظل الحياة العصرية"، مشيرا إلى أن "المسألة ليست فقط مجرد نهاية اقتصاد تقليدي بل إنه ذوبان ثقافة وانتهاء حقبة ويوم حزين بكثير من النواحي".
 

سجن مكتظ في الاكوادور يتحول إلى فندق فخم

يستعد السجن القديم المكتظ في كيتو المشيد في القرن التاسع عشر لاستقبال نزلاء سعداء الحظ في ظل التحضيرات لتحويله إلى فندق فخم في الوسط العائد للحقبة الاستعمارية في العاصمة الاكوادورية.
فقد اقفل سجن غارسيا مورنو، أكبر معتقلات كيتو المشيد سنة 1875 وكان يضم 270 معتقلا، أبوابه في نيسان- إبريل الماضي بعدما وصل إلى شفير الانفجار بسبب اكتظاظه بأكثر من أربعة آلاف سجين.
وقال الرئيس الاكوادوري رافاييل كوريا الذي أطلق مبادرة هذا المشروع "تصوروا كم أن الأمر جميل"الانتقال من سجن إلى فندق".
وسبق أن شهدت مونتيفيديو عاصمة أوروغواي خطوة مماثلة، إذ تم تحويل سجن إلى مركز تجاري فخم، كذلك الأمر في بوسطن في الولايات المتحدة الأمريكية حيث تحول سجن إلى فندق فخم.
وأضاف الرئيس الاكوادوري وهو قائد اشتراكي من بين مشاريعه المعلنة مواجهة الاكتظاظ في السجون،"افخم فنادق بوسطن هو السجن السابق في المدينة. لم أكن أعلم بذلك عند اقتراحي للفكرة".
وقبل وصول السياح، تم نقل نزلاء السجن السابق في كيتو إلى مراكز حديثة "لإعادة التأهيل الاجتماعي"، وهو الاسم الذي تفضل الحكومة اعتماده بدلا عن "سجن". ومنذ اقفاله، تحول الموقع وهو مبنى مذهل يعود إلى الحقبة الجمهورية، إلى مركز لمعارض الصور الفوتوغرافية عن ظروف الاعتقال القاسية داخل السجون. كما أمكن زيارة الزنازين البالغة مساحتها أقل من ثمانية أمتار مربعة حيث كان يتكدس حتى عشرة أشخاص. وقد نجح تاجر مخدرات فقط، عن طريق دفع رشاوى، بتغيير زنزانته ونقله إلى غرفة تليق بفنادق الخمسة نجوم.
وفي الوقت الذي ستختار فيه الحكومة في الأشهر المقبلة الشركة المكلفة إعادة تأهيل السجن، ترتفع أصوات للمطالبة بالحفاظ على تاريخ هذا الموقع. وبرأي المهندس والمؤرخ الفونسو أورتيز فإن هذه المبادرة يجب أن "تحلل بعمق" بهدف الحفاظ على "ذاكرة" هذا المكان الذي سجن فيه الكثير من المفكرين والسياسيين بينهم الرئيس السابق لوسيو غوتيريز (2003 - 2005)، وأيضا ألوي الفارو (1895 - 1901) الذي اغتيل خلال فترة اعتقاله.
وقال اورتيز لوكالة الصحافة الفرنسية، "يجب تحليل تاريخ هذا المبنى بكثير من الحذر. عند تحويله إلى الفندق، سيتم تدمير بنيته الداخلية وبالتالي سيفقد روحيته". وهذا المدافع عن التراث يقترح على الحكومة استلهام أمثلة أخرى معروفة في أميركا اللاتينية، مثل سجن لوكومبيري المكسيكي الذي بات يؤوي المحفوظات الوطنية أو سجن بوغوتا الذي تحول إلى المتحف الوطني الكولومبي.
ويفكر سكان آخرون ممن لم يقتنعوا بالضرورة بجدوى بناء الفندق، بدوافع اكثر اقتصادية، كما الحال بالنسبة لغابرييلا باييز. وتشعر هذه التاجرة بـ"الحنين للسجن" بسبب الزبائن الذين كانوا يبتاعون الأغراض منها في الحي خلال فترة الزيارات، لكن أيضا بفضل "الأمن" الذي كان يوفره الشرطيون الموكلون حراسة الموقع. لكن بحال تحول إلى فندق أم لا، تؤكد السلطات أن أيام هذا المعتقل معدودة. وقالت وزارة العدل أخيرا أن "الفساد والوضع المتردي والاكتظاظ ومستويات العنف المرتفعة، كلها حتمت انهياره".